كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
إليهم نصيب المقر وأخذ الشريك نصيبه من ذلك المال، قال: وسواء أقر بوديعة أو بمتاع أمر ببيعه فيما يزعم قال: وإن لم ينص أحدا ولم يدعه أحد مما يقر له فالمال بين الشريكين نصفان كهيئته على شركتهما.
قلت: أرأيت إن قال: هو لي دونك ورثته أو وهب لي وما أشبه ذلك أيقبل قوله؟ قال: إن ثبت له معرفة الميراث أو العطايا والهبات وإلا فهو بينهما.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة كلها صحيحة بينة لا وجه للقول فيها! إلا قوله فيكون بمنزلة من يستحق حقه باليمين مع الشاهد فإن ظاهره يقتضي أنه يحتاج إلى عدالة المقر لأنه جعله الشاهد قال ذلك أبو إسحاق التونسي، قال أيضا: وكان ينبغي أن يجوز إقراره لمن لا يتهم عليه، وقد يحلفون استبراء والصواب أنه لا يحتاج إلى عدالته، وعلى ذلك يجب أن يحمل قوله في الرواية لأنه لم يقل: إنه يكون شاهدا له يحلف معه، وإنما قال: إنه يكون بمنزلة الشاهد له في أنه يحلف مع قوله كما يحلف مع شهادة الشاهد فإن نكل عن اليمين لم يكن له إلا نصيب الفقر، ولم يذكر هل يحلف الشريك أم لا؟ والوجه في ذلك أن يحلف إن كان تحقق الدعوى أنه أقر له بباطل، وأما إن قال: لا أدري إلا أني أتهمه في إقراره له فلا يمين عليه، إلا أنه لما كان هذا الذي أقر به ليس بدين التجارة واستظهر على المقر له باليمين شبها بما قالوا في المديان يرث أباه فيقر بدين عليه الودائع في تركته أن المقر له يحلف مع إقراره بخلاف إذا أقر بدين في ذمته وقع ذلك من إيجاب اليمين على المقر له في آخر كتاب الوصايا الثاني من المدونة وبالله التوفيق.
: يأتي بحمامة أنثى ويأتي الآخر بذكر على أن يكون الفراخ بينهما
من سماع سحنون من ابن القاسم قال سحنون: أخبرنا ابن القاسم، قال مالك في الرجل يأتي بحمامة أنثى ويأتي الآخر بذكر على أن يكون الفراخ بينهما إن الفراخ بينهما على الحضانة.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة عن مالك على قياس قوله في أن الزرع في المزارعة الفاسدة يكون لصاحب العمل والأرض، يريد ويرجع صاحب الحمامة الأنثى على صاحب الحمامة الذكر مثل بيض حمامته ويأتي على قياس القول في أن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر الفراخ لصاحب الحمامة الأنثى لأن البيض له ولصاحب الحمامة الذكر قيمة ما أعان به من الحضانة وبالله التوفيق.
مسألة: الفراخ تكون لصاحب البيض ولصاحب الدجاجة قيمة ما حضنت دجاجته
مسألة قيل له: فإن أتى رجل ببيض إلى رجل فقال له: اجعل هذا البيض تحت دجاجتك فما كان من فراخ فبيني وبينك فخرج الفراخ لصاحب الدجاجة ولصاحب البيض بيض مثله وإنما هو عندي بمنزلة الذي يأتي بالقمح إلى رجل فيقول له: ازرع هذا في أرضك فما ساق إليه من رزق فهو بيننا، فيزرعه فإن الزرع لصاحب الأرض ولصاحب القمح قمح مثله ومثله السفينة والدابة يعطيان على أن يعمل عليهما على بعض ما يكسب فإن العمل للعامل ولرب السفينة والدابة أجرة مثلهما.
قال محمد بن رشد: وهذا على قياس قوله في أن الزرع في المزارعة الفاسدة يكون لصاحب البذر أن الفراخ تكون لصاحب البيض ولصاحب الدجاجة قيمة ما حضنت دجاجته، وعلى هذا يأتي قول سحنون في
نوازله من كتاب الغصب في الغاصب يغصب البيضة فيحضنها تحت دجاجته فيخرج منها فراخا أن الفراخ لصاحب البيضة وللغاصب عليه قدر ما حضنت دجاجته وبالله التوفيق.
: اشتركا في شراء سلعة بعينها بدين
من سماع أصبغ بن
الفرج من ابن القاسم من
كتاب البيوع والعيوب قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم وسئل عن رجلين اشتركا على أخذ متاع بدين لهما وعليهما ولهما مال ولا مال لهما، قال: إن كانا يشركان في سلعة بعينها يشتريانها بدين فلا بأس بذلك، كان لهما رأس مال أو لم يكن وإن كان إنما يشتركان على ما يشتري كل واحد منهما يقولان ما اشترى كل واحد منا بدين ولا مال لهما فنحن فيه شركاء فلا يعجبني ذلك، قال أصبغ: فإن وقع نفذ على سنة الشركة وضمناه جميعا وفسخت الشركة من ذي قبل وقطعت بينهما.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثله في المدونة وهو مما لا اختلاف فيه أنهما إذا اشتركا في شراء سلعة بعينها بدين فذلك جائز، وهما شريكان فيها كان لهما مال أو لم يكن لهما مال، فإن اشترط البائع عليهما أن كل واحد منهما ضامن عن صاحبه بجميع الثمن جاز، وإن لم يشترط ذلك عليهما لم يلزم كل واحد منهما إلا حصته حظه من الثمن النصف إن كانت شركتهما على النصف أو الثلث أو الثلثان إن كانت شركتهما على أن لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان أو أقل من ذلك أو أكثر، إلا أن يكونا شركاء عقد قد اشتركا شركة صحيحة على مال لهما فيكون كل واحد منهما ضامنا لثمن ما اشترى صاحبه بدين اجتمعا في أخذ المتاع بالدين أو افترقا، وأما إن اشتركا
ولا مال لهما على أن يشتريا بالدين ويكونا شريكين في ذلك يضمن كل واحد منهما ثمن ما اشترى صاحبه فلا يجوز ذلك كما قال؛ لأنها شركة بالذمم، ولا تجوز على مذهب مالك وجميع أصحابها لشركة بالذمم؛ لأن ذلك غرر، يقول كل واحد منهما لصاحبه: تحمل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحمل عنك بنصف ما اشتريت واختلف إن وقع ذلك، فقيل: تفسخ الشركة بينهما، ويكون كل واحد منهما ضامنا لما اشترى صاحبة قبل الفسخ على ما تعاقدا عليه وهو قول أصبغ هذا، ومذهب ابن القاسم في المدونة، وقيل: إنه يكون ضمان ما اشترى كل واحد منهما عليه، لا يكون على صاحبه، وإلى هذا ذهب سحنون، وهو القياس على القول بأن شركة الذمم لا تجوز، وقول ابن القاسم وأصبغ استحسان مراعاة لقول أبي حنيفة في إجازته شركة الذمم وقوله: إنها تنعقد على الوكالة فتجوز على مذهبه حال الافتراق، كما تجوز حال الاجتماع، وليس ذلك بصحيح إذ لا غرر فيها حال الاجتماع وبالله التوفيق.
مسألة: المرابحة على سبيل المكايسة والشركة على سبيل المعروف
مسألة قال أصبغ: سئل أشهب عن شركاء ثلاثة، في سلعة تقاوموها فخرج منها واحد وقعت على الاثنين بربح دينار، ثم ذهب الخارج فاستوضع البائع دينارا فقام عليه الاثنان لرد، قال: ذلك لهما إلا أن يخرج ذلك الدينار الذي وضع له فيكون بينهما وبينه أثلاثا، قيل له: ويسوغ الربح كله؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: قول أشهب في هذه المسألة لا يستقيم على حال؛ لأنه إن كان خرج من حصته من السلعة لشريكيه فيها بربح دينار على ما انتهت إليه في المقاومة فاستوضع البائع الدينار فوضعه عنه هو الذي ولي صفقة شرائها فأشرك فيها شريكيه وجب أن يكون للمشرك حظه من الوضيعة شاء الذي وضع له أو أبى، سواء كان حظه باقيا في يديه أو كان قد خرج عنه ببيع
أو غيره، وليس له أن يقول الذي أشركه: لا أضع عنك شيئا وأنت بالخياران شئت أن تمسك وإن شئت أن ترد رددت، وإنما يكون له ذلك في بيع المرابحة لأن المرابحة على سبيل المكايسة، والشركة على سبيل المعروف، هذا قوله في المدونة، وقد قال أبو إسحاق التونسي: القياس أن يكون مخيرا في الشركة كالمرابحة، وعلى هذا يأتي قول أشهب في هذه المسألة، وإن كان الذي وضع له الدينار فالشركاء الثلاثة ليس هو الذي كان ولي صفقة شرائها وإنما كان اشترى وهم لها جميعا صفقة واحدة فالدينار الموضوع يكون له خالصا لا حق فيه لشريكيه على مذهب مالك وأصحابه خلاف ما ذهب إليه الفقهاء السبعة حسبما ذكرناه في رسم صلى نهارا ثلاث ركعات من سماع ابن القاسم ولو كان أحد الشركاء في السلعة باع حظه من شريكه بربح دينار مرابحة لا على سبيل المقاومة لوجب إن كان هو الذي ولي صفقة شراء السلعة أن يرد على شريكيه ثلتي الدينار شاء أو أبى، ويكون مخيرا في الثلث التي ناب منه حظه الذي باعه مرابحة بين أن يحطه عنهما قيل: ما ينوبه من الربح وقيل: دون ما ينوبه من الربح، فيلزمهما البيع ولا يحط ذلك عنهما فيكون لهما أن يرد البيع، وكذلك إن لم يكن هو الذي ولي الصفقة على مذهب الفقهاء السبعة وأما على مذهب مالك وأصحابه فيكون له ثلثا الدينار لا يلزمه أن يرده عليهما ويكون مخيرا في الثلاثة التي ناب حظه الذي باعه منهما مرابحة على ما ذكرناه وبالله التوفيق.
مسألة: المقاسمة جائزة نافذة على الغائب وفيما بين الشريكين
مسألة قال أصبغ: سألت أشهب عن ثلاثة نفر اشتركوا بمائة دينار ثم يحضر سفر فيخرج اثنان بجميع المال ويتخلف واحد فلما كانا ببعض الطريق تشاجرا وتفاصلا فاقتسما فأخذ كل واحد منهما مائته ونصف مائة الغائب عنهما فتجر أحدهما في جميع ذلك وربح، وتجر الآخر فخسر فقال: لا ينفع ذلك الحائز يعني في الخسارة مال لا يكون تقدم
إليهما، قال: ويضم المال كله يريد خسارته وربحه فيقسم ذلك بينهما وبين الغائب أثلاثا كأنهما له يقتسما المال؛ لأنهما لا مقاسمة لهما على الغائب عنهما، ثم يترادان الاثنان منهما بينهما وتجوز مقاسمتهما فيما بينهما، وبرئ كل واحد منهما لصاحبه فيكون على هذا خسارته، ولهذا ربحه، قاله أصبغ، وقال: لهذا تفسير وتفسيرها إن كان تقدم إليهما ألا يقتسما فاقتسما فربح الواحد وخسر الآخر، فإن المقيم لا يلزمه من الخسارة والوضيعة على المتعدي بتعديه بالقسمة، وأما ربح الآخر فإن الربح يكون بينه وبين شريكيه ذلك القسم، وهو على الشركة، وكذلك لو وضع لزمه من الوضعية بقدر ماله معه من المال، وفي الربح اختلاف فمن أصحابنا من قال: الربح على الثلث والثلثين، ومنهم من قال: نصفين لأنه وجد الذي قبض نصف مائته وهو الشريك معدما لرجع على هذا الشريك الآخر لأنه متعد عندما قسم ودفع المال إليه.
قال محمد بن رشد: قوله: لا ينفع ذلك الحاضر في الخسارة معناه أنه لا حجة له عليه في القسمة يضمنها الخسارة إلا أن يكون قد تقدم إليهما ألا يقتسما ماله فحينئذ يضمن له ما خسر من نصيبه وأما إن لم يتقدم إليهما في ذلك فيكون الحكم فيه ما ذكره من أن يضم المال كله بخسارته وربحه فيقسم ذلك بينهما وبين الغائب أثلاثا كأنهما لم يقتسما المال إلى آخر قوله، وذلك يرجع عند الاعتبار إلى أن يأخذ الغائب ثلث ما بيد كل واحد منهما كان قد ربح فيه أو خسر فهو مراده، ولا معنى للتطويل لما ذكره من الكلام ولا يخلو اقتسام الشريكين دون الثالث الغائب ما بأيديهما من أموالهما وقال: الغائب من ثلاثة أحوال: أحدهما أن يكونا فعلا ذلك بعد أن أذن لهما فيه الغائب، والثاني أن يكونا فعلا ذلك بعد أن نهاهما عنه، والثالث أن يكونا فعلا ذلك دون أن يتقدم منه إليهما فيه إذن ولا نهي فأما إن كانا اقتسما المال بعد أن أذن الغائب لهما
في ذلك فأخذ كل واحد منهما مائته ونصف مائة الغائب فلا اختلاف في أن المقاسمة جائزة نافذة على الغائب وفيما بين الشريكين، فيكون الغائب شريكا لكل واحد منهما على انفراد بالثلث، يأخذ ثلث ما بيد كل واحد منهما كان قد ربح فيه أو خسر، وأما إن كانا اقتسما المال بعد أن نهاهما عن اقتسامه وأخذ كل واحد منهما مائته ونصف مائة الغائب فتجوز قسمتهما على نفسهما فيما بينهما ولا تجوز على الغائب، ويكون كل واحد منهما متعديا عليه في ذلك فإن تجرا فربح أحدهما وخسر الآخر كان الذي خسر ضامنا لما خسر في نصيب الغائب وهو قول أصبغ إنه إن كان تقدم إليهما لم يلزم المقيم من الخسارة شيء وكانت الوضعية عليه بتعديه بالقسمة وفي قوله: وكذلك لو وضع يريد الشريك الآخر لزمه من الوضعية بقدر ما له معه من المال إشكال ومراده بذلك أن الشريك الآخر لو وضع كما وضع الأول للزمه أن يضمن للغائب من الوضعية بقدر ما له من المال كما ضمن الآخر فالهاء من لزمه عائدة على الشريك الذي تجر في المال لا على الغائب ولو لم يبق بيد الذي تجر وخسر من المال ما يقوم بحظ الغائب من الخسارة وهو عديم لكان من حقه أن يرجع على الآخر بما نقص من حقه؛ لأن كل واحد منهما متعد عليه في القسمة فإن رجع بعدم الذي خسر رجع بذلك المرجوع عليه على الذي خسر فاتبعه به دينا في ذمته لأنه المتعدي بالتجر فيه دون شريكه، ولو تلف المال في يد أحدهما وهو عديم فرجع الغائب على الآخر لما كان للمرجوع عليه رجوع على الذي تلف المال عنده إذ لم يتعد فيما صار بيده منه ولا تلف بسببه، وأما إن كانا قد قسما المال دون أن يتقدم إليهما الغائب فيه بإذن أو نهي فاختلف هل يكونان متعديين في قسمة أم لا على قولين؟ أحدهما أنهما لا يكونان متعديين في قسمته كما لو أذن لهما في ذلك، وهو قول أشهب وأصبغ في هذه الرواية والثاني أنهما يكونان متعديين في قسمته كما لو نهاهما عن ذلك، وإلى هذا ذهب محمد بن المواز، وهو أظهر، ووجه قول أصبغ وأشهب أنه لا ضرر على الغائب في القسمة إذ قد دخل معهما على أن لكل واحد منهما أن ينفرد بالبيع والشراء دون
صاحبه، فالشريكان في قسمة مال الغائب بغير إذنه على مذهب أشهب وأصبغ بخلاف المودعين للعلة التي ذكرناها، وقد روى زياد عن مالك أن للمودعين أن يقتسما الوديعة.
فيتحصل في الجملة ثلاثة أقوال، يضمنان جميعا ولا يضمن واحد منهما ويضمن المودعان ولا يضمن الشريكان، وقد مضى القول في الحكم على كل واحد من الوجهين فيما خسر أحدهما فلا معنى لتكراره، وأما ربح أحدهما فقد ذكر في الرواية الاختلاف في ذلك والصحيح أن يكون للغائب ثلث الربح لأنه إنما له ثلث أصل المال الذي كان عنه الربح، ووجه القول الآخر أن الشريك الذي عمل بالمال قد دخل مع الغائب على أن يتساويا في الربح إذ جعل كل واحد منهما مائة كما جعل صاحبه، والقسمة لا تلزمه ولا تجوز عليه، والقول الأول هو الصحيح لأنه يلزم على قياس هذا القول لو ربحا جميعا أن يأخذ الغائب نصف ربح كل واحد منهما فيصير له ربح نصف الجميع وليس له من رأس المال إلا الثلث وبالله التوفيق.
: شركة الأبدان لا تجوز إلا مع التعاون في الأعمال
ومن كتاب البيع والصرف وسئل أشهب عن صناعين حداد وجزار في حانوت واحد اشتركا بعمل هذا مع هذا في جزارته وهذا مع هذا في حديده، قال: إن كانا يحسنان ذلك جميعا ويعملان فيه جميعا فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأن شركة الأبدان لا تجوز إلا مع التعاون في الأعمال لأنهما إذا لم يتعاونا وانفرد كل واحد منهما بعمل له دون شريكه أو أشراكه إن كانوا جماعة كان ذلك غررا؛ لأن كل واحد منهما يقول لصاحبه لك جزء من أجرتي فيما انفرد بعمله، على أن يكون لي بعض أجرتك فيما تنفرد بعمله دوني، وذلك أعظم المخاطرة والغرر.
وقد مضى بيان هذا في آخر رسم من سماع ابن القاسم وبالله التوفيق.
مسألة: استأجرا أجيرين فاشتركا فيما يكتسبان وكل منهما مستأجر لأجيره على حدة
مسألة قيل له: فإن استأجر رجلان أجيرين فاشتركا فيما يكتسبان وكل واحد منهما مستأجر لأجيره على حدة، قال: لا بأس بذلك إذا كان الأجيران يعملان جميعا عملا واحدا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأن يد كل واحد منهما كيد مستأجره، فإذا تعاون أجيراهما في العمل كان ذلك كتعاونهما أنفسهما فيه وبالله التوفيق.
مسألة: اشتركا في حانوت واحد وصنعة كل واحد منهما غير صنعة صاحبه
مسألة قيل له: فإن اشتركا في حانوت واحد والعمل مفترق على حدة صنعة كل واحد منهما غير صنعة صاحبه، قال: لا خير في ذلك، يريد أن العمل بينهما قيل له: فإن اشتركا والعمل واحد والحانوتان مفترقتان قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قول أشهب هذا إنه لا يجوز أن يشتركا في حانوت واحد والعمل مفترق معناه إن انفرد كل واحد منهما بعمله ولم يعمل صاحبه معه فيه على ما قاله فوق هذا، وأما قوله: إنه لا بأس أن يشتركا في العمل ويكونان مفترقين في حانوتين فهو بعيد؛ لأن الأصل في شركة الأبدان أنها لا تجوز إلا على التعاون، وهما إذا افترقا في حانوتين فلم يتعاونا وإذا لم يتعاونا لم تجز الشركة فلا وجه لقول أشهب هذا، إلا أن يكون معناه أنهما يجتمعان جميعا على أحد الأعمال ثم يأخذ واحد منهما طائفة من العمل فيذهب إلى حانوته فيعمل فيه لرفق يكون له في ذلك من سعة حانوته أو كثرة انشراحه أو قربه من منزله أو ما أشبه ذلك وبالله التوفيق.
: الشريكين المتفاوضين إذا ترك أحدهما عمل الشركة وأخذ مالا فعمل فيه فربح
ومن كتاب القضاء 4 - العاشر قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الشريكين المتفاوضين إذا ترك أحدهما عمل الشركة وأخذ مالا فعمل فيه فربح أو آجر نفسه ألصاحبه من ذلك شيء؟ قال لي: لا أرى لصاحبه من ذلك شيء أو أراه كله له، وإنما هو رجل تعدى فترك العمل والشركة، فليس ذلك بالذي يوجب لصاحبه فيما ربح من ذلك شيئا، قلت: أفترى لهذا المشتري المتعدي فيما ربح صاحبه الذي كان يعمل معه على الشركة شيئا؟ قال: نعم أراه على ربحه في الشركة، قال أصبغ: لأن النقصان يلزمه إذا تركه يعمل بالشركة فكذلك الربح له، قال أصبغ: قلت لابن القاسم أترى لهذا العامل في الشركة على الذي لم يعمل أجرة إذا قاسمه الربح قدر ما تركه من العمل معه الذي كان يصيبه؟ قال: لا، قال أصبغ: لا يعجبني هذا وأرى ذلك له إذا حلف العامل أنه لم يعمل على التطوع له وعنه، وعلى مقاسمته إلا على العمل لنفسه خالصا إذا اشتغل عنه وعلى أن يطالبه بعمله وكفايته فأما لوجهين ادعاه وحلف عليه رأيت له به الأجرة على قدر الكفاية لنصف ما باشر به من حينه ذلك وعلى وجهه خاصة، وليس على طول الشهور وعددها ولا السنين ولا الأيام إذا كان العمل والتجارة منقطعا في حال ذلك إن شاء الله، وسئل عنها أشهب فقال: ما أرى ربح القراض ولا الأجرة التي آجر بها نفسه إلا بينهما أرأيت لو
تسلف يعني مالا فعمل به فربح لكان ربحه بينهما.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في أحد الشريكين المتفاوضين يأخذ مالا قراضا فيربح فيه أيؤاجر نفسه إن ذلك له ولا شيء لشريكه فيه أظهر من قولي أشهب أن ذلك بينهما، وقد بين ابن القاسم في الرواية وجه قوله بقوله: وإنما هو رجل تعدى فترك العمل إلى آخر قوله وأما أشهب فوجه قوله أن كل واحد من الشريكين كأنه مستأجر لنصف عمل شريكه بنصف عمله هو، فكما يكون للذي عمل بالقراض الذي أخذه أو بالأجرة التي آجر بها نفسه نصف عمل شريكه في مال الشركة فيستحق، بذلك نصف الربح فكذلك يكون للشريك نصف عمله في القراض أو في الأجرة فيستحق بذلك نصف ربح القراض إن كان فيه ربح أو نصف الأجرة التي آجر بها نفسه، ولا اختلاف في أن ربح مال الشركة الذي عمل به أحد الشريكين ما دام صاحبه يعمل في القراض الذي أخذه أو في الأجرة التي آجر بها نفسه بينهما نصفين واختلف إذا لم يكن للشريك الذي عمل بمال الشركة في ربح القراض ولا في الأجرة شيء على القول بأن ذلك للذي أخذ المال القراض وللذي آجر نفسه هل تكون له أجرة على الذي لم يعمل معه لانفراده بالعمل أم لا؟ فلم ير ابن القاسم في هذه الرواية ذلك له، ورأى ذلك أصبغ له بعد يمينه أنه لم يعمل على التطوع عن شريكه، وهذان القولان جاريان على أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم وهو السكوت هل يكون كالإذن أم لا؟ فقول أصبغ في هذه المسألة مثل قول عيسى بن دينار من رأيه في آخر رسم القطعان من سماع عيسى من هذا الكتاب في الرجل يزرع في أرض بينه وبين شريكه أن عليه كراء نصف الأرض لشريكه بعد يمينه إن كان حاضرا خلاف روايته عن ابن القاسم في أول سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق في الرجل يبني في أرض بينه وبين شريكه وهو حاضر أنه لا كراء عليه لشريكه في نصيبه، وذلك منصوص لابن القاسم في كتاب ابن المواز في مسألتنا بعينها، قال في شريكين خرجا إلى الريف فابتاعا طعاما فقدم أحدهما الفسطاط فأخذ قراضا فربح فيه، قال: ربحه
له، وعليه للذي بالريف أجرة مثله فيما ولي بالريف في حصته يريد بعد يمينه كما قال أصبغ، وكما قال عيسى بن دينار في الكراء.
وقول ابن القاسم: إن ربح مال القراض الذي عمل به لا يكون بين الشريكين إذا قال: إنما عملت به لنفسي وكذلك الأجرة.
وأما لو قال: إنما عملت بذلك على أن يكون الربح أو الأجرة بيني وبين شريكي عوضا عن عمل شريكي في مال الشركة لوجب أن يكون الشريك مخيرا بين أن يأخذ ذلك عوضا عن عمله وبين أن يسلمه له ويتبعه بأجرة عمله في حصته.
ولو قال: إنما عملت بذلك على أن يكون الربح والأجرة بيني وبينه على سبيل التفضل عليه لكان ذلك منه عدة تجري على الاختلاف في وجوب الحكم بالعدة إذا كانت على غير سبب، فقيل: إنها لا تلزم وهو المشهور، وقيل: إنها تلزم، وهو ظاهر قول غير ابن القاسم في كتاب الشركة من المدونة لأنه جعل ذلك من وجه قول الرجل للرجل لك ما أربح في هذه السلعة، فله أن يقوم عليه بذلك ما لم يفت أو يذهب أو يفلس.
وقول أشهب في هذه الرواية: أرأيت لو تسلف مالا فعمل به فربح لكان ربحه بينهما ليس بحجة على ابن القاسم، إذ لا يسلم ذلك ولا يقول به، والذي يأتي على مذهبه في المدونة أن الربح له، وضمان السلف عليه، إلا أن يعلم بذلك الشريك ويعمل معه فيكون الربح بينهما، ويكون نصف المال سلفا للشريك الذي استسلفه على شريكه، ولو عمل وحده بالمال الذي استسلفه على أن يكون الربح بينهما ويكون نصف المال له سلفا عليه لما لزمه ذلك إلا أن يشاء إذ لا يلزم أحدا قبول معروف أحد، ولو عمل بالمال الذي استسلفه وحده على أن يكون الربح بينهما على سبيل التفضل لجرى ذلك على الاختلاف في لزوم العدة على غير سبب وبالله تعالى التوفيق.
: وقف على رجل يشتري سلعة فوقف لا يتكلم حتى لما وجب البيع قال أنا شريكك
من سماع أبي زيد بن أبي
الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم عن رجل وقف على رجل يشتري سلعة فوقف لا يتكلم حتى لما وجب البيع قال الرجل: أنا شريكك، فقال المشتري: لا أشركك وإنما قال له ذلك بعد وجوب البيع قال: يشركه إن شاء، وإن أبى ألقي في الحبس حتى يفعل إذا كان إنما اشتراه ليبيعه إلا أن يكون اشتراه لمنزله أو ليخرج به إلى بلد آخر فلا يكون له في هذا شركة.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى القول عليها مستوفى في أول نوازل أصبغ من جامع البيوع فلا معنى لإعادته والقول فيه باختصار أن الشركة على مذهب مالك لازمة لأهل الأسواق فيما اشتروا للتجارة على غير المزايدة لما كان من الطعام في سوق الطعام لأهل التجارة في ذلك النوع باتفاق، ولما كان من غير الطعام وإن كان في سوق تلك السلعة أو في غير السوق وإن كان من الطعام أو لغير أهل التجارة في ذلك النوع باختلاف، وقولي في غير السوق أعني في بعض الأزقة، وأما ما ابتاعه الرجل في داره أو حانوته فلا شرك لأحد معه ممن حضر الشراء باتفاق.
فيتحصل في الطعام أربعة أقوال أيضا أحدها أن الشركة تجب لمن حضر البيع وإن لم يكن في السوق ولا كان من أهل التجارة بذلك النوع والثاني أنها لا تجب له إلا أن يكون ذلك بالسوق وأن يكون من التجارة بذلك النوع، والرابع الشركة تجب له وإن لم يكن من أهل التجارة بذلك النوع إذا كان ذلك في السوق، ومجموع المسألة خمسة أقوال، الأربعة التي ذكرناها والخامس الفرق بين الطعام وبين ما سواه من السلع ورأى مالك الحكم بالشركة في ذلك بين أهل الأسواق لنفي الضرر عنهم مخافة إفساد بعضهم على بعض بالزيادة
عليه، ومما يشبه ذلك من منفعة العامة «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أن يبيع حاضر لبادي» ، فمنه أخذه مالك والله أعلم، وهذا كله فيما اشترى للتجارة وأما ما اشترى لغير التجارة فالحكم بالشركة فيه باتفاق وبالله التوفيق.
مسألة: وقف لشراء سلعة فقال له أشركني فقال له نعم ثم قال أشركتك بالربع
مسألة وسئل عن رجل وقف لشراء سلعة فقال له رجل: أشركني، فقال له: نعم ثم قال: إنما أشركتك بالربع أو بالثلث، قال: القول قوله مع يمينه إلا أن يكون أشركه ببينة، قيل له: فإن قال له: أشركتك ولم أرد ثلثا ولا نصفا ولا أقل ولا أكثر إلا أني قد أشركتك، فقال: يكون له النصف.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم سن من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
مسألة: قال لرجل اذهب فاشتر من فلان بقرة عنده وأشركني فيها وانقد عني
مسألة وقال في رجل قال لرجل: اذهب فاشتر من فلان بقرة عنده وأشركني فيها وانقد عني، قال: لا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال إنه لا بأس بذلك لأنه أشركه ونقد عنه ففعل معه معروفين وقد مضى في رسم استأذن من سماع عيسى ما فيه بيان ذلك وبالله التوفيق.
مسألة: عين بين نفر فكان لأحدهم السقي بالليل وللآخرالسقي بالنهار
مسألة وعن عين بين نفر فكان لأحدهم السقي بالليل وللآخر السقي بالنهار فأجرى الماء في زرعه بالليل وترك زرع الذي له السقي بالليل قال: عليه قيمة ذلك الماء، ولا سقي له بالنهار؛ لأن سقي الليل
ليس يشبه سقي النهار وسقي الليل أفضل إلا أن يكون له سقي بالليل فيعطيه سقية بالليل مكانها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى لا اختلاف فيها وهي ترد قول أصبغ في رسم البيوع العاشر من سماعه من كتاب السلم والآجال في سلف الماء أنه لا ينظر فيه إلى الأزمان ولا يعتبر بها فيه، فترد تلك إلى هذه ولا ترد هذه إلى تلك وقد مضى الكلام على قول أصبغ في موضعه مستوفى فلا وجه لإعادته وبالله التوفيق.
تم كتاب الشركة بحمد الله تعالى وحسن عونه والصلاة الكاملة على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما اللهم عونك.
: كتاب الشفعة
مسألة: باع شقصا له في دار مشتركة فسلم بعض الشركاء وأبى بعضهم
كتاب الشفعة
من سماع ابن القاسم من مالك رواية
سحنون من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سمعت مالكا قال: من باع شقصا له في دار مشتركة فسلم بعض الشركاء وأبى بعضهم إلا أن يأخذ بشفعته إن ذلك له يأخذ جميع ما باع شريكه نصيبه ونصيب من سلم من شركائه.
قال محمد بن رشد: أما إذا سلم أحد الشفعاء بعد وجوبها له ولم يقل لك ولا له على وجه تركها وكراهة الأخذ بها فلا اختلاف ولا إشكال في أن لمن بقي من الشفعاء أن يأخذ حظه وحظ من سلم من شركائه.
وأما إن قال للمشتري: قد سلمت لك شفعتي أو قال لمن سأله ذلك: قد سلمت لك شفعتي فقد وقع لأصبغ في الواضحة أن تسليمه الشفعة له إن كان على وجه الهبة والعطية للمشتري فليس له أن يأخذ بالشفعة إلا حظه وحظ من يسلم للمشتري وللمشتري سهام المسلمين، فإذا صح على قول أصبغ هذا
للمشتري بالهبة حظ المسلم ولم يكن لمن سواه من الشفعاء أخذه فكذلك البيع غلى هذا القياس ينزل المشتري منزلة الشفيع للبائع الشفعة فلا يكون لمن سواه من الشفعاء شفعة إلا أن يكونوا بمنزلته فيكون لهم منها بقدر حظوظهم وعلى هذا تأول ابن لبابة رواية ابن القاسم عن مالك في أنه لا يجوز أن يبيع الرجل شفعة قد وجبت له ولا يهبها فقال: معناه من غير المبتاع واستدل على تأويله برواية جلبها من كتاب الدعوى والصلح، قال: يجوز أن يبيع شفعته من المبتاع بعد وجوب صفقته قبل أن يستشفع ولا يجوز له بيع ذلك من غيره ومثل هذا حكي أيضا عن مالك من رواية أشهب عنه أنه قال: ولا يجوز له أن يبيعها من غير المبتاع قبل أن يأخذ شفعته، واختار هو من رأيه أن لا يبيع الشفعة ولا يهبها لا من المبتاع ولا من غيره وهو الصواب والروايات التي جلبها ليست بجلية لاحتمال أن يتأول على أنه إنما أراد بها أخذ العوض من المبتاع على تسليم الشفعة له بما يجوز له بعد وجوب الصفقة وسمي ذلك بيعا لما فيه من شبهة البيع، وقول أصبغ بعيد شاذ في النظر وحكى ابن لبابة أيضا أنه رأى ابن الحسار يعقد لنفسه وثيقة شراء نصيب رجل من مال وما وجب له من الاستشفاع في نصيب كان بيع من ذلك المال قبل ذلك، قال: فلما تمت الوثيقة قال لي: هذه من غرائب النتيجات التي لا يعرفها والله غيرنا، يريدني ونفسه.
فالذي يتحصل في هذا أنه لا يجوز للشفيع أن يهب ما وجب له من الاستشفاع لغير المبتاع ولا بيعه منه.
واختلف هل له أن يهب ذلك للمبتاع أو يبيعه منه أم لا على قولين، أحدهما أن ذلك جائز ويختص المشتري بما اشترى فلا يكون لغير البائع أو الواهب من الشفعاء عليه شفعة إلا أن يكون بمنزلته فيكون لهم منها بقدر حقوقهم والثاني أن ذلك لا يجوز وينفسخ البيع فيكون الشفيع على شفعته وينفسخ أيضا حكم الهبة فيمضي على حكم التسليم.
وأما بيع الشفيع نصيبه الذي يستشفع قبل أخذه بالشفعة فلا يجوز
باتفاق وكذلك هبته لا تلزم باتفاق وأما تسليم الشفعة بمال بعد وجوبها له فجائز باتفاق وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
: باع نصف أرضه بأرض آخر
ومن كتاب حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان قال: وسئل مالك عن رجل باع نصف أرضه بأرض آخر أو زيادة دنانير أترى له شفعة؟ قال: نعم، ويكون عليه قيمة أرضه التي أخذها، قال: وقال ابن القاسم وقد كان يبلغنا من بعض إخواننا أنه كان من قول مالك وغيره من المدنيين أنه إذا علم أنه أراد المناقلة والسكنى ولم يرد وجه البيع ولم يكن يرضى أن يخرج من داره ويقعد لا دار له، وكان بعض المدنيين يذكر ذلك ويذكر عن ربيعة أنه لا شفعة في ذلك فكلمنا مالكا وحاججناه بوجه السكنى وإنما أراد المناقلة ولم يكن ذلك منه على وجه البيع فلم يره شيئا وأنثره وكأنه قاله ورجع عنه، واتبع الحديث ورآه بيعا من البيوع، وقال: الشفعة فيه، قال: وكذلك لو أعطاها امرأة في صداقها وإنما تزوجها لهواه فيها فأرى الشفعة فيها ولم ير الذي ذكر عنه شيئا، قال ابن القاسم: وهو رأي وهو الشأن، قال مطرف وابن الماجشون: الذي قال مالك لا شفعة فيه إنما ذلك في المناقلة بين الشركاء في المسكنين أو الحائطين أو في الأرضين يناقل أحدهم بعض أشراكه يعطيه حظه في هذه الدار وهذه الأرض وهذا الحائط يحط صاحبه في الدار الأخرى أو الأرض الأخرى أو الأريط الآخر فيصير حظه من ذينك الشيئين المفترقين في شيء واحد منهما، فهذه المناقلة التي قال مالك لا شفعة فيها للشركاء لأنه لم يرد وجه البيع إنما أراد التوسع في حظه وجمعه لكي ينتفع به، وأما إذا ناقل بنصيبه من هذه
المشتركة بدار أخرى أو أرض أخرى لا نصيب له فيها ولا حظ لكانت في ذلك الشفعة ولجرى مجرى البيع وليس مجرى المناقلة، وسواء عامل بذلك بعض شركائه أو أجنبيا ممن لا شرك له معه.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة سئل مالك عن رجل باع نصف أرضه بأرض أخرى معناه نصف نصيبه بأرض أخرى وهذه مسألة فيها اختلاف ولها تفصيل، وتحصيل القول أنه لم يختلف قول مالك في أن في الشقص المبيع الشفعة إذا بيع بعين أو بعرض، فأما إن باع الرجل شقصه من شريكه أو من أجنبي بأصل أو شقص من أصل له فيه شرك أو لا شرك له فيه فمذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أن في ذلك كله الشفعة، ووقع هنا ما ظاهره أن قول مالك اختلف في ذلك كله، وأنه كان يقول: إذا علم أنه أراد المناقلة والسكنى ولم يرد وجه البيع إنه لا شفعة في ذلك، وأن بعض المدنيين كان يذكر ذلك وأنه قول ربيعة، فعلى هذا تكون المناقلة اختلف في وجوب الشفعة فيها في هذه الأربعة وجوه، وحكى العتبي عن مطرف وابن الماجشون أنهما قالا: إن المناقلة التي قال مالك: لا شفعة فيها إنما هي أن يبيع الرجل شقصه من شريكه بشقص من أصل له فيه شرك، فيكون كل واحد منهما إنما أراد التوسع في حظه مما صار إليه من حظ شريكه عوضا عما عاوضه به، فعلى هذا المناقلة إنما تكون في هذا الوجه الواحد من الأربعة الأوجه المذكورة وروى أبو زيد عن مطرف في الدار تكون بين الرجلين فيبيع أحدهما شقصه، من شريكه بشقص من أصل له مع شريك آخر أنه لا شفعة لهذا الشريك الآخر في هذا الشقص؛ لأنه لم يقصد به البيع وإنما أراد التوسع في حظه، وكذلك على قول مطرف هذا لو كانت دار بين ثلاثة نفر فباع أحدهم حظه من أحد شريكيه بأصل فلا شفعة للشريك الثالث الذي لم يرد البيع وإنما أراد التوسع في حظه، فعلى قول مطرف هذا تكون المناقلة المختلف في إيجاب الشفعة فيها في ثلاثة وجوه، وأصله أنك متى وجدت أحد المتعاوضين في الأصول قد
أخذ من صاحبه شقصا فيما له فيه شقص فهي المناقلة التي لا شفعة فيها فعلى رواية مطرف وابن الماجشون أن المعاملة في الأصول لا تكون مناقلة وتسقط فيها الشفعة حتى يكون كل واحد منهما قد أخذ من صاحبه شقصا فيما له فيه شقص.
وعلى ظاهر ما وقع في هذه المسألة من رواية ابن القاسم عن مالك أن المعاملة في الأصول كيف ما وقعت فهي مناقلة لا تجب فيها الشفعة على أحد القولين، ففي تعيين المناقلة المختلف في إيجاب الشفعة فيها ثلاثة أقوال على ما بيناه، وفي المدنية لابن كنانة أنه سئل عن ورثة بينهم أرض هم فيها أشراك فقال رجل من الورثة للورثة: أعطوني حقي في مكان واحد واجمعوا لي أرضي في ناحية واحدة فرضوا بذلك وفعلوا ثم إن الشركاء في الأرض أرادوا الأخذ بشفعتهم وقالوا: قد بعت قال: يحلف الذي جمعت له أرضه في مكان واحد بالله ما أردت بيعا وما أردت إلا أن يجمع لي أرضي في مكان واحد فإذا حلف احتبس أرضه ولم يكن لأولئك فيها شفعة، قال عيسى: قال ابن القاسم: لا شفعة فيه وقول ابن القاسم هو الصحيح وأما قول ابن كنانة فهو بعيد لأن ذلك ليس ببيع وإنما هي قسمة وليس لأحد المتقاسمين على صاحبه شفعة وبالله التوفيق.
مسألة: أخوين ورثا دارين فباع أحدهما أحد الدارين
مسألة وسئل مالك عن أخوين ورثا دارين فباع أحدهما أحد الدارين فعلم أخوه الذي لم يبع فقال: أنا آخذ هذه الدار التي بعت بشفعتي وأقاسمك الأخرى، فقال له الذي باع: ليس لك ذلك ولكن أقاسمك الدارين فإن تقع الدار التي بعت لي نفذ بيعي وإلا تقع لي بطل بيعي وتكون لك قال مالك: ليس ذلك له وأرى أن يأخذها أخوه بشفعته فيها ويقاسمه الأخرى وليس له أن يأبى ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في آخر كتاب الشفعة من المدونة في الدار تكون بين الرجلين فيبيع أحدهما طائفة منها بعينها ولا اختلاف فيها
عندي من أجل حق المشتري، بخلاف مسألة أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق في أرض بين الرجلين يبني أحدهما فيها بنيانا وشريكة غائب أنهما يقتسمان الأرض فإن كان بنيانه فيما صار له من الأرض كان له وكان عليه من الكراء بقدر ما انتفع من نصيب صاحبه، وإن كان البنيان والغرس في نصيب غيره خير الذي صار له في نصيبه بين أن يعطيه قيمته منقوضا وبين أن يسلم إليه نقضه ينقله ويكون له أيضا من الكراء على الباقي بقدر ما انتفع به من مصابة صاحبه الغائب لأن ذلك إنما يكون إذا اختلفا في القسمة فدعا إليها أحدهما ودعا أحدهما إلى أن يحكم بينهما في الغرس والبناء قبل القسمة حسبما ذكرناه هناك فيدخل في تلك الخلاف من هذه ولا يدخل من هذه الخلاف في تلك من أجل حق المبتاع لأنه قد يقول: وجب لي حظ البائع من الدار فليس لكما أن تقتسما قبل مخافة أن تصير الدار لغير البائع فيبطل جميع شرائي فالواجب أن يأخذ الشريك نصف الدار بالاستحقاق ونصفها بالشفعة إلا أن يتفقا على القسمة قبل ويرضى بذلك المبتاع فيجوز وبالله التوفيق.
: باع شركا له في دار فأقام شريكة تسعة أشهر ثم طلب أن يأخذ بالشفعة
ومن كتاب البز
وسئل مالك عن رجل باع شركا له في دار فأقام شريكة تسعة أشهر ثم طلب أن يأخذ بالشفعة أترى ذلك به؟ قال: نعم ما تسعة أشهر عندي بكثير، وإني أرى أن يحلف بالله ما كانت إقامته تركا لشفعته ويأخذ شفعته في هذا إلا أن يأتي من ذلك ما يطول زمانه.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة.
في التسعة الأشهر والسنة لأنه لم ير السنة فيها كثيرا ولو قام بعد الشهر أو الشهرين لم يكن عليه يمين على مما قال في رسم الشجرة بعد هذا إلا أن يكون قد كتب شهادته في عقد الشراء فيلزمه اليمين إن قام بقرب ذلك بعد العشرة الأيام ونحوها على ما قاله بعد هذا في رسم باع، ولو كتب شهادته في عقد الشراء ولم يقم إلا بعد
شهرين لم يكن له شفعة.
فتحصيل هذه المسألة أنه إن لم يكتب شهادته وقام بالقرب مثل الشهر والشهرين كانت له الشفعة دون يمين، وإن لم يقم إلا بعد السبعة أو التسعة أو السنة على ما في المدونة كانت له الشفعة بعد يمينه أنه لم يترك القيام راضيا بإسقاط حقه، وإن طال الأمر أكثر من السنة لم تكن له شفعة، وأما إن كتب شهادته وقام بالقرب أو العشرة الأيام ونحوها كانت له الشفعة بعد يمينه، وإن لم يقم إلا بعد الشهرين لم يكن له شفعة وإذا قال: لم أعلم بالشفعة فالقول قوله مع يمينه، وإن كان حاضرا بالبلد وإن كان بعد أربع سنين، قاله ابن عبد الحكم.
وقد اختلف في الحد الذي تنقطع فيه شفعة الحاضر بمجرد السكوت بعد العلم بالبيع على أربعة أقوال أحدها أن حده السنة وهو قول أشهب وروايته عن مالك والثاني قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة أن السنة قليل ولا ينقطع إلا فيما فرق السنة والثالث قول مطرف وابن الماجشون أنه على شفعته ما لم يوقفه الإمام على الأخذ أو الترك أو يتركها طوعا منه ويشهد بذلك على نفسه أو يمضي من طول الزمان ما يدل على أنه كان تركا له والخمس سنين قليل إلا أن يحدث المشتري فيها بنيانا أو عرشا فتنقطع شفعته في أقل من ذلك، فكأنهما رأيا الحد في ذلك ما تكون فيه الحيازة، والرابع أنه على شفعته وإن طال ما لم يصرح بتركها روى ذلك عن مالك وهو مذهب الشافعي وأبو حنيفة يقول بضد ذلك أن الشفعة إنما هي الوقوف فإن لم يقم بشفعته ساعة علم بالبيع فلا شفعة له، وهو قول خامس في المسألة وبالله التوفيق.
: أربعة إخوة باع أحدهم نصيبه من دار لهم فسلم إخوته للمشتري ما اشترى
ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء في الحرس وسئل مالك عن أربعة إخوة باع أحدهم نصيبه من دار لهم
فسلم إخوته للمشتري ما اشترى أتراه شفيعا معهم إذا باع أحد منهم؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال وهو مما لا أعلم فيه اختلافا؛ لأن المبتاع يحل محل بائعه، واختلف لو كان المبتاعون لسهم الواحد جماعة فباع أحدهم حظه فقال ابن القاسم: لا يكون أشراكه أحق بالشفعة من أشراك البائع منهم، وقال أشهب: أشراكه أحق بالشفعة من أشراك البائع لأنهم كأهل سهم واحد وبالله تعالى التوفيق.
: الشفعة في الصدقة
ومن كتاب أوله كتب
عليه ذكر حق وسئل مالك عن حائط بين رجلين تصدق أحدهما بنصيبه على قوم وعلى عقبهم ما عاشوا، ثم إن الشريك باع نصيبه فأراد أهل الصدقة أن يأخذوا حصة شريكهم بالشفعة، قال مالك: ليس لهم في مثل هذا شفعة، إنما هي صدقة فما أرى الشفعة تكون في الصدقة، قال: وسمعته يقول غير مرة: قال ابن القاسم وبلغني عن مالك أنه قال: إذا أراد صاحب المتصدق أن يأخذ بالشفعة لم يكن ذلك له إلا أن يلحقه بالحبس فيكون ذلك له.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن أهل الصدقة أرادوا أن يأخذوا بالشفعة لأنفسهم ملكا فلذلك لم ير لهم شفعة ولو أرادوا أن يأخذوا بالشفعة ليلحقوها بالحبس لكان ذلك لهم، وكذلك لو أراد المحبس أن يأخذ بالشفعة لنفسه لم يكن ذلك له ولو أراد أن يأخذ بها يلحقها بالحبس كان ذلك له، وعلى قياس هذا لو أراد رجل أجنبي أن يأخذ بالشفعة للحبس لكان ذلك له، وهذا على القول بأن من تصدق على رجل عقبه بعقار ما عاشوا فإنها لا ترجع للمحبس بحال أبدا وتكون ملكا لآخر العقب على ما روى أشهب عن
مالك في كتاب الحبس أو يرجع بمرجع الأحباس على ما حكاه ابن عبدوس وهو قول مالك وبعض رجاله في المدونة وأما على القول بأنه يرجع إلى المحبس ملكا بعد انقراض المتصدق عليه وعقبه فللمحبس أن يأخذ بالشفعة لنفسه على ما حكى ابن حبيب عن مطرف من أن الحبس إذا كان له مرجع إلى المحبس فالشفعة له مال من ماله وبالله التوفيق.
: باع شقصا له في أرض وشفيعه حاضر وشهد فيها
ومن كتاب باع غلاما وسئل مالك عن رجل باع شقصا له في أرض وشفيعه حاضر وشهد فيها، ثم إنه بدا له بعد عشرة أيام ونحوها أن يأخذها بالشفعة قال أرى ذلك له وأشد ما عليه أن يحلف بالله ما كان ذلك منه تركا لشفعته ثم يأخذ ماله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى تحصيل القول فيها في رسم البز قبل هذا فلا معنى لإعادة شيء من ذلك وبالله التوفيق.
: لهم ثمرة حائط صدقة أراد أحدهم أن يبيع أترى لهم شفعة
ومن كتاب صلى نهارا
ثلاث ركعات وسئل عن قوم لهم ثمرة حائط صدقة فأراد رجل ممن له أصل في ذلك الحائط أن يبيع أترى لهم شفعة؟ قال: لا شفعة لهم، وإنما الشفعة لمن كان له أصل مال، قال مالك: ولو كان المحبس حيا وأراد أن يأخذ بالشفعة ليلحق ذلك بحبسه كان ذلك له، وإن لم يكن يريد أن يلحقه بحبسه فلا شفعة له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى تحصيل القول فيها في
رسم كتب عليه ذكر حق فلا معنى لإعادته وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
: الشريكين في الدار يبيع أحدهما نصيبه ثم يريد الآخر أخذ الشفعة
ومن كتاب الشجرة وسئل عن الشريكين في الدار يبيع أحدهما نصيبه فيقيم شريكه شهرا أو شهرين لا يطلب ثم يريد أخذها، قال: ذلك له ما لم يتطاول ذلك، قلت له: أفترى الشهرين قريبا؟ قال: نعم قلت له: أفيحلف أن إقامته ما كانت تركا لذلك، قال: لا أرى عليه في مثل هذا يمينا إلا أن يأتي من ذلك ما يستنكر من تباعد ذلك فأرى أن يحلف.
قال محمد بن رشد: قد مضى تحصيل القول فيها في رسم البز قبل هذا فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
: اختلفا في الثمن وحقق كل واحد منهم الدعوى فيه على صاحبه
من سماع أشهب وابن نافع من مالك رواية سحنون قال سحنون: قال أشهب وابن نافع: سئل مالك عمن ابتاع شركا له في مال قيمته عند الناس عشرون ومائة درهم ثم زعم المشتري أنه ابتاعه بمائتي درهم وزعم البائع ذلك أيضا فأراد الذي له الشفعة أن يحلف البائع أو المبتاع، وزعم أنه إنما أراد أن يقطعا عليه شفعته ولم يأت على ذلك ببينة، قال ذلك في الأثمان مختلف لحاجتهم أما إذا كان المشتري السلطان أو الشريك في المال والجديد فيه أو الجار فإن هؤلاء ربما بالغوا في إعطاء الثمن لحاجتهم إلى ذلك وخفة مؤنته عليهم لقدرة السلطان وخفة الشأن عليه، ولرغبة الجديد فيه والجار في ذلك ولكراهية أن يشاركه أحد
فيه أو يجاوره، فإذا كان هذا فلا أرى على أحد يمينا؛ لأن بعض هؤلاء قد يشتري المال لهذا الأمر بأضعاف ثمنه، وأما إذا كان على غير هذا من الأمر الذي وصفت لك واشترى ذلك بما لا يعرف من الثمن فإني أرى على المبتاع اليمين بالله الذي لا إله إلا هو لقد ابتاعه بهذا الثمن ولا أرى على البائع يمينا لأنه لو أبى أن يحلف لم يكن عليه في ذلك شيء، وإنما اليمين على المبتاع إذا لم يكن على ما وصفت لك واشترى من الثمن ما يستنكر ولا يعرف.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة كان الشيوخ يحملونها على أنها خلاف لما في المدونة؛ لأنه قال فيها: القول قول المشتري ولا يمين عليه إلا أن يأتي بما لا يشبه، وقال في المدونة: القول قول المشتري يريد مع يمينه إلا أن يأتي بما لا يشبه فيصدق ويكون القول قول الشفيع، وليس ذلك بصحيح؛ لأن معنى رواية أشهب هذه أن الشفيع لم يحقق الدعوى على المشتري ولا ادعي معرفة الثمن، وإنما أراد أن يحلفه بالتهمة فلم يوجبها عليه إلا في الموضع الذي تظهر فيه التهمة وهو أن يأتي بما لا يشبه من الثمن، وذلك بين من سياقة المسألة، ومعنى ما في المدونة أنهما اختلفا في الثمن وحقق كل واحد منهم الدعوى فيه على صاحبه، فوجب أن يكون القول قول المشتري إذا أتى بما يشبه فإن لم يأت بما يشبه كان القول قول الشفيع إن أتى بما يشبه فإن لم يأت بما يشبه حلفا جميعا على دعواهما، وكانت له الشفعة بالقيمة، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر كان القول قول الحالف وإن أتى بما لا يشبه؛ لأن صاحبه قد أمكنه بنكوله من دعواه، ولا اختلاف عندي في هذه المسألة إذا اختلفا في الثمن وحقق كل واحد منهما الدعوى على صاحبه، وأما إذا لم يحقق الشفيع الدعوى على المشتري وأتى المشتري بما يشبه فقيل: إنه لا يمين عليه، وهو قول مالك في هذه الرواية، وقيل: القول قوله مع يمينه إلا أن تكون على ذلك بينة بتعاور البائع مع المشتري على ما ادعاه، وأما إن أتى بما لا
يشبه فقيل: القول قوله مع يمينه والشفيع بالخيار إن شاء أخذ بذلك وإن شاء ترك، وهو قول مالك في هذه الرواية، وقول مطرف في الواضحة، وقيل: إن الشفيع بالخيار إن شاء أن يأخذ بالقيمة أخذ لأن المشتري يتهم على تغيب الثمن لقطع الشفعة إلا أن تكون له بينة على مشاهدة السفقة والنقد، فيكون الشفيع مخيرا بين أن يأخذ بذلك أو يترك، وهو قول سحنون، ولا تأثير للبينة في هذا على تعاور البائع مع المشتري على الثمن الذي ادعاه، قاله ابن حبيب في الواضحة، ولا يمتنع عندي أن يكون له شاهد يحلف معه إذا كان عدلا ولم يتهم في شهادته على ما قاله ابن القاسم في أول سماع أبي زيد في مسألة اللؤلؤ؛ إذ لا تهمة عليه في شهادته له، وإنما كان يتهم لو شهد للشفيع على المشتري؛ لأنه يقلل العهدة على نفسه فيما يستحق من الشقص إن استحق منه شيء، وإذا اختلفا المتبايعان في ثمن الشقص فتحالفا وتفاسخا لم يكن للشفيع شفعة، ويشبه أن يكون له الشفعة إذا رضي أن تكون عهدته على البائع؛ لأنه يقر أن الشقص للمشتري، واختلف إن نكل المشتري وحلف البائع فقيل: يأخذ الشفيع إن شاء بالثمن الذي حلف عليه البائع، وقيل: بل يأخذ بالثمن الذي أقر المشتري أنه اشتراه به، ولكلا القولين وجه، والأظهر ألا يكون للشفيع أن يأخذ إلا بالثمن الذي حلف عليه البائع وأخذه، ولا إشكال إذا حلف المشتري ونكل البائع في أنه يأخذ بما حلف عليه المشتري وبالله التوفيق.
مسألة: الشفعة في الأرض وفي كل ما أنبتت الأرض
مسألة وسئل مالك هل في الثمرة شفعة؟ فقيل: أفي رؤوس النخل هي؟ فقيل: نعم، قال فيه الشفعة، وإنما تكون الشفعة في الأرض وفي كل ما أنبتت الأرض، وسئل هل في الزرع شفعة؟ قال: لا إن كان قبل أن يحل بيعه، فهذا لا يصلح، وإن كان بعد أن يبس واستحصد وحل بيعه فلا يصلح أن يقتسماه إلا بكيل ولا تكون
الشفعة في مثل هذا وليس هذا مثل الأول.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله في أول هذه المسألة، وإنما تكون الشفعة في الأرض وفي كل ما أنبتت الأرض أن في الزرع الشفعة خلاف ما نص عليه بعد ذلك، وفي المدونة من أنه لا شفعة في الزرع وفي تعليله سقوط الشفعة في الزرع هاهنا وفي المدونة بأن بيعه لا يجوز حتى ييبس فإذا يبس لم يصلح أن يقتسم إلا بالكيل ما يدل على أن الشفعة تجب فيه إذا بيع بعد أن افترك، وقبل أن ييبس على مذهب من يجير ذلك من أهل العلم أو يرى العقد فيه فوتا إذا وقع من أصحابنا أو إذا بيع مع الأصل بعد أن نبت؛ لأنه قد وقع عليه حصته من الثمن، وقد قيل: إن الشفعة فيه إذا بيع مع الأصل قبل أن ينبت لأنه قد وقع عليه حصة من الثمن، وقد قيل: إن الشفعة فيه إذا بيع مع الأصل قبل أن ينبت لأنه قد وقع عليه حصته من الثمن على كل حال لما فيه من البذر الذي قد أخرجه البائع من عنده بخلاف الثمرة إذا بيعت مع الأصل قبل أن تؤبر لأنها إذا لم تؤبر فلم يقع عليها حصة من الثمن فإنما يأخذها الشفيع بالشفعة على مذهب ابن القاسم ما لم تجد من جهة الاستحقاق لا من جهة الشفعة، فاختلاف قول مالك في إيجاب الشفعة في الزرع على أصل قد اختلف فيه قوله اختلافا واحدا وهو ما كان متشبثا بالأصول ومتصلا بها كالثمرة والكراء ورقيق الحائط إذا بيعوا مع الحائط والرحا إذا بيعت مع الأصل والماء، والنقض إذا بيعا دون الأصل فمرة قال مالك: في ذلك كله الشفعة لتعلقه بأصل ما فيه الشفعة، ومرة قال: إن ذلك كالعروض المنفصلة من الأرض فلا شفعة فيها، وفي قوله أيضا: إن الشفعة في كل ما أنبتت الأرض دليل ظاهر من جهة العموم أن الشفعة واجبة في القول، وسيأتي القول على ذلك في آخر سماع أبي زيد إن شاء الله وبه التوفيق.
: باع شقصا في حائط غائب
ومن كتاب أوله مسائل بيوع وسئل عمن باع شقصا في حائط غائب فقال الشفيع: حتى
أذهب فأنظر إلى شفعته وهي ليست معه في القرية، قال: ليس ذلك له فراجعه السائل، فقال: إن كان الحائط على ساعة من نهار فذلك له وإلا فليس ذلك له يخرج فيقيم أيضا عشرة أيام ثم يجيء.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب ابن المواز وظاهر ما في المدونة من أن الشفيع إنما يؤخر في النقد لا في الارتياء في الأخذ، وهو مثل ما في هذا السماع من كتاب الإيلاء في المولى يوقف أنه ليس له في ذلك أجل يترك إليه لينظر، وإنما هو في مجلسه ذلك، ومثل ما في كتاب النكاح الثالث من المدونة في الزوجين المجوسيين يسلم الزوج فيعرض عليها الإسلام أنه يفرق بينها إن لم تسلم ولا تؤخر، بخلاف إذا غفل عن عرض الإسلام عليها ومثله المملكة يوقفها السلطان أنها لا تؤخر لتستشير وتنظر وهو عذر للشفيع يغيب عنه الحائط وإن كان لم يره أو كان قد رآه وطال عهده به وصف كما توصف الأرض والدار الغائبة، وقد قال ابن عبد الحكم في المختصر: يؤخر الإمام اليومين والثلاثة يستشير وينظر، قاله والله أعلم قياسا على استتابة المرتد وعلى حديث المصراة، ولا يبعد دخول هذا الاختلاف في هذه المسائل كلها لقرب معانيها، والأصل في الثلاثة الأيام في هذه المعاني قول الله عز وجل: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: 65] ومنه أخذ القضاة التلوم ثلاثة أيام بعد الآجال ومنه استظهار الحائض بثلاثة أيام وبالله التوفيق.
مسألة: الدار تكون بين الرجلين فيبيع أحدهما نصيبه وشريكه مفلس
مسألة قال: وسئل عن الدار تكون بين الرجلين فيبيع أحدهما نصيبه وشريكه مفلس فيقول له رجل من الناس: خذ بالشفعة وأنا أربحك كذا
وكذا فأخذ بالشفعة فيسلم إليه الشفعة فيعطيه الذي أربحه فيظهر بعد على أنه أخذها لغيره ويقر بذلك ويقول: لم يكن لي شيء وقال لي هذا الرجل: خذه ولك كذا كذا، فقال مالك: أما أصل البيع فلا يجوز، ولكن من أين يعلم هذا أنه قال له ذلك؟ فقيل له: يقر بذلك صاحب الشفعة، فقال: ليس إقراره بشيء ولكن لو ثبت ببينة أو أمر ثابت رأيت أن يرد في رأي المشتري لأنة إنما أخذ الشفعة لغيره ولكن كيف يعلم هذا وإذا علم رد.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه ليس للشفيع أن يأخذ بالشفعة لغيره؛ لأن الحق إنما هو له لدفع الضرر عن نفسه، قيل: ضرر الاشتراك وقيل: ضرر القسمة، وكذلك ليس له أن يأخذ بالبيع، وقد قالوا في المديان: إن له أن يأخذ بالشفعة فيباع لغرمائه، وفي ذلك نظر؛ لأنه إنما يأخذ للبيع وقد استحسن أشهب ألا يكون ذلك، وأما المريض فإنه يأخذ بالشفعة ولا اعتراض في ذلك، وإن كان أخذه في هذه الحال إنما هو لورثته لأنه إن لم يأخذ ذلك في مرضه كان لهم أن يأخذوه لأنفسهم بعد موته وبالله التوفيق.
مسألة: يوصي في حائط له لقوم بثلثه أو بسهم منه معلوم أو أجر معلوم فيبيع بعضهم
مسألة قلت لمالك: أرأيت الذي يوصي في حائط له لقوم بثلثه أو بسهم منه معلوم أو أجر معلوم فيبيع بعضهم؟ فقال: إذا باع بعضهم فشركاؤه في ذلك الثلث أو ذلك السهم أحق بالشفعة فيما باع شريكهم فيه ثمن أهل الحائط.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا في رواية أشهب عنه أن الموصى لهم أهل سهم واحد مثله في كتاب ابن المواز وحكاه عن أشهب وابن عبد الحكم وحكاه الفضل عن عيسى بن دينار وابن القاسم بجعلهم كالعصبة فيرى للورثة الدخول معهم، وعلى هذا الاختلاف يختلف في الموصى له
بجزء يطرأ على الورثة فقيل: إنه بمنزلة طرو الغريم على الورثة، وإلى هذا ذهب ابن حبيب وهو على قياس قول ابن القاسم، وقيل: إنه بمنزلة طرو الوارث على الورثة، وهو مذهب ابن القاسم، وذلك يرد قوله أن الموصى لهم ليسوا بأهل سهم وبالله التوفيق.
مسألة: العصبة يرثون ما بقي من المال أيكونون أحق بالشفعة بينهم
مسألة قلت: أرأيت العصبة يرثون ما بقي من المال أيكونون أحق بالشفعة بينهم؟ فقال: لا.
قال محمد بن رشد: قد روي عن مالك في العصبة أنهم أهل سهم وهو بعيد لم يأخذ به ابن القاسم ورآه خطأ وبالله التوفيق.
مسألة: يأتي إليه فيقول له إني ابتعت أرضا لفلان فهل تريد الأخذ بالشفعة
مسألة وسئل عمن ابتاع من رجل شقصا له في أرض ثم يأتي إلى الشفيع فيقول له: إني ابتعت أرضا لفلان فإن كان لك بالشفعة حاجة فخذها، فيقول: بكم ابتعتها؟ فيقول: بألف دينار فيقول الشفيع: ليس هذا ثمنها ولقد اشتريتها بأقل من هذا فاحلف لي لقد اشتريتها بهذا الثمن على منبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: ذلك يختلف، أما في الثمن الكثير المتفاوت إذا علم أنه ليس ثمنها فإن على المشتري أن يحلف لقد اشتريتها بذلك، ولا أرى على البائع يمينا، والمشتري هو الذي له الأرض والذي يؤخذ منه بالشفعة، فأرى عليه اليمين على منبر الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإنما يكون ذلك عليه واجبا إذا جاء بما لا يشبه ثمن الأرض.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام فيها مستوفى في أول السماع فلا معنى لإعادته وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: يشتري البقعة فيبني فيها ويعمر فيأتي من يستحقها بشفعة
مسألة قال: وسئل عن الذي يشتري البقعة فيبني فيها ويعمر فيأتي من يستحقها بشفعة فيقول الثاني: أعطني ما أنفقت، فقال: ليس إلا قيمة ما بنى يوم يأخذ الرجل بالشفعة بنى بنيانها فانهدم أو فسده المطر أو مال أو انكسر أو خرب.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في سماع أشهب من كتاب الاستحقاق فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
: له أرض مشتركة مع قوم فأفلس وعليه دين فبيعت الأرض فيه
ومن كتاب البيوع الأولى وسئل عن رجل كانت له أرض مشتركة مع قوم فأفلس وعليه دين فبيعت الأرض فيه يريد بأمر السلطان هل فيها شفعة؟ قال: نعم، وليس السلطان يقطع الشفعة.
قال محمد بن رشد: أشهب يستحسن ألا يكون في هذا شفعة، وقد مضى القول على هذا في الرسم الذي قبل هذا والله الموفق.
: الثمرة هل فيها شفعة
من سماع عيسى من ابن القاسم من كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده قال عيسى: سألت ابن القاسم عن الثمرة هل فيها شفعة؟ قال: نعم قلت: فإن أصابت الثمرة جائحة هل يرجع آخذ الشفعة على بائع الثمرة بشيء؟ قال: نعم، قلت: فعلى من يرجع أعلى شريكه الذي باع منه أو على آخذ الشفعة من يديه؟ قال: على الذي أخذها من يديه، قال عيسى: ويرجع المشتري على البائع.
قال محمد بن رشد: قوله في الثمرة: إن فيها الشفعة يريد ما لم تيبس فهو نص قوله في المدونة ودليل قوله هاهنا إذا قال: إن الجائحة فيها إذ لو كان من مذهبه أن الشفعة فيها وإن يبست ما لم تجد ما أطلق القول بوجوب الجائحة فيها، ولقال: إن الجائحة تجب فيها إذا استشفعها قبل أن تيبس وقد قال ابن القاسم: إن فيها الشفعة وإن يبست ما لم تجد إذا اشتراها مع الأصول بعد الطياب، ولا فرق بين المسألتين فهو اختلاف من قوله مرة رأى في الثمرة الشفعة ما لم تيبس، ومرة رآها فيها ما لم تجد وقوله عندي ما لم تجد أو ما لم يزبب على ما قاله في المدونة معناه ما لم تبلغ حد جدادها للتيبيس أو التزبيب إذ لا تيبس الثمرة في أصولها حتى تجد منها، فالمعنى على ذلك في هذا القول أن الشفعة فيها ما لم يجد جدادها للتيبس إن كانت مما ييبس أو للأكل خضراء إن كانت مما لا ييبس وكذلك قال ابن كنانة في المدنية أن الشفعة في الثمرة ما لم تيبس، وقوله الثاني: إن الشفعة فيها وإن حان جدادها ما لم تجد.
وقوله في الرواية: إن الجائحة فيها صحيح على المشهور في المذهب من أن الأخذ بالشفعة ينزل منزلة البيع فيما يختص به من الأحكام ويأتي على مذهب من ينزله في ذلك منزلة الاستحقاق أن جائحة فيها.
وأما قوله: إنه يرجع بالجائحة في الثمرة على المشتري الذي أخذها من يديه فهو صحيح على المنصوص في أن عهدته عليه، وقد وقع في كتاب الشفعة من المدونة ما يدل على أنه مخير في كتاب عهدته على من شاء منهما، وهو بعيد في النظر لا يحمله القياس؛ لأن الشفعة لا تخلو من أن يحكم لها بحكم البيع أو بحكم الاستحقاق، فإن حكم لها بحكم البيع وهو الأظهر كانت العهدة على المشتري، والرجوع بالجائحة عليه، وهو مذهب ابن أبي ليلى، وقال أبو حنيفة: إن أخذ الشفيع الشقص من يد البائع فالعهدة عليه وإن أخذه من يد المبتاع فالعهدة عليه، وقول مالك أظهر الأقوال؛ لأن البيع لم ينفسخ فيما بين البائع والمشتري، فالحق إنما هو واجب للشفيع على المشتري بإيجاب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذلك له عليه، ووجه قول ابن أبي ليلى أن الأخذ بالشفعة استحقاق فينتقض البيع ويأخذ الشقص من
البائع بما باع به.
فيدفع الثمن إليه إن كان لم يقبضه من المشتري، وإن كان قد قبضه منه دفعه إلى المشتري؛ لأن الواجب أن يرد إليه إذا انتقض البيع، ووجه ما وقع في كتاب الشفعة من الدليل على أن الشفيع مخير في كتاب عهدته على من شاء منهما أنه بالخيار بين أن يجيز البيع فتكون عهدته على المشتري على حكم البيع وبين أن ينقض البيع فتكون عهدته على البائع على حكم الاستحقاق، وقول عيسى بن دينار: إن المشتري يرجع على البائع بما يرجع به الشفيع عليه من الجائحة صحيح مفسر لقول ابن القاسم؛ لأنه حق لكل واحد منهما على صاحبه ولو وجد الشفيع المشتري عديما لكان من حقه أن يرجع على البائع لأنه غريم غريمه وبالله التوفيق.
: له شريك في أرض مبهمة فيغيب عنه فيبيع شريكه سهمه
ومن كتاب
أسلم وله بنون صغار
وسئل عن الرجل يكون له شريك في أرض مبهمة فيغيب عنه فيبيع شريكه سهمه ثم يبيع الشريك الغائب وهو لا يعلم ببيع صاحبه هل يكون له أن يأخذ بالشفعة؟ قال: ذلك له ويكتب عهدته على الذي يعطيه الدنانير ويأخذها من يديه.
قال محمد بن رشد: قوله في أرض مبهمة يريد غير معينة ولا محوزة إلا أنها معروفة بالتسمية قد رآها المشتري أو وصفت له إذ لو كانت غير معينة ولا محوزة ولا معروفة بالتسمية لما جاز بيعها ولا بيع جزء منها وفي قوله: وهو لا يعلم ببيع صاحبه دليل على أنه لو علم ببيع صاحبه لم تكن له شفعة وإن كان دليلا فيه ضعف إذ لم يقع ذلك في الجواب وإنما وقع في السؤال فالمعنى يؤيده لأنه إذا باع حقه بعد أن علم ببيع شريكه حظه فقد رغب عن المبيع، وأما إذا باع حقه قبل أن يعلم ببيع شريكه حظه فمن حجته أن يقول: إنما بعت حظي لزهادتي فيه لقلته، ولو علمت أن شريكي باع لما بعت حظي ولأخذت
بالشفعة، وهذا بين، ففي المسألة ثلاثة أقوال أحدها هذا والثاني أن له الشفعة وإن باع حظه بعد أن علم ببيع شريكه حظه وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى عنه بعد هذا في رسم الصبرة وأحد قولي مالك والثالث أنه لا شفعة له إذا باع حظه وإن لن يعلم ببيع شريكه وهو أحد قولي مالك وظاهر ما في كتاب الشفعة من المدونة لابن القاسم لأنه قال فيه فيمن باع شقصا بخيار ثم باع صاحبه بيع بت أن الشفعة للمشتري بالخيار على مشتري البت إن اختار إمضاء الشراء، ووجه قوله أن بيع الخيار إذا أمضى فكأنه لم يزل ماضيا لمشتريه من يوم عقده وصار ملكا له بالشراء قبل بيع البتل، فلم يبع بائع البتل سهمه على هذا التعليل إلا بعد وجوب الشفعة له فيما بيع بالخيار، فلو كان من مذهبه أن يبيع الشفيع سهمه بعد وجوب الشفعة لا تسقط شفعته لأوجب لبائع البتل الشفعة على مشتري الخيار ولما كان لمشتري الخيار شفعة على مشتري البت حتى يعرض الشفعة على بائع البت فيتركها على ما روى يحيى عن ابن القاسم في رسم الصبرة بعد هذا أن الشفعة للبائع الثاني فيما باع الأول حتى يترك البائع الثاني فيجب للمشتري من البائع الأول على المشتري من البائع الثاني.
فإن باع بعض حظه على قياس هذا القول كان له من الشفعة بقدر ما بقي من حظه وقع اختلاف قول مالك في هذا في كتاب ابن عبدوس حكى عن أشهب أنه قال: اختلف قول مالك فيه، فمرة قال: إن الشفعة لا تسقط عنه ببيع نصيبه، ومرة قال: إنما تجب له الشفعة ما كان الشقص الذي به يستشفع في يديه، فإذا زال من يديه قبل الآخر سقطت شفعته، وقال أشهب: أحب إلي ألا شفعة له بعد بيع نصيبه أو بعضه؛ لأنه إنما باع راغبا في البيع، وإنما الشفعة للضرر، فلم ير له شفعة في ظاهر قوله أصلا إذا باع بعض نصيبه، فهو قول رابع في المسألة، وقال أحمد بن ميسر: لا شفعة له بعد أن باع إلا أن تبقى له بقية أخرى وقوله: إلا أن تبقى له بقية أخرى فيكون له من الشفعة بقدر ما بقي، فيكون قوله مثل أحد قولي مالك وظاهر ما في المدونة، ويحتمل أن يريد إلا أن تبقى له بقية أخرى فيأخذ جميع شفعته بقدر حظه كله ما باع منه وما بقي فيكون ذلك قولا
خامسا في المسألة، وأظهر هذه الأقوال كلها الفرق بين أن يبيع وهو عالم ببيع شريكه حظه أو غير علم وبالله التوفيق.
: تصدق بحظه في قرية مبهمة على أخت له
ومن كتاب شهد على شهادة ميت وسئل عن رجل تصدق بحظه في قرية مبهمة على أخت له وقال: إني قد كنت أصبت من مورثها مالا فسهمي عليها صدقة لما أصبت من مالها ولا يعلم ما أصاب من مالها فأراد الشركاء الأخذ بالشفعة ألهم ذلك؟ أم هل يجوز قوله: إني أخذت من مالها أو تجوز لها الصدقة بما أخذ من مالها فيما يزعم على غير حوز حتى هلك؟ قال ابن القاسم: ذلك لها ولا أرى لأحد فيها شفعة لأن أصل الثمن لا يعرف؛ لأن مالكا قال: لنا ما طال من الشفعة حتى نسي ثمنه ولم ير أن صاحبه أخفى ذلك لقطع الشفعة فلا شفعة له فيه إذا أتى من يطلبه ولا حوز عليها في ذلك الحظ؛ لأن ذلك الحظ إنما صار لها على وجه اشتراء، فلا حوز فيه، وسئل سحنون عن رجل تصدق بحظ في قرية مبهمة على أخت له وقال: إني قد كنت أصبت من مورثها مالا فسهمي عليها صدقة لما أصبت من مالها ولا يعلم ما أصاب من مالها فأراد الشفعاء الأخذ بالشفعة ألهم ذلك؟ فقال: الصدقة لها ولا أرى لأحد فيها شفعة لأنه ليس بيعا ولا مطالبة إنما هو تمنح من شيء لا يطلبه المقر له ولا يعرفه، فلو كان عن طلب من المقر له أو تدع فصالح عنه أنزل منزلة البائع وأخذ الشفعة بالقيمة إذا لم يسم الذي أصابه من مورثها.
قال محمد بن رشد: اتفق ابن القاسم وسحنون على الجواب في هذه المسألة بإسقاط الشفعة فيها واختلفا في التعليل أما ابن القاسم فرآه بيعا
جهل فيه الثمن فأسقط الشفعة من أجل الجهل بالثمن لأنه أشبه عنده بأهل من أمر الشفعة حتى نسي الثمن ولم ير على الأخت في الحظ حيازة؛ لأنه إنما صار لها على وجه البيع عنده، لا على وجه الصدقة، وأما سحنون فرآها صدقة لا تصح لها إن مات إلا بالحيازة؛ لأنه إنما أعطاها الحظ على وجه المتمنح من شيء لا يعرفه ولا يطلبه، فأبطل الشفعة فيه من أجل أن الصدقة لا شفعة فيها عنده على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، فعلى تعليله بأنها صدقة يجب فيها الشفعة بالقيمة على مذهب من يرى في الهبة والصدقة الشفعة بالقيمة، والقولان في مختصر ابن عبد الحكم، وقول سحنون أن ذلك هبة أظنه والله أعلم.
: يهب الشقص في شيء مشاع على الثواب ثم يطلب الثواب
ومن كتاب الجواب وسألته عن الرجل يهب الشقص في شيء مشاع على الثواب ثم يطلب الثواب فيقول الموهوب له: مالي غائب أو غلامي بمالي أو شيء مما يعتذر به ولكن هذه عشرة دنانير فخذها ما دام مالي غائبا، فإذا قدم مالي أتيتك بثواب ترضاه إن شاء الله، فيأخذه فيقيم الشفيع عند ذلك فيريد أن يأخذ بالشفعة كيف الأمر في ذلك؟ قال ابن القاسم: ليس له شفعة في هذا حتى يثاب تمام الثواب، وإن قال الشفيع أنا آخذ الشفعة وادفع العشرة فإذا أتابه التمام دفعته إليه لم يكن ذلك له ولم يكن له شفعة لأن هذا لو كان بيعا يبتدأ على هذا الوجه والفعل والصفة ما حل، والأخذ بالشفعة بيع من البيوع، فليس ذلك له ولا يجوز هذا، ولأنه أيضا إن لم يشبه رضاه، رد الهبة ورجع في عشرته ولم يلزمه تمام المثوبة به ولا قيمة الهبة بمنزلة الذي يفوض إليه في النكاح فيقدم شيئا لا يكون صداق مثلها أو يبعث بها
فيطلبون بعد ذلك تمام ذلك ولم يكونوا رضوا بما بعث به، فالزوج بالخيار في أن يتم له صداق مثلها أو يرد النكاح ويرجع بما كان بعث ولا يلزمه أن يتم لها الصداق لما قدم قبل ذلك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها من أن من وهب شقصا بما فيه الشفعة على ثواب يرجوه ولم يسمه فليس للشفيع فيه شفعة إلا بعد العوض، فإن أثابه أقل من القيمة فرضي لذلك أخذ الشفيع به، وإن أثابه أكثر من القيمة قبل تغير السلعة لم لكن للشفيع أن يأخذ إلا بجميع العوض، واختلف إن أثابه أكثر من القيمة بعد تغير السلعة فقال ابن القاسم في المدونة: ليس للشفيع أن يأخذ إلا بجميع العوض وهو قول ابن الماجشون، وقال أشهب في كتاب ابن المواز يأخذ الشفيع بالأقل من قيمة الشقص أو مما أثابه، وفي قوله ولأنه أيضا إن لم يثبه رضاه رد الهبة ورجع في عشرته دليل على أنه لا يلزمه الرضى بالقيمة إلا بعد فواتها، وهو قول مطرف وروايته عن مالك وظاهر قول عمر بن الخطاب خلاف مذهب ابن القاسم في المدونة أنه يلزمه الرضى بالقيمة وإن لم تفت، والذي في المدونة أصح؛ لأن الهبة للثواب مقيسة على نكاح التفويض فكما يلزم الزوجة صداق المثل إذا فرضه لها الزوج وإن لم يدخل بها فكذلك يلزم الواهب القيمة إذا أثابه بها، وإن لم تفت السلعة، ولم أعلمهم اختلفوا في أن الموهوب له لا يلزمه قيمة السلعة ما كانت قائمة ولا أقل منها إن رضي بذلك الواهب كما لا يلزم الزوج في نكاح التفويض صداق المثل قبل الدخول ولا أقل منه وإن رضيت بذلك المرأة، وإنما اختلفوا في نكاح التحكيم إذا كانت الزوجة هي المحكمة فقيل: إن الصداق لا يلزم قبل الدخول بقليل ولا كثير إلا مع اتفاقهما جميعا، وقيل: إنه يلزم الزوجة صداق المثل فأكثر إذا رضي به الزوج ولا يلزم الزوج صداق المثل فأقل إن رضيت به المرأة ولا يلزم المرأة صداق مثلها فأكثر إن رضي به الزوج، فقوله: إن الموهوب له إذا قدم بعض الثواب لا يلزمه تمامه وله أن يسترد ما قدم
يريد إن لم ترض به منه وطلبت منه زيادة عليه كالمفوض إليه في النكاح إذا قدم شيئا من صداق مثلها فطلبوه ببقيته كان بالخيار بين أن يسترد ما قدم منه أو يتم بقيته وما وقع في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب النكاح ليس بخلاف لما هاهنا؛ لأنه إنما وجب عليه هناك نصف صداق مثلها إذا طلقها لقوله: فإن لها صداق مثلها، ولو قدم في نكاح التفويض شيئا من صداقها ولم يقل فإن لها صداق مثلها فطلقها قبل الدخول لكان لها نصف ما قدم إليها وبالله التوفيق.
: باع الرجل شقصا له في دار بدين إلى أجل ثم أتى الشفيع
ومن كتاب إن أمكنتني
من حلق رأسك وقال: إذا باع الرجل شقصا له في دار بدين إلى أجل ثم أتى الشفيع فإنه يأخذه إلى ذلك الأجل إذا أتى بحميل ثقة، وإن كان مليا أخذه بغير حميل.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وفي الواضحة عن مالك من رواية مطرف عنه، وعن ابن الماجشون وأصبغ، وظاهره أنه لا يلزمه الحميل إلا إذا كان معدما، وأما إن كان مليا فلا يلزمه حميل وإن كان المشتري أملأ منه وهو نص قول محمد بن المواز من رأيه خلاف قول أشهب أنه يلزمه، وإن كان مليا أن يأتي بحميل مثل المشتري في الملا، وكذلك اختلف إذا اشترى برهن وحميل فقيل: لا شفعة للشفيع إلا أن يأتي برهن وحميل وقيل: لا يلزمه ذلك إلا أن يكون أعسر منه فيفترق استواؤهما في العدم من استوائهما في الملا ويكون الشفيع أقل ملا من كونه أشد عدما؛ لأنهما إذا استويا في العدم لزمه حميل على اختلاف، وإذا استوايا في الملا لم يلزمه حميل باتفاق، وإن كان الشفيع أقل ملا لزمه حميل على اختلاف، وإن كان أشد عدما لزمه حميل باتفاق، وإذا عجز الشفيع عن الحميل في الموضع الذي يلزمه فيه الحميل
فعجزه السلطان ثم قدر على حميل قبل محل الأجل لم تكن له شفعة، واختلف إذا لم يقم الشفيع بشفعته حتى حل الأجل فقيل: إنه يكون له من الأجل مستأنفا مثل الذي عقد عليه البيع، وقيل: لا يأخذه إلا بالثمن نقدا وهو قول أصبغ، والأول قول مالك في رواية مطرف عنه، وقول ابن الماجشون وهو أظهر والله أعلم.
: يشتري الشقص من الحائط وفيه رقيق يعملون فيه فاشتراه برقيقه
ومن كتاب العتق وقال في الرجل يشتري الشقص من الحائط وفيه رقيق يعملون فيه فاشتراه برقيقه ثم أتى الشفيع، فقال: إن أراد الأخذ بالشفعة والرقيق لم يفوتوا لم يكن له أن يأخذ إلا بجميع الشقص والرقيق إذا كانوا رقيق الحائط وعماله ولم يكن للحائط منهم بد أو يدع؛ فإن كانوا قد فاتوا ببيع قسم الثمن الذي ابتاعوا به على قيمة الرقيق وقيمة الشقص فيأخذ الشقص بما يصيبه من ذلك بالشفعة وكذلك لو تصدق بالرقيق أو وقفهم مثل البيع سواء، فأما الموت فإن شاء أخذ الشقص بجميع الثمن كله أو يترك فذلك له.
قال محمد بن رشد: إيجابه الشفعة في رقيق الحائط إذا بيعوا مع الحائط خلاف قوله في الرحا إذا بيعت مع الأصل أنه لا شفعة في الرحا ويفض الثمن على قيمة الرحا وقيمة الأصل فيأخذ الأصل بالشفعة مما ينوبه من الثمن لأن الرحا أكثر تشبثا بالأرض من الرقيق بالحائط، فإذا أوجب في رقيق الحائط.
الشفعة فأحرى أن يوجبها في الرحا وإن لم يوجبها في الرحا فأحرى ألا يوجبها في رقيق الحائط ويحتمل أن يفرق بين المسألتين فيكون في المسألة ثلاثة أقوال: إيجاب الشفعة فيها، وإسقاطها، وإيجابها في الرحى دون رقيق الحائط والاختلاف فيها جميعا جار على أصل قد اختلف فيه قول مالك،