كتاب الصلاة الثالث
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال محمد بن رشد: الاختيار أن يصلي على الأرض دون حائل؛ لأن ذلك من التواضع الذي هو الشأن في الصلاة.
وقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال.
«يا رباح عفر وجهك في التراب» ، ولأنه العمل القديم؛ لأن مسجد مكة والمدينة كانا محصبين غير مفروشين، فالصلاة على حائل مكروهة إلا أن يكون الحائل مما يشاكل الأرض ولا يقصد به الترفه والكبر، كحصر الحلفاء والبردي والدوم وشبه ذلك مما تنبته الأرض بطبعها.
وقد أجاز محمد بن مسلمة الصلاة على ثياب الكتان والقطن؛ لأنهما مما تنبته الأرض.
والأظهر ما ذهب إليه مالك؛ لأن الأرض لا تنبتهما بطبعها؛ ولأن ذلك مما فيه الترفه.
وإذا كانت العلة في هذا القصد إلى التواضع وترك ما فيه الترفه، فالصلاة مكروهة على حصر السيجان وما أشبهها مما يشترى بالأثمان العظام ويقصد به الكبر والترفه والزينة والجمال، والله أعلم.
مسألة: الصلاة فوق السطوح التي ليست بمحظورة أيجعل بين يديه سترة
مسألة وسألته عن الصلاة فوق السطوح التي ليست بمحظورة، أيجعل بين يديه سترة أم يصلي ولا يجعلها؟ فقال: يجعل سترة أحب إلي، فإن لم يقدر فأراه واسعا، وكذلك الصلاة في الصحاري إلى سترة، فإن لم يجد صلى إلى غير سترة.
قلت له: ولا يجعل خطا؟ قال: لا يجعل خطا، وأرى ذلك واسعا.
قلت له: فأدنى الذي يستر المصلي في صلاته؟ فقال: مثل مؤخرة الرحل في الطول على غلظ الرمح في الغلظ.
قيل له: فعصا الحمار؟ فقال: ما أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: في هذه الرواية السترة من هيئة الصلاة وشأنها وسنتها، فكره الصلاة دون سترة، وإن كان بمكان يأمن أن يمر فيه أحد بين
يديه.
وعلى ما في " المدونة " إنما أمر المصلي بالسترة؛ لتكون سترة له ممن يمر بين يديه، [فإذا صلى بمكان يأمن أن يمر أحد بين يديه] جاز أن يصلي إلى غير سترة.
وكذلك إن صلى على سطح غير محظور أرفع من قامة الإنسان جاز أن يصلي إلى غير سترة وإن مر الناس أمامه دون السطح.
وقوله: لا يجعل خطا وأرى ذلك واسعا، [أي أرى واسعا أن] يصلي إلى غير سترة إذ لم يجد سترة، لا أنه رأى الخط إذا لم يجد سترة ووسع في تركه؛ لأن الخط عنده باطل لا يراه، وجد السترة أو لم يجدها.
وقد روي أن أمة بالمدينة نظرت إلى ابن جريج وقد خط خطا يصلي إليه، فقالت: واعجبا لهذا الشيخ وجهله بالسنة! فأشار إليها أن قفي، فلما قضى صلاته قال: ما رأيت من جهلي؟ قالت: لأنك تخط خطا تصلي إليه، وقد حدثتني مولاتي عن أمها عن أم سلمة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الخط باطل، وإن العبد إذا كبر تكبيرة الإحرام سدت ما بين السماء والأرض» ، فسألها تقفوه إلى مولاتها ففعلت، فحدثته بذلك فقال لها: تبيعينها مني أعتقها، فإنه ينبغي أن يحفظ من روى شيئا من العلم، قالت: ذلك إليها، فعرض ذلك عليها فقالت: لا حاجة لي بذلك؛ لأن مولاتي قد حدثتني عن أمها عن أم سلمة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا اتقى العبد ربه ونصح مواليه فله أجران» فلا أحب أن أنقص أجرا، ولو كان هذا لقد كانت مولاتي عرضت ذلك علي على أن تعطيني من مالها بالعقيق ما يكفيني.
وقوله في قدر السترة في الطول والغلظ هو مثل ما في " المدونة "، ولم ير أن يجتزئ في ذلك بقدر عصا الحمار في
الغلظ، وهو المنغاس، وكذلك لم ير في " المدونة " أن يجتزئ بالسوط لرقته؛ لأنه لا يثبت إذا أقيم، وقال ابن حبيب: لا بأس أن تكون السترة دون مؤخرة الرحل في الطول أو دون جلة الرمح في الغلظ، وقد كانت العنزة التي كانت تركز لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دون الرمح في الغلظ.
وإنما يكره من ذلك ما كان رقيقا جدا، قال: ولا يكون السوط سترة لرقته إلا أن لا يوجد غيره، وبالله التوفيق.
مسألة: يقعد يقعد للناس يحدثهم بعد الظهر في المسجد
مسألة قال: وكان عمر بن الخطاب يقعد بعد الظهر في المسجد.
قال محمد بن رشد: يريد: يقعد للناس يحدثهم بما يأتيه من أخبار الأجناد، ويحدثونه عن أحاديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال ذلك مالك في سماع ابن القاسم من الجامع عندما ذكر الصلاة بين الظهر والعصر، ففي هذا جواز التحدث في المسجد في الأمر المباح دون لغط ولا رفع صوت، وأن مذاكرة العلم في هذا الوقت أفضل من الصلاة.
وقد مضى القول في هذا في رسم "صلى نهارا" من سماع ابن القاسم.
ويحتمل أن يريد أنه كان يقعد فيه للحكم بين الناس والنظر في أمور المسلمين.
وقد جاء في بعض الآثار عنه أنه بلغه أن أبا موسى الأشعري يقضي بالعراق في دار سكناه، فبعث إليه رسولا من المدينة وأمره أن يضرمها عليه نارا، فذهب الرسول إلى أن دخل العراق، فوافى أبا موسى في الدار يقضي، فنزل عن بعيره وأوقد النار في بابها، فأخبروا أبا موسى بذلك، فخرج فزعا، فقال له: ما بالك؟ فقال: أمرني أمير المؤمنين أن أضرمها عليك نارا لالتزامك القضاء فيها، ثم انصرف الرسول من فوره ذلك، فلم يعد أبو موسى إلى القضاء في داره.
فلا ينبغي للقاضي أن يقضي إلا في المسجد؛ لأن ذلك أقرب إلى التواضع وليصل الناس إليه، فإن ضمته ضرورة إلى القضاء في داره فتح بابه ولم يحجب عنه أحدا، وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: حكم تارك الصلاة
مسألة قال: وسألته عمن ترك الصلاة، قال: يقال له: صل، وإلا ضربت عنقه.
قال محمد بن رشد: يريد أنه تضرب عنقه إن أبى أن يصلي حتى خرج الوقت مغيب الشمس للظهر والعصر أو طلوعها للصبح، أو طلوع الفجر للمغرب والعشاء.
وهذا ما لا اختلاف فيه في المذهب، وإنما الاختلاف هل يقتل على ذنب أو على كفر، فمن أهل العلم من رآه بترك الصلاة كافرا يقتل على الكفر، فلا يرثه ورثته على ظاهر ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قوله: «من ترك الصلاة فقد كفر» ، «ومن ترك الصلاة فقد حبط عمله» ، «ومن ترك الصلاة حشر مع هامان وقارون» ، وقوله: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فذلك المسلم له ذمة الله، ومن أبى فهو كافر وعليه الجزية» ، وقوله لمحجن: «ما منعك أن تصلي معنا ألست برجل مسلم؟» . وقول عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
وما أشبه ذلك من الآثار.
وليس نفس ترك الصلاة كفرا على الحقيقة، وإنما هو دليل على الكفر، فمن رآه بترك الصلاة كافرا حكم له بحكم الكفر ولم يصدقه في قوله: إني مؤمن، إذا أبى أن يصلي، فهذا وجه تكفير تارك الصلاة، وهو بين قائم من قول أصبغ في سماع عيسى من كتاب المحاربين والمرتدين لمن تأمله، وأما من جحد فرض الصلاة فهو كافر بإجماع، يستتاب ثلاثا، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وبالله التوفيق.
مسألة: الإمام يتعمد أن يقرأ بسورة فيها سجدة
مسألة قلت له: سمعتك تكره للإمام أن يقرأ بسورة فيها سجدة مخافة اختلاط ذلك على من وراءه، أرأيت إن كان من خلفه قليلا
لا يخاف أن يخلط عليهم؟ فقال: لا أرى بذلك بأسا، وإن ناسا ليفعلون ذلك.
قال محمد بن رشد: معناه: فيما يجهر فيه، وكرهه في " المدونة " بكل حال؛ إذ لا يأمن أن يخلط على بعضهم وإن كانوا قليلا.
وكره ذلك ابن القاسم للفذ وحكى أنه هو الذي رأى مالكا ينحو إليه، وذلك لما يخشى أن يدخل على نفسه بذلك من السهو، والله أعلم؛ إذ قد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كان يقرأ يوم الجمعة بسورة السجدة فسجد فيها، وبسورة "هل أتى على الإنسان» وبالله التوفيق.
مسألة: المصلي يهوي إلى السجود، فإذا أراد أن يسجد ذكر أنه لم يركع
مسألة وسألته عن المصلي يهوي إلى السجود، فإذا أراد أن يسجد ذكر أنه لم يركع، قال: يرجع قائما فيركع مكانه ويسجد، ولو أنه قرأ قبل أن يركع كان أحب إلي، ثم يركع ويسجد، فإذا قضى الصلاة سجد سجدتي السهو بعد السلام.
قال محمد بن رشد: وكذلك لو ذكر ذلك بعد أن سجد يرجع قائما فيركع ويلغي ما سجد، ولو ذكر وهو قائم في الثانية لركع وكانت له أولى صلاته، وسجد في جميع ذلك بعد السلام.
ولا اختلاف أحفظه في هذه المسألة، وإنما الاختلاف فيمن كان مع الإمام فترك الركوع معه بسهو أو غفلة أو نسيان أو زحام أو اشتغال حتى سجد الإمام، وقد مضى القول في ذلك محددا في رسم "كتب عليه ذكر حق" من سماع ابن القاسم، وتأتي المسألة متكررة في أول سماع عيسى في رسم "لم يدرك منه".
مسألة: تشبيك الأصابع في المسجد
مسألة وسئل عن تشبيك الأصابع في المسجد أيكره ذلك؟ فقال:
لا، فقال له أبو المثنى: أخبرني من رأى عبد الله بن هرمز محتبئا قد شبك بين أصابعه، فقال مالك: إن ناسا ليصنعون ذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "أوله نذر سنة " من سماع ابن القاسم مجردا، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا.
مسألة: يأتي والإمام راكع فيركع معه ولا يدري أستمكن من الركوع أم لا
مسألة وسئل عن الذي يأتي والإمام راكع فيركع معه، ولا يدري أركع فاستمكن من الركوع قبل أن يرفع رأسه أم لا، أيعتد بها؟ فقال: لا يعتد بها، وأحب إلي إن كان مثل هذا وخاف أن لا يدري أركع معه أم سبقه بالركوع أن يدع الركوع معه؛ لئلا يخلط على نفسه فلا يدري أهي من صلاته أم لا.
ومن الأئمة أئمة يمكنون الناس حتى يركعوا، ومن الأئمة أئمة يعجلون فلا يستمكن معهم.
قال محمد بن رشد: قوله: لا يعتد بها، معناه أنه يلغيها ويقضيها بعد سلام الإمام ويسجد بعد السلام، فجعله كمن شك في ركعة وهو مع الإمام، ولم يراع قول من قال إن الركعة تجزئه وإن شك في تمكنه فيها مع الإمام، أو لعله راعاه وأخذ بالإلغاء كمن ترك قراءة أم القرآن في ركعة.
وقال ابن القاسم في رسم "جاع " من سماع عيسى: إنه يسلم مع الإمام ويعيد الصلاة ولا يأتي بركعة مخافة أن تكون خامسة، إذ قد قيل: الركعة مجزئة عنه وإن شك في تمكنه فيها مع الإمام، وهو قول مالك في مختصر ما ليس بالمختصر لابن شعبان، قال: لا أحب أن يركع معه إذا خاف أن لا يدرك الركعة مخافة أن يخلط على نفسه، فإذا ركع وشك فلا أرى أن يعيد تلك الركعة، وذكر عن مجاهد أنه كان يقول: إذا وضعت كفيك على ركبتيك فقد أدركت الصلاة.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال كمن ترك قراءة الحمد في ركعة: أحدها: أنه
يعتد بالركعة وتجزئه صلاته، والثاني: أنه لا يعتد بها ويلغيها ويقضيها، والثالث: أنه يعتد بها ثم يعيد الصلاة احتياطا، وبالله التوفيق.
مسألة: صلى بسورة فخنقته العبرة فسكت فتركها وقرأ بأخرى
مسألة قال: وقال لي مالك: قرأ عمر بن عبد العزيز: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: 1] حتى انتهى إلى ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: 14] ، فخنقته العبرة فسكت، ثم عاد فقرأ حتى بلغها فخنقته العبرة فسكت، فلما رأى ذلك تركها وقرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: 1] .
قال محمد بن رشد: هذا من فعل عمر بن عبد العزيز نهاية الخوف لله تعالى، ومن بلغ هذا الحد فهو من أهل الجنة بفضل الله تعالى، قال الله -عز وجل-: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] . وقد روى الصلت عن ابن القاسم أنه لا يطلق على من حلف بالطلاق أن عمر بن عبد العزيز من أهل الجنة.
وسئل مالك عن ذلك فتوقف وقال: عمر بن عبد العزيز إمام هدى -أو قال: رجل صالح- وفضائله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أكثر من أن تحصى.
وقول ابن القاسم بالصواب أولى؛ لأن الأمة قد أجمعت على الثناء عليه والشهادة عليه بالخير، وهي معصومة.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «-: "لن تجتمع أمتي على ضلالة» ، وقال: «أنتم شهداء الله في الأرض، فمن أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النار» ، وبالله التوفيق.
مسألة: يسبق الإمام بالسجود ثم يسجد الإمام وهو ساجد
مسألة وسألته عن الذي يسبق الإمام بالسجود ثم يسجد الإمام وهو ساجد، أيثبت الرجل على سجوده [أم يرفع رأسه ثم يسجد حتى يكون سجوده بعد سجود الإمام؟ فقال: بل يثبت على سجوده كما هو] إذا أدركه الإمام بسجوده وهو ساجد.
قال محمد بن رشد: وكذلك الذي يسبق الإمام بالركوع يرفع ما لم يركع الإمام، فإن ركع الإمام ثبت على ركوعه ولم يرفع رأسه حتى يكون ركوعه بعد ركوع الإمام.
ولا كلام في هذين الوجهين، وإنما الكلام إذا سبق الإمام بالرفع من الركوع أو السجود، فحكى ابن حبيب أن ذلك بمنزلة الذي يسبق الإمام بالسجود أو الركوع، يرجع راكعا أو ساجدا حتى يكون رفعه مع الإمام، إلا أن يلحقه الإمام قبل أن يرجع، فليثبت معه بحاله ولا يعود إلى الركوع ولا إلى السجود، وهو محمول عند من أدركنا من الشيوخ على أنه مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وقد رأيت له نحوه في " النوادر " من رواية ابن القاسم.
وقد روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: "إذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد، فإذا رفع الإمام رأسه فليمكث قدر ما رفع قبله"، بدليل ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قوله: «لا تبادروني إلى الركوع والسجود، فإني قد بدنت، وإني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم به إذا سجدت تدركوني به إذا رفعت» ، ومن قوله: «إن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم فتلك بتلك» ؛ لأن ذلك يدل على وجوب قضاء ما سبقه به الإمام من الركوع والسجود حتى يستوفي قدر
ركوع الإمام وسجوده.
فإذا وجب على من رفع من ركوعه أو سجوده قبل الإمام فرجع إلى الركوع أو السجود أن يثبت راكعا أو ساجدا بعده قدر ما رفع قبله؛ ليستوفي قدر ركوع الإمام أو سجوده على ما روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وعلى ما دل عليه ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجب على من رفع من ركوعه أو سجوده قبل الإمام فلحقه الإمام قبل أن يرجع إليهما حتى يقضي ما فاته منهما.
وقد حكى ابن سحنون أنه رأى أباه سحنونا يفعل ذلك.
فإن قال قائل: إذا لزمه أن يرجع إلى الركوع والسجود ليستوفي ما فاته منهما، فيلزمه أيضا في الذي يسبق الإمام بسجوده ثم يسجد الإمام وهو ساجد أن يرجع إلى القيام ليستوفي ما فاته منه.
قيل له: لا يلزم ذلك.
والفرق بين الموضعين أن الركوع والسجود شرع فيهما التطويل، فانبغى أن يقضي ما فاته منهما، والقيام بعد الركوع لم يشرع فيه التطويل، فلم يجب أن يقضي ما فاته منه، وكذلك الجلوس بين السجدتين، ولا يلزمنا على هذا القيام قبل الركوع، إذ قد شرع فيه التطويل؛ لأنه موضع مخصوص بالإجماع، والله أعلم.
مسألة: حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمامة بنت زينب في الصلاة
مسألة قال: وسألته عن حمل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمامة بنت زينب بنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على رقبته يحملها إذا قام ويضعها إذا سجد، أذلك جائز للناس اليوم على حب الولد أو الضرورة؟ فقال: ذلك جائز على حال الضرورة إلى ذلك، فأما من يجد من يكفيه ذلك فلا أرى ذلك ولا أرى ذلك على حب الرجل ولده.
قال محمد بن رشد: حمل مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من هذا على أنه إنما فعله لحاجة وضرورة، فأجاز ذلك عند الضرورة، ولم يجز ذلك لغير الضرورة ولا على حب الرجل ولده.
فإن فعل
ولم يشغله عن صلاته فلا إعادة عليه، قاله ابن القاسم في سماع موسى بن معاوية، وينبغي أن يحمل على التفسير؛ لقول مالك: وليس في الأحاديث ما يدل على أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل ذلك من ضرورة، وظاهرها العموم.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن ذلك كان في أول الإسلام، وحين كان يجوز في الصلاة الكلام، ثم نسخ ذلك كما نسخ الكلام، فروي «عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] ، فأمرنا بالسكوت والقنوت والخشوع والإقبال على الصلاة وترك الاشتغال بغيرها من فعل ومن قول» . وقد مضى العمل في الصدر الأول وما بعده على ترك مثل هذه الأفعال في الصلاة، فدل على أنهم علموا النسخ فيها؛ إذ لا يجمعون على خلاف ما فعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا بعد ثبوت نسخ ذلك عندهم، والله أعلم.
مسألة: الرجل يدخل المسجد يصلي والصبي أمامه في الصف
مسألة وسئل عن الرجل يدخل المسجد يصلي والصبي أمامه في الصف وهو ممن لا يتحفظ في الوضوء، فقال: أرجو أن يكون ذلك واسعا.
قال محمد بن رشد: قوله: أرجو أن يكون ذلك واسعا يدل على أن الاختيار عنده أن يتنحى عنه حتى لا يكون في قبلته، وسيأتي بيان هذا في رسم "الجواب" من سماع عيسى.
مسألة: المسافرين ينزلون بالقرية فيحبسهم الرجل فيقدموه ليتم بهم الصلاة
مسألة وسئل عن المسافرين ينزلون بالقرية، فيحبسهم الرجل من أهل القرية، فيريدون أن يقدموه ليتم بهم الصلاة.
فقال: لا أحبه،
أحب إلي أن يقدموا رجلا منهم ليقصر بهم.
قال: وبلغني أن سالم بن عبد الله كان يسافر، فيقال له إذا نزل القرية: هذا أمير القرية وهذه الصلاة وهذه الجمعة، فلا يأتيه.
قلت له: ولم ترك ذلك يا أبا عبد الله؟ فقال: أرى ذلك أنه يجب أن يصلي صلاة المسافر ويكون على حاله، ما كان ألزم الناس لما أدركوا عليه أوليتهم وما ذلك بسواء.
أما إذا نزل المسافرون برجل في غنمه أو قريته، فأرادوا أن يجمعوا معه فأرى ذلك ولا أرى به بأسا؛ لأنه أحق بمنزله ومسجده، وكان ابن عمر يصلي بمنى مع الإمام أربعا، فإذا صلى وحده صلى ركعتين.
ولقد كان منزله واسعا لو شاء صلى وحده، فما أرى بذلك بأسا.
قال: وصاحب المنزل أولى بالصلاة بهم، فقلت: وإن كان عبدا؟ قال: نعم وإن كان عبدا.
وقد كان عبد لعائشة يؤمها في الصلاة وعندها ناس يصلي بها وبهم.
قلت له: أيؤم العبد في رمضان؟ قال: أما في مساجد الجماعات فلا، وأما في أهله فلا بأس بذلك.
قال الإمام أبو الوليد: قد مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم وفي رسم "شك في طوافه" منه القول في تقديم المسافرين للمقيم ليتم بهم الصلاة، وفي رسم "باع غلاما منه " الوجه في كون صاحب المنزل أولى بالإمامة فيه، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك هنا، وبالله التوفيق.
مسألة: يأتي المسجد المرتفع المعلق والصلاة قائمة أيصلي تحته بصلاته
مسألة وسئل عن الذي يأتي المسجد المرتفع المعلق على العمد والصلاة قائمة فلا يجد فيه موضعا، أيجزئه أن يصلي تحته بصلاته؟ فقال: ما يعجبني أن يصلي أمامه، ولكن لو صلى في الفضاء من
ورائه.
فقلت له: أرأيت القوم يكونون في السفينة فتضيق عنهم فيكون بعضهم فوقها وبعضهم فيها، فقال: ليس السفينة مثل هذا ولا بأس بذلك، صاحب السفينة في البحر لا يجد بدا من ذلك.
قيل له: فأين أحب إليك أن يكون الإمام؟ فقال: لا أدري أي ذلك أصوب؟ أرأيت لو لم تضق السفينة أين كان يكون الإمام؟ قيل: أرأيت إذا كان القوم تضيق عليهم السفينة حتى لا يقدروا أن يصلوا إلا جلوسا، أيصلون؟ قال: إن كانوا لا يقدرون على البر ولا على الصلاة قياما فأرى ذلك لهم.
قال محمد بن رشد: مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن الإمام إذا صلى بقوم في موضع مرتفع جاز للرجل أن يصلي بصلاته في موضع أخفض منه، إلا أن يكون أمام الإمام، فإنه يكره ذلك له ابتداء، فإن فعل أجزأته صلاته.
هذا معنى قوله في " المدونة "، وهو نص قوله في هذه الرواية في المسجد المرتفع المعلق على العمد.
وأجاز في السفينة إذا صلى الإمام فوقها بمن معه أن يصلي من فيها بصلاتهم وإن كانوا أمام الإمام؛ إذ لا يجدون من ذلك بدا كما قال؛ لأنه موضع ضرورة.
وكذلك على مذهبه إذا صلى الإمام بقوم في موضع منخفض جاز للرجل أن يصلي صلاتهم في مكان أرفع منه؛ لأنه لم يكره في " المدونة " الصلاة على قيقعان وأبي قبيس بصلاة الإمام في المسجد الحرام إلا من أجل بعدهما عن الإمام مع ارتفاعهما، لا من أجل ارتفاعهما خاصة، إلا أن يكون الموضع الذي صلى عليه ظهر المسجد والإمام مع جماعته داخل المسجد، فاختلف في ذلك قول مالك في " المدونة " أجازه مرة وكرهه أخرى، بخلاف الجمعة؛ إذ لم يختلف قوله في أن الجمعة لا يصليها أحد فوق ظهر المسجد، فإن فعل أعاد في الوقت وبعده، قاله ابن القاسم في " المدونة "، ومالك في " المبسوطة "، وقيل: لا إعادة عليه، وهو قول أشهب ومطرف وابن الماجشون وأصبغ في " المدنية "، وقال ابن الماجشون: جائز للمؤذن أن
يصلي الجمعة فوق ظهر المسجد؛ لأنه موضع أذانه، وظهر السفينة هو موضع الركوب، فإن ضاقت السفينة عن أهلها فكان بعضهم فوقها وبعضهم أسفلها صلى الذين فوق بإمام، والذي أسفل بإمام، قاله في " المدونة "؛ لأنهما موضعان، فإن لم يكن لهم إلا إمام واحد فالاختيار أن يكون فوق حيث معظم الناس، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية: أرأيت لو لم تضق السفينة أين كان يكون الإمام؟ بخلاف المسجد إذا كان له طبقتان لا يجوز أن يصلي في كل طبقة إمام، ويصلي الإمام بالجماعة في إحدى الطبقتين، فإن لم تحمل الطبقة الواحدة الجماعة فالاختيار أن يصلي الإمام أسفل، ويصلي فوق من الناس من ضاقت عنهم الطبقة، فإن صلى الإمام فوق وصلى أسفل من الناس من ضاقت عليهم الطبقة العليا جاز، ولا ينبغي أن يكون الإمام وحده دون الجماعة في موضع أرفع منهم ولا أخفض إلا أن يكون ذلك يسيرا، فإن فعل بقصد إلي ذلك لتكبره عليهم أو تكبرهم عليه أعادوا في الوقت وبعده؛ لأنهم عابثون.
وإن صلى الإمام في مكان أرفع ممن خلفه من غير قصد إلى ذلك، مثل أن يكون الإمام فوق سقف السفينة والقوم تحته فيصلون على حالهم فقد أساؤوا، وصلاتهم تامة.
وكذلك لو افتتح الرجل صلاته في موضع مرتفع فأتى قوم فائتموا به.
واختلف إذا كان الإمام أسفل والقوم فوق السقف، فقال في " المدونة ": لا بأس بذلك.
وعلى ما في سماع موسى بن معاوية لا ينبغي ذلك؛ لأنه قال: إذا كان الإمام أرفع ممن خلفه، أو كان من خلفه أرفع منه فلا بأس به إذا تقارب ذلك فساوى بين الوجهين.
يشد جبهته بالأرض حتى يؤثر فيها السجود فيبدو ذلك للناس
مسألة وقد رأى سعد بن أبي وقاص رجلا بين عينيه سجدة، فدعاه فقال: منذ متى أسلمت؟ فقال: منذ كذا وكذا، فقال له سعد: فأنا قد أسلمت منذ كذا وكذا، فهل ترى بين عيني شيئا؟ قال محمد بن رشد: كره له سعد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن يشد جبهته
بالأرض حتى يؤثر فيها السجود فيبدو ذلك للناس؛ إذ ليس ذلك المراد بقول الله -عز وجل-: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29] ، وإنما هو ما يعتريهم من الصفرة والنحول بكثرة العبادة أو سهر الليل، وقيل: إن ذلك في الآخرة لا في الدنيا، ولعله اتهمه أن يكون قصد بذلك ليعرف به؛ فلذلك وبخه بما قرره عليه في الرواية، والله أعلم.
وقد روي أن عمر بن عبد العزيز استعمل عروة بن عياض على مكة، فاستعداه عليه رجل ذكر أنه سجنه في حق، فلم يخرجه من السجن حتى باع ماله منه بثلاثة آلاف وقد كان أعطاه به ستة آلاف، فأبى أن يبيعه منه واستحلفه بالطلاق ألا يخاصمه في ذلك أبدأ، فنظر عمر إلى عروة ونكت بالخيزران بين عينيه في سجدته ثم قال: هذه غرتني منك -لسجدته- ولولا أني أخاف أن تكون سنة من بعدي لأمرت بموضع السجود فقور، ثم قال للرجل: اذهب فقد رددت عليك مالك ولا حنث عليك.
وبالله التوفيق.
مسألة: أذان الصبي وإقامته وإمامته للبالغين
مسألة وسئل: أيكره من أذان الصبي وإقامته ما يكره من إمامته؟ فقال: نعم، لا يؤذن الصبي ولا يقيم إلا أن يكون مع نساء أو في الموضع الذي لا يوجد غيره، يغيب الرجل فيؤذن لهم ويقيم كذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المؤذن معلم بالأوقات، مؤتمن على مراعاتها، مصدق قوله فيها؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن» فلا يصح أن يؤتمن ويصدق إلا من تعلم أمانته وتجوز شهادته، وبالله التوفيق.
مسألة: يسهو فيتكلم وهو جالس قبل السلام
مسألة وسئل عن الذي يسهو فيتكلم وهو جالس قبل السلام، قال: يسجد سجدتين.
قيل: أرأيت إن أحدث قبل السلام؟ قال: يعيد الصلاة.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على المذهب لا يخرج من الصلاة إلا بالسلام؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها السلام» فسواء على المذهب تكلم أو أحدث بعد التشهد قبل السلام أو في أثناء صلاته.
وأهل العراق يقولون: إذا جلس في آخر صلاته مقدار التشهد فقد خرج من الصلاة وإن لم يسلم، ويتعلقون بما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أحدث الرجل وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته» . فعلى قولهم لا يضره الحدث ولا الكلام بعد الجلوس وقبل السلام.
وقد راعى ابن القاسم قولهم في رسم "يدير ماله " من سماع عيسى فقال: إن الإمام إذا أحدث بعد التشهد، فتمادى حتى سلم بهم متعمدا أن صلاتهم مجزئة، يريد: وتبطل عليه هو.
يصلي المرء جالسا أو متوكئا على عصا
مسألة قال لي: رأيت صفوان بن سليم يصلي وهو متوكئ على عصا، قد جعل على رأسها عصائب من خرق يمسك عليها يديه جميعا، فيجعل إحدى يديه على الأخرى يجعلها أمام وجهه، فقلت لمالك: أفترى ذلك في النافلة؟ فقال: لا بأس بذلك في النافلة
والمكتوبة إذا كان من ضعف.
قلت له: فأحب إليك أن يصلي المرء جالسا أو متوكئا على عصا؟ فقال: إن قدر أن يتوكأ على عصا فأحب إلي أن يصلي متوكئا من أن يجلس في المكتوبة والنافلة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إذا لم يقدر على أن يستقل قائما إلا أن يعتمد على شيء فقد سقط عنه فرض القيام، وجاز له أن يصلي جالسا في المكتوبة، وإن كان أحب إليه أن يصلى قائما متوكئا؛ لأنه لما سقط عنه فرض القيام صار له نافلة وفضيلة كما هو في النافلة.
مسألة: الرجل الضعيف أترى أن يصلي قائما بالسورة القصيرة
مسألة قيل له: أرأيت الرجل الضعيف أترى أن يصلي قائما بالسورة القصيرة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ، أو أحب إليك أن يصلي جالسا ويقرأ من السور الطوال في الصبح والظهر؟ قال: أحب إلي أن يصلي قائما.
قال محمد بن رشد: قوله: أحب إلي أن يصلي قائما، لفظ فيه تجاوز وليس على ظاهره، بل الواجب عليه أن يصلي قائما] ولو لم يقدر منه إلا على قدر ما يقع فيه أم القرآن لم تجزئه صلاته جالسا؛ لأن القيام عليه فرض، والتطويل مستحب، فلا يسقط الفرض عنه بضعفه عن الاستحباب، وهذا بين، والله أعلم.
مسألة: المريض لا يجد من يعطيه الماء ولا يقدر على أخذه
مسألة وسألته عن المريض لا يجد من يعطيه الماء ولا يقدر على أخذه، فقال: يتيمم ويصلي، قلت له: وترى أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها؟ قال: لا، بل إلى وسط الوقت.
وسألته عن أبي لؤلؤة حين طعن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - طعنه وهو في الصلاة أو قبل؟ فقال: قبل أن يدخل في الصلاة.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المريض الذي لا يجد من يعطيه الماء ولا يقدر على أخذه يتيمم ويصلي، صحيح لا اختلاف فيه؛ لأنه غير واجد للماء ولا قادر عليه، والله -عز وجل- يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43] . وإنما اختلفوا في المريض الذي لا يقدر على مس الماء لمرضه وهو واجد له، فمن حمل الآية على ظاهرها ولم يقدر فيها تقديما ولا تأخيرا رآه من أهل التيمم، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في " المدونة "، ومن قدر فيها تقديما وتأخيرا لم يره من أهل التيمم؛ لأنه يعيد شرط عدم الماء على المرض والسفر، وهو قول مالك في أول رسم "الشريكين" من سماع ابن القاسم من كتاب الوضوء، وقد مضى القول عليه هناك.
وقوله: إنه يؤخر إلى وسط، القول هو مثل ما في " المدونة "، ويريد به وسط الوقت المختار.
والوجه في ذلك أن فضيلة الماء أفضل من فضيلة أول الوقت، فهو يؤخر الصلاة عن أول وقتها رجاء أن يجد الماء الذي هو أفضل، فإن لم يجده إلى وسط الوقت [المختار] أمر أن يتيمم ليدرك فضيلة ما بقي من الوقت مخافة أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت فلا يجد الماء، فتفوته الفضيلتان جميعا.
وذهب ابن حبيب إلى أنه يؤخر إلى آخر الوقت المستحب ثم يتيمم ويصلي، فإن وجد الماء في بقية من الوقت أعاد.
وقول مالك أظهر؛ لما ذكرناه، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يدخل المسجد والإمام ساجد
مسألة وسئل عن الرجل يدخل المسجد والإمام ساجد، فقال:
الصواب أن يسجد ولا يعتد بذلك من صلاته، قيل له: أرأيت الذي إذا رآهم سجودا أرفق في المشي حتى يسبقوه بتلك السجدة؟ فقال: ما أرى أن يفعل.
قيل: أرأيت إذا جاء وهو ساجد فكبر ثم سجد معه إذا قام، أيبتدئ بتكبيرة الإحرام أم تكفيه تلك التكبيرة؟ فقال: تكفيه تلك التكبيرة.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يسجد السجدة التي أدركها مع الإمام ولا يعتد بها، هو مثل ما في " المدونة " وغيرها، ولا اختلاف فيه، وإنما أوجب عليه أن يسجدها مع الإمام؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون واتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا» وهو مدرك لها مع الإمام فوجب أن يصليها، وإنما وجب أن يلغيها ولا يعتد بها ويقضيها لأن الركوع والسجود كشيء واحد، فإذا وجب أن يقضي الركوع الذي لم يدرك وجب أن يقضي السجود المتصل به؛ لقول عبد الله بن عمر: إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة، فهو مدرك للسجدة في وجوب اتباع الإمام فيها، وفي حكم من لم يدركها في وجوب قضائها بعد سلام الإمام.
وقوله: إنه يكتفي بتلك التكبيرة التي كبر حين دخل مع الإمام، ولا يكبر إذا قام خلاف ما في " المدونة " من أنه إذا أدرك الإمام في التشهد الآخر قام بتكبير، إلا أنه صحيح على قياس ما أصله فيها من أنه إذا جلس مع الإمام في موضع ليس له موضع جلوس قام بغير تكبير، فهو تناقض من قوله في " المدونة "، وقد فرق بين المسألتين بتفاريق لا تسلم من الاعتراض، وبالله التوفيق.
مسألة: يقرأ في نفسه في الصلاة لا يسمع أحدا
مسألة وسئل عن الذي يقرأ في نفسه في الصلاة لا يسمع أحدا
ولا نفسه، ولا يحرك به لسانا، قال: ليست هذه قراءة، وإنما القراءة ما حرك به اللسان.
ولا بأس أن يرفع المرء صوته بالقراءة إذا كان وحده وكان في بيته، ولعل ذلك يكون أنشط له وأقوى له على ذلك.
وقد كان الناس بالمدينة يرفعون أصواتهم بالقراءة من جوف الليل، حتى إن القوم يريدون السفر فيقولون: موعدكم الساعة التي يقوم فيها القرآن.
قال محمد بن رشد: أما قراءة الرجل في نفسه ولم يحرك بها لسانه ليست بقراءة، صحيح؛ لأن القراءة إنما هي النطق باللسان، وعليها تقع المجازاة.
والدليل على ذلك قول الله -عز وجل-: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286] ، وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تجاوز الله لأمتي عفا حدثت به أنفسها مما لم ينطق به لسان أو تعمل به يد» ، فكما لا يؤاخذ الإنسان بما حدثت به نفسه من الشر ولا يضره، فكذلك لا يجازى على ما حدث به نفسه من القراءة أو الخير المجازاة التي يجازى بها على تحريك اللسان بالقراءة وفعل الخير.
وأجاز للذي يصلي من الليل أن يرفع صوته بالقراءة، وإن كان في ذلك إظهار لعمله؛ لما في ذلك من العون له على الصلاة والنشاط عليها؛ لقوله: لا بأس بذلك، واستحب ذلك له في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم، وقد مضى القول هنالك في وجه ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: يجد الإمام راكعا قبل أن يصل إلى الصف
مسألة وسئل عن الذي يجد الإمام راكعا، قال: أحب إلي ألا يركع
حتى يصل إلى الصف، قيل: أرأيت الذي يدخل وقد أحرم الإمام، أيحرم أم يمشي فيصل الصف؟ قال: بل يؤخر ذلك حتى يصل الصف ثم يكبر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] ، وهذا يمشي.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "اغتسل على غير نية" من سماع ابن القاسم مستوفى، فلا وجه لإعادته.
مسألة: متى يكبر في عيد الفطر
مسألة قال: وسألته متى يكبر في عيد الفطر؟ قال: يكبر حين يغدو إلى المصلى إلى أن يرقى الإمام المنبر وإلى أن يسكت الإمام عن التكبير.
قال: وينزل إلى العيدين من مثل ما ينزل به للجمعة ثلاثة أميال.
قال محمد بن رشد: قد مضى في آخر رسم "حلف بطلاق امرأته" من سماع ابن القاسم القول في التكبير في العيدين، وفي رسم "صلاة الاستسقاء " من هذا السماع القول في حد النزول إليها وإلى الجمعة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
مسألة: كان خلف الإمام فقال: سبحان الله بكرة وأصيلا
مسألة وسئل عمن كان خلف الإمام فقال: سبحان الله بكرة وأصيلا، فقال: لا أحب أن يفعل ذلك ولا أرى عليه إعادة الصلاة.
قال القاضي أبو الوليد: هذا من التسبيح الحسن، فإنما كرهه - والله أعلم- إذا قاله والإمام يسمع كالجواب لما سمعه من قراءته، كنحو ما مضى في هذا الرسم من قول القائل في صلاته إذا قرأ الإمام:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] : كذلك الله، وما أشبه ذلك.
وسيأتي في سماع ابن معاوية نحو هذا المعنى.
مسألة: امرأة انقطع عنها الحيض سنين ثم رأت صفرة أترى أن تدع الصلاة
مسألة وسألته عن امرأة انقطع عنها الحيض سنين ثم رأت صفرة، أترى أن تدع الصلاة؟ فقال: يسأل النساء عن ذلك وتصف لهن شأنها، فإن قلن: إن النساء يرين مثل هذا من الحيضة فلتدع الصلاة.
قال المؤلف: الصفرة من الدم، فإن رأته وهي في سن من تحيض من النساء أمسكت عن الصلاة، ولما لم يكن في ذلك حد يرجع إليه في القرآن والسنة، وجب أن يرجع فيه إلى العادة؛ ولذلك قال: إنه يسأل عنه النساء، وهذا معنى ما في " المدونة " وغيرها، وبالله التوفيق.
مسألة: الصبي إذا أثغر أيؤمر بالصلاة
مسألة وسئل عن الصبي إذا أثغر فقال: إذا أثغر الصبي: أمر بالصلاة وأدب عليها ولا يضرب بعض الضرب.
قال محمد بن رشد: ولا يضرب بعض الضرب، معناه: ولا يضرب بعض الضرب الذي يضربه كثير من الناس فيتعدى في الضرب، يريد: أنه لا يضرب إلا ضربا خفيفا.
ووقع في بعض الكتب مكان ولا يضرب وإلا ضرب، وهو خطأ لا معنى له.
قوله إنه يؤدب على الصلاة إذا أثغر خلاف ظاهر ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قوله: «إذا بلغ الصبيان سبع سنين فمروهم بالصلاة وإذا بلغوا عشر سنين فاضربوهم عليها وفرقوا بينهم في المضاجع» وفي رسم "الجواب" من سماع عيسى أنه يفرق بينهم في المضاجع إذا أثغروا وهو خلاف ظاهر ما في الحديث أيضا والله أعلم.
مسألة: الحامل ترى الماء الأبيض على حملها
مسألة وسألته عن: الحامل ترى الماء الأبيض على حملها، فقال: ليس ذلك بشيء وأرى أن تصلي به.
قال محمد بن رشد: قوله ليس ذلك بشيء يدل على أنه لم ير عليها غسلا ولا وضوءا، وهو الصواب، خلاف قول ابن القاسم في رسم "الجواب من سماع" عيسى من كتاب الوضوء: إن عليها الوضوء.
وقد مضى القول على ذلك هناك، وبالله التوفيق.
مسألة: التسليمة الواحدة في الصلاة
مسألة وسئل عن: التسليمة الواحدة في الصلاة، فقال: على ذلك كان الأمر، ما كانت الأئمة ولا غيرهم يسلمون إلا واحدة، وإنما أحدث تسليمتان منذ كانت بنو هاشم.
قال المؤلف: قد مضى القول في هذه المسألة في آخر رسم "شك في طوافه " من سماع ابن القاسم، ومضى من معناها في رسم "نذر سنة" ورسم "المحرم" منه.
مسألة: رفع الصوت في المساجد
مسألة قال: وقد قال عمر بن الخطاب: إن مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت.
قال محمد بن رشد: ليس في قوله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إن مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت - دليل على أن ذلك جائز في غيره من المساجد؛ لأن
معنى قوله إن مسجدنا هذا الذي أحضره لا يرفع فيه الصوت؛ لأني أمنع من ذلك، يريد: وكذلك ينبغي لكل وال أن يفعل بمسجد موضعه.
والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وبيعكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم» ، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا» ، فرفع الصوت في المسجد مكروه حتى في العلم.
قال ابن حبيب: ولقد كنت أرى بالمدينة رسول أميرها يقف بابن الماجشون في مجلسه إذا استعلى كلامه وكلام أهل مجلسه في العلم، يقول: يا أبا مروان اخفض من صوتك وأمر جلساءك يخفضوا أصواتهم.
مسألة: يقرأ بالناس في رمضان أيكره له أن يسر بالاستعاذة أو يجهر بها
مسألة قال: وسألته عن الذي يقرأ بالناس في رمضان، أيكره له أن يسر بالاستعاذة أو يجهر بها؟ فقال: أما في نفسه فليستعذ إن شاء، وأنا أكره له أن يجهر بذلك ولا أجيزه، وأنا أحب له أن يستفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] . ووصف الذين يقولون أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: 98] ، إن الله هو السميع العليم، فعابه وكرهه
ونهى عنه، فقيل له: إنما يحتج بقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] ، قال: أفرأيت قوله ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: 98] ، إن الله هو السميع العليم.
قلت له: أفتجيز له أن يستعيذ من الشيطان الرجيم؟ قال: لا، ولكن هو أيسر.
قال محمد بن رشد: كراهة الجهر بالاستعاذة في قيام رمضان خلاف قوله في " المدونة ".
ووجه هذا: أن الاستعاذة لما لم تكن من القرآن كره أن يجهر بها في قيامه كما يجهر بقراءة القرآن فيه، وأجاز أن يستعيذ في نفسه لقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] ، ولم ير ذلك واجبا عليه؛ لأن الأمر بذلك عنده على الندب لا على الوجوب.
ووجه ما في " المدونة ": الاتباع، وبذلك علل قوله فيها، ولم يزل القراء يتعوذون.
وأما استحبابه له أن يستفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] ، ولا يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقد مضى ما في رسم "نذر سنة" من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
مسألة: المريض يكون في المحمل فلو نزل يصلي للأرض كيف يصلي
مسألة وسألته: عن المريض يكون في المحمل فلو نزل يصلي المكتوبة في الأرض صلى إيماء، أيجزئ عنه أن يصلي على المحمل؟ قال: أرجو أن يجزئ عنه ذلك، ولكن يوقف له البعير موجها إلى القبلة، وأحب إلي أن ينزل فيصلي بالأرض.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما في رسم "سُنّ " من سماع ابن القاسم مثل قول ابن عبد الحكم فيه، ورواية يحيى فيه أيضا عن ابن القاسم
قول ثالث.
وقد مضى بيان ذلك كله في سماع ابن القاسم المذكور، وبالله التوفيق.
مسألة: يأتي إلى الجمعة والإمام في التشهد فيكبر ويسلم الإمام أيكبر أخرى
مسألة وسئل: عن الذي يأتي إلى الجمعة والإمام جالس فيكبر ويجلس ويسلم الإمام فيقوم، أيكبر تكبيرة أخرى أم تكفيه التكبيرة الأولى؟
قال: تكفيه الأولى ولا إقامة عليه ويصلي أربعا.
قال محمد بن رشد: استحب في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم أن يبتدئ بتكبيرة أخرى، وقد مضى القول هناك على ذلك فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: أهل القرى الذين لا جمعة عليهم أيصلون العيدين
ومن كتاب صلاة العيدين مسألة قال: وسئل عن أهل القرى الذين لا جمعة عليهم، أيصلون العيدين؟
فقال: ما رأيت أن يصلي العيدين إلا من يصلي الجمعة.
قال محمد بن رشد: لم ير في هذه الرواية أن يصلي العيدين بجماعة وخطبة من لا تجب عليهم الجمعة، وقال في أول رسم من سماع عيسى: إنه لا بأس أن يجتمعوا ويصلوا صلاة العيدين بغير خطبة، وإن خطب فحسن، خلاف هذه الرواية.
وفي " المدونة " في هذه المسألة اختلاف في الرواية.
وأما إذا كانوا ممن تجب عليهم الجمعة فلا اختلاف في أنهم يصلون صلاة العيدين على وجهها بخطبة، وبالله التوفيق.
مسألة: غسل العيدين أقبل الفجر أم بعده
مسألة وسئل: عن غسل العيدين أقبل الفجر أم بعده؟ فقال: ذلك واسع، من الناس من يغدو قبل الفجر.
قال محمد بن رشد: قد مرت هذه المسألة في صدر رسم الصلاة الأول وفي آخره من هذا السماع، ومضى القول عليها في رسم "الصدر" المذكور بما أغنى عن إعادته هنا، وبالله التوفيق.
مسألة: المصلي لله ثم يقع في نفسه أنه يجب أن يعلم ويحب أن يلفى
ومن كتاب العقول
مسألة قال: وقال مالك: سمعت ربيعة يسأل عن المصلي لله ثم يقع في نفسه أنه يجب أن يعلم ويحب أن يلفى في طريق المسجد ويكره أن يلفى في طريق غيره، فلا أدري ما أجابه به ربيعة، غير أني أقول: إذا كان أصل ذلك وأوله لله فلا أرى به بأسا، وإن المرء يحب أن يكون صالحا، وإن هذا ليكون من الشيطان يتصدق فيقول له إنك لتحب أن يعلم ليمنعه من ذلك.
قلت له: فإذا كان أصل ذلك لله لم تر به بأسا؟
فقال: إي والله ما أرى بذلك بأسا، وقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما شجرة لا يسقط ورقها شتاء ولا صيفا"، قال عبد الله بن عمر: فوقع في قلبي أنها النخلة فأردت أن أقولها» فقال له عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا، فأي شيء هذا إلا هذا، وإنما هذا أمر يكون في القلب لا يملك، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: 39] ، وقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84] .
قال محمد بن رشد: وقع في هذه الرواية أنه لم يدر بما أجابه به ربيعة، وقد وقع في سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات أنه أنكر ذلك من
سؤال السائل ولم يعجبه أن يحب أحد أن يرى في شيء من أعمال الخير والبر.
والذي ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - من أنه لا بأس بذلك إذا كان أصل ذلك وأوله لله تعالى هو الصحيح إن شاء الله تعالى.
روي «عن معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول الله ليس من بني سلمة إلا مقاتل فمنهم من القتال طبيعته، ومنهم من يقاتل رياء، ومنهم من يقاتل احتسابا، فأي ذلك الشهيد من أهل الجنة؟ فقال: "يا معاذ بن جبل من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد من أهل الجنة» .
وهذا نص في موضع الخلاف.
مسألة: يحرم مع الإمام ثم يسهو فيركع ويسجد والآخر ساه أو مشتغل أو غافل
سماع عيسى بن دينار من كتاب أوله نقدها نقدها مسألة قال عيسى: سئل مالك عن الذي يحرم مع الإمام ثم يسهو فيركع ويسجد والآخر ساه أو مشتغل أو غافل، وذلك في الركعة الأولى أو غيرها، أيتبعه؟
قال ابن القاسم: قال لي مالك: في هذه أقاويل ثلاثة: أحدها: أنه قال يتبعه ما لم يرفع من الركعة التي نهض إليها، والثاني: أنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من سجود الركعة التي غفل عنها، والثالث: إن كان في الركعة الأولى فلا يتبعه رأسا، وإن كان في غيرها اتبعه إن طمع أن يدركه في السجود، وإن لم يطمع فلا يتبعه، وليس فيها قول أبين من هذا.
قال: ثم سألته عن الرجل يصلي مع الإمام فيزحم أو يغفل ينعس عن الركوع مع الإمام حتى
يرفع الإمام رأسه من ركعته، قال ابن القاسم: إن كان في أول ركعة دخل مع الإمام في سجوده ولم يركع بعده ويتبعه كما وصفت ويكون كالداخل، والزحام والغفلة والنعسة في هذا سواء.
قال ابن وهب وأشهب مثله.
قال ابن القاسم: وإذا عقد مع الإمام الركعة الأولى وتمت له بسجدتيها ثم عرض له في الركعة الثانية فإنه يركع ويتبعه ما رجا أن يدركه في سجوده، إلا في الزحام فإنه في الأولى والثانية والرابعة سواء، ويعمل في الثانية كما يعمل في الأولى.
قال ابن وهب وأشهب: الغفلة والنعسة والزحام كل ذلك سواء، يركع ويتبعه ما طمع أن يدركه في سجوده.
قال ابن القاسم: ولو اشتغل رجل بحل إزاره أو ربطه حتى سبقه الإمام بالركعة، وذلك فيما بعد الأولى، فأنا أرى أن يتبعه ما طمع أن يدركه في سجوده.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول في تحصيلها في رسم "كتب عليه" ذكر حق من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة القول فيها هاهنا.
ومضت أيضا في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، وستأتي متكررة أيضا في رسم "لم يدرك" بعد هذا.
مسألة: صلاة أهل البادية العيدين بجماعة يجتمعون لذلك
مسألة وقال في صلاة أهل البادية العيدين بجماعة يجتمعون لذلك بحيث لا تجب الجمعة: إنه لا بأس بذلك، إن شاءوا فعلوا، يصلي بهم رجل منهم ركعتين ويكبر تكبيرة الفطر والأضحى وإن لم يخطب، وإن خطب فحسن، ولا أرى الخطبة في مثل هذا إلا في المدائن والقرى التي تجب فيها الجمعة، وإن كانت قرية وبيوت متصلة يجوز أن يجمع فيها الجمعة فلا يصلون العيدين إلا بخطبة،
وإن لم يكونوا يجمعون.
ولا ينبغي لهؤلاء أن يتركوا الجمعة كان عليهم وال أو لم يكن، أمرهم الوالي بذلك أو لم يأمرهم، فإن لله حقوقا في أرضه لا تترك لشيء، الجمعة من ذلك.
قال: والخصوص والمحال إذا كانت مساكنهم كمساكن القرى في اجتماعها وكان لهم عدد لم يحل لهم أن يتركوا الجمعة، وليخطب بهم رجل منهم، ويصلي ركعتين كان عليهم وال أولم يكن.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي لا جمعة عليهم إن لهم أن يصلوا صلاة العيدين على سنتها بالإمام والخطبة خلاف ما تقدم في رسم "العيدين" من سماع أشهب، وقد ذكرنا ذلك هنالك.
وأما قوله في الذين يجب عليهم الجمعة إنهم لا يتركونها كان عليهم وال أو لم يكن فهو مثل ما في " المدونة "، وهو المعلوم في المذهب وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك في أول رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب.
وأما قوله في الخصوص والمحال إذا كانت مساكنهم كمساكن القرى في اجتماعها إنهم يجمعون الجمعة، فهو خلاف ما مضى في الرسم المذكور من سماع أشهب، وقد مضى القول على ذلك هنالك، وبالله التوفيق.
مسألة: قرية يجمع في مثلها الجمعة وحولها المنازل فاتتهم الجمعة
مسألة قيل لأصبغ: ما تقول في قرية يجمع في مثلها الجمعة وحولها المنازل على مسيرة ميلين أو ثلاثة فاتتهم الجمعة، فكيف يصلون؟
قال: يصلون أفرادا ولا يجمعون الظهر لأنهم أهل الجمعة.
قلت: فإن صلوا جماعة ظهرا؟ قال: بئس ما صنعوا ولا أرى عليهم إعادة.
قلت: فإن كان ذلك في المصر مثل الفسطاط وغيرها؟
قال: هو مثله يصلون أفذاذا، فإذا جمعوا الظهر فبئس ما صنعوا ولا أرى عليهم إعادة، ولا أحب ذلك لهم، فإن فعلوا فلا إعادة عليهم.
- عَلَم: قال
- المؤلف: قوله في الذين تجب عليهم الجمعة إنهم لا يجمعون إذا فاتتهم الجمعة ويصلون أفذاذا - هو المشهور في المذهب.
- الكتاب: أنهم يعيدون، وقال ابن القاسم في المجموعة: إنهم لا يعيدون، وقاله أصبغ في المتخلفين من غير عذر، وهو الأظهر، إذ قد قيل: إنهم يجمعون؛ لأنهم وإن كانوا تعدوا في ترك الجمعة فلا يحرموا فضل الجماعة.
مسألة: فاتته الجماعة وكان على الإمام سهو قبل السلام فسجد معه ثم قام وسها
مسألة وسئل: عمن فاتته صلاة الإمام وقد كان على الإمام سهو يكون سجوده قبل السلام فسجد معه ثم قام وقضى بعده فدخل عليه سهو يكون زيادة في الصلاة أو نقصانا، قال: يسجد أيضا.
قلت: أرأيت إن كان سجود الإمام بعد السلام فلم يسجد معه وقام يقضي فدخل عليه سهو يكون نقصانا متى يسجد؟ قال: قبل السلام ويجزيه من سهو الإمام، وإن كان أيضا بعد السلام فسجدتان بعد السلام تجزيانه.
قال ابن القاسم: ولو كان سجد مع الإمام قبل السلام فدخل عليه هو أيضا فيما يقضي نقصانٌ فإنه يسجد أيضا قبل السلام.
قال الإمام: اختلف في الذي يدخل مع الإمام في آخر صلاته ولم يدرك منها شيئا وعلى الإمام سجود السهو، فقيل: إنه يسجد معه إن كان السجود قبل السلام ولا يسجد معه إن كان السجود بعد السلام، وهي رواية زياد عن مالك وظاهر هذه الرواية، لقوله فيها فسجد معه في السجود قبل السلام، ولم يسجد معه في السجود بعد السلام.
وأراه قول مالك بدليل عطف قول ابن القاسم عليه في المسألة نفسها.
وقيل: إنه لا يسجد معه، كان السجود قبل السلام أو بعده، وهو قول ابن القاسم في " المدونة " وظاهر قوله هاهنا؛ لأن قوله ولو كان سجد مع الإمام قبل السلام يدل على أنه أراد لو فعل ذلك وهو ليس له أن يفعله، والله أعلم، وقيل: إنه يسجد معه بعد السلام، فأحرى أن يسجد معه قبل السلام، وإن كان لم يفعله إلا إذا أدرك بعض صلاته وهو عنده سواء.
وجه القول الأول: أنه قد دخل مع الإمام فلا يخالفه فيما فعل قبل السلام، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» .
ووجه القول الثاني ما ذكر في " المدونة " من أنه لم يدرك من الصلاة شيئا فلا يلزمه من سهو الإمام شيء.
ووجه القول الثالث أن السجدتين وإن كانتا بعد السلام فهي من تمام صلاة الإمام، وقد دخل معه فيها فوجب ألا يخالفه في شيء منها.
وقوله إنه يسجد لسهوه فيما يقضي من صلاته زيادة كان أو نقصانا صحيح لا اختلاف فيه.
مسألة: الرجل يحرم للنافلة ثم تقام فريضة
مسألة وسئل عن الرجل يحرم للنافلة ثم تقام فريضة كيف يصنع؟ أيسلم قاعدا أو قائما؟ قال: بل قائم، قال عيسى: أحب إلي أن يصلي ركعتين إذا رجا أن يفرغ قبل أن يركع الإمام الركعة الأولى، وإن لم يرج ذلك فليسلم على أي حال أحب.
قال القاضي: اختلف فيمن أحرم في نافلة أو فريضة فأقيمت عليه تلك الفريضة قبل أن يركع على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقطع في الفريضة والنافلة وإن كان يطمع أن يتم ركعتين قبل أن يركع الإمام، وهو ظاهر قول ابن القاسم في هذه الرواية في النافلة، ونص ما في " المدونة " في الفريضة.
والثاني: أنه يتمادى إلى ركعتين إن رجا أن يتممهما قبل أن يركع الإمام في الفريضة أيضا والنافلة، وهو قول مالك في " المدونة "، وقول عيسى بن دينار هنا في النافلة، وقول ابن حبيب وأشهب، ورواية ابن وهب عن مالك في الفريضة.
والثالث: الفرق بين الفريضة والنافلة، فيتمادى في النافلة ويقطع في الفريضة، وهذا القول يتأول على أنه مذهب مالك في " المدونة ".
وحكى الفضل أنه مذهب أصحاب مالك.
ولم يختلفوا إذا أقيمت عليه الصلاة وقد عقد ركعة من الفريضة والنافلة أنه يتمادى إلى تمام ركعتين ولا يقطع، وهذا
فيما عدا المغرب.
وأما إذا أقيمت عليه صلاة المغرب فإن كان لم يركع قطع قولا واحدا، وإن كان قد ركع، فقيل: إنه يقطع، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في " المدونة "، وقيل: إنه يتم الثانية وتكون له نافلة ويدخل مع الإمام، وهي رواية سحنون عن ابن القاسم، وقول ابن حبيب في الواضحة.
وإن كان قد صلى ركعتين، فقيل: إنه يتم الثالثة ويخرج من المسجد، وهو قول ابن القاسم في بعض روايات " المدونة "، وقول ابن حبيب في الواضحة.
وقيل: إنه يسلم ويدخل مع الإمام، وهي رواية سحنون عن ابن القاسم.
وإن كان قد أتم الثالثة سلم وخرج من المسجد قولا واحدا، وكذلك إن عقدها بالركوع أو الرفع منه على الاختلاف في ذلك.
قال في سماع سحنون: ويضع يده على أنفه.
فما في " المدونة " مطرد على أنه وقت لا تصلى فيه نافلة، وما في سماع سحنون مطرد أيضا على أنه وقت تصلى فيه نافلة، وقول ابن حبيب في الواضحة متناقض؛ لأنه قال: إن كان قد صلى ركعة أضاف إليها أخرى، وإن كان قد صلى ركعتين أتم الثالثة وخرج من المسجد، فجعل الوقت مرة يصلح للنافلة ومرة لا يصلح لها، والله أعلم.
ومن كتاب أوله استأذن سيده
مسألة: الذي يقلس طعاما في الصلاة
مسألة وسئل: عن الذي يقلس طعاما في الصلاة فيلقيه أو يرده، قال: يتمادى في الصلاة ولا شيء عليه.
وقال أيضا: إن كان بلغ مبلغا لو شاء أن يطرحه طرحه فازدرده فأحب إلي أن يقضي يوما مكانه، والصلاة مثله.
قال محمد بن رشد: قوله في أحد قوليه في الذي يرد القيء بعد فصوله أنه لا شيء عليه في صلاته وصيامه، معناه إذا رده ناسيا أو مغلوبا، وأما إن رده عامدا وهو قادر على طرحه فلا ينبغي أن يختلف في فساد صومه
وصلاته.
وقد روى ابن نافع عن مالك أنه قال في القلس يظهر على لسان الرجل فيبتلعه: بئس ما صنع، وكان ينبغي أن يطرحه، ولكن لا قضاء عليه إن ابتلعه.
وهو بعيد؛ لأن ظاهره العمد.
وأما إن ذرعه القيء أو القلس فلم يرده فلا شيء عليه في صلاته ولا صيامه على هذه الرواية، وهو المشهور.
وقد مضى في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب ما فيه، دليل على أن ذلك يقطع صلاته في القيء بخلاف القلس، وبالله التوفيق.
مسألة: الإمام يحدث بعد التشهد الآخر أو يرعف
مسألة وسئل: عن الإمام يحدث بعد التشهد الآخر أو يرعف، قال: يقدم من يسلم بالقوم.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في معنى هذه المسألة ووجه السؤال عنها في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: ينسى الظهر فلما صلى العصر من يومه ذلك وسلم منها ذكر الظهر
مسألة وسألته: عن الذي ينسى الظهر فلما صلى العصر من يومه ذلك وسلم منها ذكر الظهر ولم يعد العصر جهل أو نسي فذكر أو انتبه لذلك بعد الوقت، قال: إن كان خرج وقتها فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: قوله جهل يريد جهل أنه مأمور بإعادة الصلاة في الوقت.
وكذلك لو جهل أنه في الوقت مثل أن يكون ذكر الظهر قبل الغروب وقد كان صلى العصر فلما صلى الظهر الذي ذكر ظن أن الشمس قد غربت فلم يصل العصر، ثم انكشف أنه لو صلاها لأدرك منها ركعة قبل الغروب.
وقد قال في رسم "أسلم بعد هذا" في الذي جهل الوقت وظن أنه قد كان خرج، أن عليه القضاء بعد خروج الوقت، فهو اختلاف من قوله في الوجوه الثلاثة، إذ لا فرق بينهن، فمرة رأى أنه لا إعادة عليه فيهن بعد خروج
الوقت، وهو المشهور من قوله الذي يشهد النظر بصحته؛ لأن الإعادة في الوقت إنما هي استحباب ليدرك فضيلة الترتيب فيه، فإذا خرج الوقت لم يعد بعد الوقت كما لا يعيد بإجماع إذا لم يفرغ من الصلاة التي نسي حتى خرج الوقت؛ ومرة رأى أن الإعادة واجبة عليه بعد الوقت، إذ قد كانت وجبت عليه في الوقت، وإلى هذا ذهب ابن حبيب في هذا الأصل وحكاه عن ابن الماجشون عن مالك.
مسألة: أمة صلت ركعة من المكتوبة ثم أتاها العتق ورأسها مكشوف
مسألة وسئل: عن أمة صلت ركعة من المكتوبة ثم أتاها العتق ورأسها مكشوف فوجدت من يعطيها خمارا فأبت أن تأخذه أو جهلت وهي قادرة أن تأخذه فلم تأخذه، أو لم تجد من يناولها خمارا، أتعيد في شيء من ذلك في الوقت أم لا؟ أو عريان صلى ركعة ثم أتى رجل بثوب ففعل مثل ما فعلته الأمة أيعيد الصلاة أم لا؟
قال ابن القاسم: أما إذا لم تجد من يعطيها فلا إعادة عليها، وأما إذا قدرت عليه فلم تأخذه أو أعطيته فلم تأخذه فإنها تعيد ما كانت في الوقت؛ والعريان كذلك إذا كان يقدر على ثوب.
قال أصبغ: وأنا أرى قول ابن القاسم في التي سبق لها العتق قبل دخولها في الصلاة، فأما التي أعتقت وهي في الصلاة فتمادت وهي تجد سترة فلا إعادة عليها في وقت ولا غيره؛ لأنها عقدت الصلاة بما يجوز لها وهي من أهل الكشف، فهي على ما دخلت به فيها تمضي عليه ويجزي عنها، بمنزلة المتيمم يعقد الصلاة بالتيمم ثم يطلع عليه الماء وهو في صلاته فيمضي على صلاته، وهو أشد من الأمة.
وإنما استحسن لها الاستتار عند ذلك إذا وجدته استحسانا؛ لأنه ليس عليها مضرة في تناوله ولا قطع صلاة، وليس بواجب عليها، ولا يعجبني
قول ابن القاسم هذا.
قال أصبغ: ومثل الذي يسبق لها العتق قبل الدخول في الصلاة مثل الذي يكون في رحله الماء فلا يعلم به، فيقوم ويتيمم ويصلي أنه يعيد، فكذلك هذه إذا كانت دخلت في الصلاة وهي حرة وهي تجد سترا أنها تعيد في الوقت.
وأنا أقول في الذكي صلى وفي رحله الماء إنه يعيد أبدا لأنه كان من أهل الماء، فليس جهله الماء أو غفلته أو نسيانه بالذي يخرجه مما وجب عليه.
قيل لسحنون في الأمة يعتقها سيدها وهي في الصلاة وهي مكشوفة الرأس، فقال: أرى أن تقطع وتبتدئ الصلاة، وكذلك لو أن عريانا ابتدأ الصلاة فلما كان في بعض الصلاة وجد ثوبا: إنه يبتدئ ولا يبني.
قال محمد بن رشد: تأول أصبغ عن ابن القاسم أنه إنما تكلم على التي سبق لها العتق قبل الصلاة، إذ بعد عنده أن يوجب الاستتار على التي أعتقت في الصلاة، وليس ذلك بصحيح، إذ قد نص في رواية موسى عنه على أن الاستتار يجب عليها في بقية صلاتها إذا أعتقت في الصلاة، فلا فرق على مذهب ابن القاسم بين أن تعتق في الصلاة أو يأتيها الخبر فيها بأنها قد أعتقت قبل دخولها فيها.
ويتحصل في المسألة أربعة أقوال:
أحدها: أنها إن استترت في بقية الصلاة أو لم تقدر على الاستتار فيها أجزأتها صلاتها.
وإن قدرت على الاستتار فلم تفعله أعادت في الوقت، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، فالاستتار عليها في بقية الصلاة على هذا القول، واجب مع القدرة عليه، ساقط مع عدمها.
والقول الثاني: أنها إن استترت في بقية صلاتها أجزأتها، وإن لم تفعل أعادت في الوقت، كانت قادرة على ذلك أو لم تكن، وهو قول ابن القاسم في رواية موسى عنه، فالاستتار على هذا القول في بقية الصلاة واجب عليها بكل حال، فإن قدرت عليه فعلته، وإن لم تقدر عليه خرجت عن نافلة وابتدأت الصلاة.
والقول الثالث: أن الصلاة لا تجزئها وإن
استترت في بقيتها وتبتدئ، فإن لم تفعل أعادت في الوقت، وهو قول سحنون.
ووجهه: أنه قد حصل جزء من صلاتها بغير قناع بعد عتقها أو بعد وصول العلم إليها بذلك.
والقول الرابع: الفرق بين أن تعتق في الصلاة أو يأتيها الخبر بعتقها بعد أن دخلت فيها، فإن عتقت فيها لم يجب عليها الاستتار في بقيتها إلا استحسانا إن قدرت عليه، فإن لم تفعل فلا إعادة عليها، وإن أتاها الخبر بعتقها بعد أن دخلت في الصلاة لم يجزها وإن استترت في بقيتها، فتقطع وتبتدئ، فإن لم تفعل أعادت في الوقت، وهو قول أصبغ هنا، فحكم لها أصبغ بحكم الحرة من يوم أعتقت، ولم يحكم لها ابن القاسم إلا من حين وصول الخبر بذلك إليها.
وهذا على اختلافهم في الحكم المنسوخ هل يكون منسوخا على المتعبد به بنفس ورود الناسخ أو بوصول العلم إليه بذلك، وقول ابن القاسم في العريان يجد ثوبا في الصلاة فيأبى أن يأخذه أو يجهل ذلك: إنه يعيد في الوقت، يأتي على القول بأن ستر العورة في الصلاة من سننها لا من فرائضها، كالقناع للمرأة الحرة.
وأما على القول إنه من فرائضها فتعيد أبدا كالمريض يفتتح الصلاة جالسا ثم يصح في بقيتها فيتمها جالسا، ولا يقطع إذا وجد ثوبا في الصلاة قياسا على مسألة المريض، خلاف ما ذهب إليه سحنون، وبالله التوفيق.
مسألة: مسافر دخل في صلاة قوم يظنهم مسافرين فتبين أنهم مقيمون
مسألة وسئل: عن مسافر دخل في صلاة قوم وهو يظنهم مسافرين فصلى معهم ركعتين ثم تبين له أنهم مقيمون سبقوه بركعتين، فقال: يسلم ويصلي صلاته صلاة مسافر.
قلت له: ولو مر بقوم فدخل في صلاتهم فصلى معهم ركعتين ثم سلموا فلم يدر أمقيمين كانوا أم مسافرين؟ قال: يتم صلاة مقيمين أربعا، ثم يقوم فيصلي صلاة مسافر.
قلت: فما فرق بينهما؟ لأي شيء قطع في الأولى ولم تأمره أن يقطع في هذه؟ قال: لأنه نوى بالأولى ركعتين.
قال محمد بن رشد: قوله لأنه نوى بالأولى ركعتين - يبين أنه دخل في الثانية معهم وهو يظنهم مقيمين، وذلك بين، إذ لو دخل معهم وهو يظنهم مسافرين لسلم بسلامهم على أصله ثم أعاد.
وقد تقدمت هذه المسألة والقول فيها موعبا في آخر رسم من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته هنا، وبالله التوفيق.
مسألة: دخل في صلاة الجمعة وقد فاتته ركعة ولم يدر أخطب الإمام أم لا
مسألة قيل لسحنون: فلو أن رجلا دخل في صلاة الإمام يوم الجمعة وقد سبقه بركعة ولم يدر أخطب الإمام أم لا، فلما سلم الإمام وانفض الناس عنه فلم يجد من يخبره إن كان اختطب الإمام أم لا، فقال: يصلي ركعة ثم يسلم، فإن كانت جمعة أجزأت عنه، وإن لم يجد من يخبره أنها جمعة صلاها ظهرا أربعا احتياطا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه دخل مع الإمام وهو يرى أنها جمعة، فوجب أن يأتي بركعة رجاء أن تكون له جمعة، ثم يعيد مخافة أن لا يكون الإمام خطب فلا تصح له جمعة.
ولو دخل معه وهو يظنه يصلي الظهر ثم يشك في أن يكون في الجمعة وقد اختطب لوجب على قياس المسألة التي قبلها أن يتم على الركعة التي صلى مع الإمام أربعا، ثم يعيد ثانية مخافة أن يكون الإمام مصليا للجمعة، وبالله التوفيق.
مسألة: القوم يصلي بهم الجمعة عبد
مسألة وسألته: عن القوم يصلي بهم الجمعة عبد، قال: إن ذكروا في الوقت أعادوا الجمعة ركعتين بخطبة، وإن لم يذكروا ذلك حتى يخرجوا من الوقت أعادوا ظهرا أربعا.
قلت: فما وقتها؟ قال: النهار كله إلى قدر ما تصلي به الجمعة ركعتين ومن العصر ركعة.
قال الإمام: قد مضت هذه المسألة والقول فيها موعبا في آخر رسم من سماع ابن القاسم فقف عليه هناك.
مسألة: ركع ركعتين من صلاة الظهر فذكر أنه سها عن سجدة من الأولى
مسألة وسألت ابن القاسم عن رجل ركع ركعتين من صلاة الظهر فذكر أنه سها عن سجدة من الركعة الأولى، أيمضي في صلاته ويقضي صلاة الركعة التي نسي منها سجدة في آخر صلاته أو يقضيها في الموضع الذي يذكرها فيه وإن كان ذكره إياها وهو قائم في الثانية، أو ما ترى؟
قال: إن ذكرها في الركعة الثانية في تشهده فإنه يركع ركعة بسجدتيها يقرأ فيها بأم القرآن وسورة معها، ثم يقعد ويتشهد ويجعلها ثانية ويلغي الأولى ويسجد بعد السلام؛ لأن من نسي سجدة من ركعة فلم يذكرها حتى رفع رأسه من الركعة التي بعدها ألغى تلك الركعة التي نسي منها السجدة وصلى ركعة مكانها، وإن ذكرها في الثالثة بعدما رفع رأسه من الركوع جعلها ثانية وسجد سجدتين قبل السلام.
وقد كان مالك يقول فيها بعد السلام، إلا أنه لما ترك السجدة الأولى ولم يقعد في الثالثة التي هي له ثانية وقضى بعد الفراغ ركعة بسجدتيها كان قد اجتمع عليه سهوان زيادة ونقصان، والنقصان أولى بالسجود، وهو وجه ما استحسناه وتكلمنا فيه.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة صحيحة مبنية على المشهور في المذهب من أن ما بطل على الفذ وعلى الإمام ومن معه من ركعة بإسقاط السجود أو الركوع منها أو قراءة الحمد على مذهب من يقول بالإلغاء حتى فاته إصلاحها، يلغيها ويبني على ما صح له، ولا يقضي الركعة التي بطلت عليه
بعينها بعد تمام صلاته، خلافا لقول ابن وهب في رسم "القطعان" من هذا السماع أنه يقضي ما بطل عليه بعد تمام صلاته ولا يبني.
وقوله فلم يذكرها حتى رفع رأسه من الركعة التي بعدها ألغى تلك الركعة، هو مثل ما في " المدونة " من أن عقد الركعة رفع الرأس من الركوع.
وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في رسم "الصلاة" الأول من سماع أشهب.
وقول ابن القاسم إنه إذا لم يذكر السجدة من الأولى حتى قام من الثانية: إن سجوده قبل السلام هو الأظهر لتغليب حكم النقصان عند اجتماع الزيادة والنقصان، وما حكي عن مالك من أنه قد كان يقول فيها بعد السلام، ضعفه ابن لبابة، وقال: لعل مالكا إنما قال ذلك فيمن ذكر وهو جالس في الرابعة سجدة لا يدري من أي ركعة، فخر إلى سجدة ثم أتى بركعة؛ لأنه على يقين من الزيادة وشك من النقصان، فاشتبه ذلك على ابن القاسم.
وابن القاسم أعلم بما حكى عن مالك وأجل من أن يحمل عليه الغلط، فهو اختلاف من قوله، وإن كان تغليب حكم النقصان هو المشهور عنه فمرة غلب الزيادة ومرة غلب النقصان، إذ من أهل العلم من يرى السجود في السهو كله بعد السلام، كان زيادة أو نقصانا، ومنهم من يراه كله قبل السلام كان زيادة أو نقصانا.
وقد وقع له في " المدونة " في الذي يصلي النافلة خمسا دون سلام ساهيا يسجد بعد السلام، وهو مثل ما حكي عنه في هذه الرواية؛ لأنه نقص السلام وزاد الركعة.
وقول ابن القاسم في آخر المسألة: وقضى بعد الفراغ ركعة بسجدتيها، لفظ ليس على ظاهره؛ لأنه بان وليس بقاض، فتدبر ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: لا ينبغي لأحد أن يؤم الناس قاعدا
مسألة قال: وقال مالك: لا ينبغي لأحد أن يؤم الناس قاعدا.
قال: ومن نزل به شيء وهو إمام قائم حتى لا يستطيع أن يصلي بهم إلا قاعدا، فليستخلف غيره يصلي بالقوم ويرجع هو إلى الصف فيصلي بصلاة الإمام مع القوم.
قال مطرف وابن الماجشون: إن صلى بهم