البيان والتحصيلصفحات 407-447
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجعل والإجارة

صفحات 407-447
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

استأجر عاملا من العمال وقد عرف أنه يعمله بيده أو اشرط عليه أنه يعمله بيده

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم من سماع ابن القاسم من مالك رواية سحنون من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: حدثني ابن القاسم قال: سمعت مالكا يقول فيمن استأجر عاملا من العمال: إما نساجا، وإما خياطا، أو ما يشبه ذلك من الأعمال، وقد عرف أنه يعمله بيده، أو اشرط عليه أنه يعمله بيده، فسأله أن يقدم له أجرة، وهو يقول: لا أعمل في عمله إلى شهر، قال: إذا كان إنما يعمل بيده فيما يعرف منه، أو اشترط ذلك عليه، فلا يصلح له أن يقدم إليه أجرة حتى يبدأ في عمله، فإن بدأ في عمله فليقدم إليه أجرة إن شاء، فإن مات قبل أن يفرغ من عمله أخذ منه بقية رأس ماله على حساب ما عمل وما استأجره عليه، ولم يكن له في مال العامل تمام ذلك العمل استأجره عليه أياما مسماة، أو قاطعه عليه مقاطعة.
قال محمد بن رشد: الإجارة على عمل شيء بعينه، كنسج الغزل وخياطة الثوب تنقسم على قسمين؛ أحدهما: أن يكون العمل مضمونا في

ذمة الأجير.
والثاني: متعينا في عينه.
فأما إذا كان مضمونا في ذمته، فلا يجوز إلا بتعجيل الأجر أو الشروع في العمل؛ لأنه متى تأخرا جميعا كان الدين بالدين، فلا يجوز إلا تعجيل أحد الطرفين أو تعجيلهما جميعا، وأما إذا كان متعينا في عينه، فيجوز تعجيل الأجر وتأخيره، على أن يشرع في العمل، وإن لم يشرع في العمل إلى أجل لم يجز النقد إلا عند الشروع في العمل.
فإن وقعت الإجارة بتصريح على أن العمل في ذمة الأجير مضمونا عليه مثل أن يقول له: أستأجرك على خياطة هذا الثوب أو نسج هذا الغزل إجارة ثابتة في ذمتك، إن شئت عملته بيدك، وإن شئت استعملته غيرك، وما أشبه ذلك من صريح الألفاظ، أو متعينا في عينه مثل أن يقول له: أستأجرك على أن تخيط لي هذا الثوب، أو تنسج لي هذا الغزل بنفسك، وما أشبه ذلك من صريح الألفاظ؛ كان للمضمون حكم المضمون، وللمعين حكم المعين، على ما وصفناه.
وإن لم يقع على تصريح، وكان اللفظ الذي وقعت به ظاهره المضمون، مثل أن يقول له: أعطيك كذا وكذا على خياطة هذا الثوب، فلا اختلاف في أنه يحمل على المضمون، إلا أن يكون قد عرف منه أنه يعمله بيده، أو يكون إنما قصده بالعمل لرفقه وإحكامه.
وأما إن لم يقع على تصريح، وكان اللفظ الذي وقعت به ظاهره التعيين، مثل أن يقول له: أستأجرك على خياطة هذا الثوب، أو على أن تخيطه، ولا يقول: أنت، ففي ذلك قولان؛ أحدهما: أنه محمول على المضمون، إلا أن يعلم أنه يعمله بيده، أو يكون إنما قصد بالعمل لرفقه وإحكامه، وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية، وحكاه ابن حبيب في الواضحة، عن أصبغ، وقال: إنه مذهب مالك، وهو المشهور في المذهب على الذي يأتي على ما في النذور من المدونة، وعلى ما في سماع يحيى، من كتاب الأيمان بالطلاق، وعلى ما في رسم القبلة، من سماع ابن القاسم، من كتاب الرواحل والدواب، والثاني: أنه محمول على ظاهر اللفظ من التعيين، وهو الذي يأتي على ما في رسم لم يدرك، من سماع عيسى، من كتاب الأيمان بالطلاق.
وتنفسخ الإجارة في المعين بموت الأجير، ولا تنفسخ في المضمون بموته، ويكون العمل في ماله، أو ما بقي منه، واختلف هل ينفسخ في الوجهين جميعا بهلاك المتاع

المستأجر عليه أم لا؟ فالمشهور أنها تنفسخ على ما يأتي في هذا الكتاب، في رسم المحرم، من هذا السماع، خلاف ما في رسم يشتري الدور والمزارع، من سماع يحيى منه.
وقوله: فإن بدأ في عمله، فليقدم إليه أجره إن شاء، يدل على أنه لا يجب عليه تقديم الأجرة إلا بشرط أو عرف، فإن لم يكن شرط ولا عرف لم يلزمه دفع الأجرة إلا بعد تمام العمل، قاله في كتاب الجعل والإجارة من المدونة، وذلك بخلاف الأكرية.
وقوله: إنه إذا لم يعمل في عمله إلى شهر، فلا يجوز أن يقدم إليه إجارته يدل على جواز الإجارة، إذا لم يقدم الإجارة، وهو نحو ما في كتاب الرواحل والدواب من المدونة، من أنه يجوز كراء الراحلة بعينها على أن يركبها إلى شهر إذا لم ينقد، وقد قال ابن حبيب: إن من استأجر أجيرا حرا أو عبدا على أن يشرع في عمله إلى أيام، فلا يجوز من ذلك إلا الأيام القلائل، مثل الجمعة وما لا يطول، فيحتمل أن يكون معنى ذلك مع النقد، فتتفق الأقوال.
وفي قوله: استأجره عليه أياما مسماة، أو قاطعه عليه مقاطعة نظر؛ لأن من استأجر أجيرا على شيء بعينه كخياطة ثوب أو نسج غزل أو طحن قمح وما أشبه ذلك، مما الفراغ منه معلوم؛ فلا يجوز أن يستأجره عليه إلى أجل معلوم خوفا أن ينقضي الأجل قبل تمام العمل، فإن كان الأمر في ذلك مشكلا، فلا اختلاف في أن ذلك لا يجوز، وإن كان لا إشكال في أن العمل يمكن تمامه قبل انقضاء الأجل، فقد قيل: إن ذلك جائز، وهو ظاهر قوله في هذا اللفظ الواقع هاهنا، وقول ابن القاسم في سماع عيسى بعد هذا، في رسم العرية، ودليل قوله في المدونة في الذي استأجر ثورا على أن يطحن له كل يوم إردبين، فوجده لا يطحن إلا إردبا، أن له أن يرده؛ لأنه جعل له في الإردب الذي طحن ما ينوبه، ولم تنفسخ الإجارة، وهو قول ابن حبيب في الواضحة؛ لأنه أجاز فيها أن يشارط المعلم في تعليم الغلام القرآن على الحدقة، نظرا أو ظاهرا، سميا في ذلك أجلا أو لم يسمياه، وعزاه إلى مالك

وحكاه عن أصبغ، والمشهور أن ذلك لا يجوز كذلك، قال: وهذا في هذا السماع، في رسم سلف، ورسم المحرم، وفي أول سماع أشهب، وفي غير ما موضع، ويحتمل أن يريد بقوله: استأجره عليه أياما مسماة، أي استأجره فيه، وأن يريد به أنه استأجره به عليه أياما مسماة، ولا يريد به التعيين له، وإنما يريد أنه ضمنها بعمله الأيام المسماة، فإن أكمله قبل تمام الأيام استعمله في مثله، وبالله التوفيق.

مسألة: تكارى غلمانا يخيطون الثياب في كل شهر بشيء مسمى

مسألة وقال مالك فيمن تكارى غلمانا يخيطون الثياب في كل شهر بشيء مسمى، وهو يقاضي عليها الناس، ويقطعها وهم يخيطون، فربما طرح على إنسان منهم شيئا من الثياب ليخيطها في يوم على إن فرغ منها في يوم أو بعض يوم، فله بقية يومه ذلك، وإن لم يفرغ منها في يومه كان عليه في يوم آخر لا يحسبه في شهوره.
قال: إن كان ذلك شيئا يسيرا يوما، وما أشبهه والعمل يعرف أنه إن اجتهد فيه فرغ منه في يوم، وإن فرط لم يفرغ من ذلك، لم أر بذلك بأسا، وإن كثر ذلك، فإني أكرهه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن ذلك خفيف لا بأس به في اليسير، ومكروه في الكثير.
والكراهية فيه بينة؛ لأنه إذا استأجره في الشهر مثلا بثلاثين درهما، ثم أعطاه ثيابا فقال له: إن خطتها في أقل من عشرة أيام فبقيتها لك، وإن خطتها في أكثر من عشرة أيام لم يحسب له في شهوره ما زاد على العشرة الأيام، كان ذلك غررا بينا؛ لأنه إن خاطها في خمسة أيام استوجب ثلاثين درهما في عمل خمسة وعشرين يوما، وإن خاطها في خمسة عشر يوما لم يستوجب ثلاثين درهما، إلا في خمسة وثلاثين يوما، فعادت أجرته مجهولة؛ إذ لا يدرى في كم من يوم يستوجب الثلاثين درهما.

فإن وقع ذلك وخاطها في أقل من عشرة أيام، لم يلزمه أن يعمل بقيتها للمستأجر؛ لأنه يقول: إنما أتممتها في أقل من عشرة أيام؛ لأني أجهدت نفسي ما لم يكن يلزمني لك في استئجارك إياي، وبكرت في الابتداء، وأخرت في الانتهاء، وكذلك إن خاطها في أكثر من عشرة أيام، لم يلزم المستأجر أن يحسب له تلك الأيام الزائدة على العشرة الأيام؛ لأنه يقول له: فرطت وتوانيت، ولذلك لم تتمها في العشرة الأيام، ولو اجتهدت الاجتهاد الذي كان يلزمك لي في إجارتك لفرغت منها في أقل من عشرة أيام، وكان وجه الحكم في ذلك أن ينظر إلى تلك الأثواب، فإن قال أهل البصر والمعرفة بالعمل: إنها تتم على الاجتهاد المعروف في خمسة أيام؛ لزم الأجير أن يعمل لرب العمل بقيمة العشرة الأيام، وإن قالوا: إنها لا تتم في أقل من عشرة أيام على الاجتهاد المعروف، لم يلزمه أن يعمل له ما بقي منها؛ وكذلك إن عملها في أكثر من عشرة أيام، فقال أهل البصر والمعرفة: إنها لا تتم في أقل مما خاطها فيه على الاجتهاد المعروف، لزم المستأجر أن يحسب له تلك الأيام الزائدة على العشرة الأيام، وإن قالوا: إنها تتم في العشرة الأيام، أو في أقل منها لم يلزمه أن يحسب له تلك الأيام في شهوره.
ولو أعطاه الثياب فقال له: إن خطتها في أقل من عشرة أيام، فبقيتها لك، وإن لم تتمها في عشرة أيام، لم يلزمك شيء، لجرى ذلك على الاختلاف في الرسول يزاد بعد عقد الإجارة على الإسراع في السير والبلوغ إلى البلد في وقت كذا وكذا حسبما يأتي القول فيه في رسم سلف من هذا السماع بعد هذا.
ووجه تخفيف ذلك اليسير اليوم ونحوه الذي يعلم أنه إن اجتهد فيه فرغ منه بين؛ لأنه إن لم يفرغ منه علم أنه فرط، ولم يجتهد الاجتهاد الذي كان يلزمه، فكان من حق المستأجر ألا يحسب له من اليوم الآخر ما أتمه فيه، وإن فرغ قبل تمامه علم أنه كان لإجهاده نفسه، فكان له بقية يومه، وبالله التوفيق.

مسألة: بعث رجلا ليقتضي له دينا على أن له من كل شيء اقتضاه منه نصفه أو ثلثه

مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال في رجل بعث رجلا، ليقتضي له دينا على أن له من كل شيء اقتضاه منه نصفه أو ثلثه، قال: لا بأس بذلك على وجه الجعل، ومثل ذلك الرجل يقول للرجل: اخرج في طلب عبيد لي أبقوا، أو إبل لي ضلت، فما جئتني به من عبد أو بعير فلك فيه دينار، وليس يشبه قوله: ما جئتني به من عبد أو بعير فلك نصفه؛ لأن العبد والبعير يزيدان وينقصان، وأن الدنانير لا تزيد ولا تنقص ما اقتضى من دينار فله نصفه أو ثلثه، فهذا باب لا يزول.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي بعث رجلا ليقتضي له دينا، على أن له من كل شيء اقتضاه منه نصفه أو ثلثه: إن ذلك لا بأس به على وجه الجعل؛ صحيح لأن المعاملة على اقتضاء الدين بجزء منه إذا لم يسم له عدده لا يجوز إلا على وجه الجعل.
وقوله: اقبض مالي على فلان، ولك من كل شيء تقتضي منه نصفه أو ثلثه محمول على الجعل، وإن لم يصرحا بذلك لا يلزم المجعول له، وإن شرع في التقاضي، وله أن يترك متى شاء، ويلزم الجاعل قيل بالعقد، وقيل بشروع المجعول له في الاقتضاء على ما سيأتي القول فيه في رسم العتق، من سماع عيسى، وأما إذا سمى عدده، فتجوز المعاملة على اقتضائه بجزء منه على وجه الإجارة، بأن يقول: أستأجرك على اقتضاء مائة دينار لي على فلان بنصفها أو بثلثها؛ فتكون إجارة لازمة لهما، ليس لأحدهما أن يرجع عنها بعد العقد، إلا أن يشترط أن يترك متى شاء، فتكون إجارة له فيها الخيار.
وهذا إذا كان قدر العمل في اقتضائها معروفا، وأما إن لم يكن معروفا، فلا تجوز الإجارة في ذلك إلا بضرب الأجل: يقول أستأجرك شهرا على أن تقتضي لي مائة دينار لي على فلان بنصفها، أو بكذا وكذا، فإن مضى الشهر وجب له أجره اقتضى الجميع أو بعضه، أو لم يقتض شيئا، وإن

اقتضاها قبل الأجل، كان له من أجره بحساب ما مضى منه على حكم الاستئجار، على بيع السلعة سواء في جميع الوجوه.
ويجوز أيضا على وجه الجعل بأن يقول: أجاعلك على أن تقتضي لي مائة دينار لي على فلان بنصفها أو بثلثها، وما اقتضيت من شيء فبحساب ذلك، فإن لم يقل: فما اقتضيت من شيء فبحساب ذلك لم يجز، وكان جعلا فاسدا.
واختلف إذا لم يصرح بذكر الإجارة ولا الجعل، وقال: اقتض لي مائة دينار على فلان، ولك نصفها، فقيل: إن ذلك محمول على الإجارة، وقيل: إنه محمول على الجعل، فمن حمله على الإجارة قال: ذلك جائز؛ لأنه يجوز للرجل أن يستأجر الرجل على أن يقتضي له مائة دينار له على فلان بنصفها أو بجزء منها، وهو معنى قول ابن القاسم في أول رسم، من سماع أصبغ، ودليل قول ابن وهب فيه؟ ومن حمله على الجعل قال: ذلك غير جائز، قيل: لأنه جعل فاسد؛ إذ لم يقل فيه: وما اقتضيت من شيء فبحسابه، وقيل: لأن الجعل على اقتضاء الديون بالجزء منها، لا يجوز على حال، وهو قول أشهب في سماع أصبغ، وأما إن قال: اقتض لي مائة على فلان، ولك نصفها، وما اقتضيت من شيء منها فعلى حسابه، فلا اختلاف بينهم في أن ذلك محمول على الجعل، وأن ذلك جائز إلا على مذهب أشهب الذي لا يرى المجاعلة على اقتضاء الديون جائزة، وإن سمى عددها، وشرط أن له مما يقتضي منها بحساب ذلك.
وقوله: إنه يجوز أن يقول الرجل للرجل: اخرج في طلب عبيد لي أبقوا، أو إبل لي ضلت، فما جئتني به من ذلك فلك نصفه بين لا إشكال فيه، ولا اختلاف؛ لأن الجعل في المجاعلة لا يكون مجهولا، وإنما يجوز المجهول فيها في العمل، وفي إجازتهم المجاعلة على حصاد الزرع وجذاذ النخل واقتضاء الديون، ولقط الزيتون على أن له من كل ما يحصد، أو يجذ، أو

يقتضي، أو يلتقط جزءا نصفا أو ثلثا نظر، فقد رأيت في مسائل منتخبة لابن لبابة، قال ابن القاسم: كل ما جاز بيعه جاز الاستئجار به، وجاز أن يجعل جعلا، وما لم يجز بيعه، لم يجز الاستئجار به، ولا أن يجعل جعلا لرجل إلا خصلتان في الذي يجعل لرجل على أن يغرس له أصولا، حتى تبلغ حد كذا، ثم هي والأصل بينهما، فإن نصف هذا لا يجوز بيعه؛ وفي الذي يقول: القط زيتوني، فما لقطت من شيء فلك نصفه، فإن هذا يجوز، يريد وبيعه لا يجوز.
قال: وقد روي عن مالك: أنه لا يجوز، ولم يختلف قوله في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار، فيقول: ما اقتضيت من شيء من ديني فلك نصفه، وهما سواء.
قال محمد بن رشد: ما هما سواء، والفرق بينهما أن اللقط أوله أسهل وأيسر من آخره؛ لأنه كلما خف وقر الزيتون قل ما يلتقط منه في اليوم، ألا ترى أنه إذا كان كثير الوقر لقط على العشر وأقل من ذلك، وإذا كان خفيف الوقر لقط على النصف وأكثر من ذلك، فإذا جاعله على أن يلقط منه ما شاء بالثلث أو الربع كان غررا؛ لأنه لا يدري إن كان يستوفي لقط جميعه، أو يترك له منه بعضه، وهو إن ترك له منه اليسير لم يستأجر على لقطه إلا بالكثير، ولعل الإجارة على لقطه تستغرقه، فالأظهر من القولين ألا تجوز المجاعلة على لقطه بالجزء منه على حال، ولا تجوز في ذلك إلا الإجارة على جميعه بأن يقول: القطه كله ولك نصفه أو ثلثه.
وأما المجاعلة على اقتضاء الدين بجزء مما يقتضي منه، فأشهب لا يجيزه، والأظهر أنه جائز؛ إذ لا فرق بين أوله وآخره في العناء في اقتضائه.
وأما الحصاد والجذاذ، فلا خلاف بينهم في جواز المجاعلة فيه على الجزء منه، بأن يقول له: جذ من نخلي ما شئت، أو احصد من زرعي ما شئت على أن لك من كل ما تحصد أو تجذ جزءا كذا لجزء يسميه، ووجه جواز ذلك باتفاق هو أن الحكم فيه أن الجعل عليه لا يلزم واحدا منهما، للمجعول له أن يخرج متى شاء، وللجاعل أن يخرجه متى شاء؛ إذ لو كان الحكم فيه أن يلزم الجاعل، ولا يلزم المجعول له لما جاز؛ لأن الجعل كان

يكون فيه ما لا يجوز بيعه، وذلك غرر لو أراد رجل أن يبيع نصف ما يحصد رجل في يوم أو يومين، أو نصف ما يجذ في ذلك، لم يجز.
وكذلك الحكم في قوله: القط زيتوني هذا، فما لقطت منه من شيء فلك نصفه، فإنما لم يجز على القول بأنه لا يجوز لما ذكرناه من أنه لما كان للمجعول له أن يترك متى شاء، وأوله أيسر في اللقط من آخره، دخله الغرر؛ إذ لا يدري الجاعل هل يستوفي المجعول له لقط جميعه، أو يترك منه بعضه، فيلزم على ما قلناه في المجاعلة على اقتضاء الديون بالجزء مما يقتضي منها، إذا كان الحكم فيها أن يلزم الجعل للجاعل بشروع المجعول له، ألا يجوز الجعل في ذلك؛ لأن الجعل فيه يكون غررا؛ ألا ترى أنه لو أراد بيع ما يقتضي المجعول له في يوم أو يومين لم يجز، ولهذه العلة لم يجز ذلك أشهب، والله أعلم، لا لما قاله أصبغ من أنه رآه من باب الجعل في الخصام؛ إذ قد يكون مقرا بالديون، فلا يكون فيه خصام، وإن كان الحكم في ذلك ألا يلزم واحدا منهما كالحصاد واللقط، وإنما لم يجز ذلك أشهب؛ لأنه رأى اقتضاء أول الدين أيسر من آخره، فأشبه اللقط عنده، ولذلك لم يجزه، وهذا أظهر من التأويل الأول، وبالله التوفيق.

مسألة: جعل لرجل في عبد له أبق جعلا إن جاء به وقد أنفق عليه نفقة

مسألة قال ابن القاسم، وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: من جعل لرجل في عبد له أبق جعلا إن جاء به، وقد أنفق عليه نفقة، فالنفقة من الذي جاء به، والجعل له فقط، وإن أرسله بعد أن أخذه تعمدا ضمن العبد.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن الجعل إنما جعله

له على أن يأتيه به ويوصله إليه، فلا يلزم الجاعل للمجعول له إذا أتاه بعبده سوى الجعل الذي جعل له فيه، وإن وجده في مكان بعيد من سيده يستغرق الإنفاق عليه إلى أن يصل إلى سيده الجعل الذي جعل له فيه، أو لعله يزيد على ذلك، فليرفع ذلك إلى قاضي ذلك الموضع ينظر فيه لسيده بما يراه من سجنه أو بيعه، ويحكم له بجعله، فإن لم يفعل وأرسله بعد أن أخذه ضمن كما قال؛ لأنه قد أتلفه عليه، وبالله التوفيق.

مسألة: أعطى رجلا متاعا يبيعه فيها على أنه إن باعه فله جعل قد سماه

مسألة قال ابن القاسم: قال مالك فيمن أعطى رجلا متاعا يذهب به إلى بلد آخر يبيعه فيها على أنه إن باعه فله جعل قد سماه، وإن لم يبع فلا شيء له، قال: لا خير في هذا إلا بأجر معلوم، ولا يشبه هذا أن يدفع رجل متاعا إلى رجل معه في بلد واحد، فيتعرض به في السوق، فإن باعه فله جعل مسمى، وإن لم يبع فلا شيء له، فهذا لا بأس به؛ لأن هذا متى ما شاء أن يرد السلعة ردها، ولا يلزمه بيعها، ولم يدخل عليه في ردها مئونة، وأن الذي يخرج بالبز أو الطعام أو الدواب إلى بلد آخر، إن بدا له في تركها لم يخرج منها إلا بمئونة وعلاج حتى يردها إلى صاحبها أو إلى من أمره، فلا أحب هذا إلا بأجر معلوم ثابت، ولا يجوز في الحاضر في الثياب الكثيرة مثل العكام وما أشبهه، وأما الثوبان أو الثلاثة وما أشبه ذلك، فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز الجعل على بيع الثياب في بلد

آخر؛ لأن حكم الجعل ألا يلزم المجعول له التمادي على العمل، وإن شرع فيه من أجل أنه غرر، ومن شروطه ألا يجوز فيما يكون للجاعل فيه منفعة قبل تمام العمل، فإن خرج بالثياب إلى ذلك البلد، ثم أراد ترك بيعها انتفع الجاعل بحمله إياها إلى ذلك البلد، وإن ردها لزمه في ردها مئونة وعلاج فيما لا منفعة له فيه، فكان الغرر والفساد حاصلا على أي وجه كان من الوجهين، فوجب ألا يجوز، وإنما لم يجز الجعل على بيع الثياب الكثيرة في البلد؛ لأنه إن بدا له في بيعها وردها إلى صاحبها كان قد انتفع بحفظه لها طول كونها في يديه، ليس من أجل أن الجعل لا يجوز في الكثير، وإن كان قد قال ذلك عبد الوهاب وغيره، فليس بصحيح، والصحيح أن الجعل يجوز في الكثير من الأعمال التي لا يكون للجاعل فيها منفعة إلا بتمام العمل، كطلب الإباق وحفر الآبار، ولذلك قال ابن المواز: إن المجاعلة على حفر الآبار لا تكون إلا فيما لا يملك من الأرضين، ولا يجوز في القليل منها التي يكون للجاعل فيها منفعة قبل تمام العمل، فهذا هو الأصل الذي يطرد ولا ينخرم، ألا ترى أنه لا تجوز المجاعلة على خياطة الثوب، ولا عمل اليوم، ولا على اقتضاء الدين اليسير بجزء منه إذا لم يكن له من كل ما يقتضيه بحسابه، من أجل أنه إذا لم يتم العمل انتفع الجاعل بما مضى منه، وبالله التوفيق.

مسألة: استؤجر على رقيق يأتي بهم فلم يجدهم

مسألة وقال مالك: من استؤجر على رقيق يأتي بهم، فلم يجدهم فقد وجب حقه، وإن وجدهم ببعض الطريق، فللذي استأجره أن يبعثه إلى ذلك المكان أو يستأجره في مثله.
قال مالك: وكذلك الرجل يتكارى الدابة إلى حاجة، فتأتيه الحاجة، فيلزمه

الكراء، وتكون له الدابة يكريها إلى الموضع الذي تكاراها إليه إن شاء الله.
قال ابن القاسم: ومن استؤجر على مثل هذا، واشترط عليه النقد على أن يحاسبه إن جاء برقيقه، أو وجد متاعه ببعض الطريق، فلا خير فيه.
قال ابن القاسم: وإن لم يشترط شيئا من ذلك فالكراء لهما جميعا لازم إلى ذلك الموضع.
قال محمد بن رشد: قوله فيمن استأجر على رقيق يأتي بهم فلم يجدهم إن حقه وجب، معناه إن كان استؤجر على أن يأتي بهم مشاة أو على دواب المستأجر، وأما إن كان استؤجر على أن يأتي بهم على دوابه، فلم يجدهم فالحكم في ذلك حكم من أكرى دابة على أن يسوق له طعاما من بلد آخر وسيره إلى وكيله، فذهب الكري فلم يجد الوكيل.
وفي وجه الحكم في ذلك تفصيل سيأتي القول عليه إن شاء الله في موضعه، وهو أول رسم من سماع ابن القاسم، من كتاب الرواحل والدواب.
وأما قوله: إنه إن وجدهم ببعض الطريق، فللذي استأجره أن يبعثه إلى ذلك المكان، أو يواجره في مثله، فمساواته فيه بين أن يبعثه إلى ذلك المكان أو يواجره في مثله؛ خلاف أصله في المدونة، في أن من أكرى دابة إلى موضع، فليس له أن يركبها إلى غيره إلا برضا المكتري، فعلى قوله في المدونة، ليس له أن يواجره في مثله إلا برضاه، فإن لم يرض بذلك ولم يبعثه إلى ذلك المكان بعينه رجع، وكان له كراؤه كاملا، وعلى قول غيره في المدونة: لا يجوز أن يواجره في غيره، وإن رضي بذلك؛ لأنه فسخ دين في دين، فإما أن يبعثه إلى ذلك الموضع بعينه، وإلا رجع وكان له كراؤه كاملا، وعلى هذا

اختلفوا فيمن اكترى دابة إلى بلد، فرجع من الطريق، هل له أن يركبها في مثل ما بقي منه، فقال ابن نافع: ليس ذلك له، وعليه الكراء كاملا، وقال ابن القاسم: إن كان إنما سار البريد والبريدين وما أشبههما، فله أن يركبها أو يكريها إلى مثل ما قصر عنه من سفره، إلا أن يتراضيا على شيء معلوم، وإن كان سار جل الطريق، ثم ردها رأيت جميع الكراء لصاحبها.
وقع قول ابن نافع، وابن القاسم هذا، في آخر سماع عيسى، من كتاب كراء الرواحل والدواب في بعض الروايات، وقد اختلفوا على هذا الأصل فيمن استعار دابة إلى موضع، فركبها إلى موضع غيره مثله في الحزونة والسهولة والبعد فهلكت، روى علي بن زياد، عن مالك، في سماع سحنون، من كتاب العارية، أنه لا ضمان عليه، وقاله عيسى بن دينار في المبسوطة، وقال ابن القاسم فيها: إنه ضامن، وقوله: إنه إن اشترط عليه النقد على أن يحاسبه إن جاء برقيقه أو وجد حاجته في بعض الطريق؛ أنه لا خير فيه بين لا إشكال فيه على أصولهم؛ لأنه يدخله الأجرة والسلف، ولو اشترط عليه النقد، ولم يشترط المحاسبة سكت عنها لجاز على كلا القولين؛ لأن ما يوجبه الحكم من المحاسبة على أحد القولين، إذا لم يشترطاه لا يتهمان عليه، وبالله التوفيق.

مسألة: أوصى أخا له أن يشتري له شيئا بالمديونة فابتاعه بدرهم ونصف

مسألة وقال مالك: من أوصى أخا له أن يشتري له شيئا بالمديونة، فابتاعه بدرهم ونصف، وأعطى في النصف حنطة، قال: يأخذ منه في النصف درهم فلوسا أو عروضا، فإن أخذ حنطة، فلا يأخذ إلا مثل كيل طعامه الذي أعطى.

قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن الحنطة التي أعطى في نصف الدرهم إنما هي سلف منه له، فهو يجوز له أن يأخذ منه فيها ما شاء من الفلوس أو العروض أو الطعام المخالف للحنطة، فإن أخذ منه طعاما من صنف الحنطة، فلا يأخذ إلا مثل كيلها، وبالله التوفيق.

الخلالة تجمع على النصف

ومن كتاب قطع الشجر وسئل عن الخلالة تجمع على النصف، فكره ذلك، ونهى عنه وقال: هذا غرر لا يدري كم ذلك، ولا ما هو؛ لأنه لا يراه ولا يعرفه، وليس هذا مثل الزرع والثمر الذي ينظر إليه، فيقول: ما حصدت من شيء أو جنيته فلك ربعه.
والخلالة ما سقط من التمر، ووجد بين الكرانيف والسعف، فهو يخرج ويجمع ويسقط فيه تمر، وهذا الباب والباب الأول مختلف.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن ما لا يجوز بيعه فلا يجوز الاستئجار عليه بالجزء منه، ولا المجاعلة عليه بجزء منه، ولا إشكال في أن بيعه لا يجوز؛ إذ لا يحاط بقدره لاختفائه بين الكرانيف والسعف، فهو من بيع الغرر، فكذلك الاستئجار عليه بجزء منه، والمجاعلة عليه بجزء منه؛ إذ من شرط صحة المجاعلة أن يكون الجعل فيها معلوما.
فإن قيل: أليس يجوز أن يقول الرجل للرجل ما اقتضيت من مالي الذي لي على فلان، فلك نصفه أو ثلثه، ولا يسمي مبلغه؟ فإذا جاز أن يقتضي الدين على جزء منه مع الجهل بمبلغه جاز أن تجمع الخلالة على الجزء منها مع الجهل بمبلغها.
قيل له: الدين وإن لم يعلم مبلغه عند المجاعلة على اقتضائه بجزء منه لغيبة ذكر الحق عنهما حينئذ، وما أشبه ذلك، فهو لا

يعمل في الاقتضاء حتى يعلم مبلغه؛ إذ لا يصح أن يقتضي مجهولا، والخلالة مجهولة أبدا، فهو لا يعمل فيها إلا على مجهول يطبه أبدا فافترقا، وبالله التوفيق.

مسألة: قوم اشتروا سلعة ثم أرادوا يتبايعونها فأرادوا أن يكتبوا من حضرهم

مسألة وسئل مالك عن قوم اشتروا سلعة، ثم أرادوا يتبايعونها، فأرادوا أن يكتبوا من حضرهم، فقال رجل منهم: اجعلوا لي حظا مثل حظي، أو مثل حظ رجل من الربح، وأنا أكتب لكم الناس، فقال: هذا مكروه بين، وذلك أنه يصير أجيرا بشيء لا يدري ما هو بربح، إن كان في السلعة ربح، وإن لم يكن ربح، فليس له شيء، وذلك أن الربح أيضا يقل ويكثر، فهذا غرر لا يصلح.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: لا إشكال فيه ولا وجه للقول، وبالله التوفيق.

الخياط الذي بيني وبينه الخلطة ولا يكاد يخالفني

ومن كتاب سلعة سماها وسئل مالك عن الخياط الذي بيني وبينه الخلطة، ولا يكاد يخالفني أستخيطه الثوب، فإذا فرغ منه وجاء به أراضيه على شيء أدفعه إليه، قال: لا بأس به.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه مما قد استجازه الناس ومضوا عليه، وهو من نحو ما يعطى الحجام من غير أن يشارط على عمل قبل أن يعمله، وما يعطى في الحمام، والمنع من مثل هذا وشبهه تضييق على الناس، وحرج في الدين وغلو فيه؛ قال الله عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]

، وقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 77] ، ومما يدل على جوازه من السنة ما ثبت من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه» . وقد كره النخعي أن يستعمل الصانع حتى يقاطع على عمله بشيء مسمى، وكره ذلك ابن حبيب أيضا، وقال: إنه لا يبلغ به التحريم، والأمر في ذلك واسع إن شاء الله، وبه التوفيق.

رجل يهلك ويترك ميراثا فيشارط رجل على بيعه وتقاضيه ويجعل له فيه جعل

ومن كتاب أوله شك في طوافه وسئل مالك عن رجل يهلك ويترك ميراثا فيشارط رجل على بيعه وتقاضيه، ويجعل لي فيه جعل، قال: إني لأكره ذلك، ولعل ثمنه يكثر، وليس تقاضي ما كثر منه مثل تقاضي ما يقل، ولا يعجبني أن يعمل به وكرهه.
قال محمد بن رشد: المكروه في هذه المجاعلة بين، والفساد فيها ظاهر، والمنع منها واجب.
وقوله فيها: أكره ذلك، ولا يعجبني أن يعمل به، تجوز منه في العبارة على عادته في قوله، في كثير من مسائله، أكره هذا، ولا أحبه، ولا يعجبني فيما لا يجوز عنده ولا يحل.
والعلة في أن ذلك لا يجوز ما مضى القول فيه في أول رسم من أن الجعل لا يجوز فيما يكون للجاعل فيه منفعة قبل تمام العمل الذي يجب به الجعل للمجعول له؛ لأن المجعول له لا يلزمه التمادي على العمل من أجل أنه لا يدري، هل يتم له

أم لا يتم، فإذا لم يلزمه وتركه أخذ الجاعل ما مضى من عمله باطلا بغير شيء، وذلك من أعظم الغرر، وبيان ذلك أنه إذا شارطه على بيع جميع الميراث، وتقاضى ثمنه، وهو غير ما شيء من عروض وأثاث وأصول، وما أشبه ذلك بجعل يسميه له على ذلك، قد يبيع الأكثر ويتقاضى ثمنه، ثم يكره بيع الباقي، أو يعجز عنه، أو يموت فيذهب عناؤه باطلا، ويحصل الورثة عليه دون شيء يلزمهم؛ إذ لا شيء للمجعول له من الجعل إلا بتمام العمل، فهذه العلة في أن ذلك لا يجوز.
وقوله: ولعل ثمنه يكثر، وليس تقاضي ما كثر منه مثل تقاضي ما يقل، معناه أن الغرر في الكثير من ذلك أكثر من الغرر في القليل، لا أن ذلك يجوز في القليل، بل لو جاعله على بيع أشياء كثيرة يسيرة الثمن لا تباع صفقة واحدة بجعل واحد لما جاز؛ لأنه إن باع الأكثر، وعجز عن الأقل لم يكن له شيء، وحصل الجاعل على ما مضى من عمل باطلا بغير شيء.
وإنما يجوز الجعل على أشياء كثيرة إذا سمى في كل شيء منها جعلا معلوما، وكذلك لو جاعله على بيع أشياء كثيرة، وسمى لكل شيء بيع منها جعلا مسمى؛ لجاز إن لم تكن عنده، فكان يستقل بها عن حوائجه، ويكفي ربها مؤنتها، وكانت عند ربها كلما باع منها شيئا بما سمى له فيه من الثمن، أو بما رآه استوجب فيه جعله، وأخذ سواه فعرضه للبيع، فإن باعه استوجب فيه جعله أيضا حتى يأتي على آخرها، إلا أن يشاء أن يترك فيكون ذلك له، وبالله التوفيق.

يجعل للرجل يصيح على الرقيق يبيعهم فيمن يزيد

ومن كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان وسئل مالك عن الرجل يجعل للرجل يصيح على الرقيق يبيعهم فيمن يزيد، فما باع فله في كل رأس درهم، قال: أرأيت إن لم يبع فهل له شيء؟ قيل: لا، قال: فهذا لا يصلح إلا أن يجعل له شيئا معلوما باع أو لم يبع في ساعة أو يوم أو يومين.
قيل له: أفرأيت الثوب يبيعه على أن له درهما؟ قال: ليس الثوب

مثله، هو ينتفع بمنافع غيره عسى أن يكون معه أثواب غيرها يبيعها وينتفع بغير ذلك، وإن هذا لا ينتفع بشيء وهو يشغله عن حوائجه كلها، فلا يصلح إلا بإجارة معلومة باع أو لم يبع إلى أجل معلوم يبيعه في ساعة أو يوم أو يومين، ولم يره مثل الدابة والثوب يقول الرجل للرجل: صح عليه وإن بعته فلك درهم، قال: لا بأس بهذا، قال سحنون جيدة جدا.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز أن يجعل الرجل للرجل الجعل في الصياح على الرقيق، فيمن يزيد على أن له في كل رأس يبيعه درهما لوجهين؛ أحدهما: أن الرقيق الكثير يشتغل بحفظها فتمنعه من حوائجه، ويكون قد كفى صاحبها مئونتها في ذلك، فإن ردها ولم يبعها كان صاحبها قد انتفع بذلك، والجعل لا يجوز فيما يكون للجاعل فيه منفعة قبل تمام العمل الذي يجب به الجعل للمجعول له؛ والثاني أنه لم يسم له ثمنا، ولا فوض ذلك إلى اجتهاده، فهو يصيح عليها في مناداتها، ولا يدري هل يعطى فيها ما يرضى به ربها أم لا، فلذلك قال: إن ذلك لا يجوز إلا على الإجارة في ساعة أو ساعتين، أو يوم أو يومين، باع أو لم يبع، وأجاز أن يعطيه الدابة أو الثوب، فيقول له: صح عليه، فإن بعته فلك درهم، ومعناه إذا سمى له ثمنا أو فوض إليه الاجتهاد في ذلك، ولم يكن على يقين من إمكان بيعه في الحين، وأما إن كان على يقين من وجود الثمن فيه، وبيعه في الحين فلا يجوز في ذلك الجعل؛ لأن الجعل لا يكون إلا في المجهول من الأعمال، أو ما طال منها مما لا منفعة للجاعل فيها إلا بتمامها، وسيأتي هذا من قول ابن القاسم، في سماع محمد بن خالد، وبالله التوفيق.

الصياح على رأس يبيعه على جعل معلوم

ومن المدنية من كتاب أوله الرجل يحلف بطلاق امرأته قلت: عندنا ربما واجرنا الصياح على رأس يبيعه على جعل معلوم، يقال له: صح حتى أرضى بالبيع، وأبيع فردده أياما، قال: لا خير في هذا، يقوله ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: هذا الرسم والمسألة الواقعة فيه وقعت في بعض الروايات، والمعنى فيها صحيح، وهي تدل على صحة تأويلنا في المسألة التي قبلها، فإن وقع ذلك كان له أجر مثله باع أو لم يبع، وبالله التوفيق.

الآبق يجعل فيه الرجل الجعل

من كتاب حديث طلق بن حبيب وسئل مالك عن الآبق يجعل فيه الرجل الجعل، يقول: إن وجدته فلك كذا وكذا، وإن لم تجده فلك نفقتك وطعامك وكسوتك، فقال: لا خير في هذا.
قال ابن القاسم: فإن وقع هذا رأيت أن يعطى جعل مثله إذا وجده.
قال ابن القاسم: وإن لم يجده فله أجر مثله، أصبغ عن ابن القاسم: لا أجرة فيه.
قال محمد بن رشد: اختلف في الجعل الفاسد إذا وقع على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه يرد إلى حكم نفسه فيكون له جعل مثله إن أتى به، ولا يكون له شيء إن لم يأت به، وهي رواية أصبغ، عن ابن القاسم هذه.
والثاني: أنه يرد إلى حكم غيره، وهي الإجارة التي هي الأصل، فيكون له أجر مثله أتى به أو لم يأت به؛ والثالث: أنه إن كان لم يخيبه إن لم يأت به كنحو هذه المسألة التي قال له فيها، فإن لم تجده فلك نفقتك، وإن وجدته

فلك كذا وكذا، كان له إجارة مثله أتى به أو لم يأت به، وإن كان لم يسم له شيئا إلا في الإتيان به، كان له جعل مثله إن أتى به، ولم يكن له شيء إن لم يأت به.
وجه القول الأول: أن الجعل لما جوزته السنة صار أصلا في نفسه، فوجب أن يرد فاسده إلى صحيحه قياسا على سائر العقود الجائزة من البيع والإجارة.
ووجه القول الثاني: أن الجعل إجارة بغرر جوزته السنة، ويخصص من أصله إذا وقع على الشروط التي أجازته بها، فإذا لم يقع عليها رجع إلى أصله، فكان إجارة فاسدة، يحكم فيها بحكم الإجارة الفاسدة.
ووجه القول الثالث: أنه إنما هو جعل إذا جعل له الجعل على الإتيان به خاصة، وأما إن جعل له في الوجهين، فليس بجعل، وإن سمياه جعلا، وإنما هو إجارة، فيحكم له بحكم الإجارة الفاسدة، وهذا القول أظهر الأقوال، وإياه اختار ابن حبيب، وحكاه عن مالك، وعن مطرف، وابن الماجشون.
وهذه الثلاثة الأقوال راجعة على الأصل، وجارية على قياس، وأما قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن له جعل مثله إذا لم يجده، فليس يرجع إلى أصل، ولا يجري على قياس، وكذلك قوله في المدونة في الذي يقول للرجل: إن جئتني بعبدي الأبق فلك نصفه أنه يكون له إجارة مثله إن أتى به، وإن لم يأت به، فلا جعل له ولا إجارة لا حظ له في القياس والنظر، وبالله التوفيق.

مسألة: يبعث مع الرجل بالخادم يبلغها إلى موضع ويجعل له في ذلك جعلا

مسألة وسئل مالك عن الرجل يبعث مع الرجل بالخادم يبلغها إلى موضع، ويجعل له في ذلك جعلا، فينام في بعض الطريق فتهرب فتأبق منه، أترى عليه ضمانا؟ قال: لا ضمان عليه.
قيل له: أتكون له أجرة؟ قال: يكون له بحساب ما بلغ.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنها إجارة، ولذلك أوجب له من أجرته بحساب ما بلغ؛ لأن الجعل في ذلك لا يجوز على ما مضى في أول رسم من السماع، ولو كانت جعلا لم يجب له فيما سار

شيء إلا على القول بأن الجعل الفاسد، إذا فات يرد فيه إلى إجارة مثله.
وكذلك من استأجر رجلا على تبليغ كتاب، فسقط منه في الطريق يكون له من أجرته بحساب ما سار، ولو كان جعلا لم يكن له فيما سار شيء، ولو قال له: إن بلغته في يوم كذا وكذا، فلك كذا وكذا، فهذا إن بلغه في ذلك اليوم وجب له جعله، وإن قصر عنه لم يكن له شيء.
قال ابن حبيب: إلا أن يكون تقصيره عنه بالأمر القريب الذي لا ينقطع فيه انتفاع الجاعل بالتبليغ، فتكون له إجارة مثله.
قاله ابن حبيب، وهو على أحد الأقوال في الذي يجعل للرجل في حفر بئر، فيحفر بعضها ثم يتركها، فيتم صاحبها حفرها بإجارة أو مجاعلة حسبما يأتي القول فيه في الرسم الذي بعد هذا.
ولو وقع الجعل على هذا أي الإجارة، فنام في بعض الطريق، فذهبت الخادم لم يكن له شيء فيما مضى من الطريق؛ لأن له سببا في ذهابها، ولو ماتت في بعض الطريق لوجب له من جعله بحساب ما مضى منه؛ إذ لا سبب له في موتها، فمعنى قوله في المسألة: ويجعل له في ذلك جعلا؛ أي ويسمي له في ذلك أجرا؛ لأنها إجارة على ما ذكرناه.
وقوله: إنه لا ضمان عليه في إباقها منه صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن الأجير لا يضمن ما تلف مما استؤجر عليه، إلا أن يضيع أو يفرط، وهو محمول على غير التفريط حتى يثبت عليه التفريط والتضييع، فإن لم يثبت ذلك عليه فالقول قوله مع يمينه أنه ما ضيع ولا فرط.
وأما قوله: إنه يكون له من أجره بحساب ما بلغ؛ ففيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن له الأجرة كلها ماتت أو أبقت، ويستعمله المستأجر في مثل ما بقي من الطريق، وهو قول ابن القاسم وأصبغ في أول رسم من سماع أصبغ بعد هذا؛ والثاني: أن الإجارة تنفسخ ماتت أو أبقت، ويكون له من إجارته بقدر ما سار من الطريق، وهو قول ابن وهب في أول رسم من سماع أصبغ بعد هذا، وقول ابن القاسم وأصبغ في رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ، من كتاب الرواحل والدواب؛ لأنهما قالا فيها: إن الإجارة تنفسخ بتلف الشيء المستأجر على حمله، وإن لم يكن للأجير في تلفه

سبب، فهو إذا كان له في تلفها سبب من نوم أو غفلة أحرى أن ينفسخ.
والثالث: الفرق بين أن تموت أو تأبق، وهو قول مالك في أول رسم من سماع أصبغ بعد هذا، وينبغي أن يحمل على التفسير؛ لقوله في هذه الرواية؛ لأنه تكلم فيها على الإباق وسكت عن الموت، وهذه التفرقة نحو تفرقته في المدونة بين أن يأتي تلف الحمل الذي استؤجر على حملانه من قبل الله تعالى، أو من قبل ما عليه استعمل، إلا أنه قال: لا ضمان عليه ولا كراء له، فهو قول رابع في المسألة، وبالله التوفيق.

مسألة: يستأجر الرجل يحرس له بيتا فينام فيسرق من البيت شيء

مسألة وسئل مالك عن الرجل يستأجر الرجل يحرس له بيتا، فينام فيسرق من البيت شيء، أترى عليه ضمانا؟ قال: لا.
قيل له: أفترى له إجارة؟ قال: نعم.
وكذلك الذي يستأجر يحرس النخل والغنم والإبل، ليس عليه ضمان وله أجرته.
قيل لابن القاسم: فما الذي يضمن الأجير؟ قال: لا يضمن إلا ما ضيع أو فرط أو تعدى.
قيل له: فما ترى الضيعة؟ قال: من الضيعة أن يترك ما وكل به ويذهب إلى غير ذلك حتى يذهب ما وكل به ونحو هذا من الضيعة، وأما الرقاد يغلبه أو الغفلة يغفلها، فليس هذا من الضيعة.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الأجير لا يضمن إلا أن يفرط أو يضيع أو يتعدى صحيح لا اختلاف فيه، وهو محمول على غير التضييع حتى يثبت عليه التضييع حسبما ذكرناه في المسألة التي قبل هذه.
وأما قوله: إن له أجرته فمعناه أن له أجرته كلها، ويستعمله المستأجر بقية المدة في مثل ما استأجره عليه، ولا اختلاف في هذا، بخلاف المسألة التي قبلها؛ لأن

الاستئجار على الحمل بخلاف الاستئجار على الحراسة والرعي، يختلف في الإجارة على الحمل في انتقاض الإجارة بتلف الشيء المستأجر على حمله، ولا يختلف في أنه لا يحتاج في شيء من ذلك إلى اشتراط الخلف، ولا يختلف في الاستئجار على الحراسة والرعي في انتقاض الإجارة بتلف الشيء المستأجر على حراسته ورعيه، ويختلف في وجوب اشتراط الخلف في عقد الإجارة على ذلك إذا عين، ولم يتكلم في هذه الرواية على ذلك، فيحتمل أن يكون تكلم فيها على غير التعيين.
وأما إن كان متاع البيت أو الغنم أو النحل - بالحاء غير المعجمة - معينا فلا تجوز الإجارة على حراسة شيء من ذلك على مذهب ابن القاسم في المدونة إلا بشرط الخلف، خلاف قول سحنون وابن حبيب، وقول أشهب في سماع أصبغ، وأما الاستئجار على حراسة أصول النخل، فلا يحتاج فيها إلى شرط؛ لأنها مأمونة لا يخشى عليها التلف، وبالله التوفيق.

يستأجر الرجل بدينار في السنة ويقدم إليه الدينار ثم لا يتفقان وقد عمل عنده الشهر

ومن كتاب الشريكين وسئل مالك عن الرجل يستأجر الرجل بدينار في السنة، ويقدم إليه الدينار ثم لا يتفقان، وقد عمل عنده الشهر فيتحاسبان، ويرد إليه بقية ما عليه دراهم، قال: لا يعجبني مثل هذا، ثم قال بعد ذلك: أرجو أن يكون خفيفا إذا صح أمرهما.
وقال ابن القاسم: وهذا الآخر أحب إلي.
قال محمد بن رشد: اختلف قول ابن القاسم في استئجار الرجل بعينه وكراء الراحلة بعينها، والدار والأرض وما أشبه ذلك، فمرة حمله محمل السلم الثابت في الذمة، ومحمل الإجارة المضمونة من أجل أن المنافع تقتضي شيئا بعد شيء، فهي غير معينة في أن الإقالة فيها لا تجوز، وإن لم يكن فيها بمجردها فساد إذا ظهر المكروه فيها بإضافتها إلى الصفقة الأولى؛ لأنه اتهمهما على القصد إلى ذلك، والعمل عليه، فمنع من ذلك حماية للذرائع.
وعلى هذا يأتي قوله الأول في الرجل يستأجر الرجل بدينار في

السنة، ويقدم إليه الدينار ثم لا يتفقان، وقد عمل عنده الشهر فيتحاسبان، ويرد إليه بقية ما عليه دراهم؛ أن ذلك لا يعجبه؛ لأن الأمر آل بينهما إلى أن دفع المستأجر إلى الأجير دينارا، وأخذ منه فيه عمل شهر ودراهم، فيتهمان على القصد إلى ذلك والعمل عليه، ومرة حمله محمل العروض المعينات في أن الإقالة فيها جائزة إلا أن تنعقد بمجردها على ما لا يجوز، وعلى هذا يأتي قوله الآخر بعد ذلك في المسألة المذكورة أرجو أن يكون خفيفا؛ إذ لا فساد في الإقالة بمجردها، وإنما يوجد المكروه فيها باجتماع الصفقتين على ما بيناه، فلم يتهمهما في هذا القول على القصد إلى ذلك من أجل أنه أجير بعينه، كما لا يتهمهما في ذلك في السلعة المعينة.
وفي قوله: إذا صح أمرهما نظر؛ لأن الأمر إذا صح منهما، ولم يقصدا إلى ذلك، ولا عملا عليه، فلا اختلاف في أنه لا حرج عليهما في ذلك فيما بينهما وبين خالقهما، وكذلك إذا ظهر من أمرهما ما يدل على صحة فعلهما؛ لا ينبغي أن يختلف في أن ذلك لا يفسخ، مثل أن يظهر من الأجير خيانة وما أشبه ذلك، فيعلم أن تقايلهما إنما كان بسبب ما ظهر منه على ما قاله بعد هذه في رسم العرية، من سماع عيسى، وقد ذكرنا في غير هذا الكتاب ما يجوز الإقالة في ذلك مما لا يجوز ملخصا مستوفيا، وبالله التوفيق.

شارط رجلا على عين يحفرها على خمسة آلاف ذراع

ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا وسئل مالك عن رجل شارط رجلا على عين يحفرها على خمسة آلاف ذراع، وما وجد في الأرض من صفا، فعلى صاحب العين أن يشقه، فعمل فيها فوجد في الأرض نحو مائة ذراع فشقها

الرجل، فلما فرغ قال له الرجل: اعمل لي بدلها، وموضعه الذي يعمل هو أكثر عملا من الموضع الذي وجد فيه الصفا، فقال: لقد دخلت في أمر لا خير فيه، فأرى عليك قدر ذلك الموضع الذي شقه ذلك الرجل تغرمه، وليس عليك أن تعمل له بذلك، يريد أن ينظر إلى قدركم ذلك من الأرض من قدر العمل، فيرد منه بقدر ذلك مما أخذ.
قال ابن القاسم: لست آخذ فيه بقول مالك، فأرى أن يعطى أجرة مثله.
قال سحنون: وهو رأيي، وقوله فيها أفضل وأجود.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة مشكلة، وقد التبس على كثير من الناس معناها، فوهم في تأويلها منهم ابن لبابة، فإنه ذهب إلى أن ابن القاسم أخطأ على مالك في تفسيره بجوابه لقوله يريد أن ينظر إلى قدر كم ذلك من الأرض من قدر العمل، فيرد منه بقدر ذلك مما أخذ.
قال: لأن مالكا إنما أجاب على أن رب العين جعل للرجل جعلا على حفر خمسة آلاف ذراع في التراب، وما خرج في الأرض من صفا شقه رب العين، فخرج في الأرض مائة ذراع من صفا فشقها العامل، فأوجب له مالك على رب العين قيمة عمله في شق الصفا، إذ لم يكن ذلك عليه، ولم يوجب له عليه أن يعمل له مثله في التراب، وسكت عما يجب للعامل في بقية عمله، وإن كان يجب عليه حفر بقية الخمسة آلاف ذراع في تراب أم لا.
قال: فتأول ابن القاسم على مالك أنه أجاب على أن صاحب الأرض هو الذي حفر الصفا، وأن حفرها كان مشترطا على العامل، فلما عمل ذلك صاحب العين وجب أن يحط من الجعل قدره، ولذلك قال: يريد أن ينظر إلى قدركم ذلك من الأرض من قدر العمل، فيرد منه بقدر ذلك مما أخذ.
قال: وهذا محال من التأويل، إنما كان شق الصفا على رب الأرض، وذلك فسر في السؤال

قوله فيه، فشق ذلك العامل، وليس هو عليه، فطلب من رب الأرض أن يشق له من الأرض بعد الصفا مثل الذي شق العامل.
قال محمد بن رشد: وإنما المحال ما تأول هو على ابن القاسم، من أنه حمل عليه قول مالك؛ إذ يبعد في القلوب أن يكون مالك أجاب على غير ما سئل عنه، وأن يكون ابن القاسم تأول ذلك عليه، إذ قد بين في السؤال أن المعاملة إنما وقعت بينهما على أن يشق رب الأرض ما وجد فيها من صفا، وأن العامل هو شقها، بدليل قوله: فلما فرغ قال: اعمل لي بدلها؛ إذ لو كان رب الأرض هو الذي شقها على ما اشترط على نفسه، لم يكن له في شقها شيء على أحد.
ووجه جواب مالك على السؤال، وتفسير ابن القاسم له بين، وذلك أن المعنى في المسألة أنها إجارة لا جعل، وأن معنى قوله شارط رجلا على عين يحفرها على خمسة آلاف ذراع: استأجر رجلا على عين يحفرها على خمسة آلاف ذراع، وشرط له على نفسه أنه ما وجد فيها من صفا شقه، ولم يبين في عقد الإجارة إن كان أراد أن يشق رب الأرض ما وجد في الأرض من صفا، وتكون للعامل أجرته كاملة، وإن كان أراد أن يشقها، ويحط عنه من الإجارة بحسابها من الخمسة آلاف ذراع، فكره مالك الإجارة ابتداء لما وقعت عليه من إبهام، ومراعاة لقول من يرى الإجارة فاسدة، وإن وقعت ببيان أن يحط عنه من الإجارة بقدر ما يقع الصفا الموجودة فيها إن وجدت من الخمسة آلاف ذراع من أجل الجهل بما انعقدت عليه الإجارة من عدد الأذرع؛ إذ لا يدري ما يجد فيها من الصفا التي لم تقع عليه الإجارة، فصار ذلك كشراء الصبرة جزافا على الكيل، وعبد العزيز بن أبي سلمة لا يجيز ذلك، وكالذي يتكارى الكري على بز يسوقه له من بلد كذا على أنه إن وجده في الطريق رجع، وكان له من إجارته بحسابه ما سار من الطريق، وسحنون لا يجيز ذلك وإن لم ينقد، وقال لهما: لقد دخلتما في أمر لا خير فيه، وحملهما لما وقعت وفاتت بالعمل على أنهما أرادا أن يشق رب الأرض ما وجد فيها من صفا، ويحط عنه من الإجارة بحسابها، فأمضاها

على أصله في جواز شراء الصبرة على الكيل وما أشبه ذلك، وقال: أرى عليك - يريد على رب الأرض - قدر ذلك الموضع، يريد قيمة عمل ذلك الموضع الذي شقه ذلك الرجل، يريد الذي شقه العامل يغرمه له، ولم ير عليه أن يعمل له بدله، ولو رضي بذلك لما جاز؛ لأنه إنما وجبت له عليه القيمة، فلا يجوز له أن يأخذ منه فيها عملا؛ لأنه فسخ الدين في الدين.
وسكت مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - عن تمام الحكم في المسألة، وفسره ابن القاسم على ما فهم من مذهبه في إمضاء الإجارة إذا فاتت فقال: يريد أن ينظر إلى قدركم ذلك الموضع من قدر العمل، فيرد منه بقدر ذلك مما أخذ، ومعنى ذلك أن ينظر ما تقع الصفا التي شقها العامل من جملة الخمسة الآلاف ذراع، فيرد من الأجرة التي قبض ذلك الجزء؛ إذ لا فرق بين أن يشق صاحب العين الصفا على ما شرطه على نفسه أو يشقها العامل فيأخذ حقه في شقها.
وإن كان ما وجب للعامل في شقه الصفا من جنس الأجرة التي قبض قاصه بذلك فيما يجب عليه رده منها، فمن كان له منهما في ذلك فضل رجع به على صاحبه.
وحمل ابن القاسم وسحنون الإجارة لما وقعت مبهمة على ظاهرها من أنهما أرادا أن يشق رب الأرض ما وجد في الأرض من صفا، ولا يحط عنه بذلك من الإجارة شيء فقالا: إن الإجارة فاسدة، والفساد فيها إذا حملت على هذا الوجه بين، وقد تحتمل المسألة وجوها من التأويل غير هذا قد ذكرته في غير هذا الكتاب، وهذا أولى ما حملت عليه.
وأما ما ذهب إليه ابن لبابة، فهو بعيد على ما قد بينته، وكذلك قوله: إنها جعل لا يصح؛ إذ لو كان جعلا لما أمضاه مالك إذا وقع؛ لأنه جعل فاسد من وجهين: أحدهما أن الجعل لا يكون فيما يملك من الأرضين، وذلك غير جائز على المشهور في المذهب، وقد نص على ذلك ابن المواز قال: لا يكون الجعل في شيء إذا أراد المجعول له ترك العمل بعد أن شرع فيه يبقى من عمله شيء ينتفع به الجاعل، مثل البناء والحفر فيما

يملك من الأرضين.
وقد وقع في كتاب ابن حبيب ما يدل على إجازة الجعل على حفر البئر فيما يملك من الأرضين.
والثاني: الغرر المقصود إليه فيه؛ لأن معناه إن حفرت لي ما وجدت من تراب في هذه الخمسة آلاف ذراع فلك كذا وكذا، وذلك ما لا يجوز في الجعل.
وقد يحتمل أن يكون ابن القاسم وسحنون حملا المسألة على هذا، ولذلك قالا: إن له أجرة مثله.
ولولا تأويل ابن القاسم على مالك؛ لكان الأظهر من قوله قد دخلتما في أمر لا خير فيه أن العقد فاسد، ويكون للعامل أجرة مثله في شق الصفا، وفي سائر عمله، ويرد جميع الأجرة إن كان قبضها، وتسقط عنه إن كان لم يقبضها؛ لأنه إنما تكلم على ما يجب للعامل في شق الصفا وسكت عن تمام الحكم في المسألة، إلا أن ابن القاسم أحق بتبيين إرادة مالك في المسألة لمشافهته إياه فيها، وقد بينا وجه قوله على ما فهم ابن القاسم من إرادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يقول للرجل احفر لي هاهنا بئرا حتى أدرك الماء ولك كذا وكذا

مسألة وسئل مالك عن الرجل يقول للرجل: احفر لي هاهنا بئرا حتى أدرك الماء، ولك كذا وكذا، فيعمل فيها ما شاء الله، ثم يبدو له فيترك العمل، ثم يستأجر عليه صاحب البئر آخر، أترى للأول شيئا فيما عمل؟ قال: إن انتفع الآخر بها حتى يخرج الماء رأيت أن يعطى في ذلك.
فقيل له: ما الذي يعطى في ذلك؟ قال: على قدر ما يرى مما انتفع به، يجتهد في ذلك، وليس لذلك حد؛ رب أرض شديدة تكون حجرا، وأخرى رخوة فيكون ربما يحفر الحجر أولا، والذي احتفر يعد ذلك رخوة، أو يكون حفر رخوا والذي حفر بعده حجرا، فإنما يعطى في ذلك على قدر ما انتفع به فيما يجتهد له من ذلك

يجعل للرجل على حفر بئر فيحفر فيها أذرعا ثم يعجز عنها ثم يحفرها آخر

من سماع عيسى بن دينار، من كتاب المكاتب وسألت ابن القاسم عن الرجل يجعل للرجل على حفر بئر، فيحفر فيها أذرعا، ثم يعجز عنها، ثم يحفرها آخر بعد ذلك حتى يخرج الماء، قال مالك: يكون للآخر جعله كله، ويكون للأول الجعل بقدر ما انتفع بحفره في البئر، ولقد كنت قلت أنا: يكون له قيمة ما عمل يوم عمل.
وقال ابن كنانة: بل قيمة ما عمل اليوم، فدخلنا على مالك فقال: بل يعطى على قدر ما انتفع بحفره.
قلت: أرأيت جعلهما جميعا في الجعل الأول؟ قال: بل يعطى الآخر جميع ما جعل له، وينظر قيمة ما انتفع به من عمل الأول فيعطاه، ولا يلتفت إلى الجعل الأول.
قلت: أرأيت إن كان الجعل الأول عشرة دنانير، فلما نظرنا إلى ما انتفع به من عمله كانت قيمته خمسة عشر دينارا؟ قال: فله ذلك، زاد الجعل الأول أو نقص، ولا يلتفت إلى الجعل الأول.
قال محمد بن رشد: معنى قول مالك ينظر إلى قيمة ما انتفع به من عمل الأول فيعطاه، هو أن ينظر إلى ما جعل على تمامها للثاني، وإلى ما كان يجعل على حفرها كلها لو لم يتقدم فيها حفر لأحد يؤخذ ذلك، فيكون للأول ما زاد على ما جعل على تمامها للثاني؛ لأن ذلك هو الذي انحط عنه بعمل الأول فانتفع به.
وكذلك إن استأجر على تمامها، ولم يجاعل على ذلك، فينظر إلى ما استأجر به على تمامها، وإلى ما كان يستأجر به على جميعها، فيكون للأول ما زاد الاستئجار على جميعها على الاستئجار على بقيتها؛ لأن ذلك هو الذي انتفع به، قل ذلك أو كثر، وإن كان أكثر

من الجعل الأول، وهو أظهر من قول ابن القاسم وابن كنانة؛ لأنه لما كان لا يجب عليه شيء إذا لم ينتفع وجب ألا يكون عليه إذا انتفع إلا قدر ما انتفع، وإنما يشبه أن يكون عليه قيمة عمله يوم انتفع به أو يوم عمله، إذ انتفع به كما هو دون أن يتمه بإجارة أو مجاعلة في وجه من وجوه المنافع؛ من كنيف يحدثه فيه أو ما أشبه ذلك.
والقياس أن يكون له في هذا الحساب ما عمل من جعله الذي كان جعل له فيه، ومما يشبه هذا الدلال يجعل له الجعل على بيع الرأس من الرقيق فيسوقه، ثم يبيعه صاحبه بغير حضرته، ولو باعه له دلال آخر بجعل أخذه منه؛ لوجب أن يكون الجعل بين الدلال الأول والثاني على قدر عنائهما؛ لأن الدلال الثاني هو المنتفع بتسويق الأول دون صاحب السلعة؛ إذ قد أدى إلى الثاني جعلا كاملا، لم ينحط عنه منه شيء بسبب الأول، وذلك على قياس ما وقع في سماع عيسى، من كتاب اللقطة، في الرجل يجعل للرجل الجعل في طلب عبد أبق فيجده، ثم يأتي به فينفلت منه ويذهب ويجعل صاحبه عليه جعلا آخر لرجل آخر فيأتي به، أنه إن كان أفلت بعيدا من مكان سيده، فالجعل كله للثاني ولا شيء للأول، وإن كان أفلت قريبا من مكان سيده، فالجعل بينهما على قدر شخوص كل واحد منهما بما يرى، وبالله التوفيق.

يستخيط الثوب بدرهم ثم يقول له هل لك أن تعجل لي ثوبي وأزيدك

ومن كتاب أوله سلف في المتاع والحيوان وسئل مالك عن الرجل يستخيط الثوب بدرهم، ثم يقول له بعد ذلك: هل لك أن تعجل لي ثوبي اليوم وأزيدك نصف درهم؟ قال مالك: لا أرى به بأسا، وأرجو أن يكون خفيفا، ولم يره مثل الرسول يزاد لسرعة السير بعد إيجاب أجرته.
وسئل مالك عن الرجل يتكارى الرجل على أن يسير له

بكتاب إلى ذي المروة على أن يسير له في يومين، ويدفع إليه دينارين، فكره ذلك وقال: لا يعجبني هذا الكراء، أرأيت إن تأخر كيف يصنع؟ ما يعجبني هذا.
قال ابن القاسم: ويعطيه على اجتهاده.
وكذلك الإبل تتكارى والدواب ليس يضرب في ذلك أجل.
وسألته عن الرجل يتكارى الرجل بدينار على أن يبلغ له كتابا إلى بلد، فيقول: أما الدينار فلك ثابت، وإن بلغته يوم كذا وكذا فلك زيادة نصف دينار، قال: لا أحب ذلك وكرهه.
قال سحنون: لا بأس بذلك بعد وجوب الكراء.
قال محمد بن رشد: أما الذي يستخيط الرجل الثوب بأجر مسمى ثم يزيده بعد ذلك على أن يعجله له، فلا إشكال في أن ذلك جائز؛ لأن تعجيله ممكن له، ولا ينبغي له أن يتعمد تأخيره ومطله إضرارا به لغير سبب، وله أن يتسع في عمله ويؤخره لعمل غيره قبله، أو للاشتغال بما يحتاج إليه من حوائجه على ما جرى من عرف الصناع في التراخي في أعمالهم، فإذا زاده على أن يتفرغ له ويعجله جاز؛ لأنه أخذ ما زاده على فعل ما يقدر عليه ويجوز له، ولا يلزمه.
وأما الذي يزيد الأجير على تبليغ الكتاب بعد عقد الإجارة زيادة على أن يسرع السير، فيبلغه في يوم كذا وكذا، فكرهه مالك ورآه بخلاف الزيادة على تعجيل الثوب، ومعناه إذا لم يكن على يقين من أنه يدرك الوصول به ذلك اليوم إذا أسرع السير؛ لأنه يجهد نفسه في الإسراع ما لا يلزمه على غير يقين من حصول الزيادة له في ذلك، وهو غرر، ولو كان على يقين من أنه يدرك إذا أسرع لجاز بمنزلة الثوب.
ولو قال له في الثوب: إن أتممت خياطته اليوم فلك زيادة نصف درهم، وهو لا يدري إذا أجهد نفسه في

إتمامه هل يتم أم لا؛ لكان ذلك مكروها على ما قاله في الرسول، وبين ذلك قوله في التفسير ليحيى: إن ذلك مكروه إذا كانت الثياب كثيرة؛ إذ لا فرق في الثياب الكثيرة والثوب الواحد إلا أن الثياب الكثيرة لا يدري إذا اجتهد فيها هل يفرغ منها قبل الوقت الذي وقته له في الأغلب من الأحوال، بخلاف الثوب الواحد، فالمسألتان، تحمل كل واحدة منهما على صاحبتها، وإجازة سحنون ذلك في الرسول معناه، والله أعلم، إذا كان على يقين من أنه يدرك الموضع في ذلك اليوم إذا أسرع، فعلى هذا ينبغي أن تحمل أقوالهما، ولا يجعل ذلك اختلافا من القول.
وأما قوله في استئجار الرسول على أن يسير له بالكتاب إلى ذي المروة في يومين ويدفع إليه دينارين: إن ذلك لا يعجبه وهو مكروه، وكذلك ضرب الأجل في اكتراء الدواب إلى البلدان، فهو المشهور في المذهب، وقد مضى القول فيه في أول رسم، وبالله التوفيق.

قال له: دل على من يشتري مني جاريتي ولك كذا وكذا

ومن كتاب البز قال ابن القاسم: قال مالك: من قال: دل على من يشتري مني جاريتي ولك كذا وكذا، فدل عليه، فذلك لازم له.
ولو قال: دلني على من أواجره نفسي ولك كذا وكذا فذلك له.
ومن قال: دلني على امرأة أتزوجها ولك كذا وكذا، فلا شيء له.
قال سحنون: كل ذلك عندي واحد ليس بينها فرق، وأرى أن يلزمه في النكاح مثل ما يلزمه في البيع والأجرة، وقال أصبغ في كتاب البيع والصرف من سماعه، مثل قول سحنون.
قال محمد بن رشد: إنما فرق مالك بين أن يجعل الرجل

للرجل جعلا على أن يدل عليه من يشتري منه سلعة أو يبيعها منه أو يواجره نفسه، وبين أن يجعل له جعلا على أن يدله على امرأة يتزوجها من أجل أنه لا يلزمه أن يدل عليه من يشتري منه، ولا من يبيع منه، ولا من يواجره نفسه ولا شيئا من الأشياء، ويلزمه هو أن يدله على امرأة تصلح له؛ لأن معنى قوله: دلني على امرأة أتزوجها، أي أشر علي بامرأة تعلم أنها تصلح لي وانصح لي في ذلك، وهذا لو سأله إياه دون جعل للزمه أن يفعله؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدين النصيحة؛ قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأيمة المسلمين وعامتهم» ، ألا ترى أنه لو قال رجل لرجل: دلني على امرأة تصلح لي أتزوجها، فإني محتاج إلى النكاح، فقال له: أنا أعلمها، ولكن لا أعلمك بها، ولا أدلك عليها إلا أن تعطيني كذا وكذا لما حل ذلك له.
ولو قال له: دل علي امرأة أتزوجها، أو دل علي رجلا أزوجه ابنتي، ولك كذا وكذا، فدل عليه لكان له الجعل، فالأصل في هذا أن الجعل لا يجوز فيما يلزم الرجل أن يفعله، وإنما يجوز فيما لا يلزمه أن يفعله، مثل أن يقول: دلني على امرأة أتزوجها واسع لي في نكاحها على ما يأتي في رسم البراءة من سماع عيسى، وإنما قال سحنون وأصبغ: إن الجعل يلزم في قوله: دلني على امرأة أتزوجها، كما يلزم في قوله: دل على من يشتري مني جاريتي أو أواجره نفسي؛ لأنهما حملا قوله، والله أعلم، دلني على امرأة أتزوجها أنه أراد بذلك ابحث لي على امرأة تصلح لي، ودلني عليها، ولك كذا وكذا، فأوجبا له الجعل؛ إذ لا يلزم الرجل أن يبحث للرجل على من يصلح له من النساء فيدله عليها، ويلزمه إذا استرشده في أمر قد علمه أن يدله وينصح له ولا يكتمه.
ولو قال له: دلني على من أبيع منه سلعتي، أو أواجره نفسي، ولك كذا وكذا لكان له الجعل، بخلاف قوله: دلني على امرأة أتزوجها، ففي هذا يفترق البيع من النكاح؛ إذ لا يلزم الرجل أن يدل الرجل على من يشتري منه سلعة إذا سأله ذلك، وإن كان عالما بمن يصلح له، ويمكن أن يشتريها منه، ويلزمه أن يدله على امرأة يتزوجها إذا سأله ذلك، وكان عالما بامرأة

تصلح له ويمكن أن تتزوجه.
والفرق في هذا بين النكاح والبيع أن البيع مباح، والنكاح مندوب إليه، وقد يكون واجبا.
ولو اضطر الرجل الغريب في موضع لا سوق فيه إلى بيع سلعة في أمر لا بد له منه، فقال لرجل: دلني على من يشتري مني سلعتي، وهو يعلم من يمكن أن يشتريها منه لما حل له أن يقول: لا أدلك إلا أن تعطيني كذا وكذا لوجوب ذلك، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وعلى هذا تتفق الروايات ولا يكون بين النكاح والبيع فرق، وإن كان ابن حبيب قد حكى من قول ابن القاسم، وروايته عن مالك أن الجعل في الدلالة على النكاح لا يلزم، وحكى عن غير واحد من أصحاب مالك إجازته، وأنه سمع ابن الماجشون يجيزه، ويروي إجازته عن مالك، فذلك تأويل منه في أن ذلك اختلاف من القول، وتأويلنا أظهر، والله أعلم، وبه التوفيق.

البناء يستأجر على البناء مقاطعة

ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه وسئل مالك عن البناء يستأجر على البناء مقاطعة، قال: لا بأس بذلك، لم يزل بذلك عمل الناس، فإن طال لك ضرب له أجل أيام.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا بأس بالاستئجار على البناء مقاطعة صحيح، ولا يصح فيما قل، وكان يفرغ منه في بعض اليوم إلا مقاطعة، وأما فيما كثر فيجوز مقاطعة إذا وصف العمل بغير النقد، وبالنقد إذا شرع في العمل على ما مضى في أول السماع، ويجوز أن يستأجره فيه بالأيام.
فمعنى قوله فإن طال ذلك ضرب له أجل أيام، أي فإن طال ذلك، جاز أن يستأجره فيه بالأيام، لا أنه إذا طال يجوز أن يستأجره على عمله إلى تمامه ويضرب له في ذلك أجل أيام؛ لأنه قد منع من ذلك في

المسألة التي بعدها، وفيما مضى في رسم سلف، وفي ذلك اختلاف قد مضى القول فيه في أول السماع، وبالله التوفيق.

مسألة: استأجر أجيرا على عمل بعينه هل يجوز فيه الأجل

مسألة قال: ومن استأجر أجيرا على عمل بعينه، فلا يجوز فيه الأجل؛ لأن الفراغ من العمل هو الأجل، فلا يستقيم أن يستأجره إلى أجلين بشيء واحد، وإن تلف ما استأجره عليه لم يجبر الأجير على أن يعمل مثله، ولم يلزم رب العمل أن يأتي بمثله، ولا بأس بالنقد في مثل هذا.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه من استأجر أجيرا على عمل بعينه، فلا يجوز فيه الأجل هو المشهور في المذهب، وقد مضى في أول مسألة من السماع ما فيه من الخلاف، فلا معنى لإعادته.
وقوله: إنه إن تلف ما استأجره عليه لم يجبر الأجير على أن يعمل مثله، ولم يلزم رب العمل أن يأتي بمثله، يدل على أنهما إن رضيا بذلك جاز، ومعناه إذا لم يكن نقد؛ لأنه يدخله فسخ الدين في الدين إن كان نقدا، وهذا هو المشهور في المذهب، وقد قيل: إنه يستعمله في مثل ما استأجره فيه ولا تنفسخ الإجارة، وهو قول ابن القاسم في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى بعد هذا، وبالله التوفيق، اللهم عونك.

يتكارى الخياط على أن يخيط له ثيابا يسميهما

ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسئل مالك عن الرجل يتكارى الخياط على أن يخيط له ثيابا يسميهما، فقال مالك: أما الملاحف وما أشبهها فإنه يعرف نحوها، وأما الخز فإنه يكون فيها المرتفع ثمن الخمسة عشر،

فأحب إلي أن يريه ثوبا يخيط عليه، إلا أن يكون صفة قد عرفها، فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا يجوز أن يستأجره على أن يخيط له صنفا من الثياب يسميه إذا كان الصنف يختلف فتكون خياطة بعضه أسهل من خياطة بعض؛ إذ لا بد في الاستئجار على الأعمال من وصف العمل أو عرف يقوم مقام الوصف، وإن أراه ثوبا يخيط عليه فهو أبلغ من الوصف وأتم، والدليل على أن العرف يقوم مقام الوصف؛ ظاهر قول الله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] ، وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من استأجر أجيرا فليواجره بأجر معلوم إلى أجل مسمى» ، فذكر الأجرة والأجل وسكت عن وصف العمل؛ إذ قد يستغني عنه بالعرف المعهود فيه، وبالله التوفيق.

يقول للرجل اعمل لي في هذا التراب لبنا بيني وبينك

من سماع أشهب وابن نافع من مالك رواية سحنون من كتاب البيوع الأول قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع قالا: سئل مالك عن الرجل يقول للرجل: اعمل لي في هذا التراب لبنا بيني وبينك، فقال: ما يعجبني ذلك.
قال أشهب: رأيت السائل يسأله، وسمعت من مالك الجواب، ولم أفهم ما سأل السائل عنه؛ لأنه أخفى من صوته، فسألت عما سأل، فقيل لي عن هذا.

قال محمد بن رشد: إنما كره مالك هذه الإجارة في هذه الرواية من أجل أنه لا يدري كيف يخرج اللبن، فكأنه استأجره بشيء لا يدري ما هو، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره» ، وقال: «من استأجر أجيرا فليواجره بأجر معلوم إلى أجل معلوم» ، فلا يجوز للرجل أن يستأجر الرجل إلا بما يجوز بيعه، ولا يجوز على هذه الرواية بيع اللبن قبل أن يعمل، كما لا يجوز بيع الثوب قبل أن ينسج، ولا أن يستأجر على عملها بنصفها، كما أنه لا يجوز أن يستأجر الرجل الرجل على دباغ الجلود بنصفها، ولا على نسج الغزل بنصفه.
وسواء قال له: اعمل هذا التراب لبنا يكون بيني وبينك، أو قال له: اعمل فيه لبنا، فما عملت فهو بيني وبينك؛ لأن الأول إجارة وهذا جعل، والجعل في المجاعلة لا يكون إلا معلوما، كما أن الأجرة في الإجارة لا تكون إلا معلومة، فإن وقع ذلك وفات بالعمل كانت اللبن لصاحب التراب، وكان عليه للعامل أجر مثله في عمله، وإن لم يعثر على ذلك حتى قبض الأجير نصفها، وفاتت في يديه بما يفوت به البيع الفاسد؛ لزمته قيمته يوم خروجها من العمل؛ لأنه حينئذ كان قابضا لنصفها، ويكون له أجر مثله في عملها كلها.
وكراهية مالك في هذه الرواية لهذه الإجارة خلاف أصل ابن القاسم في أن ما لا يعرف وجه خروجه، ويمكن إعادته للعمل بمنزلة ما يعرف وجه خروجه في أنه يجوز بيعه قبل أن يعمل على أن يعمله البائع، وفي أنه يجوز الاستئجار على عمله بالجزء منه، فقد أجاز في رسم أسلم، من سماع عيسى: أن يستأجر الرجل الرجلَ على بناء البقعة بنصفها؛ لأن البناء تمكن إعادته إن لم يخرج على الصفة، وذلك لا يجوز على قياس قول مالك في هذه الرواية، وعلى قياس قول مالك في هذه الرواية يأتي قول سحنون أن كل بيع وأجرة تكون الأجر فيه في نفس المبيع لا يجوز، وبالله التوفيق.

مسألة: الحجام أيشارط على عمله

مسألة وسئل مالك عن الحجام أيشارط على عمله؟ قال: لا بأس بذلك أن يشارط، فيقول: أحجمك بدرهم، أحجمك بنصف درهم.
قال محمد بن رشد: قوله: لا بأس بذلك، أي لا بأس بالأجرة المأخوذة في ذلك؛ لأن السؤال إنما وقع عن ذلك؛ لما جاء في كسب الحجام، فقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنه سحت وأنه خبيث، وأنه حرام» والمعنى فيه فيما روي عنه من ذلك أنه كسب دنيء ينبغي التنزه عنه في مكارم الأخلاق، بدليل ما ثبت من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «احتجم وأعطى الحجام أجرة» ، ولو كان حراما لما أعطاه إياه.
وقد قيل: إن ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ذلك منسوخ بما روي عن محيصة بن مسعود الأنصاري، أحد بني حارثة أنه «استأذن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في إجارة الحجام فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال: أعلفه نضاحك» يعنى رقيقك، والأول أظهر أنه إنما نهاه أولا عنها على سبيل التنزيه له عنها لدناءتها، لا لأنها حرام، فلما ألح عليه في الاستئذان أذن له في أن يطعمه رقيقه ونضاحه.
وفي إذن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يطعمه نضاحه ورقيقه، دليل بين على أنها ليست بحرام؛ لأن ما لا يحل للرجل أكله لا يحل له أن يطعمه رقيقه ولا نضاحه.
فقول مالك: لا بأس به؛ معناه أنه لا إثم عليه، ولا حرج في أكله، وإن كان التنزه عنه أفضل؛ لحض النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ذلك، ولم يرد أنه لا بأس باستئجار الحجام على هذا الوجه؛ إذ لا وجه لاستئجاره على الحجامة سواه، وبالله التوفيق.

مسألة: يستخيط الخياط الثوب يقول له إن أعطيتنيه بعد غد فلك فيه ثلاثة دراهم

مسألة وسئل مالك عن الذي يستخيط الخياط الثوب، يقول له: إن

أعطيتنيه بعد غد، فلك فيه ثلاثة دراهم، فقال: لا خير فيه، وليس هذا من بيوع الناس.
فقل له: إن هذا من عمل الناس، فقال: لا والله إلا أن يكونوا بالإسكندرية، وما هذا من بيوع الناس، وهذا باب عظيم يأتيه فيقول له: خط لي ثوبي هذا بثلاثة دراهم، وتعطينيه غدا، فلا يعطيه إياه غدا، فكيف يصنع إذا لم يعطه إياه غدا؟ فليس هذا من بيوع الناس.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور أن الإجارة على هذا غير جائزة، هو قوله في رسم المحرم، ورسم سلف، من سماع ابن القاسم، وقد قيل: إن ذلك جائز إذا كان لا إشكال في أن العمل يمكن تمامه قبل الأجل، وقد ذكرنا ذلك في أول مسألة من سماع ابن القاسم، فعلى القول بأن ذلك لا يجوز يكون للأجير إن فاتت الإجارة بالعمل إجارة مثله بالغة ما بلغت على تعجيلها أو تأخيرها.
وأما على القول بأن ذلك جائز، فإن فرغ منه في اليوم الذي سمى كانت له الإجارة المسماة، وإن لم يفرغ منه إلا بعد ذلك كانت له إجارته على غير التعجيل؛ لأن المستأجر إنما رضي بما رضي به من الأجرة على التعجيل، فإذا أخطأه ذلك لم ينبغ أن يؤخذ ماله باطلا، قال ذلك أصبغ في الواضحة، وقال: إنه ليست الإجارة على هذا من شرطين في شرط، إذ لم يعاقده على أنه إن أعطاه إياه غدا، فإجارته كذا، وإن لم يعطه إياه غدا فله إجارة مثله.
وقد تحدث في الإجارات والبيوع أحداث كثيرة تردهما إلى غير الثمن الأول والأجرة الأولى.
إنما أراد بقوله: لا والله إلا أن يكونوا بالإسكندرية استنقاص أهل الإسكندرية؛ لأنها محرس تشبه البادية، وبالله التوفيق.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
استأجر عاملا من العمال وقد عرف أنه يعمله بيده أو اشرط عليه أنه يعمله بيدهمسألة: تكارى غلمانا يخيطون الثياب في كل شهر بشيء مسمىمسألة: بعث رجلا ليقتضي له دينا على أن له من كل شيء اقتضاه منه نصفه أو ثلثهمسألة: جعل لرجل في عبد له أبق جعلا إن جاء به وقد أنفق عليه نفقةمسألة: أعطى رجلا متاعا يبيعه فيها على أنه إن باعه فله جعل قد سماهمسألة: استؤجر على رقيق يأتي بهم فلم يجدهممسألة: أوصى أخا له أن يشتري له شيئا بالمديونة فابتاعه بدرهم ونصفالخلالة تجمع على النصفمسألة: قوم اشتروا سلعة ثم أرادوا يتبايعونها فأرادوا أن يكتبوا من حضرهمالخياط الذي بيني وبينه الخلطة ولا يكاد يخالفنيرجل يهلك ويترك ميراثا فيشارط رجل على بيعه وتقاضيه ويجعل له فيه جعليجعل للرجل يصيح على الرقيق يبيعهم فيمن يزيدالصياح على رأس يبيعه على جعل معلومالآبق يجعل فيه الرجل الجعلمسألة: يبعث مع الرجل بالخادم يبلغها إلى موضع ويجعل له في ذلك جعلامسألة: يستأجر الرجل يحرس له بيتا فينام فيسرق من البيت شيءيستأجر الرجل بدينار في السنة ويقدم إليه الدينار ثم لا يتفقان وقد عمل عنده الشهرشارط رجلا على عين يحفرها على خمسة آلاف ذراعمسألة: يقول للرجل احفر لي هاهنا بئرا حتى أدرك الماء ولك كذا وكذايجعل للرجل على حفر بئر فيحفر فيها أذرعا ثم يعجز عنها ثم يحفرها آخريستخيط الثوب بدرهم ثم يقول له هل لك أن تعجل لي ثوبي وأزيدكقال له: دل على من يشتري مني جاريتي ولك كذا وكذاالبناء يستأجر على البناء مقاطعةمسألة: استأجر أجيرا على عمل بعينه هل يجوز فيه الأجليتكارى الخياط على أن يخيط له ثيابا يسميهمايقول للرجل اعمل لي في هذا التراب لبنا بيني وبينكمسألة: الحجام أيشارط على عملهمسألة: يستخيط الخياط الثوب يقول له إن أعطيتنيه بعد غد فلك فيه ثلاثة دراهم
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل