البيان والتحصيلصفحات 93-132
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النذور الأول

صفحات 93-132
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مسألة: المملوك يتقاضى من غريم سيده بدون إذنه ليقضي دينا عليه

من سماع ابن القاسم من كتاب الرطب باليابس مسألة أخبرنا ابن عمر قال: أخبرنا محمد التابعي قال: أخبرنا سحنون قال: أخبرنا ابن القاسم قال: سئل مالك عن مملوك لرجل حلف لغريم له، ليقضينه حقه إلى عشرة أيام، فلما مضت تسعة أيام ولم يقضه حقه خاف الحنث، فعمد إلى غريم لسيده فتقاضى منه بغير إذن سيده، فقضى غريمه، فلما علم السيد بعد أنكر ذلك، فأخذ من الغريم ما قضاه الغلام بغير إذن سيده، هل تراه حانثا؟ قال: أراه حانثا، وكذلك لو سرقها فقضاه إياها كان حانثا، قيل له: يا أبا عبد الله، أرأيت لو أجاز السيد بعد العشرة أيام؟ قال مالك: ما أرى من أمر بين، قال ابن القاسم في هذا أراه حانثا حين لم يجزه له قبل أن يقضي الأجل لأنه لو شاء أن يأخذ ما أعطاه عبده من ماله أخذه، فإنما وقع القضاء بعد الأجل.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة لا يخلو الأمر فيها من وجهين؛ أحدهما: أن يعلم السيد بذلك قبل العشرة الأيام.
والثاني: أن لا يعلم بذلك إلا

بعد العشرة الأيام، فأما إذا علم بذلك قبل العشرة الأيام، فإن أجاز ذلك بر العبد، وإن لم يجز وأخذ ديناره حنث العبد، إلا أن يقضي غريمه ثانية قبل العشرة الأيام، ولا اختلاف في هذا الوجه.
وأما إذا لم يعلم بذلك إلا بعد العشرة الأيام، ففي ذلك ثلاثة أقوال؛ أحدها: قول ابن القاسم هاهنا: أن العبد حانث، أجاز السيد الأمر أو لم يجزه، وأخذ ديناره إن لم يجزه، انتقض القضاء، فكأنه لم يكن، وإن أجازه فكان القضاء إنما وقع يوم الإجازة إذ كان له ألا يجيزه، وهو ظاهر ما في المدونة إذا استحق مستحق ما قضى، إذ لم يفرق فيها بين أن يأخذ المستحق ما استحق أو لا يأخذ، وظاهر ما في نوازل سحنون في مسألة السوار، وعلى قياس هذا يأتي قول أشهب في العبد يباع بيعا فاسدا قبل يوم الفطر، فيمضي يوم الفطر وهو بيد المشتري لم يفت أن الفطرة فيه على البائع، وإن فات بعد يوم الفطر، فلزمت المشتري فيه القيمة ولم يرد إليه.
والثاني: قول ابن كنانة: إنه إن أجاز السيد القضاء بر العبد في يمينه، وإن لم يجز وأخذ ديناره حنث؛ لأنه إن رد وأخذ ديناره انتقض القضاء، وإن أجازه فكأنه لم يزل جائزا من يوم وقوعه على أصولهم فيمن اغتصب عبدا فباعه وأعتقه المشتري، ثم استحقه سيده أنه إن أجاز البيع نفذ عتق المشتري فيه؛ لأن البيع كأنه لم يزل جائزا من يوم وقوعه، وإن لم يجزه وأخذ عبده انتقض العتق، ولهذا المعنى توقف مالك في الإجازة فقال: ما أرى من أمر بين، وعلى قياس هذا يأتي قول ابن الماجشون في العبد يباع قبل يوم الفطر بيعا فاسدا، فيمضي يوم الفطر، وهو بيد المشتري لم يفت أنه إن نقض البيع فيه ففطرته على البائع، وإن لم ينقض لفواته عند المشتري، وإن بعد يوم الفطر ففطرته على المشتري.
والقول الثالث: أنه لا حنث على العبد أجاز السيد القضاء أو لم يجزه وأخذ ديناره؛ لأن الأجل ما مضى، إلا وقد اقتضى الغريم حقه

وذلك في ضمانه، ولو تلف كانت مصيبته منه، فوجب أن يبر العبد بذلك، وإن لم يجز السيد ذلك وأخذ ديناره، وهو قول أشهب في سماع أصبغ بعد هذا في الذي عليه لرجل طعام من ابتياع إلى أجل فيحلف ليقضينه إياه قبل الأجل، فيقضيه طعاما ابتاعه قبل أن يستوفيه، فلا يعلم ذلك إلا بعد الأجل أن القضاء يفسخ ويبر الحالف بيمينه بذلك القضاء الفاسد، وإن نقض لكون المحلوف عليه ضامنا لما قبض، وعلى قياس هذا يأتي قول ابن القاسم في مسألة العبد يباع فاسدا، فيمضي يوم الفطر، وهو عند المشتري أن فطرته عليه؛ لأن ضمانه منه، ونفقته عليه، وإن رده على البائع بعد يوم الفطر.
وقول ابن القاسم أولى الأقوال بالصواب؛ لأن الحنث يدخل بأقل الوجوه، وهذا الاختلاف كله إنما هو إذا قامت البينة على الدينار بعينه عند الغريم أنه هو الذي سرقه العبد أو اقتضاه من غريم سيده فقضاه إياه على القول بأن الدينار يتعين، وأما إذا لم تقم عليه بينة، أو قامت عليه بينة على القول بأن الدينار لا يتعين، وهو قول أشهب وأحد قولي ابن القاسم في المدونة، فلا يكون للسيد على غريم العبد سبيل، ويرجع على عبده بالدينار، وإن كان وكيلا له على الاقتضاء أو على غريمه إن كان العبد متعديا في الاقتضاء، ويبر العبد في يمينه، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف أن لا ينفع فلانا بشيء هل يأخذ من صدقته

مسألة وسئل مالك عن رجل حلف أن لا ينفع فلانا بشيء، والذي حلف وصي لرجل قد أوصى أن يقسم على المساكين أوسقا من ماله لفلان وفلان، والذي حلف عليه أن لا ينفعه منهم، هل ترى أن يجري تلك الصدقة على يديه، كالذي أوصى به صاحبه، فيكون هذا

قد انتفع بذلك مما جرى على يد الحالف الذي حلف ألا ينفعه؟ قال: ذلك إلى نيته، وإن كان إنما نوى ألا ينفعه بشيء هو له بعينه، أو يعطيه إياه، ولعله أن يكون قد كانت تكون إليه أشياء غير واحدة من صنائع المعروف، فإن كانت هذه نيته، فليس عليه بأس أن يدفع إليه دينا له قبله أو ميراثا أو وصية، أو ما كان مما لا يكون من مال الحالف، قال ابن القاسم: وإن لم تكن له نية، فلا يجري عليه شيئا، وهو وجه ما سمعت من مالك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه عم جميع الوجوه والمنافع كانت من ماله أو من مال غيره بحلفه ألا ينفعه بشيء، فوجب أن يحنث بإجراء تلك الصدقة عليه؛ لأنها داخلة تحت عموم لفظه، إلا أن تكون له نية في أنه إنما أراد ألا ينفعه بما له، فتكون له نيته التي نوى، ويصدق فيها، وإن لم تكن كانت إليه منه قبل ذلك صنيعة من صنائع المعروف، إذ لم يجعل ذلك شرطا في قبول نيته، وإنما قال: ولعله أن يكون قد كانت إليه منه شيئا من صنائع المعروف، فيكون ذلك بينا في قبول نيته، وهذا إذا كانت يمينه التي حلف بها مما لا يقضى عليه بها، وأما إن كانت يمينه التي حلف بها بعتق أو طلاق وما أشبه ذلك مما يقضى به عليه، فلا ينوى، ويحكم عليه بالعتق أو الطلاق إلا أن يكون قد كانت إليه منه قبل ذلك أشياء من صنائع المعروف، فينوى فيما ادعاه مع يمينه هذا الذي يأتي في هذا على أصولهم، إذ من قولهم: إن من ادعى نية مخالفة لظاهر لفظه فيما يحكم به عليه لا يصدق فيها إلا بسبب يدل على صدق قوله.

وقال مالك فيمن سيم بسلعة له، فأعطي بها عشرة، فقال: والله ما قامت علي بعشرة، وقد قامت عليه بدون العشرة، فلا ينبغي إلا أن يكون ينوي الكراء والمؤنة، فذلك له مخرج وإن لم يسمه.
قال محمد بن رشد: الأصل في معرفة ما يحتاج فيه من ذلك إلى النية مما لا يحتاج فيه إلى النية أن ما كان في السلعة عينا قائمة يحسب في المرابحة، ويحسب له ربح كالصبغ والكمد والفتل، وما أشبه ذلك، فهذا لا يحنث إن قامت عليه السلعة دون أن يحسب هذه الأشياء بدون العشرة إذا كانت قد قامت عليه بها بفوق العشرة، وإن لم تكن له نية، وأما ما سوى ذلك مما يحسب في أصل الثمن، ولا يحسب له ربح، أو لا يحسب رأسا فهو حانث، إلا أن ينويه، ولو كانت يمينه بغير الله مما يقضى به عليه؛ لوجب على أصولهم ألا ينوى إلا فيما يحسب ولا يحسب له ربح، إلا فيما لا يحسب رأسا كنفقة نفسه، وكراء ركوبه، وما أشبه ذلك.

مسألة: حلف ألا يدخل بيتا بليل فدخل بعد الفجر

مسألة قال مالك: من حلف ألا يدخل بيتا بليل، فدخل بعد الفجر لم يحنث، وإن كان قد قال نهارا فقد حنث.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن النهار في الشرع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» ، فبين بذلك أن طلوع الفجر آخر الليل وأول النهار، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

«إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم» ، فبين بذلك أيضا أن غروب الشمس آخر النهار وأول الليل، فوجب أن لا يحنث من حلف ألا يدخل بيتا بليل إذا دخله بعد الفجر، وألا يحنث من حلف ألا يدخل بيتا بنهار إذا دخله بعد غروب الشمس، ولولا وجوب اتباع ما أحكمه الشرع من هذا؛ لوجب أن يحنث الذي يحلف ألا يدخل بيتا بليل إذا دخله بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، كما يحنث إذا دخله بعد غروب الشمس وقبل مغيب الشفق؛ لأن الذي يوجبه النظر أن يكون النهار من طلوع الشمس إلى غروبها، والليل من غروبها إلى طلوعها، إلا أن ينوي ألا يدخله في ظلام الليل، أو يكون ليمينه بساط يدل على ذلك، فيحنث إن دخله بعد الفجر أو قبل مغيب الشفق على معنى مما لأصبغ في نوازله، من كتاب الأيمان بالطلاق، في الذي يحلف: لتدخلن عليه امرأته ليلة الجمعة، فدخلت عليه بعد الفجر من تلك الليلة، أنه لا حنث عليه إن كانت عادة الناس في تلك البلدة إدخال النساء على أزواجهن بعد طلوع الفجر، وبالله التوفيق.

مسألة: حكم ما أوجب العبد على نفسه من النذر والحدود

مسألة وقال مالك في العبد يجعل على نفسه الشيء في سبيل الله، ثم يجيء العلم أنه حر حين جعل ذلك على نفسه أن ذلك عليه، وكذلك الحدود.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ما أوجب العبد على نفسه من النذر والحدود يجب أن يلزمه، ولا يسقط عنه منها شيء يظنه أنها لا تجب

عليه؛ لأنه لم يعتق، كما يجب على الحر البالغ ما أوجب على نفسه من ذلك، ولا يسقط عنه شيء منه، يظنه أنها لا تجب عليه؛ لأنه لم يبلغ، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لشيء من ماله دابة أو عبد أهديك

مسألة وقال مالك: من قال لشيء من ماله دابة أو عبد أهديك، فهو مخير في قيمته أو ثمنه ما بلغ يجعله في هدي.
قال محمد بن رشد: قال في المدونة فيمن أهدى عبده: إنه يخرج بثمنه هدايا، فذهب بعض أهل النظر إلى أن ذلك خلاف لهذه الرواية، إذ لم يقل: إنه يخرج بثمنه أو بقيمته هدايا كما قال في هذه الرواية، وخلاف لما في رسم البز، من سماع ابن القاسم، من كتاب الصدقات والهبات، في المرأة التي جعلت خلخالين لها في سبيل الله إن شفاها الله من مرض، أنه كره لها أن تحبسهما وتخرج قيمتهما.
وقال سحنون: إنما كره من أجل الرجوع في الصدقة؛ وليس ذلك عندي على ما ذهب إليه، بل هذه الرواية مفسرة لما في المدونة، وما في رسم البز من كتاب الصدقات والهبات، مسألة أخرى فلا اختلاف في شيء من ذلك، فإذا أهدى الرجل ما أهدى من الإبل والبقر أو الغنم، أو جعل في سبيل الله ما ينتفع بعينه فيه من الخيل والسلاح، فلا اختلاف في أنه لا يجوز له أن يمسكه، ويخرج قيمته؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لعمر بن الخطاب في الفرس كان حمل عليه في سبيل الله، ثم أراد ابتياعه: «لا تشتره، ولا تعد في صدقتك» ؛ لأن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه، وإذا أهدى ما لا يمكن أن يهدى من ثوب أو عبد، فجائز أن يمسكه ويخرج قيمته إذا لم يتعين في عينه حق الله، وإنما يجب على من أهداه إخراج العوض عنه، وإذا جعل في السبيل ما لا ينتفع فيه بعينه، ولا بد من بيعه؛ لينفق ثمنه في السبيل كالخلخالين وشبههما، فيكره له إخراج قيمة ذلك وإمساكه من

ناحية الرجوع في الصدقة؛ لإمكان إخراجه بعينه في السبيل، وليس ذلك بحرام، إذ لا ينتفع بالذي أعطيه في السبيل بعينه، فعلى هذه الثلاثة الأقسام ينقسم هذا الباب.

مسألة: حلف ألا يقضي الحق الذي عليه حتى يسجنه فيه الطالب

ومن كتاب أوله سلعة سماها مسألة وعن رجل كان له على رجل حق فمطله بذلك، فقال الذي عليه الحق: عليه عتق ما يملك إن قضاه حتى يسجن له ثم يسجن، يريد بذلك أياما، وحلف الآخر بالعتق إن أنظره إلا أن ينظره السلطان، فارتفع إلى السلطان، فضرب له الأجل أياما، فلما كان في آخر الأجل تغيب عنه، فقال له عمه: أنا أقضيك حقك عنه، أفترى عليه شيئا؟ قال: ما أرى بذلك بأسا أن يقتضي من عمه، وقال: ليس عليه حنث، وإن علم بقضاء العلم عنه غير أن اليمين عليه في قضائه عنه كما كانت لصاحب الحق لا يقضيه حتى يسجن أياما كمن حلف وإلا حنث.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة؛ لأن الأيمان إنما هي على المعاني فيها والمقاصد بها، فالذي حلف ألا ينظر غريمه حتى يأخذ حقه منه لا شيء عليه إن قبضه من غيره؛ لأنه إنما أراد ألا ينظره حتى يصل إليه حقه، والذي حلف ألا يقضي الحق الذي عليه حتى يسجنه فيه الطالب تلزمه اليمين لمن قضاه عنه؛ لتحول الحق الذي حلف ألا يقضيه حتى يسجن فيه إليه، ولا يحنث بعلمه بقضاء الحق عنه؛ إذ ليس له أن يمنعه من ذلك، وقال: إنه لا يقضي الحق الذي عليه لعمه الذي قضاه عنه حتى يسجن له فيه أياما ظاهره في مرة واحدة، وإنما رأى أنه يبر بذلك؛ لأنه قال في السؤال يريد بذلك

أياما، وروي عن ابن القاسم في غير العتبية أنه قال: أحب إلي أن يقيم في كل مرة يوما وليلة، ثم يطلق، ثم يستعدى عليه فيسجن كذلك حتى يسجن ثلاث مرات، ولا معنى لهذا الاستحباب؛ لأنه إن كان أتى مستفتيا فله نيته، وإن كان مشهودا عليه ومخاصما، فيتخرج ذلك على قولين؛ أحدهما: وهو الأصح منهما أنه يبر حتى يسجن ثلاث مرات يقيم في كل منها يوما وليلة فأكثر.
والثاني: أنه يبر ويسجن مرة واحدة إذا أقام فيه أياما، والأصل في هذا اختلافهم في الذي يقول: إذا حملت امرأتي فهي طالق وهي حامل، هل التمادي في الحمل كابتداء حمل وتطلق عليه أم لا تطلق عليه إلا إذا حملت حملا آخر، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف ألا يعين بطعام ولا بزيت

مسألة وسئل مالك عن رجل حلف ألا يعين بطعام ولا بزيت، فكان زيت مقتته أترى أن يعين به؟ فقال: لا أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: يعني بمقتت مطيب، يريد بأشجار الأرض، لا بصريح الطيب، ومثله لمالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في المجموعة، وقال غيره فيها: إن نوى الزيت خاصة لم أبلغ به الحنث؛ لأني أكره بعضه ببعض متفاضلا، كما أكره التفاضل في السرح والزنيق، ولم ير مالك ما يقتت بأشجار الأرض يخرج من صنفه، وإنما يخرج ذلك إذا طيب بصريح الطيب كالمسك والعود وشبهه، وقول غير مالك في المجموعة: إن نوى الزيت خاصة لم أبلغ به الحنث لا معنى له؛ لأن اللفظ أقوى من النية، وهو قد لفظ بالزيت، فالجواب

فيه أنه يحنث بالزيت المطيب ما لم يخرجه ما فيه من الطيب عن صنفه، حتى يجوز فيه التفاضل إلى أجل إلا أن ينوي الزيت الخالص، فلا يحنث بالمطيب على حال إذا أتى مستفتيا، والله أعلم.

مسألة: حلف بعشرين نذرا إن قبل لأبيه هبة أبدا وأبوه الذي يمونه

مسألة وسئل عمن حلف بعشرين نذرا إن قبل لأبيه هبة أبدا، وأبوه الذي يمونه قال: هل جعل لذلك مخرجا من صيام أو حج؟ قال: لم يجعل لذلك مخرجا من صيام ولا حج، إنما كانت مسجلة، قال: يكفر عشرين يمينا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ما يمونه به هبة له، فقبوله منه ذلك بعد يمينه قبول لهبته، إلا أن ينوي سوى ما يمونه به، أو يكون ليمينه بساط يدل على ذلك، فلا يحنث في استمرار مؤنته إياه، وقوله له: إنه يكفر عشرين يمينا إذا حنث، ولم يسم لنذره مخرجا، صحيح على ما في المدونة وغيرها أن من نذر نذرا، ولم يجعل له مخرجا، فكفارته كفارة يمين، وقد روي ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، من رواية عقبة بن عامر الجهني، ولم يختلف فيمن قال: علي نذر ثلاثة أو أربعة إن فعلت كذا، ولا نية له، فحنث أن عليه ثلاث كفارات أو أربعا، واختلف إذا قال: علي ثلاثة أيمان أو أربعة إن فعلت كذا وكذا، فحنث فقيل: عليه ثلاث كفارات أو أربع، وقيل: عليه كفارة واحدة، إلا أن ينوي ثلاث كفارات أو أربعا، حكاه ابن أبي زيد، عن ابن المواز.

مسألة: حلف في بيع طعام ألا يزيد في عامه هذا على ثلاثة أرادب

مسألة وسئل عن رجل حلف في بيع طعام ألا يزيد في عامه هذا على ثلاثة أرادب وويبتين بدينار، فبعث إليه أخ له بذهب يبيعه به

طعاما بعشرين دينارا، فكتب إليه أني قد بعتك بثمانية عشر دينارا، ثلاثة أرادب وويبتين لكل دينار، وبدينارين حمص وجلبان بأكثر مما يكون به سعرهما، يكون قد جعل الدينار له دينارين أو ثلاثة في رخصه، قال: أراه قد حنث.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه إذا رخص له فيما باعه إياه من الحمص والجلبان مع الطعام في صفقة واحدة، فقد رخص له في الطعام، وزاد له في سعره على ثلاثة أرادب وويبتين فحنث، والله الموفق.

مسألة: دخل على امرأته فوجد عندها قرابة لها فعاقبها فحلفت بالمشي إلى بيت الله

مسألة وسئل عن رجل دخل على امرأته فوجد عندها قرابة لها، فعاقبها في ذلك، وغضبت فحلفت بالمشي إلى بيت الله إن دخل عليها منهم أحد، فمات أو طلقها أترى لها أن تدخلهم عليها، فقال: أرى أن تنوى، فإن كانت إنما أرادت بذلك ألا تدخلهم وهي عنده، لم أر عليها شيئا، وقيل له: أرأيت إن لم تحضرها نية، قال: فأحب إلي أن تأخذ بالاحتياط، وألا تدخلهم عليها.
قال محمد بن رشد: إذا لم يكن لها نية، فالواجب أن ينظر إلى ما قرن يمينها من عتاب زوجها إياها، فإن كان إنما عاتبها لعصيانها إياه في أن تدخلهم بيتها، وهو يكرههم ويشنأهم، فلا حنث عليها بعد موته أو طلاقه، وإن كان إنما عاقبها لما كره لها من مخالطتها إياهم فهي حانثة إن أدخلتهم عليها بعد موته أو طلاقه، وإن لم يتحقق أحد الوجهين كان الاستحباب أن تأخذ بالاحتياط كما قال مالك.

مسألة: يسأل عن الأمر فيقول علي صدقة أو مشي وهو كاذب

مسألة وسئل عن الرجل يسأل عن الأمر فيقول: علي صدقة أو مشي، وهو كاذب، إنما أراد بذلك أن يمنعه، فقال: لا شيء عليه، إنما يكون ذلك عليه في العتق والطلاق، يعني إذا قامت على ذلك بينة.
قال محمد بن رشد: هذا بين كما قال: إن ما لا يحكم به عليه، فهو موكول إلى أمانته، وحسابه على الله، يوم تبلى السرائر.

مسألة: حلف لامرأته أنت علي حرام إن أنفقت عليك حتى تستأذني علي

مسألة وسئل عن رجل حلف لامرأته: أنت علي حرام إن أنفقت عليك حتى تستأذني علي، وقالت الأخرى: مالي في المساكين صدقة إن استأذنت عليك، فكيف ترى؟ قال: هو كما قالا، واليمين عليهما، فإن شاءت أن تقيم تنفق على نفسها فعلت، قيل له: فإن استأذنت قال: أرى أن تخرج ثلث مالها فتتصدق به، فقيل له: أفترى على زوجها بأسا إن هي استأذنت أن ينفق عليها أكثر من قوتها؟ قال: لا بأس بذلك، إلا أن يكون نوى ذلك حين حلف ألا ينفق عليها أكثر من قوتها، وإن لم تكن له نية، فلا أرى ذلك عليه إذا استأذنت عليه وأنفق عليها، إنما أراد ألا ينفق، ولم يرد ألا يفضل، فلا أرى عليه شيئا إلا أن يكون نوى ذلك.
محمد بن أحمد: وهذا كما قال؛ لأنه إنما حلف على الإنفاق، ولم يحلف على الإفضال؛ إذ ليس مما يستأذن عليه فيه، فإذا استأذنت عليه في الإنفاق، لم يكن عليه شيء في الإفضال.

مسألة: يكون بينه وبين الرجل الدار فيحلف ألا يبيعه صفقة ثم يريد بيعه

مسألة وسئل عن الرجل يكون بينه وبين الرجل الدار، فيحلف بيمين غليظة ألا يبيعه صفقة، ثم يريد بيعه بعد ذلك، فيقول: إني إذا بعت أخذ صاحبي بالشفعة، فهل ترى عليه حنثا؟ قال: أرى أنه لا يبيعه ممن يظن أنه إنما يشتريه له أو من ناحيته.
فقال: لا، ليس هو منه بسبيل إلا رجل يشتري لنفسه أخذ ذلك أو ترك، إلا أنه يقول الحالف: علي في يميني شيء إن أخذ، فقال: لا شيء عليه، وذلك أن تباعة بيعه على الذي يأخذ منه، ولو أراد أن يجعل تباعته على شريكه الأول وكتابة عهدة شرائه عليه، لم يكن ذلك له، فلا أرى عليه شيئا في يمينه.
قال محمد بن رشد: هذا بين أنه إذا لم يكن الذي باع منه وكيل شريكه المحلوف عليه، أو من هو بسببه وناحيته كالصديق، والملاطف وشبهه ممن هو في عياله أنه لا حنث عليه؛ لأنه لم يره في المدونة حانثا، وإن اشترى للمحلوف عليه، فكيف إذا اشترى لنفسه فأخذه ذلك منه المحلوف عليه بالشفعة، فإن كان وكيله أو من سببه، فباع منه ولم يعلم بذلك، فنص في المدونة في الوكيل على أنه إذا لم يعلم أنه له وكيل، فلا حنث عليه، وكذلك قال أشهب فيمن هو بسببه أنه إذا باع ولم يعلم أنه من سببه، فلا حنث عليه، روى ذلك عن مالك.
وقد تأول بعض الناس على ما في المدونة أنه حانث، وإن لم يعلم أنه من سببه، بخلاف الوكيل وهو بعيد؛ إذ لا فرق في ذلك بين الوكيل وبين من هو بسببه، والله أعلم، وعلى تعليله في هذه المسألة بالتباعة أن يحنث إن اشترى للمحلوف عليه لا لنفسه، وإن لم يكن من سببه؛

لأن تباعته تكون عليه، فكيف إذا كان من سببه ولم يعلم بذلك؟ وابن حبيب يقول في الوكيل ومن هو بسببه: إنه حانث، وإن لم يعلم أنه وكيل ولا أنه من سببه، ولا يرى أنه يكون من سببه إلا من يقوم بأمره من وكيل أو قريب، وأما من لا يقوم له بأمر وإن كان صديقا أو جارا، فهو عنده كالأجنبي، وقوله: إن تباعة الشفيع على المشتري، وليس له أن يجعلها على البائع هو المعلوم في المذهب، وقد وقع في كتاب الشفعة من المدونة لفظ يدل على أنه مخير في أن يجعل عهدته على من شاء منهما، والأول هو الصحيح في المذهب، وسواء كان المشتري قبض أو لم يقبض، قال أبو حنيفة: إن قبض الشقص من يد المشتري فعهدته عليه، وإن قبضه من يد البائع فعهدته عليه، وقال ابن أبي ليلى: العهدة على البائع بكل حال، والله الموفق.

مسألة: جعلت لزوجها عند موته أن مالها في سبيل الله وأن عليها عشرة نذور

مسألة وسئل عن امرأة جعلت لزوجها عند موته أن مالها في سبيل الله، وأن عليها عشرة نذور، قال ابن القاسم: ولا أعلم إلا أن في المسألة وعليها عهد الله إن تزوجت ووكلها بولده، وقد كان سألها ذلك في وصيته أن عليها ذلك، وأنه أعطاها خلافته على ولده منها بذلك على أن لا تتزوج حتى يبلغ ولده، وأنها تزوجت الجارية، وبقي الغلام وهو صغير، قال: أرى عليها الوفاء بالعهد الذي جعلت من ذلك، ولا أعلم لها كفارة، فإن الله يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34] ، وإنما جعلت ذلك له بالذي أعطاها، فقيل له فإن هي تزوجت أترى خلافتها من ولدها تنفسخ؟ قال: نعم؛ لأنها تركت الذي أعطاها، وإنما

استحلفها للذي أعطته، فقيل له: فإن هي فعلت فما كفارتها؟ فقال: لا أعلم لها كفارة، وأرى إن توفي بالذي عاهدته عليه، وكأنه قال هو عهد.
قال محمد بن رشد: قوله: إنها تنفسخ خلافتها على ولدها إن تزوجت صحيح؛ لأنه إنما استخلفها على ولدها ألا تتزوج، فذلك بمنزلة قوله في وصيته: إن تزوجت فلا وصية لها، ولو استخلفها على ولدها بغير شرط، وقال في وصيته: إن تزوجت فانزعوا الولد منها فتزوجت، قال مالك: إن عزلتهم في مكان عندها مع نفقة وخادم فهي أولى بهم، وإلا نزعوا منها.
قال محمد بن المواز: لأن الميت لم يقل: إن تزوجت فلا وصية لها، وإنما قال: إن تزوجت فانزعوا الولد منها، وقوله: إنه لا كفارة لها في العهد الذي عاهدته عليه صحيح، ومثله في كتاب ابن المواز والواضحة؛ أن العهد إذا لم يخرج مخرج اليمين، وإنما خرج مخرج المعاهدة والمعاقدة، مثل أن يقول الرجل للرجل: لك علي عهد لله أن أنصحك، وألا أخونك، وألا أفعل كذا وكذا، فهو أعظم من أن يكون فيه كفارة، فيلزمها إذا تزوجت أن تتوب إلى الله، وتستغفره وتتقرب إليه بما استطاعت من الخير، وتكفر عشرة أيمان؛ لقوله: وعليها عشرة نذور، وتجعل ثلث مالها في السبيل لما أوجبته على نفسها من أن مالها في سبيل الله، وبالله التوفيق.

مسألة: قال كل مملوك لي حر إن أخبرت به أحدا واستثنى في نفسه إلا فلانا

ومن كتاب أوله شك في طوافه مسألة وسئل عن رجل سأل رجلا أمرا يخبره قال: فاحلف لي أنك لا تخبره أحدا ولتكتمنه، قال: كل مملوك لي حر إن أخبرت به أحدا

واستثنى في نفسه إلا فلانا، قال: لا أرى ذلك له، ولا أرى الثنيا إلا ما حرك به لسانه، فأما استثناؤه في نفسه، فلا أرى ذلك له ثنيا، وسئل مالك عن هذا فقال: إذا حرك به لسانه فله ثنياه، فقيل لابن القاسم: وإن لم يعلم المحلوف له، قال: نعم، وليس عليه أن يعلمه، وسئل عنها سحنون فأنكرها، وقال: ليست له ثنيا وإن حرك لسانه؛ لأن اليمين للذي استحلفه.
قال محمد بن رشد: قوله في الاستثناء بإلا لا أرى الثنيا إلا ما حرك به لسانه، هو المشهور في المذهب أنه لا بد فيه من تحريك اللسان، وقد روى أشهب عن مالك بعد هذا في رسم الجنائز والنذور: أن النية تجزئ في ذلك، وقاله ابن حبيب في الذي يحلف بالحلال عليه حرام، ويستثني في نفسه إلا امرأته، وقول ابن القاسم: إن استثناءه ينفعه إذا حرك به لسانه، وإن لم يعلم المحلوف له، وليس عليه أن يعلمه نص منه في أن اليمين على نية الحالف لا على نية المحلوف له، وذلك خلاف رواية عيسى عنه في رسم حمل صبيا من سماعه، من كتاب الأيمان بالطلاق، وخلاف قول سحنون هاهنا، ومثل ما لمالك في رسم البز، من سماع ابن القاسم، من كتاب الأيمان بالطلاق، ولابن وهب في سماع زونان وعيسى من الكتاب المذكور، وقد اختلف في هذا اختلافا كثيرا، فقيل: إن اليمين على نية الحالف، وقيل: إنها على نية المحلوف له، وقيل: إن كان مستحلفا فاليمين على نية المحلوف له، وإن كان متطوعا فاليمين على نية الحالف، وهو قول ابن الماجشون وسحنون، وقيل بعكس هذه التفرقة، وهو دليل ما في سماع عيسى، عن ابن القاسم، في رسم أوصى، من هذا الكتاب، ونص رواية يحيى، عن ابن القاسم في الأيمان بالطلاق، وقيل: إنما يفترق أن يكون مستحلفا أو متطوعا باليمين فيما يقضى به

عليه، وأما فيما لا يقضى به عليه فلا يفترق ذلك، وتكون النية نية الحالف، وهو قول ابن القاسم في أول سماع أصبغ بعد هذا، وقيل: إن ذلك لا يفترق أيضا، وتكون النية في الوجهين نية المحلوف له، وهو قول أصبغ في سماعه المذكور، وهذا ما لم يقتطع بيمينه حقا لغيره، فإن اقتطع بها حقا لغيره فلا تنفعه في ذلك نية إن نواها بإجماع، وهو آثم، عاص لله عز وجل، داخل تحت الوعيد، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من اقتطع حق امرئ مسلم، حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار» الحديث.

مسألة: حلف بالله لأفعلن كذا وكذا فقيل له إنك ستحنث فقال لا والله لا أحنث

مسألة وسئل مالك عن رجل حلف بالله: لأفعلن كذا وكذا، فقيل له: إنك ستحنث، فقال: لا والله لا أحنث فما ترى عليه؟ فقال: عليه كفارتان.
قال محمد بن رشد: يريد عليه كفارتان إن حنث، كفارة لحنثه في يمينه ليفعلن، وكفارة ثانية لحنثه أيضا في يمينه، والله لا أحنث، وقد قيل: ليس عليه إلا كفارة واحدة، وهو قول ابن القاسم في المبسوطة، قال: لأن الكلام في ذلك في معنى واحد وجه القول الأول أن يمينه الثانية لما كانت على غير لفظ اليمين الأول، لم تحمل أنه أراد بها التأكيد لها، وحملت على أنه أراد يمينا أخرى يوجبها على نفسه كالنذر إن حنث، كأنه قال: علي كفارة أخرى إن حنثت لما قيل له: إنك ستحنث، ويجب عليك الكفارة، ووجه القول الثاني أن اليمين الثانية لما كانت بغير لفظ اليمين الأولى وفي معناها، حملت على أنه أراد بها غيرها، وقد قال في المدونة: إذا نوى باليمين الثانية غير الأولى، فعليه

يمين واحدة، حتى يريد إيجاب الكفارتين على نفسه كالنذور، والأصل براءة الذمة، فلا توجب عليه كفارة ثانية إلا بيقين.

مسألة: باع سلعة فحلف ألا يضع من ثمنها شيئا فأوفاه المشتري ثمنها

ومن كتاب أوله ليرفعن أمرا مسألة وسئل مالك عن رجل باع سلعة، فحلف ألا يضع من ثمنها شيئا، فأوفاه المشتري ثمنها، ثم قال له بعد ذلك: هب لي ما شئت، فقال مالك: إن كانت عليه يمينه غليظة، فلا يفعل ولا يهب شيئا، وإن كانت يمينا يكفرها، فليفعل وليكفر.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ما رد إليه في المجلس من الثمن الذي قبضه منه، فكأنه لم يقبضه منه؛ إذ لم ينتفع به، والحالف ألا يضع من حقه شيئا، إنما مقصوده قبض جميع حقه، ليبين به وينتفع به، فوجب أن يحنث على أصولهم في أن الأيمان يراعى فيها قصد الحالف بها، لا مجرد لفظه، وسيأتي له نحو هذا في رسم الجنائز، من سماع أشهب، في الذي يحلف ألا يضع في بيع سلعته من كذا وكذا، فيبيع بما حلف عليه، ثم يضع له من الثمن في المجلس؛ إذ لا فرق بين المسألتين عنده، ولو رد إليه من الثمن شيئا أو وضعه عنه في غير المجلس بنية حدثت له في هبته، وأتى مستفتيا لنوي، ولم يكن عليه حنث على أصولهم، ولو كانت يمينه بعتق أو ما يقضى به عليه لم يصدق إلا بعد اليومين أو الثلاثة مع يمينه، قاله مالك في رسم طلق، من سماع ابن القاسم، من كتاب العتق، وهو على أصله في المدونة في مسألة الصرف من كتاب الصرف، ومسألة القراض من كتاب القراض، وغير ما مسألة من الحكم بالذرائع، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف إن نام حتى يوتر فعليه صدقة دينار فنام ليلة من ذلك قبل أن يوتر

مسألة وسئل مالك عن رجل حلف إن نام حتى يوتر فعليه صدقة دينار، فنام ليلة من ذلك قبل أن يوتر، أترى عليه في ليلة أخرى إن نامها شيئا، أم قد أجزأ عنه الأمر الأول؟ قال: ذلك إلى ما نوى، وهو أعلم بما أراد به من ذلك، وما رأيت أحدا يفعل هذا الوجه ليس الوتر أعني، ولكن ما يوجب على نفسه في غير هذا من هذه الأشياء، إلا أن عليه في كل ما فعل ما حلف عليه، وما يريد أحد في مثل هذه الأشياء مرة واحدة، إلا أن ينويه.
قال محمد بن رشد: هذه الرواية مخالفة لما في المدونة، من ذلك مسألة من حلف ألا يكلم رجلا عشرة أيام، فكلمه فحنث، ثم كلمه مرة أخرى بعد أن كفر أو قبل أن يكفر، أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة، ومخالفة أيضا لجميع روايات العتبية، من ذلك أول مسألة من سماع أشهب، في الذي يحلف إن أبق غلامه ليضربنه، ومن ذلك أول مسألة من رسم من باع غلاما، من سماع ابن القاسم، من كتاب طلاق السنة، وأول مسألة من رسم شك، من سماع ابن القاسم، من كتاب الأيمان بالطلاق، في الذي يحلف إن خرجت امرأته إلى بيت أهلها أن يضربها، فخرجت فضربها؛ أنه ليس عليه أن يضربها مرة أخرى، إلا أن ينوي ذلك، ومسألة في سماع أبي زيد، من هذا الكتاب المذكور، وهذا الاختلاف جار على اختلاف الأصوليين في الأمر المقيد بصفة هل يقضي تكراره بتكرار الصفة أم لا؟ فمسألة الوتر على القول بوجوب تكراره بتكرار الصفة؛ لأنه أوجب عليه صدقة دينار لكل ليلة نام فيها قبل أن يوتر، إلا أن ينوي مرة واحدة، وكذلك ما يوجب على نفسه من هذه الأشياء، ومسايل

المدونة والعتبية على القول بأن الأمر لا يجب تكراره بتكرار الصفة؛ لأنه لم يوجب عليه ما حلف به كلما تكرر الفعل الذي جعله شرطا فيما حلف به، إلا أن ينوي ذلك.

مسألة: حلف على جاريته بعتق ما يملك في عود كان في يده ليكسرنه

ومن كتاب طلق ابن حبيب مسألة وسئل عن رجل حلف على جارية له بعتق ما يملك في عود كان في يده ليكسرنه على رأسها، فكسر العود ثم ضربها حتى انفلق، قال: أرى أن قد وقع عليه الحنث، ولا أراه بر.
قال محمد بن أحمد: هذا بين كما قال؛ لأن الذي فعل ليس هو المعنى الذي حلف عليه، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف ألا يساكن رجلا فسافر معه

مسألة وسئل عن رجل حلف ألا يساكن رجلا، فسافر معه، قال: أرى أن ينويه ما أراد، وإن جل ما يحلف الناس فيه لما يدخل بين الناس في العيال والولد، وما السفر من السكنى، ولكن أرى أن ينوى ما أراد، قال عيسى: قلت لابن القاسم: فإن لم تكن له نية؟ قال: فلا شيء عليه، إلا أن يكون نوى شيئا.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على ما في المدونة، في الذي يحلف ألا يساكن رجلا، فزاره أن الزيارة ليست سكنى، وينظر إلى وجه يمينه،

فإن كان لما يدخل بين العيال والصبيان فهذا حق، وإن كان أراد التنحي عنه فهو أشد، فكذلك هذه المسألة، لا حنث عليه إلا أن يكون أراد مجانبته والتنحي عنه، وهو معنى بين.

مسألة: حلف بالمشي إلى الكعبة ليقضين فلانا ثم هلك الذي حلف عليه

ومن كتاب سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسألة وسئل عن رجل حلف بالمشي إلى الكعبة ليقضين فلانا، ثم هلك الذي حلف عليه، قال مالك: إن كان إنما حلف على وجه القضاء، فلا أرى عليه شيئا، قال ابن القاسم: ورأيت معنى قول مالك: إن كان أراد أن يوصله إليه وبتله في يديه، وتلك نيته، فهو حانث إذا كان قد أقام بعد اليمين ما لو شاء أن يوصله إليه أوصله إليه، قال ابن القاسم: وذلك رأيي.
قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال: إن كان إنما حلف على وجه القضاء، فلا حنث بموت المحلوف عليه؛ لأنه يبر بقضاء الورثة، وإن أراد أن يحنث نفسه، ويمشي إلى البيت، كان ذلك له؛ لأن يمينه على حنث، وإن كان أراد أن يوصله إليه وبتله في يديه، فهو حانث كما قال إذا كان قد أقام بعد اليمين، ما لو شاء أن يوصله إليه أوصله، فإن أراد أن يحنث نفسه هاهنا، ويمشي إلى بيت الله كان ذلك على مذهب ابن القاسم، ولم يكن ذلك عند ابن المواز؛ لأن موت المحلوف عليه عنده كالأجل؛ فلا يجزئه المشي إلا بعد موته، فإن لم تكن نية، فلا يحنث بموت المحلوف عليه، ويحمل يمينه على وجه القضاء حتى يريد أن يوصله إليه، وبتله في يديه، هذا مذهب مالك

في المدونة وغيرها؛ لأن مقصد الحالف بيمينه أداء ما عليه من الدين لا منفعة صاحب الدين بدفع دينه إليه، فيحمل يمينه على ذلك حتى يريد سواه، وفي رسم من سماع ابن القاسم، من كتاب العتق ما ظاهره أنه محمول على أن يوصله إليه وبتله في يديه، إذا لم تكن له نية، وقد قيل في الحالف: أن يفعل فعلا، ولم ينو تعجيل ما حلف عليه ولا تأخيره أنه على التعجيل، ويحنث إن أخر فعل ذلك الفعل، فلا يفترق على هذا القول إذا حلف ليقضين فلانا الحكم بين أن يحلف على وجه القضاء أو يريد بيمينه أن بتله في يديه، وهذان القولان جاريان على الاختلاف في الأمر، هل يقتضي الفور أم لا؟ وسنزيد هذه المسألة بيانا في رسم سن، من سماع ابن القاسم، من كتاب العتق.

مسألة: حلف ألا يضع من ثمن خادم باعها شيئا وأنه باعها بالثمن الذي حلف عليه

ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا مسألة قال: وسئل عن رجل حلف ألا يضع من ثمن خادم باعها شيئا، وأنه باعها بالثمن الذي حلف عليه، ثم إن المبتاع ندم، فسأل البائع أن يقيله، قال: لا خير في ذلك، رب إقالة هي خير من وضيعة، فلا يعجبني ذلك، قال ابن القاسم: فإن أقاله فكانت قيمتها أقل من الثمن حنث.
قال محمد بن رشد: هذه مثل مسألة المدونة سواء في الذي يحلف ليقضين فلانا حقه، فيشتري به منه سلعة، فقال مالك فيها: إن كانت السلعة تسوى حقه ذلك، فلا حنث عليه، مثل قول ابن القاسم هنا وهناك، ثم كرهه بعد ذلك هناك، مثل قوله هاهنا، وقال: إن كانت السلعة تسوى ذلك، فلم لا يعطيه

دنانيره، خلاف قول ابن القاسم، فلا اختلاف في أنه حانث إذا أقاله، وقيمتها أقل من الثمن، قال ابن أبي حازم في المدنية، إلا أن يكون حلف ألا يضع له، وهو ينوي الإقالة، فإن نوى أن يقيل، ولا يضع، فلا شيء عليه.
قال عيسى: قال ابن القاسم: لا تنفعه النية إلا أن يتكلم بها حين حلف، وقول ابن القاسم: إن النية لا تنفعه في ذلك، إلا أن يتكلم بها؛ صحيح على ما قاله ابن المواز، في أن الاستثناء بإن وبإلا لا بد فيه من تحريك اللسان باتفاق؛ لأن النية هاهنا ليست بنية، وإنما هي استثناء بإلا أن، كأنه قال: والله لا أضع عنك من ثمنها شيئا، إلا أن أقيلك منها، وقول ابن أبي حازم خلاف لما حكى ابن المواز أنه اتفاق، وقد ذهب الناس ممن لم ينعم النظر إلى أن قول مالك في المدونة في الذي يحلف ألا يفارق غريمه، فيفر منه، أنه حانث إلا أن يكون نوى إلا يفارقه مثل ما يقول الرجل: لا أخلي سبيلك إلا أن تفر، فلا شيء عليه، مخالف لما قاله ابن المواز في أن الاستثناء بإلا أن لا بد فيه من تحريك اللسان باتفاق، ولم يقل مالك: إنه إن نوى ألا يفر غريمه، فلا شيء عليه، وإنما قال: إن نوى ألا يفارقه، فهو في المعنى مثل أن يقول بلسانه: لا أخلي سبيلك إلا أن تفر، فلا يكون عليه شيء، وقوله بين؛ لأن المفارقة مفاعلة منهما جميعا، فإذا نوى هو بقوله لا أفارق غريمي لا أفارقه أنا في خاصتي، لم يكن عليه شيء إن فر عنه غريمه؛ لأنه يحصل بما نواه كالقائل: لا أفارق غريمي إلا أن يفر عني، ولو حلف ألا يفارق غريمه، ونوى إلا أن يبدو له، أو إلا أن يرى خيرا من ذلك، وما أشبه ذلك؛ لم ينتفع بذلك على مذهب مالك، وما قاله ابن المواز، واختلف إذا حلفه أن لا يضع عنه فأنظره؛ ففي أول رسم الأقضية الثالث، من سماع أشهب، من كتاب الأيمان بالطلاق، ما يقوم منه أنه لا حنث عليه، وروى ابن وهب، عن مالك أنه حانث وقال: رب نظرة خير من وضيعة، وحكى عنه ابن حبيب مثل ذلك، ولو حلف ألا ينظره فوضع عنه لم يحنث، ولا أعلم في ذلك خلافا.

مسألة: حلف ألا ينقص جارية له من خمسين ثم باعها لرجل بخمسين وأوجبها

مسألة وسئل عن رجل حلف ألا ينقص جارية له من خمسين، وأنه باعها من رجل بخمسين، وأوجبها له، فقال له رجل عند ذلك: إن استقالك بائعك فأقله، فأنا آخذها منك بأحد وخمسين، أفترى أن يقيله؟ قال: لا، رب إقالة خير من وضيعة، كأنه يرى أن إقالتها ثمن، حتى كأنه قد نقص من الخمسين فيما أظن به قاله.
قال محمد بن رشد: ساوى بين هذه المسألة والتي قبلها في الإقالة؛ إذ لا فرق عنده في الوضيعة بين أن يحلف ألا يضع من الثمن شيئا بعد أن باع وبين أن يحلف ألا يضع في بيع سلعة من كذا وكذا، فيبيع بما حلف عليه، ثم يضع من ذلك، وقد ذكرنا هذا المعنى في رسم حلف ليرفعن أمرا، وفرق ابن حبيب في الإقالة بين المسألتين، فقال: إن من حلف ألا ينقص سلعة من ثمن سماه فباعها بذلك الثمن، ثم أقال المبتاع منها، لا حنث عليه، غير أنه إن كان أقاله بحضرة البيع، فاليمين عليه بحالها، وإن لم يقله بحضرة البيع، فقد خرج من يمينه، وليبعها بعد بما شاء، وقال فيمن حلف ألا يضع من ثمن سلعة باعها، فأقال منها ما قال ابن القاسم: إنه إن كانت السلعة تساوي الثمن، فلا حنث عليه، وحكى ابن عبدوس عن غير ابن القاسم أنه إذا أقاله بحضرة البيع نظر، فإن كان بيعه صحيحا لأمد السنة فيه، فقد خرج من يمينه، وليبعها بعد بما شاء، وسيأتي أيضا بيانه في رسم الجنائز، من سماع أشهب.

مسألة: باع بيعا فحلف البائع ألا يقيل ولا يضع ثم إن المشتري وجد في بيعه جرادا

ومن كتاب يسلف في المتاع والحيوان مسألة وسئل مالك عن رجل باع بيعا، فحلف البائع ألا يقيل

ولا يضع، ثم إن المشتري وجد في بيعه جرادا، وذلك فيما أرى تمرا باعه، فقال له المشتري: أنا أخرجك من يمينك، أنا أعطيك دينارا، واقبل مني الطعام، فكره ذلك وقال: لا أقبله إلا بأمر السلطان يخاصمه، فإن رده كان مخرجا ليمينه، وإن ألزمه صبر على ذلك.
قال محمد بن أحمد: هذا كما قال؛ لأنه حلف ألا يقيله، ولا يضع عنه، فإذا أخذ منه طعامه ودينارا، فقد أقاله بزيادة دينار، فوجب أن يحنث إذ لم يستثن إلا بزيادة، ولعل أيضا قيمة الطعام الذي أخذ مع الدينار أقل من الثمن الذي كان له عليه، فيكون قد وضع عنه، فيحنث بالوجهين جميعا، فإن رده السلطان عليه بالعيب لم يحنث؛ إذ ليس الرد بالعيب من معنى ما حلف عليه من الإقالة والوضيعة في شيء؛ إذ لا يجب الحكم عليه بالإقالة ولا بالوضيعة، ولو اطلع المبتاع على عيب، فسأل البائع أن يضع عنه من الثمن شيئا بسبب العيب أو يرده عليه ويعطيه ثمنه، فحلف البائع ألا يفعل شيئا من ذلك، فحكم عليه بأحد الوجهين يحنث على ما في آخر سماع أشهب، من كتاب الأيمان بالطلاق، فيمن حلف ألا يفعل فعلا، فقضى به عليه السلطان، وعلى ما يقوم من كتاب التخيير والتمليك من المدونة، خلاف قول ابن الماجشون في الواضحة.

مسألة: حلف على آخر لينتقلن من داره فانتقل ثم بدا له أن يرده إليها

ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء مسألة وسئل مالك عمن حلف على آخر: لينتقلن من داره، فانتقل ثم بدا له أن يرده إليها، قال: منذ كم انتقلت؟ قال: منذ خمسة عشر يوما، قال: زد على ذلك، قال ابن القاسم: لا أرى عليه إن رجع بعد خمسة عشر ليلة شيئا، وأحب إلي أن يبلغ الشهر ونحوه، إلا أن يكون أراد ألا يساكنه، فإن كانت تلك نيته، فلا يساكنه أبدا.

قال محمد بن أحمد: استحب ابن القاسم ألا ينتقل حتى يبلغ الشهر، ليكون ذلك أبرأ من الحنث؛ لأن الشهر قد جعل حدا في وجوه كثيرة من العلم، من ذلك الزكاة لا يقدم قبل محلها بشهر، والمعتق إلى أجل ينتزع ماله قبل حلول أجله بشهر، والذي يحلف أن يطيل هجران رجل يبر بشهر، ونحو ذلك كثير، ولم ير عليه حنث إن رجع بعد خمسة عشر يوما، وكذلك لو رجع بعد أن أقام أكثر من يوم وليلة؛ لم يحكم عليه بالحنث، فقد قال ابن المواز في ذلك، في الذي يحلف أن يخرج من المدينة: إن القياس فيه ألا يلزمه أن يخرج إلا إلى مكان لا يلزمه أن يأتي منه إلى الجمعة، فيقيم فيه ما قل أو كثر، وما قيل فيه سوى هذا فهو استحسان، وسنتكلم على هذه المسألة، إذا مررنا بها في رسم الطلاق الأول، من سماع أشهب، من كتاب الأيمان بالطلاق، إن شاء الله، وسيأتي في آخر رسم منه إذا حلف الرجل: لينتقلن عن جاره على ما هو محمول القول في ذلك، إن شاء الله، واختلف إذا أبى المحلوف عليه بالانتقال من الانتقال، وكان ممن ليس للحالف أن يجبره على الانتقال على قولين؛ أحدهما: أنه يضرب له من الأجل بقدر ما يرى أن الحالف أراده بيمينه، فإن انتقل إلى ذلك الأجل وإلا حنث الحالف، واختلف إن كانت اليمين بالطلاق، هل للحالف أن يطأ في التلوم؟ فإن كان أجل التلوم من أربعة أشهر دخل على الحالف الإيلاء على القول بأنه لا يطأ.
والقول الثاني: أنه كالحالف على فعل نفسه، يؤمر المحلوف عليه بالانتقال، ولا يجبر على ذلك، ولا يضرب له في ذلك أجل، ولا يحنث الحالف إلا بموت المحلوف عليه، فإن كانت يمينه بالطلاق، لم يكن له أن يطأ وضرب له أجل الإيلاء إن طلبت امرأته ذلك.

مسألة: حلف لا يشتري لامرأته شيئا فاشترى لنفسه فتسأله امرأته أن يوليها شيئا

مسألة وسئل عن الرجل يحلف ألا يشتري لامرأته شيئا، فيشتري لنفسه أو لبنته شيئا، ثم تسأله امرأته أن يوليها شيئا مما اشترى لنفسه أو لبنته، قال: لا أحب له أن يفعل، ولكن يوكل غيره يشتري لها.
قال محمد بن أحمد: قال مالك في هذه الرواية: لا أحب له أن يفعل، يريد أنه يحنث إن فعل، وكان بحضرة ذلك، وهو نحو ما لمالك في رسم سلف، من سماع ابن القاسم هناك: إن كان عند مواجبة البيع وبحضرته حنث؛ لأن التباعة على البائع، وفي التفسير ليحيى: إذا صح ذلك منهما فلا حنث عليه، وإن عملا على وجه الدلسة فهو حانث وإن ربح عليها؛ لأن الربح يكون مع الدلسة أجرة للزوج، ويكون إنما اشترى لها، وتحصيل الاختلاف في هذا عندي أنهما إن عملا على ذلك فهو حانث، وإن ولاها بربح بعد افتراقهما، وإن لم يعملا على ذلك، واشترى لنفسه أو لابنته شراء صحيحا، ثم ولاها ذلك بربح، وإن كان ذلك عند مواجبة البيع أو بعد افتراقهما بربح أو بغير ربح، فلا حنث عليه.
واختلف إن اشترى لنفسه شراء صحيحا، ثم ولاها ذلك بالثمن دون ربح عند مواجبة البيع على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه حانث وإن كانت التباعة على الزوج المولى، وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية، وفي رسم سلف، من سماع عيسى.
والثاني: أنه لا حنث عليه، وإن كانت التباعة على البائع، وهو ظاهر ما في التفسير ليحيى.
والثالث: أنه حانث على القول بأن التباعة على البائع، وغير حانث على القول بأن التباعة على الزوج المولي، وهو الذي ذهب إليه ابن القاسم في رسم سلف، من سماع عيسى.
وقد اختلف قول مالك في التباعة، فقال في موطئه: إن التباعة على المولي، وقال في رسم سلف، من سماع عيسى: إن التباعة على البائع، واختلف في ذلك أيضا

قول ابن القاسم، فقال في رسم السلم، من سماع عيسى، من كتاب السلم والآجال: إن التباعة على البائع، وقال في رسم أسلم، من سماع عيسى، من كتاب العيوب: إن التباعة على المولي، وهذا إذا أتى الزوج مستفتيا، أو كانت يمينه مما لا يحكم به عليه، وأما إن كان مشهودا عليه ومخاصما، فلا يحكم عليه بالحنث إن كانت التولية بربح أو بعد الافتراق، وإن كانت قبل الافتراق بغير ربح، فعلى الثلاثة الأقوال المذكورة، ولا يمين عليه في مجرد دعوى التباعة، حيث لا يجب عليه الحكم بالحنث، هذا الذي يأتي على أصولهم في هذا، والله أعلم.

مسألة: حلفت في عبد لها ألا تبيعه ولا تهبه فأرادت أن تتصدق به

ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية مسألة عن امرأة حلفت في عبد لها ألا تبيعه ولا تهبه، فأرادت أن تتصدق به على ولدها، فقال: لا يعجبني ذلك، وأرى هذا على نحو الهبة.
قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال، وهو بين؛ لأن الهبة تعتصر، والصدقة لا تعتصر، فإذا حنث بالهبة فالصدقة أحرى أن يحنث بها، ولا تنوى في ذلك إن ادعت نية، وكانت يمينها مما يحكم به عليها، ولو حلفت ألا تتصدق به فوهبته لابنها، وهو ممن لها أن تعتصر منه، فادعت أنها إنما حلفت على الصدقة من أجل أنها لا تعتصر، لوجب أن تنوى في ذلك.

مسألة: يبيع الجارية فيحلف ألا يضع من ثمنها شيئا فيجدها المبتاع معيبة

مسألة وسئل عن الرجل يبيع الجارية، فيحلف ألا يضع من ثمنها شيئا، فتمكث عنده، ثم يجد بها الذي ابتاعها عيبا، فيردها منه، فيضع له السلطان، فقال: ما أرى على صاحبها حنثا؛ لأنه لم يحلف على ذلك.

قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال؛ لأنه إنما حلف ألا يضع عن المبتاع من حقه الواجب له عليه شيئا، وذلك ما لا يصح أن يحكم به عليه، فوضيعة السلطان عنه لمكان العيب إنما هو حكم له بإسقاط ما لا يلزمه، وذلك ما لم يحلف عليه البائع، ولو سأله المبتاع ذلك، فحلف عليه فرفعه المبتاع إلى الحكم، فحكم عليه به يجري ذلك على الاختلاف الذي ذكرناه في رسم تسلف في المبتاع والحيوان، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف ألا تواكله امرأته في صحفة واحدة فجاءته برطب في طبق فأكلت

ومن كتاب البز مسألة وسئل مالك عن رجل حلف ألا تواكله امرأته في صحفة واحدة شهرا، فجاءته برطب في طبق، فإذا فيه بضعة لحم، فقال لها: ما هذه البضعة؟ قالت: إن الخادم وضعتها، والمرأة لا تأكل معه، وكان الرجل يأكل في طبق رطبا، وهي لا تأكل معه، فتناولت المرأة البضعة لتأكلها، فأخذها من يدها، فقال: قد حلفت ألا تأكل معي في صحفة، ثم أمسكها في يده، ووامر نفسه ثم قال: إنما قلت: في صحفة فناولها إياها فأكلتها، قال مالك: أخاف عليه الحنث، وكان طلاقه إياها واحدة، فأمره أن يطلقها واحدة ثم يرتجعها، قال: فقلت له: الطبق والصحفة واحد؟ من حلف ألا يأكل في صحفة، فأكل في طبق حنث؟ قال: نعم، وهو واحد.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على الأصل في أن الأيمان إنما ينظر فيها إلى معانيها، لا إلى مجرد ألفاظها كما يقول أهل العراق؛ لأن الحالف ألا تواكله امرأته في صحفة إنما معناه ألا تواكله في إناء واحد،

فخرجت يمينه على الصحفة؛ لأن الصحاف هي التي يأكل الناس فيها في غالب الأمر، لا لأنه قصد الصحفة دون غيرها من الآنية والظروف، فوجب أن لا يعتبر بتسمية الصحفة لهذه العلة، ولو اعتبر لوجب ألا يحنث إذا أكلت معه في جفنة أو في برمة، أو في صحفة صغيرة، وهذا ما لا يمكن أن يقال بوجه؛ لكونها في معنى الصحفة سواء، فلو سمي - على هذا القياس الذي أصلناه وهو صحيح - ما لا يوكل فيه في غالب الأمر، لوجب أن يراعى تسميته، ولا يحنث إذا واكلته في غيرها؛ لما يظهر من قصده إلى الحلف على ما سمي دون سواه، فإذا حلف ألا يأكل مع امرأته في طبق لم يحنث إذا أكلت معه في صحفة، وكذلك لو سمى الطبق مما لم تجر العادة أن يوكل فيه إلا نادرا، ولو حلف ألا يأكل معها فاكهة في طبق، فأكل معها فاكهة في غير طبق صحفة أو غيرها من الآنية لحنث؛ لأن الفاكهة لما كانت لا توكل في غالب الأمر إلا في الأطباق علم أن يمينه إنما خرجت على الطبق لذلك؛ لأنه قصد إلى الطبق دون ما سواه من الآنية والظروف، وهذا أصل يطرد.
من ذلك قولهم: من حلف ألا يأكل خبزا، فأكل كعكا أنه يحنث، ومن حلف ألا يأكل كعكا، فأكل خبزا أنه لا يحنث، ومن حلف ألا يدخل على فلان بيتا، فدخل عليه الحمام أو السجن حنث، ومن حلف ألا يدخل على فلان حماما ولا سجنا، فدخل عليه بيتا ليس لحمام ولا سجن لم يحنث، ومثل هذا كثير، وقوله في المسألة: فأمره أن يطلقها واحدة، كلام ليس على ظاهره من أنه أمره أن يستحدث لها طلاقا، وإنما معناه أنه أمره أن يعد ما قد وقع عليه من الحنث بأكلها البضعة من الطبق طلقة واحدة ثم يرجعها، ولو استحدث لها طلاقا على ظاهر لفظه؛ لكانت طلقة أخرى سوى الطلقة التي حنث بها، وهذا بين لا إشكال فيه.

مسألة: حلف لا يشتري من رجل سلعة فاشترى منه رجل سلعة فأشركه فيها

مسألة وسئل عن رجل حلف ألا يبتاع من رجل سلعة، فاشترى منه رجل سلعة، فأراد أن يشرك ذلك الرجل فيما اشترى، قال: لا يعجبني ذلك، قيل له: أيشتري منه غلامه؟ قال: لا أرى ذلك له.
قال محمد بن أحمد: إنما قال في الذي حلف أن لا يشتري من رجل سلعة، فاشترى منه رجل سلعة، فأشركه فيها لا يعجبه ذلك؛ لأن عهدته تكون عليه، فضارع عهدة من حلف ألا يشتري من فلان سلعة، فوكل غيره فاشتراها له منه أنه حانث، ولم يكن عنده بمنزلة ذلك سواه، ولذلك قال: لا يعجبني ولم يقل: لا يجوز؛ لأنه من حلف ألا يشتري سلعة من فلان فأمر غيره فاشتراها له منه هو حانث على كل حال، إلا أن يكون نوى ألا يلي هو الشراء منه بنفسه، فبينوا في ذلك أنه إن أتى مستفتيا، أو كانت يمينه مما لا يقضى عليه بها، أو في شراء غلامه منه تفصيل، أما إن كان الغلام يعمل بمال سيده، فاشترى منه بأمره، فلا إشكال في أنه حانث بمنزلة الذي يحلف ألا يشتري السلعة من رجل، فوكل غيره على أن يشتريها له منه، ولم يتكلم في الكتاب على هذا الوجه، وإنما تكلم إذا اشترى منه بغير أمره، وهو يعمل أيضا بمال سيده؛ لأن معنى قوله: أفيشتري منه غلامه بغير إذنه يريد بغير علمه، فقال: لا أرى ذلك له يريد أنه يحنث إن فعل؛ لأن الشراء يجب له، والعهدة تكون على المحلوف عليه، فذلك بمنزلة المسألة التي قال فيها: لا يعجبني، وأما إن كان العبد يعمل بمال نفسه، فيتخرج ذلك على الاختلاف في الذي يحلف ألا يركب دابة لغيره، فيركب دابة عبده، والقولان في النذور في المدونة.

مسألة: طلب منه مالا فحلف بالمشي إلى الكعبة إن كان معه إلا عشرة

مسألة وسئل مالك عن رجل جاءه أخ له يستسلفه خمسة عشر دينارا، فحلف بالمشي إلى الكعبة، إن كان معه إلا عشرة، ففتح كمه فلم يجد إلا تسعة دنانير، قال مالك: لا أرى عليه حنثا، قال ابن القاسم: ولو كان معه أحد عشر دينارا حنث، وإنما سقط عنه الحنث حين لم يجد معه إلا تسعة؛ لأنه حلف على أنه ليس معه أكثر من عشرة، فلذلك لم يكن عليه شيء.
قال محمد بن أحمد: هذا بيِّن لا إشكال فيه ولا اختلاف؛ لأن معنى يمينه أنه ليس معه أكثر من عشرة إذ طلب منه المستسلف خمسة عشر دينارا، وإلى ذلك قصد بيمينه، لا إلى أن معه عشرة.

مسألة: قال بعيراي هذان بعد سنة في سبيل الله فأقاما في يديه ثم هلك الرجل

مسألة وسئل مالك عن رجل قال: بعيراي هذان بعد سنة في سبيل الله، فأقاما في يديه ثم هلك الرجل قبل السنة، أتراهما من رأس المال أم من الثلث؟ قال: ما علمت أن هذا يُفعل، فإن جعل شيئا في سبيل الله فلينفذه، قيل له: أفلا تراه مثل الذي يعتق إلى سنة؟ قال: لا، قد يدبر العبد، وليس في الإبل تدبير، فكأنه يقول: ليس هذا بشيء.
قال محمد بن أحمد: قوله: إنه إن هلك الرجل قبل السنة بطل ذلك، ولم يكن في رأس مال ولا ثلث، صحيح على أصولهم؛ لأنه صدقة في الصحة لم تُحَزْ عنه حتى مات، فوجب أن تبطل، وكذلك لو أتت السنة وهو مريض، فمات من مرضه ذلك على مذهب ابن القاسم، وقد قيل فيما أحسب إن ذلك يكون من الثلث، وإن أتت السنة وهو حي صحيح نفذا في

السبيل، واختلف هل يحكم عليه بذلك إن أبى أن ينفذه على الاختلاف في الذي يتصدق على المساكين، فيأبى أن ينفذ ذلك، والقولان في المدونة على اختلاف الرواية في ذلك، وليس له أن يبيعهما ولا يفوتهما قبل السنة، واختُلف هل يحكم عليه بذلك أم لا على الاختلاف المذكور، ولو قال: بعيراي هذان بعد سنة صدقة على فلان؛ لحُكم عليه ألا يبيعهما قبل السنة، وأن يسلمهما إليه بعد السنة إن أتت، وهو صحيح قولا واحدا على ما قاله ابن القاسم، في رسم الجواب، من سماع عيسى، من كتاب الصدقات والهبات، فقوله في آخر المسألة، فكأنه يقول: ليس هذا بشيء يريد أنه يبطل إن مات قبل السنة، إلا أن قوله: لا يوجب حكما، ويبطل في كل حال؛ لأن الحكم فيه يجري على ما قلناه، وبالله التوفيق.

مسألة: قضي عليه بيمين فأراد أن يفتدي منها

ومن كتاب أوله باع غلاما مسألة وسئل مالك عن ابني عم وقع بينهما ميراث فتشاجرا، فحلف أحدهما بيمين غليظة إنْ دفع إليه شيئا حتى يقضي به عليه السلطان فاختصما، فقضي على الحالف باليمين، وأراد أن يفتدي من اليمين، ويدفع إليه في ذلك حقا، فكره ذلك، وقال: لا يدفع إليه شيئا، ويحلف إن كان بارا، فقيل له: لو أن رجلا قضي عليه بيمين، فأراد أن يفتدي منها، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن أحمد: قوله: إنه لا يفتدي من اليمين بثمن يدفعه إليه صحيح؛ لأنه قد حلف ألا يدفع إليه شيئا، إلا بقضاء سلطان، والسلطان لم يقض عليه إلا باليمين، لا بما افتدى به منها، وقوله: ويحلف إن كان بارا

صحيح أيضا؛ لأنه إن نكل على اليمين فحلف ابن عمه، وأخذ ما ادعى حنث هو في يمينه، فإن كان غير بار لم يحل له أن يحلف، ويحلف ابن عمه ويأخذ ما ادعى، ويحنث هو في يمينه؛ إذ كان إنما حلف وهو عالم بصحة دعواه، ليقتطع حقه، فإن اجترأ على الله، وحلف بر في يمينه وأثم في اقتطاع حق ابن عمه بيمينه الفاجرة، كمن حلف أن يسرق أو يزني أو يشرب خمرا، وكذلك إن لم يعلم إن كان ما يدعي ابن عمه حقا أو باطلا؛ إذ لا يجوز له أن يحلف على غير يقين، وقد وقع في أول رسم البراءة، من سماع عيسى، من كتاب الأيمان بالطلاق لفظ، قال فيه بعض الناس: إنه يدل على أن له أن يحلف فيما لا يوقن به، وهو بعيد، فالصواب أن يتأول على ما تأولناه عليه هناك، فلا يدل على أنه يجوز له أن يحلف على ما شك فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: الصبي هل يلزمه بعد بلوغه ما نذره على نفسه قبل بلوغه

مسألة قال مالك: كان حلف عبد الله بن أبي حنيفة في الجرو القتاء بعد أن احتلم.
قال محمد بن أحمد: قوله صحيح؛ لأنه لو كان لم يحتلم لما لزمه النذر؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رفع القلم عن ثلاث» فذكر فيهم الصبي حتى يحتلم، ولا اختلاف أعلمه في أن الصبي لا يلزمه بعد بلوغه ما نذره على نفسه قبل بلوغه، إلا أنه يستحب له الوفاء به، وقد قال ابن كنانة: إن الصغير إذا حلف به قبل بلوغه لزمه إذا حنث فيه بعد بلوغه، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن المشرك إذا نذر في حال الكفر يلزمه الوفاء به بعد الإسلام؛ لما

روي من أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام، فقال له النبي: فِ بنذرك» ، وهو عندنا وعند أكثر أهل العلم على أن ذلك على الندب لا على الوجوب، ومما يدل على ذلك أيضا أن " فِ " لا تُستعمل إلا فيما ليس بواجب، يقال: وفى بالوعد، وأوفى بالحق والنذر، فيلزم على قول من أوجب على الكافر الوفاء بالنذر بعد إسلامه أن يوجب على الصغير الوفاء بالنذر بعد بلوغه، بل هو أحق أن يجب عليه على مذهبه؛ لأن الصغير وإن كان لا تُكتب عليه السيئات، فتُكتب له الحسنات على الصحيح من الأقوال، والكافر لا تكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات، وبالله التوفيق.

مسألة: حلفت على أختها ألا تشهد لها محيا ولا مماتا فماتت ابنة أختها

مسألة وسئل عن امرأة حلفت على أختها ألا تشهد لها محيا ولا مماتا، فماتت ابنة أختها، فأرادت أن تنتظرها عند باب المسجد فتصلي عليها، وقد كانت حلفت بالمشي إلى الكعبة، فكره ذلك لها.
قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال؛ لأنه إذا صلت عليها، فقد شهدت جنازتها، فوجب أن تحنث، وإن كانت لم تشهدها ولا عَزَّتْهَا ولا قامت معها في شيء من أمرها؛ لأن الحنث يقع بأقل الوجوه، وقوله: فكره ذلك لها، معناه الوجوب، وأنها إن فعلت حنثت، والله أعلم.

مسألة: قال لشريكه هذه الدنانير صدقة على المساكين إن كان لك عندي شيء

مسألة وسئل عن رجل كان له شريك فحاسبه ثم لقيه، فقال له: قد بقي عندك كذا وكذا، وكان مع شريكه دنانير في يده، فقال عند ذلك: هذه الدنانير صدقة على المساكين، إن كان لك عندي شيء.

ثم ذهب إلى منزله فنظر إلى كتب عنده، فإذا هو ما قال شريكه حق، قال: أرى أن يتصدق بالدنانير، ولا ينفعه إن كان حلف، وهو يرى أنه إنما حلف على حق، وإنما ينفعه ذلك في الحلف بالله، فأما الصدقة والعتق والمشي، فلا ينفعه ذلك، وليس اللغو في الصدقة والمشي، إنما اللغو في الحلف بالله، لا يكون إلا في اليمين بالله أو بشيء من صفاته وأسمائه، أو في نذر لا يسمى له.
قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، وحكمه في المذهب في أن اللغو مخرج؛ لأن الله لم يذكره إلا في اليمين التي أوجب فيها الكفارة، فقال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89] الآية، ويجيء على مذهب من أوجب كفارة اليمين بالله في الحلف بالمشي والصدقة، وما أشبه ذلك مما فيه قربة وطاعة، أن يكون اللغو في ذلك.

[مسألة: قال لغريمه إن لم تقض صدرا من حقي يوم كذا فَعَلَيّ المشي إلى بيت الله]

مسألة وسئل مالك عن رجل كان له على رجل حق، فقال لغريمه: إن لم تقض صدرا من حقي يوم كذا وكذا، فَعَلَيّ المشي إلى بيت الله إن لم ألزمك بحقي كله، قال مالك: أرى الصدر الثلثين، ولو أن رجلا قال: النصف؛ لكان قولا، ولكن الثلثان أحب إليّ إلا أن يكون حين حلف قد أجمع على أمر شيء من أمره، فهو على ما أجمع.

قال محمد بن أحمد: لابن نافع في المبسوطة أنه إذا قال: جل، فذلك أكثر من الثلثين، وإذا قال صدرا فذلك الثلث فما فوقه، وهو في القياس أظهر؛ لأن صدور الأشياء هي الجمل من أوائلها، فالصدر ثم النصف ثم الجل، والله أعلم.

مسألة: قال علي نذر ألا أكلم فلانا

ومن كتاب أوله صلي نهارا ثلاث ركعات مسألة وسئل مالك عن رجل قال علي نذر ألا أكلم فلانا قال: ليكلمه ولا أرى عليه، إنما ذلك مثل ما يقول عليّ نذر أن أكلمه أو أحمل هذا الحجر فلا شيء عليه، إنما كان نذره في كلامه.
قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال: إن من قال علي نذر أن أكلم فلانا أو لا أكلمه إنه لا شيء عليه كلمه أو لم يكلمه إذ لا طاعة لله في كلامه ولا في ترك كلامه، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» ، فالنذور تنقسم على أربعة أقسام، نذر في طاعة يلزم الوفاء به، ونذر في معصية يحرم الوفاء به، ونذر في مكروه يكره الوفاء به، ونذر في مباح يباح الوفاء به وترك الوفاء به، وسواء كان ذلك كله في فعل أو في ترك فعل، ولا كفارة عند مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ - على من لم يف بما نذر؛ إما لأنه معصية لا يجوز له الوفاء به وإما لأنه عجز عن الوفاء به، ومن أهل العلم من أوجب في ذلك الكفارة لما روي من أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين» ، وإنما تجب الكفارة عند مالك في اليمين بالنذر، مثل أن يقول: علي نذر إن فعلت كذا وكذا أو إن لم أفعل كذا وكذا، كان ذلك للذي حلف على فعله مما يجوز له

فعله أو مما لا يجوز، وكان الذي حلف على تركه مما يجوز له تركه أو مما لا يجوز؛ غير أنه إن كان ذلك مما لا يجوز أُمِرَ بالحنث والكفارة، فإن اجترأ وبر سقطت عنه الكفارة.

مسألة: له عند امرأته ذهب فأسلفته أخا لها فعلم الزوج بذلك فحلف ليأخذن حقه

ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت مسألة وسئل مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، عن رجل كان له عند امرأته ذهب فأسلفت منه أخا لها فعلم الزوج بذلك فحلف ألا يخرج حتى يأخذ حقه منه أو يقضي به عليه سلطان، فقالت امرأته: أنا التي أسلفته وأنا له ضامنة، وقد كان يريد سفرا.
قال: لا يخرج حتى يأخذها ولا يقبل ضمانها إلا أن يؤخره السلطان إذا رأى السلطان ذلك.
قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال؛ لأن الزوج مخير له أن يأخذ بماله من شاء منهما، إن شاء زوجته التي تعدت على ذهبه فأسلفته، وإن شاء أخاها الذي أسلفته إياه؛ فإن أخذ بذهبه الزوجة كان لها أن تتبع أخاها بذلك، وإن أخذ به أخ الزوجة سقطت التباعة عن الزوجة، فإذا حلف ألا يخرج حتى يأخذ حقه من أخي الزوجة إلا أن يؤخره السلطان فليس له أن يترك اتباعه ويرجع عن امرأته، فإن فعل ذلك حنث بما حلف به، وفي قوله: "إلا أن يؤخره السلطان إن رأى ذلك" دليلٌ على أن للسلطان أن يؤخر الغريم بما حلّ عليه من الديون على ما يراه من موجب للنظر في ذلك، ومثله في أول رسم ابن القاسم من كتاب المكاتب، وبذلك جرت الفتيا عندنا بقرطبة، خلاف ما كان يحكم به في غيرها أن الغريم إذا حل أجل ما عليه من دين لم يؤخر ساعة ولا حينا وبيعت عليه عروضه بالغة ما بلغت إن لم يكن له ناضّ يؤدي منه ما عليه، وهو خلاف ظواهر الروايات عن مالك وأصحابه، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث

مسألة قال مالك: من حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث، فإنه يمشي من حيث حلف وكانت يمين صاحبه ألا يفعل كذا وكذا حتى ينتقل من منزله وكان صاحب خيمة، قال مالك: ولا أحب أن يحولها إلى مكان قريب حتى ينتقل نقلة يعرف أنها نقلة من ذلك الموضع إلى غيره ثم يفعل ما حلف عليه إن أراد إن كان إنما أراد بذلك مخرجا من يمينه.
قال محمد بن أحمد: تكررت هذه المسألة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الحج، وقوله فيها هنا وهناك: إنه يمشي إذا حنث من حيث حلف لا من حيث حنث يأتي على ما في كتاب ابن المواز العتق الأول من المدونة في الذي يقول: إن كلمت فلانا فكل مملوك أملكه من الصقالبة فهو حر فيشتري بعد يمينه وقبل أن يكلمه صقالبة ثم يكلمه إنهم يعتقون عليه خلاف ما في سماع عبد المالك من كتاب الأيمان بالطلاق الذي يقول: إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها بمصر طالق فتزوج ثم كلمه أنه لا شيء عليه في التي تزوج قبل يمينه، وإنما يلزمه الحنث فيما تزوج بعد كلامه، ولم ير إذ كانت يمينه ألا يفعل كذا وكذا حتى ينتقل من منزله أن اليمين تنحل عنه حتى يكون له أن يفعل ما حلف عليه وإلا لحنث إلا بانتقال من ذلك الموضع إلى غيره من المواضع، وخشي إن حولها إلى مكان قريب ألا يكون ذلك انتقالا تنحل عنه اليمين، فقال: ولا أحب أن يحولها إلى مكان قريب حتى ينتقل نقلة تعرف، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف في رقيق لابنه ألا يبيعهم بثمن سماه وللحالف أب

ومن كتاب المحرم يتخذ خرقة مسألة وسئل مالك عن رجل حلف في رقيق لابنه ألا يبيعهم بثمن سماه وللحالف أب فقال له: أنا أبيعهم ليس هم لك فقال له: أسفيه هو؟ يريد الحالف فقالوا: لا فقال: لا أرى أن يبيعهم.
قال محمد بن أحمد: في قوله: لا أرى أن يبيعهم إذا لم يكن سفيها دليل على أن له يبيعهم إذا كان سفيها فجعله في حكم الوصي على ولد ابنه ما دام ابنه سفيها فيلزم على هذا أن يكون وصي الأب وصيا على ولد الولد الذين إلى نظره بإيصاء الأب وهو نحو ما في مختصر ابن شعبان عن مالك أن للوصي أن يزوج بنات يتيمه بعد بلوغهن، فإن رضي الأب بذلك قبل أن يبلغن فلا يلتفت إلى رضاه لسقوط ولايته فهن كاليتامى، قال ابن وهب في أصل سماع أصبغ: والرفع إلى السلطان أحسن، وليس من ذلك ما في كتاب ابن المواز أن المولى عليه إذا قتل وله ولد أصاغر أن وصي الأب أولى من عمومة الصبي، بالدم، وقد كان بعض شيوخه لا يرى وصي الأب وصيا على صغار الولد الموصى بهم، وبالله التوفيق.

مسألة: يحلف أن يحمل الشيء على عنقه إلى بيت الله فلا يقدر

مسألة وسئل مالك عن الرجل يحلف أن يحمل الشيء على عنقه إلى بيت الله فيكون ممن لا يقدر على المشي فيركب أترى عليه هديين أم هديا واحدا؟ قال: يهدي هديا واحدا وليس هذا من الأمور

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
مسألة: المملوك يتقاضى من غريم سيده بدون إذنه ليقضي دينا عليهمسألة: حلف أن لا ينفع فلانا بشيء هل يأخذ من صدقتهمسألة: حلف ألا يدخل بيتا بليل فدخل بعد الفجرمسألة: حكم ما أوجب العبد على نفسه من النذر والحدودمسألة: قال لشيء من ماله دابة أو عبد أهديكمسألة: حلف ألا يقضي الحق الذي عليه حتى يسجنه فيه الطالبمسألة: حلف ألا يعين بطعام ولا بزيتمسألة: حلف بعشرين نذرا إن قبل لأبيه هبة أبدا وأبوه الذي يمونهمسألة: حلف في بيع طعام ألا يزيد في عامه هذا على ثلاثة أرادبمسألة: دخل على امرأته فوجد عندها قرابة لها فعاقبها فحلفت بالمشي إلى بيت اللهمسألة: يسأل عن الأمر فيقول علي صدقة أو مشي وهو كاذبمسألة: حلف لامرأته أنت علي حرام إن أنفقت عليك حتى تستأذني عليمسألة: يكون بينه وبين الرجل الدار فيحلف ألا يبيعه صفقة ثم يريد بيعهمسألة: جعلت لزوجها عند موته أن مالها في سبيل الله وأن عليها عشرة نذورمسألة: قال كل مملوك لي حر إن أخبرت به أحدا واستثنى في نفسه إلا فلانامسألة: حلف بالله لأفعلن كذا وكذا فقيل له إنك ستحنث فقال لا والله لا أحنثمسألة: باع سلعة فحلف ألا يضع من ثمنها شيئا فأوفاه المشتري ثمنهامسألة: حلف إن نام حتى يوتر فعليه صدقة دينار فنام ليلة من ذلك قبل أن يوترمسألة: حلف على جاريته بعتق ما يملك في عود كان في يده ليكسرنهمسألة: حلف ألا يساكن رجلا فسافر معهمسألة: حلف بالمشي إلى الكعبة ليقضين فلانا ثم هلك الذي حلف عليهمسألة: حلف ألا يضع من ثمن خادم باعها شيئا وأنه باعها بالثمن الذي حلف عليهمسألة: حلف ألا ينقص جارية له من خمسين ثم باعها لرجل بخمسين وأوجبهامسألة: باع بيعا فحلف البائع ألا يقيل ولا يضع ثم إن المشتري وجد في بيعه جرادامسألة: حلف على آخر لينتقلن من داره فانتقل ثم بدا له أن يرده إليهامسألة: حلف لا يشتري لامرأته شيئا فاشترى لنفسه فتسأله امرأته أن يوليها شيئامسألة: حلفت في عبد لها ألا تبيعه ولا تهبه فأرادت أن تتصدق بهمسألة: يبيع الجارية فيحلف ألا يضع من ثمنها شيئا فيجدها المبتاع معيبةمسألة: حلف ألا تواكله امرأته في صحفة واحدة فجاءته برطب في طبق فأكلتمسألة: حلف لا يشتري من رجل سلعة فاشترى منه رجل سلعة فأشركه فيهامسألة: طلب منه مالا فحلف بالمشي إلى الكعبة إن كان معه إلا عشرةمسألة: قال بعيراي هذان بعد سنة في سبيل الله فأقاما في يديه ثم هلك الرجلمسألة: قضي عليه بيمين فأراد أن يفتدي منهامسألة: الصبي هل يلزمه بعد بلوغه ما نذره على نفسه قبل بلوغهمسألة: حلفت على أختها ألا تشهد لها محيا ولا مماتا فماتت ابنة أختهامسألة: قال لشريكه هذه الدنانير صدقة على المساكين إن كان لك عندي شيءمسألة: قال علي نذر ألا أكلم فلانامسألة: له عند امرأته ذهب فأسلفته أخا لها فعلم الزوج بذلك فحلف ليأخذن حقهمسألة: حلف بالمشي إلى بيت الله فحنثمسألة: حلف في رقيق لابنه ألا يبيعهم بثمن سماه وللحالف أبمسألة: يحلف أن يحمل الشيء على عنقه إلى بيت الله فلا يقدر
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل