النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما
كتاب الأقضية
باب في القضاء ومنزلة من يعدل، وما يجوز من القضاء ويخشى من عاقبته؟ وهل يجب أن يقام للناس قاض؟ ومن يولى القضاء ومن (1) يمنعه؟
الأصل في القضاء قول الله -عز وجلّ-: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26]، وفي شرعنا قوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105]، وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 135]، وقوله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]، وأعظم الله تعالى قدر من قام فيه بالحق وبشر به وأدنى منزلته، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ الله يوم القيامة عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا" أخرجه مسلم 2. وقال: "سبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ1
ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ..." 1 فبدأ به وحض على القيام فيه بالحق، النبيين والمؤمنين فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26]، وفي شرعنا ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105]. وإن كانوا معصومين 2 من ذلك.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: 58]، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150]. وعظم أمر القضاء فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ وَلِيَ لقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ" 3، وهذا تنبيه منه على 4 جسيم ما يدخل 5 فيه؛ لأن الغالب عدم السلامة، وإنه بلية إلا من عصم الله.
وقال - عليه السلام -: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَإِنَّهَا سَتكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ" 6. وقال: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لاَ تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلاَ تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ".
أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم 7.
ولا يولى القضاء من علم منه الرغبة فيه، والحرص عليه؛ لأنه غير مؤيد ولا مُعان لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّا لاَ نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلاَ مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ (1). يريد أنه لم يجعل الله عز وجل له (2) أن يوليه من حرص عليه.
وقال لعبد الرحمن بن سمرة: "لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْألةٍ وُكلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْألةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا".
أخرجهما الصحيحان (3). وقال: "مَنِ ابْتَغَى القَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أنزَلَ اللهُ عَلَيْهِ مَلكًا يُسَدِّدُهُ".
ذكره الترمذي (4).
فصل [في وجوب القضاء وصفة القاضي]
إقامة الحكم للناس واجب؛ لأنه من مصالح الناس، وفيه رفع التهارج وردّ المظالم، ونصر المظلوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعلى من كان واليًا على بلد أن ينظر في أحكامهم 5 إن كان 6 لذلك أهلا، فإن لم يفعل أو لم يجد إلى ذلك سبيلا 7، أو لم يكن أهلا له، كان عليه أن يقيم للناس من ينظر في1234
ذلك، فإن لم يكن في الموضع والٍ، كان ذلك إلى ذوي الرأي والثقة، فمن 1 اجتمع رأيهم عليه أنه يصلح لذلك أقاموه، والقضاء من فروض الكفاية، إذا كان بذلك البلد عدد يصلحون لذلك 2، فإن ولي أحدهم 3 سقط عن الباقين، وإن لم يكن من يصلح لذلك إلا واحد تعين عليه، وأجبر على الدخول فيه.
ويولى القضاء من اجتمع فيه الدين والعلم، بما يحتاج إليه في 4 ذلك من الكتاب والسنة والفروع، قوي البدن 5 قوي الدين 6 مطلعا على أقضية من مضى، غير مستكبر عن مطالعة من معه من أهل العلم، ورعا نزها عن ما في أيدي الناس، مستخفا بالأئمة غير هيوب، ذاغنى وأناة حليما على 7 الخصم، فإن نقص عن 8 شيء من ذلك كان وصمًا فيه.
قال مالك -في كتاب ابن حبيب-: ولا أرى خصال القضاء 9 تجتمع اليوم في واحد، فإن اجتمع منها خصلتان ولي: العلم والورع، قال ابن حبيب: فإن لم يكن، فالعقل والورع، فإنه بالعقل يسأل وبالورع يعف 10، قال سحنون: فإن كان فقيرا أغني 11.
قال الشيخ: ولا يولى غير عدل؛ لأن من لا تجوز شهادته لا يجوز قضاؤه.
قال أصبغ -في كتاب ابن حبيب، في رجلين أحدهما عدل لا علم عنده، والآخر 1 عالم ليس مثل الآخر 2 في العدالة-: فليولًّ العالم إذا كان لا بأس بحاله، وإن كان غير مرضي ولي العدل وأمر أن يجتهد ويستشير 3.
يريد أنه يستشير أهل العلم 4 وإن كان عدلا.
باب في منزل القاضي من المصر والموضع الذي يجلس فيه للقضاء، وهل يختص بوقت أو يجالسه (1) أهل العلم وذوو العدل
2
قال ابن شعبان: من العدل أن يكون منزل القاضي متوسط المصر 3، ويستحب أن يستقبل القبلة وهذا في المصر الكبير؛ لأنه إذا كان في طرف المصر أضر بالناس، لتجشم الترداد إليه، وإن كان صغيرًا فذلك أخف.
واختلف في الموضع الذي يجلس فيه للقضاء على ثلاثة أقوال: فقال مالك في المدونة: القضاء في المسجد من الأمر القديم 4. وقال في كتاب ابن حبيب: كان من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد خارجًا، إما عند موضع الجنائز، وإما في رحبة دار مروان، وما كانت تسمى إلا رحبة القضاء 5. قال مالك: وإني لأستحب ذلك في الأمصار من غير تضييق، ليصل إليه اليهودي والنصراني، والحائض والضعيف، وهو 6 أقرب إلى التواضع إلى الله سبحانه، وحيثما جلس القاضي المأمون فهو 7 جائز 8. وقال أشهب: لا1
بأس أن يقضي في منزله وحيث أحب (1). قال الشيخ: قوله أنه يقضي في الرحاب خارجًا عن (2) المسجد أحسن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ" (3). ولا يعترض هذا باللعان؛ لأنها أيمان، ويراد بها الترهيب؛ ليرتجع المبطل عن الباطل.
فصل [في تعيين وقت للقضاء يَعْلَمَة أهل الخصومات]
ويلتزم 4 وقتًا من النهار يجلس فيه للناس 5، ليَعْلَمَهُ أهل الخصومات فيأتون حينئذ؛ لأنه إذا كان مختلفًا تارة أوله وتارة وسطه وتارة آخره- أضر بالناس في تعطيل ما يحتاجون إليه من معايشهم 6. ولا يجلس إليهم 7 في الخصومة بين العشاءين ولا بالأسحار 8، إلا في مثل ما يخاف 9 فواته ودخول المضرة إن أخر لوقت الخصومات، أو يمين123
يخاف حنث صاحبها، ولا يجلس للقضاء في أيام الأعياد.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا قبل ذلك مثل يوم التروية ويوم عرفة يريد: وإن لم يكونوا في حج- ولا يوم خروج الحاج بمصر لكثرة من يشتغل يومئذ (1) بمن يسافر، وكذلك إذا كان الطين (2) والوحل (3).
وكل هذا ما لم تكن ضرورة بمن ينزل به الأمر، فإن على القاضي أن يبعث وراء الخصم، وينظر في المسألة (4).
فصل [شروط الجلوس للقضاء وما يتحلى القاضي من الآداب]
ولا يجلس القاضي 5 للقضاء 6 وهو على صفة يخاف ألا يأتي بالقضية على وجهها، وكذلك إذا حدث بعد أخذه في القضاء مثل ذلك، فإنه يقوم ويدع القضاء 7، وذلك كالغضب والضجر والهم والجوع والعطش والحقن، وإن أخذ 8 من الطعام فوق ما يكفيه لم يجلس، والأصل في هذه الجملة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" أخرجه البخاري 9.1234
واختلف إذا دخله ضجر، فقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يحدث جلساءه إذا ملَّ، يروِّح قلبه، ثم يعود إلى الحكم 1. وقال ابن حبيب: يقوم 2. والأول أحسن، وهو أخف من 3 قيامه وصرف الناس.
ولا يحكم متكئًا؛ لأن فيه استخفافًا بالحاضرين، وللعلم حرمة.
ولا بأس أن يحكم وهو ماش، في مسألة نص أو ما خف من مسائل الاجتهاد، ولا يجوز له ذلك فيما غمض وكان يحتاج إلى روية 4.
واختلف في جلوس أهل العلم معه، فقال محمد بن المواز: لا أحب له أن يقضي إلا بحضرة أهل العلم معه 5 ومشاورتهم، وهو قول أشهب قال: 6 وكان عثمان - رضي الله عنه - إذا جلس للقضاء أحضر أربعة من الصحابة ثم استشارهم، فإذا رأوا ما رآه أمضاه.
ومنع ذلك مطرف وابن الماجشون، قالا: ولكن إذا ارتفع عن مجلس القضاء شاور 7.
قال الشيخ -رحمه الله-: ذلك على قدر حالة القاضي، فإن كان لا يدركه انحصار لحضورهم كان حضورهم أحسن، ولا يزيده ذلك إلا خيرًا وبصيرة، = من كتاب الأحكام، برقم (6739)، ومسلم: 3/ 1342، في باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، من كتاب الأقضية، برقم (1717).
وإن كان يدركه انحصار 1 لذلك لم يحضرهم، إلا أن يكون القاضي مقلدًا فلا يسعه القضاء إلا بحضورهم.
قال محمد: ولا يدع مشاورة أهل الفقه عندما يتوجه الحكم، ولا يجلس للقضاء إلا بمحضر عدول، ليحفظوا إقرار الخصوم، خوف رجوع بعضهم عما يقر به 2.
وإن كان ممن يقضي بعلمه، فإن أخذه بما لا خلف فيه أحسن.
ويقدم 3 الخصوم 4 الأول فالأول، إلا أن يكون مثل المسافر أو ما يخشى فواته، وإن تعذر معرفة الأول- كتب أسماءهم في بطائق وخلطت، فمن خرج سهمه بدئ به، وذلك كالقرعة بينهم 5.
ويفرد النساء عن الرجال بالخصومة إذا كانت الخصومة بينهن، ويجعل لهن وقتًا لا يخالطهن فيه الرجال 6.
وإن اختلفت خصوماتهن، فكان بعضها بينهن وبعضها مع الرجال- جحل الخصومات ثلاث مراتب: للرجال فيما بينهم وقت، ولمن كانت خصومتهم مع النساء وقت 7، وللنساء فيما بينهن وقت.
وإن تعذر ذلك عليه أو عجز عنه 8، عزل النساء وأبعد مجلسهن عن الرجال 9، وتمنع المرأة ذات
الجمال أو المنطق 1 الرخيم أن تباشر الخصومة، وكره مالك الخصومة 2 لذوي الهيئات من الرجال.
وإذا جلس الخصمان سوى بينهما في المجلس والنظر والكلام، ولا يقرب أحدهما إليه، ولا يقبل عليه دون خصمه؛ لأن ذلك يوهن الآخر ويوقع الظنة 3. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: يسوي بينهما 4 وإن كان أحدهما ذميًا.
5 وقيل: لا يسوي بينهما لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُسَاوُوهُمْ فِي المَجْلِسِ" 6.
وأرى أن يجلسا جميعًا بين يديه مجلس الحكومة، ويتقدمه المسلم بالشيء اليسير.
ومن المجموعة: وإذا جلس الخصمان بين يدي الحاكم فلا بأس أن يقول لهما مالكما، أو ما خصومتكما، أو يتركهما حتى يبتدئانه، فإذا تكلم المدعي أسكت 7 المدعى عليه، واستمع من 8 المدعي، ثم يأمره بالسكوت ويستنطق الآخر، ولا يفرد أحدهما بالسؤال، فيقول: مالك؟ أو تكلم، إلا أن يكون علم 9 أنه المدعي، ولا بأس إذا لم يعلم أن يقول 10: أيكما المدعي؟ فإن قال
أحدهما: أنا، وسكت الآخر ولم ينكر، فلا بأس أن يسأله، وأحب إلي 1 ألا يسأله حتى يقر له الآخر بدعواه، وإن قال أحدهما: هذا المدعي، فلا بأس أن يسأله، فإن قال له: تكلم، فقال له 2: لست بمدعٍ 3، فأقام على ذلك كل واحد منهما 4، يقول لصاحبه 5: هذا المدعي.
فللقاضي أن يقيمهما عنه حتى يأتي أحدهما 6 إلى الخصومة 7.
قال الشيخ: فإن اختلفا فقال كل واحد منهما 8 أنا الطالب، وقال: إنما أحدث الآخر الدعوى عندما طلبته، فإن علم أن أحدهما أشخص 9 الآخر، وأنه كان يطالبه بدأ به وإلا صرفهما، فإن أبى 10 أحدهما إلا 11 الخصومة بدأ به، وإن بقي كل واحد منهما متعلقا بالآخر أقرع بينهما، وإن كان لكل واحد منهما طلب على الآخر، وتشاحا فيمن يبتدأ به 12 أقرع بينهما.
وقيل: الحاكم بالخيار.
واستحب محمد بن عبد الحكم أن يبتدئ بالنظر لأضعفهما 13.
واختلف إذا ادعى أحدهما على الآخر دعوى، فلم يقر المدعى عليه 1 ولم ينكر، فقال محمد 2: قال مالك -فيمن كانت بيده دار ادعى رجل أنها لأبيه أو لجده، فسئل من هي بيده فلم يقر ولم ينكر-: أنه يجبر على أن يقر أو ينكر، قال محمد: فإن لم يرجع فيقر أو ينكر حكمت عليه للمدعي بلا يمين 3. وقال أصبغ -في كتاب ابن حبيب-: أن القاضي يقول له: إما أن تخاصم وإما أحلفت 4 هذا المدعي وحكمت له عليك، إن كانت الدعوى يستحق بها مع نكول المطلوب عن اليمين، إذا أثبت لطخا لأن نكوله عن الكلام نكول عن اليمين وإن كان مما لا يثبت إلا بالبينة دعاهم بها ولا يسجنه 5 حتى يتكلم 6. قال الشيخ: المدعي بالخيار بين ثلاث، بين أن يأخذ ذلك بغير يمين، على أنه متى عاد الدعى عليه إلى الإنكار والخصومة، كان ذلك له، وبين أن يحلفه الآن ويحكم له به ملكا، بعد أن يعلم المدعى عليه، أنه إن لم يقر أو ينكر حكم عليه، كما يحكم على الناكل، ولا ينقض له الحكم بعد ذلك إن أتى بحجة، ولكن إن أتى ببينة لم يكن علم بها، كما لا ينقض حكم 7 من خاصم 8 بالاحتجاج وينقض بالبينات، وإن أحب سجن له حتى يقر أو ينكر؛ لأنه
يقول: هو يعلم أن حقي حق، وقد يقر إذا سجن فلا أحلف (1).
وهذا كما قالوا في الشفيع يكتمه المشتري الثمن، فقد اختلف فيه هل يسجن له الآن حتى يقر أو ينكر؟ (2) أو يقال له خذ الآن (3) ولا وزن عليك حتى يثبت الثمن؟ وهذا إذا كانت الدعوى في معين، دار أو عبد.
وإن كانت في شيء (4) في الذمة فأقام لطخا، فكذلك وإن لم يقم لطخا لم تسمع دعواه، وإن ادعت الزوجة الطلاق فلم يقر الزوج ولم ينكر، سجن حتى يقر أو ينكر، ويحال بينه وبينها، وتطلق عليه إذا طال الأمر لحقها في الوطء، وإن ادعت عليه النكاح سجن حتى يقر أو ينكر، ولو ادعى هو (5) عليها نكاحا فلم تقر ولم تنكر، حيل بينها وبين الأزواج حتى تقر أو تنكر، وكذلك السيد (6) يدعي عليه عبده (7) العتق فإنه يسجن حتى يقر أو ينكر.
فصل [التنازع في الدعوى وحال القاضي مع الخصمين]
وإذا أنكر المدعى عليه ثم تنازعا الكلام، فكان من لفظ أحدهما ما تتعلق به منفعة للآخر وأغفل منفعته فيه، فإن على القاضي أن يبين ذلك ويقول للآخر: يلزمك 8 على قوله كذا وكذا، ولا يقول لمن له فيه منفعة قل له كذا1234567
وكذا؛ لأن تقويل أحد الخصمين يوهن الآخر، وليس كقوله قد قلت كذا فيلزمك عليه كذا، ولا حجة لك في قولك كذا لوجه كذا وكذا.
وقال أشهب: للقاضي أن يشد على عضد أحدهما، إذا رأى منه ضعفا عن صاحبه وخوفا منه، ليسقط له أمله في الإنصاف ورجاؤه في العدل، ويلقنه حجة عمي عنها، وإنما يمنع تلقين أحدهما الفجور 1.
وإذا تقررت الدعاوى وتوجه الحكم ولم يبق للآخر حجة أنفده 2، وإن قال بقيت في حجة لم يعجل بالقضاء، قال محمد: فإن كان في طريق اللدد 3 ضرب له أجلا ليس بالبعيد ثم يحكم عليه، وقال -فيمن قامت عليه بينة في دار في يديه 4، فسئل عن حجته فذكر حجة قوية-: فإنه يضرب له أجل، الشهران والثلاثة، ومن حق الطالب إذا توجه له الحق، أن يكتب له قضيته بما ثبت له، ويذكر الوجه الذي كان عنه 5 الثبت، من بينات أو نكول أو يمين، أو سقوط بينات إن جرحت 6؛ لأنه يخشى أن يقوم عليه بعد ذلك 7 بها 8.
واختلف في المدعى عليه إذا لم يثبت عليه بتلك الدعوى شيء، هل يكتب له بذلك حكم؟ فقال عبد الملك -فيمن ادعى دارا أو عبدا، وأقام
بينة وعجز عن تزكيتها، فقال المطلوب للإمام 1: احكم لي بعجزه عن ذلك، لئلا يقوم عليَّ بهم 2 ثانية-: قال: ليس ذلك على القاضي 3، وقال مطرف: على القاضي أن يكتب له ويشهد له 4 بذلك، ليكون براءة من تردد الخصوم في ذلك 5.
واختلف أيضا إذا أتى بعد ذلك بمن يزكيها، أو أتى بشاهدين عدلين يشهدان في ذلك 6 الحق، فأصل مالك وابن القاسم أنه يقبل.
وقال مطرف: لا يقبل إلا في ثلاث، العتق والطلاق والنسب 7. يريد لأن هذه الأشياء يتعلق بها حق لغير من انحصر عنها، فالطلاق والعتق يتعلق بهما حق لله -سبحانه-، وفي العتق حق لولاة 8 المعتق ولولاء المعتق، وكذلك النسب يتعلق به حق لمن يلحق 9 نسبه منهم أو قطع، فلم يكن عجز 10 هذا يقطع 11 حق هؤلاء، فمتى وجد أحد منهم 12 حقًّا 13 جاز القيام به لكل أحد.
باب هل يوقف القاضي الحكم فيما أشكل الأمر فيه، أو يدعو إلى الصلح؟ وفي الحكم بين الأقارب
ويبتدئ القاضي في النازلة بما ورد فيها، من نص القرآن أو السنة أو الإجماع 1، فإن لم يجد 2 اجتهد رأيه على ما يرى أنه أصل لتلك النازلة، من القرآن أو السنة أو الإجماع، فإنه لم يتبين له 3 ذلك وأشكل عليه الحكم، وقف ولم يحكم بإسقاط ولا وجوب، وحسن أن يدعوهما إلى الصلح.
قال سحنون -في كتاب ابنه إذا كانت شبهة وأشكل الأمر-: فلا بأس أن يأمرهما بالصلح 4. وقال مالك -في كتاب محمد في بعض المسائل-: لو اصطلحا.
واختلف إذا كان القاضي من أهل الاجتهاد؟ وأشكل عليه الحكم في نازلة، هل يقلد غيره ممن هو من أهل الاجتهاد؟ وأن يقلده أحسن؛ لأنه يصير فيها كالعامي 5 المقلد 6، بعد أن يسأل الآخر عن الأدلة التي تبين له بها ذلك القول، فإن أشكل عنده الأمر بعد ذلك جاز له أن يقلده، وإن تبين له أن 7 ذلك لا يوجب ترجيحا لم يقلده، والإشكال يتصور من ثلاثة أوجه:
أحدها: ألا يعلم لتلك النازلة أصلا في كتاب ولا سنة ولا غير ذلك.
والثاني: أن يشك هل هي من أصل كذا أم لا؟
والثالث: أن يجد لها أصلين ولا يترجح أحدهما.
ويختلف في هذا القسم هل يكون حكمه حكم 1 الوقف أو يكون بالخيار فيحكم بأيهما شاء 2، قياسا على الحديثين يتعارضان ويعدم التواريخ 3؟ فقيل: الحكم الوقف.
وقيل: المفتي بالخيار يفتي 4 بأيهما شاء، وقيل: غير ذلك، والوقف في جميع ذلك أحسن، ولا يدعو إلى الصلح إن تبين الحق لأحدهما، إلا أن يرى لذلك وجها، وأنه متى ما 5 أوقع الحكم، تفاقم ما بين المتنازعين، وعظم الأمر وخشيت الفتنة، ويندب أهل الفضل والصلاح إلى ترك الخصومات.
وتخاصم إلى سحنون رجلان من أصحابه صالحان فأقامهما، وقال: استرا على أنفسكما ولا تطلعاني على أمركما 6.
وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "رُدُّوا الحُكْمَ بينَ ذَوِي الأرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، فَإِنَّ فَصْلَ القَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ" 7. وهذا بين الأقارب حسن وإن تبين الحق لأحدهما أو لهما.
باب في الخصمين يحكمان رجلا، أو يحكم أحدهما الآخر (1)، وفي تحكيم المرأة والعبد والمسخوط والصبي والنصراني
وقال مالك -في رجلين حكما رجلًا-: حكمه ماض، وإن رفع إلى قاض أمضاه، إلا أن يقول جورا بينا.
وقال سحنون: يمضيه القاضي إذا وافق الحق عنده، وإن كان مما اختلف فيه الفقهاء، وليس من رأي القاضي لم يعرض له، إلا أن يكون خطأ بينا فيرده 2.
قال الشيخ: إنما يجوز التحكيم إذا كان المحكم عدلا من أهل الاجتهاد، أو عاميا واسترشد العلماء فإن حكم ولم يسترشد لم يجز ورد، وإن وافق قول قائل؛ لأن ذلك التحكيم تخاطر 3 منهما وغرر، ولا فرق بين التخاطر في البيع والحكم، بل هو في الحكم أشد؛ لأن التخاطر في البيع قد يكون في بعض صفاته، والبيع 4 ثابت للمشتري على كل حال، والتخاطر في الحكم في جميع الحق يثبته أو يسقطه، وإذا كان المحكم من أهل الاجتهاد ومالكيا، ولم يخرج باجتهاده عن مذهب مالك لزمه حكمه، وإن خرج عن ذلك لم يلزم إذا كان الخصمان مالكيين؛ لأنهما لم يحكماه على أن يخرج عن قول مالك وأصحابه، وكذلك إذا كانا شافعيين أو حنفيين، وحكماه على مثل ذلك، لم يلزم إن حكم بغير ذلك.1
فصل [فيما يصح فيه التحكيم]
والتحكيم يصح في الأموال وما في معناها، قال سحنون: ولا ينبغي التحكيم في لعان ولا في إقامة حد، وإنما ذلك لقضاة الأمصار العظام 1. وقال أصبغ -في كتابه-: ولا يحكم في قصاص ولا قذف ولا طلاق، ولا عتاق ولا نسب ولا ولاء؛ لأن هذه الأشياء إلى الإمام، ولو مكن من نفسه فقال اضربني حدك، أو خذ 2 قوَدك لم يصلح إلا بالإمام وكذلك النفس، وأما الجراح فلا بأس أن يستقيد منه 3، إذا أقاد الآخر من نفسه وكان بائنا 4 عن السلطان، قال: فإن حكماه فيما ذكرنا أنه لا يحكم فيه بحكم، فإنه ينفذ له 5 حكمه، ويأخذ له السلطان بقوله، أو يقيم حدا وينهاه عن العودة لمثل هذا، فإن أقام ذلك بنفسه، فقتل أو اقتص أو ضرب الحدود، ثم رفع إلى السلطان أو 6 الحاكم، أمضى ما كان صوابا، وكان المحدود بالقذف محدودا والتلاعن ماضيا 7. قال الشيخ: منع التحكيم في هذه الأشياء ابتداءً أحسن 8 لأن منها ما
يتعلق فيه 1 حق لغير الخصمين 2 إما حق لله عز وجل وهو الطلاق والعتق، أو 3 لآدمي وهو الولد، إذا كان التلاعن بنفي الحمل، والولاء والنسب لأن فيه حقا لمن يأتي بعد، فإن حكما في طلاق أو عتق، منع من الحكم لإمكان أن يحكم ببقاء الزوجية أو العبدية، ولو رفع ذلك إلى من أقيم للناس فرأى الطلاق والعتق، ورفع يد الزوج والسيد لأنه 4 حق من حقوق الله -تعالى-، ولا يجوز رضى الزوجة بالبقاء معه ولا 5 العبد بالرق، أو يكون 6 الأمر من 7 عند الأول الفراق والعتق، والأمر من 8 عند الآخر البقاء، فلا يجوز إباحة الزوجة لغير ذلك الزوج، ولا يجري 9 العبد على أحكام الحرية من الموارثة والشهادات، وذلك حق لله -تعالى-، وإن شركه حق لآدمي، وكذلك اللعان لنفي الحمل للولد 10، حق في الكشف عفا يوجب إسقاط نسبه، والنسب والولاء فيه حق لمن يصير ذلك إليه، من غير أن يحكم إن قطع، وحق لهم 11 إن لحق بهم من ليس منهم.
وأرى إذا فات ذلك بالقضية (1) ممن حكم، أن يرفع الأمر إلى من أقيم للناس إذا كان عدلا.
فإن كان فعل الأول حقا أمضاه وإلا رده، ولا يكون تراضي هذين فيما يترامى (2) إلى غيرهما، أو يتعلق به حق لغيرهما على المضي من غير كشف.
وإن حكم أحد الخصمين الآخر (3)، جاز أيضا إذا كان المحكم عدلا ومن أهل الاجتهاد، أو عاميا واسترشد العلماء، وهو ها هنا أشد تخاطرا، إذا دخلا على الحكم بالجهل بموجب العلم، أو كان غير عدل منه (4) إذا كان المحكم أجنبيا.
فصل [في التقاضي أو التحاكم إلى العبد والمرأة والصبي والمسخوط وغير العدل]
ولا يستقضى عبد ولا امرأة ولا مسخوط، ولا صبي 5 ولا غير عدل ولا يتحاكم إليه 6. واختلف إذا حكم أحد هؤلاء الخصمان 7 على أربعة أقوال: فقال مطرف في كتاب ابن حبيب: لا يجوز حكم أحد من هؤلاء ولا يجوز إلا العدل في حالة1234
العارف بوجه الحكم، وإن حكم 1 أحدهم 2 بصواب لم يلزم 3. قال: ونرى التحكيم في مثل هؤلاء كالمتخاطرين حين حكما من لا علم عنده ولا يؤمن حيفه، ووافقه عبد الملك بن الماجشون في المسخوط 4 والصبي وخالفه في المرأة والعبد وقال: إذا كانا بصيرين عارفين مأمونين جاز تحكيمهما 5. وقال ابن حبيب: وقاله أصبغ وأجازه أشهب في كتاب ابن سحنون في جميعهم إلا الصبي وأجازه أصبغ في كتابه في جميعهم إلا 6 المرأة والعبد والمسخوط والصبي إذا كان يعقل قال: فرب غلام لم يبلغ 7 له علم بالقضاء والسنة 8. وقوله في الصبي إذا كان له علم بالقضاء، يبين أنه إنما يجوز من ذكر معه من امرأة أو عبد أو مسخوط، إذا كان عالما بالقضاء أيضا 9. وقد اتفقت هذه الأقاويل على أنه 10 لا يحكم من 11 يكون جاهلا بالحكم، وإن ذلك تخاطر وتخمين وحدس، وأرى أن تمضي أقضيتهم إذا كانوا عالمين بوجه الحكم في تلك النازلة، ولا يجوز تحكيم النصراني ولا المجنون ولا الموسوس.
باب في حكم القاضي لنفسه ولزوجته ولولده، ولغيرهم من الأقارب وهل يقضي بعلمه؟
قال محمد: كل من لا تجوز الشهادة له، لا يجوز 1 أن يحكم له، وقاله مطرف في كتاب ابن حبيب 2.
وقال ابن الماجشون: لا يجوز لثلاث، الزوجة وابنه الصغير ويتيمه، ويجوز للآباء والأبناء الكبار 3.
وقال أصبغ مثل 4 قول مطرف.
قال أصبغ: وأما من سواهم، فإن حضر الشهود وكانت الشهادة الظاهرة بحق ظاهر جاز، ما عدا زوجته وولده الصغير وبتيمه الذي يلي ماله؛ لأن هؤلاء كنفسه 5، وإن لم يكن إلا قوله: ثبت عندي وشبهه- 6 لم يجز.
وقال أصبغ أيضا -في كتابه-: يجوز حكمه لكل من ذكر من زوجة أو ولد أو أخ أو مدبر أو مكاتب، ولمن يلي عليه، وهذا إذا صح الحكم وكان من أهل القيام بالحق وليس من أهل التهم، وقد يحكم للخليفة وهو فوقه وهو يتهم فيه لتوليته إياه 7.
والقول الأول أحسن، أن لا يجوز حكمه لأحد من هؤلاء؛ لأن الظنة تلحق في ذلك 1، ولا فرق بين الشهادة والحكم.
وإن كانت القضية بغير مال، وكانت مما يتضمن أن تدرك فيه الحمية، أو ترفع به 2 المعرة لم يجز بحال.
وإذا لم يجز أن 3 يحكم لأحد ممن ذكرنا، لم يجز أن تدفع الشهادة بما اعترف عنده لمن هو فوقه.
وإن كان مما تجوز فيه شهادته رفع إلى من هو فوقه، فالناظر يرفع إلى القاضي، والقاضي يرفع إلى الأمير إذا كان عدلا.
واختلف هل يرفع ذلك لمن هو 4 دونه في ولايته، كالقاضي يرفع إلى ناظره، والأمير يرفع إلى قاضيه 5. فقيل: لا يجوز 6. وهو أصل 7 قول مالك في المدونة.
وقيل: يجوز 8.
وقال أصبغ: لا ينبغي أن يحكم إن طلب بحق، أو طلب هو حقا أو أحد من عشيرته، أن يحكم من دونه وإن رضي 9 الخصم، بخلاف رجلين رضيا بحكم أجنبي 10. واستشهد من أجاز ذلك بحكم عمر أنه حكم في خصومة كانت له، ولا أرى أن يقتدي بهذا، وليس حال الناس اليوم في الصلابة في الحق، والغضب لله والرضى له كحال من 11 تقدم.
وقد قال مالك: تحدث للناس أقضية، بقدر ما أحدثوا من الفجور (1). وأيضا فليس تحكيمه لمن ولاه النظر بين الناس، كتحكيمه لمن لم يوله؛ لأن الأول يتقي أن يعزله.
فصل [فيما إذا اجتمع في القضية حق للقاضي وحق لله سبحانه]
وإن اجتمع في القضية حق للقاضي وحق لله سبحانه لم يجز أن يقضي بما تضمنته من حق نفسه.
واختلف هل يقضي بما تضمنته من حق الله سبحانه؟ فقال محمد: إذا شهد عنده عدلان أنه سرق للقاضي قطعه 2، ورفع الشهادة إلى غيره في حقه.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يقطعه وليرفعه 3 إلى من فوقه 4.
وإن شهد القاضي وآخر معه على أنه سرق القاضي، رفعه إلى من فوقه فقطعه بشهادتهما، وأغرمه بشهادة الأجنبي مع يمين القاضي.
وقيل في هذا الأصل: لا يقطع بشهادتهما؛ لأن شهادة القاضي ترد عنه من باب التهمة، وأنه يجر إلى نفسه، فلا 5 تتبعض الشهادة 6 في مثل هذا، وإنما تتبعض 7 إذا كانت ترد من جهة الشرع لا من جهة التهمة.1
فصل [هل يحكم القاضي بعلمه؟]
ولا يقضي القاضي بما كان 1 عنده من العلم، قبل أن يلي القضاء أو بعد أن ولي ولم يكن في مجلس القضاء، أو كان في مجلس القضاء، وقبل أن يتحاكما إليه 2 ويجلسا للحكومة، مثل أن يسمعهما أو أحدهما يقر للآخر، فلما تقدما للحكومة أنكر وهو في ذلك شاهد.
وقد اختلف إذا أقر بعد أن جلسا للخصومة ثم أنكر، فقال مالك وابن القاسم: لا يحكم بعلمه 3. وقال عبد الملك وسحنون: يحكم 4. ورأيا أنهما إذا جلسا للمحاكمة 5 فقد رضيا أن يحكم بينهما بما يقولانه ولذلك قصداه 6. فإن لم ينكر حتى حكم ثم أنكر بعد الحكم، وقال: ما كنت أقررت بشيء، لم ينظر إلى إنكاره، وهذا هو المشهور من المذهب.
وقال الشيخ أبو القاسم 7 ابن الجلاب: إذا ذكر الحاكم أنه حكم في أمر من الأمور، وأنكر المحكوم عليه لم يقبل قول الحاكم إلا ببينة 8، وهو أشبه في قضاة اليوم لضعف عدالتهم.
وإذا لم يكن له أن يحكم بعلمه، كان في قبول
شهادته عند غيره على وجهين: فأما ما كان عنده من العلم، قبل أن يجلسا للحكومة، جاز أن يرفع شهادته فيه.
واختلف في قبول شهادته فيما أقر به عنده في حين 1 المحاكمة، فقال محمد: تقبل شهادته فيه، وقال أيضا: لا تقبل لما لم يمض حكمه فيه 2.
وأرى أن تقبل 3 إذا لم يكن حكم، كما قيل في العبد يشهد بشهادة فلم ترد حتى عتق، أنه يعيدها وتقبل منه.
فإن حكم بعلمه ثم رد حكمه، حسن ألا تقبل وإذا صح قبولها رفعها إلى من فوقه.
واختلف هل يرفعها 4 لمن تحته وقد تقدم ذلك.
وأرى أن تقبل إذا كان طارئا، وكان 5 القاضي عدلا مبرزا في العدالة، ممن لا يمكن التجريح في مثله، وإن كان القاضي غير عدل 6، لم يقبل قوله وسواء رفعها لمن دونه أو فوقه؛ لأن تجريحه يتعذر، ولا يقدم أحد على تجريح القاضى وإسقاط عدالته، وكذلك إذا كان الشاهد ممن يتقى، ولا يستطاع سماع الشافع 7 فيه، فلا تقبل شهادته إذا لم يكن مبرزا.
باب في كتاب القاضي ومكشفه ووكلائه (1) ورسله وجلسائه
ولا يستكتب القاضي إلا حرا مسلما عدلا 2، قال محمد: ويكتب بين يديه وينظر فيما يكتب 3. ولا يكون ذميا؛ لأن الله -عز وجل- قد أغنى بالمسلمين عنهم، ولا عبدا ولا غير عدل؛ لأنه قد يحتاج إلى شهادته، ولأنه يأمن 4 إذا كان عدلا، أن لا يُدْخِل على المسلمين في محضرهم وأحكامهم، وإن اضطر إلى غير عدل كتب بين يديه وينظر فيما يكتب، ولم يجز أن يكل ذلك إليه.
ولا يبعد أن يحمل 5 قول محمد أن القاضي ينظر فيما كتب على الوجوب، وإن كان الكاتب عدلا، فيكون قد حمل الخصمين على المكتوب من باب القطع، وإذا لم ينظر فيما كتب كان قد حمل الخصم على أمانة الكاتب، وحكم بغلبة الظن من غير ضرورة إلى ذلك، وليس كالمكشف لأنه مضطر إلى ائتمانهم، في مضيه إلى محلات الشهود وللكشف عنهم سرا.
وقال محمد: إذا وجد القاضي في قمطره 6 من كتب فيه شهادة لرجل، أو أقضية ولا يذكر ذلك، قال: أما إن عرف أن خطه بيده، أو خط كاتبه وعرف1
خاتمة، وعرف الرجل نفسه وصفته حتى لا يشك، وكانت من قبله ليس من قاض غيره، فينبغي أن يجيزها، هذا قول محمد 1. ولا بأس أن يكون للقاضي مكشفا عن البينات، ويقبل القاضي قوله وحده فيما يأتيه به 2؛ لأنه وكيل له، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَاغْدُ يَا أُنيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" 3. فاعترفت فرجمها 4، وينبغي أن يكون المكشف فهما فطنا غير مغفل، وينبغي أن لا يعرف مكشف القاضي؛ لأن في ذلك فسادا على الخصمين، ويكشف عنهم 5 سرا وإن كشف علانية قبل الجرح.
واختلف في قبول التعديل علانية 6، وأن لا يقبل أحسن؛ لأن الإنسان يذكر في العلانية غير ما 7 يعلمه، وإذا سئل سرا 8 أخبر بغير ذلك، ولا يكون وكلاؤه وحجابه إلا عدولا، ذوو رفق وأناة، والعدالة فيهم أحوج منها في غيرهم، لتؤمن ناحيتهم، وأن لا يتجاعلوا في الخصومات، وفيما يكون من خصومة النساء؛ لأنهم أمناء على محادثتهن 9،
وقد يطلعون على أسرار القاضي فيما يريد من حكومة، فيؤمن أن لا ينقلوا لأحد الخصمين، وكذلك جلساؤه ينبغي أن يكونوا أهل دين وأمانة ونصيحة، ويجتنب مجالسة من كان على غير ذلك.
باب في نقض القاضي أقضيته وأقضية غيره من القضاة
وإذا قضى القاضي بقضية، ثم تعرض المقضي عليه لنقضها، فذلك على خمسة أوجه:
أحدهما: أن يأتي بحجج يقول كنت أغفلتها.
والثاني: أن يأتي ببينة ولم يكن أحضرها ولا شهدت له.
والثالث: أن يجرح البينة التي شهدت عليه، أو يأتي فيها بمنفعة من عبودية أو غيرها، أو تعديل من كان وقف عليه تعديله.
والرابع: أن ينكر الحكم ويقول لم أكن خاصمت عندك.
والخامس: أن يقر بالخصومة وينكر أن تكون شهدت عليه بينة.
فإن تعرض نقضه بحجة يأتي بها، ويقول كنت أنسيت ذكرها، أو يقول استنطق خصمي عن كذا، لم يقبل قوله ولا يمكن أحد من هذا، عند ذلك القاضي ولا غيره، ولو مكن الناس من ذلك لم تنقطع مشاغبة ولا منازعة.
وإن تعرض نقضه ببينة أحضرها، لم تكن شهدت ولا علمها، كان فيها ثلاثة أقوال؛ فقال ابن القاسم في المدونة 1: تسمع بينته فإن شهدت بما يوجب نقض الحكم نقضه 2. وقال سحنون: ليس له نقضه ولا تسمع بينته.
وقال محمد بن المواز: إن كان هو القاضي نقضه، وإن ولي غيره لم ينقضه 3.
والأول أحسن إذا تصادق الخصمان أن هذه البينة لم تكن شهدت أو 1 علم ذلك 2، ويرجع إلى ما شهدت به البينة، والقاضي الأول وغيره 3 في ذلك سواء.
وإن اختلفا فقال القائم بها لم تكن شهدت، وقال الآخر شهدت ولم تقدح شهادتهما، أو جرحتهما أو كنت أنت أسقطتها، حلف القائم بها أنها لم تكن شهدت، وقام بموجبها لأن محملها على أنها لم تشهد، حتى يعلم أنها شهدت، فإن نكل حلف الآخر ومضى الحكم.
وإن كان في الحكم ما يدل على أنها لم تكن شهدت، سمعت الآن من غير يمين، مثل أن يذكر في الحكم صفة خصومتهما، وهو ما أدلى به كل واحد من حجته، وما يرى 4 أنها كانت دعوى بانفرادها، أو يقول دعوته ببينته فلم يأت بها، وكذلك إذا أحضر بينة كانت له 5 غائبة، وقد كان القاضي ذكر في حكمه أنه حكم لبعد البينة، ووقفه على حقه فيها سمعت منه، ونقضه القاضي الأول وغيره، وكذلك إذا ثبت أن البينة كانت غائبة في حين الحكم، فإنها تسمع الآن وإن لم يكن شرط غيبة البينة.
فصل [في تجريح البينة وما يوجب سقوطها]
وإن كان الحكم انعقد ببينة شهدت عنده، فأراد المحكوم عليه تجريحها، أو ما يوجب سقوطها كان ذلك له 1، وذلك على ستة أوجه: إما أن يجرحها 2، أو 3 يثبت أن بينها وبين المشهود له قرابة أو زوجية أو مصاهرة، أو بينها وبين المشهود عليه مصارمة 4 أو عداوة، أو أن أحد البينة عبد أو نصراني أو مولى عليه، فإن أثبت تقدم جرحتهما 5 كان فيها قولان: فقال مالك -في كتاب الشهادات: أن ينقض الحكم.
وقال -في كتاب الحدود-: يمضي، وبه أخذ سحنون 6. وعلى هذا يجري الجواب إذا أثبت أن بينه وبينها عداوة، أو بينها وبين المشهود له، قرابة مما ترد الشهادة فيه من أجل التهمة، فإن أثبت أنهما أو أحدهما عبد نقض الحكم، وهذا قول مالك وأصحابه 7، ولو قيل أنه يمضي لكان له وجه، بل هو أولى من إمضائه إذا أثبت الجرحة؛ لأن شهادة الفاسق غير جائزة باتفاق، وشهادة العبد مختلف فيها.
وحكي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إجازتها، وأجازها أنس وشريح
وزرارة بن أبي 1 أوفى وابن سيرين، وأجازها الحسن وإبراهيم في الشيء اليسير.
وحكى القاضي أبو الحسن علي 2 بن القصار، عن أحمد وإسحاق وأبي ثور وداود: أنها تقبل 3 في جميع الأشياء كالحر 4.
وإمضاء 5 الحكم بشهادة العبد العدل، للاختلاف في جوازها ابتداء أولى من إمضائها 6 بالمسخوط، مع ورود القرآن والإجماع بمنع قبولها ابتداء.
وقد قال مالك في مسائل من النكاح والبيوع ينزل الأمر فيها على خلف رأيه وموافقا لقول غيره أنه يمضي ولا يرد.
ويختلف إذا ثبت أنهما أو أحدهما مولى عليه، هل ينقض الحكم؟ ففي كتاب ابن سحنون أنه ينقض، والنقض في هذا أبعد منه في العبد 7، وقد 8 قال مالك وغيره من أصحابه: أن شهادة المولى عليه تجوز ابتداء 9 وهو أحسن؛ لأنه حر مسلم عدل، فوجب أن تمضي شهادته ولا ترد، لجهله بتدبير ماله، وإن أثبت أنه نصراني رد الحكم، وقال عبد الملك -في المجموعة في رجل قذف رجلا، فحد القاذف بعد الإعذار، ثم أتى بأربعة عدول يشهدون على المقذوف، أنهم رأوه يزني قبل القذف-: قال يحد الزاني ويسقط الحكم عن
القاذف.
يعني تسقط جرحته، قال: ولو كان حقا غير الزنا وقام به المقضى عليه، لم يقبل منه بعد الحكم؛ لأن الزنا حق لله -تعالى- لابد أن يقام به على المشهود عليه، فإذا حد سقط عن القاذف حكم القذف، ولو كانت الشهادة أن حاكما جلده مائة جلدة 1، لم تسمع 2 منه 3 بينته؛ لأنها لا توجب الآن على المشهود عليه حدا 4. يريد أنه لا يتعلق بشهادتهما بعد الحكم 5 الأول عليه شيء 6، ومثله لو شهدت بينة أن البينة المحكوم بها سرقت فلم تقطع، أو شربت ولم تحد، أو حاربت ولم تنف، أو ما أشبه ذلك مما يتعلق به الآن حق لله -سبحانه- نقض الحكم قولا واحدا.
وإن كان قد أقيم عليه الحد لم ينقض على أحد القولين.
واختلف أيضا 7 إذا كانت القضية على غائب، ثم قدم فطلب أن يجرح تلك 8 البينة بالإسفاه، أو شرب خمر أو غيره، فقيل: ذلك له، وقال ابن الماجشون: ليس له ذلك إلا أن يثبت أنهم على غير الإسلام، أو أنهم عبيد أو مولى عليهم 9. والأول أحسن، والغائب موقوف على حجته، في كل ما لو كان
حاضرا فأثبته لم يحكم عليه فيه.
وقد اختلف عن مالك في الحكم على الحاضر، وإن كان بعد الإعذار إليه فكيف بالغائب؟
فصل (1) [في إنكار المحكوم عليه أنه خاصم عند ذلك القاضي]
وإن أنكر المحكوم عليه أن يكون قد خاصم عند ذلك القاضي، وقال القاضي: كنت خاصمت وأعذرت إليك، ولم تأت بحجة فحكمت عليك، كان فيها قولان: فقال أصبغ -في كتاب ابن حبيب-: القول قول القاضي (2). وفي مختصر ابن الجلاب أنه (3): لا يقبل قول الحاكم إلا ببينة (4). قال الشيخ (5): وهذا أشبه في قضاة الوقت، وإن كان مضمون الحكم وقفا على رجل، وأنكر المحكوم عليه لم يقبل قول القاضي، إلا ببينة على اعتراف المحكوم عليه؛ لأن القاضي في هذا دافع عن نفسه، وهو قول أصبغ في كتاب ابن حبيب، وفرق بين هذا وبين الأول، إذا كان مضمون القضية حكومة بين المتنازعين.
فصل (6) [فيما اذا أنكرت البينةُ الشهادة]
وإن أنكرت البينة أن تكون شهدت بتلك الشهادة، كان فيها قولان: هل123456
يقبل قولها وينقض الحكم، أو يمضي ويعد ذلك منها رجوعا بعد الحكم؟ 1 فقال ابن القاسم -في المجموعة-: يرفع الأمر إلى السلطان، فإن كان القاضي عدلا لم ينقض قضاؤه، وقال سحنون: لا يرجع على الشهود بشيء 2.
وقال محمد -في كتاب الرجوع عن الشهادة-: قال 3: إذا حكم القاضي بشهادة رجلين، على رجل بمائة دينار، ثم أنكر الشاهدان وقالا: إنما شهدنا بالمائة للآخر المحكوم عليه، والقاضي على يقين أن الشهادة كانت على ما حكم به 4، قال: فعلى القاضي أن يغرم المائة للمحكوم عليه؛ لأن الشهود شهدوا عليه بخلاف قوله، ولا يجوز للقاضي أن يرجع على المحكوم 5 له؛ لأنه يقول حكمت بحق 6.
وهذا خلاف قول ابن القاسم؛ لأنه نقض الحكم فيما بين الحاكم والمحكوم عليه، وأغرمه المال برجوع البينة، وينبغي على أصله إذا كان الحاكم فقيرا، أن ينتزع المال من المحكوم له ويرده إلى المحكوم عليه، إذا رفع ذلك إلى حاكم غير الأول.
وقال محمد: وإن قال القاضي أنا أشك أو وهمت، نقض الحكم فيما بين المحكوم له والمحكوم عليه، ويرجع الأمر إلى ما تقوله البينة التي شهدت 7
الآن، ويكون على المحكوم له أن يغرم مائتين (1)، المائة التي قبض والمائة (2) التي شهدت بها الآن البينة (3). وإن أنكر الحاكم والمحكوم عليه الحكم (4) وقال: ما حكمت بهذا فشهدت البينة للمحكوم له أنه كان حكم له به، فإن الحكم يمضي، وعلى الحاكم أن ينفذ ما تضمنه الحكم ولا يرده بقوله.
فصل (5) [فيما إذا تبين أنه حكم بخلاف النص أو الإجماع]
وإذا حكم القاضي في نازلة باجتهاده، ثم تبين أنها مسألة نص بالقرآن أو السنة، أو أنها مسألة إجماع، وأنه حكم بخلاف ذلك نقض الحكم 6، وهو وغيره من القضاة في تلك النازلة 7 في نقض الحكم سواء.
واختلف إذا أراد ذلك القاضي، أن ينتقل عن ذلك الاجتهاد إلى اجتهاد آخر، على أربعة أقوال: فقال مطرف وابن الماجشون -في كتاب ابن حبيب-: له نقضه 8. وهو ظاهر قول مالك في المدونة 9. وقال ابن عبد الحكم: لا12345