كتاب كراء الدور والأرضين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
من سماع أصبغ فيمن شهد عليه شاهد واحد أنه حلف على شيء أنه إن فعله فامرأته طالق وشهد آخر أنه إن فعله فإحدى امرأتيه طالق؛ لأنها شهادة اختلف فيها المعنى واللفظ واتفق ما يوجبه الحكم، فقال ابن القاسم: إنه لا شهادة لهما على قياس القول بأن الشهادة لا تلفق، وقال أصبغ على قياس القول بالتلفيق إنهما يطلقان جميعا إن أنكر كما لو أقر ولا نية له، وهو مذهب ابن الماجشون على ما وقع له في سماع محمد بن خالد، ومن هذا المعنى ما قال ابن سحنون عن أبيه إذا جرح الشاهد رجلان كل واحد بمعنى غير الآخر قال: هي جرحة لاجتماعهما على التجريح إنه رجل سوء، وقد قال أيضا: إنه لا يجرح حتى يجتمع رجلان على معنى واحد إما كذاب، وإما شارب خمر، أو آكل حرام، ونحوه، والله الموفق.
###: الأب يشهد على ابنه في حقوق أو طلاق أو عتاق
ومن كتاب يوصي بمكاتبه وسألته: عن الأب يشهد على ابنه أو الابن يشهد على أبيه في حقوق أو طلاق أو عتاق، قال: أما شهادة الأب على ابنه فهي تجوز في جميع ما ذكرت إلا أن تكون عداوة تعلم، وشهادة الابن على أبيه جائزة في الحقوق والعتاق، وأما في الطلاق فإنه إن شهد على أمه أو على غير أمه إذا لم تكن أمه حية فهي جائزة إلا أن تكون عداوة تعلم، وإن شهد على غير أمه وأمه حية كانت تحته أو طلقها فلا تجوز شهادته عليه في طلاق التي تحته، قال سحنون: إذا شهد على أبيه أنه طلق أمه فإن كانت أمه مدعية للفراق طالبة له فلا تجوز شهادته، فإن كانت منكرة لذلك جاحدة
له جازت شهادته؛ لأنه شهد عليهما جميعا، وإذا كانت الأم طالبة لذلك لم تجز؛ لأنه شاهد لأمه.
قلت: أرأيت إن شهد رجل على امرأة من نساء أبيه أنه طلقها وهي من ضرائر أمه هل تجوز شهادته؟ فقال: لا تجوز شهادته إلا أن تكون المرأة هي الطالبة للفراق فتجوز شهادته، قال أصبغ: شهادة الابن على أبيه بطلاق أمه جائزة إلا أن يكون بينهما عداوة أو يعلم أنها طالبة للفراق فلا تجوز شهادة الابن لها، فإن كانت عداوة الابن بينه وبينهما جميعا سقطت عنهما بالعداوة كالأجنبيين، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: 14] قال القاضي: لا اختلاف في جواز شهادة الأب على ابنه والابن على أبيه في الحقوق والعتاق، وأما شهادته عليه في الطلاق فقوله: إنه إن شهد على أمه أو غير أمه إذا لم تكن أمه حية فهي جائزة إلا أن تكون عداوة تعلم معناه إلا أن تكون أمه مدعية للطلاق على ما قاله سحنون وأصبغ؛ لأن قولهما تفسير لقوله، وقوله: إن شهد على غير أمه وأمه حية كانت تحته أو طلقها فلا تجوز شهادته عليه في طلاق التي تحته معناه إلا أن تكون المرأة هي الطالبة للفراق على ما قاله بعد ذلك؛ لأن قوله يبين بعضه بعضا، فلا خلاف بين ابن القاسم وأصبغ وسحنون في شيء من هذا كله، ولأصبغ في الواضحة إن شهادته على أبيه بطلاق غير أمه جائزة وإن كانت أمه حية إذا لم تكن في عصمته، فتحصيل هذه المسائل أن شهادته على أبيه بطلاق أمه جائزة إلا أن تكون طالبة للطلاق، وأن شهادته عليه بطلاق غير أمه جائزة إن كانت أمه ميتة، وغير جائزة إن كانت حية في عصمته إلا أن تكون المرأة هي الطالبة للفراق، والنظر عندي ألا تجوز شهادته عليه
بطلاقها وإن كانت هي الطالبة للفراق إذا كانت [أمه] حية في عصمته، واختلف إن كانت أمه حية في غير عصمته، فقيل: إن شهادته لا تجوز إلا أن تكون المرأة هي الطالبة للفراق وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وقول مطرف وابن الماجشون، وقيل: إنها جائزة وإن لم تكن طالبة للطلاق، وهو قول أصبغ.
وقد قال بعض أهل النظر على قياس قول ابن القاسم في هذه المسألة: ولو شهد الابن على أبيه أنه طلق زوجتيه جميعا إحداهما أمه، فإنه ينظر في ذلك، فإن كانت أمه غير طالبة للطلاق والزوجة الأخرى طالبة له طلقتا جميعا، كانت الشهادة واحدة أو مفترقة، إذ لا تهمة في ذلك، وإن كانت الأم طالبة للطلاق والأخرى غير طالبة له لم تطلق واحدة منهما، كانت الشهادة واحدة أو مفترقة؛ لأنه يتهم في أمه أن يشهد لها فيما ترغب، ويتهم في ضرة أمه أن يشهد عليها بما تكره طلبا لرضا أمه إذ هي ضرتها، وإن كانتا جميعا كارهتين للطلاق لم تجز شهادته إن كانت الشهادة واحدة؛ لأنها تسقط في زوجة أبيه للتهمة فيها بسبب أمه، وتسقط في أمه لاتهامه في بعض الشهادة، وتجوز إن كانت مفترقة في أمه، ولا تجوز في الأخرى للتهمة فيها بسبب أمه، وإن كانتا جميعا طالبتين للطلاق لم تجز شهادته إن كانت الشهادة واحدة؛ لأنها تسقط في أبيه للتهمة فيها، وتسقط في الأخرى لاتهامه في بعض الشهادة، وتجوز إن كانت الشهادة مفترقة لغير أمه فتطلق إن كان معه غيره، ويحلف أبوه إن لم يكن معه غيره، ولا تجوز لأمه؛ لأنه شاهد لها بالطلاق الذي تطلبه، وبالله التوفيق.
مسألة: المشهود على شهادته إذا أنكر الشهادة وزعم أنه لم يشهدهما عليه
مسألة قال ابن القاسم: إذا شهد الرجلان على شهادة رجل غائب فقطع بشهادتهما الحق مع شاهد ويمين وصاحب الحق إن كان
شاهد شيء يجوز فيه شاهد ويمين أو شاهدان ثم جاء الذي شهد على شهادته فأنكر أن يكون شهد بتلك الشهادة، قال: الحكم ماض، ولا غرم عليهما إن [قال]: شهدا علي بباطل.
قلت: فلو كان قدم قبل شهادتهما؟ فقال: هذا القول قال: فلا شهادة لهما، ويستحلف صاحب الحق مع شهادة الباقي منهما.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة وقعت في بعض الروايات في أثناء المسألة التي قبلها فكتبتها بعدها ليتصل الكلام فيها بعضه ببعض، ووقعت أيضا في سماع أبي زيد وفي رسم الأقضية من سماع يحيى، وزاد فيها في سماع يحيى من قول مالك: إن القضاء يفسخ خلاف قول ابن القاسم، فوجه قول ابن القاسم أنه جعل إنكار المشهود على شهادته للشهادة بعد الحكم كرجوع الشاهد عن الشهادة بعد الحكم في أن الحكم لا يرد لاستواء المسألتين في أن الحاكم حكم بما يجوز له من الشهادة، ولم يكن منه تفريط، فوجب ألا يرد حكمه، ووجه قول مالك في الفرق بين المسألتين هو أن المشهود على شهادته إذا أنكر الشهادة وزعم أنه لم يشهدهما عليه لا يخلو من أن يكون صادقا أو كاذبا، فإن كان صادقا بطلت الشهادة بصدقه أنهما كذبا عليه في الشهادة، وإن كان كاذبا بطلت شهادته لكذبه، إذ لا تجوز شهادة الكاذب، فلما كانت تبطل في كل وجه ولم يمكن أن يضمن الشاهدان على الشهادة لثبوتهما على شهادتهما ولا المشهود على شهادتهما إذا لم يثبت عليه أنه أشهدهما على شهادته ثم رجع عنها وجب أن يرد القضاء لئلا يتلف على المقضي عليه ماله، والشاهدان إذا رجعا عن شهادتهما مقران على أنفسهما بالعداء على المحكوم عليه فوجب أن يضمنا، ولم يصح للحاكم أن يرد الحكم
برجوعهما؛ لأن الجرحة ثبتت عليهما بنفس الرجوع، فوجب ألا يصدقا فيه كما لا يصدقان فيما يشهدان به بعد ذلك، وأما إذا أنكر المشهود على شهادته الشهادة قبل أن يحكم بها وقطع على أنه لم يشهد عليها فلا اختلاف في أنه لا يحكم بها، ولو لم ينكرها ولا قطع على أنه لم يشهد عليها، وإنما قال: لا أذكرها وأنا شاك فيها لتخرج ذلك على اختلافهم في العمل بالحديث إذا رواه الراوي فتوقف فيه المروي عنه وشك فيه ولم يقطع على أنه لم يحدث به، وبالله التوفيق.
مسألة: يوصي له ببقية الثلث فتحوط الوصايا بالثلث وهوشاهد على الوصية
مسألة وسألته: عن رجل يوصي له ببقية الثلث فتحوط الوصايا بالثلث وهو شاهد على الوصية هل تجوز شهادته ولم يبق له من الثلث شيء؟ قال ابن القاسم: إن كان الميت رجلا يداين الناس ويشك في أمره أن يكون له ديون على الناس يقينا فلا أرى شهادته تجوز، وإن كان لا يداين الناس فشهادته جائزة.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله؛ لأنه متهم في شهادته، وإن أحاطت الوصايا بالثلث إذا كان مما يرجى أو يطرأ له مال يبقى له من ثلثه بقية، وبالله التوفيق.
مسألة: النصرانيين يختصمان إلى حكم المسلمين في مال فرضيا بشهادة نصرانيين
مسألة وسألته: عن النصرانيين يختصمان إلى حكم المسلمين في مال فرضيا بشهادة نصرانيين، قال ابن القاسم: لا يحكم بينهما
بشهادة النصري ويتراضيان فيما بينهما على ما أحبا.
قلت: وكذلك المسلمان يرضيان بشهادة المسخوطين؟ قال: لا يحكم بينهما بشهادة المسخوطين وليرضياهما بما أحبا، قلت: فإن تراضيا بشهادة مسخوطين ثم أبى أحدهما بعدما شهدا عليهما؟ قال ابن القاسم: إذا علما بشهادتهما ورضيا فإن ذلك يلزمهما، وليس لهما أن ينكصا، وهما بمنزلة ما لو رضيا بغير شهادتهما.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يحكم بينهما بشهادة النصري، ولا بشهادة المسخوطين معناه إذا رضيا أن يحكم بينهما بشهادتهم دون تعيين بأن يقولا: قد رضينا أن يحكم بيننا بشهادة شاهدين من النصارى أو ممن لا تجوز شهادته من المسخوطين المسلمين، وهذا ما لا اختلاف فيه؛ لأن رضاهما بذلك غرر، والحكم به لا يجوز؛ لأنه خلاف ما أمر الله به من استشهاد من يرضى من الشهداء، وأما لو رضيا بما يشهد به عليهما شاهدان مسخوطان سمياهما في أمر اختلفا فيه فلما شهدا عليهما أبى أحدهما، فقال ابن القاسم في هذه الرواية: إذا علما بشهادتهما ورضيا فإن ذلك يلزمهما يريد أن ذلك إنهما يلزمها إذا رضيا بما شهدا بعد الشهادة والعلم بما شهدا، وقد قيل: إنهما إذا رضيا قبل الشهادة بما يشهدان لزمهما ما يشهدان به ولم يكن لهما ولا لأحدهما أن ينكصا عن ذلك، وقد
مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
###: صاحب السوق أخذ سكران فسجنه وشهد عليه هو وآخر معه
ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده وقال في صاحب السوق أخذ سكران فسجنه وشهد عليه هو وآخر معه، قال: لا أرى أن تجوز شهادته؛ لأنه قد صار خصما حين سجنه، ولو رفعه إلى غيره قبل أن يسجنه وشهد مع الرجل جازت شهادته.
قال محمد بن رشد: إنما جازت شهادته عليه وإن أخذه فرفعه ما لم يسجنه؛ لأن ما فعل من أخذه ورفعه لازم له من أجل أنه موكل بالمصلحة ولو لم يكن صاحب سوق موكلا بالمصلحة فأخذه سكران فرفعه إلى غيره لم تجز شهادته عليه على ما قال في المسألة التي بعدها، وبالله التوفيق.
مسألة: أربعة نفر شهدوا على رجل بالزنى فتعلقوا به فأتوا به إلى السلطان وشهدوا عليه
مسألة وقال في أربعة نفر شهدوا على رجل بالزنى فتعلقوا به فأتوا به إلى السلطان وشهدوا عليه فقال: لا أرى أن تجوز شهادتهم، وأراهم قذفة، ورواها أصبغ في كتاب الحدود.
قال محمد بن رشد: إنما لم تجز شهادتهم عليه؛ لأن ما فعلوا من أخذه وتعلقهم به ورفعهم إياه إلى السلطان لا يلزمهم ولا يجب عليهم، بل هو مكروه لهم؛ لأن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله تعالى، فإنه من يبدلنا صفحته نقم عليه كتاب الله»، وقال لهزال: «يا هزال، لو سترته بردائك لكان خيرا لك»، فلما فعلوا ذلك كانوا طالبين له ومدعين
الزنى عليه وقذفة له، فوجب عليهم الحد له إلا أن يأتوا بأربعة شهداء سواهم على معاينة الفعل كالمرود في المكحلة، ولو كانوا أصحاب شرط موكلين بتغيير المنكر ورفعه أو أحدهم فأخذوه فجاءوا به وشهدوا عليه لقبلت شهادتهم؛ لأنهم فعلوا في أخذه ورفعه ما يلزمهم على قياس قوله في المسألة التي قبلها، وفي الواضحة لمطرف وابن الماجشون وأصبغ أنه إذا شهد أربعة بالزنى على رجل جازت شهادتهم وإن كانوا هم القائمين بذلك مجتمعين جاءوا أو مفترقين إذا كان افتراقهم قريبا بعضه من بعض، ووجه ذلك أنه لما كان ما فعلوا من قيامهم عليه مباحا لهم، وإن كان الستر أفضل لم يكونوا خصما إذ لم يقوموا لأنفسهم، وإنما قاموا لله، فوجب أن تجوز شهادتهم، وقد مضى هذا الاختلاف مجردا على التوجيه، في أول رسم من السماع، ولو كانت الشهادة فيما يستدام فيه التحريم من حقوق الله كالطلاق والعتق لجازت شهادتهما [في ذلك] وإن كانا هما القائمين بذلك؛ لأن القيام به متعين عليهما، وقد قال بعض المتأخرين: لا يجوز ذلك على مذهب ابن القاسم وقوله في هذه المسألة خلافا لمطرف وابن الماجشون، ووجهه بأن كل من قام في حق يريد إتمامه فمتهم أن يزيد في شهادته ليتم ما قام فيه، وهو عندي بعيد، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة النساء على الولادة والاستهلال
مسألة وسئل: عن المرأتين تشهدان على استهلال الصبي أتجوز شهادتهما؟ قال: نعم، قيل: فشهدتا أنه غلام [أتجوز] ؟ قال: لا
أراه إلا وسيكون مع شهادتهما اليمين كأنه يرى ذلك، قال أصبغ: قال لي ابن القاسم: والقياس أن لا تجوز شهادتهما؛ لأنه يصير نسبا قبل أن يصير مالا.
قلت: مات بأي شيء يرث ويورث؟ قال: بأدنى المنزلتين إلا أن يكون لا يبقى ويخاف عليه الحوالة إن احتبس إلى أن يوجد رجال يشهدون على رؤيته فتجوز شهادة النساء فيه حينئذ، قال ابن القاسم: وكذا المرأة تلد ثم تهلك هي وولدها في ساعة يحلف أبو الصبي أو ورثته مع شهادة النساء أن الأم ماتت قبله فيستحقون ميراثه من أمه؛ لأنه مال، قال سحنون: وإنما تجوز شهادة النساء على الولادة والاستهلال إذا كان البدن قائما ورأى الناس أن قد تم أمره وكمل جسده، وكذا شهادتهن في القتل.
قال محمد بن رشد: أجاز ابن القاسم في هذه الرواية شهادة امرأتين على استهلال الصبي وعلى أنه غلام مع اليمين، وهذا يدل من مذهبه على أن شهادتهما على الاستهلال جائزة وإن غاب البدن وفات، إذ لو كان حاضرا لاستغنى عن شهادة النساء فيه إنه غلام بنظر الرجال إليه، وكذلك القتل الخطأ لا يشترط في إجازة شهادة النساء فيه حضور البدن على مذهبه، قال في المدونة: لأنه مال، وشهادة النساء في المال جائزة خلاف قول ربيعة وسحنون في المدونة إن شهادة النساء لا تجوز على الاستهلال ولا على أهل الخطأ إلا مع حضور البدن، وعلى قولهما لا تجوز شهادتهن في أنه ذكر أو أنثى، وهي رواية مطرف عن مالك وأشهب عن مالك أيضا في كتاب ابن سحنون، وهو قول ابن هرمز، وهو القياس
على ما قاله ابن القاسم ههنا في رواية أصبغ عنه؛ لأنه في الاستهلال فيصير نسبا قبل أن يصير مالا على ما قاله وفي القتل الخطأ، وإن كان مالا، فإذا جوزت شهادة النساء فيه مع مغيب البدن آل ذلك إلى جواز شهادتهن فيما عدا المال من الموت الذي يقطع العصمة بينه وبين أزواجه فيكون لهن أن يتزوجن، وقد يكون له أمهات أولاد ومدبرون فيعتقون، وقد يوصى بعتق وبتزويج بناته فتؤول إجازة شهادتهن في مثل الخطأ إذا لم يعرف الموت بحضور البدن ميتا إلى أن تجوز في ذلك كله، وشهادتهن فيما عدا المال لا تجوز ففي ذلك من قول ابن القاسم نظر، وهو استحسان، والقياس قول سحنون وربيعة ألا تجوز شهادتهن إلا في صفة القتل إذا عرف الموت لا في القتل إذا لم يعرف الموت، وكذلك الشاهد الواحد يشهد على مثل الخطأ فلا تجوز إلا أن يعرف الموت بحضور البدن ميتا، وأما شهادة النساء في المرأة تلد ثم تهلك هي وولدها في ساعة على أيهما مات أولا فلا اختلاف في إجازتها؛ لأنها شهادة على مال لا تتعدى إلى ما سوى المال، وقول سحنون وكذلك شهادتهن في القتل يريد في القتل الخطأ على ما مضى القول فيه، وبالله التوفيق.
مسألة: الشهادة على الشهادة في الزنى
مسألة قال ابن القاسم: في الشهادة على الشهادة في الزنى لا تجوز حتى يشهد أربعة على أربعة في موضع واحد ويوم واحد وساعة واحدة في موقف واحد على صفة واحدة.
قال محمد بن رشد: ليس من شرط صحة الشهادة على الزنى تسمية الموضع ولا ذكر اليوم والساعة، وإنما من شرط صحتها عند ابن
القاسم ألا تختلف الشهود في ذلك، فإذا شهد أربعة على رجل بالزنى فقالوا: رأيناه معا يزني بفلانة غائبا فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة تمت الشهادة، وإن قالوا: لا نذكر اليوم ولا نحد الموضع، وإن قالوا في موضع كذا وساعة كذا من يوم كذا كان أتم في الشهادة، وإن اختلفوا في الموضع أو في الأيام فقال بعضهم: كان [ذلك] في موضع كذا، وقال بعضهم: بل كان في موضع كذا، أو قال بعضهم: كان في يوم كذا، وقال بعضهم: بل في يوم كذا بطلت شهادتهم عند ابن القاسم وجازت عند ابن الماجشون، قال: لأنهم اختلفوا فيما لو لم يذكروه لتمت الشهادة ولم يلزم الحاكم أن يسألهم عنه، فيحتمل أن يريد أنه لا يلزمه أن يسألهم عن ذلك إذا اتفقوا على أن رؤيتهم إياه إنما كانت معا في زنى واحد، ويحتمل أن يريد أنه لا يلزمه أن يسألهم عن ذلك بحال إذا شهدوا عنده فقال كل واحد منهم: إنه رآه يزني كالمرود في المكحلة، ويكون من مذهبه أن الأفعال تلفق في الشهادة كما تلفق الأقوال خلاف ما ذهب إليه ابن القاسم من أنها لا تلفق كما تلفق الأقوال، والأول أبين، ولا تجوز شهادة أربعة على أربعة في الزنى إلا إن شهد الأربعة معا على شهادتهم كل واحد من الأربعة أنهم رأوه معا يزني بفلانة فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، وإن تفرق إشهادهم لهم مثل أن يشهدوا اليوم أحدهم، وغدا الثاني، وبعد غد الثالث، والذي يليه الرابع، وأما إن تفرقوا في الإشهاد مثل أن يشهد أحدهم اليوم على شهادته جميع الأربعة ثم يشهدهم الثاني غدا، ثم الثالث بعد غد ثم الرابع في الذي يليه فلا يجوز ذلك إلا على القول بجواز تفرق الشهود في تأدية الشهادة على الزنى، وقد مضى ذكر الخلاف في ذلك في أول رسم من هذا السماع؛ لأن الإشهاد على الشهادة كتأدية الشهادة فيما يلزم فيها، وإن لم يسمع الأربعة من جميع الأربعة وإنما سمعوا من بعضهم
جاز أن يسمع من الباقين شاهدان كان الباقون واحدا أو اثنين أو ثلاثة، فلا بد في الشهادة على الشهادة من أربعة على جميع الأربعة أو اثنين اثنين على كل واحد منهم إن تفرقوا فلا يجزئ أقل من أربعة، ولا يحتاج [إلى] أكثر من ثمانية، ويجوز في تعديلهم أيضا اثنان على كل واحد منهم أو أربعة على جميعهم، هذا مذهب ابن القاسم، وبه قال ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، وقال مطرف عن مالك: لا يجوز في الشهادة على الشهادة في الزنى إلا ستة عشر شاهدا أربعة على كل واحد من الأربعة تفرقوا أو اجتمعوا، ولا يجزئ في تعديلهم إلا أربعة على كل واحد منهم فيكونون ثمانين فيما بين الشهود والمعدلين، ويريد ابن القاسم بقوله في موضع واحد ويوم واحد وساعة واحدة أن يكون الزنى الذي شهد عليه الأربعة زنى واحدا، ويريد بقوله في موقف واحد أن يشهدوا كلهم معا على شهادتهم لكل واحد من الشهود الأربعة وأن يؤدي الشهود الأربعة الشهادة على الشهادة عند الحكم معا غير مفترقين، وقد قيل: إنهم إن تفرقوا في ذلك جاز، وقد تقدم ذكره، فإن شهد أربعة على أقل من أربعة أو أقل من أربعة على أربعة كانوا قذفة يحدون إلا أن يأتوا بما يوجب الحد على المشهود عليه، وذلك أربعة سواهم يشهدون على شهادة أربعة أو على معاينة الزنى على القول: بأنه لا يجوز تفرق الشهود في تأدية الشهادة في الزنى، وأما على القول بأنه جائز فيجزئهم إن كانوا ثلاثة أن يأتوا بشاهد يشهد معهم على شهادة الأربعة أو على شهادة نفسه، وقد زدنا هذا المعنى بيانا وتحصيلا في كتاب الرجم من كتاب المقدمات، وبالله التوفيق.
###: أمي قرئ عليه كتاب فقال أشهد على ما فيه
ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار سئل عن رجل أمي قرئ عليه كتاب فقال: أشهد على ما فيه، أتجوز شهادته وهو لا يصف ما فيه حتى يقرأ عليه؟ قال: نعم، تجوز شهادته، وليس كل الناس يسوقون كل ما أشهدوا عليه وإن كان ممن يكتب حتى يقرأ الكتاب، فإذا قرأه عرف شهادته وحفظها، ولو قيل له بعدما يقرأها أيستظهرها ما استظهرها، فإن كان عدلا وأثبت ما قرئ عليه جازت شهادته.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه ليس على الشاهد أن يستظهر الكتاب الذي وضع فيه شهادته، وحسبه أن يعرف ما تضمنه إذا قرئ أو قرأه فيقول: أشهد بما فيه، وهذا في الاستراعاءات التي تكتب على معرفة الشاهد فيضع فيه شهادته ثم يشهد بما تضمنت، وهذا إذا كان الشاهد من أهل اليقظة والفهم بمعاني ما تضمنه الكتاب إذا قرأه أو قرئ عليه، وأما إذا كان على غير هذه الصفة فلا ينبغي للحاكم أن يجيز شهادته إلا أن يؤديها لفظا فيقيدها عند الحاكم أو كاتبه على ما يشهد بها، وأما ما يشهد به المتعاملان على أنفسهما فليس على الشاهد أن يقرأ الكتاب ولا أن يقرأ عليه إن كان أميا، وحسبه إذا ذكر الشهادة أن يقول: أشهدني فلان وفلان على ما في هذا الكتاب عنهما وإن لم يقرأه ولا عرف ما فيه إلا أن يكون الشاهد من أهل العلم فيستحسن له إذا شهد على شيء مكتوب في كتاب أن يقرأه لئلا يكون فيه فساد، فإن رأى فيه فسادًا نبّه عليه فاستدرك فسخه قبل فواته، وبالله التوفيق.
مسألة: الذي يبيع الخمر لا تجوز شهادته
مسألة سئل: عن رجل شهد بشهادة على رجل فقال المشهود عليه: إن هذا الشاهد علي له حوانيت يؤاجرها من الخمارين، وأتى عليه بشهيدين، وذكر الشاهد أنه [قد] حبس تلك الحوانيت على امرأته وأتى عليه بشهود، قال: إن شهدوا عليه أنه يتولى كراءها ردت شهادته ولم تقبل ولا نعمى عين؛ لأن الذي يلي الحرام لغيره كالذي يليه لنفسه، بل الذي يليه لنفسه لو كان يعذر لكان أعذر فلا تقبل شهادته ولا ينعم عينا.
قال محمد بن رشد: في هذه المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: هذا أنها جرحة تبطل شهادته.
والثاني: قول محمد بن إبراهيم بن دينار الذي في المدونة والمبسوطة أنها ليست بجرحة تبطل شهادته، قال: أما الذي يبيع الخمر فلا تجوز شهادته ولا ينعم عينا، وعليه العقوبة الموجعة، وأما الذي يكري بيته فلا أرى أن ترد شهادته.
والثالث: قول ابن القاسم في المدنية والمبسوطة أيضا أن شهادته لا تجوز إلا أن يعذر بجهل، قال: أما الذي يكري بيته من خمار أو يبيعه ممن يبيع فيه خمرا فإنها لا تقبل شهادته
إلا أن يعذر بجهل، وإنما لم يجز ابن القاسم شهادة من يكري حانوته ممن يبيع فيها خمرا؛ لأن فعل ذلك عون على ما لا يحل من بيع الخمر التي لعن الله عز وجل على لسان نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من استباحه فقال: «لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وساقيها وآكل ثمنها» فالعون على ما لا يحل لا يحل، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
لا أنه رأى الكراء عليه حراما كثمن الخمر، وذلك بين من قوله: لأن الذي يلي الحرام لغيره مثل الذي يليه لنفسه إلى قوله: لكان أعذر؛ لأن الكراء لو كان عليه حراما كثمن الخمر لكان الذي يتولاه لنفسه أشد من الذي يتولاه لغيره لا محالة، ولما لم يكن الكراء عليه حراما كثمن الخمر لم يسقط ابن دينار شهادته، وجعله من الذنوب التي لا تسقط الشهادة، وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن مثل هذا ليس من شيم أهل العدالة لا سيما وقد قيل: إن الكراء عليه حرام لا يحل له كثمن الخمر، والأظهر أنه ليس هو عليه حرام كثمن الخمر، وإنما يؤمر بالصدقة به على سبيل التورع ويفعل ذلك الإمام به على سبيل الأدب له، ووجه قول ابن القاسم في المدنية والمبسوطة أنه لما كان هذا الفعل قد يمكن أن يظن الجاهل أنه سائغ له وأن الإثم فيه إنما هو على بائع الخمر في الحانوت لا عليه؛ لأنه أكرى منه ما يجوز له كراؤه من غير عذره بالجهل، وهو أعدل الأقوال وأولاها بالصواب، وأما الذي يبيع الخمر فلا اختلاف في أن شهادته لا تجوز، وكذلك في كتاب الرجم من المدونة أن الذي يعصر الخمر ويبيعها لا تجوز شهادته وإن كان لا يشربها، قال مالك في المجموعة وكتاب ابن المواز ولو باعها عصيرا لم ترد شهادته، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة الشريك على شريكه
مسألة وسئل: عن الرجلين يكونان شريكين جميعا متفاوضين يبيع أحدهما من رجل سلعة ويوجهها له وشريكه حاضر شاهد على بيعه ثم يخالف إلى السلعة ذلك الشريك الذي باعها فيبيعها من رجل آخر وينفذها له فيبيع المشتري الأول السلعة وليس له شاهد على الشراء إلا الشريك في السلعة الذي حضر حين باعها، هل ترى شهادته جائزة؟ أم هل ترى له أن يأخذ من فضل ما باعها به شريكه على الثمن الأول الذي كان باعها به أولا إذا جحد شريكه البيع وهو شاهد عليه؟ وكيف إن كان للمشتري الأول بينة على الشراء وقد باع المشتري السلعة بفضل هل يكون له ذلك الفضل؟ فقال: شهادة الشريك غير جائزة على شريكه، وأرى إن كان قد باعها شريكه بأكثر من الثمن الأول أن لا يأخذ من ذلك الفضل شيئا وإن كان للمشتري بينة على الشراء منه وقد فاتت [السلعة] من يد الذي اشتراها بفضل باعها به فأرى ذلك الفضل للمشتري الأول؛ لأنه ثمن سلعته، والمشتري مخير إذا كانت له بينة، وقد فاتت في قيمتها وفي الثمن الذي باعها به يكون مخيرا في ذلك على بائعها.
قال القاضي: قوله: إن شهادة الشريك غير جائزة على شريكه يريد في نقض البيع الثاني ورد السلعة إلى المشتري الأول صحيح؛ لأن ما باع شريكه فكأنه هو قد باعه؛ لأن شريكه وكيل له على البيع، ويد الوكيل كيد الموكل فصار في شهادته كمن باع سلعة من رجل ثم شهد لغيره أنه باعها
منه قبل ذلك، وأما شهادته على الفضل للمشتري الأول فذلك جائز؛ لأنه شهد على نفسه وعلى شريكه بفضل في أيديهما أنه للمشتري الأول، فعليه أن يدفع إليه حصته من الربح ويحلف مع شهادته على الشريك فيأخذ منه نصف الربح الآخر؛ لأن السلعة سلعته فله أن يجيز البيع ويأخذ الثمن، وهذا بين، وأما إن كان للمشتري بينة على الشراء منه وقد فاتت السلعة من يد الذي اشتراها بفضل باعها به، فقوله: إن الفضل للمشتري الأول؛ لأنه ثمن سلعته بين صحيح، وقوله: إن المشتري مخير إذا كانت له بينة وقد فاتت في قيمتها وفي الثمن الذي باعها به يريد في قيمتها يوم تعدى عليها البائع وفي الثمن الذي باعها به وإن كان المبتاع الثاني قد باعها ففاتت في يد المبتاع الثالث كان مخيرا في أخذ أي ثمن شاء، وفي أن يضمن البائع الأول قيمتها، فإن ضمن البائع الأول قيمتها وأخذ منه الثمن جازت البيعتان جميعا، وإن أخذ الثمن الثاني انتقضت البيعة الأولى؛ وإن ألفاها قائمة بيد المشتري الثالث كان مخيرا بين أن يأخذ سلعته فتنتقض البيعتان جميعا أو يأخذ الثمن [الأول فتجوز البيعتان جميعا، أو يأخذ الثاني] فتنتقض البيعة الأولى، وبالله التوفيق.
مسألة: توفي فقامت تدعي ما في البيت من متاع النساء والرجال
مسألة وسئل: عن الذي يشهد لامرأته إن كان شيء تغلق عليه باب بيتها فهو لها، فقال: سواء أشهد لها أو لم يشهد لها، ما في البيت مما يعرف أنه متاع النساء فهو لها إلا أن يكون اشترى لها من متاع الرجال شيئا فأشهد لها أنه إنما يشتريه لها.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن المشهد لامرأته بهذه الشهادة توفي فقامت تدعي ما في البيت من متاع النساء والرجال فلم ير لها فيما أشهد لها به منفعة إذ لم يشهد لها على شيء بعينه أنه لها،
وإنما أشهد لها بما في بيتها، ولعل ما تدعيه من متاع الرجال لم يكن في بيتها يوم الإشهاد فقال: سواء أشهد لها أو لم يشهد لها، ما في البيت مما يعرف أنه من متاع النساء فهو لها، يريد وما كان فيه من متاع الرجال فهو لورثته إلا أن يكون اشترى لها من متاع الرجال شيئا فأشهد لها أنه إنما يشتريه لها، وفي قوله: إلا أن يكون اشترى لها إلى آخر قوله، دليل على أنه لو أشهد لها على شيء بعينه من متاع الرجال أنه لها لم يكن لها، وفي ذلك نظر؛ لأنه إن لم يعلم أصل الملك له صح الإقرار لها، وإن علم أصل الملك له كان إقراره هبة تصح لها بحيازتها إياها؛ لكونها في بيتها وتحت يدها إلا على ما في سماع أشهب من كتاب الصدقات والهبات في نحو هذه الحيازة والقياس على مذهب ابن القاسم؛ لأن يد الزوج عنده هي المغلبة على يد الزوجة إذا اختلفا فيما هو من متاع الرجال والنساء، ولو قامت في حياته تدعي ما في بيتها من متاع الرجال وتحتج بما أشهد لها به من أن جميع ما في بيتها لها، فناكرها في ذلك وادعاه لنفسه وزعم أنه لم يكن في بيتها يوم أشهد لها بما أشهد وأنه إنما اكتسبه بعد ذلك لوجب أن ينفعها الإشهاد ويكون القول قولها مع يمينها إلا أن يقيم هو البينة أنه اكتسب ذلك بعد الإشهاد، ويحتمل أن يكون معنى المسألة أنه أشهد لها بذلك في مرضه الذي مات منه فلا يكون في بطلان الشهادة إشكال، ولا في أنها لا يكون لها من متاع الرجال إلا ما أشهد عند اشترائه أنه إنما يشتريه لها كلام، وبالله التوفيق.
###: قال امرأته طالق واحدة إن دخل دار عمرو بن العاص
ومن كتاب حمل صبيا على دابة قال ابن القاسم في رجلين شهدا على رجل أنه أشهدهما في رمضان أنه طلق امرأته واحدة، وشهد رجلان آخران أنه أشهدهما في شوال أنه طلق امرأته واحدة، وشهد رجلان آخران
أنه أشهدهما في ذي القعدة أنه طلق امرأته واحدة أنها ثلاث تطليقات، ولا يدين إذا اختلفت الأيام والمجالس، وكذلك إذا شهدوا أنه أشهدنا على طلقة طلقة لزمت ثلاث ولا يدين، قال: وكذلك أيضا لو قال امرأته طالق واحدة إن دخل دار عمرو بن العاص، ثم قال من الغد عند قوم آخرين امرأته طالق واحدة إن دخل دار عمرو بن العاص، ثم قال من الغد عند قوم آخرين امرأته طالق واحدة إن دخل دار عمرو بن العاص أنه تلزمه ثلاث تطليقات، وهو بمنزلة لو أن رجلا أشهد على نفسه قوما أن عليه لفلان مائة دينار، ثم أشهد آخرين من الغد أن لفلان عليه مائة دينار، ثم أشهد آخرين من الغد أن عليه لفلان مائة دينار أنه يلزمه ثلثمائة دينار إن طلبها ولي الحق، وفي سماع أصبغ في النكاح الأول قال أصبغ: يعني إذا شهدوا عليه بمائة ثم مائة مفترقين وادعى أنها مائة واحدة، قال أصبغ: وأنا أرى غير ذلك كله، أما الطلاق فأرى أن يحلف ويدين ولا يكون عليه إلا طلقة واحدة إلا أن يجدد الطلاق عند كل شهيدين فيقول: اشهدوا أنها طالق ويقع الإشهاد عليه كذلك فتكون الشهادات طلاقا طلاقا فيكون بتاتا، وأما أن يقول: اشهدوا أني قد طلقتها فيدين ويترك، وأما الحق فإني أرى إن كان له كتاب في كل شهادة فهي أقوال مختلفة، وإن كان كتابا وأحدا فهو حق واحد، وإن كان بغير كتاب أصلا إنما كان يشهد مجملا ههنا وههنا فمائة واحدة ويحلف، وكذلك إذا تقارب ما بين ذلك مثل أن يشهد ههنا، ثم يقوم إلى موضع آخر، فيشهد، ثم يتحول إلى موضع آخر فيشهد آخرين.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية: إنه يلزمه ثلاث تطليقات ولا يدين إذا شهد عليه شاهدان بطلقة وشاهدان بطلقة وشاهدان بطلقة في أوقات مختلفة [يأتي على قياس قول ربيعة في المدونة أنه إذا شهد عليه شاهد بطلقة وشاهد بطلقة وشاهد بطلقة في أوقات مختلفة] إن الشهادة لا تلفق في ذلك ويحلف ما طلق ولا يلزمه شيء، وأما على القول بأن الشهادة تلفق فيلزمه طلقة واحدة لاجتماع الشاهدين عليها ويحلف فيما زاد، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، وقوله في رسم القطعان بعد هذا فينوى في هذه المسألة، وهو قول مالك في رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق، وقد مضى القول على ذلك هنالك مستوفى، وكذلك قوله في هذه الرواية إن الرجل إذا أشهد على نفسه شهودا بمائة دينار لفلان ثم أشهد آخرين من الغد بمائة، ثم أشهد من الغد آخرين له بمائة تلزمه ثلثمائة إن طلبها ولي الحق يأتي على القول بأن الشهادة لا تلفق إذا شهد للرجل شاهد أن فلانا أقر له بمائة في يوم كذا، وشهد شاهد آخر أنه أقر له من الغد بمائة وشهد ثالث أنه أقر له من الغد بمائة فيحلف مع كل شاهد ويستحق ثلثمائة، وأما على القول بأن الشهادة تلفق في هذه المسألة فيأخذ مائة واحدة باجتماع الشهود عليها بتلفيق الشهادة ويحلف المطلوب ما له عليه شيء، أو ما له عليه إلا مائة واحدة أشهد له بها شاهدا بعد شاهد بعد شاهد ولا يلزمه شيء غيرها فيأخذ في مسألة الكتاب مائة واحدة ويحلف المطلوب أنه ما له عليه إلا مائة واحدة أشهد له عليها شهودا بعد شهود، فإن نكل عن اليمين حلف الطالب أنها ثلاثة حقوق وأنها ثلثمائة، وإن أنكر أن يكون له عليه شيء أصلا أدى الثلثمائة ولم يكن على الطالب يمين، وقوله في الكتاب: إنه يلزمه ثلثمائة إن طلبها ولي الحق يريد بعد يمينه أنها ثلاثة حقوق، فإن نكل عن اليمين حلف المطلوب أنها حق واحد وأدى مائة واحدة.
وتفرقة أصبغ بين أن يقول أشهدكم أنها طالق أو
أشهدكم أني قد طلقتها واحدة ينبغي أن يحمل على التفسير لقول ابن القاسم، وإن كانت مخالفة لظاهره، وأما تفرقته في الحق بين أن يكون كتاب واحد في جميع الشهادات أو كتاب في كل شهادة فهي تفرقة صحيحة لا اختلاف في أن الرجل إذا أتى [إلى القوم] بكتاب عليه فيه مائة دينار فأشهدهم على نفسه به، ثم أشهد على الكتاب بعينه بعد مدة قوما آخرين، ثم بعد مدة قوما آخرين أنه حق واحد، وكذلك لا اختلاف في أن الرجل إذا أتى بكتاب عليه فيه مائة دينار إلى قوم فأشهدهم على نفسه به، ثم أتى بكتاب آخر إلى قوم آخرين عليه أيضا فيه مائة دينار فأشهدهم على نفسه به، ثم أتى بكتاب آخر إلى قوم آخرين [عليه] فيه أيضا مائة دينار فأشهدهم على نفسه فقام الطالب بالكتب الثلاثة أنه يقضي له بثلثمائة دينار، وإنما مسألة الخلاف إذا أشهد شهودا بعد شهود بغير كتاب وبينهما مدة من الزمان، وإن كتب صاحب الحق بما أشهد عليه كل جماعة كتبا على حدة لم يخرج بذلك عن الخلاف، وبالله التوفيق.
###: خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها
ومن كتاب أوله شهد على شهادة ميت وسئل عن شاهد شهد على مال من الأموال غير الفروج والحرية من حيوان أو عقار يعلمه لرجل ويرى الذي هو بيده يبيعه ويهبه ويحوله عن حاله فلا يقوم بعلمه ثم يشهد عند القاضي أن هذه الدار والعرية يعلمها لفلان، فيقول له القاضي: ما منعك أن تقوم حين رأيت هذا المتاع يباع ويحول عن حاله بهبة أو صدقة؟ فيقول له الشاهد: لم يسألني أحد عن علمي، ولم أر فيها فرجا يوطأ ولا حرا يستخدم، ولم أكن علي أن أقاتل الناس ولا
أخاصمهم، هل تدفع شهادته بذلك؟ أم هل الفروج والأموال في ذلك سواء؟ قال ابن القاسم: لا أرى شهادته مقبولة إذا كان حاضرا يرى الدار تباع والعقار لا يقوم بعلمه، وكذلك هو أيضا في الفروج والحيوان وغير ذلك إذا كانت هذه الأشياء تحول عن حالها بعلمه، وقال ابن وهب: بلغني عن ربيعة أنه قال في رجل شهد في عتق أو طلاق فأخفى شهادته حتى يبيع العبد واستحل في ذلك الحرام ثم جاء بعد ذلك يشهد وهو عدل لا بأس به قال: لا شهادة له إذا كان عالما أنه لا شهادة عنده لما أقر وأخبر ثم شهد [بعد ذلك] أن عنده شهادة فهو الذي لا شهادة له، ولعله ألا يسلم لما اجتمع من قوله وعلمه.
قال القاضي: قوله: لا أرى شهادته مقبولة إذا كان حاضرا يرى الدار تباع والعقار لا يقوم بعلمه معناه إذا كان المشهود [له] حاضرا لم يعلم بشهادة الشاهد؛ لأنه إن كان حاضرا عالما بشهادة الشاهد فهو الذي أضاع ماله إذ لم يقم بحقه فيدعو الشاهد إلى تأدية الشهادة إذ لا اختلاف في أنه لا يلزم الشاهد أن يقوم بشهادته لحاضر في المال حتى يدعوه إلى ذلك، قال الله عز وجل: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] وإنما الذي يلزمه ويحق عليه إذا رأى المال يفوت ويحول عن حاله أن يعلمه بأن له عنده شهادة، فإن لم يفعل كان ذلك جرحة فيه وبطلت شهادته على هذه الرواية، وكذلك قال مطرف وابن الماجشون، إنما تسقط شهادة الشهود إذا لم يكن عند طالب الحق علم بذلك، وأما إذا علم طالب الحق بعلمهم ولم يقم بهم فلا يضرهم، فقولهما تفسير لهذه الرواية في أن شهادة الشهود لا تبطل بتركهم القيام بالشهادة؛ إذ لا يصح لهم القيام بها مع حضور المشهود له
حتى يدعوهم إلى القيام بها، وإنما تبطل بتركهم إعلامه بشهادتهم له، وكذلك الشاهد الواحد أيضا تبطل شهادته إذا أمسك عن أن يعلمه بشهادته على القول بالقضاء باليمين مع الشاهد في الأموال، وهو مذهب مالك لم يختلف فيه قوله، وأما على قول من لا يرى القضاء باليمين مع الشاهد فلا تبطل شهادته إذا أمسك عن إعلامه إلا أن يعلم أن معه شاهدا آخر، وما لم ير الشهود العقار والمال يفوت ويحال عن حاله فلا تبطل شهادتهم بالإمساك عن إعلام؛ لأن الإخبار بشهادتهم في هذا الموضع ليس بواجب وإنما هو مستحب؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها أو يخبر بشهادته قبل أن يسألها»، قال غير ابن القاسم في المجموعة وكذلك إذا كان المشهود له غائبا تبطل شهادة الشهود إذا رأوا المال والعقار يباع ويحول عن حاله فلم يقوموا بشهادتهم.
قال محمد بن رشد: وهذا على القول بأن السلطان يوكل من يقوم للغائب بحقه، وهو أحد قولي ابن الماجشون، وروي ذلك عن أصبغ، وأما على القول بأن السلطان لا يمكن أحدا من القيام على غائب في حق يطلبه له ولا يسمع له بينة إلا بوكالة يثبتها عنده، وهو قول ابن الماجشون في الواضحة وقول مطرف حسبما مضى القول فيه في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب من كتاب الأقضية، فإنما على الشهود أن يخبروا الجيران بتعدي من تعدى على مال الرجل ويشهروا ذلك ويذيعوه، فإن فعلوا ذلك لم تبطل شهادتهم، وقد وقع لأشهب في المبسوطة ما ظاهره أن شهادة الشهود لا تبطل بالإمساك عن القيام بالشهادة كان الحق لله تعالى في طلاق أو حرية أو لمخلوق في مال من الأموال خلاف قول ابن القاسم في هذه الرواية في الوجهين، وهو بعيد؛ لأن ما يستدام فيه التحريم يلزم الشاهد القيام فيه بشهادته، ويأتي على ظاهر قول أشهب أنه لا يلزمه أن يقوم في ذلك بشهادته حتى يدعى إليها، وفي المسألة قول ثالث وهو الفرق بين حقوق الله تعالى وحقوق المخلوقين، وهو قول سحنون، قال: لست أرى
ما قال ابن القاسم من ذلك يريد هذه الشهادة، ولا أرى ذلك إلا فيما هو لله وما يلزم الشاهد أن يقوم به وإن كذبه المدعي لذلك ويلزم الحاكم الحكم به، وذلك في الحرية والطلاق وأشباه ذلك، وأما العروض والرباع والحيوان التي يدعيها بعض الناس على بعض فلا تبطل شهادته في ذلك من قبل أن صاحبها إن كان حاضرا يرى ماله يباع ويوهب فهو الذي أضاع حقه وتركه، وإن كان رب المال غائبا لم يكن للشاهد شهادة إن قام بها، فمن أجل ذلك لم يضره ترك القيام بشهادته، وقول سحنون هذا هو أظهر الأقوال؛ لأن الحرية والطلاق وما أشبههما من حقوق الله يلزم الشاهد القيام بشهادته في ذلك، وإن لم يدع إلى القيام بها؛ لأنه يعلم بما عنده من الشهادة أن الحرام يستدام بإمساكه عن الشهادة ويقطع على ذلك فهو بتركه القيام مبيح للحرام، فالجرحة بذلك بينة، وما سوى ذلك من حقوق المخلوقين التي لا يتعلق لله بها حق كالعقار يعلمه للرجل فيراه بيد غيره يتصرف فيه بما يتصرف ذو الملك في ملكه لا يقطع بما عنده من الشهادة أنه ظالم ومتعد لاحتمال أن يكون الذي يعلمه له قد باعه منه أو وهبه له فلا يكون لهذا الاحتمال مجرحا بترك إعلام المشهود له بما له عنده من الشهادة إن كان حاضرا ولا بترك رفع شهادته إلى السلطان إن كان غائبا، وبيان هذا الذي ذكرناه أن الشهادة تنقسم على خمسة أقسام: شهادة لا يصح القيام بها إلا بعد الدعاء إليها وهي الشهادة للحاضر بالمال، فهذه الشهادة تبطل شهادة الشاهد فيها على هذه الرواية بتركه إعلامه المشهود له لا بترك رفعه شهادته إلى السلطان، وشهادة يلزم الشاهد القيام بها وإن لم يدع إليها وهي الشهادة بما يستدام فيه التحريم من الطلاق والعتق وشبه ذلك، فهذه تبطل شهادة الشاهد فيها بتركه رفع شهادته إلى السلطان إلا على ظاهر قول أشهب، وشهادة يختلف في وجوب القيام بها وفي رفع شهادته إلى السلطان إلا على ظاهر قول أشهب، وشهادة يختلف في وجوب القيام بها وفي صحته إذا لم يدع إليها، وهي الشهادة بالمال لغائب، فهذه الشهادة في بطلان شهادة الشاهد فيها بتركه الرفع إلى السلطان على القول بوجوب الرفع وصحته قولان، وشهادة لا يلزم القيام بها إذا لم يدع إليها وهي
الشهادة على ما مضى من الحقوق التي لا يتعلق بها حق لمخلوق كالزنى وشرب الخمر وما أشبه ذلك، فهذا لا يلزم فيه القيام ويستحب فيه الستر إلا في المستهتر فلا تبطل شهادة الشاهد في ذلك بترك رفع شهادته إلى السلطان وإن كان المشهود عليه مستهترا باتفاق، وشهادة لا يجوز للشاهد القيام بها وإن دعي إليها وهي الشهادة التي يعلم الشاهد من باطنها خلاف ما يوجبه ظاهرها، وذلك مثل أن يأتي الرجل إلى العالم فيقول: حلفت بالطلاق ألا أكلم فلانا فكلمته بعد ذلك بشهر إلا أني كنت نويت في يميني ألا أكلمه شهرا، فهذا إن دعته امرأته إلى أن يشهد لها فيما أقر به عنده من أنه حلف بالطلاق ألا يكلم فلانا وأنه كلمه بعد شهر لم يجز له أن يشهد عليه بذلك، وقد مضى هذا في أول رسم من سماع عيسى، والله تعالى الموفق.
مسألة: الولادة لا يشهد فيها إلا النساء
مسألة قال ابن القاسم: ومن قال أول ولد تلدينه فهو حر فولدت توأما فأرى شهادة النساء فيه جائزة؛ لأن الولادة لا يشهد فيها إلا النساء، وكذلك الاستهلال وكل ما لا يحضر ذلك من أمور النساء إلا النساء فإن شهادتهن جائزة وإن لم يثبت النساء شهادتهن لعتقا؛ لأنه يعتق من كل واحد منهما نصفه، فإذا كان يعتق من كل واحد منهما نصفه بالقضاء عتق عليه النصف الثاني بالسنة، كذا يقول أهل العلم.
قال القاضي: قوله: إن شهادة النساء تجوز فيمن ولد منهما أولا صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن الولادة لا يحضرها إلا النساء، فجازت شهادتهن
في ذلك كما تجوز في الاستهلال، وقوله: إنهما يعتقان جميعا إذا لم يثبت النساء أيهما ولد أولا صحيح أيضا، وأما تعليله لذلك بأنه لما كان يعتق من كل واحد منهما نصفه بالقضاء عتق عليه النصف الباقي بالسنة فهو تعليل غير صحيح، وإن كان ابن الماجشون قد جامعه عليه، فقال: يعتق نصف كل واحد منهما بالقول الأول ويعتق النصفان الباقيان بالاستتمام كمن أعتق نصف عبده فإنه يعتق عليه كله، وذلك أنه لم يعتق نصف كل واحد منهما، وإنما أعتق الذي ولد منهما أولا، فلما لم يعلم من ولد منهما أولا وجب أن يعتقا جميعا؛ إذ لا يحل استرقاقهما مع العلم بأن أحدهما حر، ولا استرقاق أحدهما لاحتمال أن يكون هو الذي وجبت له الحرية بولادته أولا، كمن أعتق أحد عبديه أو طلق إحدى امرأتيه ثم شك فلم يدر أي عبديه أعتق ولا أي امرأتيه طلق أن العبدين يعتقان وأن المرأتين تطلقان، وكمن قال: أول عبيدي يدخل هذه الدار فهو حر فدخلها عبيده واحدا بعد واحد وجهل الأول منهم أنهم يعتقون كلهم، ولو كان يعتق أنصافهما بالقول الأول وباقيهما بالاستتمام لوجب إن لم يحكم بذلك حتى مات ألا يستتم عتقهما بعد الموت، وهذا لا يصح في هذه المسألة، فبان بهذا ضعف هذا التعليل، ومن أهل العلم من يقول: إنهما يعتقان جميعا ويكون عليهما نصف قيمتهما، ولم ير ذلك مالك ولا قال به هو ولا أحد من أصحابه، وبالله التوفيق.
مسألة: الشهيدين يشهدان عند القاضي فيزكي أحدهما صاحبه
مسألة وعن الشهيدين يشهدان عند القاضي فيزكي أحدهما صاحبه هل يجوز ذلك؟ قال: لا تجوز تزكيته له؛ لأن التزكية شهادة، وقال مالك: لأنه إذا شهد وزكى فإنما هو الذي أثبت الحق وحده.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله؛ لأنه إذا زكى أحد الشاهدين صاحبه فلم يتم الحكم إلا بشهادة المزكي وحده، ولو زكيا جميعا شاهدا وشهد على شهادة آخر في ذلك الحق جاز ذلك على ما في نوازل سحنون، وبالله التوفيق.
###: القاضي إذا عزل وقد شهد الشهود عنده وأثبت ذلك في ديوانه ولم يقم على ذلك بينة
ومن كتاب أوله جاع فباع امرأته وسئل: عن القاضي يأمر ببيع التركة فتباع أو يقضي بالقضية ثم يعزل هل تجوز شهادته فيما قضى أو أمر به من بيع التركة؟ قال: قال مالك: لا تجوز شهادته وحده ولا مع غيره، قيل له: فإن قام شاهد واحد على أمر القاضي وقضائه هل يحلف مع شاهده؟ قال: لا يحلف مع شاهده على شهادته ولا يجوز في ذلك إلا شهيدان؛ لأنه من وجه الشهادة على الشهادة، والشهادة على قضاء القاضي شهادة على شهادة، فلا يجوز في ذلك إلا شهيدان.
قال الإمام القاضي: قوله: إن القاضي لا تجوز شهادته إذا عزل فيما قضى فيه أو أمر به من بيع التركة هو مثل ما في كتاب الأقضية من المدونة، وليس في ذلك ما يدل على أنه تجوز شهادته في ذلك قبل أن يعزل، بل لا تجوز في ذلك شهادته عزل أو لم يعزل، وإنما يجوز له قبل أن يعزل أن يسجل فيما قضى به ويشهد على ذلك ويخاطب بذلك ابتداء على وجه الإعلام والإخبار لا على وجه الشهادة، وقد مضى بيان هذا في رسم القضاء المحض من سماع أصبغ من كتاب الأقضية، وأما قوله: إن المقضي له لا يحلف مع الشاهد على أمر القاضي وقضائه فهو على خلاف أصله في المدونة؛ لأنه قال في الأقضية منها: إن القاضي إذا عزل وقد شهد الشهود عنده، وأثبت ذلك في ديوانه ولم يقم على ذلك بينة إن المشهود عليه يحلف بالله ما هذه الشهادة في ديوان القاضي مما شهدت به الشهود علي، فإن نكل عن اليمين حلف المشهود له وثبت له الشاهدان، فإذا كان يستحق ذلك باليمين مع النكول فأحرى أن يستحقه باليمين مع الشاهد، ولا فرق بين ذلك وبين الحكم؛ لأنه شعبة من الحكم، ونحوه ما في كتاب النكاح الثاني منها أن الزوجين إذا اختلفا في فريضة القاضي كان القول قول الزوج إذا أتى بما يشبه، فإن لم يأت بما يشبه يريد أو نكل عن اليمين كان القول قول المرأة إن أتت بما يشبه، فإذا كانت المرأة تستحق القضاء باليمين مع النكول
وجب أن تستحقه باليمين مع الشاهد، وقد تأول بعض الناس أن مذهب ابن القاسم في هذه المسألة أنه لا يمين على الزوج إذا أتى بما يشبه، ولا على الزوجة إذا ادعى الزوج ما لا يشبه وأتت هي بما يشبه، قاله على قياس قول ابن القاسم في هذه الرواية، وفي الواضحة بأن حكم الحاكم لا يستحق باليمين مع الشاهد، وهو من التأويل البعيد، فالظاهر من مذهبه في المدونة أن حكم الحاكم يستحق باليمين مع الشهادة بخلاف الشهادة على الشهادة، وهو قول مطرف وأصبغ والأظهر في النظر؛ لأن اليمين مع الشاهد على الحكم يمين على المال لاستحقاقه بذلك المال بخلاف اليمين مع الشاهد على الشهادة إذ لا يستحق بذلك المال، ويجوز في الشهادة على حكم القاضي على مذهب ابن القاسم شاهد وامرأتان؛ لأنه إذا أجاز ذلك في الشهادة على الشهادة وفي الشهادة على الوكالة فأحرى أن يجيزه في حكم القاضي إذ قد أجيز فيه الشاهد واليمين، ولا اختلاف في أنه لا يجوز شاهد ويمين في الشهادة على الشهادة ولا في الشهادة على الوكالة، وسحنون وابن الماجشون لا يجيزان شاهدا وامرأتين في شيء من ذلك كله على أصلهما في أنه لا يجوز شاهد وامرأتان إلا فيما يجوز فيه شاهد ويمين، وأما كتاب القاضي إلى القاضي فلا اختلاف في أنه لا يجوز في ذلك شاهد ويمين؛ لأنه كالشهادة على الشهادة، وقد وقعت المسألة لمالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هذا الرسم في بعض النسخ، قال مالك في كتاب القاضي إلى القاضي لا يشهد عليه إلا شاهد واحد فيريد صاحب الحق أن يحلف مع شاهده قال: لا يجوز في هذا إلا شاهدان، وذلك لأنها شهادة على شهادة، فليس يكون في مثل هذه الشهادة على الشهادة شاهد ويمين، ولا ينفذ إلا بشهيدين، وبالله التوفيق.
مسألة: الصبي يكون له شاهد على حقه فيستحلف له الذي عليه الحق
مسألة وسئل: عن الصبي يكون له شاهد على حقه فيستحلف له الذي عليه الحق فيكبر الغلام فيقول له: احلف مع شاهدك وخذ،
فيقول: أنا أريد أن أحلف ويبرأ فقال: ليس عليه أن يحلف ثانية، قد حلف مرة.
قال القاضي: وقعت هذه المسألة في رسم البيوع من سماع أصبغ من كتاب المديان والتفليس، وزاد فيها قال أصبغ: لأنه قد برئ يوم حلف وهو بريء أبدا حتى يحلف الصبي فيكون حلفه كالشهادة الحادثة القاطعة، فعلى قول أصبغ هذا لا يجب توقيف الدين، وقد قيل: إنه إذا حلف الذي عليه الحق أخذ الدين منه فوقف حتى يكبر الصبي فيحلف ويأخذه، ومعنى ذلك إذا لم يكن مليا وخيف عليه العدم، وهو في القياس صحيح، إذ لو كان المدعي فيه شيئا بعينه لوجب توقيفه أو بيعه وتوقيف ثمنه إن خشي عليه على ما يأتي لابن القاسم في سماع محمد بن خالد، وإذا وقف الدين أو العرض فضمانه من الصبي إن حلف ومن الغريم إن نكل ولم يحلف؛ لأنه إنما وقف لمن يجب له منهما بتمام الحكم ببلوغ الصغير، فإن حلف لم يجب لأحدهما على صاحبه شيء حلف أو نكل؛ لأنه إن حلف وجب له وكانت مصيبته منه، وإن نكل عن اليمين وجب للمدعى عليه وكانت مصيبته منه، وقد قيل: إنه يحلف ثانية إذا بلغ الصبي فأبى أن يحلف، وهو بعيد، ووجهه أن يمينه أولا لما لم تكن واجبة ليسقط عنه بها الحق كانت إنما أفادت تأخير الحكم إلى بلوغ الصغير، فإذا بلغ استؤنف الحكم، واختلف إن بلغ الصغير وهو سفيه فينكل عن اليمين وحلف الذي عليه الحق وبرئ هل له إذا رشد أن يحلف؟ فقال: ليس ذلك له لأنه ما كان له أن يحلف مع شاهده بخلاف الصغير له أن يحلف مع شاهده، وهو قول ابن القاسم وأصبغ في رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ، وقيل ذلك له مثل الصغير؛ لأنه يقول: إنما نكلت لسفهي، وهو قول ابن كنانة ومطرف، ولا اختلاف في أن الذي عليه الحق إذا نكل يغرم، ولا يجب على الصغير إذا بلغ أن يحلف؛ لأن نكوله كالإقرار، وكذلك الوكيل الغائب يقيم شاهدا واحدا على حق الغائب فيقضى على الذي عليه الحق باليمين إلى أن يقدم
الغائب فيحلف مع شاهده أنه إن نكل عن اليمين غرم ولم يكن على الغائب إذا قدم وليس لولي الصغير أن يحلف مع شاهده ويستحق له حقه، واختلف هل ذلك للأب أم لا؟ فالمشهور المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن ذلك ليس له، وقال ابن كنانة: ذلك له لأنه يمونه وينفق عليه، وهذا فيما لم يل الأب أو الوصي المعاملة؛ لأن ما ولي أحدهما فيه المعاملة فاليمين عليه واجبة؛ لأنه إن لم يحلف غرم، وقد مضى هذا المعنى في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح، وقد وقع في كتاب تجمعت فيه أقضية مالك والليث أن الصغير يحلف مع شاهده كالسفيه، وهو بعيد؛ لأن القلم عنه مرفوع فلا يحرج من الحلف على باطل، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة الرجل لابن امرأته
مسألة وسئل: عن شهادة الرجل لابن امرأته فقال: لا أرى أن تجوز ولا شهادته لامرأة أبيه ولا لامرأة ابنه؛ لأنه كأنه إنما يشهد لامرأته أو لابنه أو لأبيه؛ لأنهم يجرون في ذلك لأنفسهم، وليس ذلك بمنزلة شهادة الأخ لأخيه، وشهادة الأخ لأخيه قد تجوز وتسقط، وإنما تجوز إذا كان منقطعا عنه وليس في عياله ولا يناله معروفه ولا صلته، وكانت له الحال الحسنة، وكان عدلا، فليس يتهم هذا إذا كان بهذه الصفة أن يجر إلى نفسه، وقد خرج من التهمة، وأولئك التهم فيهم بينة ولهم لازمة وإن كانوا منقطعين عمن شهدوا له؛ لأنهم يستجرون ذلك إلى من يتهمون عليه، قال سحنون: تجوز شهادة الرجل لأم امرأته ولأبيها ولولدها إلا أن تكون المرأة ممن ألزم السلطان ولدها النفقة عليها لضعف زوجها عن النفقة عليها، وتجوز شهادة الرجل لزوج ابنته ولابن زوجها ولأبيه وأمه.
قال محمد بن رشد: أما شهادة الرجل لابن زوج ابنته وأبويه فلا
يخالف ابن القاسم سحنون في أن شهادته لهم جائزة؛ لأن التهمة فيهم بعيدة، وإنما يخالفه في شهادته لزوج ابنته ومن أشبهه، وقد مضى القول في معاني هذه المسألة كلها مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
###: يشهد لبعض ولده على بعض
ومن كتاب الجواب وسألته: عن الرجل يشهد لبعض ولده على بعض لصغير على كبير أو لكبير على صغير، قال: إن شهد لصغير أو لكبير سفيه في حجره على كبير فلا يجوز؛ لأنه يتهم بالجر إلى نفسه لمكان الذي في حجره وولايته، وإن شهد لكبير على صغير أو لكبير على كبير جازت شهادته إذا كان عدلا إلا أن يكون المشهود له ممن يتهم على مثله لانقطاع يكون منه إليه والأثرة له والحب له على غيره والآخر ليس بتلك المنزلة عنده أو عرف منه الشنآن له والجفوة عنه دون الآخر فلا يجوز ذلك، وروى سحنون عن ابن القاسم مثله، وقال سحنون: وأنا أقول: لا تجوز شهادة الأب لابنه على حال لا لكبير على صغير ولا لصغير على كبير.
قال محمد بن رشد: أما إذا شهد لصغير أو سفيه في حجره على كبير أو لمن له إليه انقطاع على من ليس له إليه انقطاع، أو كانت بينه وبين المشهود عليه من بنيه عداوة فلا اختلاف في أن شهادته في ذلك كله غير جائزة، وإنما الاختلاف إذا شهد لكبير على كبير، أو على من في حجره من صغير أو سفيه، أو لمن في حجره من صغير على من في حجره من صغير أو سفيه، فأجاز ذلك ابن القاسم ولم يجزه سحنون، وحكى ابن عبدوس عنه أنها جائزة مثل قول ابن القاسم، وله في كتاب ابنه أنه رجع عن ذلك فقال: لا تجوز مثل قوله ههنا، ولو شهد لولده على ولد ولده لم نجز شهادته له قولا واحدا، ولو شهد لولد ولده على ولده جازت شهادته له
قولا واحدا والله أعلم، ومن هذا المعنى شهادته لأحد أبويه على الآخر، وشهادته على أبيه بطلاق أمه أو غير أمه وأمه حية، وشهادته لأبيه على ولده أو لولده على أبيه، وقد مضى هذا القول على ذلك كله مستوفى في أول سماع أشهب وفي رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى هذا، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: الفار من الزحف هل تجوز شهادته
مسألة وسألته: عن الفارّ من الزحف هل تجوز شهادته؟ وهل ترد حتى يتوب؟ أم لا تقبل أبدا؟ وهل على الناس إذا فروا من الزحف شيء إذا فر إمامهم؟ قال ابن القاسم: تقبل شهادته إذا تاب وعرفت توبته وظهرت وإلا لم تقبل شهادته إذا فر مما لا يفر من مثله، وحد الفرار من الزحف الفرار من الضعف كما قال الله عز وجل: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: 66] إلى قوله: ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66] فلا يحل الفرار من المثلين، فإذا زادوا على ذلك وكثروا فلا بأس بالفرار إذا خافوا الضعف، ولا يحل للناس إذا فر إمامهم أن يفروا إذا كانوا مثليهم على ما فسرت لك.
وتجوز شهادة الفار من الزحف إذا تاب وعرفت التوبة منه والاجتهاد والبر واختبر بزحف ثان بعد ذلك فلم يفر منه أو لم يختبر به غزا بعد ذلك أو لم يغز إذا ظهرت توبته وعرفت، قال أصبغ عن ابن القاسم مثله..
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الفرار من الزحف إذا كان
العدو ضعف المسلمين في العدة على هذه الرواية أو في الجلد والقوة على قول ابن الماجشون وروايته عن مالك من الكبائر، وقد روي ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومن أتى كبيرة من الكبائر وجب ألا تجوز شهادته حتى تعرف توبته منها، ومن الناس من ذهب إلى أنه ليس من الكبائر، وأن قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 16] خاص في أهل بدر؛ لأنهم لم يكن لهم أن يتركوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وينهزموا عنه، فأما فيما بعد ذلك فلهم الانهزام.
قال يزيد بن حبيب: أوجب الله عز وجل لمن فر يوم بدر النار، ثم كانت أحد بعدها فأنزل الله فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 155] ثم كانت حنين بعدها فأنزل الله فيها: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: 25] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 27] فنزل العفو فيمن تولى من بعد يوم بدر، والصحيح أن الفرار من الزحف ليس بمخصوص بيوم بدر وأنه عام في كل زحف إلى يوم القيامة، وكان الله تعالى به نبيه موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وشرعه له على ما جاء عن النبي عليه
السلام في تفسير قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: 101] ثم لم ينسخه بعد ذلك حتى صار من شريعتنا، ومن الدليل على أن الوعيد المذكور في الآية ليس بخاص لأهل بدر ما روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: «كنت في سرية من سرايا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فحاص الناس حيصة فكنت ممن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ فقلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا فيها وعرضنا أنفسنا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: من القوم؟ فقلنا: نحن الفرارون فقال: بل أنتم العكارون» يريد بالعكارين الكرارين؛ لأن عبد الله بن عمر إنما لحق بالمقاتلة يوم الخندق بعد أن رده النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قبل ذلك، وهذا بعد بدر، فدل ذلك على أن حكم الفرار من الزحف بغير تحرف إلى قتال أو تحيز إلى فئة باق إلى يوم القيامة وداخل في الكبائر، والله الموفق.
مسألة: قبلت شهادته في أمر ثم شهد بعد ذلك في أمر آخر
مسألة وسألته: عن رجل قبلت شهادته في أمر ثم شهد بعد ذلك في
أمر آخر فطلب المشهود عليه أن توضع فيه العدالة هل ترى أن توضع فيه العدالة؟ قال ابن القاسم: إن كان ذلك قريبا من شهادته الأولى وتعديله فيها الأشهر وما أشبهها ولم يطل ذلك جدا فلا أرى ذلك، وإن كان قد طال رأيت أن توضع فيه وأن يسأل عنه طلب ذلك المشهود عليه أو لم يطلبه، والسنة عندي في مثل هذا طويل كثير؛ لأن في ذلك ما تتغير الحالات وتحدث الأحداث.
قال أصبغ: إلا أن يكون الرجل المعروف بالخير المشهور الذي لا يحتاج مثله إلى ابتداء السؤال فلا يسأل عنه ثانية ولا ينصب عنه.
قال محمد بن رشد: قوله: وسألته عن رجل قبلت شهادته في أمر معناه وسألته عن رجل مجهول الحال غير معروف بالعدالة فقبلت شهادته في أمر بعد أن عدل، ثم شهد بعد ذلك في أمر آخر هل يكتفي بالتعديل الأول أو يطلب فيه التعديل ثانية؟ فقال: إن كان ذلك قريبا من شهادته الأولى بالأشهر اكتفي بالتعديل الأول، وإن كان الأمر قد طال طلب فيه بالتعديل ثانية؛ لأن الأحوال قد تتغير في الطول من الزمان والسنة طول، وفي نوازل سحنون أن التعديل يطلب فيه كلما شهد قرب ذلك أو بعد حتى يكثر تعديله وتشتهر تزكيته، وقول ابن القاسم استحسان، وأما قول سحنون فإنه إغراق في الاستحسان، فإن طلب القاضي التعديل فيه ثانية بعد السنة على قول ابن القاسم أو بالقرب والبعد على قول سحنون فعجز المشهود له عن أن يعدله ثانية إذ لعله لا يعرفه غير الذين عدلوه أولا وقد ماتوا أو غابوا وجب أن تقبل شهادته ولا يردها فيبطل حقا وقد شهد به من قد زكى وثبتت عدالته؛ لأن ما فعل من طلب العدالة إنما هو استحسان غير واجب، والقياس في ذلك أن يكون محمولا على التعديل الأول ما لم يتهم بأمر أو يغمز
بشيء أو يستراب في أمره لوجه يظهر منه، وهو قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة، وأما الشاهد المعروف بالعدالة الذي قبل من غير تزكية فلا يطلب فيه تزكية إذا شهد ثانية كما لم يطلب فيه أولا، فقول أصبغ مفسر لقول ابن القاسم غير مخالف له، ومثله لمالك في كتاب ابن سحنون قال: أما الرجل المشهور عدالته فلا يكلف التعديل ثانية، وإن لم يعرفه القاضي إلا أنه صح عنده أنه عدل شهرته وبالله التوفيق.
###: شهد رجلان على رجل بطلاق امرأته أو فرية أو شرب الخمر في أيام مختلفة
ومن كتاب القطعان قال ابن القاسم: قال مالك: إذا شهد رجلان على رجل بطلاق امرأته أو فرية أو شرب الخمر في أيام مختلفة فقال هذا: أشهد أنه طلق امرأته، أو رأيته يشرب الخمر، أو قذف فلانا في شوال، وشهد آخر على مثل ذلك إلا أنه قال في رمضان، فإنه يضرب في الفرية والخمر ويطلق عليه، وكذلك رأى ابن القاسم.
قال الإمام القاضي: إذا اختلف الوقت في شهادة الشهود على القول لفقت الشهادة وجازت على المشهور من مذهب ابن القاسم حسبما ذكرناه في رسم العرية، وإذا اختلف الوقت في شهادة الشهود على الفعل لم تلفق الشهادة وبطلت عند ابن القاسم حسبما ذكرناه في آخر رسم أوصى أن ينفق على أمهات أولاده، فإنما قال ابن القاسم في هذه الرواية إنه يحد في الشرب إذا قال أحد الشاهدين: رأيته شرب الخمر في شوال، وقال الآخر: رأيته يشربها في رمضان من أجل أن الشهادة في هذا على الفعل مسندة إلى القول إذ هو المعتبر به فيها؛ لأنه إنما يجب عليه في الشرب حد القذف؛ لأنه كما قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فلم يخرج ابن القاسم في هذه المسألة عن أصله في أن الأفعال لا تلفق إذا اختلفت الأوقات، وهذا نحو قوله في الأيمان
بالطلاق من المدونة إذا شهد شاهدان على رجل أنه حلف بالطلاق أن لا يدخل دار عمرو بن العاص، وشهد أحدهما أنه دخلها في رمضان، وشهد آخر أنه دخلها في ذي الحجة أنها تطلق عليه؛ لأنه لفق الفعل لما كان ما يوجبه مسندا إلى القول، قال مالك في المبسوطة: وأما شهادة أحدهما على أنه شرب في رمضان والثاني في شوال بمنزلة أن لو قال أحدهما: رأيته يشرب الخمر بقدح نضار، وقال الآخر: بل كان شربها في قدح قوارير، ومحمد بن مسلمة وابن نافع يقولان: إنه لا يحد في الشرب حتى يجتمع الشاهدان فيه على وقت واحد، وهو الأظهر على حقيقة أصل ابن القاسم في أن الأفعال لا تلفق، وبالله التوفيق.
###: الحكم لو شهد رجل وغابت المرأتان فشهد على شهادتهما امرأتان
ومن كتاب العشور قال ابن القاسم في امرأتين شهدتا على شهادة امرأتين ومع ذلك رجل شاهد في أصل الحق يشهد مع المرأتين الغائبتين: إنه لا يجوز ذلك إلا أن يكون مع المرأتين رجل، وإنما تجوز شهادة المرأتين بأبدانهما فلا بد أن يكون مع المرأتين رجل، قال: واحتج في ذلك بشهادة الرجل أنها لا تجوز ببدنه ويحلف معه، وإنه إذا غاب بدنه لم يجز أن يشهد على شهادة رجل واحد إلا رجلان، ثم يكون ذلك كشاهد يحلف معه، وفي سماع أصبغ من كتاب القضاء المحض قال أصبغ: وأنا لا أرى ذلك ولا يعجبني أرى ما جازت فيه شهادتهن تامة بلا رجل ولا يمين مثل الاستهلال وعيوب النساء وما تحت الثياب أن تجوز شهادتهن فيه على شهادة مثلهن بلا رجل معهن كما لو شهدن هن أنفسهن.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم: إن الحق إذا كان عليه شاهد وامرأتان فشهد الرجل وغابت المرأتان فشهد على شهادتهما امرأتان أن ذلك لا يجوز إلا أن يكون معهما رجل كما أن الشاهد الواحد إذا غاب لا يشهد
على شهادته إلا رجلان، يريد أو رجل وامرأتان، هو معنى ما في الشهادات من المدونة، بل نصه خلاف قول ابن الماجشون وسحنون في أن شهادة النساء لا تجوز إلا فيما يجوز فيه شاهد ويمين، ولم يتكلم ابن القاسم في الشهادة على شهادة النساء فيما تجوز فيه شهادتهن دون رجل إلا أن في قول أصبغ في كتاب القضاء المحض: وأنا لا أرى ذلك ولا يعجبني وأرى أن تجوز شهادتهن فيه على شهادة مثلهن بلا رجل معهن كما لو شهدن هن أنفسهن يدل على أن الذي رواه عن ابن القاسم أنه لا بد في الشهادة على شهادتهن من رجلين أو رجل وامرأتين، وأنه لا يجوز في ذلك شهادة النساء وحدهن، وهو القياس؛ لأن شهادتهن إنما جازت على الأصل وحدهن بلا رجل للضرورة إلى ذلك ولا ضرورة إلى انفرادهن في الشهادة على شهادتهن فوجب ألا يجزئ في ذلك إلا رجلان أو رجل وامرأتان، وظاهر قول أصبغ أنه يجزئ في ذلك امرأتان على امرأتين؛ لقوله كما لو شهدن هن أنفسهن، وقد قال بعض أهل النظر وأراه ابن لبابة: معنى قول أصبغ: أنه لا تقوم امرأتان بشهادة امرأتين حتى، يكن أربعة فيقمن بشهادة امرأتين على مذهب أصبغ، وهو تأويل بعيد لا وجه له في النظر، ووجه ما ذهب إليه أصبغ أن المرأتين لما أقيمتا فيما لا يحضره الرجال مقام رجلين أقام هو المرأتين في الشهادة على شهادتهما مقام رجلين، وليس ذلك بصحيح؛ لأن شهادة الرجال على شهادتهن غير ممتنع، فوجب ألا ينفردن بذلك دونهم، وبالله التوفيق.
###: إقرار المريض في مرضه بدين لمن لا يتهم عليه
ومن كتاب أوله باع شاة وسألته: عن رجل أقر عند موته أنه شهد على فلان هو وفلان وفلان فقطعت يده وأنا شهدنا بالزور فما لزمني فأدوه عني، قال ابن القاسم: لا أرى عليه شيئا؛ لأنه قد بقي على الشهادة اثنان، فالشهادة قائمة، ولو أقر واحد من الشهيدين الباقيين بعد إقرار هذا كان نصف دية اليد على الميت وعلى النازع منهما، ولو أقر الثالث كان على كل واحد منهم ثلث الدية، وكان الذي أقر به
الميت في رأس ماله، قلت: فلو كان لم يقر أحد غيره وبقيت الشهادة قائمة كما هي حتى قسم مال الميت ثم نزع أحد الشهيدين الباقيين؟ قال: يكون ذلك بمنزلة دين طرأ على الميت يؤخذ ما ينوبه من ذلك من الذي للورثة، كذلك القتل لو أقر أنه شهد على رجل مع رجلين فقتل بشهادتهم ثم نزع عند الموت.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصولهم في أن إقرار المريض في مرضه بدين لمن لا يتهم عليه جائز، فإذا كان هذا الذي أقر له بأنه شهد عليه بالزور فقطعت يده ممن لا يتهم على الإقرار له في مرضه وجب أن يؤخذ من رأس ماله ما يلزمه بالإقرار، وليس في قوله: وأنا شهدنا عليه بالزور دليل على أنه لو قال: إنا شبه علينا لم يلزمه شيء؛ لأن ذلك إنما هو في السؤال لا في الجواب، فلا دليل فيه، وهو سواء على مذهبه، قال: إنا شهدنا بالزور أو شبه علينا، وقد مضى هذا والاختلاف فيه في أول سماع عيسى، وقوله: لا أرى عليه شيئا؛ لأنه قد بقي على الشهادة اثنان صحيح لا اختلاف فيه، قد ذكر ذلك صاحب الاتفاق والاختلاف أن هذا مما أجمع عليه مالك وأصحابه، وقد رأيت لابن دحون أنه قال: وقد قيل: إنه يلزمه ثلث دية اليد في ماله، فإن رجع آخر لزمه الثلث أيضا، فإن رجع الثالث لزمه الثلث، وأما قوله: ولو أقر واحد من الشهيدين الباقيين بعد إقرار هذا كان نصف الدية على الميت وعلى النازع منهما فإن هذا موضع يختلف فيه؛ لأن ابن وهب وأشهب يقولان: إنه يلزمهما الثلثان، وفي قوله: إنه لو نزع أحد الشهيدين الباقيين بعد أن قسم المال كان ما ينوب المقر من ذلك كدين طرأ بعد القسمة يؤخذ ما ينوبه من ذلك من الذي للورثة ما يدل على أنه لا يلزم توقيف شيء من المال لإقراره على نفسه أنه شهد بالزور مخافة أن يقر الشهيدان الباقيان أو أحدهما بمثل ما أقر به هو، إذ ليس في رجوعه هو دليل على أنه سيرجع من سواه منهما، وكذلك لو نزع الشاهد الباقي بعد ذلك لكان فضل ما بين الثلث والربع كدين طرأ أيضا عليه يؤخذ ذلك من ورثته، وذلك أنه يجب عليه برجوع أحد الشهيدين نصف الدية،
وهو الربع، ويجب عليه برجوع الشاهد الثاني ثلث جميع الدية، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة المختفي
مسألة وسئل: عن رجلين أدخلهما رجل في بيت وأمرهما أن يسمعا ويحفظا ما سمعا، ثم قعد برجل آخر من وراء البيت فاستنطقه حتى أقر له بماله عليه، فشهد الرجلان بذلك، هل يلزمه ما شهدا به عليه على هذه الصفة أم لا يلزمه حتى يقر على نفسه بالمال وهو ينظر إلى الرجلين اللذين يشهدان عليه؟ قال: أما الرجل الذي يشهد عليه مثل الضعيف أو المخدوع أو الخائف الذي يخاف أن يكون إنما استجهل أو استضعف أو خدع فلا أرى ذلك ثابتا عليه، ويحلف ما أقر بذلك إلا لما يذكر ولا يدري ما يقول، وأما الرجل الذي يقر على غير ما وصفت لك ولإقراره ذلك وجه من الأمر عسى أن يقول في خلوته تلك أنا أقر لك خاليا ولا أقر لك عند البينة بأمر يعرف وجه إقراره وناحية ما طلب منه فإنه عسى أن يثبت ذلك عليه، وقال عيسى بن دينار: أرى ذلك ثابتا عليه.
قال محمد بن رشد: لا إشكال في أنها لا تجوز على القول بأن شهادة السماع لا تجوز، وهي أن يشهد الشاهد على الرجل بما سمع من إقراره دون أن يشهده على نفسه، وهو أحد قول مالك في المدونة وقول ابن أبي حازم وابن الماجشون وروايته عن مالك في المدنية ومثله لمالك في كتاب ابن المواز قال: لا يشهد الرجل على الرجل بما سمع من إقراره على نفسه دون أن يشهده على ذلك إلا أن يكون قاذفا، فإنما اختلف في شهادة المختفي الذين يجيزون شهادة السماع، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة أن الشاهد يشهد على الرجل بما