البيان والتحصيلصفحات 395-425
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب زكاة الذهب والورق

صفحات 395-425
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال محمد بن رشد: هذا في المدير الذي يلزمه أن يزكي ماله من الديون، وقوله: إن الدين الذي لا يرتجى إذا كانت له قيمة يحسب تلك القيمة، ينبغي أن يحمل على التفسير لما في المدونة، فيكون قوله فيها إنه لا يزكي الدين الذي لا يرتجى، معناه إذا لم تكن له قيمة، وقد اختلف إذا كان الذي عليه الدين موسرا، هل يزكي عدده أو قيمته؟ على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه يزيد عدده حالا كان أو مؤجلا، وهو ظاهر قول ابن القاسم، وروايته عن مالك في كتاب ابن المواز، وظاهر قول ابن القاسم ههنا؛ والثاني: أنه يزكي قيمته لا عدده، وهو قول سحنون، وظاهر ما في المدونة، قال محمد بن المواز: وهو القياس، غير أني ما علمت أحدا من أصحاب مالك يقوله.
والثالث: أنه إن كان حالا زكي عدده، وإن كان مؤجلا زكي قيمته، ومن الناس من يجعل هذا القول مفسرا لقول ابن القاسم ههنا، ولما في المدونة، وكتاب ابن المواز، والأظهر أنه قول ثالث في المسألة، والله الموفق.

استحق له معدن في أرضه للإمام فيه أمر زكاته

من سماع يحيى بن يحيي من ابن القاسم من كتاب أوله يشتري الدور والمزارع قال يحيى: قال ابن القاسم: في رجل استحق له معدن في أرضه للإمام فيه أمر؟ فقال: الأمر كله إليه في جميع المعادن كان في أرض رجل خاصة، أو في أرض أهل الذمة من العنوة أو في أرض موات ليست المعادن لأحد إلا بقطيعة الإمام، وليست لمن أقطعها الإمام، إلا على (حال) ما وصفت لك من الانتفاع بنيلها ما عمل، ثم إن خرج فترك العمل أو مات عنها، أقطعها الإمام من شاء، قال يحيى: قلت لابن القاسم: أفيجوز للإمام إن طال عمله

فيها؛ فلم يتركها، ولم يمت عنها، أن يزيل منها غيره فيخرجه ويقطعها سواه، أو إن ترك العمل، ثم نبذه زمانا فطلبها غيره من الإمام، أن ينزعها ويقطعها غيره ممن يعمل؟ قال سحنون: إنما ذلك في المعادن التي في الأرض التي لا تملك بمنزلة الموات، فأما الرجل تكون له الأرض يملكها فيظهر فيها معدن، فهو له يمنعه ويعمل فيه، ولا يجوز له بيعه؛ لأنه غرر لا يدري ما فيه، ولا كم يدوم له، أو ما يجد فيه مما لا يجد، وكذلك برك الحيتان تكون في أرضه، فهو يمنعها ويحميها ممن يريد أن يصيد فيها؛ وليس لأحد الدخول في أرضه وماله؛ قال يحيى: قلت لابن القاسم: فمعادن أرض الصلح أللإمام فيها أمر؟ فقال: أما ما كانوا على دينهم، فلهم صلحهم والوفاء بعهدهم؛ فإن أسلم الذي المعدن في يديه وأرضه رجع أمره إلى الإمام، ولم يكن لصاحب الأرض منه شيء.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم أن المعادن ليست تبعا للأرض، وأمرها إلى الأمام يقطعها لمن يعمل فيها لا على سبيل تمليك أصلها كانت في أرض مملوكة أو غير مملوكة، إلا أن تكون في أرض قوم قد صالحوا عليها، فهم أملك بأرضهم، فإن أسلموا رجع أمرها إلى الإمام؛ هذا قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن أهل الصلح إذا أسلموا على أرضهم رجع ما كان فيها من المعادن إلى الأمام، وليس يلتئم على أصله: أن يرجع إلى الإمام من معادن أهل الصلح، إلا ما ظهر في أرضهم منها بعد إسلامهم؛ وأما ما ظهر فيها قبل إسلامهم، فالواجب على أصله أن يكون لهم؛ لأنهم (قد) أسلموا عليها، ومثل ذلك حكى ابن المواز عن مالك، وقد ظن بعض أهل النظر أن

قول مالك في كتاب ابن المواز في أهل الصلح إذا أسلموا على أرضهم، وفيها معادن، أنها لهم مخالف لمذهب ابن القاسم مثل قول سحنون، وليس ذلك بصحيح، بل قول مالك هو الصحيح على أصل ابن القاسم في مالك الأرض لا يملك بملكها ما كان فيها من مجهول لم يعلم به كالمعدن وشبهه، خلاف مذهب سحنون في أنه يملك بملكها ما كان فيها من مجهول - لم يعلم به، وعلى هذا الأصل ذهب في المعادن إلى أنها إن كانت في أرض مملوكة، فهي لصاحب الأرض، وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
وجه القول الأول أن الذهب والفضة التي في المعادن التي في جوف الأرض، أقدم من ملك المالكين لها، فلم يحصل ذلك ملكا لهم بملك الأرض، إذ هو الظاهر من قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: 128]، إذ لم يقل إن الأرض لله يورثها وما فيها (من يشاء من عباده)، فوجب بحق هذا الظاهر، أن يكون ما في جوف الأرض من ذهب أو ورق في المعادن فيئا لجميع المسلمين، بمنزلة ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب؛ ووجه القول الثاني أنه لما كان الذهب والفضة نابتين في الأرض كانا لصاحب الأرض بمنزلة ما نبت فيها من الحشيش والشجر.
والقول الأول أظهر؛ لأن الحشيش والشجر حادثان بعد الملك، فهما بخلاف الذهب والفضة في المعادن، وأما الحيتان المتولدة في برك أرض الرجل، فقد قيل: أنها لصاحب الأرض؛ لأنها تولدت في أرضه، وهو قول سحنون، وقيل: إنها لمن صادها من المسلمين؛ لأنه غيث ساقه الله لم يملك صاحب الأرض أصله، وروي عن أشهب أنه قال: إن كان صاحب الأرض وضع في البرك الحيتان، فتوالدت فيها فهي له، وإلا فهي لمن صادها من المسلمين، ولكل وجه؛ وسأله في الرواية هل للإمام أن يزيل منها الذي أقطعه إياها إذا طال عمله فيها ولم يتركها، ولا مات عنها، أو تركها ويقطعها غيره أم لا؟ فلم يجبه في ذلك، وقد

روى أشهب عن مالك أن ذلك له، وهو ظاهر في الوجهين جميعا؛ لأنه إذا طال عمله فيها، فقد انتفع بما أقطع ولم يستحق المعدن بالإقطاع ملكا، ولا العمل فيه حياته، لا أن يقطعه إياه حياته، فله أن يقطعه غيره، وإذا ترك العمل فيه ونبذه، فقد ترك حقه، فللإمام أن يقطعه غيره.
وأما إذا مات، فقال في كتاب الشركة من المدونة: إن للإمام أن يقطعه لمن شاء، ولم يبين إن كان قد أدرك النيل أو لم يدركه، وقال سحنون: إن كان قد أدرك النيل فليس للإمام أن يقطعه إلا لورثته، وقال أشهب: وإن مات قبل أن يدرك النيل، فورثته أحق به، وهو القياس؛ لأنه إذا قطع لغير ورثته وقد عمل فيه، ذهب عناؤه وعمله باطلا، كان قد أدرك النيل، أو لم يدركه، إلا أن يكون قد أدرك النيل، قدر له مدة لو شاء الإمام أن يقطعه لغيره قبل أن يموت، كان ذلك له، فيكون له أن يقطعه لغير ورثته، هذا هو النظر في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

يكري داره خمس سنين بمائة دينار فيتعجلها

من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: وسئل ابن القاسم عن الرجل يكري داره خمس سنين بمائة دينار، فيتعجلها، فيحول الحول عليه - وهي عنده، وليس له مال غير الدار؟ قال: يزكيها لأنه كان ضامنا لها، وهي مال من ماله بمنزلة الدين يكون عليه ينظر إلى ما صار له من الكراء فيما سكن، فان كان عشرة دنانير، نظر إلى قيمة الدار، فإن كان قيمتها تسعين زكى المائة كلها؛ لأن في قيمة الدار وفاء مما عليه من التسعين؛ وإن كان قيمتها ثلاثين زكى الأربعين؛ لأنه إنما وجب له عشرة والتسعون دينا عليه، فهو يخاف على الدار أن تنهدم فيبطل الكراء فيما بقي ويرجع عليه بالتسعين؛ فإنما قومناها بعد السنة لتعرف قيمتها، وليجعل الدين فيها، ولا يكون عليه فيما بقي شيء؛ لأنه دين عليه،

ولكن ينظر فكل ما سكن أخذ بقدره فزكاه، وإن كان دينارا واحدا؛ لأنه قد حال عليه الحول عنده، وهو من أصل مال قد حال عليه الحول، وذلك أنه كلما وجب له من السكنى شيء حسب عليه؛ لأنه قد كان قبض الكراء كله، وحال عليه من حين قبضه حول، وصار بمنزلة العشرة الأولى التي وجبت له بمضي السنة، وأوقفت الدار في عشرين، فكلما سكن شيئا حسب له من يوم قبضه، فزكاه على ذلك وهو وجه ما سمعت.
قال محمد بن رشد: جواب ابن القاسم في هذه المسألة مبني على القول بأن الرجل إذا كان له مال وعليه دين مثله، فوهب له الدين بعد حلول الحول على المال الذي بيده، أو أفاد مالا فيه وفاء به؛ إنه يزكي ما بيده من المال، ولا يستقبل به حولا ثانيا من يوم وهب له الدين، أو أفاد ما فيه وفاء به؛ وهو قول غير ابن القاسم في المدونة، خلال قول مالك فيها، وأحد قولي ابن القاسم على ما تقدم من اختلاف في قوله في ذلك في سماع عيسى؛ لأنه قال: إنه يزكي من المائة التي قبض مقدمة في كراء داره خمسة أعوام، إذا حال عليها الحول؛ ما يجب منها للعام الماضي مع قيمة الدار، وما يجب منها للعام الماضي قد كان عليه دينا، وإنما سقط عنه الدين فيه بالسكنى شيئا بعد شيء، وسقوط الدين عنه فيه بالسكنى كهبته له سواء، فأوجب عليه فيه الزكاة بحلول الحول، ولم يأمره باستئناف حول من يوم سقط عنه فيه الدين شيئا بعد شيء.
، ويأتي على قياس القول الثاني، وهو الذي في المدونة لمالك، ألا يزكي شيئا من ذلك حتى يحول عليه الحول بعد سقوط الدين عنه بالسكنى، ووجه العمل في ذلك، أن يؤخر حتى يمضي من العام الثاني ماله قدر، فيزكي ما ينوب قدر ذلك من العام الأول؛ لأنه هو الذي حال عليه الحول بعد سقوط الدين عنه، ثم إذا

مضى بعد ذلك أيضا ماله قدر، زكى ما ينوب ذلك كذلك أبدا حتى ينقضي العام الثاني، فيزكي بانقضائه ما بقي من واجب العام الأول، وأما تزكيته منها قدر قيمة الدار عند حلول الحول عليها عنده، فلا اختلاف في ذلك؛ لأن الدار وفاء بالدين، وملكها له قديم، وكذلك يدخل هذا الخلاف أيضا فيما يجب عليه من الباقي، فقال في الرواية على أصله فيها: إنه يزكي منه بقدر ما سكن شيئا شيئا، وعلى ما في المدونة لمالك لا يزكي منه بقدر ما سكن حتى يحول عليه الحول من يوم سكنه.
ومعنى قوله: وأوقفت الدار في عشرين، أن هذا الباقي الذي يزكي منه بقدر ما يسكن، إنما هو ما بعد قيمة الدار، وبعد العشرين التي تجب العام الماضي؛ لأنه قال: إن الكراء كان خمس سنين بمائة دينار، ويلزم على قياس القول الآخر - وهو بنى عليه جوابه في الرواية إذا زكى من المائة التي قبض ما يجب لما مضى مما حال عليه الحول، أن يجعل ما بقي من ذلك أيضا فيما عليه من الدين، فيزكي قدره من المائة، كما يجعل في ذلك قيمة الدار، ويزكي قدره منها لأنه إذا أخرج زكاته، صار الباقي منه بعد إخراج الزكاة كما أفاده مكانه، فيجعل الدين فيه على هذا القول، ويزكي قدر ذلك مكانه من غير أن يستقبل بذلك حولا من حينئذ - كما قال ابن المواز؛ على قياس هذا القول فيمن آجر نفسه ثلاث سنين بستين دينارا، وقبضها ومضت سنة ولا عروض له، أنه يزكي تسعة وثلاثين دينارا ونصف دينار؛ لأنه يخرج أولا زكاة عشرين دينارا نصف دينار، ثم يجعل ما بقي منها وذلك تسعة عشر دينارا ونصف دينار - فيما عليه من الدين، ويزكي قدر ذلك مما قبض، وعلى ما في المدونة لمالك لا يزكي بمضي السنة ما يجب لها من الإجارة؛ لأن الحول لم يحل على جميع ذلك منذ وجبت له بسقوط الدين عنه فيها؛ وقد قيل في الذي أكرى داره خمس سنين بمائة وقبضها: إنه يجب عليه أن يزكي جميعها إذا حال عليها الحول عنده؛ لأن

الدور مأمونة، وما يطرأ عليها من الهدم نادر، فلا يعتبر به، وهو ظاهر قوله في أول المسألة: يزكيها؛ لأنه كان ضامنا لها وهي مال من ماله، خلاف ما ذكر بعد ذلك من التفسير، فيتحصل في المسألة على هذا أربعة أقوال، أحدها: أنه يزكي إذا حال الحول على المائة بيده المائة كلها، وهو هذا القول، والقول الثاني: أنه يزكي منها قدر قيمة الدار، وما يجب من الكراء للعام الماضي، فكلما سكن بعد ذلك المكتري شيئا زكى مما بقي قدر ذلك، وهو قوله في هذه الرواية.
والقول الثالث: أنه يزكي منها قدر قيمة الدار، وما يجب منها للعام، وما يبقى من ذلك بعد الزكاة، فكلما سكن المكتري بعد ذلك شيئا، زكى مما بقي قدر ذلك، وهذا القول يأتي على ما بنى عليه جوابه في الرواية، وعلى ما ذكرناه عن محمد بن المواز في مسألة الإجارة.
والقول الرابع: أنه يزكي منها قيمة الدار، ولا يزكي مما وجب للعام الماضي، ولا مما يسكن بعد ذلك، إلا ما حال عليه الحول من ذلك بعد السكنى؛ وهذا القول يأتي على مذهب مالك في المدونة على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.

مسألة: يبعث بمال إلى إفريقية فتحضره زكاته أيقومه

مسألة وسألت ابن القاسم: عن الرجل يبعث بمال إلى إفريقية فتحضره زكاته، أيقومه؟ قال: إن علم ذلك وتبين كم هو، أو قدر على أن يتوخى قدر ذلك، فعل، وإن أخر ذلك حتى يقدم عليه، زكاه لما مضى له.
قال محمد بن رشد: وهذا في المدير الذي يبعث من ماله بضاعة، فإذا جاء شهر زكاته قومه وزكاه مع ما يزكي من ماله - إن علم قدره، أو قدر أن يتوخاه، وإن لم يعلم ذلك أخر زكاته حتى يقدم عليه، فزكاه لما مضى له من الأعوام على ما يخبره به الذي هو بيده، وهذا ما لا اختلاف فيه أعلمه؛ لأنه ماله ضمانه منه وربحه له، فلا تسقط عنه زكاته لمغيبه عنه.

مسألة: النصاب من الورق

مسألة وسئل سحنون: عن رجل له مائتا درهم ليست كيلا بالأندلس،

وهي تجوز عندهم مجاز الكيل، قال: لا يكون عليه فيه الزكاة، إلا أن ينقص من الكيل نقصانا يسيرا.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف بين أهل العلم في أن النصاب من الورق خمس أواق، وهي مائتا درهم كيلا تجيء بوزن زماننا مائتي درهم وثمانين درهما، فإن نقصت من ذلك نقصانا بينا تتفق عليه الموازين، لم تجب فيها الزكاة، إلا أن يجرى عددا، وهي تجوز بجواز الوازنة فتجب فيها الزكاة.
وإن كان النقصان كثيرا، وهو ظاهر ما في الموطأ؛ وقيل: إن الزكاة لا تجب فيه، وإن كان النقصان يسيرا، وإلى هذا ذهب ابن لبابة، وقيل: إن كان النقصان يسيرا، وجبت فيها الزكاة، وإن كان كثيرا، لم تجب فيها الزكاة، وهو قول سحنون هذا؛ وأما إن كانت لا تجوز بجواز الكيل، فلا تجب فيها الزكاة، وإن كان النقصان يسيرا قولا واحدا، فهذا تحصيل الخلاف في هذه المسألة.

مسألة: حلت عليه الزكاة وهو ممن يدير ماله في التجار

مسألة وسئل: عن رجل حلت عليه الزكاة وهو ممن يدير ماله في التجارة، فأتى شهره الذي يقوم فيه، هل يجب عليه أن يبيع عروضه بالغا ما بلغ؟ قال: عليه أن يبيع كما يبيع الناس لحاجتهم، ويؤدي زكاة ماله؛ قيل له: فإن لم يبع من العروض حتى تلفت بعدما حال عليه الحول، هل يكون ضامنا للزكاة؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن للرجل أن يتقصى في سلعته للبيع، ويجتهد في تسويقها ليؤدي منها الزكاة دون تفريط ولا تأخير، وليس يلزمه

أن يبيعها من حينه بما يعطى فيها من قليل أو كثير؛ لأن ذلك من إضاعة المال، فإن فرط في بيعها حتى تلفت، لزمه ضمان الزكاة؛ وإن تلفت قبل أن يفرط، لم يلزمه ضمان ما تلف، وزكى الباقي إن كان ما يجب فيه الزكاة.
وقيل: إنه تلزمه الزكاة، وإن لم تبلغ ما يجب فيه الزكاة؛ لأن المساكين نزلوا معه بحلول الحول منزلة الشركاء، فما تلف فمنه ومنهم، وما بقي فبينه وبينهم، وبالله التوفيق.

مسألة: زكاة ما ورثوه من الناض لكل سنة

مسألة قال سحنون: في الذي يموت ويترك مالا وولدا صغارا أو كبارا، إن الزكاة على الصغار والكبار لكل سنة من يوم ورثوه - وإن لم يقسم المال، ولا يكون مثل الدين على الرجل، فيقيم عنده سنين، أنه لا يكون عليه إلا زكاة واحدة حتى يقبضه؛ لأن الذي كان في يديه الدين كان ضامنا، ولم يكن رب الدين ضامنا له حتى يقبضه، وإن الميراث، إنما هو في ضمان أهل الميراث من حين ورثوه إن تلف، ومصيبته منهم.
فلذلك كان عليهم زكاته كل سنة من حين ورثوه إلى يوم يصير إليهم؛ لأنه لم يزل ملكا لهم من حين ورثوه، وإن لم يكونوا قبضوه.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب سحنون: أن على الورثة زكاة ما ورثوه من الناض لكل سنة من حين ورثوه، وإن لم يقبضوه ولا علموا به صغارا كانوا أو كبارا، أو صغارا وكبارا، وهو قول المغيرة؛ ووجه ذلك كونه في ضمانهم من يوم ورثوه، وذهب ابن القاسم إلى أنه لا زكاة عليهم فيه حتى يقبضوه ويستقبلوا به حولا من يوم قبضوه، وإن علموا به صغارا كانوا أو كبارا أو صغارا وكبارا، ووجه ذلك أن تنميته لا تصح لهم إلا بعد قبضه، وهي المعنى

المقصود بالحول؛ وقد فرق بين أن يعلموا أو لا يعلموا على وجهين، أحدهما: أنهم إن لم يعلموا استقبلوا به حولا بعد القبض، وإن علموا ولم يقدروا على التخلص إليه، زكوه لسنة واحدة؛ وإن علموا وكانوا قادرين على التخلص إليه، زكوه لما مضى من الأعوام، وهذا قول مطرف؛ والثاني: أنهم إن لم يعلموا زكوه لسنة واحدة، وإن علموا زكوه لما مضى من الأعوام، روي هذا عن مالك.
واختلف في قبض الوكيل والوصي والسلطان، فلم يراع ابن القاسم قبض السلطان، ولا قبض الوصي - إذا كان الورثة كبارا أو صغارا أو صغارا وكبارا؛ وإنما رأى قبضه قبضا للصغار إذا كان المال مقسوما، وجعل قبض الوكيل كقبضه؛ وجعل ابن حبيب قبض السلطان والوكيل كقبضه لنفسه، ورأى قبض الوصي قبضا للصغار - مقسوما كان المال أو غير مقسوم، وقد روى أصبغ عن ابن القاسم: أن الوكيل إذا قبض المال وأقام في يديه سنين فليس عليه فيه إلا زكاة عام واحد، فهذا تلخيص الاختلاف في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

مسألة: المفقود يوقف ماله ويحبس عليه هل تؤدى منه الزكاة

مسألة وسئل: عن المفقود يوقف ماله ويحبس عليه، هل تؤدى منه الزكاة، فقال: لا تؤدى منه الزكاة؛ لأني لا أدري لعل عليه من الدين أكثر من ماله، أو قال: لعله يلحقه من الدين أكثر من ماله.
قال محمد بن رشد: قد اعتل ابن القاسم لقوله: بعله صحيحة، وهي المخافة أن يكون عليه دين لأن الدين يسقط زكاة العين، وله علة أخرى أيضا وهي أنا لا ندري لعله قد مات، فلا يدرى على ملك من يزكيه من الورثة.

مسألة: السفينة هل يقومها ويخرج زكاة قيمتها

مسألة وعن الرجل يكون ممن يدير ماله في التجارة، وتكون له سفينة

اشتراها يكريها إلى مصر وإلى الأندلس، هل يقومها في كل سنة، ويخرج زكاة قيمتها، فقال: لا يكون عليه أن يقومها.
قال محمد بن رشد: لو اشتراها للتجارة لقومها، وإنما لم يقومها من أجل أنه اشتراها للكراءة، وقد اختلف قول مالك في هذا المعنى على ما قد ذكرناه في رسم " الزكاة" من سماع أشهب.

مسألة: يتصدق على رجل بألف درهم وعزلها المتصدق

مسألة وسئل سحنون: عن الرجل يتصدق على رجل بألف درهم، وعزلها المتصدق، فأقامت سنين، فلم يقبلها المتصدق عليه، أو قبلها؛ قال: إن قبلها استقبل بها حولا، وسقط زكاة ما مضى من السنين، وإن لم يقبلها رجعت إلى صاحبها، وأدى عنها زكاة ما مضى من السنين.
قال محمد بن رشد: في النوادر لابن القاسم من رواية سحنون عنه: (أنه) إن قبلها المتصدق عليه، استقبل بها حولا ولم تسقط منه الزكاة، ووجه قول سحنون: (أنه لما تصدق المتصدق بالدنانير، وللمتصدق عليه أن لا يقبلها، صارت الصدقة موقوفة على قبوله؛ فإن قبل، خرجت عن ملك المتصدق يوم تصدق بها، فلم تجب عليه زكاتها؛ كمن باع سلعة رجل بغير إذنه، فأجاز، ووجه قول ابن القاسم): أن المتصدق عليه لما كان له أن يقبل أو يرد بما أوجب له المتصدق على نفسه، وكان إن قبل وجبت له الصدقة بالقبول، وجب ألا تخرج من ملك المتصدق إلا بالقبول، فكان عليه زكاتها كالمملكة أو المخيرة تختاران الطلاق، أنه يقع عليهما يوم القضاء، لا يوم التخيير والتمليك؛ وهو أن القولين جاريان على اختلافهم في مشتري السلعة

بالخيار - إذا اختار البيع، هل تجب له السلعة يوم اشتراها، أو يوم اختار؟ فقد قال في كتاب الشفعة من المدونة في الذي اشترى شقصا بخيار، ثم بيع الشقص الآخر من الدار بيع بت، أنه إن اختار الشراء، كانت الشفعة في الشقص المبيع بالبت، فأوجب له الشراء بالعقد، وعلى هذا يأتي قول سحنون: إنه إن قبل الصدقة، سقطت عن المتصدق فيها الزكاة؛ وقد روي عن ابن القاسم: أن الشفعة لمشتري البت إن اختار مشتري الخيار، فجعل البيع إنما وجب له بالاختيار لا بالبيع، فقيل: هذا يأتي على قول ابن القاسم: إنه إن قبل المتصدق عليه الصدقة، لم يسقط عن المتصدق زكاتها، ولو كانت هذه الصدقة مما له غلة، لكانت الغلة على قول ابن القاسم للمتصدق إلى يوم القبول - وإن قبل، وعلى قول سحنون يكون للمتصدق عليه - إن قبل، وبالله التوفيق.

مسألة: وجد ركازا في أرض عنوة لمن يكون هذا الركاز

مسألة قيل لسحنون: ما تقول في رجل وجد ركازا في أرض عنوة، ولم يبق من الذين افتتحوها أحد، ولا من أولادهم، ولا من نسلهم؛ لمن يكون هذا الركاز؟ فقال: يجعل مثل اللقطة، قيل: فيصنع به ماذا؟ قال: يتصدق به على المساكين؛ لأن الذين غنموه لا يعرفون؛ قيل له: فإن كانت أرضا لا تعرف إن كانت مغنومة أو صلحا؟ فقال: يكون لمن أصابه.
قال محمد بن رشد: قوله: ولم يبق من الذين افتتحوها أحد، ولا من أولادهم ولا من نسلهم، معناه ولم يبق منهم أحد يعرف بعينه، ويدل على ذلك قوله في آخر المسألة: لأن الذين غنموه لا يعرفون، ولو كانوا قد بادوا وذهبوا، ولم يبق

منهم أحد، لما لزم أن يكون حكم ذلك حكم اللقطة في صرفه إلى الصدقة؛ وإنما الذي كان يجب فيه أن يجعل في بيت مال المسلمين كميراث من مات ولا وارث له؛ لأن هذا الركاز قد وجب للغانمين، فإذا علم أنهم قد ماتوا أو لم يبق منهم أحد، ولا من نسلهم، وجب أن يجعل في بيت مال المسلمين؛ وأما قوله: إذا لم يعرف إن كانت الأرض مغنومة أو صلحا، أنه يكون لمن أصابه فإنما قال: ذلك مراعاة للخلاف، إذ أكثر أهل العلم، يقولون: إنه لمن وجده، سواء كانت الأرض حرة عربية، أو صلحية أو عنوية، وهو قول ابن نافع، وقول مطرف، وابن الماجشون، وروايتهما عن مالك؛ وكان القياس في ذلك على القول بأن الركاز الموجود في أرض العنوة يكون للغانمين لتلك الأرض، وأن الركاز الموجود في أرض الصلح يكون للذين صولحوا على تلك الأرض من أهل الذمة؛ أن يكون حكمه حكم اللقطة يتصدق به على المساكين، إذ لا يعلم لمن هو منهم؛ كما لو أن رجلا وجد لقطة لا يعلم إن كانت لذمي أو مسلم، لوجب أن يتصدق بها على المساكين - إذا يئس من أن يعلم صاحبها بعينه والركاز الذي يخرج خمسه، ويكون لواجده أربعة أخماس حيث ما وجدوا في الأرض الحرة العربية التي ليست بصلحية ولا عنوية على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، هو دفن الجاهلية، وأما المال الإسلامي فليس بركاز، وإنما هو كنز؛ لأن الكنز هو المال المجموع الذي لا تؤدى منه الزكاة مدفونا كان أو غير مدفون، وحكمه حكم اللقطة بإجماع من أهل العلم، وقد اختلف فيمن وجد ركازا في أرض غيره من الأرض الحرة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، أو الحرة وغير الحرة على مذهب غيره، هل يكون للواجد، أو لصاحب الأرض، فذهب ابن حبيب إلى أنه لصاحب الأرض، ورواه عن ابن زياد عن مالك، وحكى الفضل عن ابن القاسم وأشهب أنه للواجد، وكان القياس أن يكون على مذهب ابن حبيب لواجده؛ لأنه لا يراه

تبعا للأرض إذا كانت عنوة أو صلحا؛ وعلى مذهب ابن القاسم وأشهب: أن تكون لرب الأرض؛ لأنهما يريانه تبعا للأرض - إذا كانت عنوة أو صلحا، وبالله التوفيق.

له على رجل مال حال عليه الحول فأخذ منه جزءا لا يجب في مثله الزكاة

من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب الزكاة والصيام قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم - وسئل: عن رجل له على رجل مائتا درهم قد حال عليها الحول، فأخذ منها دنانير لا تجب في مثلها الزكاة، أو كانت له عليه عشرون دينارا، فأخذ منه صرف دراهم لا تجب في مثلها الزكاة، أعليه أن يزكي ذلك، قال: ليس عليه زكاة، إلا أن يأخذ مكان الذهب من الدراهم ما تجب فيه الزكاة، أو مكان الدراهم من الذهب ما تجب فيه الزكاة، فيزكي ذلك؛ فأما ما لم تجب فيما يأخذ الزكاة فلا زكاة عليه؛ ولو كان ذلك عليه، لكان عليه أن يزكيها عند الحول - ولم يقبضها.
قال: ولو كان وهبها له، أو تصدق بها عليه، أو أخذ بها منه عرضا، لم يكن عليه فيها زكاة، وقاله أصبغ، وقال أشبه شيء به، والحجة فيه وعنه أخذ العرض، أنه لا يزكي عنها مكانه، ولا تقوم العروض، ولا يزكي ثمن العروض إذا باعه حتى يحول على ثمنه الحول، وفيه ما تجب في مثله الزكاة؛ قال أصبغ: قيل لابن القاسم: أرأيت إن كانت دراهمه عليه أقل من مائتي درهم، أو دنانيره أقل من عشرين دينارا، فأخذ في الدنانير من الدراهم مائتي درهم، وفي الدراهم من الدنانير عشرين دينارا، قال: أرى عليه الزكاة في الوجهين جميعا - كانا من

بيع أو سلف قرض؛ فهو سواء يزكي إذا أخذ مائتي درهم، أو عشرين دينارا، إذا كانت السلعة في أصل البيع كانت لتجارة.
وقال أصبغ: وإنما هو رجل أفاد عشرة دنانير، فأقامت عنده حولا، ثم اشترى بها مائتي درهم فليزك؛ لأن فضلها منها، وقد أقرضت بفضلها أو أفاد مائة درهم فأقامت عنده حولا، ثم صرفها بعشرين دينارا، فعليه فيها الزكاة مكانه، بمنزلة من أفاد عشرة دنانير، فاشترى بها سلعة فنمت بفضلها إلى ما تجب فيه الزكاة، ففيها الزكاة.
قال محمد بن رشد: أما المسألة الأولى، وهي الرجل يكون له من الدنانير أو الدراهم دينا على رجل ما تجب فيه الزكاة فيحول عليه الحول، ثم يأخذ منه بذلك ما لا تجب فيه الزكاة من (الدنانير أو الدراهم، أو ما لا تجب فيه الزكاة من) العروض؛ أنه لا زكاة عليه في الدنانير ولا في الدراهم، ولا في العروض، حتى يبيعها ويستقبل بثمنها حولا، معناه إن كان أخذها للقنية فلا اختلاف في ذلك في المذهب، وابن شهاب يرى عليه زكاة الدين إذا حال عليه الحول، وإن لم يقبضه؛ وروي ذلك عن ابن عمر، ولذلك قال أشهب: إنه إن زكاه قبل أن يقبضه أجزأه؛ فعلى قولهما لا تسقط عنه الزكاة في ذلك - وإن أخذ فيه أقل مما تجب فيه الزكاة أو عروضا؛ وأما المسألة الثانية إذا كان له عليه أقل مما تجب فيه الزكاة، وقد حال عليه الحول فأخذ منه ما تجب فيه الزكاة، فقوله فيها: أن عليه الزكاة، هو على المشهور في المذهب من أن الأرباح مزكاة على أحوال أصول الأموال، وقد ذكرنا في أول مسألة من سماع ابن القاسم ما في ذلك من الاختلاف في المذهب موعبا - وبالله التوفيق.

مسألة: استودع وديعة فأسلفها رجلا فأقامت سنين

مسألة قال ابن القاسم: فيمن استودع وديعة فأسلفها رجلا، فأقامت سنين، أنه يزكيها إذا قبضها؛ لأنه كان ضامنا لها فصارت دينا له،

وقاله أصبغ، وقال: يزكيها لسنة واحدة وهو بمجرى سبيل الديون التي له.
قال محمد بن رشد: أما المودع الذي أقرضها، فيزكيها لسنة واحدة إذا قبضها إن كان له بها وفاء، قد حل عليه الحول باتفاق، أو لم يحل عليه على ما تقدم من الاختلاف في رسم "استأذن" من سماع عيسى؛ وأما الذي أقرض إياها، فيزكيها لكل سنة عنده - إن كان له بها وفاء؛ وأما صاحبها المودع، فيزكيها إذا قبضها زكاة واحدة لجميع السنين التي كانت عند المقرض - كان له بها وفاء أو لم يكن؛ لأنها ماله، وما أقامت بيد المودع قبل أن يقرضها فعليه زكاتها لكل سنة، إلا على رواية ابن نافع عن مالك التي ذكرناها في رسم "استأذن"، وهو شذوذ في المذهب، وبالله التوفيق.

مسألة: أكرى داره ثلاث سنين جملة بمائة دينار كيف يزكي

مسألة قال أصبغ: سألت ابن القاسم عمن أكرى داره ثلاث سنين جملة بمائة دينار في كل سنة، فحلت أول سنة، فلم يقبضها ولا الثانية؛ ثم قبض ثلاثمائة بعد الثلاث سنين، كيف يزكي؟ قال: يستقبل بها حولا كلها من يوم قبضها، وليس في ذلك اختلاف من قول مالك بمنزلة ما لو باع سلعة بثمن حال، فاستأخر حتى قبضه بعد سنة، فإنما يستقبل به من يوم يأخذه حولا، أو بمنزلة الدين ورثه من أبيه على رجل فأخره قبله أرفقه به حتى مضت ثلاث سنين؛ فإنما يستقبل به من يوم يأخذه حولا، ثم قال لي في الأولى: إلا أن يكون فعل ذلك هربا من الزكاة، قال أصبغ: ليس استثناؤه هذا بعلم ولا شيء سوى فعله ها هنا هربا من الزكاة أو غير هرب، أو متعمدا أو غير متعمد، وقادرا على أخذه أو غير قادر، هي والثانية سواء، وليس عليه في ذلك

زكاة، وإنما يستقبل بذلك كله حولا من يوم يقبضه، ولا يعبأ بما مضى قبل ذلك من الأحوال ولا غيرها، أو بما يقبض منه لما تجب فيه الزكاة إن قبضه مقطعا؛ قال أصبغ: وليس في هذا كلام ولا اختلاف.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ هو القياس: ألا فرق بين الأولى، وهي التي باع سلعة بثمن حال، فاستأخر حتى قبضه بعد سنة، وبين الثانية وهي التي ورث الدين عن أبيه على رجل فأخره به (في) أن لا زكاة عليه فيهما - وإن فعل ذلك هربا من الزكاة؛ لاستوائهما في أن الزكاة لا تجب عليه فيهما إلا بعد سنة من يوم القبض، ووجه قول ابن القاسم في تفرقته بينهما: أن الدين في المسألة الأولى من بيع باعه، وقد قال ابن الماجشون والمغيرة: إن العروض المقتناة إذا بيعت بثمن مؤجل، فاقتضى بعد حول، زكى مكانه كدين التجارة؛ وقال ابن شهاب، وعبد الله بن عمر: في إحدى الروايتين عنه أن الدين يزكى، وإن لم يقبض؛ ومن فعل هربا من الزكاة ما يجب عليه به الزكاة في قول قائل، فهو بخلاف من فعل هربا ما يسقط عنه الزكاة باتفاق، وهذا أصل يعتمد عليه؛ ألا ترى أن من كانت له دنانير تجب فيها الزكاة، فاشترى بها عرضا لا غرض له فيه إلا الهروب من الزكاة لم يجب عليه شيء بإجماع؛ وأما المسألة الأولى وهي التي أكرى داره ثلاث سنين جملة بمائة دينار في كل سنة، فلا اختلاف فيها من قول مالك - كما قال - وإن فعل ذلك هربا من الزكاة؛ لأن الكراء غلة، فهو بخلاف ثمن السلعة في المسألة التي بعدها، وبالله التوفيق.

مسألة: يدفع إلى الرجل المال قراضا فيقيم في يديه سنين ثم يرجع إليه

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول: سألت مالكا عن الرجل يدفع إلى الرجل المال قراضا فيقيم في يديه سنين، ثم يرجع إليه، قال:

يزكيه لما مضى من السنين؛ قال ابن القاسم: وإنما أراد بذلك إذا كان المقارض يدير المال في تلك السنين، على ذلك حملناه، وهو الذي أراد، فأما إذا كان لا يدار، فزكاة سنة واحدة إذا رجع إليه، وإن كان العامل لا يدير، ورب المال ممن يدير، زكاه للسنين كلها.
قال أصبغ: قلت لابن القاسم: وكيف ذلك: أبعد أن يرجع إليه؟ أم في كل سنة يقومه مع ما يدير ويقوم؟ فقال: بل في كل سنة يقومه مع ما يدير، ويقوم من ماله هو أحب ما فيه إلي - إن كان عينا موقوفا بحاله بيد العامل زكاه ربه كل سنة على عدده؛ أو إن كان في سلعة قومها كلها إذا جاء شهر زكاته، فزكى بقدر رأس المال وحصته من الفضل؛ وإن كان المقارض عنه غائبا ببلد غيبة لا يدرى كيف حالته فيها، ولا ما حدث عليه، ولا حال ما في يديه، فلا زكاة عليه حتى يعلم ذلك، أو يرجع إليه؛ فإذا رجع إليه زكاه للسنين الماضية على قيمة السلع في تلك السنين - إن كان في سلع، رأيته بمنزلة الرجل الذي يجهز إلى بعض البلدان، ويجيء شهر زكاته ولا يدري حال ماله ذلك، فلا زكاة عليه حتى يرجع إليه علم ذلك؛ فإذا جاءه ذلك زكاه للسنين الماضية التي كان الجهاز فيها غائبا، وقاله أصبغ، وقال: هذا فقه هذه المسألة مجتمع.
قال محمد بن رشد: قول مالك في أول المسألة: إن القراض إذا رجع إلى ربه بعد أعوام، يزكيه لما مضى من السنين إن كان على ما فسر ابن القاسم - يريد أن يزكي لكل سنة قيمة المتاع فيها، كانت قيمته في كل سنة أقل من قيمته في السنة التي قبلها أو أكثر - على ظاهر قوله: يزكيه لما مضى من السنين، وهو ظاهر ما في القراض من المدونة، وقد قيل: إنه إذا زاد في كل سنة يزكيه على

ما هو عليه من الزيادة، وإذا نقص يزكيه للأعوام الماضية على ما رجع إليه من النقصان، وأنه هو الذي يأتي على ما في سماع أبي زيد من كتاب القراض، ومثل ما في كتاب القراض من المدونة، وعلى ظاهر هذه الرواية، ورواية عيسى عن ابن القاسم من كتاب القراض من أن مال القراض لا يزكى - وإن كان حاضرا - إلا بعد المفاصلة؛ لأن العلة في أنه لا يزكى إلا بعد المفاصلة مخافة النقصان، إذ لو كان لا يسقط عنه زكاة ما نقص، لم يكن لتأخير إخراج الزكاة إلى حين المفاصلة معنى، فعلى هذا إن كان المال في أول سنة ثلاثمائة، وفي السنة الثانية مائتان، وفي الثالثة مائة، يزكي مائة، مائة لكل سنة، وقد جاء لابن حبيب في هذا (المعنى) اضطراب، ومن قوله أيضا: إن رب المال إذا كان يدير، والعامل لا يدير - وهو حاضر معه، أو غائب عنه، وهو يعلم ما في يده؛ فإنه يقوم كل سنة ما بيد العامل، فيزكي جميعه: رأس المال وجميع الربح، بخلاف رواية أصبغ هذه أنه يزكي رأس المال، وحصته من الربح، ويخرج زكاة ذلك من ماله، لا من مال القراض على قولهما جميعا؛ وأما إذا كان العامل مديرا فلا اختلاف في أنه يزكي رأس المال، وجميع الربح من مال القراض، ولا في أنه لا يزكيه حتى يرجع إليه فيزكيه للأعوام الماضية، وقول ابن القاسم في رواية أصبغ هذه: وإن كان العامل لا يدير، ورب المال يدير، زكاه للسنين كلها ظاهره وإن كان الذي بيد العامل الأكثر، إذ لم يفرق بين ذلك، خلاف قول عيسى بن دينار الواقع في سماع أبي زيد، وأما إن كانا غير مديرين، فلا زكاة عليه فيما بيد العامل حتى يرجع إليه فيزكيه زكاة واحدة، وبالله التوفيق.

مسألة: زكاة الدار المعدة للتجارة

مسألة قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم يقول فيمن اشترى دارا للتجارة، فلما حل الحول باع النقض بمائة والمصاريع، ثم باع الدار بعد ذلك بمائة دينار، إنه يزكي جميع ذلك كله؛ قال أصبغ: يزكي الأول حين باع ولا ينتظر به، ويزكي الثاني حين يبيع، ويكون حول كل (مال) من يوم يزكيه للمستقبل؛ قال ابن القاسم: وليس النقض والمصاريع بفائدة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن النقض والمصاريع ليس بغلة من الدار، فتكون فائدة، وإنما هي بعضها؛ فذلك كمن اشترى سلعتين للتجارة فباع إحداهما بمائة دينار بعد الحول، ثم باع بعد ذلك الأخرى بمائة أخرى، فقول أصبغ تفسير لقول ابن القاسم وتتميم له.

له على رجل مائة دينار فدخل عليها الحول

مسألة وسئل: عن رجل له على رجل مائة دينار، فدخل عليها الحول، ولرجل آخر على صاحب المائة مائة دينار - وقد حال عليها الحول، فأحاله على الذي له عليه المائة، أعلى المحيل بها فيها زكاة؟ قال: نعم، يزكيها.
قال أصبغ: لأنه كقبضها لو قبضها من صاحبها، قيل لابن القاسم أفعلى المحتال فيها زكاة؟ قال: نعم.
قال أصبغ: لأنه كقبضه إياها من صاحبها، وهو دين قد حال؛ ولا يبالي إذا قبضها ممن قبضها، وهو أقوى من الآخر، وأبين في الزكاة - وإن لم يكن عند واحد منهما وفاء فيها.

قال محمد بن رشد: قوله: وإن لم يكن عند واحد منهما وفاء بها، مطروح في بعض الروايات، وطرحه صواب؛ لأنه خطأ من أجل أن المحيل له مائة، وعليه مائة فلا زكاة عليه في المائة التي له قبضها من التي عليه، أو أحال بها عليه الذي له عليه المائة، إلا أن يكون له وفاء بالمائة التي عليه؛ وأما المحتال، فالمائة التي استحال بها دين له على المحيل يجب عليه زكاته إذا قبضه منه، أومن المحال عليه؛ ولا يشترط أن يكون له وفاء بها، إذ ليست بدين عليه، وإنما هي دين له؛ ويجب على المحيل زكاة المائة التي له - إذا أحال بها بنفس الإحالة - وإن لم يقبضها المحتال بها؛ لأن المائة التي عليه تسقط عنه بنفس الإحالة، فيصير قابضا لها؛ فكأنه بذلك قد قبضها من الذي كانت له عليه.
وتأول ابن لبابة على أصبغ أن الزكاة لا تجب عليه بنفس الإحالة حتى يقبضها المحتال بها، لقوله: لأنه كقبضها لو قبضها من صاحبها؛ فحمله على الخلاف؛ لقول ابن القاسم وهو تأويل فاسد، إذ لا وجه لمراعاة قبض المحتال فيما يجب على المحيل من الزكاة، وإنما يراعى قبضه فيما يجب عليه هو في خاصة نفسه؛ ومعنى قول أصبغ: لأنه كقبضها، يريد؛ لأن الإحالة كقبضها لو قبضها من صاحبها؛ لأنه يصير بها قابضا من نفسه، وهذا كله بين.
قال محمد بن المواز: وعلى المحتال عليه زكاتها أيضا - إن حال عليها الحول عنده من يوم تسلفها، أو صارت عليه - إن كان له وفاء بها وهو صحيح، فيجب على المحيل زكاة المائة بنفس الإحالة - إن كان له بها وفاء، ويجب على المحال زكاة المائة إذا قبضها، لا بنفس الإحالة على كل حال، إذ لا دين عليه، ولو كان للمحال عليه على المحال مائة قد حال عليها الحول أيضا، فقاصه بها، لوجب على كل واحد منهم زكاتها للمحيل بنفس الإحالة، والمحال عليه بالمقاصة إن كان لكل واحد منهم وفاء بها؛ لأن كل واحد منهم له مائة وعليه مائة، فوجب

أن يزكي المائة التي له إذا قبضها، أو صارت إليه بحوالة، أو مقاصة - وله وفاء بالمائة التي عليه، وبالله التوفيق.

مسألة: بعث بعشرة دنانير إلى مكة ليشترى له بها كسوة لعياله فحلت زكاته

مسألة وسئل: عن رجل بعث بعشرة دنانير إلى مكة ليشترى له بها كسوة لعياله، فحلت زكاته وحل حولها - قبل أن يشترى بها؛ أعليه زكاتها؟ قال: نعم يزكيها.
قال أصبغ: وذلك إذا لم يكن أشهد عليها لمن أمر أن يشتري له بها، فإن أشهد، خرجت من ماله؛ لأنه لو مات قبل رجوعها، كانت ثابتة لمن أشهد له، فلا زكاة فيها؛ قال: وسألناه عن رجل حال الحول على ماشيته، فلم يأته الساعي فعزل لعياله ضحايا وقسمها، ونحو هذا، ثم جاءه الساعي يوم النحر قبل الذبح؛ قال: إن كان أشهد عليها، فلا زكاة عليه فيها، وإن كان لم يشهد ففيها الزكاة، أنظر أبدا ما كان لو مات كانت ثابتة لمن جعلها له، فلا زكاة عليه فيها، وكل ما لو مات لم يكن لمن جعلها له فهي مال من ماله، فيها الزكاة.
قال أصبغ: فالأول مثل هذا - وهما سواء وقال أبو زيد: عن ابن القاسم مثله.
قال محمد بن رشد: وجه تفرقة ابن القاسم بين المسألتين ظاهر، وقوله في المسألة الأولى أصح من قول أصبغ؛ لأن تفرقة زكاة العين إلى صاحبه فهو مصدق فيما (يذكره مما) يسقط عنه الزكاة فيها؛ لأنها موكولة إلى أمانته؛ فإن قال: إن الدنانير التي بعث بها ليشتري بها كسوة لعياله كان قد بتلها

لها، لم يكن عليه فيها زكاة: أشهد، أو لم يشهد؛ لأن ذلك فيما بينه وبين الله.
وإن قال: إنه لم ينو تبتيلها وجبت عليه زكاتها؛ لأنها باقية على ملكه - وإن بعث بها ليشتري بها ثوبا لامرأته؛ لأن ذلك -من ناحية العدة، فله أن يرجع فيها ما لم يوجبها على نفسه بالإشهاد، وأما مسألة الغنم، فللساعي ألا يصدقه فيما يدعيه فيها مما يسقط زكاتها الواجبة عليه فيها، لحلول الحول، وقد اختلف إذا ادعى بعد الحول أنه كان تصدق بها قبل الحول على ما في أول سماع ابن القاسم من كتاب زكاة الماشية.

يتسلف مالا فيشتري به سلعة وذلك قبل حلول حوله بشهرين

مسائل نوازل سئل عنها أصبغ قيل لأصبغ: ما تقول في الرجل يتسلف مالا فيشتري به سلعة، وذلك قبل حلول حوله بشهرين أو ما أشبهه، أو لا يشتري به سلعة فيحول عليه الحول؛ أيزكيه - إن كان ناضا، أو (يقوم) ما اشترى به من السلع، فيزكيها مع ما يزكي من ماله؟ قال أصبغ: هو كسائر ماله - إن كان له وفاء بدينه زكاه مع ماله إذا خلطه بماله، وجرت فيه التجارة قبل الحول؛ زكاه عند الحول - إن كان له وفاء غيره - إذا لم يدر، فإن كان يدير قوم عرضه مع ماله - إن كان له وفاء أيضا بدينه - وإن اشترى به، ولم ينض عند الحول.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة مخالفة لأصولهم؛ لأن الذي تسلف كالفائدة، فلا زكاة عليه فيه حتى يحول عليه الحول من يوم تسلف وله به وفاء؛ ولا اختلاف بينهم في هذا، وإنما اختلفوا إذا حال عليه الحول، وله به وفاء لم يحل عليه الحول؛ هل يزكيه الآن، أو حتى يحول الحول على الوفاء الذي له به على ما مضى من الاختلاف في ذلك في رسم "استأذن" وغيره من سماع عيسى، وكأنه

تأول أنه لما تسلف السلف على ما بيده، كان كأنه منه، وذلك فاسد؛ وقد تأول بعض الناس أن الشراء هو الذي كان قبل حلول حوله بشهرين، أو ما أشبه ذلك وأن السلف قد كان من أول الحول، وهو تأويل بعيد لا تستقيم به المسألة، لقوله: زكاه مع ماله إذا خلطه بماله وجرت فيه التجارة قبل الحول، إذ لو كان السلف من أول الحول لوجبت عليه فيه الزكاة بحلول الحول إذا كان له به وفاء خلطه بماله وجرت فيه التجارة أو لم يخلطه به ولا جرت فيه التجارة.

مسألة: المقارض يعمل بالمال وله مال لا تجب فيه الزكاة

مسألة قيل لأصبغ: أرأيت المقارض يعمل بالمال سنة فيفاصل صاحبه ويقبض حصته من الربح - وله مال لا تجب فيه الزكاة، وقد حال عليه الحول، إلا أنه إذا جمع إلى ما ربح في القراض صار به ما يجب في مثله الزكاة، هل يضمه إلى ربح هذا القراض، فيزكيه معه؟ قال: لا يكون له أن يضمه إلى فائدة إن كانت عنده لم يجب فيها شيء، ولهذه يستدل على المساقي يصير في حصته من التمر وسقان، ويجد من نخله ثلاثة أوسق، أن عليه أن يزكي ما صار له، فهذه وتلك سواء على العامل أن يزكي ما صار له واجب، فلما كان ذلك عليه لم يضف إلى غيره، وكان هذا بزكاته وسنته، وهذا بزكاته وسنته.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة لأصبغ في نوازله من كتاب القراض أيضا بزيادة ألفاظ فيها بيان، ومراده في الموضعين أن المقارض لا يضم ما له من مال قد حال عليه الحول ولا يبلغ ما تجب فيه الزكاة ـ إلى ما ربح في القراض فيزكيه مكانه - إن كان يبلغ بإضافته إليه ما تجب فيه الزكاة - وإن كان قد زكى الربح، ولكنه يضيفه إليه ويستقبل به حولا، كما أن المساقي إذا

صار له من التمر في حصته وسقان، وجد من نخل له ثلاثة أوسق، لا يضيف الثلاثة الأوسق إلى الوسقين فيزكيها، وإنما يزكي الوسقين خاصة - إذا كان لصاحب الحائط ما إذا أضافه إلى الوسقين وجبت فيه الزكاة؛ وهذا ما لا أعلم فيه نص خلاف؛ لأن الربح إنما يزكيه العامل في القراض على ملك رب المال، وكذلك حظه من تمر الحائط في المساقاة، إنما يزكيه على ملك رب الحائط؛ ألا ترى أنه يزكي حظه من الربح، وحظه من تمر المساقاة - وإن كان لا يبلغ ذلك ما تجب فيه الزكاة؛ فوجب ألا يضيف إلى ذلك ما يزكيه على ملكه، وأن يكون يفرق هذا على سنته، وهذا على سنته؛ وقوله: فهذه وتلك سواء على العامل أن يزكي ما صار له واجب، أي عليه أن يزكي ما صار له من الثمن في المساقاة بإضافته إلى ما صار لصاحب الحائط، فلما كان عليه أن يزكي ذلك، وإن كان لا يبلغ ما تجب فيه الزكاة، لم يضف إلى ذلك الثلاثة الأوسق، ولا كان عليه فيها زكاة، وكان هذا على سنته، وهذا على سنته.

مسألة: أعتق من زكاة ماله عن المسلمين رقبة لا تجوز في الرقاب أعليه بدلها

مسألة قيل لأصبغ: فلو أعتق رجل من زكاة ماله عن المسلمين رقبة لا تجوز في الرقاب، أعليه بدلها؟ قال: نعم عليه بدلها من أجل أن الإمام لو كان هو المعتق، لم يكن ليعتق عن المسلمين كافرا ولا ذميا؛ وإنما يعتق عنهم من يستعاض بولائه من ثمنه، ويكون رغبة وثروة وزيادة؛ قيل له: فلو اشترى مدبرا أو مكاتبا فأعتقه، أيجزئ أم لا - وهو الآن لا يرده إلى ما كان عليه، وقد بطل ما كان فيه وصار عتيقا، وصار ولاؤه للمسلمين؟ قال أصبغ: أما قول مالك الأول حين كان يقول: يرد ذلك ولا يجوز، فهو لا يجزئه، وأما قوله الذي رجع إليه حين قال ذلك جائز، ويمضي العتق، فهو يجزئه؛ لأن ذلك العيب الذي كان

يكره قد زايله وخرج منه، ولكن أحب إلي أن لو أبدله من غير وجوب.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: أنه لا يجوز للرجل أن يعتق من زكاته إلا رقبة تجوز في الرقاب؛ لأن اللفظ في ذلك سواء في القرآن، ولا يجوز للرجل أن يعتق في شيء من ذلك مكاتبه ولا مدبره ولا أم ولده؛ فأما إن اشترى مكاتبا أو مدبرا لغيره، فأعتقه؛ فذلك جار على ما ذكر من اختلاف قول مالك، وسواء عندي اشتراه - وهو يظنه عبدا، فدلس له بذلك البائع، أو اشتراه وهو يعلم أنه مكاتب أو مدبر، يدخل في ذلك الاختلاف المذكور إذا اشتراه من زكاة ماله فأعتقه، وأما إذا اشتراه في رقبة واجبة عليه فأعتقه، فإن كان عالما فلا ينبغي أن يجزيه؛ لأن ذلك بمنزلة شرائه إياه بشرط العتق، وإن كان لم يعلم، وإنما دلس له بذلك البائع، جرى ذلك على الاختلاف المذكور، يبين ذلك ما وقع من الاختلاف في ذلك في سماع أصبغ من كتاب الوصايا، ومن كتاب العتق، فقف على ذلك وتدبره؛ وما وقع في رسم "صلى نهارا ثلاث ركعات" من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات من إجازة شراء المدبر ابتداء في الزكاة، يحتمل أن يكون معناه أن المدبر كان بيع في موضع يجوز بيعه (فيه) - والله أعلم، وبه التوفيق.

مسألة: له دار فباع الطعام كله بثلاثين دينارا أكان يضع عنه ذلك الزكاة

من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم عن رجل ابتاع طعاما بمائة

دينار وحمله إلى بلد بثلاثين دينارا، فلزمه الكراء فباع (منه) بثلاثين دينارا للكراء، وحبس ما بقي؛ قال: عليه أن يزكي تلك الثلاثين دينارا، وأن ما باع من الطعام بمنزلة أن لو كان له دار، فباع الطعام كله بثلاثين دينارا في دين عليه لكراء أو غيره؛ أكان يضع عنه ذلك الزكاة؟ فأرى الزكاة عليه؛ لأن ما بقي من طعامه فيه وفاء لدينه، بمنزلة الدار؛ فإذا باع الطعام، لم يكن عليه زكاة في الثلاثين دينارا التي كانت عرضا لديه؛ وما باع به أكثر من ذلك، زكاه مع الثلاثين التي زكاها أولا التي قضى - وإن كان الذي يفضل عن الثلاثين أقل مما فيه الزكاة؛ لأنها من الأولى.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يزكي الثلاثين دينارا التي باع للكراء، ويجعل الدين الذي عليه للكراء فيما بقي من الطعام، صحيح؛ لا خلاف فيه؛ لأن الطعام قد حال عليه الحول، فلا يدخل في ذلك من الخلاف ما يدخل في الذي عليه مائة دينار (دين، وله) مائتان حل حول إحداهما، ولم يحل حول الأخرى؛ ولا يكون له أن يجعل الدين الذي كان عليه للكراء فيما باع من الطعام، فلا يزكيه كما يكون له أن يجعل المائة التي عليه في المائة التي حال حولها، فلا يزكيها على الصحيح من القولين في ذلك؛ وأما قوله: فإذا باع الطعام لم تكن عليه الزكاة في الثلاثين دينارا التي كانت عوضا لدينه، فيتخرج ذلك على قولين؛ أحدهما: هذه أنه لا يزكي الثلاثين دينارا التي كانت وفاء للدين الذي كان للكراء عليه، حتى يحول الحول عليها من يوم سقط دين الكراء

عنها؛ وهذا يأتي على ما في رسم "استأذن" من سماع عيسى في الذي يفيد فائدة، وعليه دين يستغرق ما بيده، (أنه لا يزكي ما بيده) حتى يحول الحول على الفائدة من يوم أفادها؛ وعلى ما في المدونة لمالك فيمن كان بيده مال وعليه دين مثله، فوهب له بعد أن حال الحول على ما بيده، أنه لا زكاة عليه فيها بيده حتى يحول عليه الحول من يوم سقط الدين عنه، والقول الثاني: أنه يزكي جميع ثمن ما بقي من الطعام بعد ما باع منه الدين ساعة بيعه قرب ذلك أو بعد، لسقوط الدين عنه، وهذا يأتي على قول غير ابن القاسم في المدونة، وعلى ما يلزم ابن القاسم على أصله في مسألة رسم "العرية" من زكاة المائة الثانية إذا حل عليها الحول، وجعله الدين في المائة التي كان زكاها، وهذا تفسير معنى قول ابن أبي زيد في النوادر عقب هذه المسألة، وهذا على قول من قال في المائتين حولهما مختلف، وعليه مائة يزكي مائة واحدة؛ ولو كان له عروض سوى الطعام تفي بالثلاثين دينارا، لزكى جميع ثمن الطعام قولا واحدا، ولو كان مديرا لقوم جميع الطعام إذا حال عليه الحول، فأسقط منه الثلاثين التي عليه للكراء، وزكى الباقي - إن لم يبعه، ولم يكن في ذلك كلام، ولا اختلاف؛ فهذه المسألة يفترق فيها حكم المدير من غير المدير؛ لأن غير المدير يزكي الثلاثين مرتين على ما ذكرناه من أحد القولين، وأما مسألة رسم "العرية" من سماع عيسى، فمن قال: إن حكم المدير يختلف فيها من غير المدير فقد أخطأ - وبالله التوفيق.

مسألة: أخرج زكاة ماله فسقطت منه ثم وجدها وقد أعدم وعليه دين

مسألة وقال: في رجل أخرج زكاة ماله، فسقطت منه، ثم وجدها وقد أعدم وعليه دين؛ قال: لا يكون لأهل الدين فيها شيء.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال أنه ليس لأهل الدين فيها شيء،

لأنها للمساكين؛ إلا أن يكون قد أداها إليهم لما تلفت، فتكون إذا وجدها لأهل دينه - وبالله التوفيق.

يدير بعض ماله ولا يدير بعضه كيف يزكيه

من مسائل سئل عنها عيسى بن دينار قال عيسى بن دينار في الذي يدير بعض ماله، ولا يدير بعضه، ولكن يشتري به السلعة فتربص بها النفاق، ولا يشتري به شيئا، وقد أخرج من ماله صدرا سواه يديره، قال: إن كان الذي يدير هو الأقل، والآخر الأكثر، فليزك الذي يدير على الإدارة، والآخر على غير الإدارة؛ وإن كان الذي يدير هو الأكثر والآخر الأقل، فليزكه كله على الإدارة؛ وسئل أصبغ، فقيل له: الرجل يدير صدرا من ماله النصف أو الثلثين، وسائر ماله بحاله لا يحركه، أو لعله أن يشتري به الأنواع من التجارة، يرتصد بها الأسواق في أيامها، أو يكون له المال فيسلف رجلا نصفه، ويتجر بنصفه على حال الإدارة؛ فيقيم الدين على حاله، هل يزكيه كله زكاة الإدارة؟ قال أصبغ: إن كان حين شغل ما شغل للإدارة، إنما (أبقى) الباقي عنده لمثل ذلك إن رأى ذلك، فليزكه زكاة الإدارة، وإن كان حين شغل ما شغل على عزم أن الباقي لا يدخله في الإدارة أبدا ولا حاجة له بذلك، ولا نواه، فليزك الذي شغل على الإدارة والآخر على سنته.
قال محمد بن رشد: في الواضحة لمطرف وابن الماجشون: إن المالين كانا متناصفين، زكي كل مال منهما على جهته، وإن كان أحدهما أكثر فللأقل

حكم الأكثر، وقد تأول ابن لبابة ما في المدونة على أنهما يزكيان جميعا على الإدارة - كان الذي يدار هو الأقل أو الأكثر، وهو ظاهر ما مضى في سماع أصبغ قبل هذا؛ فهذه أربعة أقوال، والقياس أن يزكي كل مال على سنته، كانا متناصفين أو أحدهما تبعا لصاحبه؛ لأن الأصل في عروض التجارة ألا زكاة فيها حتى تباع، إذ لا زكاة إلا في الحرث، والعين، والماشية، فلما كان الذي يدير ماله، لا يقدر على أن يحفظ أحواله، أمر أن يجعل لنفسه شهرا من السنة، فيقوم فيه ما عنده من العروض ويضيفه إلى ما بيده من المال، فيزكي جميع ذلك؛ فإذا كان للرجل مالان يدير أحدهما ولا يدير الآخر، وجب أن يزكي الذي لا يدير على سنة التجارة، لكونه قادرا على حفظ أحواله، والذي يدير على سنة الإدارة، لكونه غير قادر على حفظ أحواله، وقول عيسى بن دينار إنه إذا كان الذي يدير هو الأكثر، زكاه كله على الإدارة، استحسان واحتياط للمساكين على غير قياس؛ لأنه إذا زكى (ما لا يدار - وإن قل - على سنة الإدارة، فجعل مخرجا لزكاة العرض قبل بيعه، ولزكاة الدين قبل قبضه، وقد قال ابن القاسم في المدونة: أما من فعل ذلك لم يجزه، وكان كمن أدى زكاة ماله قبل أن يحول عليه الحول، وظاهر معنى المدونة وسماع أصبغ من أنه يزكي) المالين جميعا على الإدارة - وإن كان الذي يدار هو الأقل - إغراق في الاستحسان، وقول أصبغ قريب منه في الاستحسان؛ لأنه يزكيهما جميعا في مذهبه على الإدارة - وإن كان الذي يدار هو الأقل، إلا أن يكون ما أبقى منه ولم يدخله في الإدارة، أبقاه على عزم أنه لا يدخله في الإدارة، وأما قول مطرف وابن الماجشون: إن الأقل تبع الأكثر، فهو كلام خرج على غير تدبير ولا تحصيل، إذ لا يستقيم أن يزكي ما يدار على غير الإدارة، كما يستقيم أن يزكي ما لا يدار على الإدارة؛ لأن الذي يدير يبيع ويشتري، وغير المدير يزكي - إذا باع، إلا أن يكون معناه في الذي

يبيع العروض بالعروض، ولا ينض له ما تجب فيه الزكاة؛ وفي قول عيسى بن دينار لفظ فيه نظر، وهو قوله أولا يشتري به شيئا؛ لأن العين ما لم يشتري به شيئا، فحكمه حكم المدار في أنه تجب زكاته في كل عام؛ ومثله قول أصبغ وسائر ماله بحاله لا يحركه، فتدبر ذلك، وقف عليه، وبالله التوفيق.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
استحق له معدن في أرضه للإمام فيه أمر زكاتهيكري داره خمس سنين بمائة دينار فيتعجلهامسألة: يبعث بمال إلى إفريقية فتحضره زكاته أيقومهمسألة: النصاب من الورقمسألة: حلت عليه الزكاة وهو ممن يدير ماله في التجارمسألة: زكاة ما ورثوه من الناض لكل سنةمسألة: المفقود يوقف ماله ويحبس عليه هل تؤدى منه الزكاةمسألة: السفينة هل يقومها ويخرج زكاة قيمتهامسألة: يتصدق على رجل بألف درهم وعزلها المتصدقمسألة: وجد ركازا في أرض عنوة لمن يكون هذا الركازله على رجل مال حال عليه الحول فأخذ منه جزءا لا يجب في مثله الزكاةمسألة: استودع وديعة فأسلفها رجلا فأقامت سنينمسألة: أكرى داره ثلاث سنين جملة بمائة دينار كيف يزكيمسألة: يدفع إلى الرجل المال قراضا فيقيم في يديه سنين ثم يرجع إليهمسألة: زكاة الدار المعدة للتجارةله على رجل مائة دينار فدخل عليها الحولمسألة: بعث بعشرة دنانير إلى مكة ليشترى له بها كسوة لعياله فحلت زكاتهيتسلف مالا فيشتري به سلعة وذلك قبل حلول حوله بشهرينمسألة: المقارض يعمل بالمال وله مال لا تجب فيه الزكاةمسألة: أعتق من زكاة ماله عن المسلمين رقبة لا تجوز في الرقاب أعليه بدلهامسألة: له دار فباع الطعام كله بثلاثين دينارا أكان يضع عنه ذلك الزكاةمسألة: أخرج زكاة ماله فسقطت منه ثم وجدها وقد أعدم وعليه دينيدير بعض ماله ولا يدير بعضه كيف يزكيه
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل