التبصرة للخميصفحات 2595-2635

كتاب الأيمان بالطلاق

صفحات 2595-2635

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 3 - (ث) = نسخة سيدنا عثمان رقم (172) 4 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

كتاب الأيمان بالطلاق

ما جاء في الأيمان بالطلاق

قال الشيخ - رضي الله عنه - 2: الطلاق على أربعة أوجه: مكروه ومباح ومستحب وواجب، وكل 3 ذلك راجع إلى حال الزوجين في العشرة وحال الزوجة في نفسها من الصيانة والفساد.
فإن كان الزوجان على الإنصاف وكل واحد مؤد 4 لحق صاحبه استحب له ألا يفارق، وإن كانت غير مؤدية لحقه ناشزًا أو غير ذلك، كان مباحًا غير مكروه.
وإن كانت غير صيِّنة لنفسها استحب له فراقها من غير قضاء إلا أن تعلقها نفسه.
وإن فسد ما بينهما ولا يكاد يسلم له دينه معها وجب الفراق.
واستحب الإمساك في القسم الأول، لقول الله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19] فندب إلى إمساكها لإمكان أن يجعل الله في ذلك خيرًا، وروي أن1

النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أَبغَضُ الحلاَلِ إِلَى اللهِ الطَّلاَقُ" 1، ولأنَّ الطلاق سبب 2 لاطلاع غيره عليها، واطلاعها على غيره، ومن مروءة الرجل حفظ هذا المعنى وصونه، وقد أكرم الله تعالى نبيه صلوات الله عليه بحماية ذلك، فحرّم أزواجه على غيره تكرمةً له 3. واستحب له فراق من كانت غير صيِّنة لنفسها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي قال: إن زوجته 4 لا ترد يد لامس: "فَارِقْهَا"، قال: فإني أحبها، قال "فَأَمْسِكْهَا" 5، ولأنه لا يأمن أن يلحق به غير ولده، ووجب الفراق إذا فسد ما بينهما وتفاقم فلم يرج صلاح، لقول الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] وقد مضى الكلام على هذا أن ذلك من الواجب على الحكم، وإن لم يتحاكما إليه في باب الحكمين 6.

والأيمان بالطلاق ممنوعة، لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحلفوا بالطلاق ولا بالعتاق، فإنهما من أيمان الفساق" (1)، ولأن الغالب فيمن يحلف بالطلاق أنه لا يبر في يمينه، وقد يحنث وهي حائض، وقد قيل في أحد التأويلات في قول الله سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ الآية [البقرة: 224] أي: لا تكثروا الأيمان بالله عزَّ وجلَّ، فإن فاعل ذلك لا يبر ولا يتقي.
وقال مطرف وابن الماجشون فيمن اعتاد اليمين بالطلاق إنها جرحة، ولا يحلف بذلك سلطان ولا غيره، وَلْيَنْهَ الناس عن ذلك، ويؤدب من اعتاد اليمين بذلك.

فصل [فيمن جرى الطلاق على لسانه حكاية]

ومن المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم فيمن طلق زوجته فقال له رجل: ما صنعت؟ قال: هي طالق، هل يُنوَّى إن قال: أردت أن أخبره أنها طالق بالتطليقة التي كنت طلقتها؟ قال: نعم 2.1

قلت: فلو عدم النية لم يكن عليه سوى تلك التطليقة (1)؛ لأن بساط جوابه عن السؤال الذي يسأل عنه ما صنع فيه، فأخبر عنه ولا يحمل على أنه أضرب عن السؤال، وابتدأ طلاقًا، ولأن قول الرجل: طالق، يصح أن يراد به الإخبار عن حالها والصفة التي هي عليها، والمراد بطالق: التسمية أنها ذات طلاق، كما يقال: لابن وتامر (2)، وليس هو اسم فاعل، واسم الفاعل منه مُطلِّق، وما ذكر في الدونة أنه يُنوَّى وأن ذلك في السؤال ليس شرطًا في الجواب، وسُئل مالك عمن طلق زوجته تطليقة، فسئل عنها، فقال: ما بيني وبينها عمل فلا شيء عليه، وليحلف ما أراد به طلاقًا ولا شيء عليه غير ذلك.

فصل [في تعليق الطلاق]

وقال ابن القاسم فيمن قال: إن دخلت هذه 3 الدار أو أكلت أو شربت أو لبست أو قمت أو قعدت أو ركبت فأنت طالقٌ، إنها أيمان 4. قال الشيخ -رحمه الله-: هي أيمان كما قال، والحكم فيها مختلف، فأما قوله: إن دخلت الدار فهي يمين لا يحنث إلا بالدخول، وأما قوله: إن أكلت أو شربت ولم يضرب أجلًا، فإنه يحنث الآن؛ لأنه لا يصح أن لا تأكل ولا تشرب، وكذلك إذا ضرب أجلًا لا يمكنه الصبر إليه، وإن كان مما يمكن الصبر إليه لم يحنث، وكذلك يمينه: إن لبست أو قمت أو قعدت يحنث إذا لم يضرب أجلًا،12

أو ضرب أجلًا لا يمكنه الصبر إليه، وأما قوله: إن ركبت فكقوله: إن دخلت الدار.
واختلف إذا قال: إذا حضت فأنت طالق، فقال مالك وابن القاسم: يلزمه الطلاق مكانه حين تكلم بذلك 1 فأوقع الطلاق بنفس اللفظ من غير حكم.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا شيء عليه حتى تحيض وهو قول المخزومي وابن وهب وابن عبد الحكم 2. وقيل في هذا الأصل: لا يقع عليه الحنث بنفس اللفظ إلا أن يرفع ذلك إلى حاكم فيحكم عليه بالطلاق، وهو أحسن؛ لأنه أمرٌ مختلف فيه، والحكم يرفع الاختلاف، وقد اختلف أهلُ العلم في الطلاق إلى أجلٍ هل يعجل؟ واختلف عن مالك فيمن حلف الطلاق بالحيض 3، وإن كانت يائسة أو شابة وهي ممن لا ترى حيضًا لم يعجل الطلاق على حال.
واختلف إذا قال: أنت طالق كلما حضت حيضة، فقال ابن القاسم: هي طالق الساعة ثلاثًا 4. وقال سحنون: يقع عليها طلقتان؛ لأنَّه طلَّق بأول الحيضة فهو يتعجل الآن، وهي طاهر، ثم تعتد بأول حيضة، وتعجل الطلقة الثانية أيضًا، وتسقط الثالثة لأنها بأول ما ترى من الدم بائن، فإنما أوقعها على غير زوجة، قال: ولو

قال: أنت طالق لأول حيضة، فإذا حاضت الثالثة لزمه طلقة لأنها بأول رؤية الدم الثالث 1 بائن.
وقال مالك في كتاب محمد: إذا قال: أنت طالق كلما حضت حيضة 2 لا شيء عليه حتى تحيض فيقع عليها طلقة ويرتجع، فإذا حاضت الثانية وقعت الثانية وارتجع، وإذا حاضت الثالثة بانت، ولو 3 لم يرتجع لم يقع عليه سوى تطليقتين.
واختلف إذا قال: أنت طالق كلما جاء شهر أو سنة، فقال ابن القاسم: هي طالق ثلاثًا ساعة تكلم بذلك 4. وقال عبد الملك وسحنون: لا يقع عليه إلا ما كانت فيه في العدة، فإن قال وهي في شعبان: أنت طالق كلما جاء شهر كان قد علق الأولى باستهلال رمضان، والثانية: باستهلال شوال، والثالثة: باستهلال ذي القعدة فتعجل الآن الطلقة الأولى، فإن انقضت العدة، قبل أن يستهل شوال لزمه طلقة، وإن لم تنقض العدة حتى استهل شوال لزمه طلقتان، وإن تأخرت إلى ذي القعدة لزمه الثلاث، وإن ارتجعها في رمضان ويقف عنها حتى ينظر ما كان يقع عليه من الطلاق لو لم يرتجع، فإن حاضت الثالثة قبل استهلال شوال صحت رجعته على طلقةٍ مضت، وإن حاضت الثالثة في شوال صحت رجعته على طلقتين مضتا، وإن حاضت الثالثة في ذي القعدة لم تصح رجعته.

وقال عبد الملك في المبسوط: إذا قال أنت طالق إلى شهر، وأنت طالق إلى سنتين، وأنت طالق إلى ست سنين وقع عليه الآن طلقة وينتظر إلى سنتين، فإن بقيت عدتها وقعت الثانية 1، وأما ما وراء الخمس فإنه طلق غير زوجة، ولو ارتجعها من ساعته كان له أن يصيبها لأنها رجعة مستقيمة من طلقة أو اثنتين، قال: ولو قال: أنت طالق الساعة، وطالق إلى سنة، وطالق إلى أربع فإنها تطلق الآن واحدة 2، وينتظر عند 3 السنين، فإن ارتجع لم يصب لعل عدتها أن تمتد إلى أربع سنين، فتقع الثالثة، ولكن يرتجع لعل العدة تنقضي قبل السنين، وتحبس زوجته عليه رجعتها، فإن قامت عليه ضرب له أجل الإيلاء، فإن انقضت عدتها إلى ذلك فهي زوجة، وإلا طلق عليه بالإيلاء؛ لأنه لا يقدر على أن يفي؛ لأنه لا يدري لعلها تحرم بالثلاث، ولو قال: أنت طالق كلما حاضت فلانة لامرأته الأخرى، لزمه الثلاث 4، ولا يراعى ها هنا عدة بخلاف أن يعلق الطلاق بحيض زوجته، وإن قال لزوجته وهي حائض: أنت طالق إذا طهرت، وقع عليه الطلاق الآن 5؛ لأن الطهر لا بدَّ منه، وإن لم ينقطع الدم وصارت مستحاضة كانت طاهرًا، وقال أشهب: لا يعجل بالطلاق حتى تطهر 6. والأول أحسن.

فصل [فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطلقكـ]

واختلف إذا قال: أنت طالق إن لم أطلقك، فقال مالك: هي طالق حين تكلم بذلك، وقال أيضًا: لا يقع عليها طلاق حتى ترفعه ويوقفه السلطان 1. واختلف إذا رفعته: هل تطلق عليه بالحضرة, إذ لا فائدة في الصبر أو بعد أن يضرب أجل المولي رجاء أن ينثني عزمها عن القيام بالطلاق.
واختلف أيضًا إذا ضرب أجلًا، فقال: أنت طالق واحدة 2 إن لم أطلقك رأس الهلال 3 واحدة 4، أو 5 أنت طالق ثلاثًا إن لم أطلقك رأس الهلال ثلاثا 6 أو أنت طالق ثلاثا إن لم أطلقك رأس الهلال واحدة، أو أنت طالق واحدة إن لم أطلقك رأس الهلال ثلاثًا فقيل: لا شيء عليه الآن، وهي أيمان، فتبقى 7 حتى يبر بفعله 8 الطلاق الذي حلف أن يفعله، أو يأتي الأجل بحنثه إن لم يفعل، فيقع عليه الطلاق الذي ألزم نفسه إن لم يطلقها، وقيل: يعجل عليه الطلاق الآن، فإن قال: أنت طالق إن لم أطلقك عجلت الآن عليه طلقة 9. وكذلك إذا جعل بره بطلقة وحنثه بثلاث أو بره بثلاث وحنثه

واحدة، فإنه يعجل عليها إحدى الطلقتين وهي طلقة؛ لأنه طلق إلى أجل لما كان لا بد له من إحدى الطلقتين بر في يمينه أو حنث وأرى إن قال: أنت طالق واحدة إن لم أطلقك رأس الشهر ثلاثًا عجل طلقة الحنث، وهي واحدة، فإن هو أراد البر فيطلق ثلاثًا بانت، وإن لم يطلق كان حانثًا بواحدة، وقد عجلت، وإن انقضت العدة قبل وقت الحنث بانت بواحدة، وإن قال: أنت طالق ثلاثًا إن لم أطلق رأس الهلال واحدة لم يعجل بطلقة البر لأنه لم ينوها، وإن عجلت طلقة من الثلاث التي يحنث بهن، فإن قال: أنا أحب أن أبر في يميني بطلقة أوقعها فتصير مع الأولى طلقتين، فكان الوقف أحسن فإن أوقع هو واحدة قبل الهلال برَّ في يمينه، وإلا وقع عليه الحنث بالثلاث إذا أتى الهلال ولم يطلق.
وقال ابن القاسم فيمن حلف بطلاق امرأته البتة ليطلقنها رأس الهلال واحدة، ثم أراد تعجيل تلك الطلقة فلم يجب فيهما بشيء، وقال أصبغ: لا يجزئه، فإن فعل ثم فاته 1 رأس الشهر فلم يطلق واحدة لزمته البتة 2. وقال محمد: إذا سألته أو سأله أهلها أن يطلقها فحلف لهم ليطلقنها رأس الشهر ثم عجل الطلقة لم ينفعه، وإن كان ذلك ابتدأ ليغمها 3 أجزأه.
قال الشيخ -رحمه الله-: ولو حلف عند سؤالهم أنه لا يؤخر الطلاق عن رأس الهلال فجاز له أن يعجلها، وهذا إذا كانت يمينه ليطلقها رأس الشهر، وأمَّا إن قال: إلى رأس الشهر فله أن يعجل الطلقة؛ لأنَّ "إلى" غاية، وإن حلف بالثلاث إن لم يطلقها قبل الهلال ثلاثًا لم يعجل إحدى الطلقتين، قال محمد:

لأن له أن يصالح قبل الأجل، فلا يلزمه سوى واحدة 1. وقال مالك فيمن له امرأتان، فقال لإحداهما: أنت طالق إن لم أطلق فلانة إلى سنة، يريد: الأخرى، قال: يوقف الساعة فيطلق إحداهما 2 لأنه أوقع طلاقًا لا بد منه، فلا يترك يستمتع بواحدة منهما.
وقال أصبغ فيمن قال لامرأته: أنت طالق البتة لأعتقن جاريتي فلانة إلى سنة، فلا تحرم عليه واحدة منهما، وعلى قول مالك في الزوجتين: تحرم زوجته وجاريته حتى يطلق أو يعتق 3 4، وعلى قول أصبغ: لا يوقف عن واحدة من زوجتيه وهو أبين، ويختلف في الذي قال: أنت طالق إن لم أطلقك ولم يضرب أجلًا، فعلى قول مالك: يمنع منها، وقول ابن كنانة أنه لا يمنع لأنه لا يحنث إلا بالموت 5، وكل طلاق 6 عنده لا يكشفه إلا الموت لا يمنع فيه من الزوجة.
واختلف أيضًا إذا ضرب أجلًا هل يمنع منهما لأنه حلف ليفعلن أو لا يمنع لأنه على بر لما ضرب أجلًا.

فصل [فيمن قال لامرأته: إذا حملت فأنت طالق]

ومن قال: إن كنت حاملًا فأنت طالق، أو إن لم تكوني حاملًا فأنت طالق، فإن كانت في طهرٍ لم يمس فيه أو مس ولم ينزل كان محملها على البراءة من الحمل، فإن قال: إن كنت حاملًا لم تطلق، وإن قال: إن لم تكوني حاملًا طلقت، وكذلك أرى إذا كان يعزل؛ لأنَّ الحمل على ذلك نادر.
واختلف إذا أنزل ولم يعزل على أربعة أقوال، فقال مالك في المدونة: هي طالق مكانها لأنه في شك من حملها 1، وسواء قال: إن كنت حاملًا 2 أو إن لم تكوني حاملًا.
وقال مطرف 3 في كتاب ابن حبيب في هذا: الأصل لا يقع عليها طلاق إلا أن يوقعه الحاكم 4، وقول أشهب: لا شيء عليه الآن 5، ويؤخر أمرها حتى ينظر هل هي حامل أم لا؟ وفرق أصبغ بين أن يكون على بر أو على حنث، فإن قال: إن كنت حاملًا، لم يقع عليها 6 طلاق؛ لأنه على بر حتى يعلم أنها حامل، فإن قال: إن لم تكوني حاملًا عجل الطلاق لأنه على حنث، وأرى أن يوقف أمرها في الوجهين جميعًا، ويوقف عنها حتى يستبين أمرها، وليس من كل الماء يكون الولد، وقد سأل بعض الصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العزل

لرغبتهم في الفداء، فقال: "لاَ عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَفْعَلُوا" 1، فلو كان محمل الإنزال على الحمل لم يقل ذلك، فإذا أشكل الأمر لم يعجل بالطلاق ولم ترتفع عصمته بالشك، ولأن في مقابلة طلاقها بالشك إباحتها لآخر بالشك فكان بقاؤها أولى من إباحتها بالشك، واختلف في الموارثة هل يتوارثان؛ لأن الأصل الزوجية، فلا تسقط بالشك أو لا يتوارثان؛ لأنها وارثة بالشك، وفرق سحنون فقال: إن ماتت لم يرثها وإن مات ورثته، يريد: إذا تبين أنه كان بارًّا، وإن تبين أنه حانث لم ترثه لأنها الباقية بعده فيعلم هل هي حامل أم لا؟ 2 وهذا إذا كانت يمينه بالثلاث، وعليه يحمل قول مالك في المدونة، ولو كانت يمينه بطلقة توارثا قولًا واحدًا؛ لأنه وإن كان حانثًا فهو طلاق رجعي، فإن مات الزوج قبل أن يظهر هل هي حامل أم لا؟ كان موته في العدة، وكذلك إن كانت هي الميتة فإنها ماتت وهي في عدة منه؛ لأنها على أحد أمرين: إما أن تكون حاملًا فالعدة وضع الحمل، وإما أن تكون 3 غير حامل فالعدة بالحيض، فإن مات ثم حاضت انتقلت إلى عدة الوفاة، فالموارثة بينهما على كل حال.
واختلف إذا قال: إذا حملت فأنت طالق، وهي غير ظاهرة الحمل، فظهر لها 4 بعد ذلك حمل، هل يحنث به أو لا يحنث إلا بما يكون عن إصابة بعد قوله ذلك، فقال ابن القاسم: لا يمنع من وطئها، فإذا وطئها مرة وقع عليها

الطلاق، وقال أيضًا فيمن قال 1: إذا حملت فوضعت فأنت طالق، قال: إن كان وطئها في ذلك الطهر فهي طالق مكانها، فحنثه بما تقدم من الوطء 2. وقال ابن الماجشون: له أن يصيبها في كل طهر مرة، ولم ير أن يطلق عليه إذا أصابها بعد قوله ذلك لأنه على شك من حملها، إذا كانت في طهر قد مس فيه إلا أن يعجل بالطلاق لإمكان أن لا تحمل، فإن ظهر حمل حنث به لأنَّ العادة أنه إذا ظهر حمل قالوا: حملت، ولا يعتبر 3 ما كان قبل ذلك، وأمَّا مع عدم العادة فإنه ينظر إلى الوقت الذي أصابها فيه، فإن كان دون الأربعين يوما حنث بما يظهر بعد، وإن كان فوق ذلك لم يحنث لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِنَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ" 4، الحديث، وإن كانت حين قوله ظاهرة الحمل لم تطلق 5 إلا بحمل مستأنف.
واختلف إذا قال لزوجته: إذا وضدت فأنت طالق، فقال مالك في المدونة: هي طالق حين تكلم بذلك 6. وقال في كتاب محمد: لا شيء عليه حتى تضعه 7. وهو أحسن للاختلاف في الطلاق إلى أجلٍ، ولإمكان أن يكون ريحًا أو يموت قبل الوضع.

وقال مالك في كتاب محمد: إن وضعت ولدًا وبقي في بطنها آخر لم يقع عليها طلاق حتى تضع آخر ما في بطنها 1. والمعروف من قوله خلاف هذا، وأنه يحنث بالأول، وهذا موافق للقول فيمن حلف ألا يصيب امرأته 2 أنه لا يحنث بأول الملاقاة ولا يحنث إلا بالوطء التام.
واختلف فيمن قال: إن ولدت جارية فأنت طالق، أو إن لم تلدي غلامًا فأنت طالق 3، نحو الاختلاف المتقدم في قوله: إن كنت حاملًا وإن لم تكوني حاملًا، وقول مالك أنها طالق مكانها في الوجهين جميعًا، وأصل أشهب في هذا أنه لا يعجل الطلاق 4 حتى تضع فينظر هل تلك جارية أو غلام؟ وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: لا يكون طلاقًا إلا أن يطلق عليه الحاكم لأنه مما اختلف فيه، وقال أصبغ: إن قال: إن ولدت جارية فأنت طالق- لم تطلق عليه، وإن قال 5 إن لم تلدي غلامًا طلقت الآن؛ لأن الأول عنده على بر وهذا عنده على حنث، والوقف في جميع ذلك حتى تضع فينتظر أحسن، وإن قال: أنت طالق إن مطرت السماء كانت طالقًا الساعة؛ لأن السماء لا بدَّ أن تمطر 6، وإن قال: إن لم تمطر فأنت طالق فلا شيء عليه سواء عمَّ أو سمى بلدًا لأنه لا بدَّ أن تمطر في زمنٍ ما، وكذلك إذا ضرب أجلًا عشر سنين أو خمس سنين، وإن قال: في هذا الشهر أو الشهر الفلاني أو شهر كذا عاد الخلاف المتقدم هل تكون

طالقًا الآن، أو حتى يحكم له، أو يوقف حتى ينظر هل تمطر فيه أم لا، وقال أصبغ: إن قال: إن أمطرت غدًا فلا شيء عليه الآن حتى تمطر، قال: وهو بمنزلة قوله: إن قدم فلان غدًا فأنت طالق.
يريد: لأنَّه على بر، وعلى أصله إن قال: إن لم تمطر غدًا تطلق الآن؛ لأنه على حنث.
وقال مالك: إذا قال: إن لم تمطر في هذا الشهر فأنت طالق، قال: هي طالق ساعة تكلم بذلك 1. وقال أشهب: يوقف، فإن أمطرت لم تطلق عليه.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وإن قال: لتمطرن في هذا الشهر طلق عليه 2 الآن لأنه رجمٌ بالغيب، وهذا هو المعروف في هذا الأصل، وقيل: لا يحنث حتى ينظر ما يكون، وقد يحمل قول مالك في قوله إن لم تمطر في هذا الشهر أنه أراد: لتمطرن، ولذا فرق بينه وبين الكتاب، ولو جعل ذلك شرطًا لم يقع عليه الآن الطلاق.
وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: كل من حلف بطلاق على شيء لا يدري أحق هو أم باطل مثل أن يقول: إن لم تكن مطرت الليلة الإسكندرية وهو بالفسطاط، أو إن لم تمطر غدًا، أو إلى نصف الشهر 3 أو إلى رأس الشهر قرب استخبار ذلك، أو بعد، فإنه إن رفع أمره إلى السلطان طلق عليه ولم يؤخره، وإن لم يطلق عليه حتى وجد ذلك الشيء حقًا لم يكن عليه في يمينه شيء وهو وجه قول مالك 4.

فصل [في تعليق الطلاق بقدوم المسافر ونحوه]

ومن قال: أنت طالق إن قدم أبي، أو إذا قدم أبي أو إن لم يقدم، لم يعجل بالطلاق الآن 1. إلا أن يريد بقوله "إذا" الوقت الذي يقدم فيه ليس لغرض في قدومه فيعجل الطلاق 2 الآن؛ لأنه طلاق إلى أجل، وإن قال: إن لم يقدم، فأتت الرفقة التي كان يرى أن يقدم فيها ولم يقدم طلقت عليه، وإن حبسه مرض أو عدو 3 أو عذر أو مات حنث على القول بمراعاة الألفاظ، ولم يحنث إذا كان قصده إن آثر المقام على القدوم.
وقال مالك فيمن قال: إن لم يقدم أبي إلى يوم كذا فامرأته طالق، فلا يشبه هذا المطر لأنه يدعي أن الخبر 4 جاءه والكتاب بأن سيقدم 5. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أمَّا إذا كان قصده ليقدمن فهو على شك من قدومه، وإن جاءه بذلك خبر أو كتاب، وينبغي أن يجري على الخلاف المتقدم فيمن كان على شكٍّ.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت بيت أبيك حتى يقدم أخوك من سفره فمات أخوها 6 قبل أن يقدم، قال: إن كانت له نية في ذلك فأراد مثل ما يقدم من الحج وشبهه ولم يرد في ذلك الموت، وإنما

أراد في ذلك (1) الأجل فلتقم إلى مثل ذلك وتدخل ولا شيء عليه، وإن لم تكن تلك نيته حنث (2).

فصل [في تعليق الطلاق على ما لا يصادف معه محلا]

وإن قال: أنت طالق إن مت أنا أو مت أنت فلا شيء عليه 3. إلا أن يريد نفي الموت.
واختلف إذا قال: إذا مت فلا شيء عليه، وروى ابن وهب أنها تطلق 4، ورأى أن الطلاق يسبق الموت ويلزم مثل ذلك إن قال: إن مت.
وقد اختلف فيمن قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، أو لزوجته: إن خالعتك فأنت طالق البتة، فباع أو خالع، فقيل: يحنث فيهما فيعتق العبد 5 ويرد ما أخذه في الخلع، والعتق والحنث يَسْبِقُ 6 البيع والخلع، وقيل: لا شيء عليه 7؛ لأن البيع والخلع قبل العتق والحنث وهو أحسن، وإن قال: أنت طالق قبل موتك بشهر، كانت طالقًا الآن 8، وقال أشهب في المجموعة: لا شيء عليه، قال: بمنزلة من قال لعبده: أنت حر قبل موتك بشهر، ورأى أنه طلاق12

لا يكشفه إلا الموت (1)، وإن قال: أنت طالق يوم أموت، كانت طالقًا الآن؛ لأن لليوم أولًا وآخرًا (2)، وقد كان الحنث قبل يوم الوت، إلا أن يكون القصد: إذا مت، وعلى قول أشهب: لا شيء عليه (3)، وإن قال: إذا مات فلان أو إن مات فلان (4)، كانت طالقًا الآن (5).

فصل (6) [هل يتكرر الطلاق بالتعليق على أمرين أحدهما أهم من الثاني]

وقال ابن القاسم فيمن قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، ثم قال: كل امرأة أتزوجها من هذه القرية فهي طالق، وتلك المرأة منها ثم تزوجها، لوقع عليها طلقتان، ولا يُنوَّى وهو بمنزلة من قال: إن تزوجتك فأنت طالق ثم قال لجماعة نساء هي فيهن: إن تزوجتكن فأنتن طوالق، فتزوجها أنها تطلق عليه تطليقتين 7. قال محمد: وكذلك إن قال: إن كلمت إنسانًا، ثم قال: إن كلمت فلانًا فامرأته طالق، فكلمه فإنه يقع عليه تطليقتان، ولا ينوّى.
وقال أشهب: إن كلَّم فلانًا لم يلزمه إلا طلقة ثم إن كلم إنسانًا غيره لزمته أخرى، قال: وهو بين أنه يلزمه تطليقتان إن كلم فلانًا، إلا أن يكون حاشا123456

فلانًا فحملهما مع عدم النية فيها على طلقة (1). وقول ابن القاسم في هذا أحسن، ومحمل قوله أنه لا ينوّى على أن عليه بينة.

فصل [فيمن قال لامرأته: إن كنت تحبين فراقي فأنت طالق]

وقال مالك فيمن نازع امرأته ثم قال: إن كنت تحبين فراقي فأنت طالق، فقالت: فإني أحب فراقك، ثم قالت: كنت لاعبةً، وما أحبُّ فراقك، قال: أرى ألا يقيم عليها تصدقه مرة وتكذبه أخرى 2. فحمل جوابها بما يوجب الفراق على الصدق؛ لأن قصده كان ما تجاوبه به، وإن قالت: أنا أحبك، لم يجبر على فراقها، وقد قيل في هذا: إنه يجبر على الطلاق، وقد تقدم ذلك في كتاب العتق.
وقال أشهب في كتاب محمد فيمن قال: امرأته طالق إن فلانًا فعل كذا وكذا، فقيل له: وكيف علمت ذلك؟ فقال: أخبرني فلان، قال: هو حانث إلا أن يكون له شاهدان عدلان.
وقال مطرف في كتاب ابن حبيب في رجلٍ قال لرجلٍ: بلغني أنك رفعت عليَّ إلى السلطان أن عندي صدقة، امرأتي طالق لأرفعن عليك، فحلف له ما فعلت فترك أن يرفع عليه حتى عزل الساعي فلا شيء عليه 3؛ لأن مراده: إن كان فعل، فلما حلف 4 علم أن ذلك لم يكن فلا شيء عليه.1

وقال ابن الماجشون: قد حنث لأنه حلف على تصديق من أخبره، ولا ينفعه أن يرفع عليه عند ساع آخر 1 ويمين المدعى عليه لا يبر بها الحالف؛ لأنه يتهم في يمينه أن يدفع بها عن نفسه أن يستعدي عليه الآخر، وعلى قول أشهب: لا يَبَرُّ إلا أن يخبره شاهدان أن الأمر كان على خلاف ما بلغه.
وقال مالك فيمن كان بينه وبين رجل شرٌ، وكان 2 لأحد الرجلين أخ فلقيه أخوه الذي كان نازع أخاه، فقال: قد بلغني الذي كان بينك وبين أخي أمس، امرأته طالق لو كنت حاضرًا لفقأت عينيك، فقال: أراه حانثًا لأنه حلف على شيءٍ لا يبر فيه ولا في مثله 3. وقال في العتبية في رجلٍ كان بينه وبين رجل منازعة فجبذه بثوبه فقال له: لا تشقه عليَّ، فامرأته طالق لو شققته لشققت بطنك، وقال الثاني: امرأته طالق لو شققته لشققت كبدك إلا أن لا أقدر، فقال له مالك: استغفر الله لا شيء عليك، فقيل لمالك: كأنك لم تر عليه شيئًا إلا أن يشق الثوب، قال: نعم 4. والقول الأول أصوب لأنه شاك: هل كان يبر في يمينه أم لا؟ إذ لا 5 يقدر على ذلك إلا أن يعلم أن له قوة على الآخر، وأنه كان يقدر أن يمتثل ذلك لأنه على أحد أمرين: إما أن يفعل أو يحال بينه وبينه فيصير كالمكره، إلا أن يقصد المبالغة 6 كالذي حلف ألا يفارق غريمه ففرَّ منه أو يعلم أنه لا يفعل ذلك لأنه يخاف القصاص فيحنث.

فصل [فيمن قال لامرأته: أنت طالق، ثلاث مرات]

وإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق 1، هي ثلاث 2 إلا أن ينوي واحدة 3. واختلف إذا قال: أنت طالق، وأنت طالق، وأنت طالق، هل يُنَوَّى إن قال: أردت واحدة؟ فقال مالك: فيها إشكال، ووقف فيها، وقال ابن القاسم: لا ينوى، وأرى أنه لا يعطف الشيء على نفسه، وأرى أن ينوى إذا أتى مستفتيًا، وليس قبح ذلك في أنه لا يعطف الشيء على نفسه مما يوجب عليه طلاقًا؛ لأنه 4 لم ينوه؛ لأنه يقول: نويت بالثانية والثالثة 5 الأولى، وألا يكون ثانية ولا ثالثة، فهو طلاق بغير نية، وقد ذكر ابن شعبان فيمن قال: قد سرحتك، وقد سرحتك، وقد سرحتك- قولين: أحدهما: أنها طالق ثلاثًا.
والثاني: أن القول قوله إن قال: أردت بالثاني تأخير الأول، ويحلف على ذلك، وهو إقراره، فقوله الأول: سرحتك إيقاع الطلاق، ثم قبل قوله في الثاني والثالث أنه لم يُرِدْ إحداث طلاقٍ 6، وكذلك قوله: طلقتك وطلقتك وطلقتك، هو ثلاث، فإن قال: أردت بالثاني والثالث التأكيد- قُبِلَ قوله،

وكذلك قوله: أنت طالق، وأنت طالق، وأنت طالق؛ لأن طالقًا لفظ يراد به إيقاع الطلاق ويراد به الإخبار عن الماضي، كما قال في الذي طلق زوجته فقيل له: ما صنعت؟ فقال: هي طالق، وقال: أردت الإخبار عما كنت فعلت- إنه يصدق، وقد تقدَّم القولُ أن طالقًا ليس باسم للفاعل (1)، وإنما يراد به النسبة أنها ذات طلاق، وإذا قال: لم أرد بالثاني والثالث الطلاق- لم يكن عليه شيء، وإن قال: أنت طالق فأنت طالق، فأنت طالق- بانت بالثلاث.
ولو قال: أردت بالثنتين توكيد الأول، ولا بينة عليه، لرأيت أن يصدق الوجه الذي تقدم أنه لفظ بغير نية، وانظر قوله عزَّ وجلَّ: ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: 74] هل جاءت الفاء ها هنا لمعنى أو زائدة؛ لأنها لو سقطت لكان الكلام مستقلًا بنفسه؟

فصل [فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن دَخَلْتُ هذه الدار, ونحو ذلك من الألفاظ التي فيها إجمال واحتمال]

فإن قال: أنت طالق إن دخلت هذه الدار، فطلقها ثم دخل، فإن دخل في العدة -والطلاق رجعي- حنث بطلقة أخرى، وإن دخل بعد انقضاء العدة، ثم تزوجها لم يحنث بذلك الدخول، إلا أن يدخل بعد أن عادت زوجة، فإن عادت إليه بعد أن تزوجت زوجًا ثم دخل، فإن كان الطلاق الأول ثلاثًا لم يحنث الآن بدخوله، وإن طلقها واحدة، ثم دخل- حنث بما بقي من طلاق ذلك الملك، وإن حلف ألا يدخل هذه الدار، فأدخل يده أو رأسه لم يحنث.1

واختلف إذا أدخل رجله، فقال مالك: يحنث 1، كمن حلف لا آكل رغيفين، فأكل أحدهما أنه يحنث، 2 قال: وكذلك لو حلف على زوجته لا خرجت، فأخرجت رجلها، ثم ردتها حنث 3، وروى ابن وهب مثل ذلك عن ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، 4 وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا أدخل رِجْلًا واحدة، فإن كان وقوفه عليهما- لم يحنث، وإن كان وقوفه على الداخلة 5، وقد أقل الخارجة ليدخل ثم ذكر فخرج حنث، فإن أدخل رأسه وصدره وهو قائم- لم يحنث، وإن كان مضطجعًا حنث؛ لأن هذا جل البدن، وإن أدخل رجليه إلى وسطه حنث 6. وقال ابن القاسم وابن وهب وأصبغ: إن وضع رجله من وراء الباب أو في موضع من العتبة فمنع الغلق- فقد حنث 7. فأحنثه مالك إذا أدخل رِجلًا لأن القصد اجتناب الدار، وعلى مراعاة الألفاظ لا يحنث، ولا يقال: دخل فلان دار فلان إذا أدخل رجله، ولا يسمى داخلًا إلا أن يدخل بجسمه، وكذلك الخروج، لا يحنث بإخراج رجل، ومن قال: امرأته طالق ليلة أدخل دار فلان، فدخلها نهارًا، أو قال: يوم أدخل، فدخلها ليلًا- لم يحنث 8، أو

قال: يوم أدخل دار فلان فدخلها ليلًا لم يحنث 1، وإن قال: أنت طالق إن دخلتُها ليلًا، فدخلها نهارًا، أو حلف إن دخلها نهارًا، فدخلها ليلًا لم يحنث على مراعاة الألفاظ 2.

باب فيمن شكَّ هل طلق واحدة أو ثلاثًا؟ أو هل طلق أو لا؟ أو هل حلف بالطلاق، أو تيقن الحلف (1) وشكـ في الحنث، أو تيقن الحلف وشكـ بماذا حلف؟

2 ومن المدونة قال مالك فيمن طلق زوجته ولم يدر هل طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا: فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره 3. وقال في كتاب ابن حبيب: يؤمر بالفراق من غير قضاء 4، فإن تزوجها بعد زوج ثم طلقها أمر ألا يرتجعها 5 الآن، وألا يتزوجها إلا بعد زوج، لإمكان أن يكون الأول ثنتين 6، وقد أوقع بعد الطلاق الأول ثلاثًا.
ويختلف في أمره في جميع ذلك هل هو على الوجوب أو يندب إلى ذلك من غير قضاء، ولا يختلف أنه يؤمر في أول مرة بالإمساك عن رجعتها ويتركها حتى تنقضي عدتها، ثم يتزوجها بعد زوج إن أحب، فإن هو ارتجع أمر ألا يصيب؛ لأنه لا يدري حلالًا أو حرامًا، ويؤمر أن يوقع عليها طلقة أخرى، لإمكان أن يكون طلقة واحدة فتكون الرجعة صحيحة، فلا تحل لغيره من غير طلاق؛ لأن الأول إنما منع لإمكان أن يكون ثلاثًا، ليس على وجه القطع أنها ثلاثًا، وإذا1

امتنع الأول مع 1 الشك مع كونها حلالًا في الأول- كان الثاني أولى بالمنع؛ لأنه في شك من زوال عصمة الأول، فكان بقاؤها مع الأول بالشك أولى من إباحتها للآخر بالشك، إلا أن يوقع الأول عليها طلاقًا، فإن لم يفعل جبر على ذلك على قوله في المدونة، ولم يجبر على قوله في كتاب ابن حبيب، فإن لم يجبر وقف عنها، فرفعت أمرها إلى السلطان لأجل وقوفه عنها، وقالت: عليَّ في ذلك ضرر- طلق عليه الحاكم.
فحرمها مالك في القول الأول؛ لأنه شاك في نفس المتناول هل هو حلال أو حرام؟ فأشبه من شك في الذكاة.
ولم يحرمها في القول الآخر؛ لأنها في الأصل حلال بالزوجية، ففارق ما يفتقر إلى الذكاة؛ لأن الأصل فيها التحريم وعدم الذكاة حتى يثبت 2 أنه ذكي.
واختلف عنه في المتوضئ يشك في انتقاض طهارته، فقال مرة: يجب عليه الوضوء ولا يستفتح الصلاة إلا بطهارة متيقنة 3، وقال مرة: يستحب ذلك؛ لأنه على طهارة فلا يسقط حكمها بشك.
واختلفت ألفاظ حديث النعمان في المشتبهات، فجعله مرة كالراعي حول الحمى وقال: "يوشك أن يقع فيه" 4، فلم يجعله كالراعي في الحمى فيكون محرمًا، ومنع الرعي 5 حوله حِمَاهُ خوف أن يقع في الحرام، وهو الحمى، فيكون

الترك على وجه الاستحسان، ويختلف على هذا إذا شك هل طلق أم لم يطلق؛ لأنه كالذي أيقن بالوضوء وشك في الحدث، فمن أوجب الوضوء هناك حرمها ها هنا، ومن أبقاه هناك على الطهارة وجعل الوضوء استحسانًا أمر هذا بالفراق على وجه الاستحباب، ولم يجبر، وكذلك إذا حلف بالطلاق وشك هل حنث أم لا؟ فقال ابن القاسم: يؤمر بالفراق 1. ويختلف هل يجبر على ذلك أو يستحب، والمعروف من المذهب في هذين القسمين أنه على وجه الاستحباب.
وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب في الشك في الطلاق: يختلف، فمنه ما يقضى عليه به، ومنه ما لا يؤمر به ولا يقضى عليه، ومنه ما يؤمر به ولا يجبر عليه 2، فأما من شك في طلاق امرأته ابتداءً يقول: لا أدري حلفت فحنثت أو لم أحلف، فإنه لا يؤمر بطلاقها بفتوى ولا بقضاء 3، ومثل أن يحلف على امرأته بطلاقها ألا تخرج، ثم يشك هل خرجت أو لا؟ أو لا أكلم فلانًا، ثم شك هل كلمه؟ فهذا لا يؤمر بالفراق بقضاء ولا بفتوى، فإن تسبب له في ذلك سبب أو تريب 4 منها أن تكون فعلت لخبر قد بلغه لم يتحققه- أمر بالحوطة من غير قضاء 5، وأما إن حلف على أمر إن كان وهو مما قد مضى مثل أن يقول: امرأته طالق إن كنت تبغضيني 6، أو كتمت عني خبر كذا، فتقول: إني أحبك، أو قد صدقتك، أو حلف بذلك على رجل بطلاق امرأته إن كتمه

أمرًا سأله عنه، فهذا كله وأشباهه مما الشك فيه قائم، وهو غيب من علمه وعمى من يقينه، فهذا الشك الذي يفرق بينه وبين امرأته في الفتوى والقضاء.
وقال أصبغ: ومثله الذي شك هل حلف بواحدة أو ثلاثة، فإنه يفرف بينهما بالقضاء.
ومنه أن يحلف فيحنث فلا يدري بأي يمين حلف، بطلاق أو عتاق أو بالله أو بمشي أو بظهار، فإنه يلزمه هذه الأيمان كلها في الفتوى 1 والقضاء، إلا ما كان منها ليس من أيمانه، ولا يجري على لسانه.
وقال ابن القاسم في المدونة: لا يجبر على طلاق ولا عتق ولا صدقة ولا شيء من ذلك 2، وإنما يؤمر بذلك في الفتوى 3، قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما قول أصبغ أنه يجبر على الصدقة والمشي، فخلاف المعروف من المذهب؛ لأنه في الصدقة على غير معين في يمين، وهو في المشي أبين ألا يجبر؛ لأنه حق لله تعالى لا يتعلق به حق لآدمي، وهو بمنزلة لو قال: إن كلمت فلانًا فعلي صلاة أو صوم، فإنه لا يجبر، وإن شك هل طلق واحدة أو ثلاثًا؟ أُمِرَ ألا يرتجع الآن ولا يقربها حتى تنكح رجلًا غيره، فإن تزوجها بعد زوج ثم طلقها- كان له أن يرتجع قولًا واحدًا، فإن كان طلاقه الأول ثلاثًا فقد أحلها الزوج الآخر وبقيت عنده الآن 4 على تطليقتين، وإن كان الأول واحدة كانت هذه الطلقة ثانية، وبقيت عنده على واحدة، وإن طلقها طلقة أخرى- لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، لإمكان أن

يكون طلاقه الأول واحدة، فتكون هذه الثالثة، وإن شك هل طلق واحدة أو اثنتين- كان له أن يرتجع الآن، فإن ارتجع (1) ثم طلق- لم يرتجعها ولا يقربها (2) حتى تنكح زوجًا غيره، لإمكان أن يكون الأول طلاقًا (3) اثنتين، وإن شك هل طلق اثنتين أو ثلاثًا، ولم يشك في واحدة أنه أوقعها- لم يقربها إلا بعد زوج، لإمكان أن يكون ثلاثًا (4)، وإن تزوجها بعد زوج (5) ثم طلقها أمسك عنها أيضًا حتى تنكح زوجًا غيره، لإمكان أن يكون الأول اثنتين، فإن تزوجها أيضًا بعد زوج ثم طلقها- كان له أن يرتجع، فإن كان الأول ثلاثًا فقد بقي له فيها طلقة، وإن كان الأول اثنتين فقد بقي له فيها اثنتين.

فصل [فيمن قال لامرأته طلقتكـ وأنا صبي أو طلقتكـ وأنا مجنون]

وقال ابن القاسم فيمن قال لامرأته: طلقتك وأنا صبي، فلا شيء عليه، وإن قال: طلقتك وأنا مجنون؛ فلا شيء عليه إذا كان يعرف بالجنون 6. وفي كتاب الإقرار من كتاب محمد فيمن أقر لرجل بدار وقال: كنت يوم أقررت لك سفيهًا مولى عليَّ، أو صغيرًا أو ضرب على يدي في فلس، أو12345

موسوسًا أو حربيًا أو خارجيًا، قال: إن كان ثبت أنه كان كذلك- لم يلزمه إقراره الآن إذا حلف (1)، وأما قوله: وأنا صبي، فلا شيء عليه؛ لأنه معلوم أنه كان صغيرًا إذا حلف أنه لم يقر إلا بما كان (2) في ذلك الوقت.
وقال محمد: إذا كان قوله قولًا متصلًا فهو مصدق؛ لأنه إقرار بلا بينة عليه, وهذا أصل أشهب: أنه لا يؤخذ بغير ما أقر به، وأصل ابن القاسم أنه مقر مدَّعٍ، وهو قوله في مسألة الدم (3)، وفي الذينِ وجدا في بيت فأقرا بالوطء، وقالا: نحن زوجين، ويلزم على قوله ألا يقبل قوله إذا قال: طلقتك وأنا صغير أو مجنون، وهو معروف أنه كان يجن؛ إلا أن يعلم أنها كانت زوجة في الصغر، وفي حال كونه مجنونًا إلا أن يقول: كنت قلت: إن تزوجتك فأنت طالق، وقول أشهب في هذا كله حسن.

فصل [فيمن قال لزوجته أصبعكـ طالق أو رجلكـ أو يدك أو شعرك أو كلامكـ أو قال أنت طالق نصف تطليقة]

وإن قال: أصبعك طالق أو رجلك أو يدك- كانت طالقًا 4، واختلف إذا قال شعرك أو كلامك 5، وقد مضى ذلك في كتاب التمليك، وإن قال: أنت طالق نصف تطليقة- لزمه طلقة 6، وإن قال: طلقة ونصف- كانت طلقتين،123

وإن قال: طلقتين ونصف- بانت بثلاثٍ 1، وإن كُنَّ أربع نسوة، فقال: بينكن طلقة، وقع على كل واحدة طلقة 2، وكذلك إذا قال: اثنتين 3 أو ثلاث، وإن قال: خمس إلى سبع- كان على كل واحدة اثنتان، وإن قال: تسع- بانت كل واحدة بثلاث، وإن قال لواحدة: أنت طالق، ثم قال للأخرى أنت شريكتها- كان على الثانية طلقة.
وإن قال للأولى: أنت طالق ثلاثًا وللأخرى: أنت شريكتها- كان على الأخرى اثنان، تَكْمُلُ النصف طلقةً، وإن كن ثلاث نسوة فقال لواحدة: أنت طالق ثلاثًا، وللأخرى: أنت شريكتها، وللثالثة: أنت شريكة الثانية على الثالثة 4 - كان على الثالثة طلقة؛ لأنه إنما على الثانية طلقتان، وإن قال للثالثة: أنت شريكتهما- بانت بثلاث لأنها شاركت 5 الأولى في ثلاث، فيقع عليها طلقتان والأخرى طلقة 6.

باب فيمن قال لزوجتيه: إحداكما طالق، وهو ينوي إحداهما أو لا نية له

ومن قال لزوجتيه إحداكن 1 طالق، وقال: نويت هذه- صدق.
واختلف في يمينه هل يحلف أنه نواها، ولا أرى أن يحلف إذا نسق قوله، وإن لم يكن نسقًا، وكانت منازعته 2 معها، فإن قال: نويت الشابة أو الحسنة منهما، أو من يعلم منه الميل إليها- لم يحلف، وإن قال: نويت الأخرى حلف.
إلا أن تكون المنازعة معها، فلا يحلف.
وإن لم تكن عليه بينة لم يحلف على حال.
وإن نوى واحدة ثم أنسيها - حرمتا عليه.
فإن كان الطلاق رجعيًا فارتجعا في العدة ونوى بالرجعة المطلقة- حلتا جميعًا.
وإن لم يرتجع حتى انقضت العدة لم تحلا إلا أن يستأنف النكاح لهما.
وإن كان الطلاق ثلاثًا لم تحلا إلا بعد زوج، ولا يوجب نفس التحريم طلاقًا.
وإن انقضت العدة يُنَوَّى 3 الطلاق الأول إلا في واحدة، والأخرى في العصمة إلا أن يقوما بحقهما في الوطء.
ويختلف هل يطلق 4 عليه إذا قامتا، إذ لا فائدة في الصبر، أو يتربص 5 حتى ينقضي أجل الإيلاء، رجاء أن تصبر 6 بعد أو يحدث لها رأي، والصبر ها هنا أحسن؛ لأنه يرجو أن يتذكر، فإن هو طلق ونوى التي لم يكن طلق- حلتا للأزواج، وإلا

طلق عليه السلطان ونُوِّيَ التي لم يكن 1 طلق، ولو رضيت واحدة بالمقام كان للأخرى القيام؛ لأنها تقول: إن كنت المطلقة فلا حق له علي، وإن كنت التي لم تطلق 2 فلي حق في الإصابة، فإذا حيل بينه وبين ذلك كان إمساكي ضررًا عليَّ من غير منفعة له، وإن مات قبل أن تقوما- ورثاه الربع، إن لم يكن له ولد، والثُّمن إن كان له ولدة لأنه مات عن زوجة بيقين، ثم يقسمان ذلك بينهما بالسواء، وإن لم يكن دخل- كان عليه صداق ونصف يقتسمانه جميعًا، وإن ماتا قبله لم يرثهما على أحد القولين؛ لأنه في مال كل واحدة يجب على شك 3 أن يتناول منه شيئًا هل له فيها أم لا؟ وقيل: يرث من كل واحدة نصف ميراثه، وإن ماتت إحداهما قبله والأخرى بعده- كان له من التي ماتت قبله نصف ميراثه على أحد القولين، وعلى القول الآخر لا شيء له، وكذلك التي بقيت بعده يختلف هل ترث منه نصف ميراثها أم لا؟ لأنه يمكن أن تكون هي المطلقة، وليس هذا بمنزلة إذا مات عنهما؛ لأنه مات عن زوجة بيقين، وإنما التنازع بينهما، والعدة إذا طلقتا من يوم يحكم بالطلاق، وكذلك إذا قامت إحداهما أن 4 عدتها من يوم يطلق، لإمكان أن تكون هي التي لم يتقدم فيها طلاق وإن مات عنهما اعتدت كل واحدة أربعة أشهر وعشرا؛ لأن كل واحدة تشك هل هي زوجة إلا أن يكون الموت عقيب الطلاق الأول وقبل أن يحكم عليه 5 بالطلاق فتعتد كل واحدة أقصى العدتين، وإن كان الطلاق ثلاثًا، وإن

كان رجعيًا فأربعة أشهر وعشرا، وإن ادعى الزوج أنه تذكر في التي طلق صدق، وسواء قال ذلك في العدة أو بعد انقضائها، وكل من ادعى النسيان والشك قبل قوله، إذا قال: تذكرت، وإن قال ذلك بعد موت إحداهما، فإن ادعى أن الحية هي التي لم تطلق صدق، وإن ادعى أنه طلق الحية ليرث الميتة لم يصدق.

فصل [فيمن قال لزوجتيه إحداكما طالق ولا نية له]

واختلف إذا قال: لم تكن لي نية، فقال مالك مرة: تطلقان عليه جميعًا.
يريد: إذا قامتا بالطلاق قال محمد: وهذه رواية ابن القاسم وابن وهب وأشهب، وروى المدنيون عنه أنه قال: يخير فيمن شاء منهما، فيوقع الطلاق عليها كالعتق 1، وقال محمد: لا خيار في ذلك بخلاف العتق؛ لأنَّ العتق ربما تبعض في الأمة ولا يتبعض الطلاق، وقد يقع في العتق السهم، قال الشيخ -رحمه الله-: وهذه تفرقة في غير موضع الحاجة لأنه إذا قال: أحدكما حر، لم يتبعض العتق، وإنما أعتق واحدًا 2 وطلق واحدة، ولو حمل على التبعيض لأعتق نصف كل واحد 3 منهما وهو لم يقل ذلك، وإنما قال هو بالخيار، يعتق أحدهما وإذا لم يجعل في ذلك خيارًا كان العتق والطلاق في هذا الموضع واحدًا، ويعود الجواب إلى ما تقدَّم إذا عَّين واحدة ثم نسيها، أن له أن يرتجع في العدة، وينوى من لم يقع عليها طلاق، وتحلان له، وإن انقضت العدة استأنف النكاح،

ولا تحلان لغيره إلا أن يوقع الطلاق أو يوقعه الحاكم على الباقية منهما، فإن مات ورثاه.

فصل [في عطف طلاق الزوجات بما فيه إبهام أو إضراب]

وإن قال: أنت طالق، أو أنت، كان بالخيار بين أن يطلق أيهما أحب 1، ولو قال: أو 2 أنت بنية إحداهما بعد تمام قوله: أنت طالق، طلقت الأولى؛ لأنه لا يصح رفع الطلاق عنها بعد وقوعه، ولا تطلق الثانية لأنه جعل طلاقها على خيار، وهو لا يختار طلاقها لما طلقت الأولى، وإن قال: أنت طالق ثم قال لأخرى: بل أنت، طلقتا جميعًا 3 لأنه أوجب الطلاق في الثانية وإضرابه عن الأولى لا يرفع عنها طلاقًا، وإن قال: أنت طالق لا أنت، طلقت الأولى خاصة، لأنه نفى الطلاق عن الثانية إلا أن يريد بقوله "لا" النفي عن الأولى، ثم التفت إلى الثانية فقال: أنت، أي أنت التي تكون طالقًا، فتطلقان جميعًا 4، وإن كن ثلاثًا فقال لاثنتين منهما: أنت طالق أو أنت، ثم التفت إلى الثالثة فقال: أو أنت، فإن طلق الأولى كان بالخيار بين الوسطى والآخرة، وإن طلق الثالثة كان بالخيار بين الأولى والوسطى، وإن طلق الوسطى لم يقع على الأولى والثالثة طلاق، وإن اختار إمساك الوسطى طلقت الأولى، وإن أمسك الأولى طلقت الوسطى خاصة، وإن أمسك الآخرة طلقت الوسطى؛ لأنه بإمساك الأولى والآخرة مختارًا لطلاق الوسطى، واختياره لطلاق الوسطى اختيار لإمساك

الأولى والآخرة، وإن قال لثلاث أيضًا: أنت طالق، أو أنت، بل أنت، فإن أراد بقوله: بل أنت الإضراب عن الثانية أي: أنت فيك الخيار بينك وبين الأولى، سقط الخيار فيها وكانت زوجة وطلقت الأولى، وكان بالخيار في الثالثة، وإن أراد بقوله: بل أنت أن يكون الخيار بينها وبن الثانية وتبقى الأولى زوجة كانت زوجة كما قال وطلقت الثانية، وكان بالخيار في الثالثة، وان قال: أنت طالق بل أنت أو 1 أنت 2، طلقت الأولى وكان بالخيار بين الوسطى والثالثة، وإن قال: أنت طالق لا أنت بل أنت، طلقت الأولى والآخرة، إلا أن يريد بقوله: "لا" رفع الطلاق عن الأولى، واثبات الطلاق عن الثانية 3 طلق جميعهن، وفي كتاب ابن سحنون فيمن له أربع نسوة فقال لواحدة: أنت طالق، ثم قال 4 للثانية: لا أنت، ثم للثالثة: أو أنت، ثم للرابعة: بل أنت، وذلك نسق 5 قال: تطلق الأولى ولا شيء عليه 6 في الثانية، ويحلف 7 في الثالثة وتطلق الرابعة، قال: وقال بعض أصحابنا: يخير بين الأولى والثالثة، ولا شيء له 8 في الثانية، وتطلق الرابعة، قال 9: ولو قال لثلاث نسوة: أنت طالق بل أنت أو أنت، ففي قول سحنون تطلق الأولى والثانية، ويخير 10 في الثالثة، وفي القول الآخر

يخير 1 في الأولى والثالثة وتطلق الثانية، ولو قال: أنت طالق وللثانية: لا أنت، وللثالثة: بل أنت، وللرابعة: أو أنت، لخير في الأولى والرابعة ولم تطلق الثانية وطلقت الثالثة.

باب في الاستثناء في الطلاق

ومن طلق زوجته وعلق ذلك بمشيئة فلا يخلو من اربعة اوجه: إمَّا أن يعلق ذلك بمشيئة الله تعالي 1, أو بمشيئة آدمي حي أو ميت أو جماد 2, وقد تقدم في كتاب النذور ذكرُ الاستثناء بمشيئة الله عزَّ وجلَّ، فإن قال: أنت طالق إن شئتُ أو شئت أنت أو شاء فلان 3، لم يقع الطلاق إلا أن يوقعه هو أو هي أو فلان، فإن مات فلان 4 قبل أن يعلم أو بعد أن علم، وقبل أن يقضي أو لم يعلم هل قضى بشيء أم لا؟ بقيت زوجة، وكذلك إن كان 5 فلان ميتًا، ولم يعلم الزوج بموته فلا شيء عليه، واختلف إذا كان عالمًا بموته فقيل: لا شيء عليه، وقيل: يقع عليه الطلاق، ويعد نادمًا في قوله: إن شاء فلان.
وإن قال: أنت طالق إن كلمت فلانًا، إلا أن يشاء فلان، وفلان ميت، كانت اليمين منعقدة، فإن كلمه طلقت عليه وإن قال: أنت طالق إن شاء هذا الحجر أو لا كلمت فلانًا إلا أن يشاء هذا الحجر، أو إن شاء هذا الحجر افترق الجواب، واختلف 6 إن قال: إن شاء هذا الحجر، فقال ابن القاسم: لا شيء عليه، وقال سحنون: يقع عليه الطلاق ويعد نادمًا، وكذلك قوله: إن شاء هذا الحجر على

قول ابن القاسم لا شيء عليه 1، وقال أصبغ في كتاب محمد فيمن نازع امرأته فغضب فقال: أنت طالق إن شاء هذا العمود، إنها طالق، إذا لم تكن المنازعة في العمود أنه عمود، ويحمل على أنه نادم 2، وأرى أن يحلف في جميع ذلك وينوى 3 إن كانت عليه بينة، وإن جاء مستفتيًا لم يحلف إلا أن تقوم الزوجة وتدعي أنه نادم وتريد يمينه فيحلف لأنه أتى بذلك نسقًا، فكان حمله على أنه أراد ذلك أولى لأن أدنى منازله أن يشك هل أراد ذلك أم لا، ولا يقطع أنه نادم، فلا تخرج من عصمته بالشك، قال أشهب في المجموعة: إن قال: والله لا أكلمك حتى يشاء هذا الحجر، فلا يكلمه أبدًا لأنه استثنى مشيئة من لا يشاء، واختلف إذا قال: أنت طالق ثلاثًا أنت طالق ثلاثًا إن فعلت كذا وكذا، قال مالك: يلزمه الطلاق بقوله الأول والثاني ندم 4. وقال ابن القاسم: يحلف ما كان ذلك منه، إلا تكرارًا، ثم هو على يمينه وهذا أبين.
واختلف إذا قال: أنت طالق إلا أن يشاء فلان، فقيل: الطلاق لازم، ولا ينفعه استثناء؛ لأن الطلاق لا يرتفع بعد وقوعه؛ بخلاف قوله: إن شاء فلان، فإن الطلاق غير واقع حتى يوقعه فلان.
وقال أصبغ في المنتخبة: إذا قال: أنت طالق إلا أن يمنعني أبي، فمنعه أبوه، فلا شيء عليه إذا منعه، فردَّ عليه وهو بمنزلة من قال: إلا أن يشاء أبي، فلم يشأ أبوه 5، قال: وأصل ذلك قوله: أنت طالق إن شاء أبي، يريد أن قوله: إلا أن لا يشاء أبي 6 يبين أنه لم يرد أن يكون

جارٍ التحميل