كتاب السلم والآجال الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
رجل وكل على بيع طعام لغيره فجاءه رجل قد كان البائع يسأله طعاما سلفه فيه
من سماع ابن القاسم من كتاب الرطب باليابس
قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قال في رجل وكل على بيع طعام لغيره، فجاءه رجل قد كان البائع يسأله طعاما سلفه فيه، فقال له: بعني من هذا الطعام بنقد أو إلى أجل لأقضيك، أو أرسل رسولا، فاشترى له منه، ثم جاءه فقضاه، فقال: أما قوله بعني أقضيك فلا خير فيه، وأما إن بعث رسولا فاشترى له، والمقتضي لا يعلم فلا بأس به، ولكني أكرهه للذي يقضي، قال ابن القاسم: سمعته منه فيما أعلم.
قال محمد بن رشد: إنما قال لا خير في أن يبيع الوكيل الطعام الذي وكل على بيعه ممن له عليه طعام من سلم، على أن يقضيه إياه، يريد لا بمثل الثمن ولا بأقل ولا بأكثر، نقدا ولا إلى أجل؛ لأنه إذا باعه الطعام على أن يقضيه إياه فقضاه، فكان قضاؤه إياه بيعا له قبل استيفائه بما شرط
على نفسه من قضائه قبل أن يشتريه، إذ لا يجوز لمن عليه طعام من سلم أن يقضيه من طعام اشتراه قبل أن يستوفيه، هذا إذا أجاز صاحب الطعام للوكيل أن يبيعه ممن له عليه طعام على أن يقضيه إياه؛ لأن من حقه أن لا يجيز ذلك؛ لأنه يقول: سامحه في البيع ليقضيه إياه، فالحكم في ذلك إذا أجاز البيع أن يجوز البيع ويفسخ الشرط؛ لأنه شرط فاسد لا تأثير له في الثمن، فوجب أن يفسخ، ويجوز البيع كما قالوا فيمن باع ثمرة واشترط البراءة من الجائحة على حديث بريرة في قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فيه: «من اشترط شرطا ليس في كتاب الله، فهو باطل وإن كان مائة شرط ... » الحديث.
فلا يحكم عليه أن يقضيه إياه بالشرط، ولا يجوز له هو أن يتعجل ذلك وإن اكتاله؛ لأن اكتياله لغو لا معنى له من أجل الشرط، وإن قضاه رد إليه واتبعه بطعامه على وجهه، ولو كان الطعام الذي للوكيل عليه من قرض، لجاز البيع والشرط لأنه جائز، فوجب أن يجوز على حديث جابر.
وأما إذا لم يجز صاحب الطعام البيع، فالحكم في ذلك أن يأخذ طعامه إن أدركه بعينه بيد المشتري أو يد الوكيل بعد إن رده إليه، ويفسخ البيع ويطلب الوكيل المبتاع بطعامه الذي له عليه؛ وإن لم يدرك طعامه بعينه وكان قد فات في يد الوكيل، رجع على الوكيل بمثله ونفذ البيع بين الوكيل والمشتري، يأخذ منه لنفسه الثمن الذي باعه به منه وفسخ القضاء في الطعام، فرد إليه مثله واتبعه بطعامه الذي كان له عليه؛ لأنه إن ترك الوكيل على ما كان قضاه إياه، دخل ذلك بيع الطعام قبل أن يستوفى؛ لأنا
إن ألغينا بيع الوكيل للطعام من أجل أنه قد رجع إليه طعامه بما اشترط، كان الوكيل قد باع الطعام الذي كان له على المشتري بالثمن الذي أخذ منه في الطعام، وإن لم يلغه كان المبتاع قد قضى الطعام الذي ابتاع في الطعام الذي كان عليه من السلم قبل أن يستوفيه بما شرط على نفسه من أن يقضيه إياه؛ وأما إذا باعه من رسول لم يعلم أنه اشترى للذي كان له عليه الطعام، فجائز له أن يقضيه منه كما قال، ولا حجة لصاحب الطعام في ذلك، وإنما كره ذلك للذي يقضي مخافة أن يكون المقتضي قد علم أن الرسول له، ولو تحقق أنه لم يعلم أن الشراء له لم يكن في ذلك وجه من الكراهة، ولو كان الطعام للبائع فباعه ممن له عليه طعام من قرض على أن يقضيه إياه جاز إن كان ينقد، ولم يجز إن كان إلى أجل؛ لأن الطعام قد رجع إليه فآل الأمر إلى أن أخذ منه في الطعام الذي كان له عليه من القرض الثمن الذي باع به منه الطعام، فإن كان نقدا جاز، وإن كان إلى أجل لم يجز؛ لأنه فسخ الطعام في ذلك الثمن إلى ذلك الأجل، على ما قال بعد هذا في رسم القبلة؛ ولو باعه منه بثمن إلى أجل على غير شرط أن يقضيه إياه ولا رأي ولا عادة ولا رجاء، فلما تم شراؤه قضاه إياه لم يجز أيضا، وفسخ من باب الحكم بالذرائع، لا من أجل أنه حرام عليه فيما بينه وبين خالقه إن صح عمله فيه على غير شرط ولا عادة ولا رجاء، ولو اشتراه له منه رسول بثمن إلى أجل ولم يعلم أنه رسول له، لجاز أن يقتضيه منه، ولكره ذلك للذي يقضي، للوجه الذي ذكرناه في المسألة التي قبل هذه؛ ولو كان الطعام للبائع لم يجز له أن يبيعه ممن له عليه طعام من بيع قبل أن يقضيه إياه إلا بمثل الثمن الذي أسلم إليه في الطعام نقدا؛ لأنه إن كان بأقل أو بأكثر نقدا صار بيع الطعام قبل أن
يستوفى؛ لأن طعامه رجع إليه، فكان لغوا وصار إلى أن أخذ منه فيما كان له عليه من الطعام الثمن الذي باع به منه الطعام وإن كان إلى أجل، دخله مع بيع الطعام قبل أن يستوفي فسخ الدين في الدين، وأما إن كان باعه منه بمثل الثمن الذي أسلم إليه فيه نقدا فهو جائز؛ لأن الأمر آل بينهما فيه إلى الإقالة، ولو باعه منه بثمن إلى أجل، أو بأقل، أو بأكثر من الثمن الذي أسلم له فيه على غير شرط أن يقضيه إياه ولا رأي ولا عادة ولا رجاء رجاه، فلما تم شراؤه قضاه إياه لم يجز أيضا، وفسخ من باب الحكم بالذرائع على ما ذكرناه في مسألة السلف؛ ولو اشتراه له منه رسول لم يعلم أنه له رسول، لجاز أن يقضيه منه؛ وإن كان اشتراه منه بثمن إلى أجل أو نقدا بأقل أو بأكثر من الثمن الذي كان أسلم إليه فيه على ما ذكرناه في مسألة السلف أيضا، وستأتي هذه المسألة في رسم إن أمكنتني من سماع عيسى، وإنما ذكرتها هاهنا لتعلقها بهذه المسألة ومشابهتها لها.
مسألة: اشترى طعاما إلى أجل ونقد ثمنه
مسألة وقال مالك في رجل اشترى طعاما إلى أجل ونقد ثمنه، ثم إنه تصدق به على رجل آخر أو وهبه له، أو قضاه إياه من طعام كان تسلفه منه أو أسلفه رجلا جاء يستسلفه طعاما وذلك قبل أن يستوفيه المشتري، فأراد بعض من صار إليه الطعام على بعض هذه الوجوه أن يبيعه قبل أن يقبضه.
قال: ما أحب أن
يباع ذلك الطعام قبل أن يستوفى.
قال محمد بن رشد: من صار إليه الطعام المشترى بأي وجه كان من هبة أو صدقة أو قرض أو اقتضاء من قراض أو ميراث يحل محل المشتري الذي صار إليه الطعام من قبله في أنه لا يجوز (له) بيعه قبل استيفائه على معنى ما في المدونة وغيرها، وحكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك أنه خفف ذلك في الهبة والصدقة، وقد وقع لأشهب في كتاب ابن المواز أن للرجل بيع ما وهب له أو تصدق به عليه أو ورثه من الطعام قبل قبضه، وقاله عمر بن عبد العزيز في الميراث، ومعنى ذلك عندي فيما وهب له أو تصدق به عليه أو ورثه من الطعام الذي كان للموروث أن يبيعه قبل قبضه؛ وأما من اشترى طعاما فمات عنه قبل أن يقبضه، فلا اختلاف في أن الوارث يحل محله في أنه لا يجوز له بيعه قبل قبضه، وكذلك من أقرضه أو اقتضاه من قرض كان له، ويحتمل أن يدخل ذلك من الاختلاف ما دخل فيمن وهب له أو تصدق به عليه على ما حكاه ابن حبيب عن مالك.
مسألة: الشاة اللبون باللبن إلى أجل
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: لا خير في الشاة اللبون باللبن إلى أجل أيهما عجل أو أخر صاحبه، وأما الطعام غير اللبن إلى أجل، فلا بأس به.
قال سحنون: الذي عرفناه من قوله وقاله لي ابن القاسم غير مرة، أن اللبن بالشاة اللبون إلى أجل لا بأس به، وهو عندي أحسن.
وأما قوله الشاة اللبون باللبن
إلى أجل فذلك الذي لم يشك فيه قط، ولم يختلف علينا فيه قوله إنه حرام لا يجوز، وقال أصبغ مثله.
قال محمد بن رشد: الأصل في هذه المسألة ما ثبت من «نهي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن المزابنة» ، والمزابنة مأخوذة من الزبن وهو الدفع، فمعنى المزابنة المغاررة، وهو أن يغار كل واحد من المتبايعين صاحبه في المعنى الذي غارره فيه؛ وهي تنقسم على قسمين: أحدهما: أن تكون في صنف واحد، والثاني: أن تكون في صنفين.
فأما الصنف الواحد فالمزابنة تدخل فيه، كان بالنقد أو إلى أجل، وذلك مثل أن يبيع منه جزافا بجزاف أو جزافا بمكيل، فهذا لا يجوز نقدا ولا إلى أجل؛ وأما الصنفان فإن المزابنة لا تدخله إلا في النسيئة، وذلك على وجهين: أحدهما: أن يبيع منه شيئا بما يحول فيه عينه إلى أجل، والثاني: أن يبيع منه شيئا بما يتولد عنه مع بقاء عينه إلى أجل؛ فأما إذا باع منه شيئا بما تحول فيه عينه إلى أجل، فلا اختلاف في أن ذلك لا يجوز، وذلك مثل أن يبيع منه صوفا بثياب صوف إلى أجل أو كتانا بثياب كتان إلى أجل، أو شعيرا بقصيل إلى أجل يمكن أن يكون إلى ذلك الأجل من الصوف والكتان ثياب، ومن الشعير قصيل، وما أشبه ذلك.
وأما إذا باع منه شيئا بما يتولد منه مع بقاء عينه إلى أجل، فذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون أصل التولد فيه موجودا حال العقد، والثاني: لا يكون فيه وإنما يحدث بعده، فأما إذا كان أصل التولد موجودا فيه مثل أن يبيع منه شاة لبونا بلبن إلى أجل، أو دجاجة بياضة ببيض إلى أجل، وما أشبه ذلك، فهو وجه يتحصل فيه أربعة
أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز، كانت الشاة هي المؤجلة أو المعجلة، وهو قول مالك هاهنا وظاهر ما في المدونة.
والثاني: أن ذلك جائز، كانت الشاة هي المؤجلة أو المعجلة، وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب جامع البيوع، ووقع ذلك أيضا في رسم حبل حبلة من سماع عيسى من هذا الكتاب: لا بأس بالدجاجة البياضة بالبيض إلى أجل، وهو أظهر الأقوال، بدليل اتفاقهم على إجازة بيع الشاة اللبون باللبن نقدا، وبالطعام نقدا وإلى أجل.
والثالث: أن ذلك جائز إن كانت الشاة هي المؤجلة، وغير جائز إن كانت هي المعجلة؛ وهو قول ابن القاسم هاهنا، واختيار سحنون، وهو مذهب ابن حبيب، وهو ضعيف في الشاة باللبن إلى أجل؛ لأن المزابنة لا تدخله، إذ لا يبقى اللبن إلى أجل دون أن يتغير، فإنما يعطيه عند الأجل من لبن غير تلك الشاة، وإنما يكون لهذه التفرقة وجه في بيع الشاة اللبون بالجبن إلى أجل؛ لأنه يمكن أن يجمع لبن الشاة فيعمل منه جبنا يعطيه إياه عند الأجل.
والرابع: عكس هذه التفرقة أن ذلك جائز إن كان الشاة هي المعجلة، وغير جائز إن كانت هي المؤجلة، وهو قول أشهب؛ ووجهه: إن كانت هي المعجلة، كان اللبن الذي فيها ملغى في حكم التبع لها، لاحتمال أن يكونا لم يقصداه، وإذا كانت هي المؤجلة، علم أنهما قصداه، إذ قد اشترطاه.
وأما إذا لم يكن أصل ذلك الشيء موجودا فيه حين العقد، وإنما يحدث بعده مثل أن يبيع منه شاة لا لبن لها بلبن إلى أجل يكون فيه للشاة لبن، أو
دجاجة لا بيض فيها ببيض إلى أجل يكون فيه للدجاجة بيض، أو ذباب نحل بعسل إلى أجل يكون فيه للذباب عسل، أو نخلا لا تمر فيها بتمر إلى أجل يكون فيه للنخل تمر؛ ففي ذلك قولان:
أحدهما: أن ذلك جائز، وهو قول ابن حبيب في الواضحة في المسائل كلها، وقول ابن القاسم في رسم حبل حبلة من سماع عيسى في الدجاجة التي لا بيض فيها بالبيض إلى أجل، وفي كتاب كراء الدور من المدونة في النخل التي لا تمر فيها بتمر إلى أجل.
والثاني: أن ذلك لا يجوز وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في رسم نقدها من سماع عيسى من هذا الكتاب، ومن كتاب جامع البيوع.
وأما إذا لم يكن للشاة لبن أو للنخل تمر أو للذباب عسل، أو للدجاج بيض إلى ذلك الأجل، فلا اختلاف في أن ذلك جائز.
مسألة: يشتري الرجل الطعام بثمن إلى أجل ثم يقره عند صاحبه
مسألة قال مالك: أكره أن يشتري الرجل الطعام بثمن إلى أجل ثم يقره عند صاحبه وإن اكتاله، وإن اشتراه بالنقد لم أر بذلك بأسا، وذلك أني أخاف أن يؤخره حتى يحل الحق فيكون النقد والكيل جميعا.
قال سحنون: قال ابن القاسم: يخاف أن يقول: أبيعكه إلى شهر وأضمنه لك إلى شهر، فيكون النقد والكيل جميعا.
قال محمد بن رشد: كره أن يبتاع الرجل الطعام بثمن إلى أجل ثم يقره عند البائع وإن اكتاله، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى شرائه بشرط أن يبقى بيد البائع رهنا حتى يحل الأجل فيستوفي الثمن، فإن أقره عنده على غير شرط لم يفسخ البيع، قاله ابن المواز، ومثله في رواية عيسى.
وأما إن
وقع البيع على ذلك بشرط فهو فاسد يجب فسخه وإن كان شرط أن يقره عنده بعد أن اكتاله، إذ لا يجوز أن يبيع أحد شيئا من الحيوان والعروض التي لا يجوز أن يتأخر قبضها بثمن إلى أجل على أن يبقى بيده رهنا إلى ذلك الأجل إلا أن يجعله بيد عدل، وقد ذكرنا هذا المعنى في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق.
وأما إن اشترط أن يبقى عنده إلى محل الأجل دون كيل، فالمكروه في ذلك لائح؛ لأنه اشتراه على أن يكون في ضمانه إلى ذلك الأجل، وذلك حرام لا يحل، وبالله التوفيق.
أقرض رجلا طعاما إلى أجل فلما حل الأجل قال له غريمه بعني طعاما أقضيك
ومن كتاب القبلة قال ابن القاسم: سمعت مالكا قال في رجل أقرض رجلا طعاما إلى أجل، فلما حل الأجل قال له غريمه: بعني طعاما أقضيك.
قال: إن ابتاع منه بنقد فلا بأس به، وإن ابتاع بدين فلا خير فيه.
وتفسير ذلك: أنه إذا اشترى منه طعاما بذهب على أن يقضيه مكانه، كأنه إنما اشترى منه ما عليه من الطعام الذي أقرضه بذهب أو ورق نقدا، فليس بذلك بأس أن يبتاع رجل حنطة عليه من قرض بذهب أو ورق أو عرض أو غير ذلك معجل، وأنه إذا ابتاع منه بدين على أن يقضيه، رجع طعامه إليه فصار له عليه ما كان يسأله من الطعام ذهب أو ورق أو عرض أو غير ذلك مؤخرا، فذلك مضارع للربا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال، ولو كان الطعام من بيع
لم يجز له أن يشتري منه طعاما على أن يقضيه إياه إلا بمثل الثمن الذي أسلم إليه فيه نقدا لا أقل ولا أكثر، قاله في رسم إن أمكنتني من سماع عيسى، وقد مضى بيان هذا كله في التكلم على أول مسألة من هذا السماع.
مسألة: ذبح شاة ثم سلخها ثم دعا إليها الجزار فقال أسلفك لحم هذه الجزرة وزنا
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا، قال: من ذبح شاة ثم سلخها، ثم دعا إليها الجزار فقال: خذ مني هذه الجزرة، أسلفك لحمها وزنا على أن تعطيني في كل يوم رطلين أو أقل أو أكثر من ذلك، قال مالك: ما أحب ذلك؛ لأني أراه قد أخذ منه في سلفه زيادة لو أقام اللحم عنده صار يابسا، فأسلفه من ضمنه له غريضا مقطعا، ولو وقع هذا على غير صنعة، لم أر بذلك بأسا.
فأما ما يصنعان لذلك وإن لم يشترطه أحدهما فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: وقوله ولو وقع هذا على غير صنعة لم أر بذلك بأسا، معناه: ولو فعل ذلك رفقا بالجزار لا لمنفعة يبتغيها لنفسه، ولعله لو باع الجزرة جملة، لأخذ فيها من الثمن ما يشتري به من اللحم المقطع أكثر من زنتها، جاز ولم يكن به بأس.
وقد روى ابن أبي جعفر عن أشهب أنه قال: إن كان الجزار هو الذي جاءه فاستسلفه فلا بأس به، ظاهره: وإن كانت له في ذلك منفعة، ومعناه: إذا علم الله من قلبه أنه أسلفه إياها لما رأى من حاجة الجزار إلى ذلك، وأنه كان يفعل ذلك لو سأله ذلك ولا منفعة له فيه، وهذا ما لا ينبغي أن يختلف فيه، إذ لا يقدر على أن يسلفه
إياها ويسقط المنفعة عن نفسه في ذلك، وذلك نحو ما روى زياد عن مالك في الرجل يكون عنده طعام يخشى عليه الفساد فيسالفه الرجل المحتاج إلى أن يسلفه إياه، فإنه أجاز ذلك إذا أسلفه إياه لحاجته من غير شرط ولا عادة، وإنما اختلف في الرجل المحتاج يسأل الرجل أن يسلفه الفدان يكون له من الزرع فيحصده ويدرسه ويعرف كيله فيعطيه إياه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك جائز إذا كان المتسلف هو الذي طلبه ليتقوت بذلك، ولم يكن صاحب الزرع هو يعرضه ليكتفي بمؤنته، وهو قول ابن حبيب في الواضحة عن مالك وغيره.
والثاني: أن ذلك لا يجوز إلا أن يكون الفدان من الزرع الكثير الذي لا يحط به عنه مئونة، وهو قول مالك في رسم الآجال من المدونة.
والثالث: أن ذلك يكره وإن كان الفدان من الزرع الكثير، إلا أن يكون هو الذي يحصده ويدرسه ويذريه وكذلك يسلفه إياه، روى ذلك زياد عن مالك.
مسألة: ابتاع طعاما بثمن إلى أجل ثم ندم البائع قبل أن يفترقا
مسألة وقال مالك: ومن ابتاع طعاما بثمن إلى أجل ثم ندم البائع قبل أن يفترقا، فاستقال بغرم يغرمه للمشتري عن العروض أو العين؛ ويدفع إليه طعامه.
قال مالك: لا أرى بذلك بأسا إذا كان المبتاع قد اكتاله، قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: وإن ندم المبتاع فرد طعامه وزاده عليه طعاما آخر أو عرضا من العروض ولم يكونا تفرقا.
قال: إذا اكتال فلا بأس به، وإن تفرقا فلا أحبه إذا كان الثمن إلى أجل.
قال محمد بن رشد: لا يراعى تفرقتهما وغيبة المبتاع على الطعام إلا في زيادة المبتاع، لا في زيادة البائع.
فقوله: لا أرى بذلك بأسا إذا
كان المبتاع قد اكتاله، يريد وإن كانا تفرقا على ما نبينه.
وتحصيل القول في هذه المسألة أنهما إذا تقايلا قبل اكتيال الطعام، فلا تجوز الزيادة من واحد منهما لصاحبه على حال؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل استيفائه، إلا أن يكون المبتاع هو المستقيل بزيادة مثل الثمن إلى ذلك الأجل فيجوز؛ لأنه يصير قد أدى الثمن ووهب الطعام، وإن تقايلا بعد اكتيال الطعام وقبل أن يقبضه المبتاع أو شيئا منه ويغيب عليه؛ وقبل أن يقبض البائع الثمن أيضا، أو شيئا منه ويغيب عليه؛ فالزيادة من كل واحد منهما لصاحبه جائزة، ما لم يكن في نفس الإقالة على الزيادة فساد، فيجوز على هذا أن يستقيل البائع من الطعام على أن يزيد المبتاع ما شاء من العروض والدنانير والدراهم نقدا وإلى أجل؛ لأنه يصير قد اشترى الطعام الذي استقال منه بالثمن الذي كان له على المبتاع، وبالزيادة التي زادها إياه، إلا أن تكون الزيادة من صنف الطعام الذي استقال منه، فلا يجوز على حال، أو من غير صنفه، فيجوز إذا كانت الزيادة نقدا والثمن حالا باتفاق؛ وإن كانت الزيادة نقدا والثمن مؤجلا فعلى قولين منصوص عليهما في الواضحة:
أحدهما: أن ذلك جائز على القول بأن انحلال الذمم بخلاف انعقادها، فلا يراعى في ذلك الأجل؛ لأنهما قد تباريا.
والثاني: أن ذلك لا يجوز على القول بأن انحلال الذمم كانعقادها، فيراعى في ذلك الأجل وإن كانا قد تباريا.
ويجوز أن يستقيل المبتاع من الطعام قبل أن يحل أجل الثمن عليه على أن يزيده دنانير إن كان الثمن دنانير أو دراهم، إن كان الثمن دراهم إلى ذلك الأجل؛ لأنه أخذ منه طعامه ببعض الثمن ووفاه بقيته، ولا يجوز ذلك نقدا ولا إلى أبعد من الأجل؛ لأنه يدخله في النقد
ضع وتعجل، وبيع وسلف، وعرض وذهب بذهب إلى الأجل، وفي التأخير إلى أبعد من الأجل بيع وسلف، وذهب وعرض بذهب إلى أجل.
ويجوز على أن يزيده ما شاء من العروض والطعام نقدا، ولا يجوز ذلك إلى الأجل ولا إلى أبعد منه؛ لأنه إذا نقده الزيادة فقد اشتراها منه والطعام الذي استقاله منه بالثمن الذي كان له عليه فجاز، وإذا لم ينقده الزيادة فقد فسخ الثمن الذي كان له عليه في الزيادة التي زاده إياها إلى أجل فلم يجز؛ ولا يجوز أن يزيده دنانير إن كان الثمن دراهم، ولا دراهم إن كان الثمن دنانير نقدا ولا إلى أجل، ولا إلى أبعد منه؛ ويجوز أن يستقيل منه إن كان الثمن حالا أو بعد أن يحل عليه على أن يزيده ما شاء من العروض والدنانير والدراهم والطعام من صنف طعامه ومن غير صنفه نقدا، إلا أن تكون الزيادة التي زاده ورقا فلا يجوز، إلا أن يكون أقل من صرف دينار على مذهب ابن القاسم؛ ولا يجوز على أن يزيده شيئا من الأشياء إلى أجل؛ لأنه يدخله فسخ الدين في الدين.
وأما إن كان المبتاع قد قبض الطعام أو بعضه وغاب عليه، فلا تجوز الإقالة في جميعه على أن يزيد المبتاع البائع شيئا من الأشياء؛ لأنه إذا رد الطعام بعد أن غاب عليه وزاده، كان سلفا بزيادة، فيتهمان على أنهما عملا على ذلك، وقصدا إلى استجازته بإظهار البيعة والاستقالة؛ وكذلك إذا كان البائع قد قبض الثمن أو بعضه، فلا تجوز الإقالة بينهما على أن يزيد البائع المبتاع شيئا من الأشياء؛ لأنه إذا رد الثمن الذي قبض بعد أن انتفع به وزاده، كان سلفا بزيادة، فيتهمان على القصد إلى ذلك فلا يجاز لهما ويفسخ عليهما حماية للذرائع على مذهب مالك، وهذا إذا كان البيع إلى أجل، وأما إذا كان البيع نقدا فذلك جائز، إذ لا يتهم في بيوع النقد إلا في أهل العينة على ما يأتي له في رسم كتب عليه ذكر حق من هذا السماع.
وهو دليل قوله في هذه المسألة: وإن تفرقا فلا أحبه إذا كان الثمن إلى أجل، وحكم المكيل
والموزون من غير الطعام في هذا كله كحكم الطعام إلا في مراعاة الكيل، إذ يجوز بيعه قبل استيفائه؛ وحكم العروض والحيوان في ذلك كله حكم المكيل والموزون، إلا في مراعاة القيمة عليه إذ يعرف بعينه بعد أن يغاب عليه.
مسألة: يبتاع أحد دينا على ميت
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: لا أرى أن يبتاع أحد دينا على ميت، وذلك غرر لا يدري ما يلحق الميت من دين فينتزع منه ما اشترى، وليس اشتراء الدين الذي على الميت والحي سواء؛ لأن الحي قد ضمن ذلك في ماله وذمته، وأن الميت ليس كذلك.
قال محمد بن رشد: هذا قول مالك في موطئه، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه؛ لأن اشتراءه غرر وإن كان على الدين بينة وعرف ما ترك الميت من المال، إذ قد يلحقه من الديون ما يستغرق تركته، فلا يكون له مما اشترى إلا محاصة الغرماء ويبطل الباقي، إذ لا ذمة له يتبعها ببقية دينه؛ وإنما يجوز شراء الدين على الحاضر المقر؛ لأنه إن ثبت عليه دين حاص الغرماء، واتبع ذمته ببقية حق؛ واختلف في شراء الدين عليه إذا كان منكرا، فالمعلوم في المذهب المنصوص عليه في الموطأ وفي غيرما كتاب من المدونة، أن ذلك لا يجوز؛ لأنه ينقد الثمن، إذ لا يجوز إلا ذلك، ولا يدري هل يتم له ما اشترى أو يرجع إليه ماله، فمرة يكون بيعا، ومرة يكون سلفا، وذلك من أعظم الغرر، وتقوم إجازته من إجازة ابن
القاسم بيع الدار التي فيها خصومة على ما وقع في بعض روايات المدونة.
وكذلك اختلف أيضا في شراء الدين على الغائب، فالمشهور أن ذلك لا يجوز، إذ لا يدرى أحي هو أم ميت؛ ومقر هو أم منكر؛ وأجاز ذلك ابن القاسم في سماع موسى بن معاوية من كتاب المدبر إذا كانت غيبته قريبة حيث يعرف حاله وملؤه، وقاله أصبغ في نوازله من كتاب جامع البيوع، ورواه ابن أبي زنبر عن مالك؛ (قال:) وذلك إذا كانت للبائع بينة على الحق، وعرفت حياة الذي عليه الدين.
مسألة: اشترى الميراث الغائب فيه عين وعرض بعرض
مسألة وقال مالك فيمن اشترى الميراث الغائب فيه عين وعرض بعرض، قال: لا يصلح اشتراء غائب بنقد وإن كان اشتراه على أنه له وجده أو لم يجده، انتقص أو زاد؛ فذلك غرر لا يصلح، وإن اشترط إن لم أجده على هيئته رجعت فأخذت عرضي أو قيمته، فإنه يدخله سلف وبيع ليس بمضمون، وأنه يغرر بأمر إن أدركه أدرك حاجته، وإن أخطأه ذهب عناؤه وأخذ منه عرضه بقيمته؛ ولعله لم يكن يرضى أن يبيعها بأضعاف ذلك، فذلك مكروه.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة من أن النقد في الغائب لا يجوز، كان الذي اشترى به عينا أو عرضا.
وقوله إن ذلك لا يصلح، وإن كان اشتراه على كذا، وإن اشترط كذا - معناه: أن ذلك لا يصلح؛ لأنه إن اشتراه على كذا فهو غرر؛ وإن اشتراه على كذا فهو غرر.
يقول: إن شراء الميراث الغائب فيه العين والعرض بعرض نقدا، لا يخلو من أحد هذين الوجهين، وكلاهما فاسد فلا يجوز؛ ولو اشتراه على أن يمسك العرض عنده ولا ينقده حتى يدري هل يجد الميراث على ما اشتراه عليه من الصفة لم يجز أيضا؛ لأنه إن مضى إلى موضع الميراث فوجده على ما اشتراه عليه لم يجز له أن يقبضه؛ لأنه يصير المشتري للميراث قد باع العرض الغائب الذي كان ثمنا للميراث بالميراث فانتقده فيصير نقدا في غائب.
والوجه الذي يجوز في ذلك: أن يتواضع العرض بيد أمين ويخرج إلى الميراث، فإن وجده على ما اشتراه، صح له قبضه على ما يأتي في رسم الجواب من سماع عيسى، وفي سماع أصبغ من جامع البيوع؛ وكذلك القول في كل غائب لا يجوز فيه النقد ويشترى بعرض.
وأما إذا اشترى الغائب الذي لا يجوز فيه النقد بعين، فهو جائز إذا لم ينقده، ولو كان الميراث الغائب المشترى عينا موضوعا دون غيره، لجاز أن يشتريه بعرض على أن ينقده إذا اشترط أنه ضامن للعين الغائب؛ وقد قيل: إنه إذا اشتراه بعرض ونقده، كان البائع للعين الغائب ضامنا له وإن لم يشترط عليه الضمان؛ والقولان في الرواحل والدواب من المدونة، والقول بأنه ضامن وإن لم يشترط عليه الضمان على قياس القول بأن العين لا يتعين، والقول بجواز اشتراط ضمانه استحسان؛ لأن القياس فيه على القول بأن العين يتعين ألا يجوز اشتراط ضمانه كالعروض التي تتعين.
حلف ألا يبيع سلعة سماها
ومن كتاب أوله حلف ألا يبيع سلعة سماها وسئل مالك: عن رجل باع طعاما أو زيتا أو غير ذلك، وهو ممن يعين، فباعه متاعا بثمن إلى أجل، فباعه الذي اشتراه، ثم جاءه بعد ذلك، فقال: إني قد وضعت فيما بعت وضيعة كثيرة، فخفف عني من الثمن الذي بعتني به، فوضع له من ذلك؛ قال: هذا لا خير فيه.
فقلت له: فما مكروه ذلك؟ قال: إنه يبيعه حين يبيعه كأنه يقول له كم تربح علي؟ قال: على العشرة اثني عشر، أو أقل أو أكثر، فهو يراوضه على ذلك، فيذهب فيبيع السلعة، فإن نقصت، رجع إليه فوضع عنه ورده إلى ما كان راوضه عليه من العشرة اثني عشر، فكأنه إنما يبيع له على المرواضة في ذلك، وقال: إنما يعمل على شيء قد قاضاه إياه على العشرة اثني عشر، فهذا لا خير فيه.
قال: وأخبرني داود بن دينار أن ابن هرمز كرهه.
قال محمد بن رشد: تفسير المكروه الذي وصفه في هذه المسألة، هو أن الرجل يأتي إلى الرجل من أهل العينة، فيقول له: أسلفني عشرة مثاقيل في أحد عشر مثقالا إلى شهر، فيقول له: لا أسلفك إياها إلا في ثلاثة عشر مثقالا، فيتراوضان حتى يتفق معه على أن يسلفه العشرة ويرد عليه اثني عشرة، ثم يقول له: إن هذا لا يحل، ولكن عندي سلعة قيمتها عشرة دنانير، أبيعها منك باثني عشر دينارا إلى شهر، فتبيعها أنت بعشرة فيتم لك ما أردت، فيأخذ منه السلعة على هذا، فيبيعها بثمانية مثاقيل، ثم يأتي إليه فيقول له: لم تساو السلعة عشرة دنانير وقد وضعت فيها وضيعة
كبيرة من العشرة، فحط عني من الاثني عشر التي وضعتها وما يجب لها من الدينارين اللذين بنيت على أن تربح معي في العشرة، وذلك ديناران وخمسا دينار، فيحط ذلك عنه تتميما لما كان راوضه عليه من أن يربح معه في العشرة دينارين، فيأخذ منه في الثمانية التي باع السلعة بها تسعة وثلاثة أخماس، فيئول الأمر بينهما إلى أن أسلفه ثمانية مثاقيل في تسعة وثلاثة أخماس، فهذا مما يتهم فيه أهل العينة ويحملون عليه، لعلمهم بالربا واستحلالهم له.
مسألة: رجال من أهل الفضل يتجرون في العينة ثم تركوها وهم يرون فضلها
مسألة وقال مالك: كان رجال من أهل الفضل يتجرون في العينة ثم تركوها وهم يرون فضلها لما استرابوا منها.
قال محمد بن رشد: العينة على ثلاثة أوجه: جائزة، ومكروهة، ومحظورة؛ فالجائزة أن يأتي الرجل إلى الرجل منهم فيقول له: أعندك سلعة كذا وكذا تبيعها مني بدين؟ فيقول: لا، فيذهب عنه فيبتاع المسئول تلك السلعة، ثم يلقاه فيقول له: عندي ما سألت فيبيع ذلك منه.
والمكروهة أن يقول له: عندك كذا وكذا تبيعه مني بدين؟ فيقول: لا، فيقول له: أتبيع ذلك وأنا أبتاعه منك بدين وأربحك فيه، فيشتري ذلك ثم يبيعه منه على ما تواعدا عليه، والمحظورة أن يقول الرجل للرجل: اشتر
سلعة كذا وكذا بكذا وكذا، وأنا أشتريها منك بكذا وكذا، وهذا الوجه فيه ست مسائل تفترق أحكامها بافتراق معانيها:
إحداها: أن يقول له: اشتر سلعة كذا بعشرة نقدا وأنا أشتريها منك باثني عشر نقدا، فهذا أجازه مالك مرة، إذا كانت البيعتان بالنقد وانتقد، وكرهه مرة للمراوضة التي وقعت بينهما في السلعة قبل أن تصير في ملك المأمور.
والثانية: أن يقول له: اشتر سلعة كذا بعشرة نقدا، وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل، فهذا لا يجوز، إلا أنه اختلف فيه إذا وقع على قولين: أحدهما: أن السلعة لازمة للآمر باثني عشر إلى أجل؛ لأن المأمور كان ضامنا لها لو تلفت في يده قبل أن يبيعها من الآمر، ويستحب له أن يتورع فلا يأخذ منه إلا ما نقد فيها، وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون من كتاب البضائع والوكالات وروايته عن مالك.
والثاني: أن البيع يفسخ وترد السلعة إلى المأمور، إلا أن تفوت فتكون فيه القيمة معجلة كما يفعل في البيع الحرام؛ لأنه باعه إياها قبل أن يجب له فيدخله بيع ما ليس عندك.
والثالث: عكسها، وهو أن يقول له: اشتر سلعة كذا وكذا باثني عشر إلى أجل وأنا أبتاعها منك بعشرة نقدا، فهذا لا يجوز أيضا، إلا أنه يختلف فيه إذا وقع على القولين المذكورين، يلزم الآمر السلعة بالعشرة نقدا.
ويستحب له أن يزيده الدينارين على القول الأول، ويفسخ البيع على القول الثاني، وترد السلعة إلى المأمور، إلا أن تفوت بيد الآمر فتكون عليه فيها القيمة، كما يفعل في البيع الحرام على القول الثاني، وهو قول ابن حبيب.
والرابع:
أن يقول له: اشتر سلعة كذا بعشرة نقدا، وأنا أبتاعها منك باثني عشر، فهذا مرجع الأمر فيه إلى أن الآمر استأجر المأمور على أن يبتاع له السلعة بدينارين أجرة، فإن كان النقد من عند الآمر، أو من عند المأمور بغير شرط فهو جائز، وإن كان من عند المأمور بشرط كانت إجارة وسلفا؛ لأنه استأجره بدينارين على أن يشتري له السلعة وينقد عنه، فتكون له إجارة مثله، إلا أن يكون أكثر من الدينارين، فلا يزاد عليهما على مذهب ابن القاسم في البيع والسلف إذا كان السلف من عند البائع وفاتت السلعة، أن للبائع الأقل من القيمة أو الثمن، وإن قبض السلف، وتكون له إجارة مثله بالغة ما بلغت على مذهب ابن حبيب في البيع والسلف إذا قبض السلف وفاتت السلعة، أن فيها القيمة بالغة ما بلغت؛ والأصح ألا تكون له أجرة؛ لأنا إن أعطيناه الأجرة كان الثمن ثمنا للسلف، فكان ذلك تتميما للربا الذي عقدا عليه، وهو قول سعيد بن المسيب، وهذه الثلاثة الأقوال إذا عثر على الآمر بعد أن نقد المأمور الثمن وقبل أن يحل الأجل؛ لأن السلف وإن كان حالا فلا بد من الحكم فيه بأجل، ولو عثر على الآمر بعد أن ابتاع المأمور السلعة وقبل أن ينقد الثمن، لكان النقد على الآمر ولم يكن فيما يجب للمأمور من الأجرة إلا قولان: أحدهما: أن له الأجرة بالغة ما بلغت.
والثاني: أن له الأقل، ولو لم يعثر على ذلك إلا بعد حلول الأجل، لم يكن فيما يجب للمأمور من الأجرة إلا قولان: أحدهما: أن له الأجرة بالغة ما بلغت.
والثاني: أنه لا شيء له.
والخامسة: أن يقول له: اشتر لي سلعة كذا وكذا بعشرة نقدا وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل، فهذا حرام لا يحل ولا يجوز؛ لأنه رجل ازداد في سلفه، فإن وقع ذلك لزمت السلعة للآمر؛ لأن الشراء كان له، وإنما أسلفه المأمور ثمنها ليأخذ منه أكثر منه إلى أجل، فيعطيه العشرة معجلة ويطرح عنه ما أربى، ويكون
له أجرة مثله بالغة ما بلغت في قول، والأقل من أجرة مثله أو الدينارين في قول ولا يكون له شيء في قول؛ لئلا يكون ذلك تتميما للربا فيما بينهما على ما مضى من الاختلاف في المسألة التي قبلها.
وقال في سماع سحنون: إن لم تفت السلعة فسخ البيع وهو بعيد، فقيل: معنى ذلك إذا علم البائع الأول بعملهما.
والسادسة: أن يقول له: اشتر لي سلعة كذا باثني عشر إلى أجل، وأنا أشتريها منك بعشرة نقدا، فهذا حرام لا يجوز، ومكروهة إذا استأجر المأمور على أن يبتاع له السلعة بسلف عشرة دنانير يدفعها إليه ينتفع بها إلى أجل ثم يردها إليه، فإذا وقع ذلك لزمت الآمر السلعة باثني عشر إلى أجل؛ لأن الشراء كان له ولا يتعجل المأمور منه العشرة النقد، وإن كان قد دفعها إليه صرفها عليه ولم تترك عنده إلى الأجل، وكان له جعل مثله بالغا ما بلغ في هذا الوجه باتفاق، والله أعلم.
مسألة: رجل ممن يعين يبيع السلعة من الرجل بثمن إلى أجل
مسألة وسئل مالك: عن رجل ممن يعين يبيع السلعة من الرجل بثمن إلى أجل، فإذا قبضها منه ابتاعها منه رجل حاضر، كان قاعدا معهما، فباعها منه؛ ثم إن الذي باعها الأول اشتراها منه بعد، وذلك في موضع واحد، قال: لا خير في هذا، ورآه كأنه محلل فيما بينهما، وقال: إنما يريدون إجازة المكروه.
قال سحنون: وأخبرني ابن القاسم عن ابن دينار أنه قال: هذا مما يضرب عليه عندنا، وهو مما لا يختلف فيه أنه مكروه، وأرى أن
يزجر عنه، وأن يؤدب من فعله؛ قال ابن القاسم: ورأيتها عند مالك من المكروه البين.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على طرد القياس في الحكم بالمنع من الذرائع؛ لأن المتبايعين إذا اتهما على أن يظهرا أن أحدهما باع سلعة من صاحبه بخمسة عشر إلى أجل ثم اشتراها منه بعشرة نقدا، ليتوصلا بها إلى استباحة دفع عشرة في خمسة عشر إلى أجل، وجب أن يتهما على ذلك، وإن اشتراها الذي باعها من غير الذي باعها منه إذا كان في مجلس واحد، لاحتمال أن يكونا إنما أدخلا هذا الرجل فيما بينهما لتبعد التهمة عن أنفسهما ولا تبعد عنهما به؛ لأن التحيل به ممكن بأن يقولا لرجل مثلهما في قلة الدعة: تعال تشتري من هذا الرجل هذه السلعة التي تبيعها منه بخمسة عشر إلى أجل بعشرة نقدا، وأنا أبتاعها منك بذلك، أو تربح دينارا فتدفع إليه العشرة التي تأخذ مني ولا تزد من عندك شيئا، فيكون إذا كان الأمر على هذا، قد رجعت إلى البائع الأول سلعته، ودفع إلى الذي باعها منه عشرة دنانير، يأخذ بها منه خمسة عشر إلى أجل؛ ويكون إذا كان قد ابتاعها من الثاني بربح دينار على الشرط المذكور، قد أعطاه ذلك الدينار ثمنا لمعونته إياه على الربا؛ ولو باع الرجل من الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم مات، لم يجز لورثته أن يشتروها منه بأقل من ذلك الثمن نقدا؛ لأنهم يتهمون على إتمام ما قصد إليه موروثهم من استباحة الربا، ولو مات المشتري لجاز للبائع أن يشتريها من
ورثته؛ لأن الثمن قد دخل عليه بموته، قاله ابن القاسم في الدمياطية.
مسألة: باع من رجل طعاما إلى أجل فاكتال الطعام وانتقله
مسألة وسئل مالك: عن رجل باع من رجل طعاما إلى أجل فاكتال الطعام وانتقله، ثم إنه لقيه بعد ذلك، فسأله أن يقيله منه كله أو بعضه.
فقال: أما كله فلا بأس به، وأما بعضه فإنه مكروه.
قال ابن القاسم: وقال لي مالك: وذلك أنه يصير بيعا وسلفا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه إذا استقاله من بعضه بعد أن انتقله وغاب عليه، يدخله بيع وسلف؛ لأن الطعام لا يعرف بعينه إذا غاب عليه فيكون ما أقاله منه كأنه قد أسلفه إياه، فرده إليه على أن باعه ما لم يقله منه؛ فيتهمان على أنهما أظهرا البيع في جميعه والإقالة من بعضه على أن يجيزا فيما بينهما البيع والسلف، فيمنعان من ذلك حماية للذرائع، ولو كان إنما باع منه الطعام بنقد، ثم استقاله من بعضه لجاز ولم يتهما في ذلك؛ إلا أن يكونا من أهل العينة، أو أحدهما؛ ولو باعه منه بنقد فانتقد، لجاز أن يقيله مما شاء منه وإن كان من أهل العينة، إذ قد انفصلا بالنقد ولم يبق بينهما سبب، وبالله التوفيق.
سلف في طعام مضمون إلى أجل
ومن كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا وسئل: عمن سلف في طعام مضمون إلى أجل، واشترط المشتري على البائع أن عليه حملانه من الريف إلى
الفسطاط، وإنما كان اشتراه منه على أن يوفيه إياه بالريف، قال: ما أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال: إنه لا بأس به؛ لأنه بيع وإجارة؛ لأن السلم بيع من البيوع سلم إليه في الطعام على أن يوفيه إياه بالريف، واستأجره على أن يحمله له من الريف إلى الفسطاط في صفقة واحدة، والبيع والإجارة جائز أن يجتمعا في صفقة واحدة.
مسألة: الصبرة بين الرجلين يشتريانها فيريد أحدهما أن يربح صاحبه فيها قبل أن ينتقلاها
مسألة وسئل مالك: عن الصبرة بين الرجلين يشتريانها فيريد أحدهما أن يربح صاحبه فيها قبل أن ينتقلاها، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: إذا جاز ذلك قبل أن ينتقلاها، فأحرى أن يجوز ذلك بعد أن ينتقلاها؛ وكذلك لو اشترى نصف الصبرة وبقي فيها شريكا مع البائع، أو ثمر نصف حائط رجل بعد أن أزهى، لجاز له أن يبيع ذلك قبل أن يستوفيه على هذا القول، وقد وقع ذلك في رسم سن من سماع ابن القاسم بعد هذا، ووقع في رسم سن من سماع ابن القاسم من كتاب جامع البيوع أن مالكا كان يقول قديما: إذا اشترى جزءا من صبرة، فليس له أن يبيعها حتى يستوفيه.
ووجه هذا القول: أنه لما كان لا يقدر على أن يبين بحظه من الصبرة أو من الثمرة إلا بالقسمة بالكيل فيما يكال من ذلك، أو بالوزن فيما يوزن منه، أو العدد فيما يعد منه - أشبه من اشترى شيئا من الطعام كيلا أو وزنا أو عددا في أنه لا يبيعه حتى يستوفيه، والقول الآخر هو مقتضى القياس؛ لأن حظه من الصبرة أو الثمرة
داخل في ضمانه بالعقد- وإن لم يستوفه كما تدخل جميع الصبرة والثمرة في ضمانه بعقد الشراء وإن لم يستوفهما.
مسألة: اشترى ثوبا بثلثي دينار إلى أجل من رجل ثم اشترى منه ثوبا آخر إلى أجل أبعد
مسألة وسئل مالك: عن رجل اشترى ثوبا بثلثي دينار إلى أجل من رجل، ثم اشترى منه ثوبا آخر إلى أجل أبعد من ذلك الأجل بثلثي دينار؛ فلما حل أجل الثوب الأول، قال البائع للمبتاع: أقر عندك الثلثي الدينار حتى يحل حق الثوب الآخر فتعطيني دينارا وثلثا، قال: لا خير فيه.
قال ابن القاسم: وقد كرهته لمن سأل عنه، ثم أخبرني أنه سأل مالكا فقال مثله.
قال محمد بن رشد: الكراهة في ذلك بينة على مراعاة ما يوجبه الحكم في القضاء من أن يقضيه صرف الثلثي الدينار إذا حل أجل الثوب الأول بأخذه بما يجب له من صرف ثلثي الدينار من الدراهم، على أن يأخذ منه في ذلك ذهبا، ويتخرج إجازة ذلك على مراعاة ما ثبت له في الذمة؛ لأنه إنما له في ذمته ثلثا مثقال ذهب، فلا بأس أن يؤخره به ما شاء، ولا يدخله شيء من جهة الصرف، وقد مضى بيان هذا المعنى في رسم حلف ورسم سلف من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف؛ والأظهر في هذه المسألة أن ذلك لا يجوز؛ لأنه وإن لم يدخله شيء من جهة الصرف على هذا القول، فيدخله سلف جر نفعا بما نواه مما يفسد نيته في السلف.
مسألة: يبيع الزيت أرطالا كذا وكذا بكذا
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يبيع الزيت أرطالا كذا وكذا، بكذا
وكذا دينارا إلى أجل، فيزن له فيفضل له عنده الرطلان ينقصان من وزنه، فيقول المشتري للبائع: هما لك.
قال: ما أرى فيه من بأس، ولكن أخاف أن يكثر، فإن كثر فلا يعجبني؛ فأما الشيء اليسير مثل هذا فلا أرى به بأسا، قال سحنون: لا بأس به قليلا كان أو كثيرا.
قال محمد بن رشد: اتقى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذا كثر ما نقص من الوزن فتركه له أن يكون إنما فعل ذلك رجاء أن يوسع له في الثمن إذا حل الأجل، فيدخله ما نهي عنه من هدية المديان؛ واستخف ذلك سحنون وإن كان كثيرا؛ لأنه من ناحية ما يندب إليه المتبايعان من السماحة في البيع، فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رحم الله عبدا سمحا إن باع سمحا، إن قضى سمحا، إن اقتضى» ، فلا يقام من هذا أن سحنون يجيز هدية المديان إذا كانت مبتدأة على غير هذا الوجه، بل لا يحل عنده ولا عند أحد من أهل العلم لمن عليه دين أن يهدي لمن له الدين رجاء أن يؤخره بما له عليه من الدين، ولا يحل لمن له الدين أن يقبل منه الهدية إذا علم أن ذلك غرضه فيها، ولا حرج على من أهدى لصاحب دينه إذا صحت نيته في ذلك، وقد كان ابن شهاب تكون عليه الديون، فإذا جاءه غرماؤه، أجازهم ولم يقضهم بصحة نيته في ذلك، ويكره لمن يقتدي به أن يقبل ذلك منه، فقد رد عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هديته على أبي بن كعب من أجل ماله عنده، لئلا يقتدي به في ذلك، فيكون ذريعة إلى استجازة ذلك والعمل به حتى يكثر فيوقع في المحظور منه، هذا وجه رد عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عليه هديته، إذ ليس من أهل التهم، والله أعلم.
مسألة: باع سلعة بثمن إلى أجل ثم ابتاعها بنقد بأقل مما باعها به قبل محل الأجل
مسألة قال ابن القاسم: قال مالك في رجل باع سلعة بثمن إلى أجل، ثم ابتاعها بنقد بأقل مما باعها به قبل محل الأجل، فلم يعلم بذلك حتى فاتت السلعة وحل الأجل، قال: يفسخ البيع بينهما ولا يكون له إلا ما نقده في ثمنها.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن السلعة إذا فاتت فسخت البيعتان جميعا، ولم يكن في ذلك قيمة، كانت القيمة أقل من الثمن الذي باعها به أولا أو أكثر، إذ لم يفرق بين ذلك، وقال: إنه لا يكون للبائع الأول إلا الثمن الذي نقده؛ وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي تأويلا على ابن القاسم، وذلك بين من قوله في رسم القطعان من سماع عيسى بعد هذا.
وقد قيل: إنه لا تفسخ البيعة الأولى وتصحح البيعة الثانية بالقيمة، فإن كانت أقل من الثمن الذي نقد رد إليه الزائد، وإن كانت أكثر منه أدى تمامها؛ ثم ينظر إلى هذه القيمة، فإن كانت أكثر من الثمن الذي باعها به أولا، أخذ الثمن إذا حل الأجل؛ إذ لا تهمة في ذلك؛ وإن كانت القيمة أقل من الثمن الذي باعها به أولا، لم يكن له على المشتري الأول أكثر من ذلك؛ لئلا يكون قد دفع دنانير في أكثر منها، فيتم الربا بينهما؛ وهذا يأتي على ما في سماع يحيى وسحنون من هذا الكتاب.
وقيل: إنه إن كانت القيمة أقل من الثمن الذي باعها به أولا، فسخت البيعتان، ولم يكن للبائع على المبتاع إلا الثمن الذي دفع إليه، ولم يكن في ذلك قيمة، وإن كانت أكثر من الثمن، لم تفسخ البيعة الأولى وصححت الثانية بالقيمة على حسبما ذكرناه؛ فإذا حل الأجل، أخذ الثمن؛ وإلى هذا ذهب عبد الحق تأويلا على ابن القاسم، وهو قول سحنون أيضا، واختلف بما تفوت به السلعة، فقيل: إنها تفوت بحوالة الأسواق، وهو مذهب سحنون، والصحيح أنها لا تفوت إلا بالعيوب المفسدة، إذ ليس ببيع فاسد لثمن ولا
مثمون، وإنما فسخ من أجل أنهما تطرقا به إلى استباحة الربا؛ وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي وغيره من المتأخرين.
وأما إذا كانت السلعة لم تفت فلا تفسخ على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك إلا البيعة الأخيرة.
وذهب ابن الماجشون إلى أن البيعتين جميعا يفسخان، وهو الصحيح في النظر؛ ودليله من جهة الأثر قول عائشة لزيد بن أرقم: "بئس ما شريت وبئس ما اشتريت"؛ لأنها عابت البيعتين جميعا على ما وقع في بيوع الآجال من المدونة.
وقد رُوِيَ: "بئس ما شريت أو بئس ما اشتريت" على الشك من المحدث، فعلى هذا لا يكون لابن القاسم في الحديث حجة.
وقد قيل: إن قوله في كتاب العيوب من المدونة، وإنما اختلف الناس في السلعة الأولى راجع إلى هذا الاختلاف.
مسألة: الفول والعدس والحمص وحكم الفضل بينهما
مسألة قال مالك، في الفول والعدس والحمص مثل ما قال لي عام الأول: لا يصلح الفضل بينهما، وسألت ابن القاسم عن هذا، فقال: لا بأس به، وبه قال أصحاب مالك كلهم.
قال محمد بن رشد: القطاني كلها عند ابن القاسم وسائر أصحاب مالك في البيوع أصناف مختلفة، واختلف قول مالك في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها أصناف مختلفة، والثاني: أنها صنف واحد، والقولان له في السلم الثالث من المدونة، والثالث: أن ما كان منها يشبه بعضه
بعضا، يريد في المنفعة كالحمص والعدس فهو صنف واحد لا يجوز فيه التفاضل؛ وما كان منها لا يشبه بعضه بعضا في ذلك فهو صنفان، يجوز التفاضل فيهما، وهو قول مالك في سماع أشهب من جامع البيوع، وروى ابن عبد الحكم عنه أن اللوبيا والحمص صنف واحد، وأن العدس والبسيلة صنف واحد.
وفي كتاب الوقار: أن الجلبان والبسيلة صنف واحد، وليس ما في كتاب ابن عبد الحكم، وكتاب الوقار بخلاف لرواية أشهب؛ لأن الحمص واللوبيا والعدس والجلبان والبسيلة يقرب بعضه من بعض في المنفعة، والذي يتباعد بعضه من بعض، هو مثل الفول والحمص والترمس والكرسنة وما أشبه ذلك، ولا اختلاف بينهم في القطاني ألها صنف واحد في الزكاة، وبالله التوفيق.
ابتاع طعاما إلى أجل من رجل فمات الذي عليه الحق
ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء وسئل مالك: عن رجل ابتاع طعاما إلى أجل من رجل، فمات الذي عليه الحق، فقيل للذي له الحق: خذ حقك، فقال: ذلك له الورثة، قال: لا، حتى يحل حقي.
قال: أرى أن يجبر على أخذه، وذلك أن مال الميت يباع، فلعله أن لا يكون فيه وفاء، فأرى أن يجبر على ذلك، قال ابن القاسم: في العروض يجبر على أخذها في الموت والفلس.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن الميت إذا مات فقد وجب لورثته اقتسام ماله بعد تأدية الديون منه؛ لقوله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] فلا يلزم الورثة أن
يؤخروا ترك القسمة حتى يحل ما عليه من الدين إذا دعا إلى ذلك صاحب الدين، وإن كان الدين عرضا أو طعاما لم يكن للميت أن يعجله، كما لا يلزم صاحب الدين أن يؤخر دينه إلى حلول أجله إذا دعا إلى ذلك الورثة، وقالوا: نحن نؤخر قسمة التركة إلى أن يحل أجل حقه؛ لأن كل واحد منهم يحتج بما يخشى من تلف التركة فلا يؤخر الدين إلى حلول أجله، إلا بتراضي جميعهم على ذلك، وكذلك التفليس سواء، إلا أن يشاء صاحب الدين في التفليس أن يخلي بين الغرماء وبين اقتسام ماله ويؤخر بدينه فيتبعه به في ذمته إذا حل الأجل، فيكون ذلك له، ولا فرق في هذا بين العين والعرض، وإنما خص ابن القاسم العروض بالذكر على سؤال السائل، ولا إشكال في أن العين بذلك الحكم أحرى، وبالله التوفيق.
يكون أجيره يسأله عشرة دراهم فيسأله الأجير أن يعطيه بها ثوبا فيقول ما عندي
ومن كتاب أوله سن رسول الله وسئل مالك: عن رجل يكون أجيره يسأله عشرة دراهم فيسأله الأجير أن يعطيه بها ثوبا، فيقول: ما عندي، ولكن إن شئت اشتريت لك بها ثوبا.
فكرهه مالك، وقال: أنا أخبرك في هذا بالصواب، يشتري الثوب لنفسه ثم يبيعه إياه بعد، يعني: الأجير.
قال محمد بن رشد: إنما كره ذلك مالك مخافة أن يعطيه الثوب من عنده ولا يشتريه له، فيدخله فسخ الدين في الدين، ولو اشتراه له بحضرته لجاز، وهذا ظاهر ما في المدونة، وروي ذلك عن سحنون، وقد قيل: إن ذلك جائز -وإن لم يشتره بحضرته- إذا كان معه حاضرا في البلد، وهو قول مالك وسحنون في رسم صلى نهارا ثلاث ركعات من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات، وفي إجازة ذلك وإن اشتراه بحضرته
مغمز؛ لأنه كأنه أخره بحقه على أن يشتري له، فيدخله سلف جر منفعة؛ وأما إن لم يكن معه حاضرا في البلد فلا يجوز باتفاق.
واختلف إن ادعى أنه اشتراه فتلف، هل يصدق أم لا - على قولين قائمين من المدونة من مسألة الغرائر واللؤلؤ، وروى ابن أبي جعفر الدمياطي عن ابن القاسم أنه إنما يصدق في الشراء والتلف فيما يجوز الشراء فيه - إذا كان حاضر البلد هو أو وكيله.
وأما إذا كان غائبا عن البلد حيث لا يجوز الشراء، فلا يصدق على التلف إلا أن يقيم البينة على الشراء، وفي رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب البضائع والوكالات، ومن كتاب جامع البيوع، أنه يصدق في دعواه الشراء والتلف، وإن كان غائبا عن البلد حيث لا يجوز الشراء.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: يصدق في الوجهين جميعا، ولا يصدق في واحد منهما، والفرق بينهما، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول اشتر هذا الثوب بعشرة دنانير وهو لي بأحد عشر دينارا
مسألة وقال مالك في الذي يقول اشتر هذا الثوب بعشرة دنانير، وهو لي بأحد عشر دينارا، قال: ليس هذا من بيوع الناس، وقد سمعت من يكرهه، ولكن أرى إما أن يقول اشتره لي ولك دينار فلا بأس به؛ لأن ضمانه من الذي يشتريه له.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم حلف ألا يبيع رجلا، فلا معنى لإعادته.
مسألة: اشترى خمسين صاعا بخمسين درهما على أن يعطيه عشرة آصع في كل شهر
مسألة وسئل: عن رجل اشترى خمسين صاعا بخمسين درهما على
أن يعطيه عشرة آصع في كل شهر، وعلى أن ينقده عند البيع عشرة دراهم، فكلما جاءه بعشرة آصع أعطاه عشرة دراهم، فكره ذلك، وقال: لا خير فيه؛ قال ابن القاسم: وذلك يدخله الدين بالدين.
قال محمد بن رشد: وهذا بيّن على ما قال: إن الدين يدخله، فلا وجه للقول فيه.
مسألة: اشترى نصف ثمرة بعدما أزهت وبدا صلاحها
مسألة وقال مالك: من اشترى نصف ثمرة بعدما أزهت وبدا صلاحها، فلا أرى بأسا ببيعها قبل أن يجدها.
وقال مالك، في الذي يشتري صبرة أو نصفها فلا أرى ببيعها بأسا قبل أن تنقل، وأحب إليّ لو نقلت قبل أن تباع.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم حلف ليرفعن أمرا، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
أسلف رجلا إردب قمح إلى أجل من الآجال
ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا
وسئل مالك: عن رجل أسلف رجلا إردب قمح إلى أجل من الآجال، فاحتاج صاحب الطعام إلى أن يبيعه، فباعه من الذي هو عليه قبل محل الأجل بدينار إلا درهما، يتعجل الدينار والدرهم ويبرأ كل واحد منهما من صاحبه.
قال: إن كان الأجل قد حل فلا بأس به.
قال: وإن كان لم يحل فلا خير فيه.
قال ابن القاسم: وأرجو أن يكون خفيفا، قال سحنون: قول مالك فيها أفضل، وهي صحيحة جدا.
قال محمد بن رشد: الاختلاف في هذا إذا كان الأجل لم يحل -
جار على اختلافهم في انحلال الذمم، هل هي بمنزلة انعقادها في اعتبار الأجل في ذلك، أو ليست بمنزلتها في ذلك إذ قد تباريا؛ وقد ذكرنا هذا المعنى في رسم القبلة قبل هذا، والأظهر في هذه المسألة الإجازة؛ لأن أشهب يجيز أن يبيع الرجل سلعة بدينار إلا درهما، يتعجل الدينار والدرهم وتتأخر السلعة.
مسألة: قلة الصير بالقلة الصير
مسألة قال: وسألت ابن القاسم: عن قلة الصير بالقلة الصير؟ قال: لا يصلح ذلك إلا بالتحري، يريد: الصير بالصير.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الصير بمنزلة الجبن واللبن، لا يجوز إلا مثلا بمثل، فلا يجوز جزافا بجزاف، ولا جزافا بمكيل؛ ولا يجوز إلا مثلا بمثل: إما بالوزن، وإما بالتحري؛ (لأن التحري) فيما يوزن جائز، قيل: فيما قل وكثر ما لم يكثر جدا حتى لا يستطاع تحريه، وهو ظاهر هذه الرواية.
وقيل: لا يجوز ذلك إلا فيما قل، وإلى هذا ذهب ابن حبيب وعزاه إلى مالك.
قيل: وإن لم تدع إلى ذلك ضرورة، وهو ظاهر ما في المدونة؛ لأنه أجاز فيها أن يباع اللحم باللحم تحريا، وأن يسلف فيه تحريا.
وقيل: إنه لا يجوز إلا عند عدم الميزان، وقيل: لا يجوز وإن عدم الميزان إلا في الطعام الذي يخشى فساده، إن ترك إلى أن يوجد ميزان، وهذا في المبايعة والمبادلة ابتداء.
وأما من وجب له على رجل وزن من طعام لا يجوز فيه التفاضل، فلا يجوز له أن يأخذه منه تحريا إلا عند الضرورة لعدم الميزان على ما قاله في نوازل سحنون من كتاب جامع البيوع، وبالله التوفيق.
رجل عين رجلا فباعه طعاما بثمن إلى أجل على أن ينتقد من ثمنه دينارا
ومن كتاب أوله يسلف في المتاع والحيوان وسئل مالك: عن رجل عين رجلا فباعه طعاما بثمن إلى أجل، على أن ينتقد من ثمنه دينارا، فكره ذلك؛ قال: وقال مالك: لست أول من كرهه، قد كرهه ربيعة وغيره.
قال محمد بن رشد: هذه بيعة واحدة صحيحة في ظاهرها، إذ يجوز للرجل أن يبيع سلعة بدينار نقدا ودينار إلى أجل؛ فلا يتهم بالفساد فيها إلا من علم ذلك من سيرته- وهم أهل العينة، والذي يخشى في ذلك أن يكون الذي تراوضا عليه وقصدا إليه أن يبيع منه الطعام على أن يبيع له منه بدينار، فيدفعه إليه ويكون الباقي له بكذا وكذا دينارا إلى أجل، وذلك غرر؛ إذ لا يدري ما يبقى له من الطعام إذا باع منه بدينار، فقد قال بعض أهل العلم: إنه لو دفع إليه الدينار من ماله، لم يكن به بأس؛ وفي سماع سحنون أن ذلك لا يجوز - وإن دفع إليه الدينار من عنده؛ لأنه يخلفه من الطعام - يريد: أن التهمة لا ترتفع عنه بذلك؛ لأنه إن كان البيع وقع على أن ينقده الدينار من الطعام، فلا يصلح أن يدفعه من عنده، كما أنه إذا وقع على الصحة لا يفسده أن ينقد الدينار من الطعام.
مسألة: الرجل يبيع كرمه على أن ينتقد عشرين دينارا ثم يعطيه ثلث الثمن إذا قطف ثلثه
مسألة وسئل: عن الرجل يبيع كرمه على أن ينتقد عشرين دينارا، ثم يعطيه ثلث الثمن إذا قطف ثلثه، ثم يعطيه البقية إذا قطف
الثلثين، قال: لا خير في هذا، وهذا ما لا يعرف متى يقطف الثلث أو الثلثين، ولكن إن اشترط عليه إذا اقتطفه، لم أر بذلك بأسا، وكأنه جعله مثل الحصاد والجداد فيما رأيت.
قال محمد بن رشد: وجه ما ذهب إليه مالك في تفرقته بين أن يبيع كرمه على أن يأخذ ثلث الثمن إذا قطف المشتري ثلثه، والباقية إذا قطف الثلثين الباقيين؛ وبين أن يبيعه على أن يأخذ جميع ثمنه إذا قطفه؛ هو أنه إذا سمى الثلث أو الثلثين، فقد صرح أنه أراد ثلث ذلك الكرم بعينه وثلثيه، وذلك غرر، إذ لا يعرف متى يقطف الثلث أو الثلثين؛ لأنه قد يعجل قطافه وقد يؤخره، وإذا لم يسم ثلثه ولا جزءا منه، وإنما باعه على أن يعطيه ثمنه إذا قطفه.
كأن المعنى في ذلك عنده: أنهم لم يقصدوا إلى قطاف ذلك الكرم بعينه، وإنما أراد أن يعطيه الثمن إذا قطفه حين يقطف الناس، فجاز البيع عنده؛ كمن باع إلى الحصاد أو إلى الجداد، ولو بين أنه إنما يبيعه منه على أن يعطيه ثمنه؛ إذا قطفه بعينه عجله أو أخره، لما جاز البيع؛ وقد ذكر أصبغ أن أشهب أجازه فيمن شرط إذا جد ثلثه دفع إليه ثلث الثمن، وإذا جد بقيته دفع إليه البقية، وقال مالك: النصف غير معروف، قيل: إنه يعرف بعدة الفدادين، قال: لا أحب ذلك، وليبعه إلى فراغه؛ فحمل أشهب أمرهما على أن البيع إنما وقع بينهما فيما ظهر إليه من قصدهما، على أن يعطيه ثلث
الثمن إذا جد ثلثه، والباقية إذا جد البقية - على تأن لا يتعجل عما جرت عادة الناس عليه في الجداد، ولا يتأخر عنه؛ وإلى هذا نحا مالك في هذا القول، إلا أنه رأى النصف والثلث غير معروف، إذ لا يعرف إلا بالخرص، والتحري إن تنازعا في ذلك، فلم يجزه، وأجازه في الكل؛ لأنه معروف لا يخفى.
وقال أبو إسحاق التونسي: إذا جاز أن يبيعه إلى فراغ جداده، جاز أن يبيعه إلى جداد نصفه؛ لأن النصف مقدر معروف لا يمكن أن يخفى.
وقول مالك عندي أصح وأولى، فلم يختلف قول مالك: إنه إذا باعه إلى قطافه، إن ذلك جائز؛ لأنه حمله في القول الواحد، على أنهما إنما أرادا إلى قطاف الناس، لا إلى قطاف ذلك الكرم بعينه؛ وفي القول الثاني: على أنهما إنما أرادا إلى قطاف ذلك الكرم بعينه، على أن لا يتعجل عن قطاف الناس، ولا يتأخر عنه؛ ولا اختلف قوله أيضا في أنه إذا باعه إلى قطاف نصفه أو ثلثه أن ذلك لا يجوز؛ لأنهما إن كانا أرادا إلى قطاف نصفه أو ثلثه، على أن لا يتعجل عن قطاف الناس ولا يتأخر عنه، فالنصف والثلث غير مقدر ولا معروف، فربما تنازعا في ذلك وهو لا يعرف إلا بالخرص والتحري الذي لا يجب له حكم؛ وأجاز أشهب البيع في الوجهين جميعا، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة.
مسألة: يقول له رجل: اكتب إلى شريكك يبتاع متاعا كذا وكذا وأبتاعه منك بدين
مسألة وسئل مالك: عن رجل من أهل الفسطاط يكون له شريك بالإسكندرية، فيقول له رجل: اكتب إلى شريكك يبتاع متاعا كذا وكذا، وأبتاعه منك بدين؟ قال مالك: لا خير فيه، والحاضر مثله سواء، كتب فيه أو اشتراه حاضرا، ثم خففه بالنقد؛ فقال: لا أرى به
بأسا.
قال سحنون: وهذا خطأ، ولا خير فيه بالنقد ولا إلى أجل؛ إلا أن يكون إنما أوجبها الأمر وله اشتراها، فيكون ذلك جائزا، ويكون هذا أجيرا يعطى أجرته.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم حلف أن لا يبيع سلعة سماها، فلا معنى لإعادته.
يأخذ الرجل النوى والقصب والتبن من ثمن طعام باعه إياه إلى أجل
ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق
قال مالك: ولا بأس أن يأخذ الرجل النوى والقصب والتبن من ثمن طعام باعه إياه إلى أجل، وذلك أنه ثمن العلف وليس من الطعام.
قال محمد بن رشد: هذا بين؛ لأنه إذا لم يكن من الطعام، فجائز أن يباع بالطعام إلى أجل، فكيف باقتضائه من ثمن الطعام.
مسألة: باع سلعة بخمسة عشر دينارا نقدا فانتقد عشرة ثم تقاضاه الخمسة فمطله
مسألة وسئل مالك: عمن باع سلعة بخمسة عشر دينارا نقدا فانتقد عشرة، ثم تقاضاه الخمسة فمطله؛ فقال له بَيِّعُهُ: هل لك أن أربحك ثلاثة دنانير وتؤخرني شهرين؟ قال مالك: إن كان رجلا يعرف بالعينة فلا أحبه، وإن كان رجلا ممن لا يعمل بالعينة وإنما هو رجل باع بيعا صحيحا، فلا أرى به بأسا.
قال محمد بن رشد: المكروه في هذه المسألة حاصل باجتماع الصفقتين؛ لأنه لما باع منه السلعة بخمسة عشر فانتقد منها عشرة ثم اشتراها منه بثمانية عشر إلى أجل، رجعت إليه سلعته فكانت لغوا، ويأخذ منه الخمسة التي بقيت له عليه، ويؤدي له ثمانية عشر إذا حل الأجل، فكان قد أخذ خمسة عشر في ثمانية عشر إلى أجل؛ وإن تقاضى من الثمانية عشر بالخمسة التي بقيت له عليه، كان قد أخذ عشرة في ثلاثة عشر إلى أجل، إلا أنه لما لم يبايعه أولا إلا بالنقد، لم يتهما، إلا أن يكونا من أهل العينة؛ لأن أهل العينة يتهمون فيما لا يتهم فيها أهل الصحة، لعملهم بالربا واستجازتهم له؛ وكذلك لو اشتراها منه بعد أيام ما لم يستوف منه الخمسة الباقية له عليه، وكذلك لو انتقد الخمسة عشر كلها منه، ثم ابتاعها منه إلى أجل بربح لم يجز في المجلس، ولا بقرب ذلك إن كانا من أهل العينة أو أحدهما حتى يطول الأمر ويبرءا من التهمة، والله الموفق.
مسألة: أهل البيت يحتاجون العجين فيتسلفون من بعض جيرانهم
مسألة وسئل مالك: عن أهل البيت يحتاجون العجين فيتسلفون من بعض جيرانهم، ثم يدفعون مكانه دقيقا يتحرون قدر ذلك؟ قال: لا بأس به.
قال محمد بن رشد: العجين ليس بصنعة، فلا يجوز بالدقيق متفاضلا باتفاق، ولا يمكن المماثلة فيه بالكيل ولا بالوزن؛ وقد اختلف: هل يجوز بالتحري؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك جائز، وهو قول ابن حبيب
في الواضحة، وأحد قولي ابن القاسم في رسم حبل الحبلة من سماع عيسى بعد هذا.
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو أحد قولي ابن القاسم في رسم حبل الحبلة المذكور؛ قيل: لأنه لا يستطاع تحري ذلك، وقيل: لأن الدقيق أصله الكيل، والعجين أصله الوزن؛ ولا يباع ما أصله الوزن بالكيل، ولا ما أصله الكيل بالوزن؛ ولا يتحرى ما أصله الكيل، إنما يتحرى ما أصله الوزن؛ قال ذلك سحنون، وليس قوله ببين؛ لأنه إنما لم يجز مبادلة ما لا يجوز فيه التفاضل مما يكال بالتحري، إذ لا يعدم المتبادلان ما يكملان ذلك له بقدح أو صحفة وإن لم يكن مكيالا معلوما فتحصل المماثلة (به) ، وقد يعدمان الميزان في تبادل ما لا يجوز فيه التفاضل مما يوزن؛ والعجين لا يمكن كيل ما فيه من الدقيق بحال، فينبغي أن يكون التحري فيه أجوز من تحري ما يوزن لعدم الميزان؛ ولهذه الضرورة التي هي أمس من ضرورة عدم الميزان، أجاز ابن القاسم في سماع أبي زيد من جامع البيوع خبز القمح بخبز الشعير، بأن يتحرى كيل ما في كل واحد منهما من الدقيق؛ وقد أجاز في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع - التمر المنثور بالمكتل على التحري، إذ لا يتأتي كيل التمر المكتل، فكيف هذا؟
والقول الثالث: أن ذلك يجوز في الشيء اليسير مثل الخميرة يتسلفها الجيران بعضهم من بعض فيردون فيها دقيقا، أو يتبادلون فيها بالدقيق؛ وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية، ونص قوله في كتاب ابن المواز، وقول أشهب، وبالله التوفيق.
يكون له على الرجل عشرة دنانير من سلف أو بيع إلى أجل فحل الأجل
ومن كتاب أوله الشريكين وسألت مالكا: عن الرجل يكون له على الرجل عشرة دنانير