كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
إن فلانا لرجل غير مشهور أتقى وأشد حبا لله ولرسوله لفلان، لرجل من أهل هذا الزمان معلوم بالخير لحنث؛ بدليل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أعجب الناس إيمانا إلي، قوم يخرجون بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني، أولئك إخواني» ولو حلف بذلك في بعض الصحابة على بعض لحنث إلا في أبي بكر وعمر في الإجماع الحاصل بين أهل السنة أنهما أفضل من غيرهما، وأن أبا بكر هو الأفضل منهما، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف ألا يبيع هذه السلعة إلا بمائة دينار فباعها وسلعة معها بمائتي دينار
مسألة وسئل عن رجل حلف ألا يبيع هذه السلعة إلا بمائة دينار فباعها، وسلعة معها بمائتي دينار.
قال: إن كانت السلعة التي باعها معها ثمنها لو باعها وحدها مائة دينار، لم يكن عليه حنث، وإن كان ثمنها أكثر من مائة دينار فهو حانث.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر، وقعت على غير تدبر؛ لأنه يمكن أن يكون قيمة السلعة التي حلف عليها أقل من مائة، وقيمة التي أضاف إليها مائة، فازداد فيهما تمام المائتين، فالزيادة مقسومة على قيمتهما، فلا يقع للتي حلف عليها إلا أقل من مائة فيحنث، ألا ترى أن التي حلف عليها، لو استحقت، وقد بيعت مع الأخرى بمائتين لم يرجع إلا إلى القيمة فيهما، وإنما كان يجب أن يقول: إن كانت التي أضاف إليها قيمتها مثل قيمة التي حلف عليها فأقل، وباعهما بمائتين لم يحنث، وكذلك لو باعها مع غيرها، وسمى لها من الثمن في أصل الصفقة ما حلف عليه؛ لأن التسمية في ذلك غير معتبرة، ولا يحتاج في ذلك إلى الفض إن استحقت أحد السلعتين، أو وجد بها عيب، لا يجوز البيع إلا أن يكون سمى لكل سلعة من
الثمن ما يقع لها منه على قدر قيمتها من قيمة صاحبتها، وقد مضى ذكر هذا في نوازل أصبغ، من كتاب النذور، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف لرجل بالطلاق إذا اقتضى عطاءه ليقضينه حقه فوضع العطاء فلم يأخذه
مسألة وسئل عن رجل أرهن امرأته جارية بدين لها عليه، فقالت امرأته: أخشى إذا افتككتها مني أن تطأها، قال: إن افتككتها فأنت طالق البتة، إن لم أتصدق بها على أمي، فأيسر الرجل فلم يفتكها، وأراد أن يتركها على حالها.
قال: أخشى أن يحنث؛ لأن مالكا قال لرجل حلف لرجل بالطلاق إذا اقتضى عطاءه ليقضينه حقه، فوضع العطاء فأبى أن يأخذ عطاءه، قال: هو حانث إن تركه ولم يقبضه؛ لأنه لو أراد أن يقبضه قبضه.
قال محمد بن رشد: أما الذي حلف لغريمه ليقضينه حقه إذا اقتضى عطاءه، فأبى أن يأخذه، فإيجاب الحنث عليه ظاهر على مراعاة المعنى؛ لأن الحالف إنما قصد بيمينه إلى أن يعجل له حقه، ولا يماطله به، فإذا وضع العطاء فأبى أن يأخذه، فقد حنث فيما حلف عليه، وقد مضى هذا المعنى، في رسم كتب عليه ذكر حق، من سماع ابن القاسم.
وأما الذي حلف ليتصدقن بالجارية على أمه إذا افتكها، فليس قصده إلى تعجيل افتكاكها ليتصدق بها على أمه، وألا يترك ذلك إذا وجد إليه سبيلا، فبين محمل يمينه عليه، ولذلك قال: أخشى أن يحنث، ولم يقل يحنث كما قال في مسألة العطاء، فالأظهر في هذه المسألة أن تحمل على ما يقتضيه اللفظ ولا يحنث بخلاف مسألة العطاء، وبالله التوفيق.
مسألة: قال كل امرأة أتزوجها إلى ثلاثين سنة فهي طالق البتة إن لم أقضه هذا الحق عند الأجل
مسألة وسئل عن رجل قال: كل امرأة أتزوجها إلى ثلاثين سنة
فهي طالق البتة، إن لم أقضه هذا الحق عند الأجل.
قال: يحنث إن كان يقدر على مال يبتاع به الجارية، فلا ينكح إلا أن يخشى العنت، فإن خشي العنت فهو في سعة من التزويج، وتدخل امرأته التي حنث فيها في النساء، ينكح إن بدا له هي وغيرها إن خشي العنت.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة مثل ما في المدونة وغيرها، وقد مضى القول على هذا المعنى في رسم الجواب، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق ليصومن غدا فصام ثم أكل فيه ساهيا
مسألة وسئل عن رجل حلف بالطلاق ليصومن غدا، فصام ثم أكل فيه ساهيا.
قال: لا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: وقد مضت هذه المسألة، والقول فيها في رسم سلف، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأته طالق إن كساها شيئا أبدا فماتت أخت امرأته فكفنها بأثواب
مسألة وسئل عن رجل كان يصل أخت امرأته ويكسوها، فبلغه أنها تشتمه وتكسره، فقال: وقد فعلت، امرأته طالق إن كساها شيئا أبدا، فماتت أخت امرأته، فكفنها بأثواب.
قال: إن كان حين حلف كانت له نية ألا يكسوها ما عاشت فقد بر، وإن لم تكن له نية، فقد حنث.
قال محمد بن رشد: مسألة صحيحة بينة المعنى، لا اختلاف فيها؛
لأنه لما قال أبدا اقتضى قوله الحياة والموت بخلاف أن لو قال: ما عاشت، وقد مضى هذا والقول فيه مستوفى في رسم الأقضية، من سماع أشهب، من كتاب النذور، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لزوجته أنت طالق إن لم تأكلي هذه القطعة من اللحم فجاءت هرة فأكلتها
مسألة وقال في رجل تغدى مع امرأته لحما، فجعلت المرأة لحما بين يديه ليأكله، فأخذ الزوج منها بضعة، فقال لها: كلي هذه، فردتها بين يديه، فقال لها: أنت طالق إن لم تأكليها، فجاءت هرة فذهبت بها فأكلتها، فأخذت المرأة الهرة فذبحتها، فأخذت البضعة فأكلتها المرأة، هل يخرج من يمينه؟
قال: ليس ذبح الهرة ولا أكلها ولا إخراج ما في بطنها ولا أكله من ذلك بشيء، ولا يخرجه ذلك من يمينه في شيء لحنث في مثله، فإن كان ساعة حلف لم يكن بين يمينه وبين أخذ الهرة البضعة قدر ما تتناولها المرأة وتحوزها دونها، فلا شيء عليه، وإن توانت قدر ما لو أرادت أن تأخذها وتحوزها دونها فعلت، فهو حانث.
قال محمد بن رشد: مثل هذا حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف، وابن الماجشون، وهو صحيح على المشهور في المذهب من حمل الأيمان على المقاصد التي تظهر من الحالفين بها، وإن خالف ذلك مقتضى ألفاظهم فيها؛ لأن الحالف على امرأته أن تأكل البضعة من اللحم لم يرد وقت يمينه أن تأكلها، إلا وهي على حالها مستبدأة مستساغة، لا على أنها مأكولة تعاف وتستكره، وقد روى أبو زيد عن ابن الماجشون أنها استخرجت من بطن الهرة صحيحة كما هي حينما بلعته من قبل أن ينحل في جوفها شيء منها، فأكلتها فلا حنث عليه، وقوله: يأتي على مراعاة ما يقتضيه مجرد الألفاظ في الأيمان دون اعتبار المقاصد فيها، وهو أصل
اختلف فيه قول مالك وابن القاسم، وقد مضى بيان هذا في غير ما موضع من هذا الكتاب وغيره، ولا فرق بين هذه المسألة في المعنى وبين الذي يحلف ليأكلن الطعام، فلا يأكله حتى يفسد، وقد اختلف قول ابن القاسم في ذلك في رسم إن أمكنتني، من سماع عيسى، من كتاب النذور، وقد مضى من القول عليها هناك ما يبين المعنى في هذه، وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأته طالق إن لم أقضك إلى سنة إلا أن تشاء أن تؤخرني
مسألة وقال في رجل قال لغريمه: امرأته طالق إن قضيت أحدا قبلك، وإن لم أقضك إلى سنة إلا أن تؤخرني، فحل الأجل فأخره، ثم أراد أن يقضي غريما له قبل أن يقضي القديم الذي حلف ألا يقضي أحدا قبله.
قال: إذا يحنث.
قيل له: فإن قال امرأته طالق إن لم أقضك إلى سنة، وإن قضيت أحدا قبلك إلا أن تشاء أن تؤخرني، فحل الأجل فأخره، ثم أراد أن يقضي غريما غير الذي حلف له.
قال: أرجو ألا يكون عليه شيء.
قال محمد بن رشد: وجه تفرقته بين من يقول: إن قضيت أحدا قبلك، وإن لم أقضك إلى سنة، إلا أن تشاء أن تؤخرني، وبين أن يقول: إن لم أقضك إلى سنة، وإن قضيت أحدا قبلك إلا أن تشاء أن تؤخرني، هو أن رد الاستثناء، الوارد عقب جملة معطوف بعضها على بعض بالواو إلى أقرب مذكور منها أظهر من رده إلى جميعها، وإن كان رده إلى جميعها محتملا جائزا، ورد الاستثناء في قوله: إلا أن تشاء أن تؤخرني إلى قوله: إن لم أقضك إلى سنة أظهر من رده إلى قوله: إن قضيت أحدا قبلك، إذ هو أشبه بمعناه، فإذا كان الاستثناء متصلا لقوله: إن لم أقضك إلى سنة، وجب أن يرد
إليه خاصة؛ لأنه أظهر من وجهة اتصاله به، ومن جهة مشابهته له في المعنى، فيحنث إن قضى أحدا وخره أو لم يؤخره، وإذا كان الاستثناء متصلا بقوله: إن قضيت أحدا قبلك كان أظهر أن يرد إلى قوله: إن قضيت أحدا قبلك لاتصاله به، وأظهر أن يرد إلى قوله إن لم أقضك إلى سنة من جهة أنه أشبه به في المعنى، فلما كان رده إلى كل واحد منهما أظهر من وجه ما استحسن أن يرده إليهما جميعا، فقال: أرجو ألا يكون عليه شيء إن حل الأجل، فأخره ثم قضى غريما له، وبالله التوفيق.
مسألة: قال يميني في يمينك فحلف بالطلاق وليس للحالف امرأة ثم حنث
مسألة وقال في رجل قال لرجل: تجعل يمينك في يميني على ألا تفعل كذا وكذا، فقال له الرجل: يميني في يمينك، فحلف بالطلاق، وليس للحالف امرأة، ثم حنث، كيف يقول في الرجل الذي جعل يمينه في يمين الحالف إن ظن أن له امرأة، أو علم حين جعل يمينه في يمينه أنه لا امرأة له؟
قال: لا شيء عليه علم أو لم يعلم.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا القول في هذه المسألة في رسم سن، من سماع ابن القاسم، والمعنى فيها بين، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأته طالق إن وطئ فرجا حراما فأخذ جارية لامرأته فضمها إلى صدره
مسألة وسألت ابن القاسم عن رجل قال: امرأته طالق إن وطئ فرجا حراما أبدا، فأخذ جارية لامرأته، فضم صدرها إلى صدره، ووضع يده على محاسنها وقبلها حتى أنزل الماء الدافق.
فقال: قد حنث، قلت له: ولا ترى أن تنويه أنه إنما أراد
الوطء بعينه؟ قال: لا أنويه، ولا كرامة.
قال محمد بن رشد: إنما رآه حانثا؛ لأنه حمل يمينه على المعنى؛ لأن الحالف ألا يطأ فرجا حراما إنما معنى يمينه مجانبة الحرام، فوجب أن يحنث بمباشرته والاستمتاع به، وإن لم يصل في ذلك إلى الوطء بعينيه، ولو حمله على ما يقتضيه اللفظ لم يحنثه؛ لأنه لم يطأ فرجا، وقد قال في كتاب ابن المواز: من حلف ألا يتسرر على امرأته فجرد جارية له، ووضع يده على محاسنها وملاذها، فليس ذلك بتسرر، وأما قوله لا ينوى في أنه إنما أراد الوطء بعينه، فمعنى ذلك مع قيام البينة عليه، ولو جاء مستفتيا لكانت له نيته، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق ليغسلن رأس رجل فغسله وهو ميت
مسألة وقال في رجل حلف بالطلاق ليغسلن رأس رجل فغسله وهو ميت أنه يحنث.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه يحنث؛ لأن المعنى في يمين الحالف أن يغسل رأسه وهو حي؛ إذ المقصد في هذا إنما هو نفعه بإزالة الشعث عن رأسه وإراحته بذلك وكفايته المؤنة في تولي ذلك بنفسه لنفسه، وذلك كله مرتفع بالموت، فوجب ألا يبر بفعل ذلك به بعد الموت، وأن يحنث إن مات قبل أن يغسله إن كان قد حيي بعد اليمين، قدر ما لو أراد أن يغسله أمكنه، ولو حلف ألا يغسله فغسله، وهو ميت لحنث بما يقتضيه اللفظ على عمومه في الحياة والموت، ولم ينظر في ذلك إلى المعنى من أجل أن الحنث بخلاف للبر، ولو حلف ألا يغسل حياته فغسله بعد أن مات حنث أيضا، وقد قيل: إنه لا يحنث حسبما أشرنا إليه ونبهنا على موضع القول فيه قبل هذا في هذا السماع، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق ألا يجتمع هو وفلان في بيت فاجتمعا في الحمام
مسألة وقال في رجل حلف بالطلاق ألا يجتمع هو وفلان في
بيت، فاجتمعا في الحمام، قال: يحنث؛ لأنه لو أراد ألا يدخله فعل.
قال محمد بن رشد: قد مضى تعليله في رسم الرهون من سماع عيسى ما يدل على أنه لا يحنث إذا اجتمع معه في الحمام وشرحنا هناك وجه ذلك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: له على رجل حق فحلف بالطلاق ليستقضين منه حقه فهلك الغريم
مسألة وقال في رجل كان له على رجل حق فحلف بالطلاق ليستقضين منه حقه، ولا يرخص له، فهو فيما يخاصم الغريم حتى هلك الغريم.
فقال: يستقضي من ورثة الغريم، ولا يرخص لهم، ولا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الحالف على مثل هذا إنما مقصده استعجال قبض حقه لينتفع به، فتحمل يمينه على ذلك، ولا تنحل عنه اليمين بموت المحلوف عليه، إلا أن تكون له نية أنه أراد التضييق عليه بعينه، فتكون له نية إن جاء مستفتيا غير مطلوب بحكم اليمين بالطلاق، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق أنه لا يقضي غريما له اليوم شيئا فلظ به الغريم
مسألة وقال في رجل حلف بالطلاق أنه لا يقضي غريما له اليوم شيئا، فلظ به الغريم، وقال لرجل له عليه دين: ادفع إليه فضمنه له إلى غد.
قال: هو حانث ولا ينوى.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن هذا حوالة على أصل دين، والحوالة قضاء بنفس لزومها، وإن كانت إلى أجل، وقد مضى بيان
هذا، والقول فيه في رسم بع ولا نقصان عليك، من سماع عيسى، وقوله: ولا ينوي معناه مع قيام البينة، ولو أتى مستفتيا كانت له نيته فيما يدعي، وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأته طالق إن لم أكن أدخلت غنمي السوق يوم الجمعة يريد قبل الأحد
مسألة وقال في رجل قال لجلاب: أدخلت غنمك في السوق يوم الأحد حين فاتك السوق؟ قال: امرأته طالق إن لم أكن أدخلتها يوم الجمعة، يريد أي أدخلتها قبل الأحد، وإنما هو قد أدخلها يوم السبت.
قال: لا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: أما الذي عوقب على إدخال سلعته السوق بعد فوات السوق، فحلف بالطلاق لقد أدخلتها السوق يوم الجمعة، وإنما أدخلها السبت، فقوله: لا شيء عليه صحيح على مراعاة المعنى؛ لأنه إنما أراد أنه لم تتأخر سلعته عن سوقها، وهذا إن كانت سوق تلك السلعة يوم السبت، وأما إن كانت سوق تلك السلعة إنما هو يوم الجمعة فهو حانث، إذ تأخر بها عن سوقها، وعن اليوم الذي حلف عليه، وقد قيل: إنه حانث وإن كان سوق تلك السلعة يوم السبت، وهذا على الاعتبار بلفظه دون معنى يمينه؛ إذ هو أصل قد اختلف فيه، وإلى هذا نحا في كتاب ابن المواز، فقال في موضع: أخشى عليه، وأما الذي سئل سلف خمسة دنانير فحلف أنه ليس معه إلا خمسة دنانير، فإذا هو ليس معه إلا أربعة دنانير، فبين أنه لا حنث عليه؛ لأنه إنما أراد أنه ليس معه أكثر من خمسة دنانير، وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأته طالق إن لم أربح غدا درهمين
مسألة وقال في رجل قال: امرأته طالق إن لم أربح غدا درهمين، قال: إن علم أنه من شيء يرتجى ربحه، يقول: أنا أربح غدا
درهمين في هذا الثوب، أو في هذه الدابة، أو أقتضي من غلامي غدا درهمين، أو يهب لي فلان درهمين، فأصاب من الغد درهمين بشيء من هذه الوجوه، فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا أصاب من الغد درهمين بشيء من هذه الوجوه، فلا شيء عليه؛ لأنه لم يحلف إلا على شيء رجاه، فلا اختلاف في أنه لا شيء عليه إذا سلم مما غرر فيه اليمين عليه، ولو عثر على ذلك قبل غد لما عجل عليه الطلاق حتى ينظر، هل يربح الدرهمين غدا من وجه تلك الوجوه التي ذكر أم لا؟ لأنه إنما هو بمنزلة من قال: امرأتي طالق إن لم يوهب لي غدا درهمان، فلا يعجل عليه الطلاق؛ لأنه يقول: لا أعدم من يهب لي غدا درهمين، وأنا قادر على أن يسلفها ممن لا يبخل علي بهما، بخلاف لو قال: امرأتي طالق إن لم تضع فلانة حملها غدا لما يرى بها من إمارة قرب وضعها، وإن لم يمت فلان غدا لما يرى به من أسباب الموت، هذا يعجل عليه الطلاق إن عثر عليه قبل الأجل؛ إذ لا حيلة له، ولا عمل لتعجيل الوضع ولا الموت وما أشبه ذلك، وقد مضى بيان هذا كله في رسم يوصي، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بطلاق امرأته البتة ليبيعن عبده إلى غير أجل فمات العبد أو أبق
مسألة وسئل عن رجل حلف بطلاق امرأته البتة ليبيعن عبده إلى غير أجل، فمات العبد أو أبق.
قال: إن كان عمل في بيعه، فعجله فوات نفسه، فمات قبل أن يبيعه، فلا شيء عليه، وإن كان فرط حتى مات حنث، فإن كان أبق فإن يضرب له أجل أربعة أشهر، ويوقف عن امرأته من يوم ترفعه، فإنه وجد العبد وباعه قبل انقضاء أربعة الأشهر، لم يكن عليه شيء، ولا طلاق عليه، فإن انقضت الأربعة أشهر، ولم يجده لم تكن عليه إلا طلقة واحدة، فإن وجده وهي في العدة وباع راجع
امرأته، وإن لم يجده إلا بعد انقضاء العدة من يوم طلق عليه، لم يكن له عليها رجعة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها، فلا وجه للقول فيها، وقد مضت في رسم القطعان، من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف ألا يكلم فلانا فكتب فلان إلى ذلك الرجل كتابا فقرأه الحالف
مسألة وسئل عن رجل حلف ألا يكلم عبد الله، فكتب عبد الله إلى ذلك الرجل يريد الحالف الذي حلف ألا يكلمه كتابا، فقرأه ذلك الرجل الحالف ألا يكلمه على نفسه، ولم يجب فيه بشيء.
قال: هو حانث، قيل له: فإنه حين أتى بالكتاب فدفعه إلى رجل، فقال أقرأه علي؟ فقال: إن قري عليه ما فيه بأمره؛ حنث، وإن قرأه الرسول عليه من غير أن يقول: اقرأه علي؛ فأرجو أن يكون خفيفا، وما ذلك بالبين، قيل له: فإن عبد الله كتب إلى رجل غير الذي حلف عليه كتابا، فجاء ذلك الرجل بذلك الكتاب إلى الذي حلف ألا يكلم عبد الله، فقال له: اقرأ علي كتاب عبد الله، فإنه كتب إلي هذا الكتاب، فقرأه عليه وأخبره بما فيه؟ قال: لا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إنه لا يحنث الحالف بقراءة كتاب المحلوف عليه، روى ذلك أيضا أبو زيد، عن ابن القاسم، وهو قول أشهب، حكى ذلك ابن المواز واختاره، وهو الصواب؛ لأن حقيقة التكليم هو أن يعبر الرجل للرجل عما في نفسه بلسانه عبارة يفهمها عنه إذا سمعه، فإنما يحنث الحالف ألا يكلم رجلا بالكتاب إليه إذا قرأه المحلوف عليه، وإن لم يكن مكلما له بذلك على الحقيقة، من أجل أنه قد وجد منه التفهيم، وهو
معنى الكلام، والحالف إذا قرأ كتاب المحلوف عليه، فلم يوجد حقيقة التكليم ولا معناه؛ إذ لم يفهمه هو شيئا بقراءة كتابه، وإنما المحلوف عليه هو الذي أفهم الحالف، فوجب ألا يحنث، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف إن تزوج فلانة فهي طالق البتة
مسألة قال: وكتب إلى ابن القاسم صاحب الشرط في رجل حلف: إن تزوج فلانة فهي طالق البتة، فتزوجها فدخل بها، فرفع ذلك إلي، فأردت أن أفرق بينهما، فكتب إليه ابن القاسم: لا تفرق بينهما.
قال: وبلغني عن ابن المسيب أن رجلا قال: حلفت بطلاق فلانة إن تزوجتها، قال: تزوجها وإثمك في رقبتي، وزعم أن المخزومي ممن حلف على أمة بمثل هذا.
قال محمد بن رشد: راعى ابن القاسم في هذه الرواية قول من ذهب من أهل العلم إلى أنه لا يلزم الرجل طلاق ما لم ينكح، بدليل ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قوله: «لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك»، وهو مذهب الشافعي وكثير من العلماء، فلم ير أن يفرق بينها إذا دخلا، والمشهور في المذهب أنه يفرق بينهما على كل حال وإن دخلا، ولا يراعى الاختلاف في هذا، ومراعاته فيه شذوذ في المذهب، وإنما الاختلاف المشهور في مراعاته في الميراث والطلاق والعدة، فقيل لهما: لا يتوارثان إن مات أحدهما قبل أن يعثر على ذلك، وإن كان هو الميت لم يلزمها عدة إلا أن يكون موته بعد الدخول، فتعتد بثلاث حيض، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز، واختيار ابن القاسم في رسم الرهون، من سماع عيسى قبل هذا، ودليل ما في المدونة، وعلى هذا لا يكون الفسخ فيه طلاقا، ولا يلزمه فيه ما طلق قبل أن يعثر عليه؛ لأنه قد طلق من قد بانت منه بالعقد، ولا يكون لها
من الصداق نصفه إن طلق قبل الدخول، أو فرق بينهما قبله، وقيل: إنهما يتوارثان إن مات أحدهما قبل الفسخ، ويلزمه ما طلق قبل أن يعثر عليه، وإن كان هو الميت اعتدت أربعة أشهر وعشرا، ويكون الفسخ فيه طلاقا، ويكون لها نصف الصداق إن فرق بينهما قبل الدخول، وإنما يراعى الاختلاف في وجوب الحد، ويلحق فيه النسب في المشهور في المذهب، وقد شذ ابن حبيب، فلم يراع الاختلاف في ذلك، وأوجب الحد، وأسقط النسب في ذلك إذا كان الذي فعل ذلك عالما غير جاهل، فمراعاة الاختلاف في ألا يفرق بينهما شذوذ، وترك مراعاته في درء الحد وإلحاق النسب شذوذ وغلو، والاختلاف في مراعاته في الميراث والطلاق والعدة متكافئ في المذهب، والاختلاف فيه - أعني في المذهب - في وقوع الحرمة به، وبالله التوفيق، ووقع في كتاب ابن زرب زيادة في قول ابن المسيب إثمها وإثمك في رقبتي، والمعنى في ذلك واحد؛ لأن الإثم اللاحق لا يختص بالواحد منهما دون الآخر.
مسألة: حلف بطلاق امرأته ليخرجن بها في مرته هذه وكان يريد سفرا
مسألة وقال في رجل حلف بطلاق امرأته: ليخرجن بها في مرته هذه، وكان يريد سفرا فخرج، فلما سار ذكر يمينه، فانصرف فحملها.
قال: أراه حانثا.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال؛ لأن الحنث قد وقع عليه لأول خروجه دونها في تلك المرة التي حلف ليخرجن بها فيها، على أصولهم في أن الحنث يدخل بأقل الأشياء، ولا يسقط عنه الطلاق الذي قد لزمه رجوعه عنها، وإخراجه وإن كان من قرب، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بطلاق امرأته في أرض إنك لا تحرثها فحرثها ليلا
مسألة وقال ابن كنانة في رجل حلف بطلاق امرأته في أرض كانت بينه
وبين رجل فيها منازعة: إنك لا تحرثها أبدا إلا أن تغلبني عليها، ثم إن الأرض طرقها، فحرثها ليلا، فهل تراه حانثا؟
قال: لا، ولكن يدين ويحلف بالله أنه ما أراد بيمينه إلا أن يمنعه إذا أراد الحرث، فإنه لا يدعه إلا أن يغلبه عليها، فإن حلف لم يكن عليه شيء، قال ابن القاسم: هو حانث، ولا ينوى في ذلك إلا أن يؤخذ فيربط، ويحرث ويحبس، فلا يكون عليه شيء.
قال محمد بن رشد: طروقه بالأرض وحرثه إياها ليلا بغير علمه مقافصة له فيها، مغالبة له عليها، وهو لم يستثن في يمينه إلا المغالبة، فوجب أن يكون حنث بظاهر يمينه، إلا أن يكون نوى أنك لا تحرثها بعلمي إلا أن تغلبني عليها، فالاختلاف بين ابن كنانة وابن القاسم إنما هو هل يصدق في نيته مع قيام البينة عليه باليمين أم لا؟
فقال ابن كنانة: إنه يصدق في قوله مع يمينه، وقال ابن القاسم: هو حانث، ولا ينوى في ذلك؛ يريد مع قيام البينة عليه باليمين، وذلك صحيح على أصولهم في أن من ادعى نية مخالفة ليمينه لا تقبل منه، ولا يصدق فيها إلا أن يأتي مستفتيا مثل أن يقول: امرأتي طالق إن كلمت فلانا، أو اشتريت ثوبا، فيكلمه ويقول: نويت شهرا، أو يشتري ثوبا ويقول: نويت شيئا، وقول ابن القاسم: هو حانث، ولا ينوى في ذلك، إلا أن يؤخذ فيربط، ويحرث ويحبس، فلا يكون عليه شيء ليس على ظاهره؛ لأن فيه تقديما وتأخيرا وتقديره، قال: لا ينوى في ذلك، وهو حانث، إلا أن يؤخذ فيربط، ويحبس وتحرث، فلا يكون عليه شيء.
مسألة: حلف لامرأته أنت طالق إن لم أتسرر عليك فاشترى جارية فوطئها وعزل عنها
مسألة وقال فيمن حلف لامرأته: أنت طالق إن لم أتسرر عليك، فاشترى جارية فوطئها وعزل عنها، هل تخرجه ذلك من يمينه؟ قال: إذا تسررها فوطئها فلا شيء عليه، يريد بالوطء مرارا،
بمنزلة الرجل يريد حبس الجارية، قال ابن القاسم مرة أو مرتين، سواء أراد حبسها أو لم يرده.
قال محمد بن رشد: قد اختلف في التسرر ما هو؟ فقيل: إنه الوطء، وإليه ذهب مالك وعامة أصحابه، وعلى هذا يأتي قول ابن القاسم هذا: إنه إذا وطئها مرة أو مرتين فقد بر، وإن عزل عنها، ولم يرد حبسها ولا اتخاذها، وقيل: إنه الاتخاذ للوطء، وهو قول ابن كنانة، يقوم ذلك من قوله في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، من كتاب العتق، في الذي يقول: كل أمة أتسررها فهي حرة، فيشتري خادما تخدمه فيطأها؛ أنها لا تكون حرة في مثل هذا إلا أن تحمل، يريد أنه لا يلزمه حريتها بتلك الوطأة، إلا أن تحمل منها إذا لم يطأها متخذا لذلك، فعلى هذا القول يأتي قوله في هذه الرواية: يريد بالوطء مرارا، بمنزلة الرجل يريد حبس الجارية، يريد حبسها للاتخاذ، فأرى قائل ذلك ابن كنانة، والله أعلم؛ لأنه مذكور في المسألة التي قبلها، وهذه معطوفة عليها.
وقيل: إنه الحمل، فعلى هذا القول لا يبر الذي يحلف بطلاق امرأته إن لم يتسرر عليها جارية فيطأها، وإن نوى حبسها لذلك ولم يعزل عنها، وهو على حنث في امرأته؛ لا يجوز له وطؤها حتى تلد منه جارية، فإن طلبت امرأته الوطء ورافعته في ذلك طلق عليه، وقيل: يضرب له أجل المولي، ويطلق عليه عند انقضائه بالإيلاء، إلا أن ترضى أن تقيم معه دون وطء، هذا هو الحكم في هذه اليمين على هذا القول، على قياس ما وقع في الإيلاء من المدونة في نظير هذه المسألة، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف ألا يئويه وفلانا سقف بيت أبدا فمر بسقيفة فيها طريق
مسألة وقال مالك في رجل حلف ألا يئويه، وفلانا سقف بيت أبدا، فمر بسقيفة فيها طريق، وهو يعلم أن الذي حلف عليه فيها، قال: إنما حلفت ألا أجلس معه تحت سقف بيت أبدا، وإنما مررت بالطريق.
قال: إن كان طريق يمر فيه بغير إذن، وهي نافذة، فإنه بريء، ولا أرى عليه حنثا، وإن كان إنما هو بيت يستأذن فيه، ولا يدخل فيه إلا بإذن، فلا أراه ألا حانثا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها موعبا مجودا في الرهون، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق ألا يكلم رجلا فشتمه الذي حلف عليه ألا يكلمه
مسألة وقال في رجل حلف بالطلاق ألا يكلم رجلا فشتمه الذي حلف عليه ألا يكلمه، فلم يرد عليه شيئا، وإلى جانبه رجل، فقال للرجل الذي إلى جانبه: ما أنا كما قال.
قال: أراه حانثا، إنما أراد أن يسمعه، فإن كان أراد أن يسمعه فسمعه، فهو حانث.
قال محمد بن رشد: في قوله في هذه المسألة: إن كان أراد أن يسمعه فسمعه فهو حانث، دليل على أنه إن لم يسمعه فلا حنث عليه، وهو مثل ما مضى في رسم الطلاق الثاني، من سماع أشهب، بخلاف إذا كلم المحلوف عليه فلم يسمعه، وقد مضى التكلم على الوجهين، وما يتعلق بهما موعبا في رسم الطلاق الثاني، من سماع أشهب، وفي رسم سلف، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: رمى امرأته بعصا فحلف بطلاقها البتة إن كان ضربها بيده
مسألة وقال فيمن رمى امرأته بعصا كانت معه، فشكت ذلك، وقالت: ضربني فعوتب في ذلك، فحلف بطلاقها البتة إن كان ضربها بيده.
فقال: هو حانث إلا أن يكون نوى إن كان ضربها بيده بلطمة، أو مثل ما يضرب الناس ينوي ذلك، وإلا فهو حانث، ورأيته ضربا، ونزلت بالمدينة فأفتى بذلك، وقال لو كانت عليه بينة ما دينته وحنثته، سواء قال بيده أو لم يقل هو سواء.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة والله أعلم، أنها قالت: ضربني؛ فأبهمت الضرب، ولم تبين كيف ضربها؟ فعوتب في ذلك، وقيل له: ضربت امرأتك؟ فحلف بطلاقها أنه ما ضربها، ثم أقر لما ادعى عليه أنه قد كان ضربها قبل أن يحلف بالطلاق أنه ما ضربها أنه، قد كان رماها بعصا أو قامت عليه بذلك بينة، فلذلك قال: إنه لا ينوى، قال بيده أو لم يقل بيده؛ لأن من رمى امرأته بعصا فقد ضربها بيده، ولو قالت: كان رماني بعصا فعوتب في ذلك، وقيل له: رميت امرأتك بعصا؟ فحلف أنه ما ضربها بيده، فوجب أن ينوى؛ لأن بساط المسألة يدل على صدقه فيما ادعى من نيته، وبالله التوفيق.
مسألة: حلفت امرأته لئن قدم فلان لتسألنه الطلاق فبلغه فحلف لئن سألته ليجيبنها
مسألة وقال فيمن غاب عن امرأته، فتزوج بالريف، فحلفت امرأته لئن قدم فلان لتسألنه الطلاق، فبلغه ذلك فحلف لئن سألته الطلاق ليعطينها أو ليجيبنها، فلما قدم قالت له: طلقني، فقال: أمرك بيدك، فلم تختر شيئا.
قال: لا شيء عليه إلا أن يكون أراد بقوله: لأجيبنها أو لأعطينها، أي لأطلقنها، وإلا فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إنه لا شيء عليه، إلا أن يريد بذلك لأطلقها؛ لأنه إذا ملكها أمرها في الطلاق فقد أجابها إلى ما سألته منه، وقد مضى في رسم الصلاة، من سماع يحيى القول، إذا حلف، لئن سألته الطلاق ليطلقها، فلما سألته ملكها أمرها، فذلك يغني عن القول فيما يكون الحكم إذا أراد بقوله: لأجيبنها أو لأعطينها؛ إذ لا فرق بين أن يلفظ بذلك أو يريده فيما يوجب الحكم عليه، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق ألا يكسو امرأته ثوبا فكست نفسها ثوبا وكسا هو نفسه ثوبا
مسألة وقال في رجل حلف بالطلاق ألا يكسو امرأته ثوبا، فكست نفسها ثوبا، وكسا هو نفسه ثوبا، فقالت له امرأته: ثوبك خير من ثوبي، فقال: أنا أبعث بثوبي، فإن كان هو خير فخذيه وأعطني ثوبك، فلم يأتها بالثوب، أتراه حانثا؟
قال: إن كان ثوبه خيرا من ثوبها فهو حانث، وإن كان ثوبه شرا من ثوبها، فلا حنث عليه، وإن كان أتاها بثوبه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن كان ثوبه خيرا من ثوبها فهو حانث؛ يريد وإن لم يأتها بالثوب، ولا أسلمه إليها، فجعل قوله لها: فخذيه، إيجابا منه لها ذلك على نفسه كالعطية لا رجوع له فيها، ولذلك أوجب عليه الحنث بذلك، وقد قيل: إن العطية لا تجب عليه بهذا اللفظ، إلا أن يقول: فقد أعطيتك إياه، أو فقد وهبت لك، وهو الذي يأتي على قول مالك، في رسم البيوع الأول، من سماع أشهب، من كتاب جامع البيوع، في الذي يكون عنده العبدان فيقول للرجل الذي يسومه بهما: هذا العبد بأربعين إلى سنة، وهذا العبد الآخر بخمسين إلى سنة، فخذ أيهما شئت؛ فإنه لا بأس بذلك؛ لأنه لم ير ذلك لازما له، ولو رآه لازما له لقال: إن ذلك لا يجوز، كما قال في كتاب ابن المواز، من رواية أشهب عنه أيضا، فجوابه في هذه المسألة أن الحنث عليه يأتي على قول مالك في كتاب ابن المواز، ويأتي على قوله في العتبية أنه لا حنث عليه، إذ لم يجب عليه العطية بهذا القول، كما أنه لا يحنث من حلف ألا يبيع سلعة، فباعها على أنه فيها بالخيار حتى يجب البيع، وقد مضى ذلك في آخر رسم استأذن، من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
مسألة: استحلفه بطلاق امرأته ليقضينه إلى أجل كذا وكذا إلا أن يشاء البائع
مسألة وسئل عن رجل باع من رجل سلعة، واستحلفه بطلاق امرأته ليقضينه إلى أجل كذا وكذا إلا أن يشاء البائع أن يؤخره، فحل
الأجل، والذي عليه الحق غائب، فأراد أن يؤخره وكره أن يحنثه، قال ابن القاسم: إذا أحضر لذلك شهودا من أجل أنه لو أخره ولم يحضر لذلك شهودا، فحل الأجل ولم يقضه لطلق عليه بما ظهر من حنثه، ولم يصدق البائع في قوله: إنه قد كان أخره، ولا ينبغي له أيضا هو في خاصة نفسه أن يصدقه مخافة أن يكون قد كذبه، إلا أن يستيقن صدقه بشهادة رجلين عدلين، فإن لم يستيقن ذلك استحب له مفارقتها، ولو أخبره مخبر عدل قبل أن يحل الأجل أنه قد أخره لجاز له أن يؤخر قضاءه، ولا يحنث من طريق قبول خبر الواحد، لا من طريق الشهادة، وقد مضى نحو هذا المعنى في رسم الأقضية، من سماع أشهب، من كتاب النذور، وقوله: إنه نوى في نفسه حين لم يجده أن يؤخره؛ إن ذلك لا يخرجه من الحنث، صحيح لا اختلاف فيه؛ إذ لا يكون بنيته مؤخرا، كما لا يكون مؤخرا لو أشهد على نفسه أنه يؤخره حتى يشهد على نفسه أنه قد أخره، فلو نوى في نفسه أنه قد أخره؛ لكان مؤخرا في الباطن، كما أنه إذا نوى في نفسه أنه طلق امرأته أنها طالق فيما بينه وبين الله تعالى، على ما مضى في رسم الطلاق الأول، من سماع أشهب، إلا أنه لا ينبغي له أن يصدقه في أنه نوى ذلك مخافة أن يكون كذبا، وبالله التوفيق.
مسألة: اتخذ عليه الطلاق إن لم يوفه إلى أجل كذا فاستقالة صاحب الدنانير
مسألة وسألته عن رجل سلف مائة دينار في قمح أو سلعة من السلع إلى أجل، واتخذ عليه الطلاق إن لم يوفه إلى أجل كذا، فاستقالة صاحب الدنانير مما اشترى منه قبل الأجل فأقاله.
قال: لا أحب له أن يسمع هذا، فإن وقع وكانت المائة
دينار يوم ردها وفاء من السلعة التي عليه عند الناس، فأرجو ألا يكون حانثا، قلت له: فإن لم يكن فيها وفاء، ورد عليه الدنانير ثانية، وأقر البيع على حاله إلى أجله؟ قال: لا ينفعه ذلك، وهو حانث؛ لأنه بيع فاسد، أو لأنه لو أبى ذلك أحدهما لم يجبر على ذلك، وهو بيع مبتدأ، ولو أعطاه بذلك السلعة عند الأجل بعد الذي وصفت لا عطية أو صدقة، لم يخرجه ذلك من يمينه، ولم ينفعه ذلك، وإن أعطاه إياها، وهي تسوي الثمن لم أره حانثا؛ لأنه قد خرج من الوجه الذي قد حلف عليه فيه، وكذلك قال مالك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى على ما في المدونة، وقد مضت في رسم النذور، من سماع أصبغ، ومضت أيضا والقول فيها في رسم إن خرجت، ورسم إن أمكنتني، من سماع عيسى، فلا وجه لإعادة ذلك.
مسألة: قال لامرأته أنت طالق إن أعطيتني الوديعة التي عندك فأعطته مائة دينار
مسألة وقال في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن أعطيتني الوديعة التي عندك، فأعطته مائة دينار، قال: قد استودعتك مائتي دينار: إنها تطلق عليه، ولا ينظر إلى قوله؛ لأنه مدع.
ولو قال: أنت طالق البتة إن أعطيتني المائة التي استودعتك، فقالت له: أنا أعطيك، فأخرجت خمسين، ثم قالت له: لا أعطيك شيئا.
قال: تقدم الخمسين الأخرى التي أقرت بها وتطلق، فإن جحدت لم يكن عليها غير ما أخرجت؛ لأنه أنزل أمره على أنه إنما حلف على الوديعة، وقد أخرجتها، وتطلق.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي قال لامرأته: أنت طالق إن
أعطيتني الوديعة التي عندك، فأعطته مائة دينار، وادعى أنه كان استودعها مائتي دينار، أنها تطلق عليه، يريد بالحكم، وأما فيما بينه وبين الله تعالى، فلا يلزمه طلاق؛ لأن غرضه الذي طلق عليه لم يتم له، كمن قال لامرأته: أنت طالق إن أعطيتني مائة دينار، فأعطته خمسين، وأما الذي قال لها: أنت طالق إن أعطيتني المائة التي استودعتك، فقالت له: أنا أعطيك، فأخرجت خمسين، ثم قالت له: لا أعطيك شيئا، فإنما قال: إنها تقدم الخمسين الأخرى التي أقرت بها وتطلق؛ لأن معنى المسألة أنه خشي أن تجحده المائة، فقال لها بمحضر بينة: إن أعطيتني المائة فأنت طالق، فكان معنى يمينه إن أقررت لي بالمائة، وأعطيتنيها فأنت طالق؛ فلزمه الطلاق بإقرارها له بالمائة، وإن لم تعطه منها إلا خمسين؛ لأنه قادر على أن يأخذ منها الخمسين الأخرى، وقد تم له غرضه الذي طلق عليه بإقرارها له بجميع المائة، ولو كانت مقرة له بالمائة فقال لها: إن أعطيتني المائة فأنت طالق، لما لزمه طلاقها إلا بأن تعطيه جميع المائة، وقد مضى هذا المعنى مبينا في أول سماع ابن القاسم.
وقوله في آخر المسألة: فإن جحدت لم يكن عليها غير ما أخرجت إلى آخر قوله: ويطلق؛ إنما يعود على المسألة الأولى التي قال فيها: أنت طالق إن أعطيتني الوديعة، لا على التي قال: إن أعطيتني المائة؛ لأنه إذا قال لها: إن أعطيتني المائة التي لي عندك فأعطته خمسين، وجحدت أن يكون له عندها سواها؛ فلا يلزمه الطلاق؛ لأنه كمن قال لامرأته: أنت طالق إن أعطيتني مائة دينار، فلا تعطه إلا خمسين، وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: يحلف بطلاق امرأته ألا تخرج إلا بإذنه فيأذن لها إلى موضع فتذهب إليه وإلى غيره
مسألة وسمعته وسئل عن الرجل يحلف بطلاق امرأته ألا تخرج إلا بإذنه، فيأذن لها إلى موضع، فتذهب إليه وإلى غيره.
قال: هو حانث.
قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن القاسم خلاف قوله في
الواضحة أيضا، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة وما يتعلق بمعناها في رسم سلف، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
قال امرأته طالق البتة إلا أن يمنعني أبي من ذلك فمنعه أبوه
من نوازل سئل عنها سحنون وسئل عن رجل قال: امرأته طالق البتة إلا أن يمنعني أبي من ذلك، فمنعه أبوه، قال أصبغ: لا أرى عليه شيئا إن كرهه أبوه، ورد عليه، ومنعه منه بجد وصحة، وأراه بمنزلة قوله: إلا أن يشاء أبي، فلم يشأ أبوه، وأصل ذلك عندي في قوله: هي طالق إن شاء أبي، فلم يشأ.
قال محمد بن رشد: تشبيه أصبغ قول الرجل: امرأتي طالق إلا أن يمنعني أبي ذلك، بقوله: امرأتي طالق إلا أن يشاء أبي؛ صحيح، وأما قياسه ذلك على قول الرجل: امرأتي طالق إلا أن يشاء أبي؛ فليس بصحيح؛ لأن قول الرجل: امرأتي طالق إن شاء أبي طلاق مقيد بشرط، وهو مشيئة أبيه، فلا يقع عليه إلا أن يشاء أبوه؛ إذ لم يوجبه إلا بذلك، كمن قال: امرأتي طالق إن ضرب أبي غلامه، أو دخل الدار، وما أشبه ذلك، وقول الرجل: امرأتي طالق إلا أن يشاء أبي، إنما هو طلاق قيد حلف عنه بمشيئة أبيه؛ لأن تقدير قوله: امرأتي طالق إلا أن يشاء أبي، ألا تكون طالقا، ولا مشيئة لأبيه في ألا تكون طالقا؛ إذ كان هو قد طلقها بقوله لها: أنت طالق، فلا يسقط عنه الطلاق بما استثنى من مشيئة أبيه، كما لا يسقط عنه لو قال: امرأتي طالق إلا أن يضرب أبي غلامه أو يدخل الدار، وإنما يسقط عنه إذا قيده بضرب أبيه غلامه أو دخوله الدار، وهذا ما لا خفاء فيه، ولا إشكال فيه، فلا يصح أن يحمل قول الرجل: امرأتي طالق البتة إلا أن يمنعني من ذلك أبي، أو إلا أن يشاء أبي ذلك على أن مراده بذلك إنما هو امرأتي طالق البتة إن شاء أبي؛ إذ لا يحتمل ذلك اللفظ لكونه ضد مقتضاه على ما بيناه، إلا أن يقول الرجل: أردت ذلك، فينوى إذا جاء مستفتيا، ولا يصح على أصولهم أن ينوي في
ذلك مع قيام البينة عليه، فضلا عن أن تحمل يمينه على ذلك، إذا لم تكن له نية، ووجه ما ذهب إليه أصبغ، والله أعلم، أنه لما كان قول الرجل في الطلاق إلا أن يشاء أبي، أو إلا أن يمنعني من ذلك أبي على ما يقتضيه الكلام لغوا لا فائدة لقائله فيه، ولا تأثير له حمل عليه أنه أراد إن شاء أبي؛ إذ لا يفرق العوام والجهال بين شيء من هذه الألفاظ، فهو يشبه أن يفتي به في الجاهل على أن من قوله في نوازله: إن الجهالة ليست بأحسن حالا من العلم في الطلاق، فقوله على كل حال ضعيف، وهذا الذي ذكرناه إنما يكون إذا حملنا قوله: امرأتي طالق، إلا أن يشاء أبي، على أنه أراد بذلك امرأتي طالق، قد ألزمت نفسي ذلك إلا أن يشاء أبي أن يحله علي، وهو الأظهر من محتملات كلامه، ويريد بقوله: امرأتي طالق إلا أن يشاء أبي، امرأتي طالق ألا ألزم نفسي ذلك إلا أن يشاء أبي، فيكون على هذا التأويل قوله: امرأتي طالق إلا أن يشاء أبي بمنزلة قوله: امرأتي طالق إن شاء أبي، فلا يلزمه طلاق امرأته إلا أن يشاء أبوه ذلك، وإلى هذا نحا أصبغ، والله أعلم.
ويحتمل قوله: امرأتي طالق إلا أن يشاء أبي وجها ثالثا، وهو أن يريد بذلك امرأتي طالق، إلا أن يفعل فلان كذا وكذا، أو إن لم يفعل فلان كذا وكذا، فيكون على هذا التأويل كمن حلف بالطلاق على غيره أن يفعل فعلا يحال بينه وبين امرأته، ويدخل عليه الإيلاء، أو يتلوم له على الاختلاف في ذلك، فهي ثلاثة أوجه تحتملها المسألة، فإن أراد الحالف أحدها حملت يمينه عليه، وإن لم تكن له نية فيختلف على أي وجه يحمل منها، وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأتي طالق إن خرج من المسجد إلى الليل إلا أن يأذن له فلان
مسألة وعن رجل قال: امرأتي طالق إن خرج من المسجد إلى
الليل، إلا أن يأذن له فلان، فقال فلان ذلك: فأشهدوا أني لا آذن له إلى الليل، ثم أذن له بعد ذلك.
قال أصبغ: لا أرى ذلك ينفعه، وأرى قوله الأول: لا آذن له عزما يلزمه؛ لأنه قد أشهد على نفسه بذلك، فهو بمنزلة التوقيف، أن لو وقف فأبى، ثم أراد بعد ذلك أو أشد، فأرى الحالف حانثا إن كان قد فعل.
قال محمد بن رشد: ليست هذه المسألة على ما بني عليه أصل المذهب من مراعاة المعاني في الأيمان، دون الاقتصار فيها على ما يقتضيه مجرد الألفاظ، والذي يجب في هذه المسألة على الأصل المذكور ألا يكون عليه شيء إن خرج إذا أذن له، وإن كان قد منعه أولا، وقال: لا آذن له، ألا ترى أنه لو قال لامرأته: أنت طالق إن خرجت إلا بإذني، فسألته أن تخرج فأبى أن يأذن لها، ثم سألته فأذن لها أن تخرج ولا تحنث ولا يضره منعه لها أولا من الخروج، ولا خلاف في هذا، ووجه قول أصبغ أنه حمل يمينه على اللفظ، ولم يراع المعنى، وجعل يمينه ألا يخرج من المسجد إلا أن يأذن له فلان، كحلفه ألا يخرج من المسجد إن نهاه فلان، فإذا خرج بعد أن نهاه وجب أن يحنث، وإن أذن له بعد ذلك على قياس قول أصبغ هذا لو أذن له أولا، ثم نهاه ألا يكون عليه شيء إن خرج على الإذن الأول بعد أن نهاه، وقد وقع نحو هذا لمالك في رسم الطلاق، من سماع أشهب، من كتاب التخيير والتمليك، ومضى في رسم يوصي، من سماع عيسى، من هذا الكتاب، من قولها في مسألة من هذا المعنى ما يزيد هذه المسألة بيانا، وبالله التوفيق.
مسألة: له ثلاث نسوة فقال لإحداهن أنت طالق البتة ثم قال للأخرى أنت شريكتها
مسألة وسئل عن رجل كان له ثلاث نسوة، فقال لإحداهن: أنت طالق البتة، ثم قال للأخرى: أنت شريكتها، ثم قال للثالثة: أنت شريكتهما.
قال أصبغ: إذا قال البتة، فهن كلهن طوالق البتة، ولا ينفعه
أنه قال ثلاثا البتة، والثلاث لا تغني مع البتة قدم الثلاث أو أخرها، والبتة حرف واحد لا يتبعض ولا يفترق.
فإن كان قال لها: أنت طالق ثلاثا، ثم قال للثانية: أنت شريكتها، ثم قال للثالثة: أنت شريكتهما، كانت الأولى منه بائنة بثلاث، وكانت الثانية تبين منه باثنتين، وتكون عنده على طلقة تبقى له، وكانت الثالثة تبين منه بثلاث أيضا؛ لأنها شريكة الأولى بواحدة ونصف، فصارت اثنتين، وشركت الثانية بواحدة فصارت ثلاثا.
قال محمد بن رشد: بنى أصبغ جوابه في هذه المسألة على اعتبار ما يحصل لكل واحدة منهن بالقيمة من عدد الطلاق الذي شرك بينهن فيه، على ما قال في المدونة: إذا قال لأربع نسوة له: بينكن أربع تطليقات بدون أن يقع على كل واحد منهن طلقة طلقة، وإذا قال لهن: بينكن خمس تطليقات فأكثر إلى الثمان، وقع على كل واحدة منهن تطليقتان، وإن قال: بينكن تسع تطليقات أو أكثر، وقع على كل واحدة منهن ثَلاث ثلاث، وقد قيل: إنه يقع على كل واحدة منهن في هذه المسألة ثلاث ثلَاث، وكذلك لو قال لأربع نسوة له: قد شركت بينكن في تطليقتين؛ لوقع على كل واحدة منهن طلقتان طلقتان، ولو قال: قد شركت بينكن في ثلاث تطليقات فأكثر؛ لوقع على كل واحدة منهن ثلاث ثلَاث؛ لأن كل واحدة منهن يحصل لها بحكم الشركة من كل طلقة، فيجبر عليها، بخلاف مسألة المدونة؛ لأنه لما قال بينكن كذا وكذا من عدد الطلاق، ولم يقل: إنهن في ذلك أشراك، حمل على أنه إنما أراد أن يكون ذلك بينهن على ما يحصل لكل واحدة منهن من عدد الطلاق إذا قسم بينهن، وهذا الاختلاف على اختلافهم، فيمن صرف دنانير بدراهم، فوجد في الدراهم درهما زائفا، هل ينتقض صرف الدنانير كلها، أو صرف واحد، وقد مضى في سماع عبد الملك ذكر الاختلاف في تبعيض البتة، فلا وجه لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: خرجت امرأته فحلف بالطلاق ألا يبعث في ردها فبعث إلى ولده فأخذه
مسألة وسئل عن رجل خرجت امرأته إلى منزل أهلها، فحلف
بالطلاق ألا يبعث في ردها، وكان له معها ولد صغير، فبعث إلى ولده فأخذه منها، فرجعت تأخذ الولد منه.
قال أصبغ: هو حانث؛ لأن أخذه الولد وإرساله فيه، ونزعه منها سبب للإرسال إليها ولردها.
وقد قال مالك في الرجل يحلف لامرأته ألا يخرجها عن المدينة إلا برضاها، فأقام بمصر لا يبعث إليها بنفقة دهرا، فلما أرادت ذلك خرجت إليه، قال مالك: أراه حانثا؛ لأنه هو ألجأها إلى الخروج، فهذا عندي مثله.
قال محمد بن رشد: مثل قول مالك في هذا في رسم الطلاق الأول، من سماع أشهب، من كتاب النكاح، وحكى ابن سحنون، عن أبيه، أنه لا حنث عليه في المسألتين جميعا، وقول مالك أظهر؛ لأن اضطراره إليها إلى الخروج بما فعل مما ليس له أن يفعله إخراج، والحنث يدخل بأقل الوجوه، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول لغريمه احلف لي بالطلاق لتقضيني حقي إلى أجل كذا وكذا فيأبى
مسألة وسألته عن الرجل يقول لغريمه: احلف لي بالطلاق لتقضيني حقي إلى أجل كذا وكذا، فيأبى أن يحلف بالطلاق، فيقول له: احلف لي بالحلال عليك حرام، وهو جاهل أن الحلال عليه حرام يدخله الطلاق، فحلف وحنث في يمينه، هل ترى عليه في يمينه حنثا، أو ترى هذا القول: لست أحلف بالطلاق استثناء، ولا يكون عليه حنث؟ قال أصبغ: بل أراه حانثا، وأراه يمينا كالمجردة بغير ما وصفت، وأحمله أيضا على أنه تارك للأول، وراجع إلى الثاني، وكمن أبى الطلاق ثم رجع إليه، ولا أصدقه ولا تنفعه الجهالة، وإن رأى أنه صادق؛ لأنها يمين بالطلاق لفظا؛ لأن لفظ الحلال
علي حرام طلاق، فهو كمن لفظ بالطلاق لفظا، وليست الجهالة بأحسن حالا من العلم في هذا؛ لأن الطلاق جهالته علم، وجهالته طلاق، وكما أن جده طلاق، وهزله طلاق، ألا ترى أن الأعجمي يلفظ بالطلاق، ويطلق ولا يعرف الطلاق ولا ما هو؟ ولا حدوده، ولا أنه يلزم أو لا يلزم، فيلزمه ويحنث؟ فافهم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن التحريم من كنايات الطلاق، وقد قيل: إنه من صريحه، وإلى هذا ذهب أصبغ، وقال: إن الجاهل لا يعذر في ذلك بالجهل؛ لأن صريح الطلاق لا يعذر الجاهل فيه، ولا يسأل أحد هل أراد بذلك الطلاق أو لم يرده، ولا يصدق إن قال: إنه لم يرد به الطلاق، وإن أتى مستفتيا، فزعم أنه لم يرد بذلك جرى ذلك على الاختلاف في مجرد اللفظ دون النية، هل يلزم به الطلاق أم لا، والأظهر أنه لا يلزم به، وكذلك الحكم في كنايات الطلاق البينة.
وقد اختلف في صريح الطلاق ما هو على ثلاثة أقوال؛ أحدهما: أن صريحه لفظ الطلاق خاصة، وأن كناياته ما عدا ذلك مثل الخلية، والبرية، وحبلك على غاربك، وفارقتك، وسرحتك، وما أشبه ذلك، والى هذا ذهب عبد الوهاب.
الثاني: أن تكون الألفاظ كلها صريح في الطلاق، وبعضها أبين من بعض، وإلى هذا ذهب ابن القصار.
والثالث: أن صريح الطلاق ما ذكر الله في كتابه، وهو الطلاق، والسراح، والفراق، وهو مذهب الشافعي.
وقوله: إن هزله جد، صحيح لا اختلاف في لزومه الطلاق له، وإن كان هازلا إذا أراد بذلك الطلاق؛ إذ قد يتصور إرادة الطلاق مع الهزل، وكذلك قال مالك في رسم الطلاق، من سماع أشهب، من كتاب التخيير والتمليك: إن الطلاق للاعب لازم إذا أراد به الطلاق، فمعنى قولهم في الطلاق: إن هزله جد، هو أن الطلاق يحكم به عليه، وإن ثبت أنه كان لاعبا لم ينتفع بذلك، وأما إذا أتى مستفتيا فقال: كنت لاعبا، أو لم أرد بذلك طلاقا، وإنما قلت ذلك على وجه ذلك مما يذكره، فيصدق في ذلك، ولا يلزمه الطلاق على القول بأن الطلاق لا يلزم بمجرد القول دون النية، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف ألا يضع لزوج ابنته من مائة دينار وكان أصدقها شيئا ثم تبارءا
مسألة وسئل عن رجل يقول له ختنه وكان زوجه ابنته، وهي بكر في حجره، بنقد مائة دينار؛ انقص من المائة، فقال: امرأته طالق إن نقصتك منها، ثم تداعيا بعد ذلك إلى المبارأة، فتبارءا على ألا يتبع الختن ختنه بشيء من النقد ولا الكالئ، هل تراه حانثا في يمينه؟ فإن رأيته حانثا في يمينه وادعى أنه إنما أراد بيمينه ألا يبتني بها إلا بتمام المائة، فهل ترى ذلك له مخرجا من الحنث؟ فإن رأيت ذلك مخرجا، هل ترى له أن يزوجها إياه بعد ذلك بأقل من نقد مائة، أو لا ترى ذلك له؟ قال أصبغ: أرى أن يدين ويجعل القول قوله إن كانت يمينه خرجت على ما يزعم، وعلى إرادته ونيته، فذلك له، وهو يشبه ما يقول في ظاهر الأمر؛ لأن هذا في عقول الناس يرى ويشك أن يكون قد عرف تنازعهما فيه للدخول والنقصان عليه، والبساط والطلب له بالرغبة والرهبة، وإرادة التخفيف مع ذلك لتمامه، فإن شهد له بنحو ذلك، فهو الذي لا شك فيه، وهو له براءة، ولا أوجب عليه يمينا، وأدينه فيه بغير يمين إلا أن يستحسن مستحسن استظهار اليمين عليه، فلا أرى عليه بأسا، وإن لم يشهد له به، ولم يحضره من يشهد دينته وأحلفته، ورأيت ذلك له، ولم أر عليه حنثا، فأما ردها إليه بأقل، فلا أرى ذلك، وأرى إن تم ذلك ووقع أن يحنث، وأراه بمنزلة الذي يبيع السلعة ثم يسأله النقصان، فيحلف ألا ينقصه أو يحلف ألا يبيعه إياها، فمعنى ألا يبيعه إياها، ألا يتم له البيع فيفاسخه فيما يجوز له، ولا يتم له البيع، ثم يريد أن يبيعه بعد ذلك إياها بنقصان، فلا يجوز له وهو حانث، أو يريد أن يبيعه إياها بعد ذلك على حال بشيء من الأشياء، فإن باعه حنث.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي حلف ألا يضع لزوج ابنته من مائة دينار، وكان أصدقها شيئا، ثم تبارءا على ألا يتبعه بشيء من النقد ولا الكالئ، أنه لا حنث عليه في ذلك، إن كان إنما أراد ألا يبني بها إلا بتمام المائة، وأنه يصدق فيما زعم أنه نواه من ذلك مع يمينه، إلا أن يشهد له بساط يدل على صدقه فيما ادعاه من النية، فتسقط عنه اليمين إلا أن يستحسن ذلك مستحسن، صحيح على أصولهم؛ لأن النية التي ادعى نية محتملة، فوجب أن يصدق فيها مع يمينه من أجل قيام البينة عليه باليمين، فإن شهد له من البساط فيما يصدق دعواه، سقطت عنه اليمين، وكذلك لو أتى مستفتيا لم يكن عليه في ذلك يمين، وقوله: إن اليمين ترجع عليه ما بقي من ذلك الملك شيء؛ صحيح أيضا على معنى ما في المدونة، ومثل ما مضى في سماع محمد بن خالد، ورسم النذور، من سماع أصبغ، وإنما قال: إنه لا يزوجها منه ثانية بأقل من مائة؛ لأنه حلف ألا ينقصه من المائة شيئا، ولو كان حلف ألا ينقصه من صداقها الذي زوجها به شيئا على ما بينه في سماع محمد بن خالد، وقد مضى في سماع سحنون القول على الذي يحلف ألا يبيع السلعة بعد أن باعها، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته إن وطئت فلانة إلا برضاك فهي حرة أو أنت طالق فوطئها
مسألة وسألته عن رجل قال لامرأته: إن وطئت فلانة إلا برضاك فهي حرة، أو أنت طالق فوطئها وهي تنظر، فزعمت أنها لم ترض هل يحنث أو ترى سكوتها رضا؟ وهل له أن يطأها حتى يشهد على رضاها، أم لا ترى ذلك عليه؟ قال أصبغ: هو حانث فيما سألت عنه، وإن ادعى رضاها قبل الوطء، فأرى عليه تثبيت ذلك، والتسليم بالإذن من المحلوف له، إلا أن يكون المحلوف له زوجة، أو أم ولد، ومن لا يشهد على مثل
هذا، فأرجو ألا يكون عليه شيء إذا وطئ وادعى الإذن بصحته والرضا، وجاء مستفتيا رأيت أن يدين ذلك، فإن كان مشهودا عليه ومخاصما، فأحب إلي أن يكلف البينة على الإذن، وإلا أمضى عليه الطلاق.
قال محمد بن رشد: أما سكوتها فلا يعد رضا؛ إذ قد تسكت غير راضية، وإنما يختلف في السكوت هل يكون إذنا أم لا على قولين إذا كان إنما حلف ألا يطأها إلا بإذنها، وقد مضى القول على ذلك في رسم أسلم، من سماع عيسى، من كتاب النكاح، ومضى في سماع سحنون، من هذا الكتاب، تحصيل الاختلاف في تصديقه في دعوى الإذن، إذا ادعاه بعد الوطء، فلا معنى لإعادة ذكر ذلك، ولم يصدقه أصبغ هاهنا في الزوجة وأم الولد إلا مستفتيا، فظاهر قوله أنه لا يصدقه في غيرهما، ممن يشهد عليه، وإن أتى مستفتيا، وهو عندي بعيد، والصواب أن يصدق فيمن يشهد عليه إن أتى مستفتيا، وفي الزوجة وأم الولد وإن كانت على اليمين بينة، وبالله التوفيق.
مسألة: يحلف بالطلاق ألا يبيعه سلعة إياها وقد فرغ من البيع
مسألة وسئل عن الرجل يبيع السلعة فينقده الثمن، فيقول للمشتري: أبدل لي بعض الدراهم فيأبى، فيحلف بالطلاق ألا يبيعه إياها، وقد فرغ من البيع، ويحلف المشتري بمثل ذلك ألا يشتريها منه، فيسأل كل واحد منهما عن نيته، فيقول البائع: أردت ألا يأخذها، ويقول المشتري مثل ذلك، أو يقول كل واحد منهما: إنما حلفت وأنا أظن أن البيع لا يتم حتى يفترق، وإن لكل واحد منهما أن يفسخ البيع، أو لا يدعي واحد منهما شيئا إلا يمينا خرجت كذا، هل تشبه هذه المسألة مسألة الذي تزوج الأمة، فكان يبعث إلى سيدتها فيخلو معها، فقال: هي طالق إن تزوجتها؟
قال أصبغ: أرى الأيمان في مسألة البيوع لازمة على تلك الوجوه كلها، أي ذلك كان منها، وأرى مخرجها على ألا يأخذ ولا يعطي، وعلى المنع من البائع، والترك من المشتري، فإن سالم بعضهم بعضا حنثوا جميعا إن كانوا حالفين جميعا، وإن كان أحدهما الحالف وسالمه الآخر بر، وإن لم يسالمه وقام على حقه أخذه، وحنث صاحبه، وليس في هذا عندي شك ولا ضعف إلا في الجاهل الذي يظن أن البيع لم يتم، وحلف على ذلك، زعم بأن فيه بعض الضعف، وهو عندي لا حق في رأيي، حانث كأصحابه على ما فسرته لك، لا شك فيه عندي، ومسألة الأمة ما قد علمت من قول مالك، وهو عندنا حانث، والطلاق واقع عليه؛ لأنه جواب ومخاطبة فيها، وفي أمرها وحبسها وإرسالها وعشرتها وغيره، فهو مخرج طالق كالذي تذكر له المرأة ليتزوجها أو يخطبها، أو يدعى إليها فيقول: هي طالق، ولا يقول: إن تزوجتها، فهي طالق إذا تزوجها؛ لأنه جواب يمين، فهو يمين وهو كلام، وكذلك القول في المشتري إن كان هو الحالف سمعت أشهب يقول في هذا ويفتي به، وكذلك ما رواه من مسألتك.
قال محمد بن رشد: أما إذا حلف البائع، وقال: أردت أن أمنعه ما بعت منه، أو حلف المشتري، وقال: أردت ألا آخذ ما اشتريت منه، فلا اختلاف أن الأمر على ما قال أصبغ؛ لأن كل واحد منهما مقر على نفسه بما يوجب عليه الحنث، فلزمه ما أقر به على نفسه، وكان الحكم في ذلك أنه إن مكن البائع المبتاع من السلعة باختياره حنث باتفاق، وإن حكم عليه بذلك بها للمشتري جرى ذلك على اختلاف فيما حلف، ألا يفعل فعلا، فقضى به عليه السلطان، وكذلك القول في المشتري، إن كان هو الحالف.
وأما إن قال الحالف منهما: لم تكن لي نية، فقال سحنون في سماعه، ورواه عن ابن القاسم: أنه لا حنث عليه؛ لأنه إنما حلف على ما قد فات
الأمر فيه، وقال أصبغ هاهنا: إن يمين البائع محمولة على المنع، فيحنث إن أسلم له البيع، ويمين المبتاع محمولة على الترك، فيحنث إن أخذ السلعة، وقد مضى القول في سماع سحنون على وجه كل قول منهما.
وأما إن قال الحالف منهما: إنما حلفت وأنا أظن البيع لا يتم حتى يفترق، فقال أصبغ: إن ذلك بمنزلة إذا قال: لم تكن لي نية يحنث الحالف منهما إن لم يسأله صاحبه، وقام بحقه فأخذه، والمعنى فيما ذهب إليه أنه لم يصدقه فيما ادعاه من النية، مع قيام البينة عليه باليمين بالطلاق، ولو أتى مستفتيا؛ لكانت له نيته، ولم يكن عليه شيء.
وأما مسألة الأمة التي ذكرها عن مالك، فوقعت في رسم أخذ يشرب خمرا، من سماع ابن القاسم، بزيادة لفظة تخرجها عن مالك معنى هذه المسائل، وقد مضى القول عليها في موضعها، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف على وطء امرأته لوقت فدخل يوما فرأها مزينة وأرادها
مسألة قال: وأخبرني عن ابن وهب وأشهب في مسألة رجل حلف على وطء امرأته لوقت، فدخل يوما فرأها مزينة في غلالة ممصرة، فانبسط لها وأرادها، فقالت: اتق الله، فإنك قد حلفت بطلاقي إن وطئني، فغلب فقال ما منه بد، فعالجها وقد أنعظ، فتلقت ذكره بيدها، فلم يزل يعمل في يدها حتى أدفق، فقال أشهب هو حانث، وقال ابن وهب: لا شيء عليه، وليس هذا وطئا، قال أصبغ: وأنا أقول: إن كانت اليد منها على فرجها بقدر ما يمس ذكر الزوج الفرج أو يلمحه، فينسل وتردف اليد، فأراه حانثا، وقول أشهب في هذا أسلم، وإن كانت المرأة قائمة ممدودة اليد، فعمل فيها بلا ضم ولا كشف، فقول ابن وهب في هذا أحب إلي إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: حمل أشهب يمينه على اجتناب، ورأى ذلك هو معنى ما حلف عليه، فأوجب عليه الحنث، وهو الذي يأتي على ما في الإيلاء من المدونة في نحو هذه المسألة، أنه حانث، إلا أن يكون نوى الفرج بعينيه وعلى ما مضى من قول ابن القاسم، في سماع أبي زيد، وحمل ابن وهب يمينه على مقتضى اللفظ، فلم يوجب عليه حنثا، وتفصيل أصبغ ضعيف، وهذا استحسان منه، لا يخرج عن القولين.
مسألة: حلف بطلاق امرأته أن يبني بها إلى أجل سماه فدفع جميع حقها إلى وليها
مسألة وعن رجل حلف بطلاق امرأته أن يبني بها إلى أجل سماه، فدفع جميع حقها إلى وليها، وأخروا في جهازها، فلما أشرف على البناء بها وتقارب الأجل أتى الولي برجلين يشهدان على الزوج أنه حنث فيها، هل ترى للحاكم أن يمنعه من البناء بها حتى يعدل الشهود، وفي منعه تعجيل الطلاق عليه باليمين؟ قال: نعم، يمنعه وإن كان ذلك يحنثه، وينبغي للإمام أن يتفرغ له، ولا يتوانى ولا يشتغل بغيره، فلمثل هذا وضعوا واحتيج إليهم من الحيطة على المسلمين بتعجيل ما رهن من نوازلهم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن إجراء الأحكام على وجوهما واجب، فليس يمين الزوج الفارطة بالذي تمنع من أن تمر الأحكام على وجوهها، ونهاية ما يقدر في ذلك من الحيطة للزوج أن يتفرغ الإمام لأمره، ويقدمه على ما سواه كما قال، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بطلاق امرأته ألا تخرج إلا بإذنه فيأذن لها إلى موضع فتذهب إليه وإلى غيره
مسألة وسمعته وسئل عن رجل حلف بطلاق امرأته ألا تخرج إلا بإذنه، فيأذن لها إلى موضع فتذهب إليه وإلى غيره.
قال أصبغ: هو حانث، ثم سئل عنها من الغد، فقال: هو
حانث، وسئل فقيل له: إن هو حلف فقال إلى موضع من المواضع، فأذن لها إلى موضع فذهبت إليه وإلى غيره، قال: هو حانث.
قال محمد بن رشد: أما الذي يحلف على امرأته ألا تخرج إلا بإذنه، فيأذن لها إلى موضع، فتذهب إليه والى غيره، فقول أصبغ هذا فيه: إنه حانث، هو مثل ما لابن القاسم في آخر سماع أبي زيد، خلاف قوله في الواضحة.
وأما الذي يحلف عليها ألا تخرج إلى موضع من المواضع إلا بإذنه، فيأذن لها إلى موضوع فتذهب إليه وإلى غيره، فلا اختلاف أعلمه في أنه حانث، وقد مضى في رسم تسلف، من سماع عيسى تحصيل القول في هذا المعنى، فلا وجه لإعادته.
مسألة: حلف بطلاق امرأته لتدخلن عليه امرأته ليلة الجمعة فحملت من عند أهلها ليلة الجمعة
مسألة وسمعته وسئل عن الرجل يحلف بطلاق امرأته لتدخلن عليه امرأته ليلة الجمعة، فحملت من عند أهلها ليلة الجمعة ليلا قبل طلوع الفجر، ثم لم يبلغ بها إليه، وإلى مسكنه حتى طلع الفجر، هل تراه حانثا، وقد حلف بطلاقها، لتدخلن عليه ليلة الجمعة، والليلة قد انقضت قبل دخولها عليه؟ قال: إذا كان شأن أهل ذلك الموضع إدخالهم النساء على أزواجهن قبل طلوع الفجر الغالب على عامة الناس بذلك الموضع والمعمول به، والمعروف من فعلهم، فلا حنث عليه، إذا خرج بها من مسكنها قبل طلوع الفجر أو بعده، وإذا كانت سنة البلد إدخالهم النساء على أزواجهن في الليل، فأخرجوها ليلا ثم طلع عليهم الفجر قبل بلاغها، ودخولها لبعد مسكنها لمسكنه ولرفق
مسيرهم بها، وتطوفهم على ما يصنع بالعروس فهو حانث.
قال محمد بن رشد: آخر الليل على ما أحكمه الشرع طلوع الفجر، بدليل قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» فلذلك قال: إنه يحنث إن أدخلت عليه بعد طلوع الفجر، إلا أن تكون عادة الناس في ذلك البلد إدخال النساء على أزواجهن بعد طلوع الفجر، فيحمل يمينه على ذلك، ولا يحنث إذا أدخلت عليه فيما بينه وبين طلوع الشمس من تلك الليلة، ولولا ما أحكمته السنة من أن منتهى الليل طلوع الفجر؛ لكان القياس أن يكون منتهاه طلوع الشمس كما مبتداه غروبها؛ لأن السرقة والغبش التي بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بمنزلة السرق والغبش الذي بعد مغيب الشمس إلى مغيب الشفق؛ لأنهما ظلامان يليان الليل من طرفيه، فإما أن يحكم لهما جميعا بحكم الليل من أجل ما فيهما من السواد، أو يحكم لهما بحكم النهار من أجل ما فيهما من البياض، والأظهر أن يحكم لهما جميعا بحكم الليل؛ لأن الشمس هي المفرقة بين الليل والنهار، فوجب أن يكون الليل مدة مغيبها، والنهار مدة طلوعها؛ لأن الشرع قد يأتي مخالفا للقياس، فيجب الوقوف عنده، والانتهاء إليه، والبناء عليه، وإطراح ما هو القياس معه.
وليس وجه في النظر أيضا، وهو أن يحكم بالضياء المتصل بالليل من أول الفجر بحكم ما بعده؛ لأنه في ازدياد، وأن يحكم بالظلام المتصل بالنهار من أول الغروب بحكم ما بعده؛ لأنه في ازدياد أيضا، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق ألا يطأ امرأته حتى إلى العيد فوطئها ليلة العيد
مسألة وسئل أصبغ عمن حلف بالطلاق ألا يطأ امرأته حتى إلى العيد، فوطئها ليلة العيد قبل الفجر أو بعد الفجر.
قال: لا يطأها حتى إلى العيد، وبعدما ينصرف الإمام، وإن وطئها قبل ذلك حنث، والعيد عندي انصراف الإمام.
قيل له: فرجل وقع له بينه وبين أهله كلام، فحلف بالطلاق ألا يدخل بيته يوم العيد؟
قال: لا يدخل يوم العيد، ولا يومان بعده، وذلك في الفطر.
قال محمد بن رشد: جوابه في هاتين المسألتين على مراعاة المقصد الذي يرى أن الحالف أراده، وترك الاعتبار بما يقتضيه مجرد الألفاظ، فقال في الذي يحلف ألا يطأ امرأته حتى إلى العيد، أنه لا يطأها حتى ينصرف الناس منه بعيدهم، ويستريحون فيه من نصبهم، فحمل يمين الحالف على ذلك، وعلى ما يقتضيه لفظ يمينه لا حنث عليه إن وطئها بعد طلوع الفجر من يوم العيد، والأول هو المشهور في المذهب.
وقال في الذي يحلف ألا يدخل بيته يوم العيد: إنه لا يدخله يوم العيد ولا يومان بعده في الفطر على هذا المعنى أيضا؛ لأن هذه المدة هي التي جرت عادة الناس بالسكون إلى أزواجهم من أجل عيدهم، وترك التصرف في وجوه معايشهم، فحملت يمينه على أنه إذا أراد معاقبة أهله في أن يحرمها من نفسه ما جرت العادة فيه من الناس بمثله، وهو بين.
وعلى ما يقتضيه لفظ يمينه، ليس عليه أن يمتنع من دخول بيته إلى يوم الفطر وحده، وقد حكى ذلك ابن سحنون عن أبيه، وهو المشهور في المذهب، وبالله التوفيق، لا شريك له، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه.