كتاب كراء الدور والأرضين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة: الشركة في المتبقي من الطعام التالف من الحمال
مسألة وسئل: عن رجل حمل طعاما من الريف في سفينته فمر بأخ له في قرية أخرى، فقال: أفي سفينتك فضل تحمل لي مائة إردب؟ قال: نعم، وقد كان الأول حمل فيها خمسمائة إردب فألقى قمحه من فوق طعام صاحبه فانخرق المركب، فدخل الماء من أسفله فأصاب منه نحوا من خمسين إردبا.
وهو يعلم أنه لم يصل إلى طعام الرجل الذي كان حمله فوق طعامه الأول.
قال: أراهما في ذلك شريكين.
قلت: إنه لم يصل إلا إلى الأول، قال: قد حملاه على وجه الشركة وخلطاه.
قال محمد بن رشد: قد مضى من القول في معنى هذه المسألة في أول رسم من السماع ما يغني عن القول فيها، ويوضح معناها، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: تخفيف أحمال السفينة لينجو أهلها
مسألة وسئل: عن المركب يخاف أهله الغرق فيطرحون مما فيه شيئا لينجوا؟
قال: أراهم فيه إسوة.
قلت: أفعلى قيمته يوم حمل؟ أو ثمنه الذي اشتري به؟ أو قيمته حين يطرح؟ قال: بل على ثمنه الذي اشْتُرِيَ به إذا كان إنما اشترى بمكان واحد بصنعاء أو بالفسطاط، فالثمن أعجب إلي، وقال: ابتداء منه في قيمته بموضعه الذي طرح فيه، كم قيمته في ذلك الموضع؟ وهل يشتري أحد ثمة وليس له ثمة قيمة؟ قيل له: أفترى على جرم المركب شيئا؛ لأنهم يقولون لو لم نطرح منه شيئا لهلك في ذلك وغرق، قال: لا شيء عليه، ولو ذهبوا تحاصوه لكان جل الغرم
عليه، مثل أن يكون قسيمة المركب الشيء الكثير فيريدون أن يحاصوه بقيمة ذلك، فلا أرى عليه شيئا.
قال ابن القاسم: ليس على من في المركب من قومته غرم، كانوا عبيدا أو أحرارا، وإن كانوا عبيدا للتجارة فعليهم.
قال سحنون: سألت ابن القاسم عن تفسير قول مالك في المتاع الذي يكون في المركب فيخاف أهله الغرق فيطرح بعضه أن الذي يطرح متاعه يكون شريكا لهؤلاء في متاعهم بثمن متاعه الذي اشتراه به، قلت: ما معنى قوله الذي اشتراه به؟ قال: إن كان المتاع إنما هو شراء من موضع واحد مثل أن يكون من الفسطاط نفسها.
وأما أن يكون اشترى بعضهم بالفسطاط وبعضهم من أسواق أو من بعض نواحي مصر، فإن هذا ليس مثل الأول، فإذا كان مثل هذا فإنما ينظر إلى ما يشترى به، هذا كله ما طرح وما بقي مما لم يطرح، بكم يُشترى مثل هذا المتاع التالف، والباقي في الموضع الذي حمل منه في البحر مثل القلزم وجدة ونحو ذلك، فيكون شريكا بقدر ما يُشترى به متاعه في ذلك الموضع على قدر ما يصيب متاعه ومتاعهم، واختلاف الأزمنة مثل اختلاف البلدان في الشراء، مثل أن يشتري منذ سنة، وهذا منذ شهر، فينظر إلى ثمن مثله منذ شهر فيكون شريكا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن لمن طرح من المركب متاعه في البحر رجاء نجاته أن يرجع على من لم يطرح متاعه فيشاركهم
فيه بقدر متاعه ومتاعهم، إذ ليس بعضهم أولى بطرح متاعه من بعض مع انتفاع جميعهم بذلك، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه في المذهب، وإنما اختلف قول مالك في صفة التقويم في الاشتراك، فقال في المختصر مرة: إنه ينظر إلي قيمة المتاع المطروح والباقي في الموضع الذي حمل منه، وقال مرة: في الموضع الذي يحمل إليه، وقال مرة: في الموضع الذي طرح فيه، ورواه أشهب عنه، وقوله هاهنا: إنهم يشتركون فيه على الثمن الذي اشتروه به، وذلك إذا اشْتُرِيَ في وقت واحد وموضع واحد، وصفة واحدة من النقد والدين، وعلى غير محاباة، فإن اختلف شراؤهم في شيء من ذلك اشتركوا بقيمة متاعهم يوم حملوه في الموضع الذي حملوه منه على ما فسر به ابن القاسم قوله، والقول قولهم فيما زعموا أنهم اشتروه به دون يمين إذا تبين صدقهم إلا أن يتهم أحد منهم فيحلف، قاله سحنون بعد هذا في رسم أخذ يشرب خمرا.
وقوله: إنه لا يمين عليهم إذا تبين صدقهم - صحيح، كما أنه إذا تبين كذبهم وأتوا بما لا يشبه لا يمكنون من اليمين، وينظر إلى قيمة ذلك يوم الشراء فيكون شريكا بذلك.
وأما إذا لم يتبين صدقهم ولا كذبهم، فيتخرج تحليفهم إذا دعا إلى ذلك بعضهم على الاختلاف في لحوق يمين التهمة، وبالله التوفيق.
###: اشتراط أيام مسماة لتوصيل الحمل لمحله
ومن كتاب شك في طوافه وسئل: عن رجل يتكارى الأجير يخرج له بكتاب يحمله
إلى بلد ويشترط عليه أياما مسماة، قال مالك: ما هذا من كراء الناس وما يعجبني.
قال محمد بن رشد: أما إذا كان الوصول إلى البلد إلي الأجل الذي اشترط على الأجير مشكلا يمكن أن يبلغه وألا يبلغه - فلا اختلاف في فساد الأجرة على ذلك، وأما إذا كان أجلا يعلم أنه يبلغ فيه إلى البلد، فالمشهور أن الإجارة غير جائزة، وقد قيل: إنها جائزة، وقد مضي القول في هذه المسألة مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة، وفي أول رسم من سماع أشهب منه، وفي غير ما موضع سواه من الكتاب المذكور، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
###: اشتراط شرط قاطع لمدة الإجارة
ومن كتاب الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل: عن رجل يتكارى الدابة إلى الإسكندرية أو إلى الموضع ويضرب له في ذلك أجرا مسمى فيشترط إن عثر على الرجل في الطريق رجع وكان له بحساب ما بلغ على حساب ما تكارى منه.
قال: لا بأس بذلك، وهذا يكون عندنا في الإباق وغير ذلك، فلا بأس به إذا لم ينقد، أنكرها سحنون، وقال: كيف يجوز هذا وقد أكرى دابته بما لا يدري.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في أول مسألة من السماع، فلا معنى لإعادته.
###: الرجل يتكارى بدينار ونصف فيعطي الكري دينارين ويأخذ منه نصفا
ومن كتاب حلف ليرفعن أمرا وسئل مالك: عن الرجل يتكارى بدينار ونصف فيعطي الكري دينارين ويأخذ منه نصفا.
قال: ما أرى بذلك بأسا.
قال ابن القاسم: وقد كان ثقله ثم رجع إلى هذا، وقال: لا بأس به إذا انتقد حمولته وهو أحب ما فيه إلي.
قال محمد بن رشد: الاختلاف في جواز هذا الكراء جار على اختلافهم فيمن كان له على رجل دين، هل يجوز له أن يأخذ منه به دابة يركبها، أو غلاما يخدمه أو دارا يسكنها، ويكون قبض الدابة أو الغلام أو الدار ليستوفي ركوبها، أو استخدامه أو سكناها - استيفاء للركوب أو الاستخدام أو السكنى أم لا؟ وقد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم صلى نهارا من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف، وفي سماع أبي زيد منه، فلا معنى لإعادة ذلك، والله الموفق.
مسألة: رجوع الأجير فيما اتفق عليه مع المؤجر
[مسألة قال: وسئل مالك: عن الكري يرى غرائر الرجل، فيقول له صاحب الغرائر: زنها، فيأبى ذلك، ويحملها حتى إذ كان ببعض الطريق أراد أن يزن عليه، قال: لا أرى ذلك له، قد حملها ورضي بها.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال، إذ ليس له أن يرجع فيما قد سلمه ورضي به].
مسألة: دفع عربون لحين حضور الظهر المؤجر
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يتكارى من الحمال، ويكون كراؤه مضمونا ويعربن الدينار إلى أن يأتي الظهر، قال: لا بأس بذلك، وقال في ذلك: كم من كري قد أعطي كراءه فهرب وترك أصحابه.
قال محمد بن رشد: إنما أجاز أن يؤخر النقد في الكراء المضمون إلى أن يأتيه بالظهر وإن بعد الأمد للضرورة إلى ذلك، إذ ليس بحرام بين، كفسخ الدين في الدين الذي يضاهي الربا المحرم بالقرآن.
ألا ترى أنه يجوز فيه تأخير رأس مال السلم اليوم واليومين والثلاثة، فأما في غير الكراء فلا يجوز تأخيره فوق الثلاث؛ لأنه الدين بالدين، وبالله التوفيق.
###: دعوى الأجير ضياع مال استؤجر على الشراء به
ومن كتاب طلق ابن حبيب وسئل مالك: عن حمال تكوري وبعث معه بدنانير إلى موضع
ليبتاع بها طعاما لمن استأجره فرجع فزعم أن تلك الدنانير ضاعت منه، أتراه ضامنا؟ قال: لا ضمان عليه فيها، وإنما هو إلى أمانته، وأرى أن يحلف في ذلك لقد ضاعت منه، قيل له: أفترى له فيما عني أجرة؟ قال: لا أرى له شيئا، قد ضاعت الدنانير، ويريد أن يأخذ أجرا، ما أرى له في ذلك شيئا.
قال محمد بن رشد: إنما لم ير له أجرة فيما شخص إذا ضاعت الدنانير من أجل أنه استوجر على حملها إلى ذلك البلد وشراء الطعام بها، وجاء تلفها من قبله، وذلك على أصله في المدونة في الذي يستأجر الحمال على حمل شيء فيعثر به فيذهب أنه لا ضمان عليه ولا كراء له، خلاف قول غيره فيها، فليس قول مالك هذا بمعارض لقول سحنون في نوازله من كتاب الجعل والإجارة في الذي يعطي رجلا ثوبا ليبيعه له بجعل، فلما قبض الدنانير ضاعت منه أن له جعله لأن هذا في مسألة سحنون جعل على بيع فوجب للمجعول له جعله بالبيع، وبالله التوفيق.
مسألة: تضمين الأكرياء
مسألة قيل له: لِمَ ضَمِنَ الأكرياءُ الطعامَ الذي يحملونه؟ قال: إنهم مثل الصناع الصباغ والخياط، فلذلك ضمنوا إلا أن يأتوا
فيما تلف منهم على هلاكه بأمر يعرف، فلا يكون عليهم ضمان، مثل أن ينشق زق زيت، أو تهلك راحلته، أو ما أشبه هذا من الوجوه التي (يدل) على هلاكها أمر يعرف، فلا شيء عليه.
قيل: فالخياط والصباغ إذا سرق بيته، أيصدق؟ قال: ما أدركت الناس إلا على أنهم يضمنونهم، ولا يجعلونه في مثل هذا مثل ما ينشق من الحمال أو يهلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إنما ضمن الأكرياء الطعام لحاجة الناس إليهم في ذلك كالصناع، إلا أن يظهر الهلاك بانشقاق زق أو عثار راحلة وما أشبه ذلك، وليس ذلك كدعوى الصناع السرقة؛ لأن ذلك لا يعرف إلا بقولهم، وإنما هو كالفران يأتي بالخبز محروقا، أو الصباغ يأتي بالثوب محروقا فيسقط عنه الضمان؛ لأن النار تغلبه، فأشبه عثار الأجير الذي لا يقصده، وبالله التوفيق.
###: دعوى المكتري ضياع الدابة المكتراة
ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال مالك، في دابة تكاراها رجل إلى موضع ثم أتى فزعم أنها نفقت - قال مالك: إن كان في جماعة رأيت أن يكلف البينة، وإن كان وحده أحلف ولا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، فلا معنى لإعادته.
###: ما يترتب على طرح الأمتعة من السفينة
ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا قال: وقال مالك، في السفينة التي طرحوا منها متاعا، وفسد بعض القمح وبقي بعض لم يصبه شيء، وكراء ما طرح: إنه ليس على الجرم شيء مما طرحوا.
قال: ولو كان جرمه ظرفا فارغا نجا، وإنما كان طرحهم نجاة لمتاعهم، فلا أرى عليه فيه شيئا، وقال فيما طرح: لا أرى لأهل المركب فيه كراء ما أكروهم فيه، وإنما لهم على حساب ما بقي مما أكروا، وقال في الطعام الذي فسد بعضه ولم يفسد بعض: إن كان محجوزا كل واحد منهم طعامه على حدته، قد حازه بشيء جعله حجزا فيما بين القمح، فأرى أن من سلم منهم فله ما سلم، وما أصيب منه بما أصابه، أو اسود لموج ركبه فمصيبته من صاحبه، وإن كانت تلك التي حجزوا بها قد انخرق بعضها إلى بعض حتى اختلط الطعام كانوا شركاء جميعا فيما فسد لهم وصلح، يأخذ كل واحد منهم بحصة طعامه.
وأما ما ذكرت في أثمان متاعهم بأي شيء يتراجعون في ذلك؛ فإنما يتراجعون بالثمن الذي ابتاعوه بالقلزم، ولا ينظر إلى ثمنه في الجار، ولا قيمته في الموضع الذي طرح فيه، ولكن ثمنه بالقلزم الذي ابتاعوه به، إلا أن يكون أحد منهم اشترى شيئا بدين فزاد لذلك، فإنما يحسب له على النقد لا زيادة فيه، أو يكون حوبي أحد في شراء خفف
عنه، فلا يحمل عليه ما حوبي به من ذلك، ولكن يتم له ثمنه الذي يسوى بالقلزم.
وسئل عنها سحنون: هل يقبل قول كل واحد منهم في ثمن ما قام عليه متاعه من غير بينة ولا يمين؟ فقال لي: نعم، يقبل قولهم، ولا بينة عليهم، ولا يمين إذا تبين صدق قولهم، إلا أن يتهم أحد منهم فيحلف.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه ليس على جرم المركب شيء فيما طرحوا من المتاع للنجاة على ما قاله، وقد بين العلة في ذلك أنه لو كان ظرفا فارغا لنجا، وكذلك ليس على صاحب السفينة شيء في القلوع والأطراف التي تخلص بها السفينة.
وأما ما كان في جوف المركب من قارب وحبال ومواجل فإن ذلك أيضا يقوم على صاحب السفينة، قاله بعض أهل العلم، وهو صحيح على أصل مذهب مالك، في أنه ليس على جرم المركب شيء.
وأما قوله: إنه لا كراء لصاحب المركب فيما طرح من المتاع، فهو على قوله في المدونة، أن كراء السفن على البلاغ، خلاف قول ابن نافع فيها، أن لها بحساب ما بلغت.
وقوله: إن الطعام إذا انخرق ما حجز به بين طعام كل واحد منهم من طعام صاحبه فاختلط، أنه يحكم بينهم فيما فسد منه بحكم الشركة فهو صحيح، إذ لا فرق بين أن يحملوه على الشركة، أو يختلط بغير اختيارهم فيما يجب من أن يكونوا فيه شركاء بحساب ما لكل واحد منهم.
وقد مضى في رسم حلف ذكر اختلاف قول مالك إن كانوا يشتركون فيما طرحوا على الأثمان، أو على القيم، ومتى تكون القيمة في ذلك، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
###: اشتراط رجوع الدابة المكتراة حيث وجد ما يدعو لذلك
ومن كتاب أوله باع غلاما وسئل مالك: عن الرجل يكون له بالإسكندرية البز فيستبطئه فيتكارى الدابة من الفسطاط بدينار إلى الإسكندرية، ويقول لصاحب الدابة: أشترط عليك إن لقيت بزي في الطريق رجعت معه وأعطيتك بحساب ما ركبت، قال: لا بأس بذلك، ولا أحب النقد فيه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول السماع، فلا معنى لإعادة ذلك، وتكررت أيضا في رسم الشجرة.
###: إعطاء المكتري دابة أخرى بدل التي تلفت
ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت وسئل مالك: عن الرجل يتكارى الدابة بعينها إلى موضع، فتهلك الدابة في موضع في بعض الطريق فيريد أن يعطيه بها دابة أخرى يركبها مكان الدابة التي هلكت، قال: لا أحب ذلك، وأراه بمنزلة الدين بالدين.
قال ابن القاسم: قال لي مالك بعد ذلك: إلا أن يكون أصابه ذلك بفلوات الأرض والصحاري والموضع الذي لا يوجد فيه كراء فلا أرى به بأسا.
وأما في الموضع الذي يوجد فيه الكراء فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: إنما لا يجوز هذا إذا كان قد نقد؛ لأن الكراء ينفسخ في الراحلة بعينها بموتها، ويجب للمكتري الرجوع على الكري بما ناب ما بقي من المسافة فإن أخذ منه بذلك دابة أخرى غير معينة كان قد فسخ ما وجب له به عليه الرجوع من الكراء في ركوب لا يتعجله، وكان
ذلك حراما لا يحل ولا يجوز بإجماع، وإن أخذ منه في ذلك دابة معينة يركبها إلى انقضاء كرائه جاز على مذهب أشهب، وأحد قولي مالك في رسم حلف المتقدم، ولم يجز على المشهور في المذهب.
قال ابن حبيب: إلا حيث لا يجد غنى عن ذلك إلى الموضع الذي يجد فيه غنى عنه، كالمضطر إلى أكل الميتة، وهو كما قال إذا فسخ ما بقي له من الكراء في راحلة بغير عينها، وأما إذا فسخه في راحلة بعينها ففيه بعض السعة لما ذكرته من الاختلاف في ذلك، وعلى هذا تكلم في هذه الرواية، والله أعلم، ولذلك قال فيها: لا أحب ذلك، وأراه من الدين بالدين، ولو تكلم على أنه فسخ ما بقي له في دابة بغير عينها، لقال: لا يحل ذلك ولا يجوز؛ لأنه فسخ الدين بالدين، وهو أشد من الدين بالدين.
وقوله: ثم قال (لي) بعد ذلك: إلا أن يكون أصابه ذلك بفلوات الأرض والصحاري، ليس بقول آخر، وإنما هو تفسير لقوله الأول، إذ لا اختلاف في جواز ذلك عند الضرورة.
ولو كان لم ينقد لجاز ذلك من غير ضرورة باتفاق، وبالله التوفيق.
###: سأل المتكاري كراء جديدا بما له عند الآخر من مال
ومن كتاب المحرم يتخذ الخرقة لفرجه
وسئل مالك: عن رجل أكرى رجلا فبقي له عنده بقية كراء، فسأل الكري رجلا آخر أن يحمله بالكراء الذي له عليه ويزيده مع ذلك زيادة.
قال: هذا مكروه وأرجو أن يكون خفيفا.
قال ابن القاسم: ما أراه بضيق وفيه شيء، وأرجو أن يكون خفيفا.
قال ابن القاسم: وإن سأل المتكاري أن يحتال على المكري الأول ورضي بذلك المكري أن يحتال عليه ويزيده مع ذلك فلا خير في ذلك أنكرها سحنون ورآها دينا بدين.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة مشكلة، إذ لم يبين فيها هل كان الكراء الذي بقيت منه البقية مضمونا أو معينا؛ ولا هل كانت البقية منه ركوبا على المكري، أو كراء علي المكتري، وتأويلها يصح على الوجهين، من أن الكراء مضمون ومعين.
فأما إن كان الكراء مضمونا فالمعنى فيها أن المكري عجز عن توصيل المكتري إلى البلد الذي أكراه إليه، وله على المكتري بقية من كرائه لم يستوفها منه، فأكرى له من يوصله إلى ذلك البلد بالبقية التي بقيت له على المكتري وبزيادة يزيده إياها من عنده، فكره ذلك مالك وابن القاسم وخففاه جميعا، ووجه الكراهة في ذلك أنه دين بدين؛ لأن المكتري انتقل في كرائه من ذمة المكري الأول إلى ذمة المكري الثاني.
ووجه التخفيف فيه: أن المكري الأول لما كان هو الذي سأل المكري الثاني أن يحمله بما كان له وعليه وبما زاده، فكأنه اكترى منه ذلك لنفسه، ووجب الكراء له، فلم ينتقل المكتري بذلك عن ذمته إلى ذمة المكري الثاني.
وقول ابن القاسم: وإن سأل المتكاري أن يحتال على المكري الأول إلى آخر قوله، معناه: أنه عجز عن توصيله إلى ذلك البلد، وقد انتقد، فاكترى المكتري من يوصله إلى ذلك البلد بالركوب الذي بقي له على المكري الأول، يحتال به عليه وبزيادة زاده إياها، فلم يجز ذلك؛ لأنه الدين بالدين كما قال سحنون؛ لأن المكتري اكترى ركوبا غير ناجز بالركوب الذي بقي له على المكري الأول وهو غير ناجز أيضا.
وقد قيل: إن المعني في ذلك أن المكري عجز عن توصيله إلى ذلك البلد، وقد انتقد فاكترى المكتري من يوصله إلى ذلك البلد ولم يشترط النقد، ولا كانت سنة الكراء على النقد، فأراد أن يحيله على المكاري الأول بما وجب له به الرجوع عليه، لعجزه عن حمله، فلم
يجز ذلك؛ لأنه يستحيل بما لم يحل له، وهذا تأويل ابن لبابة، والأول هو الصواب؛ لأن الكراء المضمون لا ينفسخ بالعجز، وهو ثابت ما لم يفسخ بالحكم، لضرر يكون على المكتري في إمضائه بفوت الإبان كالحج وشبهه، فعلى هذا التأويل يكون ابن القاسم إنما تكلم على غير المسألة التي تكلم عليها مالك؛ لأنه تكلم على المكري قد انتقد، فلم يبق له بقية من الكراء وبقيت عليه بقية من الركوب، وتكلم مالك على أنه لم ينتقد جميع الكراء، فبقيت له بقية منه، وبقيت عليه بقية من الركوب.
وأما إن كان الكراء معينا فالمعنى فيما كرهه مالك وابن القاسم وخففاه جميعا أن الدابة المكتراة بعينها هلكت قبل الوصول إلى البلد الذي اكتريت إليه، وقد انتقد المكتري كراءه، فوجب أن يرد منه نوب ما بقي من المسافة فاكترى للمكتري دابة بعينها لما بقي من الركوب إلى ذلك البلد بما وجب عليه أن يرده من الكراء وبزيادة زادها، فكرها ذلك جميعا؛ لأن المكتري فسخ ما وجب له به الرجوع على المكري في ركوب دابة إلى ذلك البلد، وخففاه جميعا لانتقاد الدابة وهي معينة، وهذا على ما مضى من اختلاف قول مالك في أول مسألة من رسم حلف.
والمعنى في قول ابن القاسم وإن سأل المتكاري أن يحتال على المكري الأول ورضي بذلك الكري أن يحتال عليه، ويزيده مع ذلك فلا خير فيه، أن المكتري لما ملكت الدابة اكترى دابة لنفسه على ذمته بمقدار ما يجب له به الرجوع على المكري وبزيادة، ثم أحاله على المكري بما وجب له به الرجوع عليه، فوجب ألا تجوز الحوالة؛ لأنه احتال بما لم يحل، إذ لا يجب تعجيل الكراء إلا بشرط أو عرف، وهو معنى الدين بالدين، كما قال سحنون، ولو اكترى المكتري الدابة لنفسه بالدين الذي له على المكري
وبزيادة لجاز، إذ يجوز لمن له دين على رجل أن يبيعه من رجل بتمر لم يبد صلاحه، وبجارية تتواضع، وبركوب دابة، وسكنى دار، وما أشبه ذلك، فعلى هذا يكون ابن القاسم إنما تكلم على المسألة التي تكلم عليها مالك، لا على مسألة أخرى، فهذا وجه القول في هذه المسألة مستوفى وتأويلها على الوجه الأول من أن الكراء مضمون أظهر وأولى، والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: الكري تكون له الإبل يحمل عليها وهو يدملها تحتهم بحملهم عليها فيفلس
مسألة وسئل مالك: عن الكري تكون له الإبل يحمل عليها وهو يدملها تحتهم بحملهم عليها فيفلس، وتحت أحدهم بعير منها، أتراه أحق به من سائرهم؟ قال: نعم، أرى ذلك له.
قال ابن القاسم: وذلك رأيي.
وسئل عنها سحنون، فقال: جيدة، قيل له: سواء كان الكراء في إبل بأعيانها أو كراء مضمونا يكون كل رجل أولى بما تحته من صاحبه إذا فلس الجمال؟ قال: نعم، من أجل أنه لما قدم الكري إلى رجل جملا فكأن كراءه وقع عليه، قلت: فلو أن الجمال تسلف من بعضهم أو تعاين ورهنه ما تحته وتحت أحماله، أترى المرتهن أحق به من سائر أصحابه؟ قال: نعم، قلت: فلو رهنه بعض ما تحت غيره من الجمال، أتراه رهنا جائزا، ويكون أولى به من الغرماء؟ قال: نعم، وهو كالرهن يوضع على يدي عدل.
قيل لسحنون: هل يكون أصحاب الأحمال أولى بما تحت أحمالهم من الإبل كما يكون في
المحامل؟ قال: نعم، قيل له: فإن أراد الحمال أن ينقل تلك الإبل ويديلها بينهم، وأبى ذلك أصحاب الأحمال والمحامل.
قال: لا يكون ذلك للجمال إلا عن رضا من أصحاب الحمولة والمحامل (وهذا في الكراء المضمون وغيره سواء، وكل واحد من أصحاب الحمولة والمحامل) أولى بما في يديه من غيره.
قلت: فلو أن الحمال احتاج فأراد أن يتسلف من بعض الحمولة على أن يرهنه ما بيديه من الإبل أيجوز ذلك؛ وتراه رهنا مقبوضا؟ قال: نعم، ألا ترى إلى قول مالك في الجمال يفلس أن كل واحد منهم أولى بما تحته من غيره من الغرماء ومن أصحابه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إن الجمال إذا فلس فالمكتري منه كراء مضمونا أحق بالجمل الذي أسلم إليه لركوبه، أو لحمل متاعه من غيره من المكترين ومن الغرماء، ومثله في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم من كتاب المديان والتفليس، وفي الرواحل والدواب من المدونة للعلة التي ذكرها من أنه إذا أسلم إليه، فكأن كراءه وقع عليه، إذ ليس له أن يعوضه منه بغيره، فصار كالرهن بيده، فوجب أن يكون أحق به، وهذا إذا كان قد نقد، وأما إذا لم يكن نقد فهو مخير بين أن ينقد ويكون أحق بالجمل، وبين أن يفسخ الكراء عن نفسه ويكون أحق بما عليه.
ولو فلس الجمال قبل أن يسلم إليه الجمل كان إسوة الغرماء إن
كان قد نقد، فما صار له في المحاصة أكرى له به ما بلغ، واتبعه ببقية حقه، ويكون مخيرا إن كان لم ينقد بين أن ينقد ويحاص الغرماء، وبين أن يفسخ الكراء عن نفسه ويكون أحق بما عليه، وهذا ما لا أعلم فيه اختلافا إلا ما وقع من قول غير ابن القاسم في المدونة، وليس الراحلة بعينها كالمضمون، إذ قد قيل: إنه أراد ليست المضمونة كالمعينة في أنه يكون أحق بها في التفليس، وقيل: إنه إنما أراد ليست كالمعينة في اختلافهما في الكراء.
والظاهر أنها ليست عنده كالمعينة في كلا الوجهين.
وأما المعينة فالمكتري إذا فلس الجمال أحق بها قبضها أو لم يقبضها، نقد أو لم ينقد، وهو إذا لم ينقد بالخيار بين أن ينقد ويكون أحق بها، وبين أن يفسخ الكراء ويكون أحق بما عليه.
وأما إجازته أن يرهنه ما تحته وتحت أحماله بما أسلفه فهو بعيد، لكونه في منفعة الراهن، وإجازته أن يرهنه ما تحت غيره من الجمال أبعد؛ لأنه في منفعة الراهن وفي أجرة غيره.
وقوله فيه: إنه كالرهن يوضع على يد عدل ليس ببين، وقد نص في المدونة على أنه لا يكون قبض المستأجر قبضا للموهوب له، فهو أحرى أن لا يكون قبضا للمرتهن، وبالله التوفيق.
###: تداخل الكراء
من سماع أشهب وابن نافع من مالك من الكتاب الأول من البيوع قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع، قال: سئل مالك: عن الرجل يتكارى من الكري بمصر إلى الحج، فإذا ركب موجها، قال للكري: أكر لي إلى مصر، فيتكارى منه وينقده الكراء، فإن بعض أصحابنا تكارى من هاهنا إلى إيلة.
أفرأيت إن بدا لهم أن يتكاروا منه في الطريق إلى مصر وينقدوه الكراء فيما بينهم وبين أن يبلغوا إلى إيلة؟ فقال: لا أرى بذلك بأسا، قيل له: لا ترى بذلك بأسا؟ قد: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إذا جاز أن يكتري منه من مصر إلى الحج ذاهبا وراجعا في صفقة واحدة جاز إذا اكترى منه أولا للذهاب خاصة أن يكتري منه للرجوع وهو في الطريق قبل أن يبلغ الحج، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه، وبالله التوفيق.
مسألة: كراء الدواب يوما بيوم
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يتكارى الدابة إلى مكة، كل يوم بدرهم؟ فقال: ما هذا من بيوع الناس، لعله سيمكث بذلك شهرين، فليس هذا من بيوع الناس، ولكن لو ضرب لذلك أجلا لم يكن بذلك بأس، قيل لمالك: أرأيت لو قال له أتكاراها منك شهرا كل يوم بدرهم؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: أما إذا تكاراها شهرا كل يوم بدرهم فلا كلام ولا إشكال في جواز ذلك، وأما إذا أكراها منه إلى مكة كل يوم بدرهم فلم يجز ذلك هاهنا، وأجاز في المدونة كراء الراحلة بعلفها إلى موضع، وذلك اختلاف من القول، إذ لا فرق بين المسألتين؛ لأنه إن أبطأ في السير كثر عليه العلف، وإن عجل فيه قل العلف، فآل ذلك إلى الجهل بمبلغ
الكراء.
ولو أكرى منه الدابة إلى مكة بعلفها، أو كل يوم بدرهم أسرع في السير أو أبطأ فيه، لم يجز باتفاق؛ ولو أكراها منه إلى مكة بعلفها، أو كل يوم بدرهم على أن يسير سير الناس المعتاد لجاز ذلك باتفاق، فالخلاف إنما هو إذا وقع الكراء مبهما دون بيان، فحمله في هذه الرواية على الظاهر من الوصول إلى مكة، قرب أو بعد فلم يجزه، وحمله في المدونة على الوصول على السير المتعارف فأجازه؛ لأنه إذا كان المعروف عند الناس أن الوصول إلى مكة على السير المتعارف يكون على التمثيل في شهر، فكأنه إنما أكرى منه إلى مكة بثلاثين درهما أو بعلف ثلاثين ليلة، فوجب أن يكون ذلك جائزا، وبالله التوفيق.
مسألة: احتساب أجرة ما انقضى من كراء المنزل
مسألة قيل له: أرأيت من تكارى منزلا شهرا بكذا وكذا، فما سكن فبحساب ذلك؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قوله فما سكن فبحساب ذلك، يريد أن له أن يخرج متى ما شاء، ويلزمه فيما سكن بحساب ذلك، فعلى هذا يكون الكراء في الشهر لازما لصاحب المنزل غير لازم للساكن، وفي ذلك اختلاف قد مضى القول فيه في أول رسم من سماع ابن القاسم، وفي رسم الشجرة، وفي رسم باع غلاما منه، ولو لم يكن الكراء لازما لواحد منهما في الشهر لجاز باتفاق، كمن أكرى داره مشاهرة، وقد مضى القول على هذا في رسم حبل حبلة من سماع عيسى من كتاب كراء الدور والأرضين، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: كراء شق محمل ثم التحول منه إلى الشق الآخر
مسألة وسئل مالك: عمن تكارى من جمال شق محمل بدنانير دفعها إليه ثم أراد أن يتحول من الشق المحمل إلى الزاملة ويرد عليه الجمال من كرائه دنانير، قال: أرجو أن يكون هذا خفيفا.
قيل لمالك: إنه قد كان هذا اكترى شق محمل فطلب منه الكراء كله، فأراد بيع بعض متاعه فلم يجد ثمنا.
فقال له: حولني في زاملة فإنها أقل كراء بدينار، قال: لا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: خفف في هذه الرواية لمن اكترى شق محمل بدنانير فنقدها - أن يتحول من الشق إلى زاملة ويرد عليه الكري من الكراء الذي انتقد دنانير، وهذا في الكراء المعين على ما مضى من اختلاف قوله وقول ابن القاسم في هذا الأصل في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم من كتاب كراء الدور والأرضين، ورسم حمل صبيا من سماع عيسى منه، ولو كان الكراء مضمونا لم يجز ذلك باتفاق على ما يأتي في رسم العرية من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب.
وأما إذا لم ينقد فجائز أن يتحول من الزاملة إلى المحمل، ومن المحمل إلى الزاملة بزيادة ممن كانت منهما، كان الكراء مضمونا أو معينا، وبالله التوفيق.
مسألة: كراء دابة لموضع معين والأجر على قدر العمل
مسألة وسألت مالكا: عمن تكارى دابة إلى موضع بعينه يسميه له على إن تقدم بها فبحساب ما تكارى منه، قال: لا بأس بذلك إذا كان موضعا يسميه، يقول له: إن تقدمت إلى موضع كذا وكذا فبحساب ما تكاريت منك أو كان أمرا معروفا، فهذا لا بأس به.
فقلت له: فكيف يعرف؟ فقال له: يقول له: إنه بلغني أن عبدا لي أبق فهو بذي المروة، فأكر لي إليها دابتك بكذا وكذا، وما تقدمت فبحساب ذلك، أو يقول أكر لي دابتك إلى السفرة ألتقي الأمير عليها، فما تقدمت فبحساب ذلك، فهذا لا بأس به؛ لأنه أمر له وجه يعرف، فلا بأس بما تكارى هكذا إذا كان له وجه يعرف به، أو تكارى على أنه إن تقدم إلى موضع كذا وكذا فبحساب ذلك.
فهذان جميعا لا بأس بهما إن سمى، وإن لم يسم إذا كان لما لم يسم من ذلك وجه يعرف.
فأما أن يقول: أتكارى منك دابتك إلى موضع كذا وكذا بدينارين على أني ما بلغت من الأرض كلها بحساب ذلك، فأرى هذا لا خير فيه، مرة يذهب إلى العراق، ومرة يذهب إلى المغرب، فهذا لا خير فيه، ولا يصلح حتى يكون إلى موضع معلوم إذا بلغه كان بحساب ما تكارى منه، أو يكون أمر له وجه يعرف به، مثل أن يقول: ألتقي الأمير إلى ذي خشب بكذا وكذا، فإن تقدمت فبحساب ذلك، فهذا له وجه يعرف، لا بأس به وإن لم يسم موضعا يعرف بعينه؛ لأن وجه
ذلك ونحوه معروف لا بأس به.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
###: نقص الطعام من الحمال الذي يحمله
ومن كتاب الأقضية الثاني وسئل: عن رجل يحمل الطعام فينقص عليه، قال: أرى أن يترك لهم من ذلك ما ينقص من بين الكيلين من الطعام، قيل له: أرأيت إن جاءه به ينقص أكثر مما ينقص بين الكيلين فأراد أن يستحلفه ويغرمه فضل ذلك؟ فقال: ليس له ذلك، إذا أراد أن يغرمه فلا يستحلفه.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قال: إنه إذا نقص الطعام فليس له أن يرجع عليه إلا بما نقص زائدا على ما يعرف أنه ينقص بين الكيلين.
وقوله: إنه إن أغرمه فليس له أن يستحلفه - صحيح؛ لأن الطعام لا يعرف بعينه إذا غيب عليه، فهو لو نكل عن اليمين لم يكن عليه إلا المثل، فلما كان نكوله ويمينه بمنزلة سواء، لم يكن ليمينه معنى، بخلاف من وجب عليه ضمان ما يعرف بعينه إذا غيب عليه من العروض، هذا يحلف ويغرم؛ لأنه يتهم على أنه أراد أن
يأخذ العرض بقيمته، فإن حلف غرم القيمة، وإن نكل عن اليمين حبس حتى يحلف أو يرد العرض بعينه، ولا كان حمله في مركب فجاء به مبلولا ضمن إن كان بللا مفسدا، ولو لم يكن مفسدا لم يلزمه ضمانه، وكان عليه تجفيفه، وإن كان بلله يزيد فيه لزمته اليمين إنه ما تعمد بله؛ لأنه يتهم أن يكون قد سرق منه، ثم بله ليزيد فيه ما سرق منه، وإن كان البلل لا يزيد فيه فلا يمين عليه ولا ضمان عليه، إلا أن يكون البلل مفسدا، والرواية بذلك كله موجودة عن مالك، ذكرها ابن أبي زيد في النوادر، وبالله تعالى التوفيق.
###: كراء الدابة لطائفة لا يدرون متى انصرافهم
وفي كتاب أوله مسائل بيوع ثم كراء وسئل مالك: عن الرجل يكري دابته إلى الصائفة وهم لا يدرون متى ينصرفون، فقال: قد عرفوا وجه ذلك وأرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: إنما أجاز الكراء في الصائفة إلى رجوعها؛ لأنه رأى ذلك معروفا على عادة قد جروا عليها لا تختلف في أغلب الأحوال، فإن وقع الكراء على ما يعرفون فتأخرت عن القدر المعروف أو تعجلت عنه لأمر عرض كان له كراء مثله فيما زاد، وحط من كرائه بقدر ما نقص.
والصائفة: العسكر الذي يغزو بلاد العدو في الصائفة، وبالله التوفيق.
###: مخالفة المكترين لشرط الكراء
ومن كتاب الأقضية وسئل مالك: عن الرجل يتكارى من أكرياء أهل مصر إلى
الحج ولا يشترط عليهم أن يمروا به على المدينة، ثم يريد منهم ذلك ويأبوا إلا أن يتساحلوا، أترى ذلك للمتكاري عليهم؟ قال: نعم، في رأيي إلا أن يخاف فوات الحج.
قال محمد بن رشد: إنما رأى ذلك للمتكاري عليهم بالعرف الجاري في ذلك، والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: نقص الطعام من الحمال الذي يحمله
مسألة قال: وسئل: عمن استحمل كريا طعاما فنقص عليه أكثر من الذي يوضع في النقصان بصاعين أو ثلاثة، فقال رب الطعام: أنا آخذ هذا النقصان وأستحلف حامل الطعام على ما نقص من نقصان الناس ما خانه، فقال: إن أغرمته فلا تحلفه، وإن أحب رب الطعام أن يحلفه ولا يأخذ شيئا فذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه ليس له أن يحلفه في النقصان المعروف ما خانه؛ لأن ذلك معروف، فلا يلزمه فيه غرم ولا يمين.
وأما الزائد على النقصان المعروف فواجب عليه غرمه، ولا يحلف مع الغرم للمعنى الذي قد ذكرناه قبل هذا في رسم الأقضية الثاني، ولا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
###: كراء السفينة
ومن البيوع الأول وسئل: عمن أكرى سفينة بكذا وكذا دينارا، وله عليه
ضربتان: ضربة في الشتاء، وضربة في الصيف، قال: لا بأس بذلك، قيل له: يا أبا عبد الله، إنما مسيرها بالريح فإن طابت الريح أسرعت، وإن ركدت أبطأت، حتى ربما أقامت في المرسى العشرة الأيام، فقال لي: إن كان ذلك شيئا يختلف فلا خير فيه، وإن كان لا يختلف فلا بأس به.
قلت له أيضا: إنما مسيرها بالريح، فإن طابت الريح أسرعت وإن ركدت أبطأت.
فقال: إن كان هكذا فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنه أكرى سفينة للعام بكذا وكذا، واشترط على المكتري أن يسافر بها سفرتين إلى موضع معلوم، سفرة في الشتاء، وسفرة في الصيف، فوجب ألا يجوز الكراء إلا أن يكون مقدار ما تقيم السفينة في السفرتين معلوما كما قال؛ لأن المعلوم متى استثني منه مجهول كان الباقي مجهولا، وبالله التوفيق.
مسألة: رجوع مكتري الدابة من بعض الطريق
مسألة قال: وسئل: عن الذي يتكارى الدابة من المدينة إلى مكة فيسير بعض الطريق ثم يبدو له أن يرجع إلى المدينة، أيكون لصاحب الدابة الكراء كله؟ قال: إي لعمري، قيل له: أرأيت إن أراد أن يركبها إلى موضع آخر مثل مكة؟ فقال: إن كان مثل الموضع الذي تكارى إليه في السهولة فذلك له، ربما كان المكانان أحدهما أقرب من الآخر، وهو أعلى كراء للحزونة والحجارة، فإن كان مثله فذلك له.
قال محمد بن رشد: أوجب في هذه الرواية على المتكاري الكراء كله إذا رجع من الطريق، وقال: إن له أن يركبها إلى موضع آخر مثل مكة
يريد مثل ما قصر عنه من البلوغ إلى مكة في طريق مثله في السهولة، ولم يفرق بين أن يكون قد سار قبل أن يرجع أقل الطريق أو أكثره، خلاف قول ابن القاسم في رسم كتاب المدينين من آخر سماع عيسى في تفرقته بين أن يكون رجع بعد أن سار من الطريق الشيء اليسير، مثل البريد والبريدين، أو بعد أن سار جله، وهذا الاختلاف مبني على القول بأن من أكرى دابة إلى موضع فله أن يركبها إلى موضع آخر إذا كان مثله في السهولة أو الحزونة، والقياس على ذلك قول مالك.
وجعل ابن القاسم رجوعه بعد أن سار جل الطريق رضا منه بترك باقي حقه.
وليس ذلك ببين في القياس؛ لأنه يقول ما تركت بقية حقي ولا رجعت إلا على أن أركب في طريق آخر مثل ما قصرت عنه إلى البلد الذي اكتريت إليه، ونهاية ما عليه أن يحلف ما رجع إلا على ذلك، ولا رضي بترك بقية حقه على القول بلحوق يمين التهمة، إذ لا يمكن للمكري أن يدعي علم نيته.
وأما على القول بأن من اكترى دابة إلى موضع فليس له أن يركبها إلى موضع آخر وإن كان مثله في السهولة والحزونة إلا برضا صاحب الدابة وهو قول ابن القاسم في المدونة، أو بأنه ليس له أن يركبها إلى موضع آخر وإن رضي بذلك صاحب الدابة؛ لأنه دين بدين، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة، فيلزمه جميع الكراء إذا رجع من الطريق وإن لم يسر منه إلا يسيرا، وليس له أن يركب الدابة ولا
يستعملها في شيء، وهو قول ابن نافع في رسم المدينين المذكور، وقد مضى هذا المعنى في آخر أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة، وبالله التوفيق.
مسألة: اشتراط الضمان على الحمال
مسألة وسئل: عمن حمل على جمال من الفسطاط إلى القلزم مائة إردب، وقال له: أضمنها، فقال: لا أفعل المائة تنقص أربعة أرادب، وهو بالنقصان الذي يحاز لهم، فيقول له صاحب الطعام: فأنا أعطيك الأربعة الأرادب النقصان، وتضمن المائة الأرادب توفينيها بالقلزم وأكتبها عليك، (وقال) - بعد إطراقه -: أرأيت إن نقصت المائة (الأرادب) إردبا واحدا، أيربح الكري لنفسه ثلاثة أرادب يذهب بها إلى بيته.
لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إن ذلك لا يجوز؛ لأنه أخذ للضمان ثمنا وهو ما استوفر له من الأربعة الأرادب التي زاده على المائة من أجل النقصان المعروف فيما بين الكيلين، وبالله التوفيق.
مسألة: الصلح في الكراء
مسألة وسئل: عمن تكارى من كري ظهرا إلى الحج فلما كان
من أمر حميس ما كان وأرادوا الخروج إلى مكة، وتراجع الناس من الطريق جاءه الكري، فدعاه إلى الخروج فأبى أن يخرج معه، فذهب الرجل إلى السلطان، فقال له: اخرج مع كريك بعض المناهل أو دعه لي حتى تجتمعا، فخاف أن يقضي عليه السلطان فصالح الكري على أن يقيله ويؤخره بالكراء إلى الجذاذ، هل له أن يأخذ كراءه الآن؛ لأنه خاف من حميس وخاف أن يقضي عليه بذلك السلطان؟
فقال: ما أرى ذلك له، وأرى ذهبه إلى أجلها الذي أخذها إليه؛ لأنه لم يقض عليه سلطان، فجاء يخاصم في قضائه، إنما صالحه طائعا بذلك، فأرى ذلك له لازما، وهو رجل صالح صلحا فهو له لازم، وأنا أرى ذلك الكراء غير لازم لهما في مثل هذه الفتنة، أتقحمهم على الفتن؟ فلذلك رأيت ألا بأس عليه أن يؤخره دنانيره إلى الجذاذ، إنما له دنانيره يأخذها إلى الجذاذ فلا بأس به.
ولو كان الكراء عندي لازما لم يصلح أن يفسخ كراؤه في دنانيره إلى الجذاذ، ولكن إنما رأيت له دنانيره فأخذها إلى الجذاذ.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن الحكم يوجب فسخ الكراء من أجل الفتنة الواقعة المانعة من الخروج، وأن يأخذ دنانيره التي نقده إياها معجلة، فتأخيره إياها معروف صنعه ليس له أن يرجع فيه، ولا عذر له فيما اعتذر به مما خاف من جور السلطان في أن يقضي عليه بالخروج، ولعله لا يفعل.
وإنما كان يكون له الرجوع في التأخير لو أخره بعد أن قضى عليه بالخروج، وبالله تعالى التوفيق لا رب غيره.
###: اختلاف المتكاريين في رد العين المؤجرة
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم
من كتاب استأذن سيده في تدبير جاريته وسئل ابن القاسم: عن الرجل يستكري الدابة أو الشيء ثم يدعي أنه قد رده ويدعي صاحبه أنه لم يرده، قال: إذا دفعه إليه ببينة فهو له لازم إلا أن يرده ببينة، وإن كان دفعه إليه بغير بينة فقوله مقبول ولا غرم عليه، وهو بمنزلة المؤتمن.
قيل له: فلو قال المكتري: ذهب مني، قال: إذا يصدق ولا يكون عليه غرم شيء، كان مما يغاب عليه أو مما لا يغاب عليه؛ لأنه لا ضمان عليه فيه، وفي العارية إذا ادعى الرد فإن كان مما يغاب عليه فهو ضامن، قبضه ببينة أو بغير بينة، وإن كان مما لا يغاب عليه فادعى الرد، فقوله مقبول إذا كان قبضه بغير بينة، فإذا كان قبضه ببينة لم يبرئه إلا بالبينة، وقد سمعت مالكا، وسئل: عن رجل اكترى حمارا وعليه سرج ولجام فزعم أن السرج واللجام سرقا، وقال: لا شيء عليه.
وقال ابن القاسم: ولو أن رجلا استعار دابة بسرجها ولجامها ثم زعم أنها هلكت أو سرقت كان ضامنا لسرجها ولجامها ولم يكن عليه ضمان في الدابة، قال ابن القاسم: والعارية مخالفة للكراء إذا كان مما يغاب عليه فادعى الهلاك في العارية غرم ولم يصدق.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة كلها على معنى ما في المدونة من قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
وتحصيل القول فيها: أن الأشياء المقبوضة من أربابها على غير وجه الملك لا تخلو من أن تكون
قبضت لمنفعة أربابها خاصة كالودائع والبضائع وشبه ذلك، أو لمنفعة القابضين لها خاصة؛ كالعواري والرهون، أو لمنفعتهما جميعا كالقراض، والشيء المستأجر.
فأما ما قبض لمنفعة أربابها خاصة فالقابض فيها مؤتمن مصدق في دعوى التلف دون يمين إلا أن يتهم فيستحلف، عينا كان أو عرضا أو حيوانا لا يغاب عليه، وكذلك ما قبض لمنفعتهما جميعا كالقراض، والشيء المستأجر؛ لأنه تغلب فيه منفعة أربابها من أجل أنه أملك بمتاعه لو شاء لم يدفعه.
وأما ما قبض لمنفعة القابض كالعواري والرهون فالقابض ضامن لما يغاب عليه من ذلك، إلا أن يقيم البينة على التلف، ومصدق فيما لا يغاب عليه من الحيوان يدعي أنه قد تلف مع يمينه إلا أن يتبين كذبه.
وما كان من ذلك يصدق فيه في دعوى التلف من الوديعة والبضاعة والقراض والشيء المستأجر، وما لا يغاب عليه من الرهون والعواري فالقول فيه قوله في دعوى الرد مع يمينه، إلا أن يكون قبضه ببينة.
وقد روى أصبغ عن ابن القاسم في أول سماعه بعد هذا أن القول قول المستأجر في أنه قد رد ما استأجر وإن كان قبضه ببينة، وكذلك يلزم على قوله في القراض والوديعة خلاف ما تأول عليه أصبغ، وما كان من ذلك لا يصدق فيه في دعوى التلف مما يغاب عليه من العواري والرهون، فلا يكون القول فيه قوله في دعوى الرد، وعليه إقامة البينة في ذلك إلا ما يدل عليه ما وقع في آخر سماع أبي زيد من كتاب الوديعة من أنه يصدق في رد الرهن إذا قبضه بغير بينة، وأشهب يراه ضامنا لما يغاب عليه من العواري والرهون وإن أقام البينة على التلف، وقد روى ذلك عن مالك، وكذلك يلزم على قياس قوله فيما لا يغاب عليه من الحيوان، وبالله التوفيق.
مسألة: اشتراك متكاريين في دابة بالتناوب
مسألة وسئل: عن رجلين تكاريا شق محمل واشتريا حمارا على أن
يركبا الحمار بالدول: هذا يوم وهذا يوم، فأتى يوم واحد منهم في عقبة إيلة فأكرى الحمار ومشى راجلا، لمن يكون الكراء وصاحب المحمل قد مشى أيضا راجلا؟ قال: الكراء للذي كان يومه في ركوب الحمار، وليس لصاحب المحمل في الكراء شيء وإن كان مشى راجلا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه حقه في ذلك اليوم في ركوب الحمار، فإن شاء ركبه وإن شاء أكراه وأخذ كراءه، وبالله التوفيق.
مسألة: جعل المكتري مالا لمن يأتيه الدابة الضالة
مسألة وسألت ابن القاسم: عن الرجل يكري دابته الرجل أو يعيرها فتضل منه فيجعل المكتري جعلا لمن يأتيه بها فيأتيه بها، على من يكون ذلك الجعل؟ قال: على صاحبها إلا أن يشاء أن يسلمها بجعلها.
قال محمد بن رشد: يريد أنه يكون الجعل للمجعول له على المكتري الجاعل، ويكون صاحب الدابة بالخيار، إن شاء أخذ دابته وأدى الجعل، وإن شاء أسلمها له بجعلها، وهذا إذا كان الجعل الذي جعل للرجل فيها جعل مثله فأقل، وأما إن كان جعل له أكثر من جعل مثله فيلزمه
للمجعول له ما جعل، ولا يكون له على صاحب الدابة إلا جعل مثله إن أراد أن يفتك دابته.
وقد مضى في رسم القضاء المحض من سماع أصبغ من كتاب الجعل والإجارة لمحمد بن المواز ما يدل على هذا، فقف على ذلك وتدبره، وبالله التوفيق.
###: سؤال المكتري الحمال الزيادة والتغيير في الحمل
ومن كتاب العرية وسئل: عن الرجل يتكارى الزاملة إلى مصر، فلما ركبها سأل الجمال أن يحوله في محمل ويزيده دينارا، أو كان تكارى محملا فسأل الجمال أن يحوله إلى زاملة ويرد عليه دينارا، أو الحمال هو الذي سأله ذلك ويكون قد نقد الكراء أو لم ينقد، ويكون قد ركب أو لم يركب، قال ابن القاسم: لا بأس بكل ذلك، إلا أن يكون نقد، فإن كان نقد لم يصلح للجمال أن يزيد شيئا إلا أن يكون ركب وسار بعض الطريق فلا بأس بزيادة الجمال؛ لأن الجمال إذا زاد شيئا قبل الركوب كان سلفا وكراء، وإذا ركب وسار بعض الطريق خرجا من التهمة.
فأما أن يزيده الراكب ويحمل على محمل فلا بأس به، ركب أو لم يركب، نقد أو لم ينقده.
قال محمد بن رشد: في بعض الروايات: فإن كان نقد لم يصلح للجمال أن يرد شيئا، وفي رواية ابن لبابة: أن يزيد كما وقع هاهنا،
والمعنى في ذلك سواء؛ لأنه إذا زاد فهو يرد الزيادة مما قبض، وهذا لا يجوز في الكراء المضمون باتفاق، ويجوز في المعين على اختلاف.
فإن كان تكلم في هذه الرواية على كراء معين فهو خلاف ما مضى من قول مالك في أول رسم من سماع أشهب، والأولى أن يحمل هذا على الكراء المضمون، فلا يكون خلافا لما مضى في سماع أشهب؛ ولم ير انتقاله من المحمل إلى الزاملة، ومن الزاملة إلى المحمل فسخ دين في دين؛ لأنه ركوب في الوجهين جميعا، فيقرب بعضه من بعض، ولو أراد أن يتحول من الزاملة أو المحمل إلى جمل الأحمال والأعكام أو من جمل الأحمال والأعكام إلى ركوب زاملة أو محمل بزيادة من أحدهما أو من غير زيادة لم يجز؛ لأنه فسخ دين في دين على ما قاله في أول سماع أصبغ بعد هذا، ويجوز ذلك على مذهب ابن الماجشون فيما حكى عنه ابن حبيب من أنه يجوز أن يتكارى الرجل من المدينة إلى مكة دواب بأعيانها صفقة واحدة لمحامل وركبان ورجعته بأحمال مجلدة، أو الأحمال المجلدة هي الأول، والمحامل والركبان في الرجعة؛ لأن ذلك كله مشتبه، ولا يجوز أن يتكارى منه ظهرا بعينه لسقي شجر أو زرع مدة معلومة ومن بعدها حجة أو عمرة، أو لحجة وعمرة ومن بعدها سقي زرع أو شجرة وجيبة واحدة؛ لأنهما شيئان متباينان مختلفان.
وتحصيل هذا أن الكراء ثلاثة أجناس متوالية: أولها الركوب، ثم الحمل، ثم السقي والحرث، فيجوز أن يحول الركوب بعضه في بعض وإن اختلفت صفاته فكان بعضه زوامل وبعضه محامل، والحمل بعضه في بعض وإن اختلفت صفاته فكان بعضه أخفى من بعض وأكثر كراء، والحرث والسقي بعضه في بعض وإن اختلفت أيضا؛ لأن كل جنس منها يقرب بعضه من بعض، ولا يجوز على مذهب ابن القاسم تحويل جنس من هذه الأجناس في الآخر، ويجوز على مذهب ابن الماجشون تحويل الركوب في الحمل لقرب ما بينهما، وتحويل الحمل في السقي والحرث لقرب ما بينهما أيضا، ولا يجوز عنده تحويل الركوب في السقي والحرث لبعد ما بينهما.
وهذا في الكراء المضمون، ولا يجوز شيء منه في الكراء المعين إلا على القول بأن قبض أوائل الكراء قبض
لجميع الكراء، وهو أصل قد اختلف فيه قول مالك على ما مضى في رسم حلف من سماع ابن القاسم، وسواء في ذلك كله كان بزيادة أو بغير زيادة إلا أن تكون الزيادة من المكري على اختلاف حسبما ذكرناه، وبالله التوفيق.
مسألة: زيادة حمل أدى إلى عطب البعير بدون علم صاحبه
مسألة وقال في رجل اكترى بعيرا له من رجل يحمل عليه فزاد على حمله ما يعطب في مثله، ثم رد البعير إلى صاحبه وقد أنقصه وأهزله، فلما رأى صاحبه نحره، ثم علم بعد بزيادة الرجل وعطب البعير إلى صاحبه من ذلك، فما ترى؟
قال ابن القاسم: ينظر إلى قيمة البعير يوم أتى به، وينظر إلى فضل ما بين قيمته يوم تعدى ويوم رده إليه، فيكون صاحب البعير مخيرا إن أحب أن يرجع بفضل ما بين القيمتين فذلك له، وإن أحب أن يكون له الكراء ما تعدى مما زاد فذلك له، وذلك أن مالكا قال في الرجل يكتري من الرجل بعيره على حمولة فيزيد عليها فيعطب - قال: إن كانت تلك الزيادة لا يعطب في مثلها فليس له إلا كراء ما زاد مع الكراء الأول، وإن كان يعطب في مثلها فهو مخير في قيمة البعير يوم تعدى، أو كراء ما زاد، فمسألتك إذا نحره قبل أن يعلم فله فضل ما بين القيمتين، أو كراء ما زاد إن أحب، ورواها أصبغ.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة في سماع أبي زيد من كتاب كراء الدور والأرضين، وتقدم القول عليها هناك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: تلف الحمل بسبب عثر الدابة أو عطبها
مسألة وسئل: عن الرجل يكري للبان يحمله على الإبل والدواب أو لحمولة شيء فتعثر الدابة أو ينقطع الحبل، أو تربض الدابة فينكسر ما عليها؟
قال مالك: كل ما جاء من سبب الحمال من قطع حبل أو عثر دابة أو ربضها أو نحو ذلك أو سفينة تغرق، فكل هذا إذا وقع فلا شيء للكري على رب المتاع فيما حمل ولا فيما بقي ويفسخ الكراء فيما بينهما، فإن كان غر الكري من دابته وهو يعرفها عثورا أو ربوضا أو نحو ذلك، أو غر من حبله فهو ضامن لما تلف ولا كراء له، وكل شيء أصاب المتاع من غير سبب الحمال من لصوص ذهبوا بالمتاع، أو سيل أو حرق فإن جميع الكراء لازم لرب المتاع فيما حمل وفيما بقي، ويقال له: احمل مثل متاعك الذي ذهب إلى المكان الذي اكتريت إليه، فإن شاء حمل، وإن شاء ترك، وجميع الكراء لازم له.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في بعض الروايات وهي صحيحة على قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وقد مضى في سماع أبي زيد من كتاب كراء الدور والأرضين من القول عليها ما فيه كفاية، وبالله التوفيق.
###: طرء الكراء على الكراء
ومن كتاب أوصى أنه ينفق على أمهات أولاده قال ابن القاسم: ولا بأس أن يكتري الرجل إلى طرابلس
بشيء مسمى لكل حمل أو كل محمل وينقد كراء طرابلس فقط، ويشترط أنه إذا جاء طرابلس فإن بدا له أن يبلغ إلى إفريقية فبحساب ذلك، وذلك لازم للكري إن أراد ذلك المستكري، فإن بدا له أن يتاركه تاركه.
وأما أن يكتري إلى إفريقية وينقد كراء إفريقية ويشترط إذا جاء طرابلس فتركه حاسبه، أو يكتري إلى طرابلس ويشترط إذا جاءها فإن بدا له أن يمضي إلى إفريقية مضى، وإن أراد أن يتاركه تاركه وينقد الكراءين جميعا: كراء طرابلس، وكراء إفريقية، فهذا لا يحل، وهذا بيع وسلف إلا ألا ينقد الكري شيئا، فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في أول سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: ضمان العطب الناشئ عن زيادة الحمل
مسألة وقال في الذي يكتري على حمولة أرطال مسماة فيزيد عليها زيادة يعطب في مثلها: إنه ضامن في الإبل كلها، وإنما مثل ذلك كرجل اكترى دابة إلى الإسكندرية، ثم تعدى بها يريد إلى ترنوط فهلكت فهو ضامن، يريد: ولو خطوة واحدة.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة أن التعدي في الزيادة، بخلاف التعدي في المسافة، لا يضمن إذا عطب في الزيادة، إلا أن تكون زيادة يعطب في مثلها، ويضمن إذا عطب في الزيادة في المسافة وإن قلت، وكان لا يعطب في مثلها؛ لأن ذلك عداء صرف لم يؤذن له فيه، بخلاف إذا عطبت من الزيادة؛ لأنه مأذون له في تسييرها حيث
عطبت.
وقد قال أبو إسحاق التونسي: إنه لا فرق بين الموضعين على التحقيق؛ لأنه إنما أذن له في تسييرها على صفة فوجب أن يضمنها إذا سيرها على غير الصفة التي أذن له في تسييرها عليها، وهو مخير بين أن يضمنه القيمة أو يأخذ منه كراء ما زاد في المسافة بالغة ما بلغت، أو كراء الزيادة بالغة ما بلغت بأن يقوم كراء الحمل دون زيادة وبالزيادة، فيكون له عليه ما بين القيمتين إن أراد أن يترك تضمينه، قاله في المدونة وغيرها، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يريد أن يعقب الرجل في شق محمله ويأبى الحمال
مسألة وقال، في الرجل يريد أن يعقب الرجل في شق محمله ويأبى الحمال ذلك، قال: ذلك له إذا حمل مثله وليس للحمال أن يمنعه.
قال أصبغ: إن أعقب راكبا مريحا، كان ذلك له؛ لأنه مثله، وإن أعقب ماشيا فليس ذلك له؛ لأن ركوبهما مختلف، هو يكون أضر على البعير وأثقل عليه.
قال محمد بن رشد: الظاهر من قول ابن القاسم أن له أن يعقب ماشيا إذ لا غرض لأحد في أن يعقب راكبا، وقول أصبغ هو القياس، ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم أن ذلك أمر معروف قد جرى عليه الناس، فكأن الكري قد دخل عليه، وذلك إذا فعله المرة بعد المرة في الفرط على ما جرت به العادة، وكذلك قال مالك في كتاب ابن المواز: إذا كان عقبة بعد العقبة، وبالله التوفيق.
###: اختلاف المتكاريين في محل انتهاء الكراء
ومن كتاب سلف دينارا في ثوب إلى أجل وقال في الذي يتكارى من الرجل، فيختلفان، فيقول الكري:
أكريتك إلى المدينة، ويقول المتكاري: تكاريت منك إلى المغرب - إن القول قول الكري ويتحالفان ويفسخ الكراء بينهما، وذلك إذا كانا في البلد لم يخرجا، وإن قال: تكاريت منك إلى مكة، وقال الكري: أكريتك إلى المدينة تحالفا وفسخ الكراء بينهما إلا أن يشاء المتكاري أن يركب إلى حيث سمى الحمال، وإن قال: أكريت منك إلى مكة، وقال الحمال: أكريتك إلى المدينة، وقد خرجا وسارا بعض الطريق فإن كان الحمال قد قبض الكراء فالقول قوله يمضي به حيث قال الحمال، ليس للمتكاري غير ذلك.
وإن كان لم يقبض الكراء فالقول قول المتكاري، وعلى الحمال أن يحمله إلى المدينة ويتحالفان ويتفاسخان من ذلك المكان، ثم يقسم الكراء فينظر كم بين المدينة إلى مكة، وكم هو من البلدة التي اكتري فيها إلى البلد الذي قال الحمال وتحالفا فيها، فإن كان الذي ركب ثلاثة أرباع الطريق دفع إلى الحمال ثلاثة أرباع الكراء وحبس الربع، فعلى هذا يحسب.
قلت: فإذا تناكرا في الكراء، فقال هذا: عشرة، وقال صاحب الظهر: خمسة عشر، وقد سارا أو لم يسيرا، فقال: إن كانا لم يسيرا تحالفا وتفاسخا، وإن كانا قد سارا فالقول قول المتكاري، وصاحب الظهر مدع؛ لأن المتكاري قد انتقد حمولته، قال: فإن قال: أكريتك إلى المدينة، وقال المتكاري: أكريت منك إلى مكة، وذلك في أيام الحج، فالقول قول المتكاري إذا كان في أيام الحج، ويحلف إذا كانت حمولته محامل وزوامل، فأما إن كان عكوما وأعدالا فالقول قول الكري إذا كان قد انتقد.
وإن تكارى منه كراء مضمونا إلى أجل ثم اختلفا بحضرة إيجاب
الكراء، أو قرب ذلك في عدة الرواحل تحالفا وتفاسخا، وإن لم يختلفا حتى حل الأجل الذي يركب إليه فاختلفا، فقال: أكريت منك عشرة رواحل بمائة دينار، وقال الآخر: بل أكريت منك خمس رواحل بمائة دينار، فالقول قول الكري إذا كان يشبه، وكذلك لو سلف مائة دينار في قمح إلى أجل، فلما حل الأجل قال: إنما أسلفتكها في ثلاثمائة إردب.
وقال البائع: بل في مائتي إردب، فالقول قول البائع إذا كان يشبه، فإن لم يكن يشبه فالقول قول المشتري إذا جاء أيضا بما يشبه، فإن لم يشبه نظر إلى سلم الناس يوم تبايعا فحملا عليه.
قال محمد بن رشد: قال: إذا اختلف المتكاريان في غاية المسافة، مثل أن يقول الكري أكريتك إلى المدينة، ويقول المتكاري: تكاريت منك إلى المغرب، يريد: والمدينة في طريق المغرب، أو يقول الكري: أكريتك إلى المدينة، ويقول المتكاري: تكاريت منك إلى مكة أنهما يتحالفان ويتفاسخان إذا كانا في البلد لم يخرجا، يريد: وكذلك إن خرجا إلى موضع قريب لا ضرر عليهما في الرجوع منه، وصفة أيمانهما أن يحلف الكري ما أكرى منه إلى المغرب، وما أكرى منه إلى مكة وليس عليه أن يزيد في يمينه، ولقد أكرى منه إلى المدينة، ولا أن يحلف ما أكرى منه إلا إلى المدينة، إلا أن يشاء ذلك، رجاء أن ينكل صاحبه عن اليمين، فلا يحتاج أن يحلف مرة أخرى، فإن حلف حلف المكتري، ما أكرى منه إلى المدينة، وليس عليه أن يزيد في يمينه ولقد اكترى منه إلى مكة أو إلى المغرب، ولا أن يحلف ما اكتريت منه إلا إلى مكة أو ما اكتريت منه إلا إلى المغرب، إذ لا فائدة لحلفه على ذلك، فإن حلفا جميعا انفسخ الكراء بينهما، وكذلك إن نكلا جميعا على مذهب ابن القاسم وهو قول شريح في المدونة فإن حلفا ترادا، وإن نكلا ترادا، وعلى ما ذهب إليه ابن
حبيب أنهما إن نكلا كان القول قول المكري دون يمين على حكم المدعي والمدعى عليه أن القول قول المدعى عليه دون يمين إذا نكل المدعي بعد نكوله، وكما يكون القول قول من أقام شاهدا على حقه دون يمين إذا نكل المدعى عليه بعد نكوله بعد أن يحلف لقد أكرى منه إلى المدينة وهو صحيح من التأويل؛ لأن اليمين التي نكل عنها إنما هي التي ألزم إياها، وهي ما أكرى منه إلى مكة، وأما يمينه لقد أكرى منه إلى المدينة فلم ينكل عنها إذا لم يمكن منها، ولا ألزم إياها، وإنما يحلفها باختياره، نظرا لنفسه حسبما ذكرناه، وقد ذكرنا هذا المعنى في رسم الصبرة من سماع يحيى من كتاب جامع البيوع.
وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف منهما، إن نكل المكري أولا حلف المكتري لقد اكترى منه إلى مكة أو إلى المغرب ووجب له ذلك، وإن حلف المكري أولا ثم نكل المكتري عن اليمين لزمه الكراء إلى المدينة إن كان المكري حلف أولا أنه أكراه إلى المدينة أو أنه ما أكراه إلا إلى المدينة.
وأما إن كان حلف ما أكراه إلى مكة أو إلى المغرب فلا بد له أن يحلف إذا نكل المكتري ثانية بالله لقد أكراه إلى المدينة، وسواء في هذا على مذهب ابن القاسم انتقد المكتري الكراء أو لم ينتقد.
وقال غيره في المدونة: إن كان انتقد فالقول قوله، وسواء في هذا أتيا بما يشبه (أو بما لا يشبه) أو أتى أحدهما بما يشبه والثاني بما لا يشبه على المشهور في المذهب، وقال ابن وهب: إن أتى أحدهما بما يشبه والثاني بما لا يشبه كان القول منهما قول من أتى بما يشبه، وقد روى هذا القول عن مالك، ويقوم ذلك من قول ابن القاسم في هذه الرواية أنهما إذا اختلفا فقال الكري: أكريتك إلى المدينة، وقال المكتري: اكتريت منك إلى مكة - إن القول قول المكتري، إذا كان ذلك في أيام الحج، وكانت حمولته