كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
منه كرها؛ لقول الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103] .
واختلف إذا أخذت منه كرها هل تجزيه أم لا؟ فقيل: إنها لا تجزيه؛ لأنه لا نية له في أدائها، والأعمال لا تصح إلا بالنيات، وقيل: إنها تجزئه لأنها متعينة في المال، وهو الصحيح على مذهب مالك في إيجابها على الصبي والمجنون، وإنما لم يستتب من قال: لا أحج من أجل أن الحج ليس له وقت معلوم، فإذا قال: لا أحج وأبى الحج في هذا العام، فله أن يحج فيما بعده، وكذلك في الذي بعده، وذلك بخلاف الصلاة الذي ينتظر به فيها آخر وقتها إذا أبى من فعلها، فإن مضى الوقت، ولم يصل قتل.
والوقت في ذلك طلوع الشمس للصبح، وغروب الشمس للظهر والعصر، وطلوع الفجر للمغرب والعشاء.
وقول أصبغ في ركعتي الوتر والفجر: إنهما بخلاف الوتر؛ لأن الوتر سنة يدل على أن ركعتي الفجر عنده ليستا بسنة، وأما ركعتا الفجر فيستحب العمل بها خلاف رواية ابن القاسم عنه في رسم مساجد القبائل، من كتاب الصلاة المذكور، وقول ابن القاسم في سماع أبي زيد منه، وما يدل عليه ما في المدونة من أنهما سنة، وأصل هذا الاختلاف اختلافهم في المعنى الذي من أجله تسمى النافلة سنة، إن كان لكونها مقدرة لا يزاد عليها ولا ينقص منها، أو لكون الاجتماع لها والجماعة مشروعين فيها، وبالله التوفيق.
: نصرانى يقول للمسلمين ديننا خير من دينكم
ومن كتاب شهد على شهادة ميت وعن رجل من النصارى يقول للمسلمين ديننا خير من دينكم،
وإنما دينكم دين الحمير، ونحو هذا من التعريض القبيح، ومثل قول النصراني للمؤذنين إذا قالوا: أشهد أن محمدا رسول الله، كذلك يعطيكم الله، وإذا قال: شتموا النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ماذا يجب عليهم في ذلك كله؟ وكيف لو أن رجلا من المسلمين سمع بعض النصارى أو اليهود يشتمون النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بشتم يجب عليهم فيه القتل، فغاظ ذلك المسلم فقتله ماذا عليه في ذلك؟ قال ابن القاسم: أما إذا قال: ديننا خير من دينكم، وما قال للمؤذنين، فأرى أن يعاقبوا فيها عقوبة موجعة، ولا يقصر فيها على السجن الطويل، وأما شتمه النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذا شتمه شتما يعرف، قال: قال مالك: أرى أن نضرب عنقه، قال ذلك غير مرة إلا أن يسلم، ولم يقل لي يستتاب، إلا أن محمل قوله عندي إن أسلم طائعا من عند نفسه، فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] . قال ابن القاسم: ولقد سألنا مالكا عن نصراني كان بمصر، فشهد عليه أنه قال: مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة، هو الآن في الجنة، ما له لم ينفع عن نفسه إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه لو كانوا قتلوه استراح الناس منه، فسألناه عن ذلك، وكتب إلينا بها من مصر، ونحن بالمدينة، فلما قرأته عليه صمت، وقال: حتى أنظر فيها، فلما كان بعد ذلك المجلس، قال لنا: أين كتاب الرجل؟ فقلنا له: هو في المنزل، ونحن نحفظ المسألة، فقال: لقد كنت حين قرأتم علي هممت ألا أتكلم فيه بشيء، ثم تفكرت في ذلك، فإذا أنا أرى أن لا ينبغي الصمت عنه اكتبوا إليه ضرب عنقه، قال ابن القاسم: قال مالك: وإذا شتم المسلم النبي ضربت عنقه، ولم يستتب، قال: وقال عيسى في الذي أغاظ قتل النصراني الذي شتم النبي: إنه إن كان شتمه شتما يجب فيه قتل، وثبت ذلك ببينة، فلا شيء عليه، وإن لم يثبت ذلك أو شتمه شتما،
لا يجب عليه القتل، فأرى عليه ديته، ويضرب مائة ويسجن عاما.
قال الإمام القاضي: هذا كله بين لا إشكال فيه؛ إذ لا اختلاف في أن من سب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أو عابه، أو نقصه بشيء من الأشياء؛ يقتل، ولا يستتاب مسلما كان أو كافرا أو ذميا، إلا أن يبدو الذمي فيسلم قبل أن يقتل من غير أن يستتاب، فلا يقتل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] ، وقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال: من قال: إن إزار النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وسخ أراد به عيبه قتل، وروى عنه فيمن عير رجلا بالفقر، فقال له: تعيرني بالفقر، وقد رعى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الغنم؛ أنه يؤدب؛ لأنه عرض بذكر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في غير موضعه.
وروى أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل: انظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا، فقال كاتب له: قد كان أبو النبي كافرا، قال له: جعلتَ هذا مثلا؛ فعزله وقال: لا تكتب لي أبدا، وهذا لأن الله تعالى أمر بتعزيزه وتوقيره، فمن ضرب به المثل في مثل هذا، فقد خالف حد الله فيما أمر به من تعزيزه وتوقيره، فوجب عليه في ذلك الأدب، وكذلك حكم سائر الأنبياء فيمن شتم أحدا منهم أو نقصه؛ لقوله عز وجل: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] ، وكذلك حكم من شتم ملكا من الملائكة.
وحكم ميراث من قتل من المسلمين على سب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أو أحد من الملائكة، أو النبيين حكم ميراث الزنديق يكون لورثته على قول مالك في رواية ابن القاسم عنه، وهو مذهب ابن القاسم، ولجماعة المسلمين في قوله على رواية ابن نافع عنه، وهو اختيار ابن عبد الحكم، وكذلك من شتم الله عز وجل يقتل بلا استتابة كالزنديق، إلا أن يكون إنما افترى عليه بارتداده إلى دين دان به، فإن أظهره استتيب، وإن لم يظهره قتل دون استتابة.
ومن سبه عز وجل من المعاهدين بغير ما يحله إياه، ويدين به، ويؤخذ منه الجزية على أن يقر عليه، فإنه يقتل ولا يستتاب، لكنه إن أسلم قبل أن يقتل؛ لم يقتل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] .
: قال إن الله لم يكلم موسى
ومن كتاب جاع فباع امرأته قال ابن القاسم: أرى من قال: إن الله لم يكلم موسى أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، أراه من الحق الواجب وهو الذي أدين الله عليه.
قال محمد بن رشد: أما من قال: إن الله عز وجل لم يكلم موسى، فلا إشكال ولا اختلاف في أنه كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه مكذب لما نص الله تعالى عليه في كتابه من تكليمه إياه حقيقة لا مجازا بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164] ؛ لأن المجاز لا يؤكد بالمصدر، وأما من قال من أهل الاعتزال والزيغ والضلال: إنه كلمه بكلام خلقه واخترعه في حين تكليمه إياه، ونفى أن يكون كلام الله تعالى صفة من صفات ذاته، وزعم أنه خلق من خلقه، وأن القرآن مخلوق، وأن أسماءه وصفاته محدثة مخلوقة، وأن الصفة هو الوصف، فنفوا أن يكون لله تعالى في أزله كلام أو علم أو قدرة أو إرادة، فأهل العلم في تكفيرهم على فرقتين، منهم من يكفرهم بذلك، وهم الكافة، ومنهم من لا يكفرهم بذلك؛ لأنهم إنما فروا من الكفر؛ إذ ظنوا بإضلال الله لهم أن من أثبت لله عز وجل حياة وكلاما وعلما وإرادة وسمعا وبصرا فقد شبهه بخلقه؛ لأن هذه صفات المخلوقين المحدثين، ومالك ممن اختلف قوله في تكفيرهم حسبما مضى من قوله في أول سماع ابن القاسم من الأقضية الثالث، من سماع أشهب.
والأدلة على إثبات صفات ذاته عز وجل، وأنها قديمة غير مخلوقة ولا محدثة كثيرة ظاهرة بينة لمن شرح الله صدره وهداه، ولم يرد إضلاله وإغواءه،
وقد نص على ذلك المتكلمون في كتبهم، وبينوا صحة ما عليه أهل السنة والجماعة من ذلك، فلا معنى للتطويل والإكثار في جلب الأدلة على ما انعقد عليه الإجماع.
مسألة: الدعاء بيا حنان وبيا سيدي
مسألة قال: ولا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن، ولا يشبه يديه بشيء، ولا وجهه تبارك وتعالى بشيء، ولكنه يقول: له يدان كما وصف به نفسه، وله وجه كما وصف نفسه، تقف عندما وصف به نفسه في الكتاب، فإنه تبارك وتعالى لا مثل له ولا شبيه ولا نظير، ولا يروِيَنَّ لنا أحد هذه الأحاديث: «إن الله خلق آدم على صورته» أو نحوها من الأحاديث، ولكن هو الله الذي لا إله إلا هو كما وصف نفسه، ويداه مبسوطتان كما وصفهما ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] ولا يصفه بصفة، ولا يشبه به شيئا، فإنه تبارك وتعالى لا شبيه له، وأعظم مالك أن يحدث أحدا بهذه الأحاديث أو يرويها، وضعفه.
قال محمد بن رشد: قوله: لا ينبغي لأحد أن يصف الله عز وجل إلا بما وصف به نفسه في القرآن يريد، أو وصفه به رسوله في متواتر الآثار، واجتمعت الأمة على جواز وصفه به، وكذلك لا ينبغي عنده على قوله هذا أن يسمى الله تعالى إلا بما سمى به نفسه في كتابه أو سماه به رسوله، أو اجتمعت الأمة عليه، والذي يدل على ذلك من مذهبه كراهيته في رسم الصلاة للرجل أن يدعو بيا سيدي، وقال: أحب إلي أن يدعوه بما في القرآن، وبما دعت به الأنبياء بيا رب، وكره الدعاء بيا حنان، وهذا هو قول أبي الحسن الأشعري، وذهب القاضي
أبو بكر بن الباقلاني إلى أنه يجوز أن يسمى الله تعالى بكل ما يجوز في صفته مثل مسير وجليل وحنان وما أشبه ذلك ما لم يكن ذلك الجائز في صفته، مما اجتمعت الأمة على أن تسميته به، لا تجوز كعاقل وفقيه وسخي، وما أشبه ذلك.
وقوله: ولا يشبه يدي ربه بشيء ولا وجهه تبارك وتعالى بشيء، ولكن يقول له يدان كما وصف نفسه، وله وجه كما وصف نفسه، يقف عندما وصف به نفسه في الكتاب، فإنه تبارك وتعالى لا مثل ولا شبيه، ولا نظير قول صحيح بين لا اختلاف فيه بين أحد من أهل القبلة في أنه لا يجوز أن يشبه يديه ولا وجهه بشيء؛ إذ ليس كمثله شيء كما قال تعالى في محكم كتابه، ولا هو بذي جنس ولا جسم ولا صورة، ولا اختلاف بينهم أيضا في جواز إطلاق القول بأن لله يدين ووجها وعينين؛ لأن الله وصف بذلك نفسه بكتابه، فوجب إطلاق القول بذلك، والاعتقاد بأنها صفات ذاته من غير تكييف ولا تشبيه ولا تحديد؛ إذ لا يشبهه شيء من المخلوقات، هذا قول المحققين من المتكلمين، وتوقف كثير من الشيوخ عن إثبات هذه الصفات الخمس، وقالوا: لا يجوز أن يثبت في صفات الله ما لم يعلم بضرورة العقل ولا بدليله وتأولوها على غير ظاهرها، فقالوا: المراد بالوجه الذات كما يقال وجه الطريق، ووجه الأمر ذاته ونفسه، والمراد بالعينين إدراك المرئيات، والمراد باليدين النعمتين، وقَوْله تَعَالَى: ﴿بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75] أي ليدي؛ لأن حروف الخفض يبدل بعضها من بعض، والصواب قول المحققين الذين أثبتوها صفات لذاته تعالى، وهو الذي قاله مالك في هذه الرواية.
وصفات ذات الباري تبارك وتعالى تنقسم على ثلاثة أقسام؛ قسم منها يعلم بالسمع ولا مجال للعقل فيه، وهي هذه الخمس صفات: الوجه، واليدان، والعينان، وقسم منها يعلم بالعقل، وإن ورد السماع بها؛ فإنما هو على معنى تأكيدها في العقل منها، ولو لم يرد بها سمع لاستغنى في معرفتها عنه بالعقل،
وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة؛ لأن العلم بالنبوات، لا يعلم إلا بعد العلم بأنه حي عالم قادر مريد، ويستحيل وجود حي بلا حياة، وقادر بلا قدرة، ومريد بلا إرادة، وقسم منها يعلم بالسمع والعقل، فيصح العلم بالنبوات قبلها، ويصح العلم بها قبل النبوات، وهي السمع والبصر والكلام والإدراك؛ لأن الدليل قائم من العقل على أنه عز وجل سميع بصير مدرك، والسمع قد ورد بذلك، ويستحيل وجود سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، ومتكلم بلا كلام، ومدرك بلا إدراك.
وما تضمنته هذه الرواية من كراهية مالك لرواية هذه الأحاديث التي يقتضي ظاهرها التشبيه، وإعظامه أن يحدث بها مثل ما روي من: الله خلق آدم على صورته؛ ونحوها من الأحاديث، فالمعنى من ذلك أنه كره أن تشاع روايتها، ويكثر التحدث بها، فيسمعها الجهال الذين لا يعرفون تأويلها، فيسبق إلى ظنونهم التشبيه بها، وسبيلها إذا صحت الروايات بها أن تتأول على ما يصح مما ينتفي بها عن الله تشبيهه بشيء من خلقه، كما يصنع بما جاء من القرآن والسنن المتواترة والآثار مما يقتضي ظاهره التشبيه، وهو كثير؛ كالإتيان في قوله عز وجل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: 210] ، والمجيء في قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22] ، والاستوا في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54] ، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] ، والنظر في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: 22] ، والتنزل في قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يتنزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل ... » الحديث، والنزول والضحك وما أشبه ذلك.
والحديث في قوله: «إن الله خلق آدم على صورته» يروى على وجهين؛ أحدهما: «إن الله خلق آدم على صورته» . والثاني: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، فأما الرواية: «إن الله خلق آدم على صورته» فلا خلاف بين أهل النقل في صحتها؛ لاشتهار نقلها، وانتشاره من غير منكر لها، ولا طاعن فيها، وأما الرواية: «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» فمن مصحح لها، ومن طاعن عليها، وأكثر أهل النقل على إنكار ذلك، وعلى أنه غلط وقع من طريق التأويل لبعض النقلة توهم أن الهاء ترجع إلى الله عز وجل، فنقل الحديث على ما توهم من معناه، فيحتمل أن يكون مالك أشار في هذه الرواية بقوله وضعفه إلى هذه الرواية، ويحتمل أن يكون إنما ضعف بعض ما تؤول عليه الحديث من التأويلات، وهي كثيرة.
منها أن الهاء من قوله: «إن الله خلق آدم على صورته؛» عائدة على رجل «مر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عليه وأبوه أو مولاه يضرب وجهه لطما، ويقول له: قبح الله وجهه، فقال: إذا ضرب أحدكم عبده فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته» وقد «روي أنه سمعه يقول: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فزجره النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن ذلك، وأعلمه بأنه قد سب آدم؛» لكونه مخلوقا على صفته ومن دونه من الأنبياء أيضا.
ومنها أن الكناية في قوله على صورته ترجع إلى آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ولذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون معنى الحديث وفائدته الإعلام بأن الله لم يشوه خلقه حين أخرجه من الجنة بعصيانه كما فعل بالحية والطاووس اللذين أخرجهما منها، على ما روي من أنه سلب الحية قوائمها، وجعل أكلها من التراب، وشوه خلق الطاووس.
والثاني: أن يكون معناه وفائدته إبطال قول أهل الدهر الذين يقولون: لا إنسان إلا من النطفة، ولا نطفة إلا من إنسان، ولا دجاجة إلا من بيضة، ولا بيضة
إلا من دجاجة لا إلى أول.
والثالث: أن يكون معناه وفائدته إبطال قول أهل الطبائع والمنجمين الذين يزعمون أن الأشياء تولدت بتأثير العنصر والفلك والليل والنهار، فأعلم النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بهذا الحديث أن الله خلق آدم على ما كان عليه من الصورة والتركيب والهيئة، لم يشاركه في ذلك فعل طبع ولا تأثير فلك، وخص آدم بالذكر تنبيها على سائر المخلوقات؛ لأنه أشرفها، فإذا كان الله هو المنفرد بخلقه دون مشاركة فعل طبع أو تأثير فلك، فولده ومن سواهم على حكمه كذلك.
وقد قيل في ذلك وجه رابع: وهو أن فائدة الحديث تكذيب القدرية فيما زعمت من أن صفات آدم منها ما خلقه الله تعالى، ومنها ما خلقها آدم لنفسه، فأخبر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بتكذيبهم، وأن الله تعالى خلق آدم على جميع صورته وصفته ومعانيه وأعراضه، وهذا كما تقول: عرفني هذا الأمر على صورته إذا أردت أن يعرفكه على الاستيفاء والاستقصاء دون الاستبقاء.
وقد قيل فيه وجه خامس، وهو أن يكون معناه إشارة إلى ما يعتقده أهل السنة من أن الله خلق السعيد سعيدا، والشقي شقيا، وأن خلق آدم على ما علمه وأراد أن يكون عليه من أنه يعصي ويتوب، فيتوب الله عليه، ففي الحديث دليل على أن أحوال العبد تتغير على حسب ما يخلق عليه، وييسر له من الخير والشر، وأن كل شيء بقضاء وقدر.
وقد قيل: إن الكناية من قوله على صورته راجعة إلى بعض المشاهدين من الناس، وأن المعنى في ذلك والفائدة فيه هو الإعلام بأن صورة آدم كانت على هذه الصورة إبطالا لقول من زعم أنها كانت مباينة لخلق الناس على الحد الزائد الذي يخرج عن المعهود من متعارف خلق البشر؛ إذ لا يأتي ذلك من وجه صحيح يوثق به.
ومنها أن الكناية في قوله على صورته راجعة إلى الله عز وجل، وهو أضعف التأويلات؛ لأن الأولى أن يرجع الضمير إلى أقرب مذكور، إلا أن يدل دليل على رجوعه إلى الأبعد، ولا دليل على ذلك إلا ما روي من الله عز وجل: «خلق آدم على صورة الرحمن» وقد ذكرنا أن بعض أهل النقل لا يصحح الرواية لذلك، وأن الراوي لها ساق الحديث على ما ظنه من معناه، وقد قال بعض الناس: إن ذلك لا يصح أيضا من طريق اللسان؛ لأن الاسم إذا تقدم فأعيد ذكره كني عنه بالهاء من غير أن يعاد الاسم، ألا ترى أنك تقول إذا أخبرت عن ضرب رجل لعبده: ضرب زيد غلامه، ولا تقول ضرب زيد غلام زيد؛ لأنك إذا قلت ضرب زيد غلام زيد يفهم من قولك: إنه لم يضرب غلامه؛ وإنما ضرب غلام رجل آخر اسمه زيد، وليس ذلك بصحيح؛ لأن القرآن قد جاء بذلك، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: 85] ولم يقل إلينا، فإنما يضعف الحديث من جهة النقل.
ومع ضعف رد الكناية من صورته إلى الله تعالى، فلها وجوه كثيرة محتملة ينتفي بها التشبيه عن الله تعالى.
منها أن يكون المراد بالصورة الصفة؛ لأن آدم موصوف بما يوصف الله به عز وجل من أنه حي عالم مريد سميع بصير متكلم، ولا يوجب مشاركته له في تسميته والوصف تشبهه به؛ لأن صفات الله تعالى قديمة غير مخلوقة، وصفات آدم محدثة مخلوقة، ويكون فائدة الحديث على هذا الإعلام بتشريف الله إياه بأن أبانه على سائر الجمادات والحيوانات.
ومنها أن يكون إضافة الصورة إليه إضافة تشريف وتخصيص؛ لأن الإضافة قد تكون بمعنى التشريف والتخصيص على طريق التنويه بذكر المضاف إذا خص بالإضافة إليه، وذلك نحو قوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: 13] فإنها إضافة تشريف
وتخصيص وتشريف تفيد التحذير والردع من التعرض لها، ومن ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: 29] ، وقوله في المسلمين: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ﴾ [الفرقان: 63] إلى ما وصفهم به، وقول المسلمين للكعبة: بيت الله، وللمساجد: بيوت الله، فشرفت صورة آدم بإضافتها إلى الله عز وجل من أجل اختراعها وخلقها على غير مثال سبق، ثم بسائر وجوه الشرف التي خص بها آدم من فضائله المعلومة المشهورة، فالتشبيه منتف على الله تعالى بهذا الحديث على جميع الوجوه من إعادة الضمير في صورته إلى الله عز وجل، أو إلى آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أو إلى الذي خرج عليه الحديث على ما روي من أنه خرج على سبب، أو إلى بعض المشاهدين، والحمد لله رب العالمين.
وقد ذهب ابن ... إلى التمسك بظاهر الحديث، فقال: إن لله صورة لا كالصور، كما أنه شيء لا كالأشياء، فأثبت لله تعالى صورة قديمة زعم أنها ليست كالصور، قال: إن الله تعالى خلق آدم على تلك الصورة، فتناقض في قوله، وتوغل في تشبيه الله تعالى بخلقه، فهو خطأ من القول لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه، وبالله التوفيق.
: من أسر اليهودية أو النصرانية
ومن كتاب أوله يدير ماله قال ابن القاسم: قال مالك: من أسَرَّ اليهودية أو النصرانية قتل ولم يستتب، قاله ابن القاسم، وقال ميراثه لورثته من المسلمين، ومن كفر برسول الله فأنكره من المسلمين فهو بمنزلة المرتد، ومن
عبد شمسا أو قمرا أو حجرا أو غير ذلك، فأولئك يقتلون إذا ظهر عليهم لا يستتابتون إذا كانوا في ذلك مظهرين للإسلام مستسرين بما أخذوا عليه؛ لأن أولئك لا يعرف لهم توبة، ويرثهم في ذلك ورثتهم من المسلمين؛ لأنهم مقرون بالإسلام وبأحكامه، وهم بمنزلة المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فهم على غير الإسلام؛ لأن النفاق الذي كان على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما كان إسرار الكفر وإظهار الإسلام والاستخفاء به؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: 1] الآية، ولكن يستخفون بذلك، قال ابن القاسم: ويجوز وصاياهم وعتقهم؛ لأنهم يرثون، قال لي سحنون: سألت ابن نافع عن ميراث الزنديق والمرتد لمن ميراثهما؟ وهل سمعت في ذلك من مالك شيئا؟ فقال ابن نافع: نعم، سمعت مالكا يقول: ميراثهما للمسلمين يسن بأموالهما سنة دمائهما، قال سحنون: فأخبرت بذلك ابن عبد الحكم، فاستحسن روايته فيهما جدا، قال ابن القاسم: وكل من أعلن من أولئك دينه الذي هو عليه وأظهره واستمسك به حتى يقول: هو ديني فاقتلوني عليه أو اتركوني، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وميراثه للمسلمين كافة، ولا يورث بورثة الإسلام، وإنما هو بمنزلة المرتد عن دين الإسلام في جميع ذلك في الاستتابة والميراث، فكل من يستتاب فلم يتب، فلا يرثه ورثته من المسلمين؛ لأنه خرج عن الإسلام ولا يرثه ورثته من الكفار؛ لأنه لا يترك على ذلك الدين ويقتل عليه، وميراثه لجماعة المسلمين بمنزلة الفيء، ولا تجوز وصاياهم ولا عتقهم؛ لأنهم لا يرثون، إنما ميراثهم للمسلمين عامة، ولا
يستتاب، فمن استسر دينا، فإن ورثتهم من المسلمين يرثونهم وتجوز وصاياهم وعتقهم.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في المذهب في أن ميراث المرتد لجماعة المسلمين مات في ردته، أو قتل عليها بعد الاستتابة، أو دون أن يستتاب على مذهب من لا يرى الاستتابة، وفي كتاب ابن سحنون، وقال أهل العراق: إذا قتل المرتد دفع ماله إلى ورثته من المسلمين، وذكر ذلك عن علي بن أبي طالب، والحسن، وابن المسيب، وقد ثبت في الحديث عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يرث المسلم الكافر» ولا يتوارث أهل ملتين شيئا، وإن عليا لم يرث أبا طالب، وإنما ورثه عقيل وطالب، وأما حجتهم بابن المسيب، فقد روى عنه أهل العراق وأهل الحجاز أنه قال: نرث المشركين ولا يرثونا، وهذا خلاف ثم ناقضوا، فقالوا: إن مات له ولد في حال ارتداده لم يرث منه، ولا فرق بين ذلك، هذا نص ما وقع في كتاب ابن سحنون، فأما قوله: إذ لا حجة لهم في قول ابن المسيب فصحيح؛ لأن مذهبه على ما حكاه عنه أن المسلم يرث الكافر، وهم لا يقولون بذلك فقوله صحيح على أصله؛ لأنه إذا كان يرث عنده الكافر الذي يقر على كفره، فأحرى أن يرث المرتد الذي لا يقر على كفره، وأما ما ألزمهم من التناقض فلا يلزمهم؛ لأنهم لم يجهلوا ماله إذا قتل على ردته لورثته من أجل أنهم حكموا له بحكم الإسلام، فيلزمهم ما ألزمهم من أن يكون له ميراث ابنه، وإنما جعلوا ميراثه لورثته من المسلمين من أجل أنه على دين لم يقر عليه؛ لأنهم لم يحملوا قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يرث المسلم الكافر؛» على عمومه في المرتد وغيره، بل رأوه مخصصا في الكافر الذي يقر على كفره.
ففي المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: قول مالك والشافعي أنه لا يرث المسلم الذمي ولا المرتد على عموم قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يرث المسلم الكافر» . والثاني: أنه يرث المسلم الذمي والمرتد، وهو قول سعيد بن المسيب، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، روي ذلك عن عمر بن الخطاب أنه
قال: أهل الشرك نرثهم ولا يرثونا، والصحيح في الرواية أنه قال: أهل الشرك لا نرثهم، ولا يرثونا، ومن ذهب إلى هذا لم يبلغه الحديث، فقال: إن المسلم يرث الكافر، ولا يرث الكافر المسلم، قياسا على المسلم يتزوج الكافرة، ولا يتزوج الكافر المسلمة، ولا اختلاف في أن الكافر لا يرث المسلم.
والقول الثالث: قول أهل العراق: إن المسلم يرث المرتد، ولا يرث الكافر الذي يقر على دينه.
وأما الزنديق ومن أسر الكفر فظهر عليه، فإنه يقتل ولا يستتاب ولا يقبل منه توبته، وإن تاب؛ إذ لا يصدق فيها ويكون ميراثه لورثته من المسلمين على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، خلاف قول مالك في رواية ابن نافع عنه، واختيار ابن عبد الحكم.
ووجه قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن القتل حد من الحدود يقام عليه بما شهد به عليه من الكفر، ولا يصدق في الرجوع عنه إلى الإسلام؛ إذ لم يكن مقرا بالارتداد، ومراعاة أيضا لقول من يرى أن المرتد يقتل وإن رجع إلى الإسلام على ظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «من غير دينه، فاقتلوه» والميراث بخلاف ذلك؛ لأنه مسلم في ذلك في الظاهر، فلا يحرم الورثة ميراثه إلا بيقين ومراعاة لمن يقول: إن المسلم يرث الكافر بكل حال، فقول ابن القاسم وروايته عن مالك أظهر من قول مالك في رواية ابن نافع عنه: يسن بأموالهما سنة دمائهما، وبالله التوفيق.
مسألة: استاتبة أهل الأهواء
مسألة وأما أهل الأهواء الذين هم على الإسلام العارفين بالله، غير المنكرين له مثل القدرية والإباضية وما أشبههم ممن هو على غير ما عليه جماعة المسلمين، والتابعين لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من البدع والتحريف لكتاب الله وتأويله على غير تأويله، فأولئك يستتابون أظهروا ذلك أو أسروه فذلك سواء؛ لأن إظهارهم ذلك
إسرار، وإسرارهم إظهار، فهم يستتابون وإلا ضربت رقابهم لتحريفهم كتاب الله عز وجل، وخلافهم جماعة المسلمين والتابعين لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولأصحابه بإحسان، وبهذا عملت أئمة الهدى، وعمر بن عبد العزيز - رَحِمَهُ اللَّهُ -، قال: الرأي أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا عرضوا على السيف، وضربت أعناقهم، ومن قتل منهم على ذلك، فميراثه لورثته؛ لأنهم مسلمون إلا أنهم قتلوا لرأي السوء.
وسئل سحنون عن قول مالك في أهل البدع الإباضية والقدرية وجميع أهل الأهواء: إنه لا يصلى عليهم، فقال: لا أرى ذلك، وأرى أن يصلى عليهم، ولا يتركوا بغير صلاة لذنب ارتكبوه، ومن قال: لا يصلى عليهم فقد كفرهم، وقد جاء الحديث أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تكفروهم بذنوبهم، وإنما قال مالك: لا يصلى على موتاهم تأديبا لهم، ونحن نقول ذلك على وجه التأديب لهم، فأما إذا بقوا وليس يوجد من يصلي عليهم، فليس يتركون بغير صلاة، وليصلى عليهم، قيل له: فأهل البدع أيستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما قال مالك؟ قال: أما من كان بين أظهرنا، وفي جماعة أهل السنة، فإنه لا يقتل، وإنما الشأن فيه أن يضرب مرة بعد أخرى، ويحبس وينهى الناس عنه أن يجالسوه، وأن يسلموا عليه تأديبا له، ولا يبلغ به القتل، ألا ترى أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ضرب صبيغا؟ ضربه بجريد وحبسه حتى إذا كادت أن تبرأ الجراح ضربه وحبسه إذا كادت أن تبرأ ضربه وحبسه، ثم قال له صبيغ: يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد دواء، فقد بلغت مني الدواء، وإن كنت تريد قتلي فأجهز علي، فخلى عمر عنه، ونهى الناس أن يجالسوه، فيفعل فيمن كان بين
أظهر الجماعة مثل ما فعل عمر بصبيغ ولا يقتل.
فأما من كان من أهل البدع، قد بان عن الجماعة، وصاروا يدعون إلى ما هم عليه، ومنعوا فريضة من الفرائض كان على الإمام أن يستتيبهم، فإن تابوا وإلا قتلوا، ألا ترى أن أبا بكر الصديق - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - استتابهم، قال أبو بكر: لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لجاهدتهم عليه، فجاهدهم أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأمر بجهادهم، وقتلوا على تلك البدعة، فهذا يبين لك جميع ما سألت عنه من أمر أهل البدع، وقد مضت فيهم سنة عمر بن الخطاب فيمن كان بين أظهر الجماعة، وعن أبي بكر الصديق فيمن كان بان عن الدار، ومنع فريضة، ودعا إلى ما هم عليه.
فقيل له: فهؤلاء الذين قتلهم الإمام من أهل الأهواء لما بانوا عن الجماعة ودعوا إلى ما هم عليه، ونصبوا الحرب هل يصلى على قتلاهم؟ قال: نعم، وهم من المسلمين، وليس بذنوبهم التي استوجبوا بها القتل تترك الصلاة عليهم، ألا ترى أن الزاني المحصن قد وجب عليه القتل بذنبه، والمحارب والقاتل عمدا قد استوجبوا القتل، فإذا قتلوا لم تترك الصلاة عليهم، وليس بذنوبهم التي ارتكبوها واستوجبوا بها للقتل تخرجهم من الأحكام، وأرى أن يصلى عليهم كما يصلى على أهل الإسلام والبدع.
قلت: فما تقول في إعادة الصلاة خلف أهل البدع؟ قال: لا يعيد من صلى خلفهم، قيل: لا في الوقت ولا بعد الوقت؟ قال: لا في الوقت، ولا بعد الوقت، وكذلك يقول أصحاب مالك: أشهب، والمغيرة، وابن كنانة وغيرهم، أنها لا تعاد الصلاة خلفهم، وإنما يعيد من صلى خلف نصراني، وإن هذا مسلم، وليس ذنبه يخرجه عن الإسلام،
فلما يجوز صلاته لنفسه، فكذلك تجوز لمن صلى خلفه، والنصراني لا تجوز صلاته لنفسه، فكذلك لا تجوز لمن صلى خلفه، وقد أنزله من يقول: إنه يعيد خلفه في الوقت وبعد الوقت بمنزلة النصراني، وركب قياس قول الإباضية والحرورية الذين يكفرون جماعة المسلمين بالذنوب من القول، وأخبرني ابن وهب عن أسامة بن زيد، عن أبي سهيل بن مالك: أن عمر بن عبد العزيز قال له: ما الحكم في هؤلاء القدرية؟ قال: قلت: يستتابون، فإن تابوا قبل منهم، وإن لم يتوبوا قتلوا على وجه البغي.
وأخبرني ابن وهب، عن مسلمة بن علي، عن الأوزاعي أنه قال في الحروراء: إذا خرجوا فسفكوا الدماء فقتلهم حلال، قال ابن وهب: سمعت الليث يقول ذلك، وأخبرني ابن وهب، عن محمد بن عمرو، عن ابن جريج، عن عبد الكريم: أن الحروراء خرجوا فنازعوا عليا، وفارقوه وشهدوا عليه بالشرك، فلم يبحهم، ثم خرجوا إلى حروراء فأتى علي بن أبي طالب، فأخبر أنهم يتجهزون من الكوفة، فقال: دعوهم ثم خرجوا فنزلوا بالنهروان، فمكثوا به شهرا فقيل له: أغزهم، فقال: لا حتى يهريقوا الدماء ويقطعوا السبيل، ويخيفوا الآمن، فلم يهاجمهم حتى قتلوا، فغزاهم فقتلوا.
قال الإمام القاضي قوله: وأما أهل الأهواء الذين هم على الإسلام العارفين، فهم غير المنكرين له مثل القدرية والإباضية إلى آخر قوله، فمن قتل منهم على ذلك فميراثه لورثته؛ لأنهم مسلمون إلا أنهم إنما قتلوا الدائهم السوء يدل على أنه إنما يقتلون عنده إذا أبوا أن يتوبوا على ذنب لا على كفر،
والمعنى في ذلك أنه عنده كفر، إلا أنه لما اعتقده على سبيل التأويل والفرار من الكفر حصل الرجاء لهم من الله في أن يتجاوزه عنهم، فأشبه في ذلك الذنب، وإن كان عنده في الحقيقة كفر يجب عليه به من الخلود في النار ما يجب على الكفار، فالفرق بينهم وبين الكفار أنه لا يقطع بخلودهم في النار كما يقطع بخلود الكفار فيه، ومن لا يكفرهم باعتقادهم يقول: إن ذلك ذنب من الذنوب، لا يجب عليهم به الخلود في النار، ولا يجب قتلهم إن استتيبوا فأبوا، إلا أن يبينوا بدراهم، ويدعوا إلى بدعتهم، ويمنعوا فريضة من الفرائض، أو يسفكوا الدماء، ويخيفوا السبيل على ما قاله سحنون، وحكى أنه قول جماعة أصحاب مالك، وهذا في مثل القدرية والإباضية والمعتزلة وشبههم؛ إذ من أهل الأهواء ما هو كفر صريح لا يختلف في أنه كفر كالذي يقول: إن جبريل أخطأ بالوحي، وإنما كان النبي علي بن أبي طالب وما أشبه ذلك، ومنه ما هو خفيف لا يختلف في أنه ليس بكفر كالذي يقول: إن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر وعمر، وما أشبه ذلك، وقد مضى هذا التفصيل من قولنا في أول رسم من سماع ابن القاسم، وفي غير ما موضع، وسيأتي بيانه أيضا في هذا الرسم بعد هذا، فالكفار يقطع على خلودهم في النار، والقدرية والإباضية والمعتزلة وشبههم من أهل الأهواء لا يقطع بخلودهم فيه، وأهل الأهواء يقطع على أنهم لا يخلدون في النار كالمصرين على الذنوب.
مسألة: سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شتمه
مسألة قال عيسى بن دينار: قال ابن القاسم: ومن سب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو شتمه أو أعابه أو نقصه، فإن كان مسلما قتل ولم يستتب، وميراثه لجماعة المسلمين، وذلك لأن المسلم الذي يدعي الإسلام، ويشتم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمنزلة الزنديق الذي لا تعرف له توبة، فلذلك لا يستتاب؛ لأنه يتوب بلسانه، ويراجع ذلك في قلبه، فلا يعرف له توبة، وأما إذا كان نصرانيا؛ فإنه يقتل إلا
أن يسلم؛ لأنه ليس على ذلك عوهد، ولا نعمت عين على شتم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فهو يقتل صاغرا قميئا إلا أن يسلم، فيكون الإسلام توبته، ونزوعا منه عما كان يقول، ومتصلا منه، وليس يقال له: أسلم أو لا تسلم، ولكن يقتل إلا أن يسلم، وكذلك قال لي مالك، قال العتبي: وبلغني عن مالك أنه قال: من السباب سب يجب القتل عليه، ومنه ما لا يجب القتل عليه، وأما قول الذمي من النصراني أو اليهودي: إن محمدا لم يرسل إلينا، وإنما أرسل إليكم، وإنما نبينا عيسى وموسى، وهو أرسل إلينا، وهو نبينا، وما أشبهه، فليس عليهم في ذلك شيء؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: 160] ، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 29] الآية، فأما إن سبوه فيقولون: ليس بنبي، ولم يرسل، ولم ينزل عليه شيء من القرآن، وإنما هو شيء تقولونه، فالقتل على من قال ذلك واجب لا شك فيه، والمسلم إذا قال في النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شبه ذلك، فالقتل عليه أيضا.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين على ما قاله، وقد تقدم في رسم شهد، من سماع عيسى نحو هذا مما يبين بعضه بعضا، وبالله التوفيق.
مسألة: أظهر النبوة في نفسه ودعا إليها
مسألة قال عيسى: قال ابن القاسم: وأما من تنبأ فإنه يستتاب، فقلت له: أسر ذلك أو أعلنه؟ فقال: وكيف يسر ذلك؟ قلت: يدعو إليه في السر، قال: إذا دعا إليه فقد أعلنه، وليس للإسرار في ذلك وجه،
وإن إسرار ذلك إظهاره وعلانيته، وإنه يستتاب في ذلك كله، وميراثه لجميع المسلمين؛ لأنه بمنزلة المرتد؛ لأن من أظهر النبوة في نفسه ودعا إليها فقد كذب بما أنزل على محمد - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر، والصواب أن يفرق فيها بين الإسرار والإعلان، وأن يكون حكمه إذا دعا إلى ذلك في السر، وجحد في العلانية حكم الزنديق، لا تقبل له توبة إذا حضرته البينة، وهو منكر للشهادة عليه بذلك، وهو قول أشهب فيمن تنبأ من أهل الذمة، وزعم أنه رسول إلينا، وأن بعد نبينا نبي أنه إن كان معلنا استتيب إلى الإسلام، فإن تاب وإلا قتل سأل ابن عبد الحكم عن ذلك أشهب لسحنون، إذ كتب إليه أن يسأله له عن ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: سب أحدا من الأنبياء والرسل
مسألة قال: ومن سب أحدا من الأنبياء والرسل، أو جحد ما أنزل عليه، أو جحد منهم أحدا، أو حجد ما جاء به فهو بمنزلة من سب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يصنع فيه ما يصنع فيه هو؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: 285] إلى قوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] ، وقال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136] الآية، ثم قال تعالى على إثرها: ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ [البقرة: 137] الآية، وقال في النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: 150] الآية، ففي هذا كله بيان.
قال محمد بن رشد: أما من جحد ما نزل على نبي من الأنبياء مثل أن يقول: إن الله لم ينزل التوراة! على موسى بن عمران، أو الإنجيل على عيسى ابن مريم، أو جحد نبوة أحد منهم فقال: إنه لم يكن بنبي، فإنه كفر صريح إن أعلنه استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وإن أسره حتى ظهر عليه قتل، ولم يستتب؛ لأنه حكمه، وحكم من سب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو أحد من الأنبياء يقتل بلا استتابة.
فقوله في الرواية، ومن سب أحدا من الأنبياء والرسل أو جحد ما أنزل إليه، أو جحد منهم أو جحد ما جاء به، فهو بمنزلة من سب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصنع فيها ما يصنع فيه سواء، معناه في الذي جحد النبي، أو ما أنزل إليه مستسرا بذلك فعثر عليه، وأما إن كان معلنا بذلك غير مستسر به، فالحكم فيه أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل بسب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أو أحد من الأنبياء، وبالله التوفيق.
مسألة: أعراب قطعوا الطريق
مسألة وسئل ابن القاسم عن اللص يولي مدبرا أيتبع؟ فقال: إن كان قتل فنعم يتبع ويقتل، وإن لم يكن قتل، فلا يعجبني أن يتبع ولا يقتل، قال: والأسير من اللصوص يستتاب، وإلا قتل، وإن يبلغ به الإمام، وهو رأي مالك إذا كان قد استوجب القتل قتل، قلت لابن القاسم: قل يستوجب القتل وإن لم يقتل؟ قال: ذلك أشكل، ولا يقتله إلا الإمام إذا اجتهد الرأي، قلت له: أرأيت إن كان بعضهم قتل؟ فقال: إذا قتل واحد منهم، فقد استوجبوا القتل جميعا، لو خرج مائة ألف فقتل واحد منهم قتلوا كلهم، وسئل سحنون عن اللصوص إذا ولوا أيتبعوا؟ فقال: نعم، يتبعون لو بلغوا برك الغماد، قيل لسحنون: فلو أن لصا أو محاربا عرض لي فجرحته، أو ضربته بشيء فأسقطته،
أترى أن أجهز عليه؟ فقال: نعم، فأعلمته بقول ابن القاسم أنه يجهز عليه فلم يره شيئا، وقال: قد حل حين عرض ونصب الحرب وقطع الطريق وأخاف السبيل.
قال محمد بن رشد: جهاد المحاربين عند مالك وجميع أصحابه جهاد، قال أشهب عنه: من أفضل الجهاد وأعظمه أجرا، وقال مالك في أعراب قطعوا الطريق: إن جهادهم أحب إلي من جهاد الروم، وقد قال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ومن قتل دون ماله فهو شهيد» فمن قتل دون ماله ومال المسلمين فهو أعظم لأجره، واستحب أن يدعو إلى التقوى والكف، فإن أبوا قوتلوا، وإن عاجلوا قوتلوا، وأن يعطوا الشيء اليسير إذا طلبوا مثل الثوب والطعام وما خف، ولا يقاتلوا، ولم ير سحنون أن يعطوا شيئا، وإن قل، ولا أن يدعوا وقال: هذا أوهن يدخل عليهم، وليظهر لهم الصبر والجلد والقتال بالسيف، فهو أكثر لهم وأقطع لطمعهم، ذهب في ذلك كله مذهب ابن الماجشون، وقول مالك أحسن، والله أعلم.
واختلف إذا امتنع فأمنه الإمام على أن ينزل، فقيل: له الأمان له، وقيل: لا أمان له، ويقام عليه حد الحرابة، إنما يؤمن المشرك على أن يؤدي الجزية، ويكون على الذمة، وتأمين المحارب إنما هو على أن يعطل حدود الله تعالى في إقامة الحد عليه، وكره ابن القاسم في هذه الرواية أن يتبع اللص إذا ولى مدبرا فيقتل، إلا أن يكون قد قتل، وأن يجهز عليه إذا جرح، ولم يكن قتل، وأجاز ذلك كله سحنون، بل استحسنه، ومعنى ذلك إذا ولى هاربا وأمن رجوعه، وأما إن لم يؤمن رجوعه فلا اختلاف في أنه يتبع ويقتل، وما ذهب إليه سحنون هو القياس، وقول ابن القاسم استحسان.
ولا اختلاف في أنه إذا قتل واحد منهم فقد استوجبوا القتل كلهم.
ولا في أن كل واحد منهم ضامن لجميع ما أخذوا من المال، يتبع من وجد
منهم بذلك في ذمته إن لم يكن له مال، إن كان لم يقم عليه حد الحرابة، وإن كان أقيم عليه حد الحرابة، ولم يوجد عنده المال بعينه، فلا يتبع به إذا وفره متصلا، حكمه في ذلك حكم السارق سواء.
والآية في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ﴾ [المائدة: 33] الآية عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - على التخيير لا على الترتيب، والإمام مخير عنده في المحارب إذا أخاف السبل، ولم يأخذ مالا، ولم يقتل بين أن يقتله وأن يصلبه أو يقطعه بخلاف، أو يجلده أو ينفيه، وليس معنى تخييره في ذلك أن يعمل فيه بالهوى، وإنما معناه أن يتخير من العقوبات التي جعلها الله جزاءه ما يرى أنه أقرب إلى الله، وأولى بالصواب، فكم من محارب لم يقتل هو أضر على المسلمين ممن قتل في تدبيره وتأليبه على قطع طرق المسلمين، فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير فوجه الاجتهاد فيه قتله وصلبه؛ لأن القطع لا يدفع ضرره عن المسلمين، وإن كان ممن لا رأي له، ولا تدبير، وإنما يخوف ويقطع السبيل بذاته، وقوة جسمه قطعه من خلاف ولم يقتله؛ لأن ذلك يقطع ضرره عن المسلمين، وإن لم يكن على هذه الصفة، وأخذ بحضرة خروجه أخذ فيه بأيسر ذلك، وهو الضرب والسجن.
وإن قتل فلا بد من قتله، ويخير بالاجتهاد بين صلبه أو قتله، وإن لم يقتل وأخذ المال، فلا تخيير للإمام في نفيه، وإنما يخير الإمام بالاجتهاد بين قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف، ومعنى ما وقع في المدونة من أن من نصب نصبا شديدا، وعلا أمره، وطال زمانه قتله الإمام، ولم يكن له في ذلك خيار، معناه أن هذا هو الذي ينبغي للإمام أن يختاره، ويأخذ به في مثل هذا، فلا يكون قوله على هذا التأويل خلافا لمذهبه في أن الآية عنده على التخيير.
ويروى برك الغماد بكسر الغين، وبرك الغماد بضمها، وكذلك وقع في الدلائل في حديث أبي بكر أنه خرج مهاجرا قبل أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغماد، وذكر الحديث، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول وهو مغضب لا صلى الله على من صلى عليه
مسألة ولابن لبابة قال: حدثني عبد الأعلى، عن أصبغ في الرجل يكون له على الرجل دين، فيلزمه حتى يغضب، فيقول له الغريم: صل على محمد، فيقول صاحب الدين وهو مغضب: لا صلى الله على من صلى عليه، هل ترى على هذا القتل، وتراه كمن شتم النبي، وشتم الملائكة الذين يصلون عليه؟ فقال: لا، إذا كان على ما وصفت على وجه الغضب؛ لأنه لم يكن مضمرا على الشتم، وإنما لفظ بهذا على وجه الغضب، ولا يكون عليه القتل.
قال محمد بن رشد: سقطت هذه المسألة من بعض الروايات، ووقعت في بعض الروايات من قول سحنون، قيل له: أرأيت، وكذلك ذكرها ابن أبي زيد في النوادر على أنها من كلام سحنون، وأنها من أصل المستخرجة، ووصل بها قال يحيى وأبو إسحاق البرقي: لا يقتل لأنه شتم الناس، وذهب الحارث وغيره في مثل هذا إلى القتل، وقوله: لا صلى الله على من صلى عليه؛ يحتمل أن يريد به لا صلى الله على من يصلي عليه، فمن حمله على ذلك بدليل قوله صلى عليه؛ لأن قوله: لا صلى الله على من صلى عليه، خرج جوابا عليه لم ير عليه القتل؛ لأنه إنما شتم الناس كما قال أصبغ، وأبو إسحاق البرني، فيما حكى عنهما ابن أبي زيد، ويحمل أن يؤيد بقوله: لا صلى الله على من صلى عليه، ولا صلى الله على من قد صلى عليه، وعلى ذلك حمله الحارث وغيره، فلذلك رأوا عليه القتل ولم يعذره واحد منهم بالغضب كما عذره به أصبغ في الرواية، فلم ير عليه القتل، ويأتي على مذهبه أن عليه الأدب، وكذلك يجب الأدب عليه أيضا على مذهب من يرى أنه إنما شتم الناس؛ لأن في شتم من يصلي على النبي من الناس سبب من الإخلال بحقه، وبالله التوفيق.
مسألة: حكم من شتم نبيا
مسألة وكل من شتم نبيا قتل، قلت: فإن تاب عن الشتم، وقال: أتوب إلى الله، وأكون كمن أسلم الساعة ولا أعود؟ قال: لا توبة إلا لمن كان نصرانيا، قلت: فإن شتم نبيا غير النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شتم نبيا غيره موسى أو هارون أو عيسى، أو أحدا من الأنبياء؟ قال: عليه القتل، قلت: فإن شتم ملكا من الملائكة؟ قال: عليه القتل.
قلت: فإن شتم أحدا من أصحاب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أبا بكر أو عمر أو عثمان أو عليا أو معاوية أو عمرو بن العاص؟ فقال: أما إذا شتمهم، وقال: إنهم كانوا على كفر وضلال قتل، وإن شتمهم بغير هذا كما يشتم الناس رأيت أن ينكل نكالا شديدا.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين لا إشكال فيه، وقد مضى نحوه في هذا الرسم، وفي رسم شهد، من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
مسألة: قال جبريل أخطأ في الوحي
مسألة قلت: فإن قال: إن جبريل أخطأ في الوحي، وإنما كان النبي علي بن أبي طالب إلا أن جبريل أخطأ بالوحي هل يستتاب، أم يقتل ولا يستتاب؟ قال: يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
قال محمد بن رشد: هذا من البدع التي هي كفر صريح، فلا يختلف في أن من قال ذلك كافر، فلا يستتاب إلا إذا كان معلنا بذلك، وأما إذا كان مستسرا به، فهو بمنزلة الزنديق يقتل بلا استتابة، بخلاف أهل البدع مثل القدرية والمعتزلة وشبههم، الذين يستتابون أسررا بدعتهم أو أعلنوا بها، فإن تابوا لم يكن عليهم شيء، وإن لم يتوبوا قتلوا على مذهب من يكفرهم بما لقولهم، وضربوا أبدا على مذهب من مر أنهم لا يكفرون بما لقولهم حتى يتوبوا حسبما مضى فوق هذا في هذا الرسم، وبالله التوفيق.
مسألة: زعم أنه نبي يوحى إليه هل يستتاب
مسألة قلت: فلو أن رجلا تنبأ، وزعم أنه نبي يوحى إليه هل يستتاب؟ قال: نعم، يستتاب فإن تاب من ذلك وإلا قتل.
قال محمد بن رشد: لم يقل هاهنا: إنه يستتاب على ذلك إن استسر به، ودعا إليه في السر كما قال قبل هذا، والصواب أن يحمل قوله هاهنا على أنه أعلن بذلك، ولذلك رأى أن يستتاب، بخلاف إذا دعا إلى ذلك بالسر حسبما ذكرناه فوق هذا من أنه هو القياس.
مسألة: قول عند العجب بالشيء صلى الله على محمد
مسألة قيل لسحنون: أرأيت الرجل يقول عند العجب بالشيء صلى الله على محمد النبي وسلم هل يكره ذلك؟ قال: نعم، مكروه، ولا يجوز أن يصلي على النبي إلا في موضع الاحتساب، ورجاء ثواب الله عز وجل.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لا إشكال فيه، وبالله التوفيق.
: المرتد عن الإسلام يقتل مسلما أو نصرانيا أو عبدا خطأ أو عمدا
ومن كتاب العتق قال: وقال مالك في المرتد عن الإسلام يقتل مسلما أو نصرانيا أو عبدا خطأ أو عمدا، أو يجرح بعضهم، أو يسرق، قال: لا يستتاب، فإن لم يرجع للإسلام قتل، فكان القتل يأتي على جميع ما كان منه إلا الفرية، وإن راجع الإسلام اليم عليه ما يقام عن المسلمين فيما وصفت كله، إن كان خطأ حملته العاقلة عنه إن كان مما
تحمل، وإن كان عمدا أقيم ذلك عليه، واقتص منه إن كان الذي أصاب به مسلما، وإن كان نصرانيا حكم بينهما بما يحكم به بين المسلم والنصراني في جميع الأشياء، وكذلك إن قذف أو سرق، [وكل ما كان منه في الارتداد فهو بمنزلة ما كان منه] قبل الارتداد إذا راجع الإسلام.
وإن قذفه رجل في ارتداده، فلا حد على القاذف رجع المرتد إلى الإسلام، أو قتل على ارتداده إن كان إنما قذفه في ارتداده، وإن كان إنما قذفه قبل ارتداده، فإن رجع إلى الإسلام أخذ له بحده، وإن قتل على ارتداده فلا حد له.
وإن كان حج قبل ارتداده كان عليه أن يحج حج الإسلام ثانية.
وإن كانت له امرأة حين ارتد لم يرجع إليها إلا بنكاح جديد بعد إسلامه، فيكون ارتداده تطلقه بائنة.
قال محمد بن رشد: قوله فإن لم يراجع الإسلام قتل فكان القتل يأتي على جميع ما كان منه يريد ويؤخذ من ماله قيمة العبد الذي قتل؛ لأنه إنما سقط عنه بقتله على الارتداد ما كان في بدنه من القصاص في الجرح والقطع في السرقة، ولا يكون ذلك في ماله على قياس قول سحنون الذي يرى أنه محجور عليه في ماله بنفس الارتداد، وإلى هذا ذهب الفضل، وأما جناياته الخطأ التي تحملها العاقلة فاستحسن أصبغ أن يعقلها عنه المسلمون؛ لأنهم يرثون ماله.
وأما قوله: إنه إن راجع الإسلام أقيم عليه ما يقام على المسلمين فيما
وصفت كله إلى آخر قوله فهو مثل ما تقدم في رسم لم يدرك من سماع عيسى على قياس القول بأن ما جنى المرتد في حال ارتداده ثم أسلم ينظر فيه إلى حاله يوم الحكم في القود والدية، وقد روى عن ابن القاسم أنه إنما ينظر إلى حاله في ذلك يوم الفعل، لا يوم الحكم، فيقتل بمن قتل مسلما كان أو نصرانيا؛ لأنه كان كافرا يوم الفعل، والكافر يقتل بالكافر والمسلم، وعلى هذا يأتي ما قاله في رسم الصلاة من سماع يحيى بعدها: إنه إن قتل خطأ ودي عنه من بيت مال المسلمين؛ لأنهم هم كانوا ورثته يوم الجناية، ولا عاقلة له يومئذ، وقد روى عن سحنون مثل هذا القول وروى عنه أيضا أن دية ما قتل خطأ تكون في ماله؛ إذ لا عاقلة له يومئذ، وهو على خلاف أصله في أنه محجور عليه في ماله بنفس ارتداده.
يتحصل في دية من قتل المرتد خطأ إذا أسلم ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن ذلك على عاقلته.
والثاني: أن ذلك على جماعة المسلمين.
والثالث: أن ذلك في ماله، وفي المسألة قول رابع، روي عن أشهب أن ديته على أهل الدين الذي ارتد إليه.
قال أشهب: ولو جنى معاهد على أحد خطأ كانت الدية في ماله، بخلاف الأول، وقع ذلك من قوله في النوادر.
وأما ما جنى خطأ قبل أن يرتد، فإن راجع الإسلام كانت جنايته على العاقلة قولا واحدا، وأما إن قتل على ردته فيتخرج ذلك على قولين؛ أحدهما: أن ذلك على العاقلة؛ لأنه يوم جنى كانت له عاقلة.
والثاني: أنها على جماعة المسلمين؛ لأنهم هم ورثته.
وقوله: إن قذفه أحد قبل ارتداده أخذ له بحده إن راجع الإسلام بخلاف إذا قذفه أحد وهو مرتد، هو خلاف ما في المدونة من أنه إذا قذفه وهو مسلم ثم ارتد فهو بمنزلة إذا قذفه وهو مرتد لا يحد إن راجع الإسلام، وعلى هذا
الاختلاف يأتي ما قاله سحنون في كتاب ابنه: لو أن رجلا مسلما جنى على مسلم، ثم ارتد المجني عليه عن الإسلام، ثم رجع إلى الإسلام، فإن فيه تنازعا بين أصحابنا، ففي قول أشهب: إن لورثته أن يقسموا ويقتلوا الجاني، وفي قول غيره: إن أحبوا أن يقتصوا من الجرح فذلك لهم، وإن أحبوا أن يقسموا ويقتلوا فليس ذلك لهم؛ لأن القصاص قد امتنع بارتداده، وإن أحبوا أن يقسموا ويأخذوا الدية فذلك لهم، فما حكى سحنون عن أشهب يأتي على قياس قول ابن القاسم في هذه الرواية، وما حكى عن غيره ينحو إلى ما في المدونة؛ لأنه جعل ارتداد المجني عليه شبهة يسقط بها القصاص بالقسامة عن الجاني كما يسقط الحد في القذف عن القاذف، وكان القياس على ما في المدونة، ألا يكون لهم أرش الجرح كما لو جرحه وهو مرتد.
وأما قوله: وإن كان حج قبل ارتداده كان عليه أن يحج حج الإسلام ثانية، فهو مثل قوله في النكاح الثالث من المدونة؛ لأن الأعمال تحبط بنفس الكفر، وإن راجع الإسلام على ظاهر قول الله عز وجل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] .
وقد قيل: إن الأعمال لا تحبط بالكفر إلا مع شرط الموافاة؛ بدليل قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 217] الآية، وهو قول ابن القاسم في سماع موسى بن معاوية، من كتاب الوضوء؛ لأنه استحب لمن توضأ ثم ارتد، فراجع الإسلام أن يعيد الوضوء ولم يوجب ذلك، وقد زدنا هذه المسألة هناك بيانا، ولهذا الاختلاف أشار في المدونة بقوله: وهذا أحسن ما سمعت [فأسمعت] ، وقال فيها على قياس قوله: إن الحج لا يجزيه أنه لا يلزمه قضاء ما ضيع من الفرائض، وبدليل قوله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وأوجب أصبغ عليه قضاء ما صنع من
الفرائض، وخالفه في ذلك ابن حبيب، وقال فيه وفي الحج كقول ابن القاسم: إنه لا يجزئ الحج ولا يجب عليه قضاء ما ترك وضيع من الفرائض.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه لا يجزيه ما ضيع من الفرائض، ولا يلزمه قضاء ما ترك منها، وهو قوله في المدونة، واختيار ابن حبيب.
والثاني: أنه يجزيه ما ضيع ويلزمه قضاء ما ترك وضيع، وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم في سماع موسى من كتاب الوضوء.
والثالث: تفرقة أصبغ بين الوجهين، فلا يجزيه الحج، ويلزمه قضاء ما ضيع، ووجه هذه التفرقة الاحتياط والاسحتسان مراعاة للخلاف.
ومذهب ابن القاسم في ذلك أن الردة تسقط الأيمان بالطلاق وبالعتق وبالظهار، والإحصان لو تزوج رجل امرأة ودخل بها ثم ارتد أو ارتدت، ثم راجعا الإسلام قريبا بعد الإسلام لم يرجما، فكذلك على مذهبه لو طلقت امرأة ثلاثا، فتزوجها زوج ودخل بها، ثم ارتدت ثم أسلمت، لم تحل لزوجها الذي طلقها ثلاثا حتى تتزوج بعد الردة؛ ولا يسقط الطلاق ولا العتق إذا وقعا بيمين أو بغير يمين، لو طلق رجل امرأة ثلاثا بيمين أو بغير يمين، ثم ارتد ثم تاب لم تحل له إلا بعد زوج، وقال إسماعيل القاضي: إنها تحل له قبل زوج، وهو مذهب أبي حنيفة أن الردة تسقط حد الزنا وشرب الخمر، ولا تسقط حد السرقة، ولا حد القذف.
وقال أصبغ، واختاره ابن حبيب: إنها لا تسقط شيئا من الحدود كما لا تسقط الطلاق ولا العتق ولا اليمين؛ لأنه يتهم على أن يرتد في الظاهر ليسقط ذلك عنه.
واختلف على مذهب ابن القاسم في الظهار، فقيل: إنه يسقط عنه بالارتداد، حنث فيه بالوطء أو لم يحنث على ظاهر ما في المدونة، وقيل: إنه إن حنث سقطت عنه الكفارة بالارتداد، وإن لم يحنث فيه لزمه ولم يسقط عنه.
ولا اختلاف في أنه لا يسقط بارتداده تحصين من حصنه من النساء، ولا
تحليل من حلله منهن، مثل أن يتزوج امرأة ثم يرتد وتزني هي، أو يتزوج امرأة مطلقة ثلاثا فيحلها لزوجها ثم يرتد، أن تحليله إياها لزوجها لا يسقط.
وأما قوله: وإن كانت له امرأة حين ارتد لم يرجع إليها إلا بنكاح جديد بعد إسلامه يكون ارتداده تطليقة بائنة، فمثله في المدونة، وقد روي عن مالك أن ارتداده طلقة رجعية يكون أحق بها إن أسلم في عدتها، وقع ذلك في بعض الروايات من كتاب أمهات الأولاد من المدونة، وقد روى ذلك عن سحنون في ارتداد الزوجة، وفي الثمانية لابن الماجشون أنه فسخ بغير طلاق.
فيتحصل في ارتداده أحد الزوجين ثلاثة أقوال، وسنذكر هذا في رسم الأقضية، من سماع يحيى بعد هذا، وأصبغ يفرق بين أن تكون زوجته مسلمة أو ذمية فيقول: إنه إن كانت زوجته نصرانية فارتد إلى النصرانية؛ أنه يكون أحق بها إن أسلم، وكذلك إن كانت يهودية فارتد إلى اليهودية تكون زوجته إذا أسلم، وبالله التوفيق.
: نصراني صلى بقوم من المسلمين وهم لا يعلمون
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم
من كتاب الصلاة قال يحيى: قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول في النصراني يصحب القوم فيصلي بهم أياما، ثم يتبين لهم أمره: إنهم يعيدون كل صلاة صلاها بهم في الوقت وفي غيره، قيل لمالك: أفيقتل بما أظهر من الإسلام عليه، ومن إخفاء الكفر؟ قال: لا أرى ذلك عليه.
وسئل سحنون عن نصراني صلى بقوم من المسلمين وهم لا يعلمون، ثم تبين أنه نصراني، فقال: إن كان النصراني إنما كان في موضع يخاف فيه، فدارى بذلك على نفسه وعلى ماله، فلا سبيل إليه، ويعيد القوم صلاتهم، وإن كان في موضع يكون فيه آمنا، فإنه يعرض عليه
الإسلام، فإن أسلم لم يكن على القوم إعادة وصلاتهم تامة، وإن لم يسلم ضربت عنقه وأعاد القوم صلاتهم.
قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه الرواية: إنه لا يقتل بما أظهر من صلواته ظاهره، وإن كان في موضع هو فيه آمن على نفسه، ووجه ذلك أنه رأى صلاته بهم مجونا وعبثا، فيجب عليه بذلك الأدب المؤلم ولا يقتل، وفي الواضحة لمطرف وابن الماجشون مثل قول ابن القاسم في الإعادة أبدا، وقالا: إن ذلك منه إسلام، ولا حجة له إن قال: لم أرد به الإسلام، وسواء على قولهما كان في موضع هو فيه آمن على نفسه، أو في موضع يخاف فيه على نفسه، فدارى بذلك عليها مثل قول أشهب في رسم الأقضية بعد هذا من هذا السماع، وتفرقة من قول ابن القاسم في أول رسم من سماع عيسى، وبين قوله وقول ابن وهب، وفرق سحنون بين أن يكون في موضع هو فيه آمن على نفسه، أو في موضع يخاف فيه على نفسه في هل يعد ذلك منه إسلاما يقتل على الخروج منه إن لم يعد إليه، هو أظهر الأقوال في هذه المسألة على ما تقدم في رسم الأقضية من هذا السماع بعد هذا، وأما تفرقة سحنون في إيجاب إعادة الصلاة على القوم إذا كان في موضع هو فيه آمن على نفسه بين أن يجيب إلى الإسلام أو لا يجيب فهو استحسان، ووجهها أنه إذا لم يجب إلى الإسلام اتهمه فيما أظهر من إسلامه بصلواته، وإذا أجاب إليه لم يتهمه عليه، والقياس إذا عدت صلاته بهم إسلاما يستتاب عليه إن رجع عنه، ألا يجب على القوم إعادة صلاتهم، أجاب إلى الإسلام أو لم يجب.
مسألة: المرتد إذا كان ارتداده في دار الإسلام ثم قتل رجلا
مسألة قال يحيى: قال ابن القاسم في المرتد إذا كان ارتداده في دار الإسلام ثم قتل رجلا: أقيد منه، والعفو للأولياء في ذلك مثله لهم في غيره، وإن ارتد ولحق بدار الشرك، فعدى على رجل من
المسلمين فقتله، وكان فيمن يخرج على المسلمين من العدو وفر، ثم ظفر به المسلمون، فعلى الإمام أن يقتله ولا يستبقيه ولا يجعل أمره إلى الأولياء الذين قتل من المسلمين؛ لأن أمره كأمر المحارب الخارج على المسلمين بالسلاح، وهو يقتل ولا يستتاب كاستتابة المرتد في دار الإسلام، ولا يجوز لأولياء المقتول العفو عنه ما لم يسلم، قال: وإن قتل خطأ ودي عنه من بيت مال المسلمين، وإن قتل هو خطأ فعقله لجميع المسلمين، وإن قتل عمدا تعديا عليه في عداوة أو نائرة كان على قاتله العقل في خاصة ماله، ويكون ذلك العقل لجميع المسلمين.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المرتد إذا كان ارتداده في دار الإسلام، ثم قتل رجلا؛ أنه يقاد منه، والعفو فيه للأولياء مثله لهم في غيره صحيح، لا اختلاف في أن الارتداد لا يسقط عليه شيئا من حقوق الناس في الدماء ولا في الأموال، وقد مضى في رسم العتق، من سماع عيسى قبل هذا تحصيل القول فيما يسقط عنه الارتداد مما لا يسقط عنه، فلا وجه لإعادته.
وقوله: إنه إذا ارتد ولحق بدار الشرك، فكان ممن يخرج على المسلمين، ثم ظفر به المسلمون؛ أنه يقتل ولا يستتاب كاستتابة المرتد في دار الإسلام، ولا يجوز لأولياء المقتول العفو عنه ما لم يسلم، فإن أسلم لم يقتل وهدر عنه كل ما أصابه من الدماء والأموال في حال ارتداده على ما روى عيسى، عن ابن القاسم، في رسم أسلم وله بنون صغار من كتاب الجهاد، وقد مضى الكلام عليه هنالك.
وقوله: وإن قتل خطأ ودي عنه من بيت مال المسلمين، قد مضى الكلام عليه، وتحصيل القول فيه في رسم العتق، من سماع عيسى قبل هذا، وفي رسم لم يدرك منه، فلا وجه لإعادته.
وقوله: وإن قتل عمدا تعديا عليه في عداوة أو نائرة، فالعقل للمسلمين، فهذا أمر لا اختلاف فيه؛ لأن المسلمين يرثونه، فهم يأخذون ديته على مذهب من يوجب فيه دية، وبالله التوفيق.
مسألة: المرتد يقتل عمدا
مسألة قال سحنون في المرتد يقتل عمدا: إنه لا دية له ولا قصاص على قاتله، إلا الأدب من السلطان بما افتات عليه، وقد كان عبد العزيز بن أبي سلمة يقول: يقتل المرتد ولا يستتاب، ويذكر أن أبا موسى الأشعري وقف على معاذ بن جبل، وأمامه مسلم تهود، فقال له معاذ: انزل يا أبا موسى، فقال: لا والله لا نزلت حتى يقتل هذا، فلو رأى عليه استتابة ما قاله، ولو رأيت له الاستتابة لرأيت ذلك في المحارب والزاني المحصن، وذنبهما أيسر خطبا من المرتد.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، تحصيل القول في استتابة المرتد، فلا معنى لإعادته، ومضى في نوازل سحنون من كتاب الديات القول فيما يجب على قاتل المرتد عمدا، لتكرر المسألة هناك، وأن في ذلك ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه لا دية له، وهو قول سحنون، وروي مثله عن أشهب أيضا.
والثاني: أن ديته دية مجوسي، وهو قول البرني، وحكاه عن أشهب وابن القاسم، وحكى سحنون عن أشهب أن عقله عقل الدين الذي ارتد إليه، وقد روى عن ابن القاسم مثل ذلك، وذكرنا هناك وجه الاختلاف في ذلك، فلا وجه لإعادته.
مسألة: المرتد إذا جرح في ارتداده عمدا أو خطأ
مسألة قال ابن القاسم: إذا جرح المرتد في ارتداده عمدا أو خطأ، فإن عقل جراحاته للمسلمين إن قتل، وله إن تاب، وعمد من جرحه كالخطأ لا يقتص ممن جرحه، قلت: فإن كان جارحه عمدا نصرانيا؟
قال: لا قود؛ لأنه ليس على دين يقر عليه، فعمد من أصابه بجرح خطأ يعقل ولا يقاد، أصابه بالجرح مسلم أو غير مسلم.
قال محمد بن رشد: قوله في المرتد إذا جرح في ارتداده عمدا أو خطأ، إن عقل جراحاته للمسلمين، إن قتل يريد من حساب دية مجوس الدين الذي ارتد إليه على ما تقدم في المسألة التي قبل هذه من الاختلاف في ذلك، ومن لا يرى في المرتد الذي قتل دية، وهو قول سحنون، وأحد قولي أشهب، فلا دية على جارحه في جرحه إذا قتل، وأما إن تاب فجراحاته على حساب الدين الذي ارتد إليه قاله سحنون، ولا أعرف في هذا نص خلاف.
مسألة: الولاء للمسلمين
مسألة قلت له: أرأيت ولاء من أعتق من عبيده المسلمين، أيثبت له إذا تاب ولزمه إمضاء عتقهم؟ قال: الولاء للمسلمين؛ لأنه أعتقهم حين لم يكن يثبت له ولاء من أعتق من المسلمين، وكذلك من كاتب من المسلمين إذا أدى ما كوتب به، فولاؤه للمسلمين إذا أدى ما كوتب به فهو للمسلمين، وإن عجز رق له، والكتابة تمضي عليه إذا تاب، وترد إن قتل، قيل له: فالتدبير؟ قال: إذا تاب مضى، وإن قتل رد ولم يجز تدبيره.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف فيما دبر المرتد قبل ارتداده، أو أولد من إمائه، أو أعتق إلى أجل من رقيقه، أو كاتب في أن ذلك يمضي على المرتد، وإن قتل أو مات في ردته، فتمضي الكتابة على كتابته، ويعتق المعتق إلى أجل إلى أجله، ويعتق المدبر من ثلثه وأم الولد من رأس ماله، ويكون ولاؤهم له إن تاب، ولعصبته من المسلمين إن قتل أو مات على ردته، وقال أشهب: إن مات أو قتل على ردته فولاؤه لجماعة المسلمين، دون مسلمي ولده، قال محمد بن المواز: وقول ابن القاسم أحب إلينا؛ لأنه عقد كان منه في
إسلامه وأما وصاياه التي له الرجوع عنها، فلا تجوز ولا تنفذ إن قتل أو مات في ردته، فإن رجع إلى الإسلام جازت وصاياه.
واختلف في أمهات الأولاد فقال ابن القاسم: يرجع إلى وطئهن، وقال أشهب: قد عتقن بارتداده، ولا يرجعن إليه، واختلف فيما فعل من ذلك كله بعد الردة قبل أن يحجر عليه في ماله بنفس ارتداده، فقيل: إن ذلك لا يجوز إن قتل أو مات على ردته، ويبطل تدبيره وعتقه المؤجل وكتابته، ويسترق ما استولد من الإماء، وهو قول أشهب ومذهب سحنون، ومذهب ابن القاسم في هذه الرواية؛ لأنه قال: إن ذلك يرد كله إن قتل، ويمضي إذا تاب وراجع الإسلام، فيعتق المدبر من ثلثه، ويمضي العتق المؤجل إلى أجله، وتمضي الكتابة على سنتها، ويكون ولاؤهم للمسلمين، وأما أمهات أولاده فيرجع إلى وطئهن على مذهب ابن القاسم، خلاف قول أشهب على ما تقدم، وأما إن فعل ذلك بعد الحجر، فلا يجوز باتفاق إن قتل، واختلف إن تاب وراجع الإسلام، فقيل: إن ذلك لا يجوز أيضا، وقيل: إنه يجوز، وهو اختيار محمد بن المواز.
مسألة: وقعت له شفعة وهومرتد أيأخذها
مسألة قيل له: أرأيت إن وقعت له شفعة، وهو مرتد أيأخذها؟ قال: ليس ذلك له، قال العتبي: إن رجع أخذ شفعته.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف فيما قاله العتبي من أنه أحق بشفعته إذا تاب، ولا في أنه ليس له أن يأخذ بعد أن يحجر عليه، وإنما الكلام هل له أن يأخذ شفعته قبل أن يحجر عليه، فظاهر هذه الرواية أن ذلك ليس له، فإن أخذها كان للسلطان أن يرد فعله في ذلك، وهو قول سحنون على أصله في أنه محجور عليه في ماله بنفس ارتداده، وحكى عنه ابن أبي زيد في النوادر على أنه من العتبية في المرتد يحبس، فتجب له الشفعة، قال: هو محجور عليه، فإن تاب فله الشفعة، وإن قتل فهي للسلطان يأخذها إن شاء لبيت المال أو يترك.
والمشهور من مذهب ابن القاسم أن أفعال المرتد في ماله ماضية ما لم يحجر عليه برفع أمره إلى السلطان، وسجنه خلاف ظاهر قوله في هذه الرواية، وقد مضى هذا المعنى في المسألة التي قبل هذه، وفي رسم إن خرجت، من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
مسألة: إذا أقيم على المحارب الحد
مسألة قال سحنون: إذا أقيم على المحارب الحد، فحكمه حكم السارق فيما وجب عليه من الأموال إن كان له وفر، وهو متصل، يؤخذ منه جميع الأموال دية النصراني، وقيمة العبيد واستكراه النساء، وجميع ما استهلك من الأموال، وإن لم يكن له وفر متصل، لم يتبع بشيء إذا لم تقم عليه الحدودات، فحكمه حكم رجل فعل هذه الأشياء، وليس بمحارب يلزمه ذلك في ذمته وماله والقصاص لمن له القصاص.
قال محمد بن رشد.: وقعت هذه المسألة في خارج كتاب ابن لبابة من الأصل، وهي صحيحة بينة لا إشكال فيها ولا اختلاف في المذهب.
: النصراني يسلم في أيام شدة وضيق من الخراج ثم يرجع إلى الإسلام
ومن كتاب الأقضية قال يحيى: وسأله ابن وهب عن راهب قيل له: أنت رجل فصيح عربي قد عرفت فضل الإسلام وأهله على غيره من الأديان، فما يمنعك من الإسلام؟ فقال: قد كنت مسلما زمانا فعرفت الإسلام، ولم أر دينا أفضل من النصرانية، فرجعت إليها للذي عرفت من فضلها، فبلغ ذلك السلطان فأرسل إليه فسأله عن قوله، فقال: قد قلت ذلك، ولم أكن مسلما قط، وإنما كان ذلك قولا قلته، فحبسه السلطان، والتمس عليه البينة في إسلامه، فلم يجد بينة تشهد على
إسلامه إلا القول الذي أقر به، فماذا يجب عليه؟ قال: لا أرى عليه قتلا ولا عقوبة، ولا يستتاب كمن يعد مرتدا، إلا من شهد عليه أنه رئي يصلي ولو ركعة واحدة من الصلاة.
قلت: فإن تشهد وأقر بالنبي، وعرف الفرائض من أداء الزكاة والحج وصيام رمضان فريضة، وتشهد به بعد العلم به، وهو ممن لا يعذر بالجهالة؟ فلم يجب بشيء.
وسألت عن ذلك ابن القاسم، فقال: سمعت مالكا يقول: لا يقتل على الارتداد إلا من ثبت عليه أنه كان على الإسلام، يعرف ذلك منه طائعا يصلي مقرا بالإسلام من غير أن يدخل الإسلام هربا من ضيق عذاب عذب به في جزية، أو ما أشبه ذلك، أو يكون حمل من جزيته ما لا طاقة له به فألجأه ذلك إلى الإسلام، فمن ألجئ إلى ذلك منهم لما بلغ به من عذابه في خراجه أو طول سجن، فإنه يقال: إن أسلم إذا عرف ذلك من عذره.
قال أصبغ: قال ابن وهب مثله.
وسألت عنها أشهب وقلت له: النصراني يسلم في أيام شدة وضيق من الخراج، ثم يرجع إلى الإسلام، ويرجع ويزعم أن إسلامه إنما كان من ضيق ضيق به عليه، ولا يعلم ذلك إلا بقوله، فقال لي: بل لو علم ذلك كما قال، وشهد له بذلك غيره، لرأيت أن يقتل إن لم يرجع إلى الإسلام، ولم ير ابن وهب عليه القتل إذا كان عن ضيق أو عذاب أو خوف، وأشارا به جميعا على إسحاق بن سليمان الهاشمي، ونزلت به عندنا في مصر.
قال الإمام القاضي: أما الراهب الذي قال: كنت مسلما زمانا، ثم قال لما وقف على ذلك: ما كنت مسلما قط، وإنما كان ذلك قولا قلته، فقول ابن
وهب فيه: إنه لا قتل عليه ولا عقوبة، بين صحيح؛ لأنه شاهد على نفسه بالإسلام، فلا يصح أن يقتل بشهادته على نفسه؛ إذ قد رجع عنها، وقال: إنه كذب على نفسه فيها كما لو شهد عليه شاهدان بالإسلام، ثم رجعا عن شهادتهما، وقالا: كذبنا فيما شهدنا به عليه من ذلك، ولما سأله عمن رضي بالإسلام بعد وقوفه على فرائضه، وأقر بالنبي، وتشهد، ثم رجع عن الإسلام لم يجبه بشيء، ومن مذهبه أنه لا يقتل على الكفر من أنكر الإسلام من أهل الذمة، إذا لم يشهد عليه إلا بالتشهد بالإسلام، وذلك بين من قوله، ولا يستتاب كمن يعد مرتدا إلا من شهد عليه، أنه رئي يصلي ولو ركعة واحدة من الصلاة، مثل ما حكى ابن القاسم أنه سمع مالكا يقول: لا يقتل على الارتداد إلا من ثبت عليه أنه كان على الإسلام يعرف ذلك منه طائعا يصلي؟ وأصبغ يقول: إنه من أسلم طائعا ثم ارتد بعد طول مكث أو بقرب، صلى وصام ولم يفعل، ثم رجع في موقفه، فيسلك به مسلك من ولد على الفطرة.
والاستتابة ثلاثة أيام يخوف فيها القتل، ويذكر الإسلام ويعرض عليه، ولا اختلاف فيمن اعتقد الإسلام بقلبه أنه مسلم مؤمن؛ لأن الإيمان من أفعال القلوب، ولا في أنه يحكم له بحكم الإسلام بإظهار الشهادة، فيورث به ويصلي عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، وإن مات من ساعته قبل أن يصلي أو يصوم؛ نعم وإن مرت به أوقات صلوات قبل أن يموت، فلم يصل لأن ذلك يحمل منه على التضييع والتفريط الذي لا يخرج من الإسلام والإيمان في قول كافة العلماء، فقول أصبغ: إنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهو القياس.
ووجه ما ذهب إليه ابن وهب ومالك فيما حكى ابن القاسم من أنه لا يستتاب ولا يقتل حتى يصلي؛ اتباع ظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من غير دينه فاضربوا عنقه» لأنه لا يستحق أحد التسمية بأنه على دين الإسلام
إلا بالتمادي على فعل شرائعه من الصلاة والزكاة والصيام والحج؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا» ، ولأنا لسنا على يقين من صحة الشهادة عليه بالإسلام إذا كان منكرا لاحتمال أن الشهود قد شبه عليهم فيما شهدوا به عليه؛ لأن الاختلاف إنما هو إذا كان منكرا لما شهد به عليه من الإسلام، ولو أقر بما شهدوا به عليه من الإسلام، لوجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإن كان لم يصل باتفاق، والله أعلم.
وقول ابن القاسم وابن وهب: إنه يعذر في أنه إنما أسلم لما ذكره من أنه حمل من جزيته ما لا يحتمله وما أشبه ذلك، إذا عرف ذلك من عذره يدل على أنه لا يصدق في ذلك إذا لم يعرف عذره.
وقد روى أبو زيد عن ابن القاسم في النصراني يسلم ويصلي ويقول: أسلمت مخافة الجزية، أو أن أظلم، قال: يقبل ذلك منه، وليس كالمرتد، ذكر هذه الرواية ابن أبي زيد في النوادر، ومعنى ذلك إذا أشبه ما ادعاه.
وتحصيل هذا أنها مسألة فيها قولان:
أحدهما أنه لا يعذر، وهو قول أشهب، وحكى ابن حبيب مثله عن مطرف وابن الماجشون.
والثاني: أنه يعذر، واختلف على القول بأنه يعذر هل يصدق في العذر إذا ادعاه على قولين: أحدهما: أنه لا يصدق، وهو قول ابن القاسم وابن وهب في هذه الرواية.
والثاني: أنه يصدق هو قول ابن القاسم في رواية أبي زيد عنه، ومعنى ذلك إذا أشبه ما ادعاه، وقد مضى في أول السماع من معنى هذه المسألة، وفي أول سماع عيسى أيضا، فقف على ذلك كله وتدبره، وبالله التوفيق.