كتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمت
1 البيع يجوز على وجهين على الصفة وعلى الرؤية، واختلف في آخر وهو البيع على خيار المشتري من غير رؤية تقدمت ولا على صفة، والمبيع شيئان حاضر وغائب، فالمبيع على رؤية تقدمت يجوز في الحاضر والغائب قريب الغيبة، أو بعيد الغيبة 2. واختلف في المبيع على الصفة في خمس مسائل: في بيع ما هو حاضر في أيديهم، أو غائب في بيته معهم في البلد، أو غائبة عن البلد الغيبة القريبة، أو ساج مدرج في جرابه أو مشدود عليه فيبيعه على البرنامج 3. فأجاز في العتبية ما هو حاضر بين أيديهما على الصفة فقال في من قال: في هذا الصندوق كذا وكذا ثوب من صفة كذا، فيبيعه فيذهب به المشتري، ويغيب عليه ثم يقول: وجدتها مخالفة للصفة، فلا يصدق وقد لزمه البيع 4، وأجاز في المدونة ما هو في بيته على الصفة 5، ومنع ذلك في كتاب محمد، وقال:
الجزء: 9 - الصفحة: 4453
أن لا خير في بيع دابة بعينها حاضرة في الدار على الصفة، قال محمد: لأنه قادر على النظر 6.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: لا تباع السلعة الحاضرة -ولا الغائبة عن مشتريها يوم 7 - على الصفة ولا على برنامج.
وقال في الموطأ في البيع على البرنامج: يجوز وذلك الأمر المجتمع عليه والذي لم يزل الناس يجيزونه فأجاز ذلك مرة للعمل 8.
وقال ابن حبيب: يجوز بيع الأعدال على البرنامج لكثرة الثياب وتعظم المؤونة في فتحها، ولا يجوز بيع الساج المدرج في جرابه على الصفة وفرق بين المسألتين 9.
وفي كتاب محمد في بيع الساج على الصفة قولان فمنعه مرة، وقال في موضع آخر لا بأس إذا وصفه أو على أن ينظره 10.
قال الشيخ: المعلوم من الصفة أنها لا تأتي على ما تأتي به المعاينة وكثير ما يوصف للإنسان الثوب أو العبد، فإذا أحضر لم يجده على ما كان يصور في نفسه عند الصفة، وإذا كان ذلك لم يجز البيع على الصفة مع القدرة على الرؤية
الجزء: 9 - الصفحة: 4454
إذا كان معه في البلد، وهو في ما كان معه حاضرًا بين أيديهم أبين في المنع؛ لأنَّ العدول عن النظر إلى الصفة قصدًا للمغارّة ولا أفسخ ما كان على يوم.
وأما بيع العدل على البرنامج فأجازه مالك مرة للعمل ومرة قدم القياس؛ لأن الشدّ لا يتكلف فيه كثير أجرة ولأن المشتري يفتحه بإثر ذلك إلا أن يكون متاعًا معلومًا مثل ما يقال شقاق فلان وما قد عهده الناس أنه لا يختلف.
وأما الساج المدرج، فإن كان لا مضرة في إخراجه ورده جرى على الخلاف في بيع الحاضر على الصفة، وإن كان في رده فساد متى أخرج ولم (1) المشتري جرى على الخلاف في بيع البرنامج.
فصل [في خيار المشتري على الصفة]
واختلف في البيع على خيار المشتري من غير رؤية، فقال سحنون: أجازه جل أصحاب مالك وأجازه ابن القاسم في من اشترى زيتونا قبل عصره ولا يدرى كيف خروجه إذا كان بالخيار بعد عصره 12. وذكر أبو الحسن ابن القصار وأبو محمد عبد الوهاب أن ذلك غير جائز إذا كان البائع عارفًا به والمشتري جاهلا به 13. فيجوز أن ينعقد البيع على رفع الخيار من ناحية البائع؛ لأنه عارف وعلى أن الخيار للمشتري بعد نظره وما عقد عليه الصفة فلا غرر فيه، وإن كان المشتري عارفا به, والبائع يجهله جاز أن يعقدا على أن البيع منعقد من ناحية11
الجزء: 9 - الصفحة: 4455
المشتري والخيار للبائع.
ولو أبق عبد لرجل وطالت مدته وتغيرت صفته فوجده رجل فاشتراه من سيده أو صار للبائع بالميراث، وهو لا يعرفه فاشتراه منه من يعرفه، جاز.
والبيع على الصفة يجوز إذا كان المشتري ممن يعرف ما وَصَفَه، فقد يكون بعض المبيعات مما تغمض صفته, وليس كل الناس ممن يعرف أن يحلي، يصف المبيع ولأن شرط البيع على الصفة أن يصف صفة تقوم مقام المعاينة أو ما يقارب ذلك.
ويجوز شراء الأعمى على الصفة إذا كان بصيرا ثم عمي.
واختلف إذا خلق أعمى فمنع أبو جعفر الأبهري ذلك وأجازه أبو محمد عبد الوهاب.
وأرى أن يجوز فيما يرى أن مثل ذلك يلزم القلب معرفته للمباشرة لمثله مثل الملابس وما يتكرر عليه لبسه ومالا يتبين ما يجوز أن يخفى عليه منه، وإن كان على غير ذلك كالألوان والجمال في الجواري لم يجز؛ لأنا نعلم أنه لو كشف عن بصره وقيل له في لون ما هذا؟ لم يعرفه، وهو في الجمال أبين في خفاء ذلك عليه، ويصح شراؤه فيما العادة في شرائه الذوق والشم كالزيوت والأدهان في البصير شراؤها على ذلك، وقد يستخف شراؤه بالمس في الشاة وما أشبهها إذا أخبر عن سنها؛ لأن ذلك الذي يعول عليه البصير وقد أجاز أشهب في كتاب محمد أن تشترى أرطالا من شاة بعينها إذا جسها وعلم نحوها فهو في شرائه على الحياة أخف.
الجزء: 9 - الصفحة: 4456
باب في اختلاف المتبايعين في ما بيع على الصفة تقدمت هل هو على ما تبايعا عليه؟
وإن بيع غائب على صفة، ثم قال المشتري لمَّا أُحضره: كنت وصفت لي ما وصفت على غير ما هو عليه، كان القول قول المشتري مع يمينه، ويرد إلا أن يذكر المشتري صفة لا يشبه أن يكون ثمنها ما وقع به البيع.
وإن اتفقا على الصفة التي تبايعا عليها واختلف هل هذا داخل في تلك الصفة لزمه وإلا لم يلزمه، وكذلك لو تقدمت للمشتري رؤية في ذلك المبيع، وانتقل عنها مثل أن يكون صغيرا فكبر ثم عقد البيع على صفة ما انتقل إليه ثم اختلفا فقال المشتري: وصفت لي صفة غير هذه كان القول قوله يحلف، ويرد؛ لأن تلك الرؤية سقط حكمها وصار البيع على صفة.
واختلف إذا عقد البيع على رؤية تقدمت ثم قال المشتري تغير عنها، وقال البائع لم يتغير فقال ابن القاسم القول قول البائع، وقال أشهب القول قول المشتري 14.
وأرى إذا أشكل الأمر هل يتغير فيما بين رؤيته إلى حين إحضاره أو 15 يكون القول قول البائع على ما ريء عليه حتى يثبت انتقاله عنه وتغيره وإلى هذا ذهب ابن القاسم، وروى أشهب أن المشتري غارم فلا يغرم بالشك، وإن قرب ما بين الرؤيتين مما يقال: إنه لا يتغير في حال مثله كان القول قول البائع قولًا واحدًا وكذلك إذا بعد ما بينهما مما يقال: إن ذلك المبيع لا يبقى على حال
الجزء: 9 - الصفحة: 4457
ما كان ريء عليه كان القول قول المشتري؛ لأنه دليل وشاهد لقوله، وقد يسقط اليمين عن البائع إذا قطع بكذب المشتري في مثل أن يشتري زيتا أو قمحا بالأمس، ويقول اليوم قد تغير الزيت واحمر وتسوس الآخر.
واختلف في من باع جارية بها ورم كان رآه ثم اختلفا هل زاد، فقال ابن القاسم: القول قول البائع، وقال أشهب: القول قول المشتري (1).
وهذا الاختلاف يحسن إذا أشكل الأمر فيما بين الرؤيتين هل ينتقل؟ ولو كان اشترى بأثر ما رآه كان القول قول البائع، وإن طال ما بين ذلك مما يرى أنه لا يثبت على ما كان رآه كان القول قول المشتري إلا أن يكون ذلك في هبوط ونقص فلا يقبل قوله أنه زاد.
فصل [في حدوث العيب أو هلاك المبيع]
وإن اختلفا في هلاكه أو حدوث عيب به، فقال البائع كان ذلك بعد البيع، وقال المشتري قبل البيع فعلى القول إن ما حدث بعد البيع وقبل القبض من المشتري كان القول قول المشتري أنه قبلُ حتى يعلم أنه حدث بعدُ، وكذلك إن أدى البائع أنه مات بعد وجوب البيع، وقال المشتري: لا علم عندي، كان من البائع، حتى يعلم أنه هلك بعدُ.
قال ابن القاسم: ولا يمين على المشتري.
قال: وإن قال البائع والمشتري لا علم عندنا حتى مات كان من البائع 17؛ يريد: لأن الأصل أنه في ضمان البائع حتى يثبت انتقال ضمانه عنه.16
الجزء: 9 - الصفحة: 4458
وقال ابن حبيب: اشترط البائع على المشتري إن أدركته الصفة ثم وجد به وقت القبض عيب مشكوك فيه هل هو قديم أو حديث فهو على محدث حتى يعلم أنه قديم والأول أصوب؛ لأن الأصل أنه في ضمان البائع فلا ينتقل عن ضمانه بالشك 18.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد في من اشترى عبدًا على أنه بالخيار ثلاثة أيام فوجده ميتًا بعد انقضاء أيام الخيار فقال البائع: هلك بعد أيام الخيار، وقال المبتاع: قبل أيام الخيار، فالقول قول البائع، وهذا مثل قول ابن حبيب.
وأصل ابن القاسم المتقدم أنها من البائع حتى يعلم موته بعد ذلك إلا أن يقوم دليل على أنه هلك بعد، وأنه لو هلك قبل لتغير وفسد وكذلك إذا قال المشتري لا أدري متى هلك، وقال البائع هلك بعد أيام الخيار لم يقبل قوله.
واختلف فيمن اشترى عبدًا آبقًا على عهدة الثلاث، وتبرأ البائع من إباقه، فأبق في الأيام الثلاث، ثم وجد ميتًا أو معيبًا، ولا يدرى هل كان في أيام العهدة أو بعد فاختلف فيه هل يكون من البائع أو من المشتري، وهذا كله أصل واحد، وأن يكون على الضمان الأول حتى يثبت انتقاله أحسن.
الجزء: 9 - الصفحة: 4459
باب في من اشترى غائبًا فهلك بعد البيع وقبل القبض
19
اختلف في ذلك على أربعة أقوال، فقال مالك مرة: المصيبة من البائع أي صنف كان المبيع الديار وغيرها، وقال في كتاب محمد في الديار: المصيبة من البائع 20، وقال مرة: المصيبة من المشتري في المبيع كله، وقال أيضا الديار والعقار من المشتري وما سوى ذلك من البائع 21.
وقال ابن حبيب: الديار والعقار من المشتري، وما كان من سواه قريب الغيبة يجوز اشتراط النقد فيه - مصيبته من المشتري، وما كان بعيد الغيبة لا يجوز النقد فيه فمصيبته من البائع، وإذا كانت المصيبة من المشتري، فإنه يجوز أن يشترط أن يكون في ضمان البائع، حتى يشترط أو حتى يقبضه المشتري.
واختلف على القول: إن المصيبة من البائع هل يجوز أن يشترط مصيبته من المشتري، فأجازه في المدونة 22، وقال في العتبية: لا يجوز بيع الطعام على شرط إن أدركته الصفقة مثل الزرع القائم إذا يبس واستحصد 23.
ورآه بمنزلة من اشترى ما فيه سقي على أن لا جائحة، وبمنزلة من اشترى ما فيه عقد إجارة؛ لأن الإجارة تمنع من التصرف في الحاضر كمنع التصرف
الجزء: 9 - الصفحة: 4460
من أجل الغيبة، فمن كان بإفريقية فاشترى عبدا بمصر غير قادر على التصرف فيه بالوجه الذي يقصده فيه المشتري من الاستخدام والوطء والركوب، فهذه عهدة ما يقصده المشتري، ولا يعترض هذا بأنه قادر على الهبة؛ لأنه ليس يقصده المشتري ولا بالقدرة على البيع، وليس الغرض أن يشتري ليهب أو ليبيع قبل الوصول إليه، وإنما يحمل الناس على الغالب من مقاصدهم، وقد تأول ابن القاسم قول مالك أنه على الطعام المخزون ونص مالك خلاف ذلك 24؛ لأنه قال في الزرع إذا كان قائما وإذا جاز أن يشترط أحدهما ذلك على الآخر فلم يفعل، وأراد بعد العقد أن يشترط ذلك كان فيها قولان فقيل يجوز لفعل عثمان وعبد الرحمن وقيل: لا يجوز، وأنهما كانا متساويين.
وقال أصبغ في كتاب محمد في من باع دابة ثم تبرأ من عيوبها بعد العقد بشيء أخذه لا يجوز ذلك إلا في الرقيق، وقال في كتاب ابن حبيب: يجوز ذلك في الجارية؛ لأنه يجوز فيها البراءة، فعلى هذا يجوز نقل الضمان بعد العقد، والقياس ألا يجوز؛ لأنه ضمان بجعل وغرر إن سلم المبيع وكان الجعل للبائع كان من أكل المال بالباطل.
وقد اختلف قول مالك في هذا الأصل فمرة يقدم القياس ومرة يقدم العمل، والحكم في مصيبة ما بيع على رؤية تقدمت وهو غائب - على ما تقدم إذا بيع على صفة من غير رؤية تقدمت، وهذا إذا كان الشراء على تصديق البائع، فأما إذا كان على الوقف وعلى أنه إن كان على الصفة كان للمشتري أو على أن يختبر، فإن المصيبة من البائع، وكذلك إذا اشترى دارًا على قياس أذرع، أو أشجارًا على عدد -على إن كان عددها كذا وكذا- كانت للمشتري،
الجزء: 9 - الصفحة: 4461
والمصيبة في جميع ذلك من البائع، وذلك فيه كالوكيل.
وقال محمد في من اشترى زرعًا قد استحصد فدانين على أن تقاس الأرض ليعرف كم فيها، فإن كان كنه 25 من حصاده، ثم تقاس الأرض كانت مصيبته من المشتري؛ لأن للمشتري أن يبيعه قبل حصاده، ولو كان القياس قبل حصاده كانت المصيبة من البائع 26. ويختلف هل للمشتري أن يبيعه قبل ذلك؟.
الجزء: 9 - الصفحة: 4462
باب [في النقد في الغائب أو الحاضر ومن اشترى على رؤية تقدمت]
شروط النقد في الغائب على ثلاثة أوجه، فإن كان المبيع ديارًا أو عقارًا جاز شرط النقد، وإن بعدت، وإن كان حيوانًا أو ثيابًا وهي بعيدة أو قريبة وهو بعيد العهد برؤيتها لم يجز 27.
واختلف إذا كانت قريبة وهو قريب العهد برؤيتها فأجاز مالك في المدونة النقد في الزرع، وإن كان على يومن، وقال ابن القاسم أصل قول مالك أن من باع عروضا أو حيوانا أو ثيابا بعينها فلا بأس بالنقد إذا كان قريب الغيبة، وقال في كتاب محمد إذا كان على مثل اليوم واليومين جاز طعامًا كان أو غيره، وقاله أشهب.
وقال مالك أيضا في الطعام وشبهه: يجوز النقد إذا كان على مثل اليوم ونحوه، وقال ابن وهب كره ذلك مالك في الطعام، وإن كان على نصف يوم قال؛ لأنه يسرق، ويفسده المطر إلا أن يكون قريبا جدا.
وقال ابن القاسم عنه لا يجوز في الحيوان إلا أن يكون على مثل البريد والبريدين.
وروى عنه ابن عبد الحكم أنه قال لا ينبغي أن يرد في الحيوان أقرب أو أبعد 28.
الجزء: 9 - الصفحة: 4463
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما الثياب والطعام المخزون فالصواب أن يجوز فيه النقد وإن كان على يومين أو ثلاث لأن السرقة وتغيره في مثل ذلك نادر.
وأما الزرع القائم فيجوز إذا كان على يوم أو بعض يوم وعلى هذا الوجه تكلم مالك في الطعام؛ لأنه قال يصيبه المطر.
وكذلك في الثياب إذا كانت على القصارة على البحر والحيوان في الرعي فبعض يوم يجزئ.
فصل [في بيع الحاضر على رؤية تقدمت]
وإن بيع حاضر أو غائب على رؤية تقدمت فإن بعدت الرؤية مما يمكن أن يتغير فيه لم يجز شرط النقد وإن لم يشترط النقد جاز.
وإن بيع الغائب على صفة غير البائع وكان ممن يوثق بقوله كان الجواب على ما تقدم إذا اشتري على رؤية نفسه، وإن كان على صفة البائع أو غيره ممن لا يوثق بقوله لم يجز وذلك غرر؛ لأنه لا يُدْرَى أصدق أو كذب إلا أن يكون البائع معروفًا بالعدالة والخير وقلة الحرص.
وإن اشترط النقد بوجه جائز ثم لم يصح البيع رجع في الثمن إن كان عينًا أو مما يكال أو يوزن، وإن كان عرضًا أو عبدًا وفات بحوالة أسواق أو عيب رجع في قيمته وتعجيل النقد بغير شرط جائز إذا كان الثمن عينًا أو مكيلًا أو موزونًا أو عبدًا أو ثوبًا أو ما أشبه ذلك مما يجوز قبضه، ولا يجوز إذا كان دارًا أو منافع دار ولا جارية ولا جزافًا لأن تعجيل الثمن بغير شرط قرض وإذا كان شرط النقد كان بيعًا ولا يجوز أن يتطوع بنقد ما لا يجوز قرضه فأما الديار ومنافعها فإنه لا يستطاع رد المثل في تلك المحلة ويدخل الجواري في عارية الفروج، وأما الجزاف فإنه لا يعلم هل الثاني مثل الأول وكذلك إذا كان الثمن
الجزء: 9 - الصفحة: 4464
التبر ذهب فإن تطوع المشتري بالنقد ثم لم يصح البيع رجع بمثل ما دفع لا قيمته لأنه قرض فاستوى فيه الكيل والموزون والعبد والثياب.
ولو عجل الثمن على أن يرجع بالقيمة إذا لم يجد الغائب لم يجز؛ لأنه بيع على قيمة مجهولة، وإن لم يشترطا في حين التعجيل الرجوع بالقيمة ولا المثل وكانا يظنان أن الحكم الرجوع بالقيمة حمل ذلك ورجع بالقيمة كالبيع فاسدًا إذا كان الثمن عبدًا أو ثوبًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 4465
باب في من اشترى غائبا هل يوقف ثمنه
وقف ثمن الغائب على خمسة أوجه فإن كان الثمن عينًا والمشتري موسرًا لم يوقف، وإن كان معسرًا يخشى ناحيته ما بينه وبين الغائب وقف، وإن كان الثمن عرضًا أو ما أشبهه مما لا غلة له أو ما يكال أو ما يوزن وقف؛ لأن المشتري قد تعلق له فيه حق ويخشى أن يدرك البائع ندم فيدعي ضياع ذلك.
وإن كان الثمن عبدًا من عبيد الخراج بقي في أعماله على حاله ثم يختلف لمن يكون خراجه؟ فعلى القول إن المصيبة من البائع يكون له قبض خراجه الآن وعلى القول إن المصيبة من المشتري يوقف الخراج فإن سلم الغائب أخذه المشتري وإلا رد إلى البائع ونفقته الآن على البائع فإن صار الخراج للمشتري طلبه بالنفقة.
وإن كان من عبيد الخدمة بقي في خدمة بائعه على القول إن مصيبته منه لأنه مما لا يغاب عليه ولأن وقف سيده عنه مضرة عليه وعلى القول إن مصيبته من مشتريه يوقف البائع عن استعماله.
وإن كان الثمن دارًا كان الجواب فيها على ما تقدم في العبيد ينظر هل هي دار غلة أو سكنى؟ فإن هلك الثمن في حال الوقف كان مصيبته ممن يصير إليه، وإن هلك قبل وقفه لم يرجع أحدهما على الآخر بشيء.
وإن سلم الغائب أخذه مشتريه وكانت مصيبة الثمن من البائع، وكذلك إن هلك الثمن قيل يوقف على القول: إن مصيبته من المشتري وأما على القول إن مصيبته من البائع فيفسخ البيع الآن ولا ينظر إلى الغائب هل هو سالم أم لا؟
الجزء: 9 - الصفحة: 4466
وإن خرج مشتري الغائب لقبضه فوجده سالمًا فمنعه البائع منه خيفة أن يكون الآخر قد هلك، فإن كان وقف الأول على يد بائعه لم يمنع من قبض الغائب؛ لأن هلاك ما في الوقف ممن يصير إليه ثمنًا كان أو مثمونًا، وإن لم يكونا وقفا الأول كانت على القولين، فعلى القول إن المحبوسة بالثمن من المشتري يكون للمشتري الغائب قبضه؛ لأنه يقول إن كان الآخر قائمًا قبضته وإن هلك فهو منك، وعلى القول إن مصيبته من بائعه يكون لبائع الغائب منعه ومن دعا منهما إلى وقفه كان ذلك له، فإذا وقف عاد إلى الأول فقبضه مشتريه إن وجده قائمًا ولم يكن لبيع الحاضر منعه منه؛ لأن الغائب موقوف ومصيبته من مشتريه، فإن جهلا وقف الغائب، ثم عاد إلى الأول فعاد الجواب إلى ما تقدم أن لبائع الحاضر أن يمنع منه لإمكان أن يكون الغائب قد هلك.
فصل في الإتيان بالمبيع الغائب وما يلزم من ذلك
ومن اشترى غائبًا وقف لقبضه، ولم يكن على البائع أن يأتي به، فإن شرط المشتري على البائع أن يأتي به، ويكون في ضمان بائعه حتى يقبضه، لم يجز، وكان بيعًا فاسدًا، وكان مصيبته إن هلك قبل وصوله من بائعه، وإن هلك قبل قبضه ضمنه بالقيمة، وإن شرط أن ضمانه في حين الإتيان به من مشتريه جاز، وكان بيعًا وإجارة فإن هلك قبل خروجه به من موضع بيع فيه أو في الطريق حط عن المشتري من الثمن بقدر الإجارة.
وقال ابن القاسم في من اشترى غلامًا غائبًا بغنم غائبة فتقدم العبد ثم مات قبل أن تأتي الغنم قال: إن جاءت الغنم على الصفة أو على غير الصفة فرضي مشتريها أن يأخذها على ما جاءت به، كان العبد من الذي كان إليه
الجزء: 9 - الصفحة: 4467
صائرًا، ومحمل قوله على أن بائع الغنم تطوع بجلبها (1).
فصل [في ما قدر الغيبة في ما يشترى على الصفة]
ولا يجوز شراء الغائب إذا كان على بعد مما يرى أنه لا يوجد على ما رآه أو ما وصف له.
قال ابن القاسم: لا يصح أن يشتري ما رأى بالمدينة من إفريقية، يريد إذا اشتراها رطبًا؛ لأنه لا يبلغ حتى ييبس، ولا يدرَى هل كانت على ما وصف، ولا بأس إذا كانت يابسة وأجازه في الحيوان.
وقال ابن حبيب: لا يجوز مع بعد جدا 30، يريد لأنه يتكلف المشقة على ما لا يدرَى هل يجده أم لا؟ وليس هذا من بيوع الناس، ولأن البائع يحط من الثمن لمكان تكلف المشتري الخروج ما يُعْلَم أنه لو عَلِم أنه يجده قائمًا لم يبعه بذلك الثمن.
وإن كان ثمن الغائب ثوبًا كان أشد في الغرر؛ لأنه يوقف تلك المدة، ولا يدرَى هل يجد الغائب أو لا، وإن كان ثمن الغائب عبدًا أو دابة كان أشد منه إذا كان ثوبًا.29
الجزء: 9 - الصفحة: 4468
باب في من أقال من غائب أو من جارية في المواضعة أو أقال من كراء داره
وقال مالك في من باع سلعة غائبة لا يصح النقد فيها: لم تجز الإقالة وهو دين بدين إن كانت سليمة يوم وقعت الصفقة 31.
وقال سحنون: وهذا على القول أن المصيبة من المشتري ومنعه محمد على القولين جميعًا.
يريد لأنها وإن كانت من البائع، فإنه يمكن أن يجدها سالمة وقت قبضها، فتبين أن الدين كان ثابتًا فيكون قد أخذ سلعة عن دين.
وقال أشهب: لا بأس به وهو في ذلك على أصله أنه يجوز أن يأخذ سلعة غائبة عن دين 32.
وقال يحيى: يجوز لأن ذمم هذين تبرأ ولا تنعقد وقول أشهب ها هنا أشبه، وهو خارج عما كان عليه الربا من أنه يقضي أو يربي لأن قصد هذين حل العقد الأول وبراءة بعضهما من بعض.
ومن اشترى جارية، وتواضعاها للاستبراء فتقايلا فيها جاز فإن كانوا 33 تواقفا الثمن رجع الثمن إلى الشتري، وإن كانت الإقالة بربح يربحه المشتري استرجع الموقوف، وبقيت الجارية في المواضعة فإن خرجت الجارية من الحيضة انتقد الربح، وإن لم تخرج لم يكن له شيء، وإن أقاله بخسارة جاز أيضًا، ويسترجع الثمن الموقوف ويوقف القدر الذي يربحه البائع، وإن خرجت من
الجزء: 9 - الصفحة: 4469
الحيضة يأخذه البائع، وإن لم تخرج رد إلى المشتري.
وقال ابن القاسم في من أكرى داره من رجل شهرين بثوب موصوف في بيت المكتري ثم باعه منه بدينار قبل أن يقبضه: لا بأس إذا علم أن الثوب قائم حين وقعت الصفقة الثانية 34.
ويستوي في هذا القول: إن المصيبة من المشتري أو من البائع؛ لأنه الآن في يد مشتريه آخرا وبنفس العقد هو قابض له إلا أن يشترط ألا يضمنه إلا بعد وصوله إليه، فإن هلك قبل أن يصل إليه انفسخ البيع الثاني، ثم تُنْظر في الأول، وإن كان الأمر فيه موقوفًا، حتى تُنْظر هل هو على الصفة، كان من بائعه وانفسخ الكراء وكذلك إن صدق البائع المشتري في صفته على القول: إن المبيع من البائع.
الجزء: 9 - الصفحة: 4470
باب في من اشترى على برنامج فوجد ناقصًا أو زائدًا
يجوز لمن اشترى على برنامج أن يغيب عليه قبل أن يفتحه 35، وسواء اشتراه على تصديقه أو على تصديق البائع؛ فإن قبضه على أنه مصدق فيه, ثم قال: وجدته مخالفًا أو ناقصًا، قبل قوله مع يمينه.
وإن قبضه على تصديق البائع حلف البائع أنه كان على ما قال له وبرئ إلا أن يُثبت المشتري بينته على ما قال، فإن وُجد مخالفًا، كان بالخيار بين أن يمسك أو يرد.
وإن وجد نقصًا من العدد رجع بما ينوبه من الثمن، ويحمل على أنه من وسطها، لا أعلى ولا أدنى، فإن كان الثمن لكل ثوب دينارًا، رجع بدينار، وإن وجد زائدًا، كأن اشترى خمسين فوجدها تزيد واحدًا رد ثوبًا 36.
واختلف في صفة الرد فقال مرة يرد كأنه عيب وجده فيه، وقال مرة: يكون شريكًا به، فعلى القول الأول يكون للمشتري أن يرد واحدًا، أيهما أحب؛ لأنه يقول: الباقي في يدي على الصفة ليس فيه زائد على الصفة، فيستحقه البائع.
وعلى القول الآخر أنه يكون شريكًا يرد واحداَّ بقيمته من تلك الجملة بالقرعة، وهو أحسن، وهو عدل بينهما فيقوم جملتها، فإن كانت قيمة أحدها دينار، وآخر يزيد قيراطًا، وآخر يزيد حبتين وآخر يزيد حبة، وآخر ينقص مثل ذلك، وقيمة جيدها على ما دونه يزيد دينار، كان البائع شريكًا بدينار، فإن أراد رفع الشركة أقرع عليها، فإن خرج للبائع ما قيمته دينار أخذه، وإن كان قيمته
الجزء: 9 - الصفحة: 4471
دينارًا وقيراطًا كان عنده زائدًا بقدر ذلك فيحط عن المشتري من الثمن الذي اشترى به ذلك القدر جزءًا وإن كانت قيمته دينارًا إلا قيراطًا بقي له الشِّرْك في البقية بقيراط فيدفع المشتري قيمة ذلك المبيع، وإن كان المبيع أجناسًا، حديدًا وخزًّا وكتانًا، فوجد النقص أو الزائد في صنف منها قَوّم كل صنف بانفراده ثم يَنْظر إلى ما ينوب هذا الصنف على ما كان وقع عليه البيع على أن لا نقص فيه ولا زيادة، فإن علم ما ينوبه، رجع الحكم فيه إلى ما تقدم لو بيع بانفراده.
الجزء: 9 - الصفحة: 4472
باب جامع
وقال ابن القاسم في من باع عمودًا عليه غرفة ذلك جائز وللمشتري أن ينقض العمود، إذا كان يقدر على تعليق ما عليه، فيعلقه البائع، ليقبض المشتري العمود 37.
وإن كان لا يقدر على ذلك إلا بهدم الغرفة لم يجز، وذلك من الفساد إلا أن يكون قد أُضْعِف له الثمن، أو تكون الغرفة تحتاج إلى النقض، وإن كان عليه بناء يسير جاز، وعلى البائع زوال ما عليه فإن كان إرفاده مأمونًا جاز البيع وإن كان غير مأمون لم يجز إلا أن يشترط المشتري سلامته بعد حطه وإن كان حوله بناء كان زواله على البائع لأن ذلك ملك البائع.
وقال في من باع جفنَ سيفٍ دون حِلْيته جاز، وينقض البائع الحلية 38.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وكذلك لو باع الحلية دون الجفن كان عليه أن ينقضها لأن على كل بائع أن يمكن من المبيع.
وقد اختلف في هذا الأصل فقيل في من باع صوفًا على ظهور الغنم أو تمرًا في رؤوس النخل الجِزاز والجِذاذ على البائع، وقيل: على المشتري.
وكذلك إذا باع البناء الذي على العمود وباع أنقاضًا ليهدم، يُخْتلف هل هدمه على البائع أو على المشتري، والحلية أشبه؛ لأنها مربوطة بملك البائع.
وظاهر المذهب في من باع شاة واستثنى جلدها أن المشتري يذبحها لنفسه، ثم
الجزء: 9 - الصفحة: 4473
يأخذ هذا الجلد (1)، وأرى أن يكون الذبح عليهما؛ لأن التذكية منفعة لهما.
ثم يُخْتلف هل تكون الأجرة على ذلك بالسوية أو على قدر ما لكل واحد منهما، ويكون السلخ على صاحب الجلد؛ لأنه على اللحم، فعلى من له الأعلى أن يزيله.
فصل [في بيع فراغ البيت وجوفه]
ومن باع من رجل هواء جوف بيته ليبنيه غرفة، جاز إذا وصف سعتها وعرض حيطانها وارتفاعها ويبنيه بالمعتاد عندهم من آجُرٍّ أو غيره وكذلك إذا باعها على أن يبني عشرة أذرع بعد عشرة أذرع فيذكر صفة حيطان الأسفل؛ لأن الأسفل قوة للأعلى، وثقل الأعلى يضعف الأسفل.
فصل [في لزوم بيع الغائب]
ومن قال لرجل: قد أخذت سلعتك أو عبدك بعشرة دنانير، فقال الآخر: ذلك لك، لزمهما البيع جميعًا ولا رجوع لواحد منهما وإن قال: بعني سلعتك بعشرة دنانير، فقال: قد فعلتُ، وقال الآخر: لا أرضى، لزم البائع وحلف المشتري إن أحب الرد أنه لم يرد الإيجاب، وقد يقول ذلك ليرى هل يبعهما أو لا يبيعها بذلك الثمن، أو يريد الشراء حقيقة، وإذا أشكل الأمر حلف وبرئ.
وإن قال: بكم سلعتك؟ فقال: بعشرة دنانير، فقال: قد أخذتها بذلك، ثم رجع البائع حلف أنه لم يقل ذلك على وجه الإيجاب، ولم يلزمه البيع، وإن لم39
الجزء: 9 - الصفحة: 4474
يقل المشتري بعد قوله بكم سلعتك شيئًا لم يلزمه؛ لأنه مساوم.
وقال أشهب: إن كان قد أوقفها للبيع لزمه إذا قبلها المشتري ولم يكن له رجوع 40.
وقال ابن القاسم: لو قال: زوجني ابنتك بعشرة دنانير، قال: قد فعلت، فقال الخاطب: لا أرضى؛ لزمه بخلاف البيع لأن سعيد بن المسيب قال: النكاح هزله جد 41.
وروى علي بن زياد عن مالك أنه قال: نكاح الهزل لا يجوز، وهذا إذا علم أنه كان هزلًا فلا يلزمه.
وقد جاء في الحديث: "ثلاث هزلهن جد النكاح والطلاق والعتق" 42، ومحمل ذلك إذا لم يعلم ولم يكن دليل أنه أراد الهزل، فإن علم لم يلزم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الأعمال بالنيات" 43، وإذا لم يعلم ولم يقم دليل أنه كان هزلًا لزمه من نصف الصداق، ولم يكن منها لإقراره على نفسه أنها ليست بزوجة.
الجزء: 9 - الصفحة: 4475
باب في البيع على الوزن والكيل والجزاف
البيع في ذلك على ما اعتاده المتبايعان أو أهل ذلك الموضع من كيل أو وزن أو عدد أو قيس أو جزاف، فإن خرج من ذلك إلى ما يعرف قدره من المعتاد أو يقاربه جاز وإن خرج في بيعهما إلى ما لا يعرف قدره منه لم يجز، فأما تبر الذهب ونقار الفضة فيباعان وزنًا وجزافًا إذا كانت عادة في بيعه جزافًا فإن لم يكن لم يجز.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: وأما الدنانير فهي على قسمين: فأما القائمة والفرادى فيباع عددا ووزنا لأن وزنها معلوم، القائم تزيد حبة والفرادى تنقص حبة، فإذا جمعا في الوزن علم ما تضمن ذلك الوزن من العدد ولا يباع جزافًا، وكذلك كل ما يباع عددًا فلا يباع جزافًا.
وأما المجموعة فتباع وزنًا ولا تباع عددًا؛ لأن فيها النقص والزيادة ومنع في كتاب الصرف من بيع الدنانير جزافًا جملة هكذا، ولم يبين هل هي قائمة أو مجموعة.
وذكر أبو الحسن بن القصار عن مالك أنه قال: لا تباع الدنانير والدراهم جزافًا على طريق الكراهية 44، يريد في الدراهم إذا كانت مجموعة فتباع وزنًا.
ويختلف في بيعها جزافًا، وإن كانت تباع عددًا مثل الدراهم الجائزة بين الناس في مكة أو المدينة فلا تباع وزنًا ولا جزافًا.
وأما الزيت والسمن والعسل فإن كان قوم عادتهم فيه الكيل لم يجز وزنًا إلا أن يعلموا قدر الوزن من الكيل، وإن كانت العادة الوزن لم يجز كيلًا إلا أن
الجزء: 9 - الصفحة: 4476
يعلموا قدره من الوزن.
والعادة عندنا في الزيت الكيل وبمصر الوزن، ووزن القفيز ثلاثة أرطال وثلث، فلا يباع عندنا وزنًا إلا لمن عرف ذلك، ولا بمصر كيلًا إلا لمن علم قدره من الوزن، وكذلك القمح والدقيق كيلًا ولا يباع وزنًا، ويجوز ذلك بمصر؛ لأن تلك العادة عندهم في الدقيق فيبيعونه وزنًا، ويسلمون القمح إلى الطحان بوزن.
وأما الثياب فتباع عددًا على القيس، ولا يجوز بيعها جزافًا ولا بغير قيس إلا أن يكون قيس ذلك المتاع عندهم معلومًا، وقد جرت العادة في أشياء أنها تباع على معنى الجزاف من غير قيس ولا وزن، فلا يجوز أن يباع على غير ذلك.
فمن ذلك الديار تباع عندنا بغير قيس، وإنما هي على المشاهدة، ولو قيل للبائع أو المشتري كم هي من ذراع ما عرفها، فلو أراد أن يتبايعاها على القيس ما جاز؛ لأنه غرر إن كثرت الأذرع كان فيها غبن على المشتري، ولو علم أنها تبلغ تلك الأذرع لم يشترها عليه، وإن قلَّت الأذرع كان فيها غبن على البائع، لو علم ما باع به، وعلى هذا لو كانت دار غائبة لم يشترها مذارعة إلا أن يعلم أن تلك الأذرع كيف تكون من الديار التي عليها بالمشاهدة، ومحمل قول مالك في إجازته بيع الدار مذارعة أن ذلك لعادة عندهم وكذلك الأرضون العادة عندنا أنها تباع بغير قيس إنما يمشي فيها، ويشتري ما يتصورها من قدرها من الكبر وغيره, فيجوز ذلك لمن تلك عادته.
وقال ابن القاسم في الحطب: يسلم فيه قناطير؛ لأن تلك العادة عندهم بمصر أنه يباع وزنًا 45.
الجزء: 9 - الصفحة: 4477
ولا يجوز ذلك عندنا؛ لأن العادة بيعه جزافًا ولا يعلم كم وزنه ولا قدر ذلك الحمل من الوزن.
وأجاز مالك في كتاب محمد أن يباع الزيت والسمن في الزقاق على أن الزِّقاق داخلة في الوزن والبيع قال: لأن الناس قد عرفوا وزنها، وقاله في القلال: لو علم أنها في التعارف مثل الزقاق ما رأيت بها بأسًا 46.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أمرها واحد والزقاق أشد منها اختلافًا، فزِق الفحل أكثف وأوزن والخصي دونه، وهو أكثف من زِق الأنثى، وإن ذهب بالزِّقاق ليفرغها كان القول قوله في ضياعه وإن كانت العادة أنه يفرغه قبل أن يذهب به فأذن له في الذهاب به ليفرغه لم يصدق في ضياعه بأنها عارية.
وقال ابن القاسم: إن أتى بالظروف واختلفا، وقال البائع ليست بظروف فإن تصادقا على السمن ولم يغب وزن السمن، وإن فات كان القول قول المشتري؛ لأنه أبين وإن فرغ المشتري السمن، وترك الظروف عند البائع حتى يوازنه فيها كان القول قول البائع أنها الظروف التي كان فيها السمن 47.
وقال أشهب في كتاب محمد: القول قول المشتري والمدعي ها هنا البائع في وزن السمن أنه كثير فيحلف المشتري أنه ليس في وزن السمن الذي قبض إلا ما ذكر ويبرأ 48.
والأول أبين لأن تركها عند البائع أمانة لتوزن وإذا بقيت الضروف 49
الجزء: 9 - الصفحة: 4478
عند المشتري كان القول قوله مع يمينه وإن نكل حلف البائع على ما يقول من وزن سمنه وصفة ضروفه ويأخذ قيمة ما حلف عليه وإن كان السمن قائمًا وزن فإن وجد على ما قال البائع كانت أجرة الوزن على المشتري وإن وجد على ما قال المشتري كانت الأجرة على البائع.
فصل [في من اشترى جارية فاطلع على عيب فأنكره البائع]
وقال ابن القاسم في من اشترى جارية بمائة دينار فاطلع على عيب فأنكره البائع فقال رجل أنا آخذها منكما بخمسين على أن على كل منكما من الوضيعة خمسة وعشرين: لا بأس بذلك 50. قال الشيخ - رضي الله عنه -: فإن استحقت السلعة بعدُ، رجع الذي استحقت من يده على الأوسط بخمسين ورجع الأوسط على الأول بخمسة وسبعين، وهي تمام المائة التي كان اشترى بها، وإن اطلع على عيب، فإنه لا يخلو هذا العيب من أربعة أوجه: إما أن يكون قديمًا عند البائع الأول أو مشكوكًا فيه ويكون الشك فيه بين الأول والأوسط والآخر، فإن علم أنه لم يكن عند الآخر كان له أن يرد على من باشره بالبيع وهو الأوسط، ويأخذ منه الخمسين التي دفعها إليه، ويرجع المقال بين الأوسط والأول، فإن كان العيب الذي رد به الآخر قديمًا عند الأول كان للأوسط أن يرد بعد يمينه على المشكوك فيه الذي تقدم الصلح عنه ورجع بخمسة وسبعين؛ لأنه كان أخذ عن الصلح خمسة وعشرين فتمت المائة التي كان اشترى بها، فإن نكل حلف البائع ثم كان المشتري بالخيار بين
الجزء: 9 - الصفحة: 4479
أن يمسك، ويأخذ قيمة العيب القديم أو يرد ويحط من الثمن ما ينوب المشكوك فيه؛ لأنه كالحادث عنده، وإن كان العيب الذي رد به الآخر مشكوكًا فيه بين الأول والأوسط كان حكم الثاني حكم الأول، يحلف البائع عن العيبين جميعًا ويسترجع الخمسة والعشرين التي كان الصلح عنها، فإن نكل حلف المشتري ورد، وأكملت له المائة إلا أن يشاء أن يتمسك بالصلح عن الأول، فيحلف البائع عليَّ ويبرأ أو ينكل عن اليمين فيحلف عليه المشتري ثم يكون بالخيار بين أن يمسك ورجع بقيمة الآخر أو يرد ويرد ما نقصه العيب المصالح عنه ويكون حكم المصالح كحكم الحادث.
فصل [في العيب المشكوك فيه ومن له الحق في الرد بالعيب]
وإن كان العيب الذي اطلع عليه الآخر مشكوكًا أن يكون عند الأخير أو الأوسط خاصة كان القول فيه قول الأوسط مع يمينه ولزم الآخر، وإن نكل حلف الآخر ورد على الأوسط، ولا مقال فيه بين الأوسط والأول لإقرار الأوسط أن الصلح منعقد على حاله وأن الأول برئ منه، وأن الآخر ظالم في مقامه عليه وإن كان العيب مشكوكًا فيه هل كان عند الأول أو الأوسط أو الآخر كان مقال الأخير مع يمين الأوسط وبه يبتدأ، فإن أنكر الأوسط كان القول قوله مع يمينه، فإن كانت يمينه فيه على البت أنه لم يكن عنده لم يكن للآخر مع الأول مقال لإقرار الأوسط أن لا عقدة له فيه على الأول، وكذلك الجواب إذا قال الأوسط: لا أدري هل كان عندي أم لا؟ وحلف وقال الآخر: تقطع أنه عندك لم يكن قِبَل الأول مقال، وإن قالا: لا علم لنا عند من حدث وحلف الأوسط أنه لا يدري أنه كان عنده كان للآخر أن يحلف الأول، فإن
الجزء: 9 - الصفحة: 4480
نكل حلف الآخر ورد عليه، وإن نكل الأوسط وحلف الأخير رد عليه، ثم لا قيام للأوسط على الأول؛ لأنه فيه على وجهين: إما أن يدعي أنه حدث عند الآخر، فذلك إقرار أنه لا حق له على الأول؛ لأنه يقول قد تعدى على الآخر وقام بما ليس له فيه حق أو يقول لا أدري حدث عندي أو عند الآخر أو كان عند الأول فإذا حلف الآخر كان لي أن أحلف الأول لإمكان أن يكون عنده، قال الأول فأنا أنكل عن اليمين فأردها عليك، فإن نكلت لم يكن في ذلك علي شيء، وقد تقدم نكولك؛ لأن نكولك عن الأول نكول عني؛ لأنها يمين واحدة فلا شيء لك علي.
الجزء: 9 - الصفحة: 4481
باب في من اشترى عبدا واستثنى ماله
ومن المدونة قال مالك فيمن اشترى عبدًا واستثنى ماله والمال دنانير ودراهم وعروض بثمن إلى أجل، جاز 51.
قال ابن حبيب: يجوز ذلك وإن كان المال عينًا معلومًا أو مجهولًا وإن كان أكثر من ثمنه لأنه لا حصة للمال من الثمن 52.
وقال ابن القاسم في كتاب الجوائح: يزاد في الثمن لأجله 53، وكذلك في كتاب محمد.
وقال في العبد يرهنه سيده ثم يجني جناية ويسلمه سيده ثم يفتديه المرتهن بغير إذن سيده أنه يباع بماله ويقبض الثمن فما ناب المال دخل فيه الغرماء.
وهو أحسن؛ لأن ذلك معلوم أن يبيعه بماله أكثر مما يباع به ولو كان بغير مال، ولا أرى أن يجوز بيعه إلا بعد معرفة ماله فإن كان ماله عينًا اشترى بالعروض ولم يشتر بالعين نقدًا ولا إلى أجل فيمنع شراؤه قبل معرفة ماله للغرر؛ لأن الثمن يختلف ويتباين باختلاف المال في القلة والكثرة وليس ثمن العبد إذا كان ماله عشرة دنانير كثمنه إذا كان المال مائة دينار أو مائتين أو
الجزء: 9 - الصفحة: 4482
أو آلاف، ولأن للمشتري أن ينتزع ماله فليس من يشتري وينتزع منه المشتري عشرة دنانير ما يشتري به ما ينتزع منه مائتين ويمنع أن يشتريه بالعين إذا كان ماله عينًا لوجهين:
أحدهما: مراعاة الخلاف لقول من قال: إن العبد لا يملك، فكان الاحتياط في ذلك أولى.
والثاني: مراعاة لأحد قولي ابن القاسم في العبد المأذون له يشتري ابنة مولاه أنها تعتق على السيد ولا يطؤها العبد.
وقوله هذا محتمل أن يكون قال ذلك مراعاة للخلاف أو لأن للسيد أن ينتزع المال وأي ذلك كان، فإنه لا يجوز أن يشتريه بعين والمال عين، وكأن هذا إنما اشتراه بماله، وإن قال أشتريه وماله لم يجز إلا بعد المعرفة بالمال وقلته وكثرته وجنسه.
وإن كان المال عينًا أو فيه عين لم يشتره بالعين قولًا واحدًا لأنه إذا قال أشتريه وماله فقد اشترى الشيئين جميعًا؛ العبد والمال، فصار المال منتزعًا.
وإن كان في المال أمة لم يجز للعبد أن يصيبها، وإن قال أشتريه بماله جاز للعبد أن يصيبها.
تم كتاب الغرر والحمد لله
الجزء: 9 - الصفحة: 4483