كتاب الصلاة الخامس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة: الكتابة في القبلة بالصبغ شبه آية الكرسي أو نحوها
كتاب الصلاة الخامس من سماع موسى بن معاوية الصمادحي من ابن القاسم مسألة قال موسى بن معاوية الصمادحي: سئل ابن القاسم عن المساجد هل يكره الكتاب فيها في القبلة بالصبغ شبه آية الكرسي أو نحوها من قوارع القرآن: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ، والمعوذات، ونحوها؟ قال ابن القاسم: كان مالك يكره أن يكتب في القبلة في المسجد شيء من القرآن، أو التزاويق، ويقول: إن ذلك يشغل المصلي؛ قال: ولقد كره مالك أن يكتب القرآن في القراطيس، فكيف في الجدران؟
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة من كراهية تزويق المسجد، والعلة في ذلك ما يخشى على المصلين من أن يلهيهم ذلك في صلاتهم؛ وقد مضى بيان هذا المعنى من الحديث في رسم "سلعة سماها"، ورسم "الشجرة تطعم بطنين في السنة " من سماع ابن القاسم، ومضى في رسم "سلف في حيوان" منه؛ وجه كراهية مالك لكتابة القرآن في القراطيس أسداسا وأسباعا، فكتاب شيء من القرآن في قبلة المسجد، مكروه عند مالك لوجهين، وقد خفف ذلك ابن نافع، وابن وهب في المبسوطة، وقول مالك أولى وأصح في المعنى.
مسألة: ينزل الماء في عينيه فيريد أن يقدحهما
مسألة قال: أخبرنا موسى بن معاوية الصمادحي، وسحنون، قالا: أخبرنا علي بن زياد أنه سأل مالكا عن الذي ينزل الماء في عينيه، فيريد أن يقدحهما، فيخبره الطبيب أنه إن قدحهما استلقى على ظهره ثلاثة أيام لا يقوم ولا يقعد؛ ما ترى أن يصنع؟ قال مالك: بل يقولون أربعين يوما، لا أدري ما هذا؟ وأبى أن يجيب فيه.
قال محمد بن رشد: قد أجاب في المدونة بأن ذلك مكروه، لا خير فيه.
قال ابن القاسم - بعد هذا- (في هذا) السماع: فإن فعل، قام فصلى- وإن ذهبت عيناه.
قال في المدونة: فإن لم يفعل وصلى إيماء أعاد أبدا في الوقت وبعده.
وهذا على قياس قول مالك في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب في الذي يركب السفينة وهو لا يقدر على السجود فيها إلا على ظهر
أخيه؛ لأن الأصل في ذلك واحد، فلم يعذره بالزحام ولا بالمرض الذي أصابه من قدح عينيه؛ لأنه هو الذي أدخل ذلك على نفسه باختياره، ولو شاء لم يفعل، وقد روى ابن وهب عن مالك أنه يجوز له أن يقدح عينيه ويصلي على قدر طاقته من الإيماء، وتجزئه صلاته؛ وهو قول جابر بن زيد من تابعي أصحاب رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد هذا في هذا السماع، ووجه ذلك القياس على ما أجمعوا عليه من أن للرجل أن يسافر- وإن علم أنه يعدم الماء في سفره فينتقل إلى التيمم، فكما يجوز له أن يسافر وإن أوجب ذلك عليه الانتقال من الوضوء إلى التيمم، فكذلك يجوز له أن يقدح عينيه وإن أوجب ذلك عليه الانتقال من الركوع والسجود إلى الإيماء.
والفرق بين الموضعين على القول الأول، هو أن التيمم بدل من الوضوء عند عدم الماء بنص القرآن، وليس الإيماء ببدل من الركوع والسجود؛ لأنه إذا أومأ فيهما فقد أتى ببعض الانحطاط إليهما، وترك تمامهما دون أن يأتي لما ترك من تمامها ببدل؛ فماله بدل إذا عجز عنه وجب عليه بدله، وما ليس له بدل- إذا عجز عنه سقط وبرئت منه ذمته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] . فجاز فيما له بدل أن يفعل ما يضطره إلى البدل، وعلى هذا أجاز مالك لصاحب الحقن الشديد أن يفطر، ويتداوى إذا ألجأ إلى ذلك- وإن كان قادرا على الصيام وترك التداوي دون مرض يصيبه في ذلك- والله أعلم؛ ولم يجز فيما لا بدل له أن يفعل ما يضطره إلى ترك الفرض جملة، فهذا وجه القول الأول.
مسألة: يصلي على العذرة اليابسة
مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي يصلي على العذرة اليابسة أو الدم اليابس أو المكان القذر، مثل المزابل ونحوها - ولا يشعر، ثم يعلم
بعد.
قال مالك: يعيدها ما كان في الوقت.
قال: وما يصيب الأرض من ذلك مثل ما يصيب الثوب.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور في المذهب: أن من صلى بثوب نجس، أو على موضع نجس- وهو لا يعلم أعاد في الوقت، والوقت في ذلك إلى اصفرار الشمس؛ قال ابن المواز: فإن صلى به أو عليه- وهو لا يقدر على غيره- مضطرا إلى ذلك، أعاد إلى الغروب، وقد روي عن مالك أنه يعيد إلى الغروب في المسألتين جميعا، ومعنى ذلك أن يدرك الصلاة كلها قبل الغروب، وأما إذا لم يدرك قبل الغروب إلا بعضها، فقد فاته في هذه المسألة وقتها- والله أعلم.
وأما إذا كان جاهلا أو متعمدا من غير ضرورة، فإنه يعيد أبدا، بدليل هذه الرواية، وهو المشهور في المذهب، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في رسم "المكاتب" من سماع يحيى، فقف على ذلك هناك، وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: يصلي فيخطف رداؤه عنه
مسألة قال: وسئل عن الرجل يصلي فيخطف رداؤه عنه، هل له أن يخرج ويقطع الصلاة ويطلب خاطفه، أم لا يقطع ويصلي ويدع رداءه يذهب؟ وعن الرجل يخاف على الشيء من متاع البيت السرق والحرق والفساد، مثل قلة الزيت، أو الماء، أو الخل، تقلب فيهراق ما فيها، هل يسعه أن يسويها ويرجع في صلاته؟ ومثل ذلك زقاق الزيت، أو الخل، ونحوه، يخاف عليها أن تنشق أو تنفسخ، أو يفسدها شيء- وهو يصلي، هل يصلح الزقاق ويربطها ويرجع في صلاته؛ أو يقطع صلاته ويستأنف؟ فقال ابن القاسم: إذا
خطف ثوبه في الصلاة، فلا بأس أن يقطع ويذهب في طلب الذي أخذه، ويستأنف إذا رجع؛ وأما مالك فكان يكره نحوه، وذلك أني سألته عن الذي يكون في الصلاة فيرى الشاة تأكل الثوب، أو العجين؛ فقال: إن كان في فريضة، فلا يقطع؛ وأما الرجل يصلي وفي البيت قلة أو شيء يخاف عليه أن يهراق، فإن سألت مالكا عن الرجل يقرأ فيتعايا في قراءته، فيأخذ المصحف ينظر فيه - وهو بين يديه- فكرهه، فهذا مثله.
قال محمد بن رشد: قد تقدم الكلام على هذه المسألة في رسم "صلى نهارا ثلاث ركعات" من سماع ابن القاسم مجودا، فلا معنى لإعادته.
مسألة: سؤر الهرة
مسألة قال الصمادحي: وحدثني عبد العزيز الدراوردي، «عن داود بن صالح، عن أمه قالت: بعثتني مولاتي بهريسة إلى عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فجئت وهي تصلي- فأشارت إلي أن أضعها، فجاءت هرة فأكلت منها، فلما قضت الصلاة قالت لنسوة عندها كلن، قال: فأكلن واتقين موضع الهرة؛ فقالت: كلن فإني سمعت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم» . قال محمد بن رشد: زاد بعض الرواة في الحديث أنها قالت: «وقد رأيت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتوضأ بفضلها، وأنها دورتها ثم أكلت من حيث أكلت الهرة» . وهذا من فعل عائشة في أكلها من الموضع الذي
أكلت منه الهرة، وأمرتهن بذلك، لما سمعته من النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مثل فعل أبي قتادة في حديث الموطأ: " إذ أصغى لها الإناء حتى شربت، ثم توضأ بسؤرها ". وإلى هذا ذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجميع أصحابه في أن سؤر الهرة طاهر، إلا أن يوقن أنه كان في فيها أذى؛ خلافا لما ذهب إليه أبو حنيفة وغيره من أنه نجس، لما روي عن أبي هريرة من أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر، أن يغسل مرة أو مرتين» ، وهو حديث يوقفه بعض الرواة على أبي هريرة، ولم ير ذلك من ذهب إلى نصرة مذهب أبي حنيفة علة فيه، وضعف حديث أم داوود، لكونها غير معروفة عند أهل العلم بالحديث؛ وقال في حديث أبي قتادة: إنه ليس فيه طهارة سؤر الهرة إلا من فعل أبي قتادة؛ إذ قد يحتمل أن يكون أراد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنها ليست بنجس في كونها في البيوت ومماستها الثياب.
قال محمد بن رشد: أبو قتادة ألحن بمراد النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ممن بعده، ويحمل ما روي عنه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والله أعلم.
مسألة: صلى بقوم فمرت به حية أو عقرب
مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام صلى بقوم فمرت به حية، أو عقرب، فيقتلهما أو يرمي طيرا بحجر فيقتله، أو يأخذ قوسا فيرمي به صيدا فيقتله- عامدا غير ناس؛ قال ابن القاسم: خلائه كان مالك قتل الحية والعقرب في الصلاة.
قال ابن القاسم: فإن فعل ولم يكن في ذلك شغل عن الصلاة، فلا شيء عليه؛ وكذلك قتل الحية، والطير- يرميه- لا شيء عليه في ذلك، وقد أساء في رميه الطير، ولا يفسد ذلك صلاته إلا أن يطول ذلك، فإن رماه بحجر يتناوله من الأرض، فلا شيء عليه- ما لم يطل ذلك.
قال محمد بن رشد: قد روي عن النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - من رواية أبي هريرة «أنه أمر بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب» . وهو حديث حسن من جهة الإسناد، والمعنى في ذلك عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذا أراداه.
وكذلك قال في أول سماع عبد الملك - بعد هذا- إنه لا يقتلهما إلا أن يريداه، فإذا أراداه، جاز له أن يقتلهما ويتمادى على صلاته، إلا أن يطول ذلك ويكثر الشغل به، فيبتدئ صلاته، وأما إذا لم يريداه، فلا ينبغي له- عنده- أن يشتغل بقتلهما في صلاته، فإن فعل فقد أساء، ويبني على صلاته، إلا أن يطول ذلك فيبتدئ، ومن أهل العلم من أجاز له أن يقتلهما- وإن لم يريداه على ظاهر الحديث، وذلك فيما أمر بقتله من الحيات وهن ذوات الطفيتين، والأبتر، وما سوى حيات المدينة، وعمار البيوت من غيرهن- على الاختلاف في النهي عن قتل عوامر البيوت؛ هل ذلك خاص بالمدينة، أو عام فيها وفي سواها؟ فأما ما سوى الحية والعقرب: من صيد، أو طير، أو ذرة، أو نملة، أو بعوضة، أو قملة؛ فلا اختلاف في أن قتل شيء من ذلك في الصلاة مكروه لا ينبغي، فإن فعل، لم تبطل صلاته إلا بما كان من ذلك فيه شغل كثير، وقال في الرواية إنه إن أخذ القوس فرمى به الصيد، أو تناول الحجر من الأرض، فرمى به الطير، لم تفسد صلاته- إذا لم يطل، وذلك إذا كان جالسا- والحجر أو القوس إلى جنبه، فتناولهما ورمى بهما، وأما لو كان قائما، فتناول الحجر، أو القوس من الأرض، ورمى بهما، لكان بذلك
مبطلا لصلاته، وما مضى في رسم "صلى نهارا ثلاث ركعات" من تفسير المسألة المتقدمة قبل هذا، هو من هذا المعنى، فقف عليه وتدبره.
مسألة: أفلت منه فرس فاتبعه حتى أخذه ورجع إلى مصلاه
مسألة وحدثنا المسيب بن شريك، عن زياد بن أبي زياد، «عن الأزرق بن قيس، قال: كنا بشاطئ مهران، فجاء رجل على فرس له فنزل عنه يصلي، فأفلت منه فاتبعه حتى أخذه ورجع إلى مصلاه، فقال بعضنا: ما أهون على هذا صلاته، فسمع الرجل، فجاء فوقف بنا، فقال: قد سمعت قائلكم، سمعت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: إذا انفلتت دابة أحدكم- وهو يصلي- فليتبعها حتى يأخذها ويرجع إلى صلاته، لا يشتد عليه طلبها» . قال محمد بن رشد: الرجل المذكور في الحديث، هو أبو برزة الأسلمي، وليس فيه بيان قدر ما اتبع فرسه إليه في قلة ذلك من كثرته، ولا إن كان رجع إلى مصلاه، فابتدأ صلاته من أولها أو بنى عليها، فإن كان أراد أنه رجع إلى مصلاه، فبنى على صلاته، فيحمل أمره على (أن) اتباعه إياه لم يكثر، إنما مشى إليه قليلا عن يمينه، أو عن يساره، أو أمامه، وإن كان أراد أنه قطع صلاته فاتبع فرسه حتى أخذه، ثم رجع إلى مصلاه فابتدأ صلاته؛ فالمعنى في ذلك أنه بعد عنه، أو صار خلفه، فاحتاج أن يستدبر القبلة إليه، وهذا هو قول مالك في المدونة أنه يقطع ويبتدئ- إن بعدت عنه دابته- قداما، أو يمينا أو شمالا، أو صارت خلفه، وهذا إذا كان في سعة من الوقت، وأما
إذا كان في خناق (منه) فإنه يتمادى على صلاته- وإن ذهبت دابته، ما لم يكن في مفازة، ويخاف على نفسه إن ترك دابته حتى يصلي- على ما قالوا في الحاج يقبل إلى عرفة قرب الفجر- ولم يصل المغرب والعشاء؛ وهو إن مضى إلى عرفة وترك الصلاة أدرك الوقوف، وإن صلاهما فاته الوقوف والحج في ذلك العام، أنه يبدأ بالصلاة- وإن فاته الحج؛ لأنه قد يلزمه من النفقة والمؤنة في الحج- عاما قابلا أكثر من قيمة الدابة أضعافا، وهذا على القول بأن الحج على التراخي، وأما على القول بأنه على الفور، فهما فرضان قد تزاحما في وقت واحد، فالبداية بالوقوف أولى؛ لأن تأخير الصلاة التي يقضيها بالقرب، أولى من تأخير الحج الذي لا يقضيه إلى عام آخر، ولعل المنية تخترمه دون ذلك، - وبالله التوفيق.
مسألة: أغلق الباب وهو في الصلاة
مسألة وحدثني عن المسيب بن شريك، قال: حدثني محمد بن عبيد الله، عن عطاء، عن عائشة، قالت: «أتت هدية- والنبي (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) يصلي، وأنا نائمة، فكسلت أن أقوم فأفتح الباب، فمضى رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى فتح الباب، ورجع إلى مصلاه؛ ثم خرج صاحب الهدية، فكسلت أن أقوم فأغلق الباب، فمضى رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى أغلق الباب ورجع إلى مصلاه» . - قال الصمادحي: وكانت نافلة.
قال محمد بن رشد: قول الصمادحي إنها كانت نافلة صحيح، بدليل أن الفريضة إنما كان يصليها في المسجد بالناس لا في بيته، والمعنى في ذلك- والله أعلم- أن الباب كان في قبلته، وكان قريبا من مصلاه، فتقدم إليه في فتحه وغلقه، ثم رجع القهقرى إلى مصلاه في صلاته - دون أن يستدبر القبلة، وهذا جائز أن يفعل في النافلة، وفي الفريضة أيضا- إذا دعت إلى ذلك ضرورة، كالمسألة التي قبل هذه، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
مسألة: صلى بمن معه ركعة فكلمه إنسان في حاجة وكلمه الإمام مجيبا له غير ساه
مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام صلى بمن معه ركعة، فكلمه إنسان في حاجة، وكلمه الإمام مجيبا له غير ساه؛ هل تفسد صلاته وصلاة من خلفه؟ فقال ابن القاسم: يعيد ويعيدون، وكل ما تعمده الإمام مثل أن يحدث فينهض بهم في صلاتهم- عامدا، أو يكون جنبا فيتعمد الصلاة بهم، فإنه يعيد ويعيدون.
قال محمد بن رشد: هذا معلوم من مذهب مالك وأصحابه، أن الإمام إذا قطع صلاته- متعمدا، أو أحدث فيها متعمدا، أو تمادى فيها بعد حدثه متعمدا، أنهم بمنزلته فيما يجب عليه من الإعادة في الوقت وبعده، حاشا أشهب، وابن عبد الحكم، فإنهما ذهبا إلى أن الإمام إذا صلى بالقوم على غير وضوء- متعمدا، أو أحدث فتمادى بهم متعمدا- وهم لا يعلمون أنه لا إعادة عليهم، وقد مضى في رسم "يدير ماله" من سماع عيسى وجه قول أشهب، وابن عبد الحكم، وتفرقة ابن القاسم بين أن يحدث الإمام في أثناء صلاته، أو بعد التشهد الآخر، فيتمادى بهم- متعمدا حتى يسلم بهم؛ فقف على ذلك هناك.
مسألة: صلى بقوم فنعس
مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام صلى بقوم فنعس في بعض صلاة النهار، حتى استثقل نوما، فلم يستيقظ حتى سبح به القوم، هل
تنتقض صلاته وصلاة من خلفه، أم تنتقض صلاته- وحده؟ وهل يكون عليه وضوء النوم- وهو قائم؟ فقال ابن القاسم: هذا كله قريب، وليس عليه شيء- وإن طال ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن النوم ليس بحدث في نفسه، وإنما هو سبب للحدث، فلا ينتقض الوضوء منه، إلا ما يخشى إن كان منه حدث ألا يشعر به؛ والإمام إذا نام في صلاته فلا يبلغ هذا الحد دون أن يسبح به القوم، ولم يبين في الرواية على أي حال كان نومه؛ فإن كان في الركوع، أو السجود، فجوابه على القول بأن النوم في تينك الحالتين لا ينقض الوضوء إلا أن يطول، وقد مضى القول في تفصيل أحوال النائم في حال نومه في رسم "سن" من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
مسألة: الأمة تدخل في الصلاة وهي أمة ثم يدركها العتق وهي في الصلاة
مسألة وسئل ابن القاسم عن الأمة تدخل في الصلاة- وهي أمة، ثم يدركها العتق- وهي في الصلاة، وليس عليها خمار ولا مقنعة، وليس عندها ولا قربها ثوب، أتمضي في الصلاة؟ أم تقطع وتستأنف؟ قال ابن القاسم: إذا كان قربها ثوب فأخذته فاستترت به، رجوت أن يجزئها، وأحب إلي- إن كانت صلت ركعة، أن تضيف إليها ركعة أخرى وتجعلها نافلة، وتبتدئ الصلاة؛ وكذلك لو لم يكن عندها ثوب إن أعتقت- وهي قد صلت ركعة، أضافت إليها أخرى وابتدأت الصلاة؛ وكذلك قال مالك فيما يشبهه في المسافر يصلي بعض
الصلاة، ثم ينوي الإقامة؛ قال مالك: أحب إلي أن يعيد، فكذلك مسألتك؛ لأنها دخلت نيتان.
وسئل ابن القاسم عن المسافرة تصلي في ثوب وخمار أو مقنعة، فيطرح الريح خمارها أو مقنعتها عن رأسها، فتبعدها عنها، فإن اتبعتها انحرفت عن القبلة؛ أتمضي في صلاتها، أم تقطع؟ قال ابن القاسم: أما إذا كانت قريبا تتناوله فلا بأس به، وأما إذا تباعد ذلك، فإنها تسلم وتستأنف.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في رسم "استأذن" من سماع عيسى في الأمة تعتق في الصلاة، أو يأتيها الخبر بالعتق فيها- وهي مكشوفة الرأس، مستوعبا مستوفى، فلا وجه لإعادة القول في ذلك- هنا- مرة أخرى، وقد مضى أيضا في رسم "لم يدرك" منه تحصيل الاختلاف في المسافر ينوي الإقامة بعد أن دخل في الصلاة، فتأمله هناك؛ وأما مسألة المسافرة تدخل في الصلاة بقناع فيطرح الريح خمارها عنها، فهي مسألة صحيحة لا يدخلها من الاختلاف ما يدخل المسألتين المذكورتين، وإنما ساقها حجة لقوله في هذه الرواية: وكذلك حق ما جعل أصلا لما اختلف فيه أن يكون متفقا عليه.
مسألة: إمام صلى بثوب واحد فلما ركع سقط الثوب
مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام صلى بثوب واحد- متوشحا به، فلما ركع سقط الثوب عن عاتقه إلى الأرض، وانكشف فرجه ودبره، فذهب ليأخذه ويتوشح به، فلم يقدر حتى رفع من الركعة، وعجل بالرفع قبل أن يتمها؛ ما ترى في صلاته وصلاة من خلفه؟
وكيف الأمر في الركعة الناقصة هل تجزئه أم يعيدها؟ وكيف ينبغي أن يصنع حين رفع، أيرجع أم يعيد الركعة؟ وهل يضره سقوط الثوب عنه حين انكشف؟ فقال ابن القاسم: إذا أخذ ثوبه ساعتئذ، وإن رفع من الركعة قبل أن يأخذ ثوبه، فلا شيء عليه- إذا تقارب ذلك ولم يتباعد؛ قال سحنون: فإن نظر القوم إلى فرجه- منكشفا، أعاد الصلاة كل من نظر إليه- منكشفا، ولا شيء على من لم ينظر إليه.
قال محمد بن رشد: أجاز ابن القاسم صلاته ولم ير عليه شيئا- وإن انكشف فرجه ودبره فيها بسقوط ثوبه عنه- إذا أخذه بالقرب، وإن كان بعد أن رفع من الركعة قبل أن يتمها.
- أي قبل أن يتمكن في ركوعها، ولو لم يأخذه بالقرب، لأعاد في الوقت على أصله في رسم "استأذن" من سماع عيسى، من أن ستر العورة من سنن الصلاة، لا من فرائضها؛ وسيأتي على القول بأن ذلك من فرائضها، أن يخرج ويستخلف من يتم بالقوم (صلاتهم) فإن لم يفعل وتمادى بهم، وإن استتر بالقرب فصلاته وصلاتهم فاسدة، وهو قول سحنون في كتاب ابنه، خلاف قوله ههنا، ولا شيء على من لم ينظر إليه.
وأما قوله إنه يعيد كل من نظر إليه منكشفا، فمعناه إذا تعمد النظر إليه؛ لأنه بذلك مرتكب للمحظور في صلاته، ولأن من نظر إليه على غير تعمد، فهو بمنزلة من لم ينظر؛ إذ لا إثم عليه في ذلك ولا حرج، ويلزم على قوله أن تبطل صلاة من عصى الله في صلاته بوجه من وجوه العصيان، خلاف ما ذهب إليه أبو إسحاق التونسي من أنه لا تبطل صلاته بذلك، وقال: أرأيت لو سرق دراهم لرجل في صلاته، أو غصبه ثوبا فيها - وبالله التوفيق.
مسألة: صلى بقوم فمر به إنسان فأخبره بخبر يسره فحمد الله تعالى لذلك عامدا
مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل صلى بقوم فمر به إنسان فأخبره بخبر يسره، فحمد الله تعالى لذلك عامدا، هل تفسد صلاته؟ أو يمر به إنسان فيخبره بمصيبة فيتوجع، أو يخبره ببعض ما يسوؤه فيقول: الحمد لله على كل حال، أو يسره حين سمعه فيقول: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، قال ابن القاسم: لا يعجبني، فإن فعل رأيت صلاته تامة؛ لأن مالكا قال: إذا عطس الرجل في الصلاة، يحمد الله ويخفيه في نفسه، وكان أحب إلى مالك ترك ذلك في الصلاة؛ فإن فعل لم تفسد صلاته، وكذلك الذي سألت عنه إن حمد الله لشيء أخبر به، أو استرجع لشيء أخبر به، فلا يعجبني، فإن فعل، رأيت صلاته تامة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المصلي ينبغي له أن يقبل على صلاته ولا يشتغل بما سواها من الإصغاء إلى من يخبره بما يسره فيحمد الله، أو يسوؤه فيتوجع؛ فإن فعل لم تبطل صلاته؛ لأن ذلك من ذكر الله؛ وقد رفع أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يديه في صلاته، وحمد الله على ما أمره به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أن يمكث في موضعه، إلا أن هذا قد أساء؛ إذ أصغى في صلاته إلى استماع ما يسره من أمور الدنيا، فحمد الله على ذلك، وترك ما هو آكد عليه من ذلك- وهو الإقبال على صلاته، وقد مضى ما يشبه هذا المعنى في موضعين من رسم "الصلاة" الثاني في نحو وسطه وقرب آخره- وبالله التوفيق.
مسألة: صلى فدخل عليه داره رجل فصاح به فسبح به
مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل صلى فدخل عليه داره رجل فصاح به، فسبح به، فقال: سبحان الله- يريد بذلك أن يخبر صاحبه أنه يصلي، هل يفسد ذلك صلاته؟ قال ابن القاسم: التنحنح عند مالك شديد فكرهه، وأما التسبيح فلا بأس به- وإن تعمد بالتسبيح ليعلم صاحبه مكانه.
قال محمد بن رشد: أجاز التسبيح في الصلاة لما ينوبه فيها- وإن كان ذلك فيما لا يتعلق بإصلاحها، مثل ما في المدونة - سواء؛ ودليله قول النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «من نابه شيء في صلاته فليسبح» ؛ لأنه كلام قائم مستقل بنفسه، فيحمل على عمومه فيما يتعلق بإصلاح الصلاة، وفيما لا يتعلق بإصلاحها، ولا يقصر على ما يتعلق بإصلاحها- وإن كان الكلام خرج على ذلك السبب؛ وقد قيل: إنه يقصر على سببه، والأول أصح القولين في النظر.
وقد اختلف فيما عدا التسبيح من ذكر الله، وقراءة القرآن- إذا رفع بذلك صوته لإنباه رجل، فلم ير ذلك أشهب كالكلام، ورآه ابن القاسم كالكلام، فأفسد به الصلاة؛ وانظر في تكبير المكبر في الجوامع، هل: يدخله هذا الاختلاف أم لا؟ والأظهر أنه لا يدخله؛ لأنه مما يختص بإصلاح الصلاة، ويشهد له حديث صلاة الناس بصلاة أبي بكر خلف النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مرضه؛ وأما إنكاره للتنحنح في الصلاة، فهو مثل ما مضى له في رسم "البز" من سماع ابن القاسم، وقد تقدم القول على ذلك هناك.
مسألة: امرأة صلت في صف من صفوف الرجال
مسألة وسئل ابن القاسم عن امرأة صلت في صف من صفوف الرجال: عن يمينها رجل، وعن يسارها رجل، ومن ورائها رجل؛ هل تفسد صلاة هؤلاء الثلاثة؟ فقال ابن القاسم: لا تفسد صلاتهم.
قال موسى بن معاوية: وسئل ابن القاسم عن إمام صلى- وخلفه رجال ونساء، فدخل قوم آخرون فلم يجدوا سعة إلى صفوف الرجال من كثرة النساء، فصلوا من وراء النساء، هل تفسد صلاتهم؟ قال ابن القاسم: قال مالك: لا تفسد صلاتهم- وإن كان النساء بين أيديهم، وصلاتهم تامة؛ وسئل ابن القاسم عن إمام صلى برجل ونساء، فقام الرجل عن يمين صاحبه، والنساء من خلفهما، فأحدث الإمام فقدم صاحبه، هل يصلي بالنساء اللائي خلفه؟ وكيف به إن خرج ولم يستخلف صاحبه، ونوى صاحبه أن يصلي لنفسه ويصلي بمن معه من النساء؟
قال ابن القاسم: يصلي المستخلف بالنساء، وإن خرج الإمام ولم يستخلف، فإن صلاة الباقي تجزئ من خلفه من النساء- إذا نوى أن يكون إمامهن.
وسئل ابن القاسم عن إمام صلى خلفه نساء، وعن يمينه نساء، وعن يساره نساء، وبين يديه نساء، يصلين بصلاته، ويأتممن به، - وهو ينوي إمامتهن، والصلاة بهن؛ هل تفسد صلاته وصلاة من معه؟ أم تجزئهم صلاتهم؟ قال ابن القاسم: قد أساء- وصلاة الإمام تامة، وصلاة النساء تامة- إذا أردن أن يأتممن به، أو نوى هو في نفسه أن يؤمهن- وهو قول مالك.
قال محمد بن رشد: المسألة كلها صحيحة بينة في المعنى، غير مفتقرة إلى كلام مثل ما في المدونة - نصا، ومعنى الاشتراط في إمامة الرجل
بالنساء- إذا نوى أن يكون إمامهن، فإن ذلك خلاف لما في المدونة من قوله إذا صلى الرجل لنفسه فأتى رجل فائتم به، فصلاته جائزة - نوى أن يؤم به أو لم ينو؛ ودليله حديث «ابن عباس إذ بات مع النبي- عَلَيْهِ السَّلَامُ - عند خالته ميمونة، فلما قام رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الليل يصلي، قام إلى جانبه دون أن يستأذنه حتى يعلم أنه قد نوى أن يؤمه» . ووجه القول الأول، أن الإمام يصلي لنفسه ولمن يأتم به، فيحمل عنهم القراءة، وما سوى الإحرام، والركوع، والسجود، والجلوس الآخر والسلام؛ واعتقاد نية الفريضة بما ألزمه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ضمان صلاتهم بقوله: «الإمام ضامن» . فإذا لم ينو الإمامة بهم، لم تنتظم صلاته بصلاتهم، ولا حمل عنهم شيئا منها، ففسدت بذلك عليهم؛ فالقول الأول أتبع للأثر، وهذا أظهر من جهة النظر؛ وقد رأيت لأبي حنيفة - فيما أظن- أن ائتمام الرجل بالرجل دون أن ينوي أن يؤمه جائز، بخلاف ائتمام النساء به دون أن ينوي أن يؤمهن - وهو بعيد؛ ولعله ذهب - إن صح ذلك عنه - إلى أن الأصل الذي يعضده القياس، كان لا يصح الائتمام بمن لا يعتقد الإمامة، فخرج من ذلك ائتمام الرجل بمن لا ينوي الإمام، لحديث ابن عباس؛ وبقي النساء على الأصل في أنهن لا يجوز لهن أن يأتممن من لا ينوي الإمامة- وبالله التوفيق.
مسألة: قرأ سورة طويلة ونواها في نفسه ثم كسل فترك القراءة وركع وسجد
مسألة وسئل عمن قرأ في صلاته سورة طويلة ونواها في نفسه، فأدركه كسل وملالة، فترك القراءة وركع وسجد؛ أتجزئه صلاته؟ قال ابن القاسم: ليس عليه شيء.
قال محمد بن رشد: لم يوجب عليه إتمام السورة التي ابتدأها ونوى قراءتها؛ إذ لم يوجب ذلك على نفسه بالنذر؛ وهو على أصله فيمن افتتح الصلاة النافلة- قائما على أن يتمها قائما، أن له أن يتمها جالسا مع القدرة على القيام، خلاف ما ذهب إليه أشهب من أنه يلزمه أن يتمها- قائما، كما افتتحها قائما؛ وقول ابن القاسم أظهر: إنه إنما يلزمه إتمامها لا أكثر، وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: صلى ركعتين وجلس يتشهد فعرض له شك فيما مضى من صلاته
مسألة وسئل ابن القاسم عمن صلى ركعتين وجلس يتشهد فعرض له شك فيما مضى من صلاته فجعل يتذكر ساعة بعد التشهد، ثم ذكر أنه قد أصاب الصلاة، ولم ينقص ولم يزد؛ هل يكون عليه أن يسجد لسهوه؛ لأنه قعد بعد التشهد ساعة يتذكر؟ ومتى يكون سجوده قبل السلام أو بعده؟ قال ابن القاسم: ليس عليه شيء- وإن طال الجلوس، ولا يسجد لسهوه.
وسئل ابن القاسم عن إمام صلى بقوم ركعة فلما سجد لها، شك في سجوده حين سجد واحدة، فوقف يتذكر وينظر إن كان سجد لركعته سجدتين أم واحدة، فطال فكره، ثم سبح به القوم، فذكر أنه لم يسجد إلا واحدة، فسجد الثانية ومضى في صلاته حتى فرغ، هل عليه سجود السهو؟ ومتى يسجد قبل السلام أو بعده؟ وكيف به إن شك - وهو راكع فيما مضى له من صلاته- (فلم يدر) أمضى له ركعة أو ركعتان؟ فثبت راكعا يتذكر
حتى طال ذلك، ثم ذكر بعد ساعة أنه لم يمض إلا ركعة؛ هل يكون عليه في مثل هذا سجود للذي عرض له- إذا وقف لشك عرض له في صلاته وهو قائم أو ساجد؟ أو عرض له بعدما ركع، فوقف يتذكر قبل أن يخر ساجدا؟ أو نحو هذا من الشك؟ ومتى يكون سجوده؟ قال ابن القاسم: الذي يُعلم من قول مالك، أنه لا يكون عليه شيء، كان ذلك منه ساجدا أو راكعا أو قائما أو قاعدا، في التشهد هذا كله سواء؛ لأنه لم يعمل عملا يكون زيادة ولا نقصانا.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، وما فيها من الاختلاف وتوجيهه في أول رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم، فأغنى ذلك عن إعادته- وبالله التوفيق.
مسألة: مؤذن مسجد أذن قبل زوال الشمس
مسألة وسئل ابن القاسم عن مؤذن مسجد أذن قبل زوال الشمس، أو قبل وقت العصر أو قبل غروب الشمس، أو قبل غيوب الشفق، ثم علم بذلك قبل أن تُقام الصلاة؛ هل عليه أن يعيد الأذان ثم يقيم؟ وكيف بهم إن صلوا بلا أذان ولا إقامة؟ قال ابن القاسم: يعيد الأذان إن علم قبل الصلاة، فإن صلى لم يعد.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أنه لا يؤذن لصلاة من الصلوات قبل وقتها، إلا الصبح فإنه ينادى لها قبل: وقتها عند مالك، وأكثر أهل العلم؛ قيل في السدس الآخر من الليل، وقيل: في النصف الثاني منه- إذا خرج وقت العشاء الآخر؛ لقوله- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» - الحديث.
فإذا نودي لما عدا الصبح
قبل الوقت، وجب أن يعاد الأذان ما لم يصل؛ لوجهين، أحدهما: أن الأذان الأول لم يجز، والثاني أن يعلم أهل الدور أن الأذان الأول كان قبل الوقت، فيعيد الصلاة من كان صلى منهم؛ فقد روي أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام، فرجع فنادى، ألا إن العبد نام، ليعلموا أنهم في ليل بعد، حتى يقوم من شاء القيام، ولا يمسك عما يمسك عنه الصوام، ولا يلزم أن يعاد الأذان بعد الصلاة لهذه العلة، مخافة أن يقبل الناس إلى الصلاة- وقد صليت فيعنوا لغير فائدة.
مسألة: المؤذن يرعف حتى يكثر ذلك عليه وهو يؤذن
مسألة وسئل ابن القاسم عن المؤذن يرعف حتى يكثر ذلك عليه وهو يؤذن، هل يقطع أذانه ويذهب فيغسل الدم ويرجع فيبني على ما مضى من أذانه أم يستأنف الأذان؟ وهل يجوز لأهل المسجد أن يقدموا رجلا غيره؟ وهل على المقدم أن يبتدئ الأذان من أوله؟ أم يبني على الأذان الأول؟ وهل للمؤذن أن يؤذن- وهو جنب؟ قال ابن القاسم: إن مضى على أذانه في رعافه ذلك حتى فرغ، أجزأه، ولا يجوز له أن يقطع أذانه، فإن قطع أذانه فغسل الدم عنه، ثم رجع، استأنف الأذان، ولا يشبه هذا الذي يرعف في الصلاة، فيبني إذا غسل الدم، قال: ويجوز لأهل المسجد أن يقدموا رجلا- إذا قطع المؤذن الأذان ليغسل رعافه ويبتدئ المقدم الأذان، قال: ولا بأس أن يؤذن- وهو على غير وضوء، ولا يؤذن وهو جنب.
قال محمد بن رشد: الفرق بين الأذان والصلاة في أن الراعف في
الأذان يتمادى على أذانه أو يقطع ولا يبني، أن الأذان لما لم يكن من شرط صحته (الطهارة من النجاسة، جاز للراعف أن يتمادى عليه مع رعافه، بخلاف الصلاة؛ ولما لم يجب على من ابتدأه أن يتمه، وكان له أن يقطعه بخلاف الصلاة التي يجب على من أحرم بها أن لا يقطعها؛ وجب إذا لم يقدر على التمادي على أذانه مع رعافه أن يقطع، بخلاف الصلاة؛ ولما كان من شرط صحته) أن يكون متواليا وألا يفرق، لم يجز لمن أذن بعض أذانه أن يستخلف على بقيته؛ لأن ذلك أشد من تفرقته؛ ووجب إذا قطع المؤذن الأذان من أجل رعافه، أن يستأنف رجل آخر الأذان من أوله، ولا يبني على أذان الراعف؛ وأن يستأنف هو الأذان من أوله- إذا غسل الدم عنه، ولا يبني على ما مضى من أذانه، وتفرقته في الأذان بين أن يكون المؤذن جنبا، أو على غير وضوء، استحسان على غير قياس؛ والذي يوجبه القياس ألا فرق بينهما، فيجوز جنبا وعلى غير وضوء، أو لا يجوز لا جنبا ولا على غير وضوء؛ فوجه الجواز فيهما- وهو قول سحنون، ورواية أبي الفرج عن مالك؛ إذا كانت المئذنة في غير المسجد للجنب، هو أن الأذان ذكر لله تعالى، وذكر الله عز وجل يجوز للجنب، كما يجوز للذي هو على غير وضوء.
ووجه المنع فيهما- وهو مذهب الشافعي - ما روي أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يؤذن إلا متوضئ» ، - رواه أبو هريرة عن النبي- عَلَيْهِ السَّلَامُ - وقال به.
والجنب بذلك أحرى، والاختيار عند مالك ألا يؤذن الرجل جنبا ولا على غير وضوء، وما روي عن النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إن صح - فمعناه أن ذلك
كان في أول الإسلام حين كان ذكر الله ممنوعا إلا على طهارة، ثم نسخ والله أعلم، وإن كان أبو هريرة راوي الحديث متأخر الإسلام، فالمعنى فيه أنه لم يسمعه من النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بعد إسلامه، وإنما أخذه عمن تقدم إسلامه من أصحابه.
مسألة: المؤذن يقيم الصلاة فيرعف
مسألة وسئل ابن القاسم عن المؤذن يقيم الصلاة فيرعف أو يدخل عليه ما يقطع وضوءه، أيقطع الإقامة أو يتمها؟ وكيف (به) إن خرج وقطعها؟ هل يستأنف القوم رجلا غيره يقيم لهم الصلاة يبتدئها من أولها، أو يقيم من حيث انتهت إقامة الأول؟ قال ابن القاسم: أرى أن يقطع الإقامة ولا يمضي فيها، ويستأنف رجل آخر بهم الإقامة؛ لأن مالكا قال: لا بأس أن يصلى بإقامة من لم يؤذن.
قال محمد بن رشد: قال فيمن رعف في الإقامة أنه يقطع، بخلاف الأذان؛ والفرق بينهما- مع أنه يؤذن على (غير) وضوء، ولا يقيم إلا على وضوء- أن الإقامة متصلة بالصلاة، فلو تمادى عليها، لترك الصلاة لغسل الدم، فكان تركه الإقامة لذلك أولى من تركه الصلاة له؛ والأذان بائن عن الصلاة، فهو يقدر أن يتمادى على أذانه، ثم يخرج لغسل الدم، ويرجع إلى الصلاة، وأما قوله: إنه يستأنف رجل آخر بهم الإقامة فصحيح؛ لأنه إذا لم يجز في الأذان أن يبني الثاني على ما مضى من أذان الأول، للعلة التي ذكرناها قبل هذا، فالإقامة أحرى ألا يجوز ذلك فيها؛ وأما الصلاة بإقامة من لم يؤذن، فقد تعارضت الآثار في ذلك، فروي عن عبد الله بن الحارث الصدائي أنه قال: «أتيت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما كان أوان الصبح، أمرني فأذنت، ثم قام إلى الصلاة، فجاء بلال ليقيم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم» . وروي أن عبد الله بن زيد حين أري الأذان، «أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بلالا فأذن، ثم أمر عبد الله فأقام» ؛ فأخذ مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - بالذي يوجبه النظر من ذلك؛ لما تعارضت فيه الآثار، وذلك أن الأذان والإقامة من أسباب الصلاة، فلما جاز أن يقيم الصلاة غير الإمام، جاز أن يقيمها غير الذي أذن؛ إذ هي إلى الصلاة أقرب منها إلى الأذان، وثبت أنهما شيئان يجوز أن يفعل أحدهما غير الذي فعل الآخر، بخلاف الأذان، فإنه لا يجوز لرجلين أن يفعل كل واحد منهما بعضه.
مسألة: مسجد بين قوم تنازعوا فيه واقتسموه بينهم أيجزئ أن يكون مؤذنهم واحدا
مسألة وسئل ابن القاسم عن مسجد بين قوم، فتنازعوا فيه واقتسموه بينهم، وضربوا وسطه حائطا، أيجزئ أن يكون مؤذنهم واحدا؟ وإمامهم واحدا؟ قال ابن القاسم: ليس لهم أن يقتسموه؛ لأنه شيء سبلوه لله - وإن كانوا بنوه جميعا، وقال أشهب مثله؛ ولا يجزئهم مؤذن واحدا، (ولا إمام واحد) . قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه ليس لهم أن يقتسموه؛ لأن ملكهم قد ارتفع عنه حين سبلوه؛ فإن فعلوا، فله حكم المسجدين في الأذان؛ والإمام حين فصلوا بينهما بحاجز، يبين به كل واحد منهما عن صاحبه، وإن كان ذلك لا يجوز لهم - وبالله التوفيق.
[مسألة: إمام صلى على شَرَف وأصحابه تحته في وطاء]
مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام صلى على شَرَف وأصحابه تحته في وطاء، أو يصلي على كدية وهم خلفه على الأرض؟ أو يصلي في الأرض وأصحابه على مصطبة؟ أو يصلي على مصطبة - وهم تحته على الأرض؟ قال ابن القاسم: إذا تقارب ذلك فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أنه ساوى بين أن يكون الإمام أرفع موضعا ممن خلفه، أو من خلفه أرفع موضعا منه، وذلك خلاف ما في المدونة؟ وقد مضت هذه المسألة موعبة بتحصيل ما فيها من الاختلاف، وتوجيهه في رسم "الصلاة" الثاني - من سماع أشهب.
مسألة: إمام صلى بمن معه ركعة فأصابه نضح بول
مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام صلى بمن معه ركعة فأصابه نضح بول، أو نجس قطر عليه؛ هل يقطع ذلك صلاته وصلاة من خلفه؟ أم لا يقطع صلاته، إلا أن يكون شيئا كثيرا؟ قال ابن القاسم: إذا أصابه قطر من نجس، فإنه يستخلف، بمنزلة ما لو أحدث، ولا يقطع ذلك صلاته، وإن نزع ثوبه ذلك إن كان عليه غيره، أجزأه وأحب إلي أن يستخلف بمنزلة ما لو أحدث.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يستخلف ولا يقطع ذلك صلاته، ليس بصحيح، والصواب: لا يقطع ذلك صلاتهم، وأما هو فتنتقض صلاته بمنزلة ما لو أحدث كما قال، ولو لم يقطع ذلك صلاته لتمادى - ولم يستخلف، وإنما يستخلف ولا يقطع صلاته التي يمرض فيها مرضا لا يقدر معه على القيام فيستخلف؛ إذ لا تجوز إمامة الجالس، ويتم هو وراء المستخلف - جالسا؛
والذي قطر عليه نجس في الصلاة، لا يخلو من ثلاثة أحوال، أحدها: لا يكون عليه ولا معه ثوب سواه، تجزئه (به) الصلاة، والثاني: ألا يكون عليه ثوب سواه، ويكون معه ثوب سواه؛ والثالث: أن يكون عليه ثوب سواه، تجزئه الصلاة به، فإذا لم يكن عليه ولا معه ثوب سواه، فإنه يتمادى على صلاته، ويعيد في الوقت إن وجد ثوبا غيره، أو ماء يغسله به؛ وإذا لم يكن عليه ثوب غيره - وكان معه ثوب غيره، فإنه يخرج ويستخلف، (وإن كان وحده قطع، وابتدأ صلاته بالثوب الطاهر الذي معه، وأما إن كان عليه ثوب سواه، تجزيه به الصلاة، فالقياس أن يخرج ويستخلف) ، وإن كان وحده قطع؛ لأنه قد حصل حامل نجاسة.
وقال في الرواية: إن ذلك أحب إليه، وإن نزعه أجزأه؛ وإنما قال ذلك - والله أعلم - لحديث ابن مسعود في طرح عقبة بن أبي معيط على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمكة وهو يصلي - سلا الجزور، وغسل فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ذلك عنه، وتماديه على صلاته؛ وقد روي أنه إنما طرح عليه الفرث بدمه، وآيا ما كان، فلا حجة فيه؛ لأن ذلك كان في أول الإسلام، حيث كانت ذبائح المشركين حلالا؛ والسلا: وعاء الولد، فهو كلحم الناقة المذكاة، وكذلك الفرث طاهر؛ لأن أرواث ما يؤكل لحمه طاهر؛ ولعل الذي كان فيه من الدم يسير.
وأما من علم أن في ثوبه نجاسة - وهو يصلي، فإنه يقطع في المشهور في المذهب؛ وقد قيل
إنه ينزعه ويتمادى على صلاته، وقد مضى ذلك في رسم "أول عبد ابتاعه فهو حر" من سماع يحيى، فقف على ذلك.
مسألة: صلى بقوم فنام
مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام صلى بقوم فنام في صلاته، فلم يستيقظ حتى احتلم في نومه؛ هل يُفسد ذلك صلاة من خلفه؟ وكيف ينبغي له أن يصنع فيما أصابه في صلاتهم؟ أيقدم رجلا يُتِم بهم بقية صلاتهم؟ قال ابن القاسم: لا تفسد صلاتهم، ويقدم رجلا يصلي بهم بقية صلاتهم، بمنزلة ما لو أحدث في صلاته، ولا تفسد صلاة القوم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الاحتلام حدث غلب عليه بالنوم، فكان كالحدث الذي يغلبه سواء.
مسألة: مؤذن مسجد يؤذن فيه ويصلي بمن جاءه من بعداء الناس
مسألة وسئل ابن القاسم عن مؤذن مسجد يؤذن فيه ويصلي بمن جاءه من بعداء الناس، فأذن وأقام الصلاة، ولم يأته أحد حتى صلى ركعة، ثم جاء نفر فدخلوا معه في بقية الصلاة، فأحدث قبل أن يركع الثانية، فقدم رجلا من النفر الذين سبقهم بركعة، فصلى بهم بقية صلاة الإمام الذي قدمه؛ كيف يصنع: أيشير إليهم أن امكثوا ويتنحى عن المحراب، فيقوم فيقضي ركعته التي سبقه بها الإمام، ثم يسلم كما كان يصنع الإمام لو لم يحدث؟ أو يقوموا - إذا أقام فيقضوا - أفذاذا - ولا يسلم؟ وكيف الأمر إن كان سها الإمام سهوا قبل أن
يدخلوا عليه سهوا يكون سجوده قبل السلام؟ قال: قال مالك يتم بقية صلاة الإمام، ثم يشير إليهم أن امكثوا، ثم يقوم - وهو في مكانه ذلك لا يتحول، فيقضي تلك الركعة، ثم يجلس فيتشهد ويسلم، ويقوموا فيقضوا تلك الركعة؛ وإن دخلوا معه في الثانية فأحدث قبل أن يركع فقدم رجلا منهم، أجزأ عنهم أن يصلي بهم، وعليه أن يقضي ما كان على الإمام من سهو قبل أن يدخلوا معه؛ فإن كان سجودا يكون قبل السلام، فإذا قضى الركعة، سجد بهم وسجدوا معه؛ وإن كان بعد السلام، فإذا قضى الركعة وسلم، سجدهما ولا يسجد معه الآخرون حتى يقضوا الركعة؛ فإذا قضوا الركعة سجدوهما.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة؛ لأن الإمام إذا استخلف بعد أن صلى ركعة مَن فاتته تلك الركعة معه، فإنما استخلفه على ما بقي من صلاته، فإذا صلى بالقوم بقية صلاة الإمام الذي استخلفه؛ قام فقضى الركعة التي فاتته من صلاة الإمام - وهم جلوس، فإذا سلم، قاموا فقضوا لأنفسهم ما فاتهم؛ لأن من فاته شيء من صلاة الإمام، لا يقضي إلا بعد سلامه، وقد حصل المستخلف مكانه، فلا يقضون إلا بعد سلامه أيضا.
وقوله: وإن دخلوا معه في الثانية فأحدث قبل أن يركع، فقدم رجلا منهم أجزأ عنهم أن يصلي بهم؛ (تكرير في المسألة لا معنى له، ولا فائدة فيه.
وقوله) : وعليه أن يقضي ما كان على الإمام من سهو قبل أن يدخلوا معه صحيح؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة؛» لأن المعنى في ذلك، أنه أدرك حكمها، ووجب عليه ما وجب على الإمام فيها من
سهو أو إتمام - إن كان مسافرا والإمام مقيم، أو قصر إن كانت جمعة.
وأما قوله: فإن كان سجودا يكون قبل السلام، فإذا قضى الركعة سجد بهم، فهو خلاف ما في سماع أصبغ بعد هذا أنه يسجد بهم - إذا انقضت صلاة الإمام الذي استخلفه قبل أن يقوم لتمام ما بقي عليه، ولكلا القولين وجه من النظر.
مسألة: مسافر صلى بمسافرين ركعة واحدة فجاءه مقيم فصلى خلفه
مسألة وسئل ابن القاسم عن مسافر صلى بمسافرين ركعة واحدة فجاءه مقيم فصلى خلفه - وهو يعلم بسفره، فصلى معه ركعة، ثم جاء مقيم آخر فصلى الركعة الثانية، فأحدث الإمام المسافر في التشهد، فقدم أحد الرجلين الذي سبقه بركعة؛ كيف يصنع في صلاته؟ قال ابن القاسم: يتم هذا المستخلف بقية صلاة الإمام المسافر، ثم يشير إليهم فيمكثوا، ثم يقوم فيقضي الركعة التي سبقه بها الإمام المسافر، والركعتين الآخرتين؟ لأنه مقيم، ثم يسلم المسافرون ويقوم المقيمون فيتمون.
قال محمد بن رشد: كذا وقع في أكثر الكتب، وسئل ابن القاسم عن مسافر صلى بمسافرين ركعة واحدة، وفي بعض الكتب: وسئل ابن القاسم عن مسافر صلى وحده، فجاءه مقيم؛ وليس شيء من ذلك بصواب، والصواب: وسئل عن مسافر صلى بمسافرين فجاءه مقيم؟ وعلى هذا تستقيم المسألة.
وقوله فيها: ثم يقوم فيقضي الركعة التي سبقه بها الإمام المسافر، والركعتين الآخرتين؛ لأنه مقيم، هو على قياس قوله في المسألة التي تقدمت قبل هذه، ولم يبين صفة العمل في ذلك؛ والذي يأتي على مذهبه: أن يبدأ بالبناء قبل القضاء؛ لأن الركعة التي فاتته من صلاة الإمام الذي استخلفه قضاء، والركعتين الآخرتين بناء، فيقوم أولا فيأتي بالثالثة فيقرأ فيها بالحمد وحدها ويجلس؛ لأنها ثانية
بنائه؛ ثم يأتي بالرابعة فيقرأ فيها أيضا بالحمد وحدها ويقوم؛ لأنها ثالثة بنائه - قاله ابن حبيب.
وقال ابن المواز: بل يجلس فيها؛ لأنه لا يقام إلى القضاء إلا من جلوس، فتأتي صلاته على مذهبه - جلوسا كلها، ثم يأتي بالركعة الأولى التي فاتته فيقضيها بالحمد وسورة - كما فاتته، وعلى مذهب سحنون يبدأ بالقضاء قبل البناء، فقف على ذلك وتدبره.
مسألة: أقام الصلاة وصلى ركعة مع رجل واحد ثم جاء رجل فصلى به ركعة
مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام مسجد أقام الصلاة وصلى ركعة مع رجل واحد، ثم جاء رجل آخر فصلى به ركعة مع الأول، ثم جاء ثالث فصلى به الثالثة؟ ثم قام في الرابعة فدخل معه فيها رجل رابع، فأحدث الإمام فيها فقدم الرابع - وهو آخرهم؛ كيف يصنع ويصنعون في صلاتهم؟ قال: قال مالك يتم هذا المستخلف بقية صلاة الإمام، ثم يقوم فيقضي ما عليه - وهم قعود، ثم يسلم ويسلم من أتم الصلاة، ويقوم من فاته بعض الصلاة فيتم ما بقي عليه.
قال محمد بن رشد: قوله فيتم ما بقي عليه - يريد فيقضي ما بقي عليه، وهي مسألة صحيحة بينة في المعنى على قياس ما تقدم في المسألتين اللتين قبلها، فلا معنى لإعادة القول فيها.
مسألة: أحدث فقدم رجلا قد دخل في الصلاة قبل حدث الإمام
مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام أحدث فقدم رجلا قد دخل في الصلاة قبل حدث الإمام - وهو جاهل بما مضى للقوم وللإمام، كيف يصنع المقدَم؟ أيمضي على صلاة نفسه، ويصلي لنفسه حتى يسبح به القوم - إن خالف صلاتهم، ويشيروا إليه بما بقي من صلاة
إمامهم؟ أم يسعه أن يشير إليهم ويشيروا إليه - إن لم يفهم بالتسبيح؟ وهل يسعه إن لم يفطن بالإشارة ويفهم بها أن يكلم ويكلموه، ولا يقطع ذلك صلاته؟
قال ابن القاسم: يشير إليهم حتى يفهم ما ذهب من الصلاة، فإن لم يفهم بالإشارة ومضى حتى يسبح به فلا بأس، وإن لم يجد بدا إلا أن يتكلم فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على المعلوم من مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك في المدونة وغيرها: أن الكلام فيما تدعو إليه الضرورة من إصلاح الصلاة جائز، لا يُبطل الصلاة على حديث ذي اليدين، خلاف ما ذهب إليه ابن كنانة، وسحنون، وجماعة من أهل العلم سواهما.
مسألة: أحدث فقدم رجلا أميا لا يحسن القراءة
مسألة وسئل عن رجل أحدث فقدم رجلا أميا لا يحسن القراءة، كيف يصنع أيتأخر ويقدم غيره؟ أم يمضي بالقوم في صلاة الذي استخلفه: يسبح، ويهلل، ويحمد الله، ويكبر؟ وكيف إن كان صلى بهم بغير قراءة حتى فرغ، هل تكون عليهم إعادة الصلاة؟ قال ابن القاسم: يتأخر ويقدم غيره ممن يحسن القراءة، فيصلي بهم؛ وإن لم يفعل ولم يقدم غيره، أعادوا الصلاة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إن كان في القوم من لا يحسن القرآن فلا يصلح له أن يصلي بهم، ويلزمه أن يخرج ويقدم غيره ممن يحسن القراءة؛ فإن لم يفعل وصلى بهم، أعادوا أبدا، وأعاد هو أيضا؛ لأنه كان
يقدر أن يصلي خلف من يحسن القرآن - وهو قول سحنون، وابن المواز.
وقال أشهب في مدونته: لا إعادة عليه هو، قال: ولا أحب له أن يصلي فذا - وهو يجد من يأتم به ممن يحسن القرآن؛ وعلى قول سحنون وابن المواز لا يجوز له أن يصلي فذا وهو يجد من يأتم به، فإن لم يفعل أعاد؛ وأما إن لم يكن في القوم من يحسن القرآن فإنه يتمادى بهم وتجزئهم صلاتهم.
قال محمد بن سحنون: وفرضه أن يذكر الله في موضع القراءة.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: ليس يلزمه على طريق الوجوب تسبيح، ولا تحميد، ويستحب له أن يقف وقوفا ما، فإن لم يفعل وركع أجزأه.
وقال محمد بن مسلمة يستحب له أن يقف قدر قراءة أم القرآن وسورة، وقد قيل: لا يلزمه الوقوف؛ لأن الوقوف إنما هو للقراءة، فإذا سقط عنه فرض القراءة، لم يلزمه الوقوف لغير فائدة - يريد قائل هذا القول أنه لا يلزمه أن يقف قدر ما كان يلزمه من القراءة، ولا بد أن يلزمه من الوقوف في أول ركعة قدر ما يوقع فيه تكبيرة الإحرام، وفيما سواها أقل ما يقع عليه اسم قيام - والله أعلم.
ومن قال: إنه يلزمه ذكر الله وتسبيحه، وتهليله، مكان القراءة، ذهب إلى ما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للأعرابي لما أمره بإعادة الصلاة: «إن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله» . وحجة من قال: إن ذلك لا يلزمه، أن هذه الزيادة لم يخرجها أصحاب الصحيح، وقد سقط عنه فرض القراءة لعجزه عنها، فلا يلزم بدلا منها إلا بيقين، ويلزمه ألا يفرط
في التعليم، فإن فرط فيه لزمه أن يعيد من الصلوات ما صلى - فذا بعد القدر الذي كان يتعلم فيه، وقد مضى في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب - تمام القول في هذه المسألة.
مسألة: صلى برجل وامرأتين فأحدث الإمام
مسألة قال ابن القاسم في إمام صلى برجل وامرأتين فأحدث الإمام، فخرج ولم يقدم صاحبه، ونوى صاحبه أن يؤم نفسه والمرأتين، حتى صلى بقية الصلاة؛ هل تكون صلاتهم مجزئة ولا تفسد عليهم؟ قال ابن القاسم: نعم لا بأس به، وتجزئهم صلاتهم - وإن لم يستخلفه إذا نوى أن يكون إمامهم.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم في هذا السماع من اشتراطه في صحة صلاتهم - أن ينوي أن يكون إمامهم، وقد مضى القول في ذلك، فلا معنى لإعادته - وبالله التوفيق.
مسألة: الإمام إذا أحدث راكعا أو ساجدا أو قاعدا
مسألة وسئل ابن القاسم عن الإمام إذا أحدث - راكعا، أو ساجدا، أو قاعدا، فتأخر، كيف ينبغي له أن يتأخر وهو ساجد أو راكع؟ وكيف يتقدم المستخلف؟ قال ابن القاسم: إن كان قاعدا تقدم قاعدا، وإن كان قائما تقدم قائما.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا إشكال فيها، وقد مضت فيها في رسم "باع شاة" من سماع عيسى - زيادة بيان لها.
مسألة: قام يصلي ما بقي من صلاته وهو أمي لا يحسن أن يقرأ كيف يقضي صلاته
مسألة وسئل ابن القاسم عمن أدرك ركعة من صلاة الإمام، فلما سلم الإمام، قام يصلي ما بقي من صلاته - وهو أمي لا يحسن (أن) يقرأ - كيف يقضي صلاته؟ قال ابن القاسم: أحب إلي أن يصلي الذي لا يحسن القراءة في جماعة، ولا يصلي وحده - إذا قدر، ولا يدع أن يتعلم ما يقرأ به في صلاته؛ فإن صلى كما ذكرت ولا يحسن فأدرك ركعة، قضى ما بقي كيف تهيأ له، وليس في ذلك قدر معلوم.
قال محمد بن رشد: قد تقدم فوق هذا - الكلام على هذه المسألة، فلا معنى لإعادته - وبالله التوفيق.
مسألة: أدركوا من صلاة الإمام ركعتين فلما سلم قاموا فقدموا رجلا منهم
مسألة وسئل ابن القاسم عن قوم أدركوا من صلاة الإمام ركعتين، فلما سلم قاموا فقدموا رجلا منهم، فأمهم في الركعتين الباقيتين من صلاتهم، هل تجزئهم صلاتهم؟ قال ابن القاسم: أحب إلي أن يعيدوا في الوقت وبعد الوقت.
وسئل ابن القاسم عن إمام مسافر صلى بمسافرين ومقيمين، فلما سلم الإمام، قدم المقيمون رجلين منهم إمامين، كل إمام بطائفة منهم، فأتما بهم الصلاة؟ هل تجزئهم صلاتهم، أم تفسد على الطائفتين جميعا صلاتهم؟ قال ابن القاسم: يعيدون في الوقت أحب إلي وبعد الوقت.
قال محمد بن رشد: في كتاب ابن المواز في المسألة الثانية: أنهم يعيدون في الوقت وبعده، لخلاف سنة المسلمين، ولخلافهم سنة عمر، وقاله أصبغ؛ وقد تقدمت هذه المسألة، ووجه الاختلاف فيها في سماع سحنون، وفي رسم
"لم يدرك"، ورسم " إن خرجت " من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة ذلك - وبالله التوفيق
مسألة: يصلي وفي فيه الدرهم أو في أذنه درهم
مسألة وسئل ابن القاسم عن الرجل يصلي وفي فيه الدرهم، أو في أذنه درهم، أو على رأسه خرقة، مثل المنديل - وليست بعمامة، أو يصلي في سراويل وليس عليه غيره، أو يصلي في سراويل وعمامة يلقيها على كتفه، أو سراويل وإزار يرتدي به - ولا يتوشح، أو يصلي مشمر الكمين، محتزما بخيط أو حبل، كما كان يعمل، هل تجزئه صلاته؟ أم يعيد ما كان في الوقت؟ وما حد الوقت الذي يعيد فيه الصلاة؟ قال ابن القاسم: إذا كان الدرهم في أذنه فلا بأس به، وأما في فيه فإني أكرهه.
قال: وقال مالك: وأما الخرقة والوقاية على رأسه، فلا بأس بالصلاة بذلك - إذا كان طاهرا ما لم يتعمد أن يكفت به شعره من غبار أو غير ذلك؟ وكذلك الذي يصلي مشمر الكمن لا بأس به إذا لم يتعمد بذلك حين يدخل في الصلاة؛ وأما أن يكون الرجل في عمل مشمر الكمن بحضرة الصلاة، فلا بأس به؛ وكان مالك يكره
الصلاة في السراويل وحده، إلا ألا يجد غيره، ويقول إذا كان معه إزار توشح به ولم يرتد.
قال محمد بن رشد: هذه المسائل كلها بينة المعنى، أما تخفيف ابن القاسم لصلاته بالدرهم يكون في أذنه، فلأن ذلك مما لا يشغله فيها؛ وأما كراهيته لكونه في فيه، فلما في ذلك من اشتغاله به عند قراءته عما يلزمه من الإقبال على صلاته؛ وأما تخفيف مالك لصلاته بالخرقة والوقاية يجعلها على رأسه، فإنما معناه إذا احتاج إلى ذلك ليستدفئ به، أو نحو ذلك، إذ ليس ذلك من الهيئة المستعملة إلا في الخلوة دون الجماعة، وشرط ألا يقصد أن يكفت بذلك شعره من غبار أو غيره، لما جاء من النهي عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أن يصلي الرجل - وشعره معقوص.
وأجاز أن يصلي الرجل مشمر الكمين - إذا حضرت الصلاة - وهو على تلك الحال، لعمل كان فيه، فيشمر من أجله لما (قد) يشق عليه في بعض الأحايين من مفارقة شمرته، وتحسين هيئته لصلاته، وكره أن يصلي الرجل في السراويل وحده، إلا ألا يجد غيره، لكونه مكشوف البطن والظهر؛ وقد قال عز وجل: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] . وقال عمر بن الخطاب: " جمع رجل عليه ثيابه صلى في إزار ورداء في قميص ورداء " - الحديث.
فحسن الهيئة في اللباس مشروع في الصلاة؛ لأن المصلي يناجي ربه، ويقف بين يدي خالقه؛ فيجب عليه أن يتأهب لذلك، ويتجمل له بتحسين هيئته في لباسه، فإن الله جميل يحب الجمال.
وإذا كان الرجل يلتزم ذلك في المجتمعات، وعند الكبراء من الناس، فما بالك بالوقوف بين يدي الله رب الناس.
مسألة: المرأة تصلي ورأسها مكشوف ليس عليه خمار ولا مقنعة
مسألة وسئل ابن القاسم عن المرأة تصلي ورأسها مكشوف ليس عليه خمار ولا مقنعة، أو صلت في درع رقيق يصف جسدها، هل تعيد الصلاة متى ما ذكرت؟ أو صلت في ثوب واحد وهو صفيق؟ أو صلت وعليها ثوب وخمار رقيق يبين قرطيها، وعنقها، ونحرها، وبعض رأسها؟ أو صلت في ملحفة متوشحة بها، قد غطت رأسها واستترت بها، هل يجزئها؟ أم تعيد في الوقت؟ وما حد الوقت الذي تعيد فيه؟ قال ابن القاسم: إذا صلت وليس عليها خمار، أو صلت وعليها ثوب رقيق يصف، أو نحو ذلك مما تعاد فيه الصلاة، فإنها تعيد ما كانت في الوقت؛ والوقت للظهر والعصر إلى اصفرار الشمس، وكذلك قال مالك؛ وأما التي تصلي في ثوب واحد ملتحفة به، فإن كانت تستتر به - كما لو كان عليها درع وخمار، ويستر كل شيء منها بلا اشتغال منها بشيء من ذلك تمسكه بيديها، فلا بأس به؛ فأما إن كانت تمسكه بيديها، فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: ساوى بين أن تصلي المرأة بغير خمار، أو تصلي - وعليها خمار رقيق يصف - فيما تؤمر به من الإعادة، لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها» - الحديث.
لأنهن إذا لبسن ما يصفهن ولا يسترهن، فهن كاسيات في الفعل والاسم، عاريات في الحكم والمعنى؟ وقال: إنها تعيد إلى اصفرار
الشمس، لكون الإعادة عليها مستحبة غير واجبة؛ فأشبهت عنده النافلة، ولذلك لم ير أن يصلى في وقت لا يصلى فيه نافلة، وقد قيل إنها تعيد إلى الغروب.
وهذه إحدى المسائل الأربعة التي قد اختلف فيها: فقيل إنها تعيد إلى الغروب، وقيل إلى الاصفرار، والثانية المصلي بنجاسة ولا يعلم، والثالثة المصلي إلى غير القبلة، والرابعة ذاكر صلوات كثيرة قبل أن يصلي الظهر والعصر، فإنه يبدأ بالظهر والعصر، إلا أن يكون إن بدأ بالفوائت التي ذكر، يدرك الظهر والعصر قبل اصفرار الشمس؛ وقيل في هذه قبل ذهاب الوقت المستحب - قاله ابن حبيب، وقد مضى ذلك في سماع سحنون.
مسألة: المريض الذي لا يستطيع القراءة ولا التكبير
مسألة وسئل ابن القاسم عن المريض الذي لا يستطيع القراءة ولا التكبير - وهو يعرف الصلاة، أيجزئه أن ينوي التكبير ويومئ في الركوع والسجود بغير قراءة - وتجزئه صلاته؟ قال ابن القاسم: يحرك لسانه بالتكبير والقراءة على قدر ما يطيق، وتجزئه الصلاة ولا يجزئه أن ينوي التكبير والقراءة إذا لم يحرك بذلك لسانه.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة في الذي لا يستطيع القراءة ولا التكبير من أجل مرضه بإسماع نفسه في موضع السر، ورفع صوته في موضع الجهر - ألا يجهر، ومشقة تلحقه في ذلك، وأما لو كان لا يستطيع أن يحرك لسانه بالتكبير والقراءة، لأجزأته صلاته دون أن يحرك لسانه بشيء من ذلك؛ لأن عدم القدرة على الفروض، مسقط لوجوبها بإجماع؛ قال الله تعالى:
﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 233] ، وقد مضت في سماع سحنون مسألة من هذا المعنى.
مسألة: نزل الماء في عينيه ويؤمر أن يستلقي على ظهره أياما
مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي ينزل الماء في عينيه ويؤمر أن يستلقي على ظهره أياما، أيصلي مستلقيا على ظهره، أم يقعد ويومئ برأسه؟ قال ابن القاسم: لا يفعل ولا يقدحهما، فإن فعل وجهل، قام فصلى - وإن ذهبت عيناه، كذلك قال مالك.
قال موسى بن معاوية الصمادحي: حدثني هشيم بن خالد عن الربيع، عن رجل، عن جابر بن زيد، أنه قال: لا بأس أن يقدح الرجل عينيه، ويصلي على قفاه ويومئ إيماء.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في أول السماع والكلام عليها - موعبا فلا معنى لرده.
مسألة: نفر من المرضى مجتمعين في بيت أيجمعون الصلاة في مرضهم
مسألة وسئل ابن القاسم عن نفر من المرضى مجتمعين في بيت، أيجمعون الصلاة في مرضهم، ويؤمهم رجل منهم؟ وهل يجوز لهم
ذلك ولا يستطيعون القيام ويجمعون (قعودا) ؟ أو كيف بهم إن كانوا قعودا - وإمامهم مضطجع لا يقوى على القعود؟ وكيف إن كانوا مضطجعين كلهم، أيجمعون الصلاة؟ قال ابن القاسم: إذا كانوا قعودا لا يستطيعون القيام، فلا بأس أن يؤمهم رجل منهم - وهو قاعد بين أيديهم في القبلة، فأما إذا لم يستطيعوا القعود - وكان إمامهم لا يستطيع الجلوس - فلا أعرف هذا ولا إمامة فيه.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف أعرفه في جواز إمامة المريض الذي لا يستطيع القيام - جالسا - بالمرضى الذين لا يستطيعون القيام - جلوسا، وما وقع في رسم "استأذن" من سماع عيسى لابن القاسم من رواية سحنون عنه - متصلا برواية موسى هذه، من أنه لا يجوز لأحد أن يؤم قاعدا بعد ما كان من فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إنما معناه في إمامة المريض الجالس بالأصحاء - قياما، فليس بخلاف لرواية موسى، وقد تقدم ذلك هناك؛ وأما إمامة المضطجع المريض بالمضطجعين المرضى، فمنع من ذلك في الرواية، والقياس أن ذلك جائز - إذا اشتدت حالهم، إلا أن يريد أنهم لا يمكنهم الاقتداء به؛ لأنهم لا يفهمون فعله، لأجل اضطجاعه؛ فيكون لذلك وجه، فإن فعل، أجزأته صلاته، وأعاد القوم - قاله يحيى بن عمر، وهو مبين لقول ابن القاسم - والله أعلم.
مسألة: صلاة المحموم الذي به الحمى
مسألة وسئل ابن القاسم عن المحموم الذي به الحمى والنافض، يأخذه ذلك غبا، فيدخل عليه الحين الذي قد عرف أنها تأخذه فيه، فيريد أن يصلي صلاة ذلك الحين قبل أن تأخذه الحمى
أو النافض، فتشغله عن الصلاة.
قال ابن القاسم: لا يقدم الصلاة قبل وقتها، فإن دخل الوقت وزالت الشمس، فلا بأس أن يجمع الظهر والعصر - وهو قول مالك؛ قال: وإن دخل وقت الصلاة والحمى عليه، فأراد أن يؤخرها حتى تنقلع عنه؛ قال: إن طمع أن تنقلع عنه - وهو في الوقت - أخرها، وإلا صلاها ولم يؤخرها، وصلاها كيف استطاع.
قال محمد بن رشد: قوله: إن دخل عليه وقت الصلاة والحمى عليه، فأراد أن يؤخرها حتى تنقلع عنه، أن ذلك له إن طمع أن تنقلع عنه - وهو في الوقت، قيل يريد الوقت المستحب: القامة للظهر، والقامتين للعصر، ومغيب الشفق للمغرب، وانتصاف الليل للعشاء الآخر.
وقيل يريد أنه يؤخر الظهر والعصر إلى آخر وقت العصر المستحب - وهو القامتان، ويؤخر المغرب والعشاء إلى آخر وقت العشاء المستحب - وهو نصف الليل - وهو الأظهر، وقد وقع في رسم "صلى نهارا ثلاث ركعات" من سماع ابن القاسم، ما ظاهره أن له أن يؤخر المغرب والعشاء من أجل مرضه، فيصليهما جميعا فيما بينه وبين طلوع الفجر - وهو بعيد؛ إلا أن يكون معناه في الوعك الشديد الذي يشبه المغلوب على عقله، فلا يقدر معه على الصلاة؛ وقد ذكرنا ذلك هناك، فهذا ما يحتاج إلى بيانه من هذه المسألة، وسائرها صحيح لا إشكال فيه ولا اختلاف.
مسألة: السفر يوم الجمعة بعد الصلاة
مسألة قال موسى بن معاوية: حدثنا محمد بن عبد الحكم، عن حيوة بن شريح، عن السكن بن أبي كريمة، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من