كتاب النذور الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة من كراهية أن يطلع أحد منبر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بخفين أو نعلي الإمام أو غير الإمام، وأن يدخل البيت بنعلين أو خفين إكراما لهما، وترفيعا وتعظيما؛ إذ من الحق أن ينزها عن أن يوطئا بالخفاف والنعال المتخذة لصيانة القدمين عن المشي بهما في الطريق والمحاج، وإن كانت طاهرة، ولم ير ابن القاسم بأسا في المدونة أن يدخل بهما في الحجر، وكره ذلك أشهب في المجموعة؛ لأن الحجر من البيت، قال: وكراهيتي لذلك في البيت أشد.
مسألة: شرب الفلونيا والترياق للمحرم وفيهما الزعفران
مسألة وسئل مالك عن شرب الفلونيا والترياق للمحرم وفيهما الزعفران، قال: لا بأس به، قال: والذي فيه من الزعفران ليس له قدر، وما أرى به بأسا.
قال محمد بن رشد: أجاز ذلك؛ لأن الذي فيهما من الزعفران يسير لا قدر له ولا يظهر فيهما، فلم ير له حكما لما كان مستهلكا فيهما، كما أن لبن المرأة عنده إذا خلط بالطعام وعصد به حتى صار هو الغالب عليه لم تقع به حرمة، فليس ذلك بخلاف لما في المدونة وغيرها من أن الحرم لا يأكل فيه الطعام الذي فيه الزعفران، إلا أن يكون قد مسته النار، قال ابن حبيب: فتعلك بالطعام حتى لا يصبغ اليد ولا الشفة، زاد في هذه الرواية في هذا الرسم من الجامع، قال مالك حين ذكر شرب الترياق للمحرم، أشد من هذا عندي ما يصيب الناس في إحرامهم من طيب البيت فكرهه، كأنه يرى أن له
في ذلك سعة، وأنه أمر لا يستطاع يقول: وكيف يصنعون وسياق مالك هذه المسألة عليها يدل على أنه إنما لم ير على المحرم في شرب الفلونية والترياق شيئا؛ لأنهما إنما يشربان لضرورة التداوي، بخلاف الطعام الذي يؤكل لغير ضرورة، فهي علة أخرى أيضا في الفرق بين ذلك وبين ما في المدونة.
مسألة: المعتمر أيحلق أحب إليك أم يقصر
مسألة وسئل عن المعتمر أيحلق أحب إليك أم يقصر؟ قال: بل يحلق إلا أن تكون أيام الموسم، ويتقارب الحج مثل الأيام اليسيرة، فلا أرى أن يحلق، ويقصر أحب إلي.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الحلاق أفضل من التقصير؛ لأن الله بدأ به في كتابه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] ، «ودعا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين واحدة» ، إلا أن يقرب الحج؛ فالتقصير في العمرة أفضل ليبقى عليه الشعث في الإحرام بالحج، وليبقى له ما يحلق فيه، وهو بين.
مسألة: نفست أو حاضت قبل أن تطوف طواف الإفاضة
مسألة قال مالك: أرى أن يحبس كري النفساء إذا نفست كما يحبس في الحيضة في الحج والعمرة.
قال محمد بن رشد: يريد إذا نفست أو حاضت قبل أن تطوف طواف الإفاضة، يحبس عليها في النفاس ستين يوما أقصى دم النفاس، واستحسن في سماع أشهب أربعين في الطب، واختلف في الحيضة إن تمادى بها الدم، فقيل: يحبس عليها خمسة عشر يوما، وهو قول مالك في سماع أشهب، وفي الحج الثالث من المدونة أنه يحبس عليها أيامها المعتادة والاستطهار، ظاهره
تطوف إن تمادى بها الدم، وتكون في حكم المستحاضة؛ تصلي وتصوم وتطوف ويأتيها زوجها ... أبي زيد أنها لا تطوف ولا يحبس عليه كريها أكثر من ذلك، فيفسخ الكراء بينها وبينه، وذلك يتأتى على رواية ابن وهب عن مالك في المدونة أن الاستطهار بثلاث إنما هو احتياط للصلاة، وليست مستحاضة حتى تبلغ خمسة عشر يوما، فتغتسل على هذا بعد الاستطهار استحسانا، وتصلي ولا تطوف، ولا يأتها زوجها وتصوم، ثم تقضي الصيام ما بينها وبين الخمسة عشر يوما ما خلاف العشر يوما اغتسلت غسلا ثانيا واجبا، وكانت من حينئذ مستحاضة في حكم الطاهر في أمرها كله، إلا ما يستحب لها من الوضوء لكل صلاة، ومن أهل العلم من يوجب عليها الغسل لكل صلاة، ومنهم من يوجب عليها أن تغتسل للصبح غسلا، وللظهر والعصر غسلا، وللمغرب والعشاء غسلا، ومنهم من يوجب عليها أن تغتسل من ظهر إلى ظهر، وتتوضأ لكل صلاة، وهو قول سعيد بن المسيب في الموطأ.
مسألة: دخل بعمرة فطاف وسعى ولم يحلق فأراد دخول البيت
ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا مسألة وسئل عن رجل دخل بعمرة، فطاف وسعى ولم يحلق، فأراد دخول البيت أن يحلق، قال: لا يعجبني ذلك أن يفعله حتى يحلق، ولا يقرب البيت حتى يحلق ولا يطوف.
وهذا كما قال؛ لأن الحلاق هو تمام العمرة، فإذا طاف
قبله أو دخل البيت، فكأنه قد زاد في العمرة، وأدخل فيها ما ليس منها.
مسألة: الذكر والأنثى من الإبل في الهدايا سواء
ومن كتاب يسلف مسألة قال مالك: لا أرى بأسا بالجمل الذكر يشترى بدنة، الذكر في ذلك والأنثى سواء، قال عز وجل: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ [الحج: 36] لم يقل الإناث، ولا أرى به بأسا أن يشتري ذكرا في وصية، أو تطوع، أو غير ذلك.
قال محمد بن رشد: ذهب مالك إلى أن الذكر والأنثى من الإبل في الهدايا سواء، وأن الذكر منها يسمى بدنة كما تسمى الأنثى بدنة؛ لأن ذلك إنما أخذه من عظم البدن، وقد تسمى البقرة بدنة؛ لأنها أعظم بدنا من الشاة، ولا اختلاف بين الفقهاء في أنه يجوز أن يهدي الجمل الذكر، فقد أهدى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جملا كان لأبي جهل ابن هشام في حج أو عمرة، إلا أن من أهل العلم من لا يراه بدنة ولا داخلا تحت قوله عز وجل: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا﴾ [الحج: 36] الآية، ومنهم من يراه بدنة، ويرى أن الأنثى أفضل ولا فضل عند مالك للأنثى في ذلك على الذكر، وإنما الفضل عنده في الأعظم بدنا، ذكرا كان أو أنثى، ودليله الذي استدل به من ظاهر القرآن ظاهر، وبالله التوفيق.
مسألة: المتمتع يصوم ثلاثة أيام في الحج ثم يهلك قبل أن يصوم السبعة
مسألة وقال مالك في الرجل المتمتع يصوم ثلاثة أيام في الحج، ثم
ينصرف إلى بلده، فيهلك قبل أن يصوم السبعة، قال: سواء مات ببلده أو بمكة، أرى أن يهدى عنه هدي.
قال محمد بن رشد: هو لو وجد الهدي بعد أن صام الثلاثة الأيام قبل أن يموت، لم يجب عليه الهدي إلا أن يشاء، وإنما عليه الصيام، فإنما قال مالك: أرى أن هذا استحباب، من أجل أنه لا يصوم أحد عن أحد، والله أعلم.
مسألة: شأنه أكل أظفاره وشعر لحيته فيفعل ذلك وهو محرم
مسألة وسئل مالك على الذي من شأنه أكل أظفاره وشعر لحيته، فيفعل ذلك وهو محرم، قال: أرى أن يفتدي بصيام ثلاثة أيام، أو نسك شاة، أو إطعام ستة مساكين يريد بذلك فيما أظن، وإن كان مرارا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه في معنى قص أظفاره وشعر لحيته بالجلمين؛ لأنه مميط بذلك الأذى عن نفسه بالحالتين.
مسألة: السعي بين الصفا والمروة يحتاج صاحبه إلى بول أو خلاء
مسألة وسئل مالك عن السعي بين الصفا والمروة يحتاج صاحبه إلى بول أو خلاء، فيخرج فيبول أو يقضي حاجته ثم يرجع، أيبني أم يستأنف؟ قال: بل يبني.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة، وإنما أجاز له أن يبني بخلاف الصلاة؛ لأن السعي بين الصفا والمروة ليس من شرط صحته الطهارة، فإذا احتاج إلى الحدث أحدث وبنى، ولم يستأنف.
مسألة: الصبية يحج بها أتحلق
مسألة وسئل عن الصبية يحج بها أتحلق؟ فقال: ما شاءوا، إن شاءوا حلقوا، وإن شاءوا جزوا، ذلك شأن الصبيان، وأما النساء فإنهن لا يحلقن ويقصرن.
قال محمد بن رشد: إنما لم يحلق النساء؛ لأن الحلق لهن مثلة بهن، وأما الصبية الصغيرة التي لا يشينها الحلق، فهي في حكم الصبيان الذكور، إن شاءوا حلقوا، وإن شاءوا جزوا للرفق بهم، وإذا قيل: إنهم لا يثابون على الطاعات كما لا يؤاخذون على المعاصي، وأما الرجال فالحلق لهم أفضل في الحج والعمرة، إلا أن يكون العمرة قبل الحج بيسير، على ما مضى في رسم طلق قبل هذا.
مسألة: حج النساء في البحر
مسألة وسئل مالك عن حج النساء في البحر فكره ذلك، وقال: لا أحب لهن أن يحججن في البحر، وعابه عيبا شديدا.
قال محمد بن رشد: إنما كره من ناحية الستر، مخافة أن ينكشفن؛ لأنهن عورة، وهذا إذا كن في معزل عن الرجال لا يخالطهن عند حاجة الإنسان، وفي سعة يقدرن على الصلاة، وأما إن لم يكن في معزل عن الرجال، أو كن في ضيق يمنعهن من إقامة الصلاة على سنتها، فلا يحل لهن أن يحججن فيه، وقد قال مالك في رسم الصلاة، من سماع أشهب، من كتاب الصلاة، في الذين يركبون البحر في الحج والعمرة، ولا يقدر أحدهم أن يسجد إلا على ظهر أخيه: أيركب حيث لا يصلي؟ ويل لمن ترك الصلاة، وقد مضى القول
على ذلك هناك، في كراهيته للنساء ركوب البحر في الحج، دليل على جوازه عنده للرجال، وهذا هو الذي يدل عليه قوله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: 22] الآية؛ لأنه يبعد أن يعدد الله على عباده من نعمه ما حظره عليهم ولم يبحه لهم، ويدل عليه من السنة حديث أنس بن مالك: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نام عند أم حرام، ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج البحر ملوكا على الأَسِرّة، أو مثل الملوك على الأسرة» ، الحديث، وفي دعاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأم حرام أن يجعلها منهم بسؤالها إياه، ذلك دليل على جواز ركوبه للنساء، وذلك على الصفة الجائزة، وفي المجموعة لمالك من رواية ابن القاسم عنه أنه كره الحج في البحر، إلا لمثل الأندلس الذين لا يجدون من ذلك بُدّا، وقد قيل: إن فرض الحج منسقط عمن لا يقدر على الوصول إلى مكة إلا على البحر؛ لقوله عز وجل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ [الحج: 27] الآية؛ إذ لم يذكر إلا هاتين الصفتين، وهو قول شاذ وقول ضعيف؛ لأن مكة ليست في ساحل البحر، فلا يصل أحد إليها إلا راكبا أو راجلا ركب البحر في بعض طريقه، أو لم يركب، وبالله التوفيق.
مسألة: المرأة تقلد وتشعر
مسألة وسئل مالك عن قول ابن شهاب في المرأة تقلد وتشعر، قال مالك: أراه خطأ، وقال: لا يقلد ولا يشعر إلا من ينحر، وإني
لأستحب للمرء أن يتواضع لله، ويخضع له ويذل نفسه، كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينحر بدنه، وإن ناسا يأمرون من يذبح لهم يريد بذلك أهل الطول، ويعيب ذلك عليهم، قيل: يا أبا عبد الله، فلو أن امرأة اضطرت إلى أن تأمر جاريتها تقلد وتشعر، قال مالك: إذا اضطرت إلى ذلك رأيت ذلك مجزيا عنها، ولا أرى للمرأة أن تقلد وتشعر، وهي تجد رجلا يقلد لها ويشعر.
قال محمد بن رشد: لما نحر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدنه بيده، ولم ينحر أزواجه عن أنفسهن، بل نحر عنهن كان في ذلك ما قد دل على أن المرأة لا تذبح ولا تنحر، إلا أن تضطر إلى ذلك، والتقليد والإشعار من ناحية النحر، فلا ينبغي للمرأة أن تفعل ذلك إلا من ضرورة، فإن فعلته من غير ضرورة، كانت قد أساءت وأكلت ذبيحها، وهذا مما لا اختلاف فيه أحفظه.
مسألة: مشى عن أحد وحج عن نفسه وهو صرورة
مسألة وقال فيمن مشى عن أحد وحج عن نفسه وهو صرورة، أجزأت عنه حجته الفريضة، ولم يضره مشيه الذي مشى عن أحد، قال ابن القاسم: إنه لا يمشي أحد عن أحد، ولأنه في مشيه عن نفسه الذي ينبغي له أن يقضي الذي هو أتمهما إذا أشرك معه غيره، وقد كان في هذا كلام، فسئل عنه مالك عاما بعد عام، فثبت لنا على هذه أنه يقضي حجة الإسلام، ويكون مشيه لنذره.
قال محمد بن رشد: قال: إنه إذا حج عن نفسه ومشى عن غيره يجزيه حجه عن نفسه، ولا يضره مشيه عن غيره، من أجل أنه لا يمشي أحد
عن أحد كما قال ابن القاسم، وفي قوله: ولأنه في مشيه في نفسه الذي ينبغي له أن يقضي الذي هو أتمهما؛ يريد بذلك الذي هو أوجبهما، وقوله: إذا أشرك معه غيره يريد إذا أشرك مع النذر الحج في النية بمشي، يريد حجه ونذره أن الذي ينبغي له أن يقضي الحج، ويجزيه الحج الذي حج عن النذر، وأما الإشكال في المعنى فسياقه ذلك على سبيل الحجة لمالك، في الذي مشى عن غيره وحج عن نفسه؛ لقوله: ولأنه في مشيه إلى آخر قوله، وليس في ذلك حجة، وموضع الحجة إنما هو في قوله بعد ذلك: وقد كان في هذا كلام، أي اختلاف، يقول: فإذا كان من أهل العلم من يقول: إنه يجزيه الحج عن الفريضة، وإن نوى معه النذر الذي هو واجب عليه، فكيف يصح لقائل أن يقول: إنه لا يجزيه إذا نوى معه المشي عن أحد الذي ليس بواجب عليه، ولا جائز له فعله أيضا، هذا إغراق، وبُعد عن الصواب، والاختلاف فيمن حج يريد نذره أوله فرضه جار على الاختلاف في الحج، هل على الفور أو على التراخي، يقوم من قول مالك في هذه المسألة: إنه على التراخي، وقد روى عبد المالك، عن مالك فيمن حج لفرضه ونذره بطلا جميعا، وبالله التوفيق.
مسألة: رمى الجمار فنسي في الأولى حصاة
مسألة وسئل مالك عمن رمى الجمار، فنسي في الأولى حصاة، قال: يرجع فيرمي الأولى بالحصاة التي نسي، ثم يرمي الأخريين بسبع سبع، فقيل لمالك: فالذي ينسى حصاة لا يدري من أيتهن هي؟ قال مالك: يبتديهن كلهن بسبع سبع، ليس هو عندي مثل هذا، وفي
رواية عيسى بن دينار قال: يرمي الأولى بحصاة، ثم الأخريين بسبع سبع، قال ابن القاسم: هو أحب قوله إلي.
قال محمد بن رشد: وجه هذا القول الذي اختاره ابن القاسم البناء على اليقين قياسا على الصلاة؛ لأنه إذا شك في حصاة لا يدري من أي جمرة هي، فقد أيقن أنه رمى الجمرة الأولى بست حصيات، وشك في السابعة، فيرميها لتخلص له سبع حصيات يقينا، ثم يعيد الجمرتين للرتبة، ووجه القول الأول أنه إن بنى في الجمرة الأولى على اليقين، ولم تكن الحصاة التي بنى منها، كان قد رماها بثمان حصيات، والسنة أن يرمي بسبع، ولا يقاس ذلك على الصلاة في البناء على اليقين؛ لأن فيها سجود السهو، وذلك يشفع له الركعة التي أتى بها إن كانت زائدة كما جاء في الحديث، فهذا القول أظهر، والله الموفق.
مسألة: الرجل من الشام أو مصر يقلد ويشعر بذي الحليفة ويؤخر إحرامه
ومن كتاب أوله حلف بطلاق امرأته ليرفعن أمرا مسألة وسئل مالك عن الرجل من أهل الشام، أو من أهل مصر يقلد ويشعر بذي الحليفة، ويؤخر إحرامه حتى يأتي الجحفة، قال: لا يفعل ذلك، وكرهه.
قال محمد بن رشد: هذا نص ما في كتاب الحج الثاني من المدونة، والأمر في ذلك واسع، وقد روى داوود بن سعيد، عن مالك أنه لا بأس بذلك، وإن كان أحب إليه أن يقلد ويشعر عندما يحرم، فالاختيار عند مالك لمن أراد أن يحرم ألا يقلد ويشعر عند إحرامه، وأما من لم يرد أن يحرم، وبعث بهدي، فليس عليه أن يحرم عندما يقلد الهدي ويشعر، خلافا لما روي عن ابن عباس من أنه قال: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي، وقد «قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: ليس كما قال ابن عباس: أنا فتلت قلائد هدي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيدي، ثم قلدها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده، ثم بعث بها، فلم يحرم شيء مما أحله الله له حتى نحر الهدي» ، وقد أنكر ذلك عبد الله بن الزبير على من فعله، وقال: بدعة ورب الكعبة.
مسألة: نحر قبل أن يطلع الفجر بمنى
مسألة وقال: من نحر قبل أن يطلع الفجر بمنى، فليعد النحر.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها، وهو أمر لا اختلاف فيه في المذهب أن من رمى أو نحر قبل طلوع الفجر من يوم النحر فلا يجزيه، فإن رمى ونحر بعد طلوع الفجر أجزأه، والاختيار أن يفعل ذلك كله بعد طلوع الشمس ضحى، وكذلك فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وذهب الشافعي إلى أن من رمى قبل الفجر بعد نصف الليل أجزأه، واستدل بما روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واعد أم سلمة أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة» ، قال: ولا يمكن أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة إلا وقد رمت قبل الفجر؛ لبعد ما بين الموضعين، وهو حديث غير صحيح؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غداة يوم النحر إنما كان بمنى لا بمكة، وعندي أنه يحتمل أن يتأول الحديث على أن فيه تقديما وتأخيرا، وتقديره أنه واعدها يوم النحر أن توافيه صلاة الصبح بمكة يريد من الغد، فيستقيم الحديث، ويبطل احتجاج الشافعي به، وذهب أبو حنيفة إلى أنه من رمى قبل طلوع الشمس لم يجزه الرمي، وحجته ما روي: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث ضعفة أهله ليلا من جمع، وقال لهم: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» ، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل إن صح ذلك أن يكون معناه على الأمر بما هو أفضل؛ إذ قد روى غيره: «لا ترموا الجمرة إلا مصبحين» ، والإصباح يكون قبل طلوع الشمس، وهذا هو الأظهر، أنه لما قدمهم بليل خشي أن يأتوا الجمرة قبل الإصباح، فنهاهم إن وصلوا إليها قبل الإصباح أن يرموها إلا مصبحين، والله أعلم.
مسألة: لبس المحرم الخاتم
مسألة وسئل مالك عن محرم جعل صدغين، فقال: أرى عليه الفدية، وإن عصب رأسه افتدى، قيل: إن التعصيب يعقد، وإن الصدغين لا يعقد فيهما؟ قال: هو من ناحية العقد.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة في الحج الأول في الصدغين، وفي الحج الثاني في التعصيب، زاد في مسألة الصدغين، وكذلك إن كانت به قروح، فألصق بها الخرق فعليه الفدية، إلا أن تكون الخرق صغارا، وزاد في مسألة التعصيب أن الجسد والرأس سواء، عصب على رأسه من صداع أو جراح، أو على بعض رأسه من جرح أو جراح، أو فعل ذلك لغير علة، عليه الفدية في ذلك كله، وكذلك قال فيما يأتي في هذا الرسم في الذي يعصب على ذكره عصابة، وهو محرم للبول أو المذي، وإنما وجب عليه الفدية في ذلك؛ لأنه نفى الشعث عن الجسد بثوبه عليه، قياسا على لباس المخيط، وقد قيل: إنه في ذلك لا فدية في ذلك؛ لأنه يدخل في معنى النهي عن لباس المخيط، وهو قوله في مختصر ما ليس في المختصر: إن من أصاب إصبعه شيء فجعل، عليه حناء، ولف عليه خرقة، فلا شيء عليه، ولبس المنطقة من هذا المعنى، فتفرقته فيها بين أن يلبسه باختيار أو ضرورة حرز نفقته قول ثالث، وهذا كله في الرجل، فأما المرأة فلا فدية عليها في شيء من ذلك؛ لأن لباس المخيط لها جائز في إحرامها، ومن هذا المعنى لباس الخاتم، وتقلد السيف قيل: إنه من اللباس، ففيه الفدية، وقيل: إنه ليس من اللباس فلا فدية فيه، والقولان قائمان من المدونة؛ لأنه خفف للصبيان أن يحرم بهم وفي أرجلهم الخلاخل وعليهم الأسورة، فدل أن الرجال في ذلك
بخلافهم، وهو قول أصبغ: إن من تقلد سيفا في إحرامه لغير حاجة فعليه الفدية، ولم ير فيها فدية في الخرق تلصق على القروح إذا كانت صغارا، فدل ذلك على جواز لباس الخاتم؛ ليسارة ما يستر من الإصبع، وهو الذي يأتي على مختصر ما ليس في المختصر في الذي يلف على إصبعه الخرقة لشيء أصابه، وقد نص على ذلك أيضا فيه، فقال: لا بأس أن يلبس المحرم الخاتم.
مسألة: التلبية أيكثر منها جدا أحب إليك
مسألة وسئل مالك عن التلبية، أيكثر منها جدا أحب إليك؟ قال: قد جعل الله لكل شيء قدرا، فأما الذي لا يسكت، فإنه لا يعجبني، وأرى أنه خطأ ممن فعله.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن كثرة الإلحاح بذلك خطأ؛ لأن السنة في ذلك، والشأن أن يلبي حينا بعد حين، وفي دبر كل الصلوات، وعند تلاقي الرفاق، وعلى كل شرف من الأرض.
مسألة: يلبي في رجوعه من الحج
مسألة وسئل مالك عمن أحرم وخرج إلى مكة، فلما كان ببعض الطريق أبق غلامه، أو نسي شيئا من متاعه في بعض المناهل، أيلبي راجعا إذا رجع في طلب ذلك؟ قال: نعم، لا بأس بذلك، قال مالك: كان رجل من أهل العراق يحرم بالحج إذا قفل، فلقيه مولى لابن عباس - أراه عكرمة - وكان مفوها، فقال له: لم فعلت هذا، إني أظنك رجل سوء؟ يقول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ [الحج: 27] ، وأنت تلبي راجعا.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه يلبي إذا رجع في ذهابه لأخذ حاجته؛ لأنه في حكم الذاهب بعد ذلك، وأما إذا قفل من الحج فلا وجه
لتلبيته؛ لأن المدعو إنما يجيب الداعي حتى يصل إليه، ولا وجه لإجابته إياه في انصرافه عنه، وذلك ازدراء ممن فعله، ولذلك قال عكرمة لمن أراه يلبي في رجوعه من الحج: أراك رجل سوء؛ لأن إبراهيم صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه إنما دعا الناس إلى الحج، كما أمره الله حيث يقول: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ [الحج: 27] من عرفة، فإليها ينتهي غاية الملبي.
مسألة: لم يأت المسجد يوم عرفة أيجمع بين الصلاتين في رحله
مسألة وسئل مالك عمن لم يأت المسجد يوم عرفة يصلي مع الإمام، وهو على ذلك الجمع بين الصلاتين في رحله، قال: نعم يتبع في ذلك السنة، وليجمعهما حين ترجع الشمس.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المعنى في جمع الصلاتين عند الزوال إنما هو تعجيل الدفع إلى عرفة لفضل الوقوف بها من حينئذ، فينبغي له إذا لم يصل مع الإمام أن يجمع الصلاتين في رحله عند الزوال، ويدفع مع الناس إلى عرفة ليدرك من فضل الوقوف بها معهم ما أدركوا.
مسألة: المحرم يقصر إزاره فيريد أن يصلي فيه ويعقده خلف قفاه
مسألة وسئل مالك عن المحرم يقصر إزاره، فيريد أن يصلي فيه ويعقده خلف قفاه، قال مالك: لا يعقد المحرم إزاره خلف قفاه، ولكن إن لم يستطع أن يتوشح به اتزر به، فقيل له: أترى عليه صدقة إن عقده؟ قال: أرجو أن يكون واسعا إن شاء الله؛ يريد بذلك ألا يكون عليه شيء.
قال محمد بن رشد: الاختيار للمحرم أن يحرم في ثوبين يتزر بأحدهما، ويضطبع بالآخر، وهو أن يشتمله ويخرج منكبه الأيمن، ويأخذ طرفي الثوب من تحت إبطه الأيمن على منكبه الأيسر، فإن لم يكن له إلا ثوب
واحد توشحه في الصلاة، وهو أن يخرجه طرفه الأيمن من تحت إبطه الأيمن، فيلقيه على منكبه الأيسر، ويخرج طرفه الأيسر من تحت إبطه الأيسر، فيلقيه على منكبه الأيمن، فإن كان قصيرا لا يثبت إلا أن يعقده في قفاه اتزر به، ولم يعقده بسبب الإحرام، فإن عقده وصلى به معقودا في قفاه لم يكن عليه شيء على هذه الرواية، وفي كتاب ابن المواز لمالك: أن عليه الفدية، وروى ابن أبي أويس، عن مالك أنه قال: ما أشبهه أن يكون عليه الفدية، وما هو بالبين، ولو اتزر به كان أحب إلي.
فوجه إسقاط الفدية عنه أنه لم يعقده للانتفاع بعقده، وإنما عقده؛ لئلا يصلي مكشوف البطن والظهر، وقد كره ذلك، ووجه إيجابها عليه هو أنه قد حصل منتفعا بالعقد في حال الصلاة، وإن لم يقصد إلى ذلك.
مسألة: المعتمر يطوف ويركع ركعتين ثم يودع ويخرج إلى السعي
مسألة وسئل مالك عن المعتمر يطوف ويركع ركعتين، ثم يودع ويخرج إلى السعي فيسعى وينصرف إلى بلده، قال: ذلك يجزي عنه من الوداع.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن طواف الوداع إنما يجب على من أقام بمكة بعد قضاء نسكه؛ ليكون آخر عهده الطواف بالبيت على ما روي عن ابن عباس قال: «كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "لا ينفر أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت» ، على ما قال عمر بن الخطاب: لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت؛ لأن آخر النسك الطواف بالبيت، قال مالك: وذلك لقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] أي محل الشعائر كلها وانقضاؤها إلى البيت العتيق.
مسألة: أحرم في أشهر الحج بالعمرة ثم حج
مسألة وسئل مالك عمن أحرم في أشهر الحج بالعمرة، ثم حج، أذلك أحب إليك أم إفراد الحج والعمرة بعد الحج في ذي الحجة؟ قال: بل إفراد الحج والعمرة في ذي الحجة بعد الحج أحب إلي، صرورة كان أو غير صرورة.
قال محمد بن رشد: يريد كما فعلت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حين أعمرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة الحيضة من التنعيم، وهذا على مذهبه في أن الإفراد أحب إليه من التمتع والقران على حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفرد الحج» ، ومن ذهب إلى أن ما روي من أن رسول الله كان متمتعا رأى العمرة في أشهر الحج قبل الحج أفضل منها بعد الحج في ذي الحجة، وهو قول عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، روى عنه مالك في موطئه أنه قال: والله لأن أعتمر قبل الحج وأهدي، أحب إلي من أن اعتمر بعد الحج في ذي الحجة.
مسألة: يعصب على ذكره عصابة وهو محرم
مسألة وسئل مالك عن الذي يعصب على ذكره عصابة وهو محرم يعصب ذلك للبول أو المذي يقطر منه، قال: عليه الفدية.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في هذا الرسم، فلا معنى لإعادته مرة أخرى، ولو اتخذ خرقة لفرجه، فجعلها على ذكره ولم يلفها عليه لم يكن عليه فدية على ما قال في أول رسم من كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه.
مسألة: يمشي أحد عن أحد وأحب إلي أن يهدي هديين
مسألة وسئل مالك عمن أوصى أن يمشى عنه في يمين حنث فيها
بالمشي، فقال: يهدي عنه، ولا يمشي أحد عن أحد، وأحب إلي أن يهدي هديين، وهو قول مالك.
قال محمد بن رشد: قد تقدم هذا القول على هذه المسألة في هذا الرسم المتكرر قبل هذا، فلا معنى لإعادته هاهنا.
مسألة: المحرم تكون به القروح
مسألة سئل عن المحرم تكون به القروح، أيحك قروحه حتى يخرج الدم؟ قال: نعم، لا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف أعلمه في جوازه، وقد سئلت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عن المحرم أيحك جسده؟ قالت: نعم، فليحككه وليشدد قالت عائشة: ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككت، وبالله التوفيق.
مسألة: يطوف بالبيت ويركع ثم يمرض فلا يستطيع أن يسعى
مسألة وسئل مالك عن الذي يطوف بالبيت ويركع، ثم يمرض فلا يستطيع أن يسعى حتى ينتصف النهار، فكره الفرق بين الطواف والسعي، قال ابن القاسم: من فعل ذلك افتدى.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة، والقول فيها في هذا الرسم المذكور قبل هذا، فلا وجه لإعادته.
مسألة: إمام الحاج متى يستحب له أن يغدو من منى إلى عرفة
مسألة وسئل مالك عن إمام الحاج متى يستحب له أن يغدو من منى إلى عرفة؟ قال: إذا طلعت الشمس، وإني لأستحبه للناس، وفي ذلك سعة مثل الضعيف والدابة تكون بها العلة وما أشبه ذلك.
قال محمد بن رشد: إنما استحبه له لأجل أن رسول الله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صنعه، ومضى عليه عمل الخلفاء بعد.
مسألة: يهل أهل الشام من الجحفة
مسألة وسئل مالك عن الجحفة، هل سمعت في مساجدها بحد من المسجد الأول، أو من الآخر يحرم منه؟ قال: ما سمعت فيه شيئا، وإنما سمعت الحديث في الجحفة، وذلك واسع إن شاء الله، وروى أشهب مثله، وزاد قيل له إذا صلى فيه أيهل من جوف المسجد، أم يهل إذا استوت به راحلته؟ فقال: لا يهل من جوف المسجد، ولكن إذا استوت به راحلته.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما قال: «ويهل أهل الشام من الجحفة» ، ولم يخص مسجدا من مساجدها دون غيره، فمن أيها أهل المحرم، فقد امتثل الأمر، وقد قال مالك في المختصر الكبير: ومن أهل من الجحفة فالوادي مهل كله، وأحب إلينا أن يحرم من أوله حتى يأتي محرما على ذلك كله، وهو حسن من الفعل، وأما قوله: إنه لا يهل من جوف المسجد، وإنما يهل إذا استوت به راحلته، فهو على ما رواه وأخذ به من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يهل حتى استوت به راحلته في فناء المسجد بذي الحليفة، وقد روي أنه أهل في جوف المسجد حين صلى الركعتين، وروي أيضا إنما أهل حين أشرف على البيداء، وقد روي عن ابن عباس: إنما وضح وجهة هذا الاختلاف، فقال: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوجب الحج حين قضى الركعتين، فلما استوت به راحلته في فناء المسجد أهل أيضا، ولما أشرف على البيداء أهل أيضا، وكان الناس يأتونه أرسالا، فحدث كل بما رأى، فمن قال: إنه أهل حين
استوت به راحلته لم يره حين أهل في المسجد، ومن قال: إنه أهل بالبيداء لم يره حين أهل في المسجد ولا حين أهل، إذ استوت به راحلته، فمن أخذ بحديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رأى الإهلال من جوف المسجد.
مسألة: محرمين خرجا إلى الحج حتى إذا كانا بالأبواء اتهما بقتل رجل
مسألة وسمعت مالكا، وسئل عن محرمين خرجا إلى الحج حتى إذا كانا بالأبواء أو بالجحفة اتهما بقتل رجل وجد قتيلا، فأخذا فردا إلى المدينة، فحبسهما عامل المدينة، فأتى إلى مالك فيهما وأخبر بأنهما محرمان، وأنهما قد حبسا، قال مالك: لا يحلان حتى يأتيا البيت فلا يزالان محرمين حتى يطوفا بالبيت ويسعيان، وأراهما مثل المريض.
قال محمد بن رشد: زاد في النوادر عن مالك أو يثبت عليهما ما ادعي عليهما فيقتلان، وهو تمام المسألة، وإنما رآهما مثل من أحصر بمرض؛ لأنهما إنما حبسا بالحكم الذي أوجبه الله، فكان بمنزلة المرض الذي هو من عند الله، ومذهبه أن المحصر بمرض لا يحل من شيء من إحرامه حتى يطوف بالبيت، فإن بقي على إحرامه إلى حج قابل، فحج به لم يكن عليه هدي، وإن حل بعمرة حج قابل كان عليه قضاء الحج وهدي عن تحلله من إحرامه بالعمرة ينحره في حج القضاء؛ لقوله عز وجل: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ، ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] ، فهذا الهدي على مذهب مالك هو الهدي الأول، وعند عروة بن الزبير، وابن شهاب، وجماعة من العلماء أن الهدي الأول غير الثاني، وأن الأول يحل له لبس الثياب، وإلقاء التفث وهو في موضعه إذا وصل الهدي
إلى مكة بميعاد يضربه له، والثاني لفوات الحج وتحلله بالعمرة، ولو حبسا ظلما وعداء بغير تهمة ولا سبب؛ لكان حكمهما حكم المحصر بعد، ويحلان بموضعهما الذي حبسا فيه، ويحلقان وينحران هديا إن كان معهما، ولا قضاء عليهما عند مالك.
مسألة: يدخل بعمرة بليل فيطوف ويسعى ويؤخر حلاق رأسه حتى يصبح
ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء مسألة وسئل مالك عن الرجل يدخل بعمرة بليل، فيطوف ويسعى، ويؤخر حلاق رأسه حتى يصبح، أترى أن يتنفل بالطواف، قال: لا أرى ذلك له، وقد فعل ذلك القاسم بن محمد، فلم يتنفل حتى أصبح، قيل له: أيؤخر الحلاق حتى يصبح؟ قال: إن عجل فذلك خير، وهو واسع له إن شاء الله، وقد فعل ذلك القاسم بن محمد.
قال محمد بن رشد: إنما كره له أن يطوف تطوعا قبل الحلاق؛ لأن الحلاق هو تمام العمرة، فإذا طاف قبله فكأنه قد أدخل في العمرة ما ليس منها، وقد مضى هذا في رسم أخذ يشرب خمرا، وإنما استحب تعجيل الحلاق ليتصل عمل العمرة، ولا ينقطع بعضه عن بعضه، فهو الأحسن.
مسألة: يتزوج ويؤخر الحج
مسألة وسئل مالك عن الرجل العزب يكون عنده ما يتزوج به، أيتزوج أو يحج؟ قال: بل يحج.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن التزويج وإن كان مندوبا إليه، فالحج أكد عليه منه، وهذا على القول بأنه على التراخي، وأما على القول
بأنه على الفور، فهو الواجب عليه دون التزويج، فليس له أن يتزوج ويؤخر الحج، فإن فعل كان آثما ولم يفسخ النكاح، ولا يؤخذ من الزوجة الصداق إلا أن يخشى على نفسه العنت إن لم يتزوج، فله أن يتزوج ويؤخر الحج حتى يجد ما يحج به من الزاد وشراء الراحلة أو كرائها إن كان ممن لا يقدر على المشي على ما ذهب إليه مالك في وجوب الحج على من لا يقدر على الراحلة بشراء أو كراء إذا طاق المشي، وسيأتي هذا المعنى في رسم أشهب إن شاء الله، وكذلك كانت زوجة، فهو إن ترك عندها نفقة لم يبق عنده ما يحج به، وإن خرج ولم يترك لها نفقة طلقت نفسها عليه، يجري ذلك على القولين في الحج، هل هو على الفور أو على التراخي؟
مسألة: المحرم يجد الصداع فيجعل الصدغين
مسألة وسئل عن المحرم يجد الصداع، فيجعل الصدغين، قال: يفتدي.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة، والقول فيها في الرسم الذي قبل هذا، فلا معنى لإعادته.
مسألة: حسر المحرم عن منكبيه إذا هو طاف بالبيت الطواف الواجب في الرمل
مسألة وسئل مالك عن حسر المحرم عن منكبيه إذا هو طاف بالبيت الطواف الواجب في الرمل، قال: لا يفعل.
قال محمد بن رشد: زاد في كتاب ابن المواز، ولا يحركهما، وهذا كما قال: إذ ليس من سنة الرمل عن منكبيه ولا يحركهما بقصد منه إلى ذلك، فإن انحسر منكباه أو تحركا لشدة الرمل، فلا بأس به، فقد قيل: إن الرمل هو
الخبب الشديد دون الهرولة الذي يحرك منكباه لشدته، وهو يجب في طواف القدوم في الحج والعمرة لمن أحرم من الميقات باتفاق، ولمن أحرم من التنعيم أو الجعرانة على خلاف، ولا يجب في طواف الإفاضة، ولا في طواف التطوع ولا على أهل مكة، واختلف فيمن قدم مراهقا فلم يطف بالبيت حتى يرجع من منى لطواف الإفاضة، فروي عن ابن عمر أنه كان لا يرمل، وفي كتاب ابن المواز أنه يرمل، والأصل في وجوبه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين اعتمر عمرة القضية قال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، وقعدوا على قعيقعان وأبي قبيس ينظرون إلى طواف المسلمين، فأمر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن يرملوا في الثلاثة الأشواط ليروا المشركين جلدهم، وما منعه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يأمر بالرمل في جميع الأشواط إلا الإبقاء عليهم، ثم رمل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حجة الوداع، فدل ذلك على أنه أبقى الرمل سنة في طواف القدوم، وقد قيل: إنه مستحب، وليس سنة، وعلى هذا يأتي اختلاف قول مالك في المدونة في وجوب الإعادة على من ترك الرمل، وفي وجوب الدم على من ترك الإعادة، ومن أهل العلم من لا يرى الرمل أصلا؛ لأنه كان لعلة وقد ذهبت، ولا رمل على النساء.
مسألة: الوطء قبل الإفاضة
ومن كتاب أوله الشريكان يكون لهما مال مسألة قال مالك في التي توطأ قبل الإفاضة أن عليها العمرة والهدي، فإن جهلت حتى تخرج وتزوجت إن لم يكن لها زوج، قال مالك: إن تزوجت رأيت أن يفسخ ذلك النكاح حتى تعتمر وتهدي، ثم تتزوج إن بدا لها، فإن كان دخل بها وأصابها لم يتزوجها حتى يستبرئها من مائه بثلاث حيض؛ لأن ماءه كان على وطء فاسد.
قال محمد بن رشد: جعلها بمنزلة ما لو تزوجت بعد أن رجعت إلى بلادها ولم تطف طواف الإفاضة، أو قد بقي عليها منه شوط، وهو بعيد؛ لأن التي تزوجت قبل طواف الإفاضة أو قبل تمامه تزوجت قبل أن تخرج من إحرامها، إذ عليها أن ترجع على ما بقي من إحرامها بغير تجديد إحرام حتى تطوف أو تتم طوافها، وهذه التي وطئت قبل الإفاضة قد حلت بالإفاضة، وإنما عليها الهدي لا غير في قول جل أهل العلم، ومالك يرى عليها أن تعتمر مع ذلك بإحرام تجدده لها، فهي قبل أن تجدده لها قد حلت؛ إذ لو كانت لم تحل من إحرامها بالحج لما ارتدفت عليها العمرة، فإذا كانت قد حلت فإنما نكحت وهي حلال، فينبغي ألا يفسخ النكاح، ويلزم على قياس قوله إذا فسخ النكاح أن يلزمها أداء ما قتلت من الصيد وهو بعيد، وفي كتاب ابن المواز لابن القاسم في المرأة تمشي بعض طواف الإفاضة حتى ترجع إلى بلدها وتتزوج ويدخل بها زوجها ويطأها؛ أن النكاح يفسخ، ويكون له صداقها المسمى بالمسيس، وتعتد من وطئه بثلاث حيض، وترجع على إحرامها حتى تتم طواف الإفاضة ثم تعتمر وتهدي، فإن تزوجها في الثلاث حيض لم تحل له أبدا، ووقف محمد عن تحريمها عليه أبدا، قال: ولو تزوجها غيره في عدة النكاح المفسوخ لحرمت عليه أبدا، ففسخ النكاح في هذه المسألة بين على ما ذكرنا، لا في مسألة الكتاب.
مسألة: المرأة تنسى التقصير في الحج أو تجهله حتى تنصرف وتقيم السنين
مسألة وقال في المرأة تنسى التقصير أو تجهله حتى تنصرف وتقيم السنين، قال مالك: أرى أن تأمر بعض من يحج أو يعتمر أن يشتري لها شاة من الحل، فيسوقها إلى الحرم حتى يدخل بها مكة، فيذبحها عنها، وتقصر وهي في بلادها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لقول ابن عباس: من ترك من نسكه شيئا أو نسيه؛ فليهرق دما، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه.
مسألة: عجز في مشي كان عليه فقضاه فعجز بعد ذلك مرارا حين قضاه في الحج
مسألة وقال مالك: من عجز في مشي كان عليه فقضاه فعجز بعد ذلك مرارا حين قضاه، فليس عليه في ذلك كله إلا هدي واحد لجميع عجزه إذا كان ذلك في نذر واحد.
قال محمد بن رشد: قوله: فعجز بعد ذلك مرارا ظاهره خلاف ما في المدونة وغيرها أنه لا يلزمه أن يعود في الثالثة، إلا أن يكون معناه أنه فعل ذلك جاهلا، يظن أن ذلك يلزمه أو متبرعا، وهو يعلم أن ذلك لا يلزمه، فذلك محتمل، وبالله التوفيق.
مسألة: أفاض من منى بعد زوال الشمس وبعد الرمي وأراد الرجوع لبلده
ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسألة قال: وقال مالك: من أفاض من منى إلى مكة في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد زوال الشمس، وبعد أن رمى وهو يريد أن يرجع إلى منى، ثم بدا له أن يرجع إلى بلاده، قبل أن تغرب الشمس بمكة، فذلك له واسع، ومن غابت عليه الشمس بمكة قبل أن يبدو له ويرجع إلى منى، فلا يبرح من منى حتى يرمي من الغد.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة في بعض الروايات، وجعله في هذه المسألة إن غربت الشمس، وهو بمكة أو بمنى بعد رجوعه إليها من مكة قبل أن يبدو له في التعجيل، فليس له أن يتعجل، ويلزمه أن يقيم إلى الغد فيرمي، بخلاف الذي يتعجل في يومين على ما يأتي في هذا الرسم بعد هذا.
مسألة: خروج الناس من منى إلى عرفة بعد طلوع الشمس في غداة عرفه
مسألة وقال مالك: خروج الناس من منى إلى عرفة بعد طلوع الشمس في غداة عرفه، وبلغني أن ابن عمر كان يفعل ذلك، وخروج الناس من مكة يوم التروية، وقدر ما يصلون بمنى الظهر.
قال محمد بن رشد: وكذلك روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في حديث جابر «أنه ركب يوم التروية فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها» ، الحديث.
مسألة: تعجل في يومين فأتى البيت فأفاض فكان ممره على منى إلى منزله
مسألة قال مالك من تعجل في يومين فأتى البيت فأفاض فكان ممره على منى إلى منزله فغابت عليه الشمس بمنى فلينفر، فإنه ليس هذا الذي ينهى عنه، وسئل مالك عن الرجل يفيض من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق، وهو يريد إلى بلاده، فيقيم بمكة إلى أن يمشي، قال: لا بأس به، ولا أرى عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في المتعجل أنه إن لم ينفر من منى حين غربت الشمس أن عليه أن يبقى حتى يرمي مع الناس في اليوم الثالث، فإن خرج إلى مكة، فأقام بها حتى غربت الشمس، فلا شيء عليه، واختلف إن بات بها حتى أصبح، فقيل: لا شيء عليه بإقامته مكة، وهو قول ابن المواز، وقيل: إنه يلزمه أن يمضي إلى منى، فيرمي مع الناس، وعليه دم لمبيته بمكة، وهو قول ابن الماجشون، وإليه ذهب ابن حبيب، وأما إن أفاض فكان
ممره على منى إلى منزله، قال ابن المواز: أو رجع إليها لحاجة، فغربت عليه الشمس بمنى، فلا اختلاف في أن له أن ينفر، وليس عليه أن يبقى حتى يرمي مع الناس، وأما إن كان الذي تعجل إلى مكة في يومين من أهل مكة، فله أن يقيم بها قولا واحدا، هذا تحصيل هذه المسألة.
مسألة: الذي لا يجوز للمحرم لباسه
مسألة قال مالك: لا يحل للمحرم الكساء يلبسه بعود.
قال محمد بن رشد: لأن ذلك بمعنى المخيط الذي لا يجوز للمحرم لباسه، فإن فعل ذلك فلبسه وانتفع به وجبت عليه الفدية.
مسألة: هلك وعليه مشي إلى بيت الله فسأل ابنا له أن يمشي عنه فوعده بذلك
ومن كتاب أوله باع غلاما بعشرين دينارا مسألة قال: وسألت مالكا عن الرجل هلك وعليه مشي إلى بيت الله، فسأل ابنا له أن يمشي عنه، فوعده بذلك، قال: أما إذا وعده، فإني أحب أن لو فعل ذلك به، ولكن ما ذلك بر أن يمشي أحد عن أحد، ولكني أحب له إذا وعده أن يفعل ذلك به.
قال محمد بن رشد: استحب له أن يفي بما وعده به من المشي عنه، وإن لم يكن في ذلك عنده قربة من ناحية الوفاء، بالعهد في الجائزات التي لا قرب فيها.
مسألة: تعلقت بدابته أو بعيره أو حماره علقة أينزعها وهو محرم
مسألة وسئل مالك عن محرم تعلقت بدابته أو بعيره أو حماره علقة، أينزعها وهو محرم؟ قال: نعم، لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا مثل ما في المدونة وغيرها؛ لأن العلقة
ليست من الدواب المختصة بالحيوان، كالقمل لبني آدم، والقراد للبعير، فللمحرم أن ينزعها كما قال.
مسألة: محرم قطع إصبعه بسكين وكان قطعه يسيرا أيجعل عليه الحناء
مسألة وسئل مالك عن محرم قطع إصبعه بسكين، وكان قطعه يسيرا، أيجعل عليه الحناء ويلفها بخرقة؟ قال: إنا نقول: إذا كان الشيء اليسير، فلا بأس به، ولا أرى عليه فدية في ذلك، وإن كان كثيرا رأيت عليه الفدية.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء، وقد مضى التكلم على هذا المعنى قبل هذا في رسم حلف ليرفعن أمرا.
مسألة: المحرم يكب وجهه على الوسادة من الحر
مسألة وسئل مالك عن المحرم يكب وجهه على الوسادة من الحر، فكره ذلك، قيل له فيرفعها يستظل بها؟ قال: لا أحبه، وأما أن يضع خده فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: وجه الكراهية في ذلك أن المحرم لا يجوز له تغطية وجهه ولا أن يستظل بشيء، إلا إذا نزل بالأرض بالفسطاط والقبة وشبه ذلك لأنه كالبيت، واختلف في الثوب يطرحه على الشجرة ويستظل تحته، فأجيز، وكره.
مسألة: أراد أن يهل بالحج مفردا فأخطأ فقرن
ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات مسألة وسئل مالك عمن أراد أن يهل بالحج مفردا، فأخطأ فقرن
فتكلم بالعمرة، قال: ليس ذلك بشيء، إنما ذلك إلى نيته، وهو على حجه، قال مالك: أما ما كان لله، فهو إلى نيته.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنما الأعمال بالنيات» ، فلا يلزم الرجل فيما بينه وبين ربه ما تكلم به لسانه، إذا لم يعتقده بقلبه، ولم يتعلق فيه حق لغيره.
مسألة: نسي أن يرمي الجمار نهارا
مسألة قال مالك: من نسي أن يرمي نهارا فيلزمه ليلا، ولا أرى عليه في ذلك إراقة دم ولا غيره.
قال محمد بن رشد: قد قال مالك: إن عليه الدم في ذلك، والقولان في المدونة، وأما إن لم يرم حتى ذهبت أيام منى فليهد، ولا يرم في غير أيام الرمي، وقد مضى ذلك في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها.
مسألة: يريد أن يرمي في آخر أيام التشريق ويرجع إلى ثقله
مسألة وسئل مالك عن الرجل يريد أن يرمي في آخر أيام التشريق ويرجع إلى ثقله، فيكون فيه حتى يتحمل، فقال مالك: أحب إلي أن يرمي ويتقدم من منى، قيل له: وكيف يصنع وهو لا يستطيع أن يتحمل تلك الساعة بعياله أو ثقله؟ فقال: يؤخر ذلك ما لم تصفر الشمس.
قال محمد بن رشد: إنما استحب ذلك؛ لأنه الذي مضى عليه السلف، وقد كره مالك للحاج أن يجاور بمكة بعد انقضاء حجه اتباعا للسلف، فقال: ما كان الناس إلا على الحج والفعل، فكيف بالمقام منى بعد انقضاء الحج؟ ووجه ذلك من طريق المعنى هو أن بقاءه ما لم يتعجل بمنى إلى أن يرمي الجمرات آخر أيام منى واجب شرعا ودينا، وبقاؤه بعد ذلك بها مباح
ليس بشرع ولا دين، ولا فيه فدية، فاستحب أن يفرق بين الواجب وغير الواجب بفعل المباح، كما استحب الأكل يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وكما استحب جماعة من العلماء للمعتدة من الوفاة أن تطيب إذا انقضت عدتها كما فعلت أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان وزينب بنت جحش حين توفي أخوها بعد ثلاث، وقالتا: والله ما لنا بالطيب من حاجة، غير أنا سمعنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» .
مسألة: طاف بعد العصر أيركع بعد أن تغيب الشمس
مسألة وسئل مالك عمن طاف بعد العصر، أيركع بعد أن تغيب الشمس أو قبل أن يصلي المغرب؟ قال: نعم إن أحب.
قال محمد بن رشد: خيره في ذلك إذ لم يبين له أي الوجهين أفضل؛ لأن لتعجيل المغرب في أول وقتها فضلا، ولتوصيل الركعتين بالطواف فضلا، والأظهر تعجيل الركعتين؛ لأن أمرهما خفيف لا يفوته به فضل أول الوقت في المغرب إن شاء الله، بخلاف الصلاة على الجنائز مع صلاة المغرب؛ إذ لا فضل للصلاة على الجنائز في أول الغروب، ولصلاة المغرب في ذلك فضل، وبالله التوفيق.
مسألة: الجمال يأتي بالقوم إلى ذي الحليفة فينيخ بهم عند غير المسجد
ومن كتاب أوله مساجد القبائل مسألة وسئل عن الجمال يأتي بالقوم إلى ذي الحليفة، فينيخ بهم عند غير المسجد، فيقول: اذهبوا فصلوا وتعالوا أحملكم، فقال الآخرون: بل تنيخ عند باب المسجد حتى نصلي ثم نركب ثم نهل، قال مالك: يجبر الجمال على أن ينيخ بهم عند باب المسجد حتى يصلوا، ثم يركبوا فيهلوا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ذلك عرف، فعليه دخل الكري.
مسألة: أول من أقام للناس الحج
مسألة وسئل مالك من أول من أقام للناس الحج؟ قال: أبو بكر الصديق، قيل له: في أي سنة؟ قال: في سنة تسع.
قال محمد بن رشد: معنى هذا أنه سئل عن أول من أقام للناس الحج بعد أن فرض، فقال أبو بكر، وإنما سئل عن ذلك لقول من قال: إن حجة أبي بكر في سنة تسع إنما كانت تطوعا؛ لأنه حج في ذي القعدة على ما كان عليه أهل الجاهلية من النسي، ثم حج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سنة عشر حجة الفريضة في ذي الحجة، والصحيح ما ذهب إليه مالك أن أبا بكر أقام للناس الحج بعد أن فرض قبل أن ينسخ النسي، فكانت حجته تلك في ذي القعدة شرعا ودينا، وأخر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحج ذلك العام من أجل العراة الذين كانوا يطوفون بالبيت، حتى يعهد إليهم في ذلك على ما تواترت به الآثار إلى أن حج في سنة عشر في ذي الحجة، ونسخ النسي، فثبت الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة.
وفي تأخير رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحج للعهد المذكور في الآثار دليل على أنه على التراخي، وقال بعض أهل العلم ممن ذهب إلى أنه على التراخي: إن تأخير رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحج خصوص له، وهو قول لا دليل لقائله عليه.
مسألة: يوم الحج الأكبر
مسألة وسئل مالك عن يوم الحج الأكبر، فقال: هو يوم النحر.
قال محمد بن رشد: قد اختلف أهل العلم في قوله عز وجل: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3] ، هل الأكبر نعت للحج، أو لليوم، فمنهم من قال: إنه نعت للحج، ومنهم من قال: إنه نعت لليوم، ثم اختلف الذين قالوا: إنه نعت للحج، فمنهم من قال: إنما قيل له الأكبر؛ لأن ثم حجا أصغر وهو العمرة، ومنهم من قال: إنما قيل له الأكبر؛ لأنه عنى حج أبي بكر إذ وقع في ذي القعدة على ما كان عليه أهل الجاهلية من النسي، وقد كان الحج في العام الذي قبله في ذي القعدة أيضا، فسماه الله الأكبر، إذ كان الأكبر من الحجين الواقعين في ذي القعدة، وقيل: إن حجة أبي بكر وافقت ذا الحجة، فوقعت فيه، فسماه الله الحج الأكبر لاستدارة الزمان إليه، وثبوت الحج فيه إلى يوم القيامة، واختلف الذين قالوا: إنه نعت لليوم أيضا، فمنهم من قال: إنه يوم عرفة؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الحج عرفة» ، ولأن من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج، ومنهم من قال: إنه يوم النحر، وإلى هذا ذهب مالك، وهو أظهر الأقوال؛ لأن المراد بذلك المجتمع الأكبر؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع والنسي قائم، والمشركون يحجون مع المسلمين، وكان قريش ومن ولدته قريش يقفون بالمشعر الحرام يوم عرفة، ويقف سائر الناس بعرفة، ثم يجتمعون كلهم بمنى يوم النحر، فأمر الله نبيه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن يؤذن الناس ببراءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين يوم الحج الأكبر، أي يوم اجتماعهم الأكبر، وهو يوم النحر بمنى؛ ليسمع جميع الناس النداء، فيبلغ شاهدهم غائبهم، فكان مما أوذنوا به ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وتليت عليهم سورة براءة إنذارا لهم وإعذارا إليهم.
مسألة: المرأة تريد العمرة فتتناول شرابا لتأخير الحيضة
ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت مسألة وسئل مالك عن المرأة تريد العمرة، فتخاف تعجيل الحيض، فيوصف لها شراب تشربه لتأخير الحيضة، قال: ليس ذلك بالصواب، وكرهه.
قال محمد بن رشد: إنما كرهه مخافة أن تدخل بذلك على نفسها ضررا في جسمها، والله يعذرها بالعذر ويعطيها بالنية، فمن نوى عمل بر ومنعه منه عذر من الله، كتب له إن شاء الله، قال عز وجل: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] ، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما من امرئ تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم، إلا كتب له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة» .
مسألة: المرأة تدخل بعمرة حائض فتردف الحج على العمرة
مسألة وقال مالك في المرأة تدخل بعمرة حائض، فتردف الحج على العمرة: إنها إذا حلت، فأحب إلي أن تعتمر عمرة أخرى كما فعلت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. قال محمد بن رشد: قوله كما فعلت عائشة، يريد كما فعلت في أن اعتمرت بعد أن حلت من حجها، لا في أنها قرنت، إذ لم تكن قارنة؛ لأنها كانت أهلت بعمرة، فلما قدمت مكة حاضت، فأمرها النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن تهل بالحج وتدع العمرة، فلما قضت الحج أرسلها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع
عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت مكان عمرتها التي كانت على ما وقع في الموطأ، ولم ير مالك العمل بذلك، وقال: ما أظن الحديث بذلك إلا وهما؛ إذ قد روي عن عائشة أنها كانت محرمة بالحج لا بالعمرة، ولأنه لا يرى لمن أحرم بحجة أو عمرة أن يرفض شيئا من ذلك؛ لقوله عز وجل: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] ، وقد تأول أن أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياها أن تهل بالحج وتدع العمرة، إنما معناه أن تهل بالحج وتدع العمل بالعمرة لا العمرة، فكانت بذلك قارنة، وهو تأويل يخرج به الحديث على المذهب لولا أنه يرده قوله في الحديث: «انفضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج» ؛ لأنها يدل على أنها رفضت الإحرام الذي كانت فيه بالعمرة، ويدل على أنها رفضت الإحرام بالعمرة؛ «ما روي عنها من أنها قالت: يا رسول الله، أيرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع بحج؟ فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت مكان عمرتها» ، فأولى ما يقال في هذا أن الحديث وهم كما روي عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -، والصحيح إن شاء الله ما ذكر في موطئه، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، «عن عائشة أنها قالت: " قدمت وأنا حائض، فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري» ؛ لأن هذا يدل أنها كانت محرمة بالحج، وأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمرها أن تتمادى على عمل حجها، على ألا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، ثم أعمرها من التنعيم لترجع بحج أو عمرة، كما رجع غيرها من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ويحتمل أن يكون تأول من ذهب إلى أن رسول الله إنما أمرها أن تردف الحج على العمرة، لا أن تنقض العمرة، وتحل منها، ثم تستأنف الإحرام بالحج، وأنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنما أمرها أن تنفض رأسها وتمتشط؛
ليكون ذلك أبلغ في غسلها للإحرام بالحج على العمرة، لا أنها نقضت العمرة، وذكر البخاري فيما بوب على الحديث في كتاب الوضوء ما يدل على هذا التأويل، فقف على ذلك.
مسألة: الرجل يجب عليه هديان مثل أن يقرن ويفوته الحج
مسألة وسئل مالك عن الرجل يجب عليه هديان، مثل أن يقرن ويفوته الحج، قال مالك: أرى عليه هديين، فإن لم يجدهما ووجد أحدهما أهدى هديا، وصام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، فمن لم يجد شيئا صام فيه ستة أيام قبل النحر في إحرامه، وأربعة عشر إذا رجع.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية يسقط عنه هدي القران في الحج الفائت، ويجب عليه هديان؛ هدي للفوات، وهدي لقران القضاء ينحرهما جميعا في حجة القضاء، وهو ظاهر ما في الموطأ، وقد تأول أبو عمر الإشبيلي ما في الموطأ من قوله: يهدي هديين، أن يكون الهدي الذي كان ساقه في قران الحج الفائت قد نحره حينئذ، وبقي عليه هديان في الحجة التي يقضي، وكذلك في كتاب محمد أن عليه ثلاث هدايا لابن القاسم، من رواية أبي زيد عنه.
قال: ولو قرن فأفسد حجه، ثم فاته الحج؛ لكان عليه أربع هدايا؛ هدي للقران، وهدي للفساد، وهدي للفوات، وهدي لقران القضاء، وهو مذهبه في المدونة أن الفوات لا يسقط عنه دم القران إن كان قارنا، ولا دم الفساد إن كان قد وطئ قبل أن يفوته الحج، قاله في الحج الثالث فيمن وطئ، ثم فاته الحج أن عليه هديين، والقران مقيس عليه، وأما من قرن، ثم أفسد حجه فلا اختلاف أن عليه ثلاث هدايا؛ إذ لا يسقط الفساد هدي القران؛ لوجوب إتمام القران الفاسد، فإذا وجب إتمامه وجب الهدي عنه، فعلى هذا يحمل ما في سماع أشهب بعد هذا.
مسألة: حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث
مسألة وقال مالك فيمن حلف بالمشي إلى بيت الله، فحنث، فإنه يمشي من حيث حلف، وكانت يمين صاحبها ألا يفعل كذا وكذا، حتى ينتقل من منزله، وكان صاحب خيمة.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة متكررة في هذا الرسم، من هذا السماع، من كتاب النذور، وفيها هناك زيادة، وجوابه فيها هنا وهناك على ما في كتاب العتق الأول من المدونة، في الذي يقول: إن كلمت فلانا فكل مملوك أملكه من الصقالبة حر، فاشترى - بعد يمينه، وقبل أن يكلم فلانا - صقالبة، ثم كلمه أنهم يعتقون، خلاف ما في سماع زونان، من كتاب الأيمان بالطلاق، فيمن قال: إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها بمصر طالق، فتزوج ثم كلمه، قال: لا شيء عليه في التي تزوج قبل يمينه، وإنما يلزمه الحنث فيما تزوج بعد كلامه، وبالله التوفيق.
مسألة: يركع في الحجر لطواف النافلة
ومن كتاب نذر سنة يصومها مسألة وسئل مالك عن الذي يتنفل بالطواف، أترى أن يركع ركوعه في الحجر؟ قال: ما يعجبني، وأما أن يركعهما من غير الطواف، فلا أرى به بأسا ثم قال بعد ذلك: لا أرى بأسا أن يركع في الحجر لطواف النافلة.
قال محمد بن رشد: وجه القول الأول أن الركوع الأول لما كان يجب على من طاف تطوعا؛ لئلا يبطل طوافه إن لم يركع أشبه الواجب، فكره أن
يفعله في الحجر، ووجه القول الثاني أنه جعل تابعا للطواف في أنه يفعل، فأجاز له فعله.
مسألة: تفسير مكة وبكة
مسألة وسئل مالك عن تفسير مكة وبكة، فقال: بكة موضع البيت، ومكة غيره من المواضع، يريد القرية.
قال محمد بن رشد: أراه أخذ ذلك من قوله عز وجل؛ لأنه قال في بكة: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: 96] ، وهو إنما وضع لموضعه الذي وضع فيه، لا فيما سواه من القرية، وقال في مكة: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: 24] ، وذلك إنما كان في القرية، لا في موضع البيت، والله أعلم.
مسألة: حفر زمزم
مسألة قال مالك: رأى عبد المطلب أنه يقال له: احفر زمزم لا تنزف، ولا تذم بين فرث ودم، يروي الحجيج الأعظم في موقع الغراب الأعصم، قال: فحفرت.
قال محمد بن رشد: قد جاء في الحديث الصحيح: «أن إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما كان بينه وبين أهله ما كان، خرج بابنه إسماعيل وأمه، ومعهم شنة فيها ماء، حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة، فجعلت تشرب من الشنة، ويدر لبنها حتى لما فني الماء، قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا، فصعدت على الصفا، فنظرت فلم تر أحدا ثم هبطت، فلما صارت في الوادي، رفعت ذراعها، فسمعت سعي الإنسان المجهود، ثم صعدت على المروة فلم تر أحدا، فعلت ذلك سبع مرات، وابنها يتلوى من العطش، فلما كانت في آخر ذلك سمعت، فأصغت إليه فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواثا، فإذا بجبريل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: فقال هكذا، فاندفق الماء، فدهشت أم إسماعيل، فجعلت تخفق، قال: فقال أبو القاسم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لو تركته كان الماء ظاهرا، أو لكانت زمزم عينا معينا» ، فيحتمل أن يكون بعد ذلك قد رفعت السيول بلقاء الرمل والتراب حتى انطمس وعفا أثره، فكان من عبد المطلب في حفره ما ذكر في هذه الحكاية، والله أعلم.
مسألة: اتخذ إبلا من مال الله يعطيها الناس يحجون عليها فإذا رجعوا ردوها إليه
مسألة قال مالك: وبلغني أن عمر بن الخطاب اتخذ إبلا من مال الله يعطيها الناس يحجون عليها، فإذا رجعوا ردوها إليه.
قال محمد بن رشد: هذا من النظر الصحيح في مال الله؛ لأن أولى ما صرف فيه مال الله ما يستعان به على أداء فرائض الله؛ فينبغي للأئمة أن يتأسوا في ذلك بفعله، فقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» .
مسألة: المحرم يتخذ الخرقة لفرجه يجعلها فيه عند منامه
ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه مسألة وسئل مالك عن المحرم يتخذ الخرقة لفرجه، يجعلها فيه عند منامه، قال: لا بأس بذلك، وليس هذا يشبه الذي يلقي على فرجه للمذي والبول، ذلك يفدي.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة، وما كان في معناها في رسم حلف بطلاق امرأته ليرفعن أمرا، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك هنا.
مسألة: يجعل في رأسه الخل قبل أن يحرم
مسألة وسئل عن صاحب الأقرحة تكون برأسه، يريد أن يجعل في رأسه الخل قبل أن يحرم، قال: لا يعجبني ذلك، أخاف أن يقتل الدواب، قيل له: أفلا يجعله ويفدي، فإنه يشكو منه أنه يؤذيه أذى شديدا؟ قال: ما يعجبني ذلك أن يجعل شيئا، والناس يصيبهم هذا، وهو أمر قريب، وأرى أن يصبر حتى يفرغ من حجه.
قال محمد بن رشد: قد بين مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - من وجه قوله في هذه المسألة ما أغنى عن القول فيها؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: 196] ، فلم يبح الحلق إلا عند الضرورة، وليس هذا من الضرورة التي تبيح له قتل القمل في رأسه بعد الإحرام بالخل الذي جعله فيه قبل الإحرام، على ما قال في مسألة الزاوق بعد هذا في رسم اغتسل، وبالله التوفيق.
مسألة: طاف قبل الصبح فخشي الإقامة
مسألة وسئل مالك عن الذي يفرغ من طوافه بمكة، ثم تقام الصلاة قبل أن يركع ركعتي الطواف، وهم في الصبح يطلبون الإقامة لطواف الناس، وطردهم إياهم عن الطواف، قال: إنه يكره أن يصلي أحد بعد أن تقام الصلاة، وعسى ذلك أن يكون في المساجد غير المسجد الحرام، وعسى أن يكون هذا بمكة خفيفا، قيل له: فركعتا الفجر مثله؟ قال: نعم، أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: إنما كرهت الصلاة بعد الإقامة؛ لما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: «سمع قوم الإقامة فقاموا يصلون، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أصلاتان معا؟ أصلاتان معا؟» يريد بذلك نهيا عن ذلك، وذلك في صلاة الصبح في الركعتين قبل الصبح، وخفف مالك ذلك بمكة للمعنى المذكور في الرواية، وترك ذلك أحسن وأقطع للذريعة، قال ابن نافع في المدونة: وإذا طاف قبل الصبح، فخشي الإقامة، فليبدأ بركعتي الطواف قبل ركعتي الفجر، ومثله في رسم اغتسل بعد هذا، من سماع ابن القاسم، وفي آخر سماع أشهب.
مسألة: حكم العمرة
مسألة وسئل مالك عن العمرة أواجبة هي أم سنة؟ قال: بل سنة كالوتر وغيرها من السنن، اعتمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والناس فهي سنة.
قال محمد بن رشد: مثل هذا لمالك في كتاب ابن المواز، وذكر ابن حبيب أنها واجبة كوجوب الحج، وإلى هذا ذهب ابن الجهم، ومن حجة
من ذهب إلى أنها واجبة؛ قول الله عز وجل: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] ، ولا حجة في ذلك؛ لأن الأمر بإتمام الشيء لا يتناول إلا لمن دخل فيه، وقالوا أيضا: ولما قال الله: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3] دل على أن ثم حجا أصغر وهو العمرة، وهذا لا حجة فيه أيضا؛ لأنه تأويل تعارض بما هو أولى منه، وقد ذكرنا ما قيل في ذلك في رسم مساجد القبائل.
مسألة: إمام الحاج أيتعجل في يومين
مسألة وسئل مالك عن إمام الحاج أيتعجل في يومين؟ قال: لا يعجبني، قيل: فأهل مكة يتعجلون في يومين؟ قال: لا أرى لهم ذلك إلا أن يكون لهم عذر من مرض أو تجارة يرجع إليها، قيل: فالرجل له المرأة الواحدة، فيريد أن يتعجل إليها، قال: فلا أرى ذلك مما حل الناس له إلا للمرأة الواحدة، فلا أرى إلا أن يكون له عذر من مرض أو ما أشبه، قال ابن القاسم: وقال لي مالك قبل ذلك: لا أرى به بأسا، وأهل مكة كغيرهم، وهو أحب قوله إلي.
قال محمد بن رشد: أما كراهيته للإمام أن يتعجل في يومين فبينة؛ لأن رمي الجمار في اليوم الثالث من بقية عمل الحج، ينبغي للإمام ألا يتعجل قبله ليقتدى به فيه، ويأتم به من لم يتعجل من الحاج، وأما أهل مكة، فالأظهر أنهم وغيرهم في التعجيل سواء؛ لأن الله قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] ، يريد في ترك الأخذ بالرخصة، إذ قد علم أنه لا إثم في الإتيان بالأكمل إلا من وجه ترك قبول الرخصة، فلذلك يبين الله تعالى أنه لا إثم في ذلك، ولم يخص أهل مكة من غيرهم