التبصرة للخميصفحات 4349-4389

كتاب التدليس بالعيوب

صفحات 4349-4389

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

كتاب التدليس بالعيوب

باب في منع التدليس بالعيوب والحكم فيه إذا نزل

التدليس في العيوب غير جائز؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، فما زاد ثمن الصحة على العيب يأكله البائع بالباطل.
ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا".
وفي كتاب مسلم: أنه - صلى الله عليه وسلم - مر على صُبْرَةِ طعام فأدخل يده فنال أصابعه بلل فقال: "مَا هَذَا؟ " قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ الله، فقال: "أَلاَ جَعَلْتة عَلَى الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَليسَ مِنَّا" 1. وقال في المتبايعين: "إِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهَما" 2. فمن كتم عيبًا كان للمشتري أن يرد؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ

وَالغَنَمَ فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ" (1). وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ" (2) وفائدة ذلك الرد بالعيب القديم.

فصل [فيمن باع عبدًا ودلس فيه بعيب]

ومن المدونة قال ابن القاسم -فيمن باع عبدًا ودلس فيه بعيب-: إن للمشتري أن يرد به، فإن أصابه عند المشتري عمى أو عور أو قطع أو شلل، رد معه ما نقصه أو حبسه، ورجع بقيمة العيب، إلا أن يقول البائع أنا أقبله بالعيب الحادث فيكون له ذلك.
وإن كان العيب الحادث خفيفًا مثل الحمى والرمد، رده ولا شيء عليه, وإن ذهبت أصابعه أو إصبع واحدة لم يرده إلا بما نقص، وإن ذهبت الأنملة وكان من العلي رده وما نقصه، وإن كان من الوَخْش 3 لم يكن عليه شيء، وإن12

ذهب ظفره لم يكن عليه شيء، وإن كان من العلي رده وما نقصه 1. وقد خولف في هذه المسألة في ثلاثة مواضع: أحدها: إذا كان العيبُ مفسدًا.
فقال محمد بن مسلمة: إذا عمي أو أقعد أو هرم أو كانت دابة سمينة فعجفت، أو انقطع ذنبها حتى تصيرَ في غير حدها الذي تراد له، أخذ قيمة العيب ولم يرده.
والثاني: إذا قال البائع: أنا أقبلها بالعيب الحادث ولا شيء عليك، أو تمسك ولا شيء لك.
فقال ابن دينار: ليس له ذلك، فقد يريد العبد ويرغب فيه فيقول له: احبس ولا غرم عليَّ، أو رُدَّ ولا غرم عليك.
وقاله ابن دينار والثالث: إذا حدث به حمى.
فقال سحنون: الحمى مرض من أمراض الموت.
يريد فلا يرد به.
والعيب الحادث عند المشتري ثلاثة: يسير، وكثير لا يبطل الغرض الذي كان يملك لأجله، وكبير يبطل ذلك الغرض منه.
فإن كان يسيرًا كان كالعدم عند ابن القاسم، والمشتري بالخيار بين أن يمسك ولا شيء له، أو يرد ولا شيء عليه.
وإن كان كثيرًا ولم يبطل الغرض منه، لم يمنع من الرد، وكان المشتري بالخيار بين أن يمسك ويرجع بقيمة العيب، أو يرد، ويرد ما نقصه العيب.
وإن كان ذلك العيب قد أبطل الغرض الذي يراد منه، لم يكن له ردٌّ ورجع بقيمة العيب، فالعمى وقطع اليد والشلل، يبطل الغرض من العبد، كما قال ابن مسلمة وذلك فوت، وكذلك الهرم والعجف في الدابة إذا كان لا يرجى ذهابه، وقطع ذنبها إذا كانت تراد قبل

ذلك للركوب، وكذلك الإصبع والأنملة من العبد الصانع إذا كان يرغب فيه لصنعته، فبطلت صنعته لذهاب الإصبع والأنملة.
وأما الظفر فخفيف في العلي من العبيد، ولا يخفف في العلي من الجواري ولا يردها إلا بما نقص ذلك العيب.
وقول سحنون في الحمى حسن ولا يعجل بالرد، ولأنه في شك مما ينكشف عنه، فقد ينكشف عن عرض مخوف يمنع الرد.
وكذلك الرد لا يعجل برده حتى ينظر ما يؤول إليه.
وقول عيسى في الوجه الآخر حسن إذا زاد سوق العبد أو زاد في نفسه، وإن لم يزد سوقه ولا زاد في نفسه، فقول ابن القاسم أحسن.
والقياس في العيب اليسير إذا كان البائعُ غيرَ مدلس ألا يرد المشتري إلا بما نقصه العيب؛ لأنه قبضه سالمًا فعليه أن يرد سالمًا، وقد حدث العيب وهو في ضمانه، وإن دلس لم يرد عنه شيء؛ لأن الغالبَ أنه لا ينفك من ذلك.
وقال ابن حبيب: إذا حدث عيب في الخُلُق، شرب الخمر أو السرقة أو الزنا أو الإباق، لم يغرم المشتري عنه شيئًا، وهذا خلافُ الأصول، ولا فرقَ بين عيب الخلق وغيره.

باب فيمن اشترى عبدين فأصاب بأحدهما عيبًا، أو استحق أو اشترى طعامًا فوجد به عيبًا، أو استحق بعضه، أو شاتين فوجد إحداهما غير ذكية أو خلًّا فوجد بعضه خمرًا

ومن اشترى عبدين صفقة واحدة، فأصاب بأحدهما عيبًا وكانا متكافئين، أو كان العيب بأدناهما، رد المعيب ولزمه السالم.
وإن كان العيب بأجودهما، كان له أن يردهما؛ لأن الشأن أن شراء الأدنى إنما كان رغبة في الأعلى، والجواب في الاستحقاق كذلك إن استحق الأدنى، أو كانا متكافئين لزمه ما لم يستحق، وإن استحق الأعلى رد ما لم يستحق.
واختلف إذا اشترى جملة عبيد أو ثياب، وهي متساوية أو متقاربة، فكان العيب أو الاستحقاق في أكثرها، فقال ابن القاسم: له أن يرد السالم وما لم يستحق 1. وقال أشهب: يلزمه ذلك ولا رد له.
وفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، إذا كان العيب والاستحقاق في الأرفع؛ لأن الأدنى إنما يشترى لمكان الأجود، وإذا كانوا صفقة سواء أو متقاربة، كان كل واحد مشتريا لنفسه لا مشتريا لغيره، ولو بقي عنده عبد من عشرة لزمه.
ورأى ابن القاسم أن التاجر يرغب في شراء الجملة ولا يرغب في شراء القليل، وليس هذا اختلافا في فقه.
وأرى أن يرجع في ذلك إلى ما يقوله التجار، فإن قالوا: إن الرغبة في

الجملة، ومتى كان الواحد والاثنان لم يرغب في شرائه، وكان يشتريه بدون ما اشترى به في الجملة، كان له أن يرده.
وإن قالوا: الرغبة والثمن سواء؛ لزمه.
واختلف في خمسة مواضع: أحدها: إذا أراد أن يمسك الأدنى بعد أن مكن من الرد، هل له ذلك؟ والثاني: إذا كان العيب بالأعلى واستحق وفات الأدنى، هل يمضي بالثمن أو بالأقل من القيمة أو الثمن؟ والثالث: إذا كان العيب بالأدنى وأراد رده، وقال البائع إما أن تقبل الجميع أو ترد الجميع.
والرابع: إذا فات المعيب أو استحق وفات الآخر، واختلف في قيمة الفائت.
والخامس: ما الذي يفيت الأدنى إذا رد الأعلى، حوالة الأسواق أو العيوب؟ فمنع ابن القاسم إذا كان رد الأعلى بعيب أو استحق أن يمسك الباقي ورآه بمنزلة من ابتدأ الشراء بثمن مجهول؛ لأنه مَلَكَ الرد، فأمسكه بما يصير له من الثمن في الجملة، وذلك غير معلوم إلا بعد تقويم 1. وأجازه ابن حبيب وله في إجازته وجهان: أحدهما: أنه إنما يتمسك به على العقد الأول ولا ينحل إلا برده؛ لأن مصيبته بعد رد المعيب أو الاستحقاق من المشتري حتى يرده، وهو أصل أشهب فيمن وجد عيبًا فصالح عليه، أنه شراء مرجع وليس كمبتدأ بيع.

والثاني: أن يكون أجراه على أحد القولين في جمع السلعتين، وإن كان يرى أن البيع الأول قد انحل.
وأرى له أن يتمسك به؛ لأنه باق على العقد الأول لم ينفسخ بعد، ولو كنت أرى قبوله ورضاه به فاسدا فرددت قبوله، لكان بمنزلة من لم يلتزمه، ثم ينظر قيمة الباقي من المعيب أو المستحق فيقبل بعد المعرفة بما ينوبه أو يرد.
واختلف إذا كان العيب بالأدنى فأراد المشتري رده وحده، وقال البائع: إما أن ترضى به أو ترد الجميع، فقيل: القول قول المشتري.
وقال ابن القاسم في المدونة: إذا كان العيبُ في كثير من عدده أو وزنه أو كيله، حتى يضر ذلك بصفقته، لم يكن له أن يحبس ما صح بما ينوبه من الثمن، وإن كان معروفًا؛ لأن البائع إنما باع على أن حمل بعضه بعضًا بخلاف الاستحقاق 1. وإذا جعل للبائع مقالًا أن يحمل الأقل عيبَ أكثر الصفقة، كان ذلك أبين أن يكون له ذلك، إذا كان العيب بالأدنى أن يحمله الأجود.
وقال الداودي: وقد قيل ذلك سواء كان العيب في أقل الصفقة أو أكثرها، فإنه يرد الجميع أو يحبس الجميع.
والأول أحسن، وإذا رد الأجود وفات الأدنى، مضى عند ابن القاسم بما ينوبه من الثمن، وقال- في كتاب محمد: فيمن اشترى شاة وعليها صوف، ثم وجد عيبًا بعد أن جزه وفات-: أنه يرد مثل الصوف أو قيمته ما بلغ 2. فعلى هذا يرد قيمة الأدنى، إلا أن تكون القيمة أكثر فيمضي بالثمن.
وأما الوجه الذي يفيت الأدنى، فظاهر قول ابن القاسم حوالة

الأسواق (1). وقال محمد: يفيته العيب المفسد الذي يفيت الرد بالعيب، وليس حوالة الأسواق ولا تغير البدن (2). لأنه لما وجد العيب بالمرتفعة من الجاريتين، فكأنه وجده فيهما، وهذا لأن رد الأدنى إذا كان الأجود قائما، من باب العيب عليه في صفقة، والعيوب لا تفيتها حوالة الأسواق ولا العيب الخفيف، وإذا كان العيب كثيرًا كان بالخيار بين أن يمسك ويرد قيمته، ليس مما ينوبه من الثمن من الصفقة الأولى؛ لأن ذلك العقد سقط.
وقال محمد- فيمن اشترى عبدين فوجد بهما عيبًا، فرضي بعيب أحدهما وأراد رد الآخر-: ذلك له (3). وهذا صحيح؛ لأن الرد بالعيب من حق المشتري فيهما، فله أن يقوم بحقه فيهما أو في أحدهما.
وإن اختلفا في صفة الفائت كان القول قول المشتري عند ابن القاسم إن لم ينقد، والقول قول البائع إن انتقد.
وقال أشهب ومحمد: القول قول البائع انتقد أو لم ينتقد (4). والأول أحسن؛ لأن المعيب سقط العيب فيه بالرد، وصار البيع في الباقي وحده.

فصل [في الاستحقاق]

والجواب في الاستحقاق كالجواب في العيب يجده بأحدهما، فإن استحق1234

الأدنى أو كانا متكافئين لزمه الباقي، وإن استحق الأجود كان له أن يرد الباقي إذا كان قائمًا.
واختلف هل له أن يحبسه بما ينوبه من الثمن؟ وإن فات هل يمضي بالثمن أو بالأقل من الثمن أو القيمة؟ وهل تفيته حوالة الأسواق أو العيوب؟ وإن كان الاستحقاق على الأجزاى والمبيع عبيدًا أو ثيابًا، وكان ذلك مما يخرجه القسم، كان الجواب على ما تقدم لو كان المستحق شيئًا بعينه، فإن كان المستحق النصف فأقل لزم الباقي، وإن كان أكثر الصفقة كان له أن يرد الباقي أو يمسكه قولًا واحدًا؛ لأن الجزء له ثمن معلوم، وإن كان لا يخرجه القسم كان له أن يرد وإن قل الجزء المستحق؛ لأن بقاء الشركة عيب على المشتري.
وإن كانا عبدين متكافئين فاستحق ربحهما أقرع بينهما، فما صار للبائع لزم المشتري، وفسخ البيع في الآخر للشركة.
وإذا استحق رجل جميع العبدين وكانا متكافئين، فأرى أن يمضي البيع في أحدهما جاز.
وقال أشهب في كتاب محمد فيمن غصب جارية فولدت أولادًا ثم باعها وأولادها ثم استحقت فأراد المستحق أن يجيز البيع في بعض الأولاد، أن ذلك له (1).

فصل [في استحقاق الأقل أو النصف]

ومن اشترى طعامًا فاستحق أقله لزمه الباقي، واختلف في النصف، فقال ابن القاسم: له رد الباقي 2.1

وقال أشهب -في مدونته-: يلزمه مثل العروض، وأنكر قول ابن القاسم، وأن يكون مالك قاله قط 1، وليس هذا اختلافا في فقه.
وأرى أن يرجع في ذلك إلى العادة في بيع الطعام في ذلك البلد، فإن كان ثمن الخمسين على الانفراد والجملة سواء لو كانت مائة لزم الباقين، وإن كان ثمن الخمسين على الانفراد أرخص كان له أن يرد؛ لأن المشتري يقول: إنما اشتريته بغلاء رغبة في شراء الجملة، ولئلا أتكلف شراء الباقي، ولو علمت أن المبيع هذا لم أشتره بذلك، وإن كان الثمن في الجملة أرخص، كان له مقال؛ لأنه يقول: إذا رددت هذا اشتريت الجملة رخيصة.
وقال محمد -فيمن اشترى صبرتين أو حملين على غير كيل فاستحق أحدهما-: لزمه الباقي كالعبدين بخلاف البيع على الكيل.
قاله في مسألة النصف حمل، والقياس أن يكون الجزاف والمكيل في ذلك سواء، ويرجع في الجميع إلى ما يقوله أهل المعرفة، هل البيع في الجميع والنصف سواء غلا أو رخص؟ وهذا الجواب في الاستحقاق.
وأما العيب فقال مالك وابن القاسم: إن مِن حق البائع أن لا يرد المعيب وحده، والمشتري بالخيار بين أن يقبل جميعه أو يرد جميعه سالمة ومعيبة؛ لأن بعضه يحمل بعضًا ومحمل قوله على أحد الأقوال في العروض أنه يقبل جميع المعيب أو يرده، وعلى القول أنه يرد المعيب وحده ويكون ذلك في الطعام؛ لأنه لا يجوز له أن يخلط الطعام الجيد بالرديء ثم يبيعه، واذا كان الحكم أن لا يخلطا وإن بيعا صفقة صار كالعروض، وإن كان المعيب مما لا ينفك عنه أسافل الصبرة، لزم المشتري قبوله، إلا أن يكون زائدًا على المعتاد فيرد الزائد.

وقال ابن القاسم -فيمن اشترى شاتين مذبوحتين، فأصاب إحداهما غير ذكية-: له أن يرد الذكية كالطعام يستحق نصفه، وله أن يحبسها بما يصيبها من الثمن.
وعلى قول أشهب تلزمه الذكية، وإن كانت الأدنى كالعروض 1. وهذا إذا كانتا على الوزن، وإن كانتا جزافًا لم يكن له أن يرد على قول محمد، إذا كانتا متكافئتين ولا على قول أشهب، وإن كانت الذكية الأدنى.
وقال سحنون: البيع فاسد؛ لأنها صفقة جمعت حلالًا وحرامًا، وهو أصله أيضًا فيمن تزوج بعبد فثبت أنه حر، أن النكاح فاسد وإن لم يتعمداه 2. وأخذ القاضي أبو الحسن علي بن القَصَّار من هذه المسألة: أنه متى جمعت الصفقة حلالًا وحرامًا نقض البيع الحرام وحده.
وقول ابن القاسم: إذا لم يعلما، أحسن؛ لأن الميتة في ذلك كالمستحقة، وكذلك أراد إذا علما وكانتا متكافئتين؛ لأنه لم يشترِ إحداهما لمكان الأخرى، وكذلك إذا كانت الميتة الأدنى، وكل موضع يكون البيع لازمًا في الاستحقاق، وفيما لم يستحق يكون لازمًا في الذكي؛ لأنه لم يشتره لمكان الميتة، وإذا كان ذلك لزم الذكي.
وكذلك إذا كانت قلالَ خلٍّ فوجد بعضها خمرًا، يختلف هل يكون العقد في الخل صحيحًا أو فاسدًا؟ وإذا كان صحيحًا وكان الخل النصف فأكثر وهو جزاف لزم البيع فيها.
ويختلف إذا كانت على الكيل، فقال ابن القاسم: يكون بالخيار فيها.
وقال أشهب: يلزم البيع في الخل، وإن كانت التي هي خل واحدة من عشرة لزمت.

وقال ابن القاسم -فيمن باع عبدًا بثوبين، ثم وجد أحد الثوبين معيبًا، وهو الوجه وفات الأدنى، والعبد قائم-: رد المعيب وقيمة الأدنى وأخذ العبد، وإن فات العبد بحوالة الأسواق فما فوق وقيمة المعيب من الثوبين الثلث أو الربع، رده وأخذ قيمة ثلث العبد أو ربعه.
فتكلم على وجهين من المسألة، إذا كان المعيب الوجه والعبد قائم، أو كان المعيب الأدنى وفات العبد.
وبقي وجهان: إذا كان المعيب الوجه وفات العبد، أو كان المعيب الأدنى والعبد قائم.
فإن كان المعيب الوجه وفات العبد، رد المعيب وأخذ ما ينوبه من قيمة العبد، ومضى الأدنى بما ينوبه من قيمة العبد.
وعلى القول الآخر يكون للمشتري أن يرد قيمته بدلًا عن عيبه، ويأخذ قيمة عبده إذا كان الذي ينوبه من قيمة العبد أكثر من قيمة الأدنى.
وإن كان المعيب الأدنى والعبد قائم، رد المعيب ورجع بما ينوبه من قيمة صاحبه، ولا يرجع شريكًا في عين العبد، وقاله ابن القاسم مرة، وينقلب الخيار لمشتريه، فيخير بين أن يرضى بالشركة أو يرده، وهو معنى قول أشهب؛ لأنه لم يقل لا خيار لمشتريه.
وما قيل في ذلك: إن الخيار له لأن العيب من سببه- فليس بحسن؛ لأن البائع إذا كان غير مدلس فلم يقصد إلى بقاء الشركة فيه، وإن كان مدلسًا، فإنه يرجو أن بحاله ذلك، أو يطلع فيجري على الأحكام في المبيعات أن لا يؤخذ في العيب بغير ما باع به، كما لم يجبر أن يسقط قيمة العيب مع قيام المبيع، وإن وجد العيب بالعبد رده وأخذ ثوبيه إن كانا قائمين، أو قيمتهما إن كانا فائتين.
وإن فات أحدهما وهو الأعلى كان فوتًا للأدنى ويأخذ قيمتها، إلا أن يحب

البائع أن يأخذ الأدنى فذلك له؛ لأن المقال له فيه لا عليه.
وإن فات الأدنى أخذ الأعلى، واختلف في الأدنى إذا كان قائمًا، فقيل: يرد قيمته.
وقيل: لمشتريه أن يرده؛ لأن انتزل الأجود من يديه عيب عليه في الأدنى، وقد تقدم ذلك.

فصل [فيمن اشترى ثوبين بطعام فاستحق أحدهما أو وجد به عيبًا]

ومن اشترى ثوبًا بطعام فاستحق أحدهما، أو وجد به عيبًا، فإن كان الأدنى رجع بما ينوبه من الطعام، ولا خيار لواحد منهما، وإن كانا متكافئين رجع في نصف الطعام إن كان قائمًا، وفي مثله إن كان فائتًا، ثم يكون المشتري بالخيار في الباقي -على قول ابن القاسم- بين أن يمسك الباقي، أو يرده ويأخذ ثوبه إن كان قائمًا أو قيمته إن كان فائتًا، ولا خيار له في قول أشهب.
وإن كان المستحق أو المعيب الوجه 1 من الثوبين، كان له أن يرد الأدنى وليس له أن يتمسك به، ويكون المشتري بالخيار، وعلى قول أشهب لا خيار له.
وإن كان الاستحقاق في الطعام، فإن كان يسيرًا لزمه ما لم يستحق ورجع بما ينوبه في الثوبين قيمة على مذهب ابن القاسم، وشريكًا على قول أشهب.
ويرجع الخيار لمن في يده الثوبان.
وإن استحق نصف الطعام فأكثر كان مشتريه بالخيار عند ابن القاسم بين أن يتمسك بالباقي ويرجع بما ينوب المستحق قيمته، وعلى قول أشهب يلزمه في الطعام ويرجع شريكًا في الثوبين، وينقلب الخيار لمشتريهما.

باب فيمن اشترى سلعة أو عبدًا فهلك بيد البائع، أو شيئًا مما يكال أو يوزن فهلك قبل الكيل والوزن، أوبعد كيله ووزنه وقبل أن يفرغ في وعاء المشتري

ومن اشترى ثوبًا أو عبدًا فهلك بيد البائع، فإنه لا يخلو أن يكون ذلك لا سبب فيه لآدمي، أو يكون هلاكه من سبب البائع أو أجنبي أو مشتر.
فاختلف عن مالك إن كان لا سبب فيه لآدمي، فقال مرة: المصيبة من البائع.
وقال أيضًا: من المشتري.
وسواء كان البيع سلعة أو حيوانًا حاضرًا أو غائبًا.
واستحب ابن القاسم إذا كان المبيع حاضرًا أن يكون من المشتري، وإن كان غائبًا أن يكون من البائع 1. وقال محمد في "مختصر ما ليس في المختصر": إن كان المشتري من أهل البلد وهو موسر، كانت المصيبة من البائع، وإن كان غريبًا وليس بموسر كانت المصيبة من المشتري، وإن كان الأجل عشرة أيام ونحوها فهو من البائع؛ لأنه كالرهن في يديه.
فرأى في القول الأول أن البيع التقابض، أن تعطيني عبدك وأعطيك عشرة دنانير، وما تقدم، فإنما هو عقد أوجب أن أعطيك وتعطيني، ولهذا قال: المصيبة من البائع وإن كان البيع عبدًا أو ثوبًا وقامت البينة على تلفه.
ورأى في القول الآخر أن العقد بيع في الحقيقة، فنقل الضمان بنفس العقد.

والتعليل بأمر التسليم ليس بحسن؛ لأنه إن كان يرى أن عليه التوفية والتسليم، فإن التراخي عنهما لا يسقطهما كما لا يسقط ما كان باقيًا على الكيل، فإن التراخي عنه لا يسقطه، وإن كان يرى أن البيع عقد في الحقيقة، فعلى المشتري أن يسلم ذلك، وإنما على البائع أن يرفع يده عنه.
واختلف بعد القول إن عليه التسليم، فقال أبو الحسن ابن القصار: الذي يجيء على المذهب أحد وجهين: إما أن يجبر المبتاع على تسليم الثمن، ثم يؤخذ من البائع المبيع، أو يقول لهما: إن لم يتطوع أحدكما فيبتدئ بالتسليم، أو تكونا على ما أنتما عليه.
وأن يجبر المبتاع أقوى.
قال الشيخ -رحمه الله-: أما إذا كان المبيع ثوبًا بثوب، فعلى كل واحد منهما إذا تشاحَّا أن يمد يده بثوبه، فإذا تحاذيا قبض كل واحد منهما ما اشتراه.
وإن بيع ثوب بعين كان على مشتريه أن يزن الثمن ويقلب، فإذا لم يبق إلا تسليمه، مد كل واحد منهما يده بملكه نحو الأول لأنه لا تبدية لأحدهما على الآخر.
وإن كان المبيع دارًا أو أرضًا أو حائطًا أو ما لا بنيان به، جبر المشتري على البداية بدفع الثمن؛ لأنه ليس على البائع أكثر من رفع يده والتسليم، فالقول إذا كان المبيع فارغًا من أشغاله.
وإن كان المبيع منافع دابة أو دار، ولم تكن عادة في تعجيل الكراء ولا تأخيره، كان للمكتري أن يبتدئ بالركوب والسكن، فكلما مضى يوم دفع ما ينوبه؛ لأن المنافع لا يقدر على قبضها كالثوب، ولا يقدر الآخر أن يعطيه كلما مشى خطوة أو ساعة بحسابها، وليس على المكتري أن يَبتدئ بالدفع ثم يقبض ما يتراخى قبضه، فكان لتغليب أحد الأمرين أن يبتدئ بدفع ما يتراخى قبضه،

وأقل ما يكون في المحاسبة عنه خرج يوم.
وعلى القول: إن العقد بيع في الحقيقة، فإن كان بيع الثوب بعين، كان على بائع الثوب تسليمه ثم يطلب بالثمن، وإلى هذا يرجع قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر": إذا كان المشتري موسرًا ومن أهل البلد.
يريد: أن البائع يصير في حكم المتعدي في إمساكه؛ لأن المبيع صار للمشتري بنفس العقد، وللبائع مطالبته في الذمة بالثمن، فعليه أن يسلم للمشتري ملكه، ويطلب بالذمة، والإمساك حتى يقبض الثمن ضرب من الارتهان، والارتهان لا يكون إلا بشرط.
وإذا كان المشتري على غير ذلك فقيرًا أو غريبًا، كان الإمساك من سبب المشتري فكانت المصيبة منه، ورأى أن الأجل قريب كبياعات النقود، يكون للبائع أن يمسك المبيع حتى يقبض الثمن.

فصل [في المبيع يهلك بيد البائع أو المشتري أو المشتري الأجنبي]

ويختلف إذا أهلك البائع المبيع، فعلى القول: إن المصيبة من البائع، ينفسخ البيع إن أهلكه خطأ، ولا شيء للمشتري عليه.
إن كانت قيمته أكثر من الثمن، فإن أهلكه عمدًا وكانت قيمته أكثر من الثمن، غرم البائع فضل القيمة عن الثمن.
وإن اختلف الثمن من الجنس الذي تقدم به البيع، كان بالخيار بين أن يفسخ البيع عن نفسه، أو يدفع الثمن الذي اشترى به ويرجع بالقيمة.
وعلى القول: إن المصيبة من المشتري، يكون الخطأ والعمد سواء وعلى المشتري الثمن وعليه القيمة، فمن كان له فضلٌ أخذه.
وإن أهلكه المشتري

خطأ، انفسخ البيع على القول أن المصيبة من البائع، ويغرم القيمة إن كانت أكثر من الثمن، وإن كان الثمن أكثر غرمه؛ لأنه من باب الخطأ على الثوب أبطل الدين.
وعلى القول الآخر يكون عليه الثمن قل أو كثر؛ لأنه كان في معنى المقبوض.
وإن أهلكه عمدًا غرم الثمن قل أو كثر على القولين جميعًا؛ لأنه رضي منه بقبضه على تلك الحال.
وإن أهلكه أجنبي خطأ أو عمدًا، كان عليه على القول أن المصيبة من البائع الأكثر من القيمة أو الثمن؛ لأن خطأه على السلعة أبطل على البائع الدين الذي كان له في الذمة، ذمة المشتري.
وعلى القول الآخر تكون القيمة للمشتري على الذي أهلكه وعليه الثمن للبائع.

فصل [في هلاك ما يوزن أو يكال قبل الكيل أو الوزن أو بعده]

ضمان ما يوزن أو يكال من البائع حتى يكال أو يوزن، واختلف عن مالك إذا كيل أو وزن ثم هلك وهو في المكيال، أو في كفة الميزان قبل أن يصير إلى وعاء المشتري أو يده، فقال مرة: هو من البائع حتى يصير إلى وعاء المشتري 1. وقال في رجل اشترى زيتًا، فأمر البائع من يكيل له، فكال مطرًا 2 وصبه في وعاء المشتري، ثم كال آخر فسقط من يد الأجير على وعاء المشتري فانكسرا

جميعًا؛ قال: الثاني من البائع، وعلى الأجير ضمان الأول 1. وقال أيضا: ذلك من المشتري وإن لم يصل إلى وعائه 2. وقال ابن القاسم في العتبية: إن مكن البائع المشتري من المكيال، يكيل لنفسه فسقط من يده بعد أن امتلأ المكيال، فهو من البائع حتى يقبضه المشتري.
قال: والقبض أن يحصل في وعاء المشتري أو حيث يأمره بجعله 3. وروى عنه سحنون إذا ولي المشتري الكيل أو وزن الدراهم لنفسه فهلك ذلك بعد أن استوفى الكيل والميزان، أن المصيبة من المشتري 4، بخلاف أن يلي ذلك البائع أو وكيله 5. وقد مضى في كتاب السلم الثالث، ذكر الطعام يباع على كيل فيهلكه البائع أو أجنبي قبل أن يُكال.
واختلف عن مالك في ضمان الصبرة تباع جزافًا، هل تكون مصيبتها إذا كانت محبوسة بالثمن من البائع أو المشتري 6؟ قال محمد: لم يثبت فيها مالك على شيء 7، والصبرة ها هنا كالعبد والثوب.
ويختلف في التمر والزرع إذا أصيب بعد اليبس وقبل الجداد والحصاد؛ فقيل: هو من البائع.
وقيل: من المشتري.
وقيل: إن دخل على أن حصاده وجداده على البائع كان من البائع، وإن دخل على أن ذلك على المشتري كانت

المصيبة من المشتري.
ومن اشترى زرعًا مذارعة كل ذراع بكذا، فهو من البائع حتى يذرع، إلا أن يدخلا على أن يحصده المشتري ثم يذرع الأرض، فيكون من المشتري بنفس العقد، إلا أن يكون محبوسًا بالثمن.
ومن اشترى عبدًا أو سلعة على صفة على أن الأمر موقوف على أن ينظر إليها، كانت المصيبة من البائع حتى يختبر، إلا أن يكونا دخلا على تصديق البائع أو تصديق غيره، فيكون بمنزلة من اشترى ما عاينه، فيختلف هل يكون من البائع أو المشتري.

فصل [فيمن اشترى سلعة ثم علم بها عيبًا بعد هلاكها]

ومن اشترى سلعة ثم علم أن بها عيبًا بعد أن هلكت، كانت مصيبتها منه، وسواء هلكت بيد المشتري أو بيد البائع قبل أن يقبض منه، وكذلك إن علم بالعيب وهي قائمة، ثم هلكت قبل أن يقوم بالعيب، أو بعد أن قام ليرد ولم يحكم بالرد ولم يقل رددت.
واختلف إذا هلكت بعد الرد وقبل وصولها إلى يد البائع، فقال في المدونة: المصيبة من المشتري حتى يرد بقضاء من السلطان، وسواء كان قبضها من البائع أو لم يقبضها 1. وقاله مالك في كتاب محمد، وقال أيضا: المصيبة من المشتري وإن رد بقضاء من السلطان حتى يقبضه بائعه 2. وقال أبو الحسن ابن القصار: إذا قال المشتري بعد أن وجد العيب قد فسخت البيع، وسواء كان ذلك قبل القبض أو بعده، حكم به حاكم أم لا،

وبه قال الشافعي، ووافقنا عليه أبو حنيفة إذا كان قبل القبض، يريد إذا كان العيب مما لا يشك فيه أنه يوجب الرد.
وهو قول ابن القاسم فيمن تزوجت رجلا، ثم علمت أنه عبد فردت النكاح عن نفسها من غير حكم، أنه منفسخ، بخلاف أن يكون العيب جنونًا أو جذامًا، أو مما يحتاج فيه إلى اجتهاد أهل المعرفة فيه، هل هو مما يذهبه العلاج؟ فلا يرد إلا بحكم حاكم 1. واختلف فيمن ابتاع عبدًا فقبضه ثم تقايل فيه.
وقال محمد -فيمن اشترى عبدًا بعيد الغيبة فأعتقه-: وجب عليه أن يدفع الثمن ساعة أعتق، وإن كان غائبًا؛ لأن عتقه كقبضه 2. وليس هذا بالبين؛ لأنه في حين العتق لا يدرى هل هو حي أو ميت أو غائب إلى غير ذلك البلد؟ والوجه الذي كان يتخوف منه ولأجله لم يجز البيع بشرط النقد- موجود وقت العتق.

باب فيمن اشترى سلعة أو عبدًا، فباع أو وهب أو تصدق أو أعتق أو أجرى أو رهن، ثم أصاب عيبًا

ومن اشترى سلعة فباعها وتداولها رجال، ثم اشتراها من أحدهم، ثم أصاب بها عيبًا كان عند البائع منه أو لا، كان له أن يردها على الآخر.
ويختلف هل يردها على الأول قياسًا على من اشترى سلعة شراءً فاسدًا، ثم باعها بيعًا صحيحًا، ثم اشتراها فوجدت في يده, فلم تتغير في سوقها ولا في بدنها؟ فقال ابن القاسم: ينقض البيع الأول.
ولم ير ما حدث بعده من البيع الصحيح فوتًا ليمنع الرد على الأول.
وقال أشهب: لا يرد على الأول 1. وهو أحسن، وقد حال بين الرد على الأول ما حدث بعده من البياعات والعهد.
ومن اشترى سلعةً أو عبدًا، فوجد بها عيبًا بعد أن انتقل ملكه عنها، وصارت إلى آخر بهبة أو بيع أو صدقة أو عتق أو دبر أو كاتب أو اتخذ أم ولد، فإن علم بالعيب قبل خروجه من يده، ثم باع أو وهب أو تصدق لم يرجع بشيء، وإن لم يعلم رجع بقيمة العيب إذا وهب أو تصدق أو أعتق 2. واختلف في البيع على ثلاثة أقوال: فقال مالك: لا يرجع بشيء.
وقال ابن القاسم: لأنه في بيعه على وجهين: إن باع بمثل الثمن فقد عاد إليه ثمنه، وإن باع باقل فإن النقص لم يكن لأجل العيب 3.

وقال أشهب: إن باع بمثل الثمن فأكثر لم يرجع بشيء، وإن باع بأقل رجع بالأقل من قيمة العيب، أو ما نقص الثمن 1. ورأى أن الحكم لو علم قبل البيع أن يمسك ولا شيء له، أو يرد ويأخذ الثمن، فقد صار إليه مثل الثمن إن باع به أو بأقل فأتم له، وإن كانت قيمة العيب أقل، أخذ قيمة العيب؛ لأنه الذي يجب له لو هلك ولم يبعه.
وفي مختصر ابن عبد الحكم عن مالك: أن له أن يرجع بقيمة العيب على كل حال، بمنزلة لو وهب وهو أبين فله أن يرجع بالعيب وإن باع بمثل الثمن أو أكثر؛ لأن ذلك يكون لزيادة المبيع في نفسه, أو لغلاء سوق، أو لمغابنة كانت في وقت الشراء، فهو بما في ضمان المشتري أو من سبب تجره، فلا يجبر به ما كان على البائع أن يغرمه إذا علم المشتري الثاني بالعيب والعبد قائم فرضيه 2. واختلف إذا مات عند الثاني ورجع على من باع منه بقيمة العيب، أو باع الأول وهو عالم بالعيب، وهو يظن أنه حدث عنده، ثم ثبت أنه كان عند الأول، أو باعه وكيل المشتري وبيَّن العيب ولم يعلم أنه كان عند البائع الأول، أو قتل العبد عند المشتري الأول فاخذ قيمته معيبًا.
فاختلف في هذه الأربع مسائل، فقال ابن القاسم: إذا علم المشتري الثاني بالعيب بعد فوت العبد ورجع على من باع منه بقيمة العيب، رجع المشتري الأول على البائع الأول بأقل من ثلاث، فما رجع به عليه، أو تمام الثمن، أو قيمة العيب من الصفقة الأولى.
فإن بقي في يد المشتري الأول بعدما رجع به عليه مثل الثمن الأول فأكثر، لم يرجع بشيء 3.

وعلى قول أشهب، إذا بقي في يديه بعد ما رجع إليه أقل من الثمن، رجع بالأقل من وجهين: من قيمة العيب، أو ما نقص الثمن.
وإن بقي في يديه مثل الثمن، لم يرجع بشيء.
وعلى رواية ابن عبد الحكم، يرجع بقيمة العيب من الصفقة الأولى على كل حال، وإن بقي بيده مثل الثمن فأكثر، وكذلك إذا باعها وبَيَّن العيب وهو يظن أنه كان عنده، أو باعها وكيله وبَيَّن العيب، فقال محمد: يرجع بالأقل من قيمة العيب أو تمام الثمن 1. يريد: إن باع بمثل الثمن لم يرجع بشيء، وإن كان قد حط من الثمن لمكان العيب، وأنه لو كان سالمًا لباع بأكثر، وهو أصل ابن القاسم في قوله: إن باع بغير عيب ثم رجع المشتري الآخر عليه على الأول، وبقي في يديه مثل الثمن، لم يرجع بشيء 2. وقال ابن القاسم في المدونة: إذا قتل العبد رجع المشتري بقيمة العيب 3، ولم يراع القيمة التي أخذ من القاتل، هل هي مثل الثمن أم لا؟ وهذا خلاف قوله المتقدم إذا باع وبَيَّن العيب، ويلزم على قوله في القتل أنه يرجع بقيمة العيب، وإن صار إليه من القاتل مثل الثمن، أن يقول مثل ذلك إذا باع بالعيب، وهو يظن أنه عنده أن يرجع بقيمة العيب، وإن باع بمثل الثمن؛ لأن هذا في يديه ثمن معيب، وهذا أخذ قيمة معيب.
وقال أشهب: إذا قتل وكانت القيمة مثل الثمن، لم يرجع على البائع منه شيء 4، ومضى على أصله في المسألتين جميعًا وساوى بين البيع والقتل.

فصل [فيمن اشترى عبدًا ثم اشتراه الذي باعه منه فوجد به عيبًا]

ومن اشترى عبدًا ثم اشتراه منه الذي باعه منه بمثل الثمن، ثم وجد به عيبًا كان عند الأول، لم يرجع أحدهما على الآخر بشيء.
وكذلك إذا اشتراه منه بأكثر من الثمن الأول وهو عالم بالعيب، لم يكن للبائع الأول أن يرجع على من باعه منه بشيء، وإن لم يعلم كان له أن يرده على الذي اشتراه منه، إلا أن يرضى المشتري الأول أن يرد عليه ذلك الفضل.
واختلف إذا اشتراه منه بأقل، فقال ابن القاسم: للمشتري الأول أن يرجع على من باعه منه بتمام الثمن؛ لأنه يقول: كان لي أن أرده عليك وها هو ذا في يديك.
وقد اختلف في هذا الأصل، فقيل فيمن خالعت زوجها، ثم علمت أن به عيبًا يوجب: لها الرد.
فقال عبد الملك بن الماجشون: لها أن ترجع عليه بما افتدت به منه 1. وهو قياس قول ابن القاسم ها هنا؛ لأنها تقول: قد كان لي أن أرد هذا النكاح عني ولا أغرم شيئًا.
وقال ابن القاسم: ليس لها أن ترجع بشيء 2. وعلى هذا لا يكون للمشتري أن يرجع على البائع منه بشيء؛ لأنه في يد البائع بعقد ثان، وإن علم المشتري الأول بالعيب وحده ثم باعه من الأول، كان ذلك رضًا منه وسقط قيامه إن باع بأقل، ويكون للبائع الأول أن يرده

عليه إن شاء، وسواء كان اشتراه منه بمثل الثمن أو أكثر أو أقل، فإن هو رده لزم المشتري الأول ولم يكن له أن يرده عليه وقال محمد: إن كان العيب مشكوكًا فيه، هل كان عند البائع الأول أو الثاني؟ وقد عاد إلى الأول بأقل، حلف الأول، فإن نكل حلف الثاني وارتجع منه بقيمة الثمن.
قال الشيخ: فإن عاد إلى الأول بأكثر من الثمن، حلف الأول أنه لم يكن عنده قديمًا، ثم كان له أن يرده على المشتري الأول ويرتجع ثمنه منه، وإن شك في العيب هل كان عند الأول قبل بيعه، أو حدث عند المشتري الأول، أو حدث عند البائع الأول في البيعة الآخرة؟ فإن بيع بأقل حلفا جميعًا ولم يرجع أحدهما على الآخر بشيء، فيحلف الأول أنه لم يكن عنده، ويسقط الرجوع عليه ببقية الثمن، ويحلف المشتري الأول أنه لم يحدث عنده، ويسقط رده عليه، فإن بيع بأكثر من الثمن حلف المشتري، ولم يرجع عليه بفضل الثمن، إلا أن يعترف أنه كان عند البائع الأول، فيكون عليه أن يرد الفضل.

فصل [فيمن اشترى عبدًا فباعه منه أجنبي ثم اشتراه فوجد به عيبًا]

ومن اشترى عبدًا فباعه منه أجنبيٌّ، ثم اشتراه فوجد به عيبًا كان عند الأول، فإن اشتراه من الآخر بمثل ما كان باعه منه فأقل، لم يكن له أن يرده إلا على الأول، ويكون للآخر وهو الثالث أن يرجع على الأوسط بتمام الثمن إن كان باعه منه بأقل، وإن عاد إلى الأوسط بأكثر من الثمن، وهو عالما بالعيب،

فكذلك يكون رجوع الأوسط على الأول دون الأخر، وإن لم يكن عالم بعيب كان بالخيار بين أن يرده على الأول أو على الآخر، إلا أن يرضى الآخر أن يرد إليه فضل الثمن، فلا يرده عليه ويرده على الأول.
ومن اشترى عبدًا ثم تصدق به على بائعه منه، ثم علم أن به عيبًا كان عند البائع، كانت الصدقة ماضية، ويرجع المتصدق على البائع بقيمة العيب.
وإن تقدمت الصدقة ثم اشتراه المتصدق به من المتصدق عليه، كان له أن يرده بالعيب ويرتجع الثمن، ويبقى في يد الأول على وجه الصدقة.
وإن باعه المشتري من آخر ثم تصدق به المشتري الثاني على من باعه منه، مضت الصدقة ورجع المتصدِّق على المتصدَّق عليه بقيمة العيب، وكان للمتصدَّق عليه أن يرده بالعيب على الأول.
وإن تصدق به الأوسط على ثالث ثم اشتراه منه، كان بالخيار بين أن يرده على الثالث ويرجع على الأول بقيمة العيب، أو يرده على الأول ويرجع عليه بالثمن، ولا شيء على الآخر.
ومن اشترى عبدًا ثم مات البائع فورثه المشتري وآخر معه، كان له أن يرد بالعيب نصف العبد على أخيه، ويرجع فيما ينوب أخاه من الميراث بنصف الثمن.
وإن مات المشتري والبائع وارثه، فإن كان معه وارث آخر رجع الأخ على أخيه، فرد نصف العبد وارتجع نصف الثمن.
وإن أجر أو رهن ثم وجد عيبًا، كان بالخيار بين أن يرجع بقيمة العيب الآن، أو يمهل حتى تنقضي الإجارة ويفتك الرهن ويرده بالعيب، وإن حدث به عيب مفسد رده وما نقص العيب، وهذا قول ابن القاسم.
وقال أشهب: إن

افتكه حين علم بالعيب رده، وإلا رجع بما ينوبه بين الصحة والداء 1. والأول أحسن إذا كان أمد الإجارة والرهن الشيء اليسير، وإن كان الأمد البعيد، كان بالخيار بين أن يرجع الآن بقيمة العيب، أو يمهل حتى تنقضي الإجارة والرهن فيرد.

باب فيمن اشترى جارية فزوجها فولدت ثم وجد بها عيبًا

وقال مالك -فيمن اشترى جارية فزوجها ثم وجد بها عيبًا-: أن له أن يردها وما نقص النكاح، أو يمسك ويرجع بقيمة العيب 1. فلم يجعل النكاح فوتًا، وهذا على القول في العبد إذا عمي أو ذهبت يده أو أقعد أو هرم؛ أنه ليس بفوت.
وعلى قول محمد بن مسلمة يكون النكاح فوتًا، ويرجع بقيمة العيب ولا يرد؛ لأن النكاح يبطل الغرض منها إن كانت من جواري الوطء، وإن كانت من الوَخْش فالزوج يأتي إلى البائع من أجل ما تزوجها له أو تتردد هي إليه، وإن شرط الزوج أن تبوأ كما تبوأ الحرة، كان ذلك أبين؛ لأنها تصير منقطعة، وكل هذا يبطل الغرض منها ولا يكسبها إلا القليل من الناس.
وقد قال مالك -فيمن اشترى عبدًا فباع نصفه ثم وجد به عيبًا-: أن بيعَ النصفِ فوتٌ يمنع المشتري الأول من رد النصف الباقي، والمشتري الأول بالخيار بين أن يقبض منه النصف أو يعطيه قيمة عيبه، فهو في التزويج أبين 2. واختلف بعد القول أن له أن يردها وإن صارت ذات زوج، إن ولدت أو زادت في جسمها، هل يجبر بذلك عيب التزويج والولادة؟ فقال ابن القاسم: يجبر بالولد، فإن كان كفافًا لما حدث عنده من العيب، رد ولا شيء عليه، أو أمسك ولا شيء له، وإن لم يكن فيه كفاف للعيب أتم الباقي، وإن كان فيه

فضل كان للبائع.
وقال غيره: عليه ما نقص النكاح ولا يجبر بالولد.
قال: وإنما زيادة ولدها كزيادة بدنها.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر، في زيادة البدن: إذا زادت قيمتها بقدر ما نقص التزويج، ردها ولا شيء عليه، والنكاح ثابت يجبر العيب بزيادة الجسم.
وقال غيره: لا يجبر والأول أحسن؛ لأن كل ذلك إنما هو حادث في ملك المشتري وفي ضمانه، ولم يتقدم للبائع فيه ملك، وهو ملك للمشتري فوجب أن يجبر به.
وقد حمل بعضُ أهل العلم قولَ مالك في جبره بالولد، أنه يرى أن الولد غلة، وليس كذلك؛ لأنه لا خلاف أن ولد الحرة من العبد حر، وولد الأمة من الحر عبد، وولد المعتق بعضها بمنزلة معتق بعضه، وولد المدبرة مدبر، والمعتق إلى أجل والمعتقة إلى أجل معتق إلى أجل وولد المكاتبة مكاتب، ولو كان الولد غلة والأم طرفًا لبطل جميع ما تقدم ذكره.
وإنما رأى مالك ذلك من باب "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" 1؛ لأن الأم إذا عادت بالولد على مثل القيمة الأولى، لم يكن عليه ضررة ولذلك راعى في المشتري إذا اطلع على عيب من بعد ما باع بمثل الثمن، لا مقال له على البائع؛ لأنه لو كان بيده فرَدَّه كان له الثمن، فقد عاد إليه فلم ينظر من جهة العيب.
وكذلك إذا باع بأقل، لم يكن ذلك من سبب العيب.
والأمة بعد الولادة على أوجه: إما أن يكونا قائمين، أو ماتا، أو بيعا، أو قتلا، أو نزل ذلك بأحدهما.
وقد تقدم القول إذا كانا قائمين، وهل يجبر

بالولد؟ وإن ماتا رجع بالعيب، وإن مات الولد لم يضمنه المشتري، وكأنه لم يكن، والمشتري بالخيار بين أن يمسك ويرجع بقيمة العيب، أو يرد وما نقص النكاح، وإن ماتت الأم دون الولد، كان فيها قولان بقول ابن القاسم، يرجع بقيمة العيب بمنزلة ما لو ماتا.
وقال أشهب: البائع بالخيار بين أن يدفع قيمة العيب، أو يخير المشتري بين أن يمسك الولد ولا شيء له، أو يرد ويأخذ الثمن 1؛ لأن الولد كبعضها، بمنزلة لو كانت قائمة وقد حدث بها عيب.
وإن بيعا لم يرجع بشيء على رواية ابن القاسم، وكذلك على قول أشهب إن بيعا بمثل الثمن، وإن بيعا بأقل رجع بالأقل من تمام الثمن أو قيمة العيب، وعلى قول ابن عبد الحكم يرجع بقيمة العيب، وإن باع بمثل الثمن.
وإن بيعت الأم دون الولد لم يرجع على قول ابن القاسم بشيء، وكذلك على قول أشهب إن بيعت بمثل الثمن، وإن بيعت بأقل كان البائع بالخيار بين أن يعطي قيمة العيب أو يخيره بين أن يمسك الولد أو يرده ويتم له الثمن.
وقال ابن القاسم: إن بيع الولد أو قتل، رد الأم وما أخذ من ثمن الولد أو قيمته.
قال: بخلاف المفلس: يبيع الولد ثم يجد البائع الأم، فلا شيء له فيما بيع من ولده.
وقال أصبغ -في العيب-: يرد من ثمنه قدر قيمته كأنه اشتراه مع أمه مولودًا 2. وقال ابن القاسم -في العتبية، فيمن اشترى شاة حاملًا فولدت وأكل

ولدها ثم أصاب بها عيبًا-: إن أحب ردها وتقاصص بقيمة الولد، وإن أحب أمسك ورجع بقيمة العيب، وإنما جعلت له أن يمسك؛ لأن الولد ربما جاء من ثمنه ما هو أكثر من ثمنها، فإن قاصصه لم يرجع بشيء 1. وإن قتلا أو قتلت دون الولد، رجع على قول ابن القاسم بقيمة العيب، وعلى قول أشهب لا شيء له إن أخذ مثل الثمن، وإن أخذ أقل رجع بالأقل من قيمة العيب، أو تمام الثمن إن قتلا.
وإن قتلت وكانت القيمة أقل كان له أن يعطيه قيمة العيب، أو يخيره بين أن يسلم له الولد ويتم له الثمن، أو يمسكه ولا شيء له.
وإن قتل الولد دون الأم، وكان في قيمته ما يجبر عيب النكاح، خير بين أن يمسك ولا شيء له، أو يرد ويحاسب بالولد، فإن لم يجبر كان له أن يمسك ويأخذ قيمة العيب، أو يرد ويغرم له ما نقص العيب بعد الولادة.
واستحسن إذا فات الولد ببيع أو قتل أن يمسك ويرجع بالعيب على كل حال بمنزلة الصغير يكبر.
واختلف إذا كان صغيرًا فكبر؛ فقال ابن القاسم في المدونة: ذلك فوت ويرجع بقيمة العيب ولا وجه لواحد منهما 2. وقال مالك -في كتاب محمد-: له أن يرده ويرجع بالثمن 3. وهو أحسن؛ لأن النماءَ من حقه لا عليه.
وقال مالك في المدونة: الهرم فوت 4. وقال محمد: هو عيب وليس بفوت 5. وقال

أصبغ: إن هرم وفني فهو فوت (1). وأرى إن هرم على الحال التي كان عليها يسيرًا كان عيبًا، وإن كان كثيرًا فهو فوت.

فصل [في بيعه وهو مريض فصح، أو هزيل فسمن، أو العكس]

واختلف إذا بيع وهو مريض فصح، أو صحيح فمرض، أو هزيل فسمن، أو سمين فهزل، هل ذلك فوت فلا يرد ويرجع بالعيب، أو يكون كالقائم يمسك ولا شيء له، أو يرد ولا شيء عليه؟ فقال محمد -فيمن اشترى جارية مريضة فصحت، أو هزيلة فسمنت وارتفع لذلك ثمنها، أو سمينة فائقة فهزلت وأبضع ثمنها، ثم وجد بها عيبًا-: لم يكن له إلا الرد ولا شيء عليه، أويمسك ولا شيء له 2. قال مالك: إلا أن يكون مثل المرض الذي يبلغ به 3. قال ابن حبيب: رأيت من أرضاه من أهل العلم يقول: السمن البين في الجواري بعد الهزال البين فوتٌ، والهزال البين بعد السمن البيّن فوتٌ 4. وأرى أن يرجع في ذلك إلى أهل المعرفة، فإن قالوا: إن الثمن لا يتغير عن الحال الأول أو يتغير بالشيء اليسير كالزيادة والنقص؛ كان كالقائم، وإن كانت الزيادة أو النقص الشيء الكثير، كان فوتًا يمسك لأجل الزيادة ويرجع1

بالعيب ويرد بالنقص ما نقصه الثمن.
قال محمد: وأما الدابة تكون سمينة فتعجف فليس كالرقيق، ولم يختلف فيها قول مالك أنه يرد ما نقص، أو يمسك ويرجع بالعيب.
قال: واختلف عنه إذا كانت عجفاء فسمنت هل ذلك فوت فيرجع بقيمة العيب، أو تكون كالقائمة يمسك ولا شيء له، أو يرد ولا شيء عليه؟ والأول أصوب وقد تقدم وجه ذلك.
واختلف إذا علم العبد صنعة أو كانت جارية فعلمها الرَّقْم 1 أو الطبخ وزاد لذلك ثمنها؛ قال مالك -في كتاب محمد-: لا شيء له في ذلك 2. وجعلها كالقائمة يمسك ولا شيء له، أو يرد ولا شيء عليه.
وقال في المبسوط فيمن تزوج على جارية أو غلام ونقد ذلك، فجعلت الزوجة الجارية في المشط، والغلام في العمل وعزمت على تعليمهما، ثم طلق قبل أن يمس-: كان عليه أن يغرم نصف ما أعطت في ذلك، ويأخذ نصفه.
وهذا أحسن فيكون على هذا المشتري بالخيار بين أن يمسك ويأخذ قيمة العيب، أو يرد ويعطيه البائع ما أعطى في ذلك من الأجرة، أو يباع فيكون له من الثمن بقدر ما زادت الصنعة على الثمن الأول، فإن كان لا يزيد شيئًا لم يكن على البائع شيء ولا أن يبيعه، وللمشتري أن يحبس ويرجع بالعيب، وإن كانت الصنعة لا تزيد في ثمنه، لئلا يكثر عمله.
وقد قال ابن القاسم -فيمن غصب طعامًا ثم نقله، فلقيه المغصوب منه بذلك البلد والطعام معه-: ليس له أن يأخذه؛ لأن الغاصب أذن في

نقله ثمنًا (1). وكذلك قال -فيمن غصب عودًا فشقه أو نجره، أو نحاسا فصنعه-: لا يؤخذ منه لئلا يكثر عمله (2). والمراعى في ذلك هل زادت الصنعة أو لم تزد؟ فالمشتري أحرى أن لا يخسر ما عمله بوجه شبهة.
وقد ذهب بعض أهل العلم، في الجارية يشتريها الرجل ويؤدي عنها القبالة للسلطان: أن له أن يمسك ويرجع بالعيب، لئلا يخسر ما غرمه بوجه شبهة.
وعلى قول مالك: أن لا مقال للمشتري إذا أدى ثمنًا في تعليمها الصنعة، فلا يكون له مقال فيما غرم من القبالة.
وعلى ما ذكرنا في الغاصب يكون ذلك له، إلا أن يكون الشيء اليسير.

فصل [في المشتري يرد ما اشتراه بعيب ورجع في الثمن]

وإذا رد المشتري ما اشتراه بعيب ورجع في الثمن، فإن كان عينًا رجع بمثله، وإن كان عبدًا أو ثوبًا، رجع في عينه إن كان قائمًا، وإن فات بحوالة الأسواق فما فوق رجع بقيمته، فإن كان الثمن شيئًا مما يكال أو يوزن، رجع في عينه إن كان قائمًا ولم يتغير سوقه، ويختلف إذا تغيرت سوقه أو أنفقه؛ فقال ابن القاسم: ليس بفوتٍ وله أن يأخذ العين إن كانت قائمة وإن تغيرت السوق، والمثل إن لم يكن قائمًا 3.12

وعلى قول ابن وهب في البيع الفاسد في المكيل، أن حوالة الأسواق تفيته ويرجع بالقيمة، ولا يأخذ ها هنا عين ذلك الطعام ويرجع بقيمته.
وقال أشهب: إذا وجد بالمكيل عيبًا بعد أن أفاته، أنه بالخيار بين أن يتكلف شراء المثل أو لا يتكلف ذلك، ويرجع بقيمة العيب، فعلى هذا يكون المشتري بالخيار، بين أن يغرم المثل أو القيمة ولا يتكلف الشراء.

باب فيمن باع عبدًا من رجلين، فأصاب به عيبًا، أو باع أحدهما نصيبه من صاحبه أو من غيره ثم أصاب العيب

اختلف عن مالك في الرجلين يشتريان عبدًا، ثم يجدان به عيبًا، فقال مرة: من أراد منهما رد، ومن أراد منهما أمسك، وإن للبائع ها هنا مقالا 1. وروى عنه أشهب في كتاب بيع الخيار أنه قال: إما أن يأخذا جميعًا أو يردا جميعًا.
ولم يذكر المقالة بين المشترين، ويصح أن يقال لمن أراد الرد: أن يجبر صاحبه على الرد؛ لأنه يقول: دخلنا على صفقة واحدة، وعلى أحكام العيب أن يُرَدَّ به متى وُجِدَ، ولأن التزام المعيب ضرر بمن أراد الرد.
وأن يقال: لا يلزمه ذلك، ويكون البائع بالخيار بين أن يعطي من أراد الرد قيمة عيب نصيبه، أو يقيله ويعطيه نصف ثمنه؛ لأن مقال البائع لأجل التبعيض، فيكون بمنزلة من باع عبدًا من رجل فباع نصفه ثم علم بالعيب.
وقال ابن القاسم: إن باع أحدهما نصيبه من الآخر ثم علما بالعيب، لم يرجع مَن باع نصيبه بشيء، وكان للآخر أن يرد نصفه على البائع الأول 2. ويجري الخلاف في النصيبين جميعًا، فيكون لمن باع أن يرجع بالأقل من قيمة العيب، أو تمام الثمن إن كان باع بأقل.
وعلى رواية ابن عبد الحكم يرجع بالعيب وإن باع بمثل الثمن.

ويختلف فيمن لم يبع، فعلى رواية أشهب لا يكون له أن يرد؛ لأنه يبعض على البائع بيعه، ويكون للبائع أن يعطيه نصف قيمة العيب، أو يقبل منه الرد، وكذلك إن باع أحدهما نصيبه من غير شريكه، فهو بمنزلة لو باعه من شريكه.

باب فيمن اشترى عبدًا على صفة فوجد غيرها

ومن اشترى عبدًا على صفة فوجده على أدنى منها، كان له أن يرد، وإن كان أجود لم يرد، وإن كانت صفة تختلف فيها الأغراض -فمن الناس من يريد الأول لمعنى في الآخر، ومنهم من يقدم الآخر- كان له أن يرد.
وقال ابن القاسم -فيمن اشترى جارية، على أنها بربرية فأصاجها خراسانية-: كان له أن يرد.
قال محمد: وإن اشتراها خراسانية فأصاجها بربرية كان له أن يرد 1. يريد: لأنه مما تختلف فيه الأغراض.
وكل واحدة تترجح بوجه ليس في معنى الأخرى 2. وإن شرط أخها بربرية أو خراسانية، فأصابها صقلية أو آبُرِيَّة أو أشبَانِيَّة 3 رد 4؛ لأنها دون التي وصف.
وإن شرط أنها أحد هذه الثلاث، فوجدها بربرية أو خراسانية لم يرد؛ لأنها أفضل.
قال ابن القاسم: إلا أن يعلم أن المشتري يكره البربرية، لما يخاف من أصولهن أو حريتهن 5. وقد قيل: حريتهن وسرقتهن.

قال سحنون: يريد أنهم كانوا يسرقونهم، ولم يرد أنهن يَسْرِقْن، وهذا يؤيد من قرأ الأول حريتهن، وأي ذلك كان عند الناس يتقى ويجتنبن لأجله، فأراد أن يرد لأجله، كان له ذلك.
وإن اشترى أمة على أنها مسلمة فوجدها نصرانية رد، وكذلك إن لم يشترط فله أن يرد، ومحملها على أنها مسلمة، إلا أن تكون من السبي.
وإن شرط أنها نصرانية فوجدها مسلمة لم يرد.
وقال محمد: إلا أن يقول: أردت أن أزوجها لعبدي النصراني 1، ويعلم ذلك فيرد 2. وأرى إن قال البائع: إنها النصراني، على وجه البراءة فوُجِدَت مسلمة لم ترد، وإن قال المشتري أردتها لعبدي النصراني؛ لأن ذلك لم يكن على وجه الشرط.
وإن ذكر أنها نصرانية فوجدها يهودية، وكان الناس إلى النصرانية أميل، كان له أن يرد، ولا يرد إذا ذكر أنها يهودية فوجدها نصرانية.
وإن وجد العبد النصراني أغلف 3 وكان ممن يختتن وجاوز سن الاختتان، كان عيبًا، وإن كان ممن لا يختتن أو لم يجاوز سن الاختتان، لم يكن عيبًا.
وإن وجد الأمة غير مخفوضة 4 كان أخف، وفي كتاب محمد: أنه كالغلف في العبد 5.

جارٍ التحميل