كتاب النذور الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
التي مضت فيها سنة ولا أمر، قيل له: فهدي واحد يجزئ عنه؟ قال: نعم.
قال محمد بن أحمد: أوجب مالك على الحالف في هذه المسألة الهدي لركوبه ولم يوجب عليه شيئا لما وضع عن نفسه من حمله الشيء على عنقه فلو مشى ولم يركب لم يجب عليه شيء على هذه الرواية خلافا لما في المدونة في الذي يقول: أنا أحمل هذا العمود أو هذه الطنفسة أو ما أشبه ذلك إلى بيت الله أنه يحج ماشيا ويهدي لموضع ما وضع على نفسه من المشقة في حملان تلك الأشياء إلا أن يفرق بين النذر واليمين مراعاة لقول من لا يرى الشيء واجبا باليمين، والأظهر أن ذلك اختلاق من القول، وألا يكون على الذي قدر أن يحمل الشيء على عنقه إلى بيت الله إلا المشي راجلا كما قال في الذي نذر أن يمشي إلى بيت الله حافيا أنه ينتعل، وإن أهدى فحسن، وإن لم يهد فلا شيء عليه، وهو خفيف إذ لا طاعة لله في حفائه ولا في حمله الشيء على عنقه، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ، فوجب أن يسقط عنه ما قدّره على نفسه مما لا طاعة لله فيه ولا يلزمه في ذلك شيء ولو لزمه في ذلك شيء لكان الواجب في ذلك كفارة يمين لما جاء في ذلك عن النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وأخذ به جماعة من العلماء على ما قد ذكرناه في رسم "صلى نهارا ثلاث ركعات" قبل هذا.
مسألة: المرأة المولى عليها تحلف بصدقة ما تملك على المساكين
مسألة وسئل مالك عن المرأة المولى عليها تحلف بصدقة ما تملك
على المساكين أو بأنها تحمل ابن عم لها إلى بيت الله إن تزوجته فقدر لها أن تزوجته.
فقال: أرى أن تمشي إلى بيت الله، قال: إنها لا تستطيع أن تمشي، قال: فلتركب ولتهد قال: إنها صرورة، قال: فلتدخل بعمرة إن أحبت وتمشي بعد حجتها عن نفسها قال: أيجزيها أن تدخل بعمرة في مشيها فتحج لنفسها؟ قال: نعم، قال: أفترى عليها هديين؟ قال: نعم إن اعتمرت في أشهر الحج، فعليها هدي لتمتعها وهدي لما ركبت، وهديان في هذا يجزيان عنها.
فقيل له: أفتأكل منهما جميعا؟ فقال: نعم، وأرى عليها صدقة ثلث مالها، قال سحنون: هذا خطأ وما ينفعها الولاية إذا كانت تنفق مالها؟ فليس هو كما قال.
قال محمد بن أحمد: حمل مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ - حلف المرأة بحمل ابن عمها إلى بيت الله على أنها أرادت حمله على عنقها فأوجب عليها إذا حنثت المشي إلى بيت الله والهدي إن لم تستطع المشي فركبت، وذلك خلاف لما في المدونة في موضعين.
أحدهما حمل يمينها على أنها أرادت حمله على عنقها؛ لأنه قال في المدونة فيمن قال أنا أحمل فلانا إلى بيت الله: أنه يحج راكبا ويحج معه بالرجل إلا أن ينوي حمله على عنقه، والموضع الثاني قوله: أنها تمشي إلى بيت الله وتهدي إن لم تستطع المشي فركبت على ما قاله في المسألة التي قبلها؛ لأنه قال في المدونة: إن أراد حمله على عنقه حج ماشيا وأهدى يريد لما وضع عن نفسه من حملانه على عنقه، فعلى قوله فيها: يهدي إن لم يستطع المشي فركب هديين، هديا لركوبه وهديا لما وضع من المشقة في نفسه، وقوله: إنها إن كانت صرورة كان لها أن تدخل بعمرة وتحج بعد ذلك لنفسها وتهدي لتمتعها إن كانت عمرتها في أشهر الحج صحيح مثل ما في المدونة وغيرها لا اختلاف في ذلك، وقوله وأرى عليها صدقة ثلث مالها معناه إذا ملكت أمرها وصار مالها إليها، وكان ذلك هو المال الذي كان
لها يوم حلفت فإن كان قد زاد لم يكن عليها أن تتصدق بثلث مالها الزائد، وإن كان قد نقص لم يكن عليها أن تتصدق إلا بثلث الباقي، وأما ما وجب عليها من الهدي لتمتعها ومشيها؛ فإن كان الولي منعها من مالها ولم تصم فعليها إذا ملكت أمر نفسها أن تهدي من مالها كان ذلك المال أو غيره، وفي آخر أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح أنه لا يلزمها في مالها صدقة ولا شيء بسبب الولاية مثل قول سحنون هنا، وهو أظهر؛ لأنه إنما حجر عليها نظرًا لها، فلو كان يلزمها إذا رشدت ما فعلت في حال الولاية لما أغنت عنها شيئا، بخلاف العبد والزوجة ذات الزوج والغريم الذي يقع التحجير عليهم لحق غيرهم، وهذا الاختلاف في المولى عليها إنما هو إذا لم يرد الولي فعلها حتى ملكت أمر نفسها وصار مالها بيدها، وبالله التوفيق لا رب غيره.
[مسألة: حلفت لزوجها ألا تتزوج بعشرة نُذُرٍ إلا أن يغلبها أمر لا تملكه فطلقت]
ومن كتاب الشجرة تطعم بطنين في السنة مسألة وسئل عن امرأة حلفت لزوجها ألا تتزوج بعشرة نُذُرٍ إلا أن يغلبها أمر لا تملكه فطلقها زوجها فاحتاجت وأرادت التزويج، فقال لها: هل جعلت لذلك مخرجا من حج أو عمرة أو عتق أو صيام؟ قالت: لا، ولكن كان مني مُسْجَلَة، قال: فأطعمي مائة مساكين بالمد الأصغر لكل مسكين مد، فإن لم تقدري فصومي ثلاثين يوما.
قال محمد بن أحمد: قولها إلا أن يغلبها أمر لا تملكه معناه إلا أن تشتهي الرجال أو تخاف على نفسها العنت، وعلى هذا حمل مالك استثناءها؛ ولذلك لم ير الحاجة مما يسقط عنها اليمين، وقوله: إنها تطعم مائة مسكين إن
كانت لم تجعل لما نذرت مخرجا صحيح على أصولهم في أن من نذر نذرا، ولم يجعل له مخرجا فكفارته كفارة يمين، وبالله التوفيق.
مسألة: أبق له غلام فأخذه فحلف له إن عدت لأضربنك فعاد فأبق فلم يضربه
من سماع أشهب وابن نافع من مالك من كتاب الأقضية مسألة قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع قالا: سئل مالك عمن أبق له غلام فأخذه فحلف له إن عدت لأضربنك، فعاد فأبق فلم يضربه ثم عاد فأبق له فضربه أتراه خرج عن يمينه؟ قال: لا أراه وقّت وقتا وأرى ذلك قد أخرجه عن يمينه إذا ضربه الضرب الذي حلف عليه ضربا لا عذابا ولا دون.
قال محمد بن أحمد: هذا خلاف ما مضى في رسم حلف ليرفعن أمرا من سماع ابن القاسم في مسألة الوتر، وقد مضى القول على ذلك هناك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول لله علي إن جاءني الله بأبي يوم كذا وكذا أن أتصدق أو أعتق
ومن كتاب الأقضية مسألة وسئل عن الرجل يقول: لله علي إن جاءني الله بأبي يوم كذا وكذا أن أتصدق أو أعتق أو أصوم أو أصلي، قال: لا بأس بذلك، قال عز وجل: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] ، ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: 35] آل عمران، 35.
قال محمد بن أحمد: أجاز مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أن يقول الرجل: لله علي أن أفعل كذا وكذا من الخير ولم ير به بأسا، وقد كره جماعة من أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم النذر، لما روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن النذر، وقال: " إنه لا يغني شيئا " ولكن يستخرج به من البخيل» ولما روي عنه أيضا من رواية أبي هريرة أنه قال: «لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا.
وإنما يستخرج به من البخيل» ويحتمل أن يكون النهي لم يصح به عند مالك ويحتمل أن يكون معنى النذر المنهي عنه في الحديث تعجيل ما يجب تعجيله أو تأخير ما يجب تأخيره مما لا عمل للنذر فيه إذ لا يغني من القدر شيئا كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فالنذر على مذهب مالك ينقسم ثلاثة أقسام:
نذر مستحب وهو النذر المطلق الذي يوجبه الرجل على نفسه شكرا لله على ما كان ومضى.
ونذر جائر وهو النذر المقيد بشرط يأتي.
ونذر مكروه وهو المؤقت الذي يتكرر مع مرور الأيام فقد كرهه في المدونة لشدته مخافة التفريط في الوفاء به، والله أعلم.
مسألة: ابتاع من رجل سلعة ثم سأله أن يضع عنه عشرة دنانير
مسألة وسئل عمن ابتاع من رجل سلعة ثم سأله أن يضع عنه عشرة دنانير فقال له البائع: الله يعلم أني لا أضع لك أله مخرج؟ فقال:
نعم لو كفر عن يمينه، قيل له: لو كفر عن يمينه؟! قال: نعم يطعم عشرة مساكين.
قال محمد بن أحمد: ظاهر قول البائع الإخبار عن الله تعالى بأنه يعلم أنه لا يضع له وهو قول علمه عز وجل بألا يعلم إذ لا يدري هل يضع عنه أم لا يضع فإن كان سبق في علم الله تعالى أنه يضع عنه فهو عالم أنه يضع عنه وإن كان سبق في علمه أنه لا يضع عنه فهو عالم أنه لا يضع عنه، إلا أنه لما قصد البائع بما قاله من هذا الامتناع من الوضيعة احتمل عنده أن يكون قصد بذلك اليمين بأن يجعل يعلم صفة لله بمعنى عالم، فتكون إرادته الله العالم أقسم به أني لا أضع لك، فأمره بالكفارة احتياطا إن لم يضع عنه، فإن كان أراد اليمين وقعت الكفارة في موضعها، وإن كان أراد الإخبار ولم يرد اليمين رجا أن تكون الكفارة تكفر عنه الإثم في أن قال على الله ما لا يعلم هذا وجه هذه الرواية عنده، والله أعلم.
وقد روي عن سحنون فيمن قال علم الله إن فعلت كذا فقال: إن أراد العلم فهو كالحالف بصفة من صفات الله تعالى، وإن لم يرد العلم فلا شيء عليه، يريد بذلك أنه أراد فعلم العلم، فكأنه قال: وعلم الله، وقد يحذف واو القسم، وإن لم يرد العلم فقوله إخبار لا يلزمه به شيء وهو يريد ما قلناه، والله أعلم.
مسألة: حلف وقال إن شاء الله ينوي به الاستثناء
مسألة قال أشهب: وسئل مالك عن قول ابن عمر: من حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى، فقال: إنا لنقول غير هذا نقول إذا حلف وقال: إن شاء الله ينوي به الاستثناء فذلك له ولا حنث عليه، وإن
كان إنما قال إن شاء الله لهجا بذلك مثل قول الله عز وجل: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: 23] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 24] ، ومثل قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27] ، فليس ذلك باستثناء ولا يغني عنه ذلك شيئا.
قال محمد بن أحمد: قول مالك: إن قول الرجل إذا حلف وقال إن شاء الله لا يكون استثناء إلا أن ينوي به الاستثناء ويقصد به إلى حل اليمين صحيح ليس مما يختلف فيه، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنما الأعمال بالنيات» ولا يمكن أن يقول ابن عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، خلاف ذلك، فقول مالك: إنا لنقول غير ذلك معناه إنا لنقول ما هو أفسر من قوله وأبين من كلامه لما جاء من إجماله، والله أعلم.
مسألة: كان عليه مشي إلى بيت الله فمشى حتى انتهى إلى مكة وقد فاته الحج
ومن كتاب الحج مسألة وسئل مالك عن رجل كان عليه مشي إلى بيت الله فمشى في حج حتى انتهى إلى مكة وقد فاته الحج فطاف بالبيت وركع ركعتين وسعى بين الصفا والمروة فصار حجه عمرة فحل أقد انقضى مشيه؟ . فقال: نعم قد انقضى مشيه وعليه حج قابل، قلت له: أرأيت إذا حج قابلا أعليه أن يمشي من مكة إلى منى حتى يقضي حجه؟ قال: ليس عليه ذلك، قيل له: إنه قد كان مشى في حج ففاته الحج، فقال:
قد كان مشى في حج وليس ذلك عليه فإذا فاته الحج فقد صار عمرة وقضى مشيه ولا شيء عليه فيما يستقبل.
قال محمد بن أحمد: هذا مثل قوله في المدونة إنه إذا كان عليه مشي فجعله في حج ففاته الحج أنه يحمل العمرة ويجزيه المشي ويحج عاما قابلا راكبا، وليس عليه أن يمشي بقية مناسك الحج التي فاتته بخلاف إذا نذر المشي في حج، هذا عليه إذا فاته الحج فحل بعمرة ثم حج عاما قابلا راكبا أن يمشي بقية مناسك الحج التي فاتته.
وقال فضل: القياس أن يكون عليه إذا رجع أن يمشي ما بقي عليه من المناسك إذا جعل مشيه في حج ففاته الحج وإن كان لم ينذره في حج، وقوله عندي صحيح إذ لا اختلاف في وجوب مشي المناسك عليه إذا جعل مشيه في حج وإن كان لم ينذره في حج، فإذا وجب عليه أن يمشي جميع مناسك الحج لجعله مشيه فيه وجب إذا فاتته أن يقضيها ماشيا، كما لو أن نذر.
وقد قال بعض أهل النظر: إن القياس على أصل ابن القاسم في الحج الثالث من المدونة ألا يجزئ شيء لأنه متحلل بعمل العمرة وليست عنده بعمرة صحيحة.
قال: لحلف فيه قول ابن القاسم يريد في المدونة لأنه قد نص فيها أن الذي يصير إلى العمرة وتحلل بعمرة على ما قاله مالك في هذه الرواية من أن حجه بصير قال بما في الذي يجامع بعد أن فاته الحج أن لا عمرة عليه وكان القياس على قوله أن يصير عمرة أن يكون عليه قضاء العمرة إذا وطئ بعد أن فاته الحج.
وقال أيضا في الذي
يتعدى الميقات فأحرم بالحج بعدما تعداه ثم فاته الحج أنه لا دم عليه لتعديه الميقات وكان القياس أيضا على قوله إن حجه يصير عمرة أن يكون عليه الدم لترك الميقات كمن جاوز الميقات ثم أحرم بعمرة وإلى هذه المسألة من لحج الثالث أشار بعض أهل النظر والله أعلم.
ووجه ما ذهب إليه أنه لما كان ما ترك من الإحرام من الميقات لا يعتبر فيه فيلزمه فيه الهدي إذ قد فاته الحج الذي أحرم به فذلك لا يجزيه المشي الذي مشى في إحرامه بالحج إذ قد فاته الحج، والله أعلم.
مسألة: حلف بالمشي من الأندلس إلى مكة
مسألة وسئل مالك عمن حلف بالمشي من الأندلس أترى له سعة في ركوب البحر؟ قال: نعم كيف يصنع إلا ذلك لا بد له منه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأن الذي يحلف بالمشي إلى مكة إنما تقع يمينه على مشي ما يمكن مشيه من الطريق الناجد كمن نذر صوم سنة بعينها أو صلاة يوم بعينه إنما يصح نذره على ما يصح صيامه من الأيام وصلاته من الأزمان وليس عليه أن يحلق في طريقه حتى يقل ركوبه للبحر، بل لا يسوغ له ذلك لأنه يتعب نفسه فيما لا طاعة فيه ولا قربة، إذا لو نذر رجل بالمدينة أن يمشي إلى مكة على الشام أو على العراق أو من الأندلس على غانة وشبهها لم يلزمه ذلك ولا ساغ له، ولو أن رجلا أراد أن يحلق في طريقه إلى المسجد لتكثر خطاه لما جاء من الثواب في ذلك لكان مخطئا في فعله وبالله التوفيق.
مسألة: حلف الناسي
مسألة وسألت امرأة فقالت: إن ابني استخبأني دراهم، ثم إنه سألها مني فرددتها عليه فأخذها ثم رد علي منها خمسة دراهم فخبأتها في
خماري فلما كان بعد ذلك طرحت الخمار عني وأقبلت على عمل بيتي، فجاءني ابني فقال: هات الدراهم الخمسة التي استخبأتك، فقالت له: ما استخبأتني شيئا إلا التي رددت عليك، فقال: بل رددت علي الدنانير والدراهم ثم استخبأتك بعد ذلك خمسة دراهم، فقالت: لا والله، فقال: انظري إن كنت خبأتها في الفراش أو الخصفة، فقلت: علي المشي إلى مكة إن كنت خبأتها في فراش أو خصفة أو شيء، ثم ذهبت أطلب فوجدتها في خماري كما جعلتها فذكرتها، فما ترى علي؟ فقال لها: أليس إنما حلفت ناسية لإعطائه إياك؟ قالت: بلى، فقال: فامش إلى بيت الله، فإن كنت لا تقدرين فامش واهدي، وليس عليك عجلة حتى تجدي وتقوي على ذلك، وأرجو ألا يكون عليك بأس إن شاء الله أبشري، قال لنا: وما هدي مثل هذه؟ قال: أرى هديها شاة، ثم قال: كان يقال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ، لئن دخلت هذه السوداء الجنة فما ضرها سوادها، خافت يمينها هذا الخوف وأخرى أهيأ منها لا تخاف خوفها.
قال محمد بن أحمد: قال لها أليس إنما حلفت ناسية لإعطائه إياك، فقالت: بلى، من أجل ما رأى بها من الفزع لأنها أتت وهي ترعد على ما ذكر في هذه الحكاية في غير هذا الموضع مخافة أن تكون قد وقعت من الإثم والحرج فيما لا مخلص لها منه، ويدل على ذلك قوله خافت يمينها هذا
الخوف فلم يكن عليها في يمينها إثم ولا كفارة لأنها كانت لغوا إذ حلفت بالله تعالى ناسية لإعطائها إياها الخمسة الدراهم، ووجب عليها المشي إلى بيت الله إذ لا يكون اللغو في المشي ولا فيما سوى اليمين بالله تعالى.
وقوله: فإن كنت لا تقدرين فاركبي واهدي، معناه فاركبي إذا عجزت عن المشي بعد أن تمشي ما قدرت عليه واهدي، ولم يأمرها أن ترجع ثانية فيحتمل أن يكون رأى من حالها أنها لا تقدر أن تمشي الطريق كله في مرتين، ولذلك لم يأمرها بالرجوع ثانية إذ لم يختلف قوله فيما علمت أن الحالف بالمشي يلزمه الرجوع ثانية لمشي ما عجز عنه فركبه، ويرى عليه الهدي مع ذلك لتفريق المشي، وأهل المدينة سواه يرون عليه الرجوع ثانية دون الهدي، وأهل مكة يرون عليه الهدي دون الرجوع، ومن أهل العلم من لم يوجب عليه الهدي ولا الرجوع، وقد روي ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وقوله: وليس عليك عجلة حتى تجدي وتقوي، تخفيف منه عليها لما رأى بها من الضعف على القول بأن الأمر لا يقتضي الفور فإن الحج على التراخي، ولتخفيفه عنها في هذا.
قال لها: وأرجو أن لا يكون عليك بأس، وقال لها: أبشري لما رجاه لها من النجاة والخير لشدة ما رآه بها من الخوف، وبالله التوفيق.
مسألة: طلقها فحلفت بالعتق ألا تقبل منه منفعة فكسا جاريتها
ومن كتاب العتق مسألة وسئل عن امرأة طلقها زوجها فحلفت بالعتق ألا تقبل منه منفعة فندم وخدمته جاريتها وقامت عليه، فلما أراد الخروج
كسا جارية لها ثوبا وأعطاها دريهمات، فقال: لا أرى أن تقبل ذلك وأرى أن ترده عليه لأن تلك الكسوة.
هي تنتفع بها تكف عنها كسوة خادمها، وتلك الدريهمات تنتفع بها خادمها وتقوى بها على عملها فلا أرى لها أن تقبل ذلك وأرى أن ترده عليه فإن كان غائبا فلتبعث به إليه، وإن هلك الرجل قبل أن تبعث به إليه ولم تقبله فلا شيء عليها، فإن كان ذلك أمرا قد فات وقبلته فأرى أن تدين في ذلك، فإن قالت: لم أرد هذا، وليس هذا الذي أردت ولم أرد خادمي ولا عبدي رأيت أن تنوى فتحلف على نيتها ولا حنث عليها إلا أن تكون انتفعت بذلك، فإن كانت انتفعت بشيء منه قليلا أو كثيرا فقد حنثت، ورأيت ذلك لازما لها لأنها حلفت ألا تقبل منه منفعة فقد انتفعت وإن كان الذي نالت منه الوليدة إنما هو طعام أكلته رأيت ذلك خفيفا.
قال محمد بن أحمد: المسألة صحيحة على أصولهم لا كلام فيها إلا قوله في آخرها وإن كان الذي نالت منه الوليدة إنما هو طعام أكلته رأيت ذلك خفيفا، فمعناه في الطعام اليسير الذي لا ينحط به عنها من مؤنة نفقة خادمها شيء؟ وكذلك قال مالك في أول سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق، وهو مفسر لهذا والله أعلم.
وإيجابه اليمين عليها إن قبلت ما وهبه إياها لخادمها وادعت أنها لم ترد خادمها صحيح؛ لأنها نية محتملة لا يشهد بصحتها شاهد من ظاهر حال أو دليل لفظ أو عرف مقصد وما أشبه ذلك فتسقط عنها اليمين من أجل ذلك ولا هي أيضا مخالفة لظاهر لفظ اليمين فلا تصدق فيها بيمين ولا بغير يمين؛ لأن ما يدعي الحالف من النية فيما
يحكم به عليه إذا لم يأت مستفتيا لا يخرج عن هذه الثلاثة الأقسام، وأما إذا أتى مستفتيا أو كانت يمينه مما لا يحكم بها عليه فينوي فيما نواه دون يمين وإن كانت نيته التي نواها مخالفة لظاهر لفظه وبالله التوفيق.
مسألة: كان مع أخ له في منزله وكانت له شاة فحلف بالمشي إلى مكة ليبيعنها
ومن كتاب الأقضية مسألة وسئل مالك عن رجل كان مع أخ له في منزله وكانت له شاة فحلف بالمشي إلى مكة ليبيعنها وليخرجنها عنه، فباعها وأخرجها عنه ثم باعها المبتاع من آخر والآخر من آخر ثم أراد أن يبيعها بثمن وكس فأراد صاحبها الأول أن يشتريها فخاف أن يدخل على أخيه في يمينه شيء، وألا يكون خرج من يمينه، فقال: لا يشتريها.
نعم يدخل عليه يمينه شيء وخاف إن اشتراها ألا يكون أخوه خرج من يمينه.
قال محمد بن رشد: حمل يمينه على أخيه أن يبيع الشاة ويخرجها عنه على أنه إنما أراد ألا تكون معه في داره خلاف ما لفظ به، فرأى عليه الحنث إن ردها بعد أن باعها وأخرجها وتداولتها الأملاك.
وقال في رسم تأخير العشاء من سماع ابن القاسم في الذي يحلف على رجل لينتقلن من داره فانتقل أنه لا حنث عليه إن رده إليها بعد أن انتقل عنها إلا أن يكون أراد ألا يساكنه فحمل يمينه على الانتقال الذي لفظ به حتى يريد ترك المساكنة وذلك تعارض بين في الظاهر، وبينهما من جهة المعنى فرق ظاهر، وهو أن يكون الرجل مع الحالف في داره لفظا يختص به وهو السكنى، فلما عدل
الحالف إلى الانتقال حملت يمينه إذا لم تكن نية على ما لفظ به من الانتقال لاحتمال أن يكون أراد معاقبته بذلك، وليس لكون الشاة معه في داره لفظ يختص به، فلما لم يكن لذلك لفظ يختص به فعدل عنه إلى ما لفظ به حملت يمينه على أنه إنما أراد ألا تكون الشاة معه في داره إذ لا غرض يظهر في بيعها وإخراجها من داره إلا ذلك والله أعلم.
مسألة: حلف ألا يأخذ لفلان مالا فمات المحلوف عليه
مسألة ومن حلف ألا يدخل على فلان بيتا حياته فدخل عليه ميتا حنث، ولو حلف ألا يأخذ لفلان مالا فمات المحلوف عليه فأخذ الحالف من تركته مالا فإنه لا حنث عليه إلا أن يكون الميت المحلوف عليه أوصى بوصية أو كان عليه دين فإنه حانث بذلك.
قال سحنون: وكذلك حلف ألا يأكل من طعام رجل فمات المحلوف عليه فأكل الحالف من المال قبل أن يجمع ويقسم، فإن كان عليه دين أو أوصى بوصايا فإنه حانث وذلك أن المال للميت إذا كان عليه دين وعنه يقضى، وليس للورثة مراثا إلا بعد قضاء الدين، وكذلك إذا كانت وصايا ولم يكن عليه دين فهو شريك للورثة بوصاياه في الثلث، فإن أكل من ذلك شيئا حنث، وقد قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] ، فإنما يكون للورثة ما بعد الدين قاله أصبغ.
قال محمد بن أحمد: قوله فيمن حلف ألا يدخل على فلان بيتا حياته فدخل عليه ميتا إنه يحنث هو مثل ما لأصبغ في نوازله بعد هذا في من حلف ألا يدخل بيت فلان ما عاش.
وقال سحنون: لا حنث عليه، وجه القول الأول أن قول الحالف حياته أو ما عاش لا يحمل على أنه أراد بذلك أجلا وقته ليمينه؛ لأن الظاهر من إرادته أنه أراد ألا يدخل عليه أبدا، فعبر عن ذلك بحياته أو ما عاش لأن ذلك هو الغاية التي يقصد بها الناس التأبيد في عرف كلامهم، من ذلك قول الرجل: لا أدخل هذه الدار حياتي أو ما عشت أو لا آكل من هذا الطعام حياتي أو ما عشت ولا أكلم فلانا حياته أو ما عاش إذا أراد أنه لا يفعل شيئا من ذلك كله أبدا، ووجه قول سحنون اتباع ظاهر اللفظ دون مراعاة المعنى، فقول مالك أولى بالصواب، ولو قال الرجل: لا أدخل على فلان بيتا أبدا فدخل عليه ميتا حنث إلا أن يريد حياته قولا واحدا على ما في أول رسم الطلاق الأول من سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق، وما في سماع أبي زيد منه، وقوله فيمن حلف ألا يأخذ لفلان مالا فمات فأخذ من تركته أنه حانث إن كان أوصى بوصية أو كان عليه دين.
قال ابن القاسم في المجموعة وإن لم يكن الدين محيطا به وقد قيل: إنه لا حنث عليه وإن أحاط الدين بتركته، وقاله أشهب وهو الأظهر؛ لأن الميت إذا مات فقد ارتفع ملكه من ماله ووجب لمن يجب له منه أخذه من ورثته وأهل وصاياه وغرمائه إن كان عليه دين، وهذا الاختلاف إنما هو إذا لم يكن للحالف نية ولا كان ليمينه بساط فإن كانت يمين الحالف كراهية للمال لخبث أصله فهو حانث على كل حال كان على الميت دين وله وصية أو لم يكن، وإن كان كراهية لمنه عليه فلا حنث عليه على حال كان على الميت دين أيضا وكانت له وصية أو لم يكن.
مسألة: حلف على صديق له بعتق رقبة إن كلمه حتى يمنع امرأته النفقة
مسألة وقال أشهب: سئل مالك عن رجل حلف على صديق له بعتق رقبة إن كلمه حتى يمنع امرأته النفقة فلا ينفق عليها ما دخلت عليها فلانة وكف عن كلامه فكان الرجل يلقاه ويسلم عليه فلا يرد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مخافة أن يحنث، فلما أكثر عليه من ذلك عمد إلى أخ له فقال: تعلم أني حلفت على فلان ألا أكلمه حتى يكف عن النفقة على امرأته فلا ينفق عليها ما دخلت عليها فلانة وأنه يلقاني فيسلم علي وإني أخاف أن أرد عليه فأحنث، فقال له الرجل: أنا أكفيكه، ثم إن الرجل زوج المرأة لقي الحالف فسلم عليه فرد عليه فخاف أن يكون قد حنث فذهب إلى ذلك الرجل الذي كان استعان به.
فقال له: تعلم أن فلانا لقيني فسلم علي فرددت عليه، إني أخاف أن أكون قد حنثت، فقال له الرجل: لم يحنثك الله قد لقيته قبل أن يلقاك ويسلم عليك فذكرت له ما ذكرت لي فقال لي: إني كنت قد منعتها النفقة قبل ذلك وأنا مجمع على ألا أنفق عليها فيما أستقبل، قال مالك: وما يدريه أن هذا الرجل قد صدقه لعله قد كذبه، أحب إلي أن يعتق رقبة، فقال له السائل: لا والله ولكنه قد صدقه، فقال له مالك: من يضمن له ذلك أنت؟ أحب إلي أن يعتق رقبة لأنه لا يدري لعله قد كذبه والناس يهونون على الناس في مثل هذا من القول فأحب أن يعتق رقبة.
قال محمد بن أحمد: استحب له أن يعتق رقبة لأنه لا يدري هل
صدقه الرجل أو كذبه، فدل ذلك من قوله أنه لو استيقن أنه صدقه لم يكن لاستحبابه له العتق وجه، ففي ذلك من قوله.
نظر؛ لأنه وإن صدق هو فيما أخبر به عن الرجل فقد يكون الذي أخبره قد كذب فيما أخبره به عن نفسه من أنه قد منع امرأته النفقة وأجمع على ألا ينفق عليها فيما يستقبل، فالاختيار له أن يعتق رقبة إلا أن يستيقن أن الرجل قد منع امرأته النفقة قبل أن رد - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، والذي يستيقن به ذلك شهادة رجلين عدلين بذلك.
قال سحنون في كتاب ابنه في نحو هذه المسألة وفي أول رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب من كتاب الشهادات في نحو هذه المسألة إنه لا يقبل في ذلك شهادة أربع نسوة، وهو دليل ما في رسم العرية من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب، ولو أخبره مخبر عدل قبل أن يكلمه أنه قد منع امرأته النفقة لجاز له أن يكلمه ولا يكون عليه شيء من طريق قبول خبر الواحد لا من طريق الشهادة، فاعرف الفرق في ذلك بين أن يكون الإخبار قبل أن يكلمه، أو بعد أن كلمه؛ لأنه قبل أن يكلمه بمعنى الإخبار وبعد أن كلمه بمعنى الشهادة وبالله التوفيق.
مسألة: قالت له زوجته إيذن لي فحلف ألا يأذن لها حتى يقدم فتأخر أيأذن لها
ومن كتاب الجنائز والذبائح والنذور مسألة قال أشهب: وسئل مالك عمن تجهز يريد العمرة حتى إذا حضر مسيره، قالت له امرأته: إيذن لي إلى المخارج التي كنت أخرجها، فحلف ألا يأذن لها حتى يقدم، فبلغه شدة الحر ومرض رقيق كان يريد المسير بهم فأراد المقام بهم حتى يبرد الزمان ويبرأ رقيقه أله أن يأذن لها؟ فقال: إن كان نوى ألا يأذن لها في غيبته لأنه لا واعظ لها ولا معاتب وخاف كثرة الخروج فهو أخف.
قال محمد بن أحمد: يريد أنه إن نوى ذلك فهو أخف وله أن يأذن لها
إن لم تخرج للعلة التي ذكر ولا يكون عليه شيء، وإن لم يكن نوى ذلك فليس له أن يأذن لها إلى مقدار ما كان يرجع إليه من عمرته لو خرج إليها ولم يعقه عن ذلك عائق، فإن أذن لها حنث، وفي سماع أصبغ من كتاب الأيمان بالطلاق في الذي يحلف بالطلاق ألا تدخل امرأته موضعا سماه حتى يقدم من سفر الحج كان أو غيره ثم يبدو له ألا يخرج إن اليمين عليه إلى مقدار رجعته من سفره ولا ينوى في ذلك، فالظاهر أن ذلك خلاف رواية أشهب لأنه لم ينوه، ونواه في رواية أشهب، وعلى الخلاف كان الشيوخ يحملون الروايتين.
وليس ذلك بصحيح، والفرق بين المسألتين أن يمين الحالف في رواية أشهب خرجت على سؤال امرأته إياه أن يأذن لها في الخروج في غيبته إلى المخارج التي كانت تخرجها وكان بساط اليمين شاهدا لما ادعاه من أنه أراد ألا يأذن لها في غيبته فوجب أن يصدق في ذلك لا سيما وهو مستفت إذ لم يأذن لها بعد، وإنما سأل هل يحنث إذا أذن لها، ولعل يمينه أيضا مما لا يقضى به عليه، ورواية أصبغ خرجت يمين الحالف فيها ابتداء على غير سبب فلم يصدق فيما ادعى من النية إذ هي مخالفة لظاهر لفظه ولا دليل عليها من بساط ولا غيره، فوجب أن لا يصدق في ذلك لأن يمينه بالطلاق وهو مما يقضي به عليه ولم يأت مستفتيا، وأما لو كانت اليمين مما لا يقضى به عليه أو أتى مستفتيا لنوي على كل حال باتفاق وإن كانت النية التي يدعي مخالفة لظاهر لفظه وبالله التوفيق.
مسألة: اليمين والنذور في الغضب
مسألة وسألته عن اليمين والنذور في الغضب.
فقال: تلزم صاحبها.
قال محمد بن أحمد: لا اختلاف في المذهب في أن النذور واليمين بالطلاق لازمان في الغضب كما يلزم فيه جميع الحدود من القتل والقذف وغير ذلك إذ ليس الغاضب بمجنون فالقلم عنه غير مرفوع، وما روي من أن
رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين» ليس بصحيح من جهة الإسناد ولا من جهة المتن أيضا؛ لأنه إن كان في حكم المجنون فلا ينبغي أن تلزمه كفارة، وإن كان في حكم الصحيح فينبغي أن يلزمه النذر الذي سماه بعينه إن لم تكن معصية، وقد تأول بعض من ذهب إلى أن من نذر معصية فكفارته كفارة يمين إلى أن معنى لا نذر في غضب أي في غضب الله يريد في معصيته، وهو تأويل بعيد، وما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا طلاق ولا إعتاق في إغلاق» معناه عندنا في إكراه؛ لأن الإغلاق هو الإطباق من أغلقت الباب فكأن المكره قصر عن الفعل وأغلق عليه حتى فعله، وقول من قال: إن الإغلاق الغضب لا يصح؛ لأن الطلاق أكثر ما يكون في الغضب، وإلى ذلك نحا البخاري لأنه بوب باب الطلاق في الإغلاق والكره واستشهد بقوله، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -،: «إنما الأعمال بالنيات» وبقول ابن عباس: الطلاق عن وطر، والعتاق ما أريد به وجه الله تعالى.
مسألة: حلف في جارية له بمشي إلى بيت الله ألا يبيعها بثلاثمائة دينار
مسألة قال: وسألته عمن حلف في جارية له بمشي إلى بيت الله ألا يبيعها بثلاثمائة دينار حتى يزاد فباعها بثلاثمائة دينار فسأله ابن عم له بعد أن انتقد الثمن أن يهب له خمسة عشر دينارا بعد أن فرغا من البيع ولم يكن ذلك على شرط ولا موعد، فوهبها له فأعطاها ابن عمه المشتري، فخاف أن يكون قد حنث فقال مالك: والله إني لأخاف ذلك قد علم أنه إنما يعطيه إياها.
قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال لأن ما رد إليه من الثمن في المجلس فكأنه لم يبع به ولا قبضه فوجب أن يحنث؛ إذ لا فرق بين أن يردها هو عليه أو يعطيها لمن يعلم أنه يردها عليه وقد مضى بيان هذا في رسم حلف ليرفعن أمرا، ورسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم ولو لم يعلم أنه يعطيه إياها وظن أنه إنما استوهبه إياها لا ليردها عليه لما كان بذلك حنث ولا يصدق في ذلك إن كانت يمينه مما يقضى عليه به إلا أن يأتي مستفتيا لأن ظاهر الأمر خلاف ما يدعيه.
مسألة: يحلف ويستثني فيقول علمي
مسألة وسئل عن الحالف يحلف ويستثني فيقول علمي، فقال: ذلك له إن شاء الله ما أوجدها إن كان صادقا أن ذلك علمه.
قال محمد بن أحمد: استثناء الرجل علمه إنما يتصور في الماضي فلا يوجب حكمه إلا فيما يكون فيه اللغو من الأيمان لأن من حلف بالله ما دخل فلان أمس الدار وذلك يقينه وعلمه، ثم انكشف أنه قد كان دخلها فلا شيء عليه لأن يمينه لغو.
ولو قال: علي المشي إلى بيت الله ما دخل فلان أمس الدار وذلك يقينه وعلمه ثم انكشف له أنه قد كان دخلها وجب عليه المشي إلا أن يكون قد استثنى في يمينه فقال: علي المشي إلى بيت الله ما دخل فلان أمس الدار في علمي فينفعه عليه استثناؤه ولا يكون عليه مشي إن انكشف له أنه قد كان دخلها أمس، وقد وقعت من هذا مسألة في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق وهذا من الاستثناء الذي يكون بغير حرف الاستثناء في شرط
اتصاله بالكلام وتحريك اللسان وهو أن يقيد عموم لفظ يمينه بصفة لأن تقييد اللفظ العام بالصفة يخرج منه ما ليس على تلك الصفة فهو بمنزلة أن يستثنيه بإلا أو بسائر حروف الاستثناء، مثال ذلك أن يحلف فيقول: والله لأعطين أخوال فلان درهما درهما فإن لم يعمهم بالإعطاء حنث إلا أن يستثني بعضهم بتقييد صفة مثل أن يقول متصلا بيمينه قبل أن يسكت الصغار ويحرك بذلك لسانه فينفعه استثناؤه ولا يكون عليه أن يعطي الكبار، بمنزلة أن يقول متصلا بيمينه قبل أن يسكت إلا الكبار؛ لأن تقييد لفظ الأحوال بالصغار يخرج منهم الكبار وعلى هذا فقس ما شابهه من هذا النوع وبالله التوفيق.
مسألة: يحلف بالمشي إلى بيت الله ثلاثين حجة إن بات مع أمه
مسألة وسئل عمن يحلف بالمشي إلى بيت الله ثلاثين حجة إن بات مع أمه في قاعة الدار سنة، فقال: أحب إلي ألا يبيت معها في قاعة الدار سنة فما أقرب ذلك، قيل له: إن يبت معها في السطح من بيتها وإنما قال في قاعة الدار؟ قال: يسأل عما أراد.
قال محمد بن أحمد: قوله: أحب إلي ألا يبيت معها في قاعة الدار سنة معناه أحب إلي أن لا يبيت معها في قاعة الدار سنة فيبر من أن يبيت معها فيها فيحنث ويجب عليه المشي فلا يمشي إذ لا يتعلق الاستحباب إلا في المشي إذا حنث، وقال في ذلك: أحب إلي وإن كان واجبا عنده إذ ليس بمتفق على وجوبه وقوله: يسأل عما أراد إن بات معها في سطح بيتها صحيح؛ إذ قد يريد التنحي عن المبيت معها ومجانبة ذلك وإنما قال في قاعة الدار لأن عادته كانت أن يبيت معها فيها فخرجت يمينه على ذلك من غير قصد إليه، وقد يريد ألا يبيت معها في قاعة الدار لمعنى أصابه فيها مما يختص بها من حر أو برد أو ما أشبه ذلك، فإن أراد مجانبة المبيت معها فهو حانث حيثما بات معها، وإن أراد ألا يبيت معها في قاعة الدار فلا شيء عليه إن بات معها بغير
قاعتها، وإن لم تكن له نية فله أن يبيت معها في غير قاعة الدار؛ لأن الأيمان إذا عريت عن النيات وعما يدل عليها من بساط أو عرف تحمل على مقتضى ألفاظها.
مسألة: حلفت لزوج ابنتها لئن أنت لم تفعل إلى الليل لا أدخل لك بيتا سنة
مسألة قال: وسئل عن امرأة بعثت إلى زوج ابنتها أن ابعث إلي ابنتي، وحلفت لئن أنت لم تفعل إلى الليل لا أدخل لك بيتا سنة، فذهب الرسول ولم يجده فغاب حتى الليل ثم جاء فأخبر وقال: لم أعلم، ولو جاءني الرسول لم أمنعها فأطرق فيها ثم قال: ذهبت فوجدته قد مات، ذهب إلى السوق قد سافر قد ذهب إلى العقيق، كنت أرى في مثل هذا أن تدين، يقول: لم أرد أن أجده قد مات إنما أردت التغليظ عليه لئلا يمنعني، ولم أرد أن أجده قد سافر وغاب، ومثل ذلك أن يرسل الرجل إلى أخ له إن لم تأتني الآن فعلي كذا وكذا، فيجده الرسول قد مات أو غاب أو سجن.
قال محمد بن رشد: إذا كانت نيتها ذلك فهو بين أن لا شيء عليها، وإن لم تكن لها نية فيمينها محمولة على ذلك أيضا؛ لأنه المعنى المفهوم من قصدها بيمينها فلا شيء عليها إلا أن تكون أرادت ألا تدخل له بيتا إن لم يرسل إليها ابنتها ذلك اليوم إلى الليل وصل إليه رسولها بذلك أو لم يصل وجد أو لم يوجد وبالله التوفيق.
مسألة: حلف على رجل إن أدخلت فلانا بيتك لا أدخل لك بيتا سنة
مسألة قال مالك: وسئل عن رجل حلف على رجل إن أدخلت فلانا
بيتك لا أدخل لك بيتا سنة وحلف بالحرية، ثم إن الحالف أراد أن يدخل الرجل منزله الذي كان حلف عليه ألا يدخله، وأبى الذي حلف عليه أن يدخله، فقال: إذا أدخله رأيته قد حنث إلا أن يكون استثنى إلا برضاي، فإن أدخله ولم يكن استثنى إلا برضاي فقد حنث.
قال محمد بن رشد: هذا بين أنه يحنث إن أدخله المحلوف عليه برضى الحالف لأنه أبهم يمينه فعمت رضاه وسخطه، فوجب أن يحنث إن أدخله برضاه إلا أن يكون استثنى فقال: إلا برضاي متصلا يمينه محركا بذلك لسانه على المشهور في المذهب، أو يكون كان أراد أن أدخله بيته بغير رضاه ونوى ذلك بنية عقد عليها يمينه، فينفعه ذلك وتكون له نيته ولا يحنث أيضا إن أدخله برضاه وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته أعاهد الله عهدا لا أخيس به ألا تدخلي بيت أمك
مسألة وسئل عن رجل قال لامرأته: أعاهد الله عهدا لا أخيس به ألا تدخلي بيت أمك أو أهلك ثم أراد أن يأذن لها بذلك، فقال: يكفر كفارة يمين يطعم عشرة مساكين ويزيد أحب إلي على ذلك يتقرب إلى الله تعالى، «وقال أبو لبابة حين أصاب الذنب لرسول الله: " أجاورك وأنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله "، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يجزيك من ذلك الثلث» . وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 102] الآية.
وقال على إثر هذا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103] .
قال محمد بن أحمد: قول الرجل أعاهد الله ألا أفعل كذا يمين كفارتها كفارة اليمين، له أن يحنث ويكفر إن شاء، كقوله: علي عهد الله لا أفعل كذا سواء عند مالك، ولم ير ما زاده في اليمين بالعهد من قوله عهدا مما لا أخيس به مما يخرج به اليمين عن حكم اليمين إلى حكم العهد الذي يخرج مخرج المعاقدة والمعاهدة فلا يكون له مخرج إلا الوفاء به، ويكون أعظم من أن يكون فيه كفارة وأن يأذن لها ويكفر كفارة يمين، واستحب أن يزيد على ذلك تقربا لله لحلفه على منع أهله من دخول بيت أمها وأهلها لما في ذلك من قطع ما أمر الله بوصله من صلة الرحم حيث يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1] يريد أن تقطعوها على ما جاء في تفسير الآية، فرأى ذلك ذنبا، واستحب له الصدقة من أجله لما جاء فيها من أنها تكفر الذنوب، واستدل على استحباب الصدقة لها زيادة على الكفارة بما ذكره من حديث أبي لبابة حين أصاب الذنب إلى سائر ما ذكره في الرواية، ومما وكد الإثم عليه عنده في حلفه على امرأته ألا تدخل بيت أمها وأهلها استلحاحه على منعها من ذلك أبدا بقوله عهدا لا أخيس عليه به لأن معنى لا أخيس به لا أرجع فيه بأن آذن لها وأكفر على ما ندب إليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليفعل الذي هو خير وليكفر عن يمينه» ، ومما يدل على أنه أثم في يمينه ما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من استلحح على امرأته فهو أعظم إثما» يريد من غيره من الحالفين على ما سوى ذلك والله أعلم، وقد روى ابن أبي جعفر عن ابن القاسم في هذا رواية شاذة خارجة عن الأصول.
قال: سئل ابن القاسم عمن قال علي عهد الله عهدا لا أخيس به إن أذنت لامرأتي، قال: ليس في هذا كفارة، قيل له: هذا أعظم لأنه قال: لا أخيس
به قال برأسه نعم.
وإنما قلنا فيها: إنها خارجة عن الأصول لأنه يلزم على قوله فيها أن هذه اليمين أعظم من أن تكون فيها كفارة إلا أن للحالف بها أن يحنث نفسه فيها بالإذن لامرأته، وذلك باطل لا سيما إن كان حلف ألا يأذن لها فيما يلزمه الإذن لها فيه، ويكون في الإصرار على الامتناع من ذلك عاصيا أو قاطعا الرحم.
وقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف على قطيعة رحم أو معصية فحنث فذلك كفارة» ، يريد والله أعلم كفارة من الذنب، وعليه كفارة يمين، وإنما العهد الذي يكون أعظم من أن يكون فيه كفارة ما خرج مخرج المعاهدة على ما يسأل الرجل إياه فيقول لك: عهد الله أن أفعل لك ما سألتني إياه، فهذا الذي لا يحل إلا الوفاء بما عاهد الله لصاحبه عليه، وهذا بين كله، والحمد لله.
مسألة: حلف أحدهما بمشي إلى بيت الله إن بنى معه في منزله لبنة على لبنة
مسألة قال: وسئل عن رجلين كان بينهما منزل فوقع فيه شيء فحلف أحدهما بمشي إلى بيت الله إن بنى معه فيه لبنة على لبنة، أترى من ذلك إن بنى الجدار بينهما في القسم.
فقال ذلك إلى نيته إن كان أراد إلا جدار القسم فذلك له وإن لم يكن أراد شيئا فهذا بنيان ويخرجه من يمينه أن يمشي إلى بيت الله.
قال أشهب: لا يجوز ذلك إلا أن يكون تكلم بلسانه في استثنائه.
قال محمد بن رشد: قول أشهب إن الاستثناء بإلا لا بد فيه من تحريك اللسان هو المشهور في المذهب، وكذلك سائر حروف الاستثناء،
وقد مضى ذلك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم، وأما الاستثناء، بإن وبإلا أن، فحكى ابن المواز أنه لا بد من تحريك اللسان فيه باتفاق، وقد مضى القول في ذلك في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم أيضا، وإن دعا المحلوف عليه الحالف إلى أن يبني معه جدارا بينهما لم يلزمه ذلك إلا أن يشترطاه في قسمتهما، ويقال له: استر على نفسك في حظك، وإن اشترطاه لزمهما، وأخذ من حظ كل واحد منهما نصف بنائه، وكانت النفقة بينهما بنصفين إلى أن يبلغ حد السترة إن لم يشترطا في ذلك حدا، وسواء كانت أنصباؤهما متفقة أو مختلفة، ولا يدخل في هذا الاختلاف الذي في أجرة القسام أن كانت تكون على قدر الانصباء أو على عدد الرؤوس.
مسألة: جعل على نفسه طعام مساكين فأراد أن يطعم كل مسكين خمس ثمرات
مسألة وسئل عمن جعل على نفسه طعام مساكين، فأراد أن يطعم كل مسكين خمس ثمرات.
فقال: ما هذا وجه إطعام المساكين إلا أن يكون نوى ذلك فأرى ذلك له وإن لم يكن نوى شيئا فأرى أن يطعم كل مسكين مدا بالمد الأصغر.
قال عز وجل: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] وليس فيه تسمية كم يطعم كل مسكين؟ فكان هذا لكل مسكين فأرى أن يطعم كل مسكين مدا بالمد الأصغر.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا ينبغي أن يبر بإطعام خمس ثمرات لكل مسكين إذ ليس وجه ما حلف عليه إلا ما يرد جوعه إن كان جائعا، فلا يبر بأقل مما يعينه على الغداء أو العشاء، وليس قياس ما يبر فيه في اليمين على كفارة اليمين بواجب عند مالك، وإنما ذلك استحسان منه،
والله أعلم لأن الله تعالى قد وصف قدر الإطعام فيها بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] فلذلك كان مدا لكل مسكين، ألا ترى أن ما كان من الإطعام لم يوصف قدره في القرآن لم يجز فيه مد واحد كفدية الأداء فوجب أن يقاس ما يبر به في اليمين على ما في القرآن لكان الأولى أن يقاس على فدية الأداء التي سماها الله في القرآن صدقة، ولم يصف قدرها فيه فلا يبر بأقل من مدين لكل مسكين، فالصحيح أنه إذا لم يكن للحالف نية أن يبر بما يرد به جوع المسكين غداء أو عشاء كما قلناه؛ لأنه أقل ما يقع به الانتفاع للآكل، وسيأتي في سماع سحنون ما يبر به من حلف بصدقة ولم تكن له نية، وهو يبين ما ذهبنا إليه إذ لم يرد ذلك إلى ما في القرآن، وبالله التوفيق.
مسألة: الحلف على ما لا يملك
مسألة وكان ابن مسعود يشير إلى الشيء فيقول: ما أحب أن أقسم لا لمحمد هذا لأن البلاء موكل بالقول.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القلوب بيد الله هو مالكها ومقلبها، وقد «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كثيرا ما يحلف لا ومقلب القلوب» فالحالف على ذلك حالف على ما لا يملك متجرئ على الله في يمينه على ما يملك دونه فلا يأمن بأن يعاقبه الله بأن يريه عجزه عما حلف مما لا يملكه.
مسألة: حكم الحلف بالله
مسألة وكان عيسى ابن مريم يقول: يا بني إسرائيل إن موسى كان ينهاكم أن تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون، ألا وإني أنهاكم أن تحلفوا بالله كاذبين أو صادقين.
قال محمد بن أحمد: ظاهر قول عيسى ابن مريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أن شرعه مخالف لشرع موسى، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قبله في إباحة الحلف بالله على الصدق ومخالف لشرعنا أيضا لأن الله تعالى أمر نبيه، - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بالحلف باسمه تعالى في غير ما آية من كتابه، فقال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: 53] ، وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: 3] ، وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7] . «وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كثيرا ما يحلف: لا والذي نفسي بيده» ، «ولا ومقلب القلوب» ، ولا وجه لكراهة ذلك لأن القصد إلى الحلف بالشيء تعظيم له، فلا شك أن في ذكر الله تعالى على وجه التعظيم له أجر عظيم، ويحتمل أن يكون عيسى ابن مريم، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، إنما كره لهم اليمين بالله صادقين مخافة أن يكثر فيهم فيكون ذريعة إلى حلفهم بالله على ما لم يقولوه يقينا أو يواقعوا الحنث كثيرا ويقصروا في الكفارة فيواقعوا الإثم من أجل ذلك لا من أجل اليمين، وبالله التوفيق.
مسألة: نذرت لتسيرن إلى مسجد الرسول فماتت قبل أن تقضي ذلك
مسألة وسئل عن امرأة نذرت لتسيرن إلى مسجد الرسول فماتت قبل أن تقضي ذلك هل يقضي ذلك عنها أحد؟ قال: لا يصلي أحد عن أحد، قيل له: ما ترى؟ قال: ما مسيرة ذلك إلى المدينة؟ قال: خمس ليال، قال: فأرى أن تتصدقوا عنها وما زادوا في الصدقة فهو خير، قالوا له: فكم؟ فقال: إني أريد أن أقدر كراها وزادها مقبلة ومدبرة، ولقدومها مثله فيتصدق بذلك عنها.
قال محمد بن أحمد: ولا يلزم ورثها ذلك إلا أن توصي بذلك، أو بأن يقضى عنها الواجب عليها في نذرها، وكذلك لو كان نذرها بالمشي إلى مكة
فأوصت أن يقضى عنها الواجب عليها في ذلك، لوجب أن يخرج عنها من ثلث ما لها قدر الكراء والنفقة إلى مكة لا غير ذلك، يجعل في هدايا؛ لأن الهدايا لمكة أفضل من الصدقة، قاله في سماع سحنون من كتاب الحج، وقد مضى في رسم حلف ليرفعن أمرا من سماع ابن القاسم منه القول فيما إذا أوصت أن يمشي عنها فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف وهو بالريف ألا يكلمه حتى يرجع من مكة فرجع فلقيه بالفسطاط
من سماع عيسى من ابن القاسم من كتاب نقدها نقدها مسألة قال عيسى: وقال ابن القاسم في أخوين يسكنان الريف فأراد أحدهما الخروج إلى مكة فحلف الآخر وهما بالريف ألا يكلمه حتى يرجع من مكة، فرجع فلقيه هاهنا بالفسطاط فأراد أن يكلمه، قال: لا يكلمه حتى يرجع إلى الريف، وقال: أرأيت لو لقيه بالجحفة أكان يكلمه؟ . قال محمد بن أحمد: في كتاب ابن المواز: إن كلمه بالفسطاط فلا شيء عليه إلا أن يكون نوى موضعه، وقول ابن القاسم هو الذي يوجبه النظر والقياس؛ لأن مقتضى يمينه ألا يكلمه حتى يرجع إلى المكان الذي كان معه فيه حين حلف، وما في كتاب محمد بن المواز استحسان يقرب ما بين الموضعين كنحو ما في سماع أبي زيد في الذي يقول: إن قضى الله عني مائة دينار فعلي صيام ثلاثة أشهر، فقضاها الله عنه إلا دينارا ونصفا فصام الثلاثة الأشهر، ثم قضى الله عنه الدينار والنصف أن صيامه يجزيه على ضعف، ولو حلف وهو معه بمكة ألا يكلمه حتى يرجع من حجه فكلمه بعد رجوعه من مكة بالطريق قبل أن يصل إلى بلده ولا نية له يجزي في ذلك على
الاختلاف في المتمتع لا يجد الهدي فيصوم السبعة الأيام التي قال الله فيها: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] في الطريق قبل أن يصل إلى بلده، وقد ذكرنا ذلك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الحج.
مسألة: رجل قال مالي هدي
مسألة وقال في رجل قال: مالي هدي، قال: يهدي ثلثه وتكون النفقة عليه وكل شيء حتى يبلغه من غير الثلث، وذلك أني سمعت مالكا، وسئل عن الذي يجب عليه صدقة ماله وهو بموضع ليس فيه مساكين، فقال: يحمله إلى المساكين ويكري من عنده حتى يبلغه، فمسألتك مثل هذه، وقال: من قال: إبلي هدي قال: يكون عليه أن يبلغها ولا يبيع منها شيئا.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي قال مالي هدي إن النفقة على الثلث الذي يلزمه إهداؤه منه يكون من غير الثلث صحيح في القياس والنظر، ولا إذ لو سمى الثلث فقال: ثلث مالي هدي لوجب عليه أن يهدي جميع ثلث ماله ينفق عليه من غيره؛ لأنه أوجبه هديا، والهدي لا يكون إلا بالغ الكعبة كما قال تعالى، فكذلك إذا لم يسم الثلث وقال: جميع مالي، وأما إذا قال: عبدي هذا أو إبلي هدي فالأمر في أنه يجب عليه أن يبلغها ولا يبيع منها شيئا واضح بين لا إشكال فيه، وقال في الذي يجب عليه صدقة ماله وهو في موضع ليس فيه مساكين أنه يحمله إلى المساكين ويكري عليه من عنده حتى يبلغه، ولم يبين إن كانت صدقة أوجبها على نفسه مثل أن يقول: لله علي أن أتصدق بهذا الطعام أو صدقة زكاة ماله، فأما إن كانت صدقة أوجبها على نفسه فبين أن عليه أن يوصلها إلى المساكين من ماله؛ لأن ذلك مقتضى
نذره، كمن قال: إبلي هدي أن عليه أن يوصلها إلى الكعبة، وأما إن كانت صدقة زكاة ماله فلا يلزمه ذلك، وإنما يؤمر به استحبابا لأن الله قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] فالواجب أن تؤخذ منهم الزكاة في مواضعهم ولا يكلفون حملها، فإذا لم يأخذها منهم الإمام ولا بعث فيها إليهم جاز لهم من الكراء عليها منها ما يجوز للإمام، وقد مضى في رسم العشور من سماع عيسى من كتاب زكاة الحبوب ما فيه بيان هذا.
مسألة: قال لرجل امرأته طالق إن كلمه إلى الصدر
مسألة قال: وسئل عن رجل قال لرجل امرأته طالق إن كلمه إلى الصدر أي الصدرين فكلمه، قال: آخر الصدرين، فإن كلمه في الصدر الأول فلا شيء عليه، الصدر الأول لمن تعجل في يومين، قيل له: فإن قال: إن لم أكلم فلانا في الصدر فامرأته طالق.
قال: يكلمه في الصدر الأول، فإن لم يفعل حتى الصدر الآخر فلا شيء عليه.
قال محمد بن أحمد: ساوى بين الصدرين في وجوب البر والحنث لأن الله خير بينهما فجعلهما بمنزلة سواء، وفرق بينهما فيما يأمره به من البر والحنث ابتداء لأن ذلك أنزه لنفسه وأبلغ في علم البراءة من يمينه، والله أعلم.
مسألة: حلف ألا يأكل طعام رجل فتسلف منه قمحا فأكله
مسألة وعن رجل حلف ألا يأكل طعام رجل فتسلف منه قمحا فأكله، قال: أرى أن ينوى، فإن كان أراد وجه ما يمن به عليه يهبه له
أو يصله به ولم يرد وجه أن يبتاع أو يتسلف فلا شيء عليه، وإن لم تحضره نية في الابتياع والسلف فهو حانث.
قال محمد بن رشد: قوله: إن لم تكن له نية في الابتياع والسلف فهو حانث في السلف يدل أنه حانث أيضا في البيع عنده إن لم تكن له نية فيه، وذلك بين إذ لا فرق بين البيع والسلف في انتقال الملك إليه بكل واحد منهما، فإذا لم تكن له نية أصلا وجب أن يحنث بكل واحد منها، كما لو كانت يمينه لرداءة مكسبه وأما إذا كانت يمينه لمنة عليه فلا حنث عليه في الاشتراء إذا لم يحابه، ويحنث في السلف.
وقال يحيى بن عمر: أخاف عليه فيه، وحنثه به بين، ألا أن تكون يمينه خرجت منه على منة مما سواه من الهبة والصدقة وإطعام الطعام، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف لرجل ليقضينه حقه إلى أجل إلا أن يؤخره رسوله
مسألة وقال ابن القاسم في رجل حلف لرجل ليقضينه حقه إلى أجل إلا أن يؤخره رسوله أو يؤخره، فلما حل الأجل أبى صاحب الحق أن يؤخره فأخره رسوله، قال: إذا أخره رسوله فلا حنث عليه.
قال محمد بن رشد: حكى يحيى أن أبا زيد روى عن ابن القاسم أنه لا يجوز تأخير رسوله إذا أبى صاحب الحق أن يؤخره.
قال يحيى في الرواية الأولى على أن الحالف ينتفع بتأخير الرسول في ألا يجب عليه الحنث إذا لم يقضه حتى حل الأجل، ولم يقل إن تأخيره إياه يلزم صاحب الحق إذا أبى أن يؤخره إذ لا يصح أن يقال ذلك؛ لأنه معروف يصنعه في مال صاحب المال وهو كاره له، وتكلم في الرواية الثانية على أن تأخيره إياه لا يجوز عليه
ولا يلزمه، ولم يقل إن الحالف يحنث إذا لم يقضه حتى حل الأجل إذا كان قد أخره؛ إذ يبعد أن يقال ذلك؛ لأنه قد استثنى في يمينه تأخير رسوله، ولم يشترط أن يكون ذلك برضاه، فهو يحمل على عمومه إلا أن يقر على نفسه أنه أراد أن يؤخره رسوله برضاه فيلزمه ذلك ويحنث إن لم يقضه حتى حل الأجل إلا أن يؤخره هو أو رسوله برضاه وهذا بين، والله أعلم.
مسألة: حلف الإنسان في الشيء الواحد يردد فيه الأيمان يمينا بعد يمين
ومن كتاب العرية مسألة قال سفيان بن عيينة التوكيد والله، ثم والله ثم والله.
قال محمد بن أحمد: هذا قول مالك وجميع أصحابه إن التوكيد حلف الإنسان في الشيء الواحد يردد فيه الأيمان يمينا بعد يمين، وكفارته كفارة واحدة مثل كفارة اليمين، وما روى مالك عن ابن عمر في الموطأ من أنه كان يقول من حلف بيمين يؤكدها ثم حنث فعليه عتق رقبة أو كسوة عشرة مساكين، ومن حلف بيمين فلم يؤكدها ثم حنث فعليه لكل مسكين مد من حنطة، وهو استحسان منه دون إيجاب، بدليل قوله فيه إنه يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين مد من حنطة لكل مسكين، وكان يعتق إذا وكد اليمين ولا اختلاف في ذلك؛ لأن الله خير الحالف في تكفير يمينه بين الإطعام والكسوة والعتق ولم يخص تأكيدا من غيره وقوله عز وجل: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91] معناه في المعاهدة في الواجب، يقول أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا عهدكم بعد تأكيدها ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ [النحل: 91] بما التزمتم من دينه والسمع والطاعة لنبيه، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
مسألة: قال كل شيء له حر إن وضعت ابنته عن زوجها شيئا من مهرها
مسألة وقال في رجل استأذنته ابنته في أن تضع عن زوجها مهرها، فقال لها: كل شيء له حر وامرأته طالق وماله صدقة وعليه المشي إلى بيت الله إن وضعته عنه إن حضرت لك فرحا أو حزنا، فقالت له: والله لقد تصدقت به عليه منذ سنين، وشهد أربع نسوة على الصدقة بذلك عليه منذ سنتين، قال: ما أرى عليه حنثا إلا أن يكون أراد إن كانت وضعت ذلك عنه، وإن كان لم يرد إلا فيما يستقبل فما أرى عليه شيئا إذا استيقن أنها وضعت ذلك عنه قبل يمينه.
قال محمد بن أحمد: وإن لم تكن له نية في مضي أو استقبال فلا حنث عليه لأن يمينه على الاستقبال الذي حلف عليه حتى يريد غيره، ومثله في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب العتق، وقوله في آخر المسألة فما أرى عليه شيئا إذا استيقن أنها وضعت ذلك قبل يمينه وهو قد قال: إن الصدقة قد شهد عليها أربع نسوة منذ سنتين يدل على أن الاستقبال في ذلك لا يكون بشهادة النساء.
وقد حكى محمد بن سحنون أن هذه الرواية ذكرت لأبيه فسر بها، وقال: لا يستيقن ذلك بالنساء ولكن بشاهدي عدل، وقد مضى هذا المعنى في رسم الأقضية من سماع أشهب، والله تعالى هو الموفق.
مسألة: هل يكسى الصغار أو يطعمون من الكفارات
ومن كتاب أوصى لمكاتبه مسألة قال: وسألته هل يكسى الصغار أو يطعمون من الكفارات، قال مالك: نعم يكسون ويطعمون في الكفارات، ولكن إنما
يطعمون ويكسون مثل ما يطعم الكبار ومثل ما يكسون، إن أطعمهم أعطاهم من الطعام مثل ما يعطي الكبار، وإن كان إنما يصنع لهم طعاما يغذيهم ويعشيهم فلا يجوز له أن يغذي ويعشي إلا الكبار، قلت له: فإن غذى وعشى هل له أن يعطي الصغار من الخبز واللحم وما يطعمهم مثل ما يطعمهم بقدر ما يأكل كل رجل منهم كبير فيعطي الصغير قدره، قال: نعم، وأما الكسوة فإنه إن كسا الصبيان الصغار فإنه لا يجوز له أن يعطيهم أقمصة صغارا ولكن يعطي كل صغير منهم قميصا كبيرا مثل ما يعطي الكبير، فإن كسا الجواري الصغار كسا كل واحدة منهن درعا وخمارا كبيرا، مثل كسوة الكبيرة، والكفارة واحدة لا ينقص منها للصغير ولا يزاد فيها للكبير.
قال محمد بن أحمد: قوله إن أطعم الصغار أعطاهم من الخبز واللحم قدر ما يأكل الكبار معناه إذا كانوا قد بلغوا أن يأكلوا الطعام، قاله ابن القاسم عن مالك في كتاب الظهار من المدونة، وابن المواز أيضا، وليس إطعامهم اللحم بواجب، ويجزئ ما دونه من أدم البيت، وقوله إن كسا الصغار فإنه لا يجوز له أن يكسوهم أقمصة صغارا هو نحو قول محمد بن المواز من رأيه، خلاف ما حكي عن ابن القاسم من أنه لم يكن يعجبه كسوة الأصاغر بحال، وكان يقول: من أمر بالصلاة منهم فله أن يكسوه قميصا مما يجزئه، ومعنى ذلك إذا لم يقصد إليهم لصغرهم كي تخف عنه الكفارة، وإنما تحرى الصواب وقصد الحاجة فكان فيمن علم منهم صغير قد أمر بالصلاة فيراه أحق من غيره لشدة مسكنته فيكسوه على هذه الرواية قميصا مما يجزئه، ولعله أن يكون في كبر ثيابه وطول قامته وإن كان قريب الاثغار تقرب كسوته من كسوة الكبار.
قال ابن حبيب: إنه إن كسا الصبايا الصغيرات اللواتي لا صلاة عليهن كساهن درعا بغير خمار، ومثله حكى ابن المواز في كسوة الصغار عن
أشهب، ومعناه ذلك على ما فسرنا به مذهب ابن القاسم في كتاب ابن المواز في كسوة الصغار، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف لينتقلن وانتقل وترك من السقط ما لا حاجة له به
ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده مسألة قال: وسمعته يقول في رجل حلف لينتقلن وانتقل وترك من السقط ما لا حاجة له به مثل الوتد والمسمار والخشبة وما أشبه ذلك فتركه، قال: لا شيء عليه.
قال محمد بن أحمد: أما إذا تركه رافضا له على ألا يعود إليه فلا اختلاف في أنه لا حنث عليه بتركه واختلف إن تركه ناسيا ففي كتاب ابن المواز أنه لا حنث عليه، وما في سماع عبد المالك بن وهب أنه يحنث بتركه ناسيا، وإما إذا تركه على أن يعود إليه فيأخذه فإنه حانث إلا على مذهب أشهب الذي يقول إنه لا يحنث بترك متاعه كله إذا انتقل بأهله وولده لأنه إذا انتقل بأهله وولده فليس بمساكن وإن بقي متاعه، وقول ابن القاسم أظهر لأنه لا يسمي من خرج من الدار بأهله وولده وترك فيها متاعه منتقلا عنها وإنما يسمى خارجا عنها بأهله وولده، والله أعلم.
مسألة: استخان رجلا وهو معه في سفر فقال احلف لي أنك لم تخني
مسألة وسألته عن الرجل استخان رجلا وهو معه في سفر، فقال: احلف لي أنك لم تخني فحلف له أنه ما خانه منذ صحبه وهو يريد منذ صحبه في سفره هذا ولم يحرك به لسانه وقد كان صحبه في أسفار قبل ذلك وخانه فيها فقال: ما أرى عليه إذا كان لذلك سبب مثل أن يقول: إنما استخانه في سفره ذلك، يقول: خنتني في هذا القمح وهذا الشيء فاستحلفه ولم يكن هو ابتداء باليمين متطوعا من عنده من غير أن يسأله ذلك، فإنه إن ثبتت خيانته التي خانه في غير
سفره ذلك وعلى يمينه بينة فادعى هذه النية كان ذلك له ولا يطلق عليه القاضي إذا كان الأمر على ما وصفت من سببه ووجهه وأراها نية وليست ثنيا إذا قال هذا، قال أصبغ: وذلك رأيي كله.
قال محمد بن أحمد: قوله ما أرى عليه شيئا إذا كان لذلك سبب مثل أن يكون إنما استخانه في سفره ذلك يريد ما أرى عليه حنثا بما حلف به من الطلاق لأنه مصدق فيما ادعاه من النية على أصولهم وإنما وجب أن يصدق في النية مع يمينه على ذلك، وإن كانت مخالفة لظاهر لفظه لأجل البساط الذي خرجت عليه يمينه وهو استخانته إياه في ذلك السفر ولو حلف بالطلاق ابتداء على غير بساط أنه ما خانه منذ صحبه فلما شهد عليه أنه قد خانه في غير هذا السفر ادعى أنه نوى منذ صحبه في سفره هذا لم يصدق، كمن حلف أنه ما كلم فلانا بالطلاق فلما شهد عليه أنه كلمه أمس، قال: إنما نويت أني ما كلمته اليوم، أو حلف ألا يكلم فلانا بالطلاق فكلمه بعد ذلك، وقال: نويت اليوم أو شهرا أنه لا ينوى في شيء من ذلك ولا يصدق فيما ادعاه وهذا ما لا اختلاف فيه في المذهب، وقوله: لم يكن هو ابتداء باليمين متطوعا من عنده من غير أن يسأله ذلك يدل على أنه لو تطوع له باليمين لم ينو وإن كانت يمينه خرجت على سبب استخانته إياه، ولزمه الطلاق على نية المحلوف له، وذلك يأتي في مثل قول أصبغ في سماعه بعد هذا، ومثل ما في سماع يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق أن اليمين على نية المحلوف له إن كان الحالف متطوعا باليمين وعلى نية الحالف إن كان مستحلفا خلاف قول ابن الماجشون وسحنون، وقد مضى تحصيل الخلاف في هذه المسألة في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم، ومعنى قوله وأراها نية وليست ثنيا أنه لو كانت ثنيا لم ينفعه إلا أن يحرك لسانه على المشهور في المذهب، وقد مضى ذلك في رسم الجنائز من سماع أشهب وفي رسم شك من سماع ابن القاسم وغيره.
مسألة: حلف على أمر ألا يفعله إلا أن يقضي الله عز وجل غير ذلك
مسألة وقال فيمن حلف على أمر ألا يفعله إلا أن يقضي الله عز وجل غير ذلك: هذا ليس ثنيا أو يريد الله غير ذلك كذلك أيضا ليس ثنيا.
قال عيسى: هو في اليمين بالله ثنيا وهو مثل قوله إن شاء الله.
وقوله: إلا أن يريني الله غير ذلك ثنيا.
قال محمد بن أحمد: قال عيسى بن دينار: إن الاستثناء في اليمين بالله بإلا أن يقضي الله أو يريد الله استثناء مثل إلا أن يشاء الله وهو الذي يوجبه القياس والنظر الصحيح لأن قضاء الله ومشيئته وقدره هي إرادته فلا فرق بين الاستثناء بقدر الله وقضائه ومشيئته وإرادته، وجه قول ابن القاسم أن الحالف بالله ألا يفعل فعلا أو ليفعلنه قد علم أنه لا يفعله ولا يترك فعله إلا بقضاء إلا وقدره وإرادته ومشيئته فعلى ذلك انعقدت يمينه، وهي نيته وإرادته إذا كان من أهل السنة، فكان الأصل إذا وجبت عليه الكفارة بالحنث ولم ينفعه ما نواه من ذلك كله ألا ينفعه الاستثناء بشيء منه وأن يكون لغوا إذ لا زيادة فيه على ما نواه وعقد عليه فخرت من ذلك الاستثناء بمشيئة الله بالسنة والإجماع وبقي ما سواه على الأصل في ألا يسقط الكفارة الواجبة بالحنث، والله تعالى الموفق.
وقول عيسى في قوله إلا أن يريني غير ذلك ثنيا صحيح إذ لا فرق بين ذلك وبين أن يقول إلا أن أرى غير ذلك وهو قول ابن القاسم، وفرق أصبغ بينهما في كتاب ابن المواز فلم ير قوله إلا أن يريني الله غير ذلك أنه ثنيا وليس قوله بشيء ولا وجه له.
مسألة: حلف ألا يأكل لحما فأكل مرق لحم
مسألة وسئل عمن حلف ألا يأكل لحما فأكل مرق لحم، قال: إني أخاف أن يحنث.
قال محمد بن أحمد: الحنث في ذلك بين لأن المرق قد أماع فيه
الشحم وذبل فيه اللحم وتهرى فأكل مرق اللحم أكل اللحم، قال ابن المواز: فلا نية له في ذلك إن ادعاها يريد مع قيام البينة فيما يحكم به عليه، وقال ابن حبيب: إن أراد اللحم ما كان لحما فله نيته وكذلك يقول ابن القاسم في الشحم من اللحم والنبيذ من التمر والزبيب والعصير من العنب والخبز من القمح، هذه الخمسة الأشياء يحنث عنده فيها سواء حلف ألا يأكلها أولا يأكل منها وما عداها من الأشياء إذا حلف ألا يأكله فأكل ما يخرج منه فلا حنث عليه إلا أن يحلف ألا يأكل منه كالجبن من اللبن والسمن من الزبد والبسر من الطلع والتمر من الرطب والرطب من البسر، وقد روي عن ابن القاسم أنه أخرج القمح من هذه الخمسة الأشياء إلى حكم ما عداها، وألحق ابن وهب بالخمسة الأشياء غيرها كالسمن من الزبد والتمر من الرطب ولم ير أشهب البسر من الطلع لبعد ما بينهما، فمن حلف عنده ألا يأكل هذا الطلع أو من هذا الطلع فلا شيء عليه في أكله بسرا.
مسألة: قال أنت طالق إن اشتريت لك ثلاثة أشهر لحما ولا حيتانا ولم ينو شيئا
مسألة وقال في رجل اشترى لأهله حيتانا فسخطتها وكان بينهما في ذلك كلام فقال لها: أنت طالق إن اشتريت لك ثلاثة أشهر عشاء لحما ولا حيتانا ولم ينو شيئا فحلف خرجت يمينه هكذا ألا نية له في شيء فأراد أن يشتري لها لحما أو حيتانا في الغداء: إنه لا بأس بذلك ولا شيء عليه في ذلك إذا لم تكن له نية ولا يكون فيما اشترى فضل عن الغداء، ولو أنه غدى رجلا عنده قدم طعامه إليه فحلف بطلاق امرأته إن غداه أبدا ولا نية له لم يكن عليه شيء إن عشاه، وإنما مثل ذلك مثل رجل آذاه جار له في داره فقال: امرأته طالق إن جاورتك أو ساكنتك في هذه الدار أبدا فأراد أن يساكنه أو يجاوره في غيرها فلا بأس بذلك إذا لم يكن أراد أن لا يساكنه ولا يجاوره
أبدا، فإن لم تكن له نية وكانت يمينه مسجلة لا نية فيها فلا بأس بذلك ولا شيء عليه، وكذلك لو حلف ألا يساكنه بمصر أبدا فساكنه بغيرها مثل ذلك سواء، أو حلف لينقلنه من داره لإيذاء آذاه به وشتمه فنقله منها ثم أراد بعد أن طال ذلك أن يرده فلا بأس إذا لم تكن له نية، فكذلك الذي حلف ألا يشتري عشاء لحم ولا حيتان فاشتراه في الغداء فلا شيء عليه إلا أن يكون أراد ألا يشتري تلك الأشهر التي حلف فيها، فإن لم يكن أراد ذلك فلا شيء عليه وإنما هو أحد وجهين إن كان أراد شيئا قلنا له تجنب ما أردت وإن لم يكن أراد شيئا ولا نواه فلا شيء عليه إلا فيما حلف، وكذلك لو كساها قرقل كتان فسخطته، فقال لها: أنت طالق إن كسوتك قرقل كتان سنة فكساها قرقل خز ولا نية عليه فلا شيء عليه، قال: ولا بأس في المسألة الأولى أن يشتري لها عشاء غير اللحم والحيتان كأنه يقول: إلا أن يكون أراد ترك العشاء.
قال محمد بن أحمد: قوله في الذي حلف ألا يشتري لامرأته ثلاثة أشهر لحما ولا حيتانا لما سخطت الحيتان التي كان اشتراها لها أن لا بأس أن يشتري لها لحما أو حيتانا للغداء إذا لم يكن فيها فضل عن الغداء للعشاء، وأنه لا بأس أن يشتري لها عشاء غير اللحم والحيتان إذا لم تكن له نية، صحيح على أصولهم لأن يمينه لما خرجت على كراهتها للحيتان التي اشتراها لها ولم تخرج على كراهية التوسع في الإنفاق عليها وجب ألا يحنث فيما عدا ما لفظ به وحلف عليه من شراء اللحم والحيتان للغداء والعشاء أو شراء ما عداهما للعشاء إلا أن يكون نوى ذلك، وكذلك قوله في الذي غدى رجلا ثم حلف ألا يغديه أبدا ولا نية له أنه لا شيء عليه إن عشاه صحيح أيضا؛ لأن يمينه لما لم تخرج على كراهية كذا لمؤن الإنفاق عليه ولعله