كتاب زكاة الماشية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المسألة ثلاثة أقوال، قولان وتفرقة، وكذلك الصغار، القياس أن يأخذ منها - إذا كانت كلها صغارا؛ وقد ذهب بعض من تعلق بظواهر الروايات، أن الخلاف لا يدخل في الصغار، وليس ذلك - عندي بصحيح.
مسألة: لا يؤخر الساعي الصدقة عند أهلها
مسألة وأخبرني ابن وهب عن ابن شهاب، أو مالك، أو جميعا، قال: لا يؤخر الساعي الصدقة عند أهلها - وإن كانت عجافا، ولكن يأخذ في الخصب والجدب ولا يؤخر أخذها ولا يضمنوها.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع أشهب، فلا وجه لإعادته.
مسألة: له نصاب ماشية فأفاد إليها غنما أخرى
مسألة وقال بعض المصريين: لو أن رجلا كان له نصاب ماشية، والنصاب ما تجب فيه الزكاة من الغنم؛ فأفاد إليها غنما أخرى، فلما حل حول الغنم الأولى، لم يكن في الغنم الأولى ما تجب فيه الزكاة، نقصت عن حالها بموت أو بأكل أو بغير ذلك؛ وفيما بقي منها ما إن ضمه إلى ما أفاد إليها، وجبت فيها الزكاة؛ أنه لا زكاة عليه في شيء من غنمه حتى يحول عليها حول الآخرة، فيزكيها عند ذلك؛ قال: وكذلك لو أن رجلا كانت عنده ثلاثون شاة، فأفاد إليها غنما أخرى، فلما حل حول الغنم الأولى، كانت الزكاة تجب فيها توالدت، فبلغت ما تجب الزكاة في مثلها؛ فإنه يزكيها، ويزكي معها ما أفاد إليها، ويكون حولها من يوم زكاها، وأصل هذا أنك تنظر إلى الغنم
الأولى فإذا حال حولها، فإن كانت الزكاة تجب فيها، فهي توجب الزكاة فيما أفاد إليها، وإذا حل حولها والزكاة لا تجب فيها، فهي تسقط الزكاة عن غيرها مما أفاد إليها، وإن كان لرجل نصاب ماشية، فأفاد إليها غنما، فهو يزكي ما أفاد إليها على حول نصاب الذي عنده - إذا حل عليها الحول وهي على حالها، لم تنقص عما تجب الزكاة في مثله؛ فإن نقصت فرجعت إلى ما لا زكاة فيه، ثم توالدت فرجعت إلى ما تجب فيه الزكاة - محل حولها، وهي مما تجب الزكاة فيها، فتزكيها على حولها - كما كنت تزكيها لو لم تنقص، وزك معها ما أفدت إليها، وإن حال حولها - وهي على نقصانها - فلا شيء عليك فيها، ولا فيما أفدت إليها، وزكها كلها على حول الآخرة - إلى أن ترجع الغنم الأولى إلى حالها الأول، أو تبلغ ما تجب في مثلها الزكاة، فتزكيها عند ذلك، وتزكي معها ما أفدت إليها، ويكون حولها من يوم زكيت، إلا أن تكون ممن يأتيك الساعي فتؤخر زكاتك إلى مجيئه؛ لأن حولك مجيء الساعي وحلوله عليك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها بينهم، وإنما وجب أن تزكى الفائدة على حول النصاب في الماشية، بخلاف العين، لعلة افتراق الحول من أجل أن الساعي لا يخرج إلا مرة واحدة، ويزكيها على حول النصاب - وإن كان في بلد لا يخرج فيه السعاة - قاله بعض شيوخ القرويين،
ونسبه إلى المستخرجة - وهو قائم من آخر هذه المسألة، فقيل إن العلة في ذلك مخافة أن يخرج السعاة، إذ لا يأمن ذلك، فلا يمكن أن تبقى أحواله على ما رتبها.
مسألة: زكاة خليط الإبل
مسألة وقال بعض المصريين: لو أن رجلا كانت له ثلاثون من الإبل ولثلاثة نفر ثلاثون، لكل واحد منهم عشرة، عشرة، وكان خليطا، لكل واحد منهم بعشرة من إبله، فجاءهم الساعي، فإنه يحسب على الذي له العشرة الثلاثين كلها التي هي لصاحبه؛ لأنه يجمعها على صاحبه فيأخذ من صاحب العشرة ما يصير على عشرته - إذا جمعت كلها، وتفسير ذلك أن الساعي يبدأ بأحد الثلاثة نفر، فيقول له: إن لك عشرة من الإبل، ولفلان صاحبك معك عشرة أخرى، هو لك خليط بها، فهذه عشرون، وله عند فلان وفلان عشرون، فهذه أربعون، فلابد من أن أجمعها عليك كلها فأعرف ما يصير عليك يا صاحب العشرة - إذا جمعتها فأخذه منك، فأربعون من الإبل فيها ابنة لبون، وعليك يا صاحب العشرة من ابنة اللبون التي تجب في إبلكما الربع، ثم يرجع إلى الثاني والثالث، فيفعل بهما مثل ما فعل بالأول، ويأخذ من كل واحد ربع قيمة ابنة اللبون التي وجبت عليهم، ثم يرجع إلى صاحب الثلاثين، فيقول: إن لك ثلاثين من الإبل، ولأصحابك ثلاثين أخرى، وأنت لهم بإبلك خليط، فلا بد من أن أحسب عليك ما لأصحابك، فأعرف ما يصير عليك - إذا جمعتها عليك كلها وأخذه منك، فجميع إبلكم إذا جمعتها ستون،
وفيها حقة طروقة الفحل، فعليك يا صاحب الثلاثين نصفها فهاتها، فيأخذ ذلك منه ويستوفي الساعي صدقته كلها؛ قال: وإنما يأخذ قيمة النصف الذي وجب عليه دنانير، أو دراهم، قال: وكذلك لو أن رجلا كانت له خمسة عشر من الإبل، ولثلاثة نفر خمسة عشر، لكل واحد منهم خمسة، خمسة؛ فكان خليطا، لكل واحد منهم بخمسة، فإن الساعي يبدأ بأحدهم فيقول له: إن لك خمسة، ولصاحبك معك خمسة، فهذه عشرة، وله مع فلان خمسة، ومع فلان خمسة، فهذه عشرون؛ ولا بد لي من أن أجمعها عليكم؛ لأنه لك بها كلها خليط، وأعرف ما يجب عليك فيها، وما يصير عليك يا صاحب الخمسة، فالذي يجب في عشرين من الإبل أربع شياه، والذي يصير على صاحب الخمسة شاة يأخذها منه، ثم يرجع إلى الثاني، والثالث، فيفعل بهما مثل ذلك، ثم يرجع إلى صاحب الخمسة عشر فيقول له: إن لك خمسة عشر، ولأصحابك مثلها؛ فهذه ثلاثون، وأنت لهم خليط بإبلك، ولا بد من أن أجمعها عليك فأعرف ما يصير فيها إذا جمعتها، ثم آخذ منك ما يصير على إبلك؛ فالذي يجب في ثلاثين من الإبل بنت مخاض، والذي يصير على الخمسة عشر نصفها، فيأخذ منه نصف قيمة ابنة مخاض التي وجبت عليهم - إذا جمعت إبلهم، ثم يذهب عنهم؛ قال: ومجرى الغنم، والبقر، مجرى الإبل؛ والعمل في ذلك كالعمل في الإبل سواء الأمر فيه كما وصفت لك، فافهم هذا واعرفه، فإنه باب حسن.
(قال محمد بن رشد) : معنى هذه المسألة أن الذي له ثلاثون من الإبل هو خليط، لكل واحد من خلطائه بعشرة، عشرة، وليس بعض خلطائه خليطا لبعض، وهي مسألة حسنة - كما قال جارية على ما في المدونة في الذي له أربعون من الغنم مع خليط له أربعون، ولخليطه أربعون أخرى ليس له فيها خليط: أن الذي ليس له إلا أربعون يكون خليطا لصاحبه بجميع غنمه، فيأخذ المصدق منهم شاة يكون ثلثها على رب الأربعين، وثلثاها على رب الثمانين، وقد قيل في مسألة المدونة: إنه يكون كل واحد منهما خليطا لصاحبه بما خالطه به لا أكثر فيأخذ الساعي منهما عن الثمانين التي هما فيها خليطان - شاة، ويأخذ من صاحب الثمانين عن الأربعين التي لا خليط له فيها - نصف شاة؛ لأنه يضيفها إلى الأربعين التي قد زكاها مع خليطه، فيكون عليهما - على هذا القول شاة ونصف شاة، وهو مذهب ابن الماجشون، وسحنون، ويأتي على هذا القول في مسألة الإبل، أن الساعي يقول لواحد من أصحاب العشرة، ولصاحب الثلاثين: أنتما خليطان بعشرين، عشرة لكل واحد منكما، فعليكما أربع شياه، فيأخذها منهما شاتين من كل واحد منهما، ثم يفعل بالثاني منهم، وبصاحب الثلاثين - مثل ذلك، ثم بالثالث، وبصاحب الثلاثين - أيضا - مثل ذلك، فيكون قد أخذ منهم جميعا فيما وجب عليهم - اثنتي عشرة شاة، ستة من صاحب الثلاثين، واثنتين، اثنتين، من أصحاب العشرة، وقيل في مسألة المدونة أيضا: إن الذي ليس له إلا أربعون، يكون خليطا للذي (خالطه بما) خالطه به لا أكثر، ويكون الذي خالطه خليطا له بجميع
غنمه، فيأخذ الساعي من الذي له أربعون نصف شاة؛ لأنه يقول له: لك أربعون، ولخليطك معك أربعون، فجميع ذلك ثمانون، وفيها شاة عليك نصفها، ويأخذ من الذي له ثمانون ثلثي شاة؛ لأنه يقول له: لك ثمانون، ولخليطك أربعون، فجميعها مائة وعشرون - وفيها شاة، عليك ثلثاها، فيكون عليهما على هذا القول شاة وسدس شاة، ويأتي على هذا القول في مسألة الإبل - أن الساعي يقول لواحد من أصحاب العشرة أن لك عشرة من الإبل، وأنت بها خليط لعشرة من الإبل، فجميعها عشرون، وفيها أربع شياة، فعليك منها شاتان تأخذها منه؛ ثم تفعل بالثاني والثالث مثل ذلك، ثم يقول لصاحب الثلاثين: إن لك ثلاثين - وأنت بها خليط لخلطائك بثلاثين، فجميعها ستون؛ وفيها حقة طروقة الفحل، فعليك نصفها، فهاتها فيأخذ منه نصف قيمتها، وقد قيل: إنه يأتي بها فيكون شريكا معه فيها؛ وقد قيل في مسألة الإبل إنهم كلهم خلطاء الخليط وخليط الخليط، فيأخذ منهم حقة طروقة الفحل؛ لأن الجميع ستون، فتكون بينهم على عدد ما لكل واحد منهم من الإبل، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وحكاه عن ابن الماجشون، وقاله بناء على رواية مطرف عن مالك في مسألة قال فيها بمثل جوابه فيها، ولم يتكلم في المدونة على خليط الخليط، وإنما تكلم على الخليط - إذا كانت له غنم لم يخالط بها؛ فاحتمل أن يكون مذهبه فيها في خليط الخليط - على ما في العتبية عن بعض المصريين، واحتمل أن يكون على ما ذهب إليه ابن حبيب، والأول هو الذي حفظناه عن الشيوخ؛ وعلى قياس ما ذكرناه يجري القول في المسألة الثانية - وهي التي يكون له خمسة عشر من الإبل، وهو بكل خمسة منها خليط لرجل بخمسة على حدة؛ ففي مسألة المدونة ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنهما خليطان بجميع الغنم، والثاني: أنهما لا يكونان خليطين إلا بما يخالطان به منها، والثالث: أن صاحب الأربعين يزكي على ما خالط به، وصاحب الثمانين يزكي على أنه خليط بجميع غنمه؛ وفي مسألة العتبية أربعة أقوال، الثلاثة منها على قياس الثلاثة الأقوال في مسألة المدونة - إذا لم يزك غنم خليط الخليط - على الخلطة، والقول الرابع: تزكية جميعهم على الخلطة، وقد مضى بيان ذلك كله وتفسيره، وتبين الأربعة الأقوال
بمسألة يتنزلها - وهي أن يكون لرجل ستون شاة، ثلاثون منها مع خليط بثلاثين، والثلاثون الأخرى مع خليط آخر بثلاثين - أيضا؛ فجميع الغنم على هذا مائة وعشرون، يأخذ منها المصدق شاة واحدة على القول بأنها تزكى كلها على الخلطة، ويأخذ منها شاتين على القول: بأنه يزكي كل واحد منهما مع الذي خالطه بما خالطه به، وذلك أنه يقول لصاحب الستين ولخليطه: - أنتما خليطان بستين، فيأخذ منهما شاة بينهما، ثم يقول لصاحب الستين أيضا، ولخليطه الآخر: أنتما خليطان بستين، فيأخذ منهما شاة أيضا بينهما، ويأخذ منهما شاة ونصفا على القول بأنه يزكي كل واحد من الخليطين على أنه خليط بما خالط به لا أكثر، وأنه يزكي الذي خالطهما جميعا على الخلطة في الجميع؛ وذلك أنه يقول لأحد الخليطين لك ثلاثون من الغنم، (ولخليطك ثلاثون، فجميعها ستون؛ وفيها شاة، فعليك نصفها، فيأخذ منه نصف شاة، ويقول لصاحبه مثل ذلك، فيأخذ منه نصف شاة أيضا، ثم يرجع إلى صاحب الستين فيقول له: لك ستون، وأنت خليط لخليطيك بستين، فجميعها مائة وعشرون، وفيها شاة، فعليك نصفها، فيأخذ منه نصف شاة، فيستوفي صدقته، ويأخذ منها شاة وسدسا - على القول بأن يزكي كل واحد من الخليطين على أنه خليط للذي خالطه بجميع غنمه، وإن لم يخالطه إلا ببعضها، وأنه يزكي الذي خالطهما جميعا على الخلطة في الجميع، وذلك أن يقول لأحد الخليطين: لك ثلاثون من الغنم) ، ولخليطك ستون، فجميعها تسعون، وفيها شاة عليك ثلثها، فيأخذ منه ثلث شاة، ويقول لصاحبه مثل ذلك، فيأخذ منه ثلث شاة أيضا، ثم يرجع إلى صاحب الستين، فيقول له: لك ستون، وأنت خليط لخليطيك بستين، فجميعها مائة وعشرون وفيها شاة، فعليك نصفها فيأخذ منه نصف شاة.
فهذه أربعة أقوال بينة في مسألة واحدة، وهذا التنزيل على مذهب من لا يراعي النصاب في الخلطة، ومالك يراعيه في الانتهاء دون الابتداء؛ ولو كانت لرجل عشرون من الإبل خالط بكل عشرة منها خليطا بعشرة - على
حدة، لوجب للساعي فيها على القول الأول بنت لبون، يأخذها من جميعهم، ويترادون فيها على عدد إبلهم، ويجب له فيها على القول الثاني ثمان شياه: أربع شياه على صاحب العشرين، وشاتان، شاتان - على كل واحد من صاحبي العشرة، وذلك أنه يقول لصاحب العشرين، ولأحد خليطيه: أنتما خليطان بعشرين عشرة، عشرة، لكل واحد منكما، فعليكما أربع شياه: شاتان على كل واحد منكما، ثم يقول لصاحب العشرين أيضا، ولخليطه الآخر: أنتما خليطان بعشرين: عشرة، عشرة لكل واحد منكما، فعليكما أربع شياه: شاتان، شاتان، على كل واحد منكما؛ ويجب له فيها على القول الثالث نصف ابنة مخاض، وأربع شياه؛ وذلك أنه يقول لصاحب العشرين: لك عشرون من الإبل، ولخليطيك عشرون، فجميعها أربعون، وفيها ابنة لبون، وعليك نصفها، فيأخذ منه نصف ابنة لبون، ثم يقول لأحد الخليطين - صاحب العشرة: لك عشرة من الإبل، ولخليطك عشرة من الإبل، فجميعها عشرون، وفيها أربع شياه، عليك منها شاتان، فيأخذ منه شاتين، ويفعل بصاحبه مثل ذلك، فيستوفي حقه نصف ابنة لبون، وأربع شياه، ويجب له فيها على القول الرابع ثلثا ابنة لبون مخاض ونصف ابنة لبون، وذلك أنه يقول لأحد الخليطين صاحب العشرة: لك عشرة من الإبل، ولخليطك عشرون، فجميعها ثلاثون، وفيها ابنة مخاض، فعليك ثلثها، فيأخذ منه ثلث ابنة مخاض، ويفعل بصاحبه مثل ذلك، فيأخذ منه ثلث بنت مخاض أيضا؛ ثم يرجع إلى صاحب العشرين فيقول له: إن لك عشرين من الإبل، ولخليطيك عشرون: عشرة، عشرة، فجميعها أربعون، وفيها ابنة لبون، عليك منها نصفها، يأخذ ذلك منه ويستوفي جميع حقه؛ وهذه أيضا أربعة أقوال بينة في هذه المسألة على
مذهب مالك في الابتداء والانتهاء، فقس عليها سواها تصب - (إن شاء الله) - وبالله تعالى التوفيق.