البيان والتحصيلصفحات 329-368
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب كراء الدور والأرضين

صفحات 329-368
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أيضا أن يلزمهم أن يتجروا به، ويأخذوه بغير اختيارهم، وذلك بين في رسم يسلف بعد هذا من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

مسألة: عجوز أكلت لحم جاريتها

مسألة وقال مالك في عجوز أكلت لحم جاريتها قيل له: يا أبا عبد الله نيبته؟ قال: لا، ولكن مضغته وأثرت بجلدها - وأشار بيده - أثرا شديدا، فأمرت صاحب السوق أن يبيعها، ولم ير في ذلك عتقا.
قال محمد بن رشد: ولو نيبتها لم تعتق، قال ذلك أشهب وسحنون، ومثله في كتاب ابن المواز أن المثلة إنما تكون فيما لا ينجبر، وأما العضة والتنيب، فليس بمثلة تعتق بها، ولكن يؤدب السيد، وكذلك الحرق بالنار لا يكون مثلة إلا أن يتفاحش منظره، قاله في المدونة، وكذلك حلق رأس الجارية، ولحية الغلام ليس بمثلة، إلا في العبد النبيل التاجر، والأمة الرائعة.
قاله ابن الماجشون، عن مالك في الواضحة، وإن كتب في جبهة عبده بنار أو مداد وإبرة عبد فلان عتق عليه، وقال أشهب: لا يعتق عليه، ولا اختلاف في أنه يعتق عليه إذا قطع جارحة من جوارحه أنملة فما فوقها، إلا الضرس الواحدة والسن الواحدة، فإن أصبغ لم ير ذلك مثلة، وقال: لا يعتق عليه إلا في جل الأسنان وجل الأضراس، وأما بيعها عليه فهو صحيح؛ لأن ما فعلته بها ضرر بين بها، فالواجب أن تخرج عن ملك من أضربها، كما تطلق المرأة على زوجها إذا أضر بها ولم يؤمن على غيبها، وبالله التوفيق.

###: ليس للرجل أن يجعل على الرحبة نجافا وبابا ليختص بمنفعتها

ومن كتاب أوله حديث طلق وسئل مالك عن رجل له داران، وهما في رحبة وأهل الطريق ربما ارتفقوا بذلك الفناء إذا ضاق الطريق على الأحمال وما أشبهها، فدخلوا فيه، فأراد أن يجعل عليه نجافا وبابا حتى تكون الرحبة له فناء، ولم يكن على الرحبة باب، ولا نجاف، قال: ليس ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه ليس له أن يجعل على الرحبة نجافا وبابا ليختص بمنفعتها، ويقطع ما للناس من الحق في الارتفاق بها؛ لأن الأفنية لا تتحجر، إنما لأربابها الانتفاع بها، وكراؤها فيما لا يضيقها على المارة فيه من الناس، ولا يضر بهم فيه على ما يأتي في رسم تأخير صلاة العشاء بعد هذا، وقد اختلف أن يحجر من الفناء الواسع الشيء اليسير الذي لا يضر تحجيره بمن يمر في الطريق، هل يقر ذلك له أو يهدم عليه على ما يأتي في سماع زونان، وسماع أصبغ بعد هذا، وبالله التوفيق.

مسألة: بيع العهدة أترى أن يحمل عليها أهل الأمصار

مسألة وسألته عن بيع العهدة أترى أن يحمل عليها أهل الأمصار؟ فقال: وددت ذلك، ولكنهم لا يعبئون بها، ولقد كان ربيعة يقول: لوددت أن أمير المؤمنين جمع العلماء فاستشارهم في أمر الأحكام حتى يكتب لهم كتابا يجعله في الناس، يحملهم عليه كلهم حتى يكون ذلك أمرا واحدا، وقال مالك في بيع الجواري

اللائي يراد بهن الوطء، ينبغي للإمام أن يتقدم إلى الناس في ذلك حتى يحملوا على المواضعة، وذكر ذلك عندما كلمته في بيع أهل منى، وأهل مصر عند الخروج إلى الحج في الغرباء الذين يقدمون فداء أن يحملوا على ذلك على ما أحبوا أو كرهوا.
وروى أشهب عن مالك في كتاب الأقضية الثاني، قال: سألت مالكا عن عهدة السنة والثلاث، أترى أن يحمل أهل الآفاق على ذلك؟ فقال: ما أرى ذلك، وأرى أن يتركوا على حالهم، وليس في مثل هذا شيء، وهذا مثل بيع البراءة عندنا، وهم هاهنا بمكة أقرب إلينا لا يعملون به، وأرى أن يقروا، وذلك مثل بيع البراءة عندنا، قلت له: أرأيت الجواري؟ قال: لا أرى أن يبعن كذلك، وأرى فيهن المواضعة في الحيضة بمنى وغيرها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم الأقضية الثاني، من سماع أشهب، من كتاب العيوب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: المرأة تسأل زوجها أن تسلم على أخيها أو أبيها فيمنعها من ذلك

مسألة وسئل مالك عن المرأة تسأل زوجها أن تسلم على أخيها أو أبيها، فيمنعها من ذلك، أترى ذلك له؟ قال: لا، ليس له أن يمنعها من ذلك، ما لم تكن تكثر، وللأمور التي يريد أن يمنعها

لها وجوه، وليس كل النساء سواء، فأما المرأة المتجالة، فلا أرى ذلك له، ورب امرأة لا تؤمن في نفسها، فأرى ذلك له، فقيل له: أفتأذن له في ذلك وإن كره؟ قال: نعم، وإن هذا الأمر عندنا كثير يختصمون فيه، ولقد استشرت فيه، فرأيت أن يؤذن لهن إلا أن يكثرن من ذلك، أو يأتي من ذلك أمر لا يؤمن فيه، ولقد جاءني رجل فقال لي عن امرأة كان لها مال، وكانت تعطف به على زوجها، ثم إنها قطعت ذلك عنه، وأراد سفرا، وكانت في دار ليس معها فيها أحد إلا ذو محرم منها، فقال لها عند خروجه، وحرم عليها ألا تخرج من عتبة بيته، فأمرتها أن تخرج إليهم، ورأيت ذلك ضررا من فعله.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه ليس له أن يمنع زوجته من الخروج إلى أبيها وأخيها، وأنه يقضى عليه بذلك، هو مثل ما في رسم الطلاق الثاني، من سماع أشهب، من كتاب الأيمان بالطلاق، خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أنه لا يقضى عليه حتى يمنعها من الخروج إليهم، ويمنعهم من الدخول إليها، فحينئذ يقضى عليه بأحد الوجهين، كما أنه لا يحنث إذا حلف حتى يحلف على الطرفين، فيحنث في أحدهما، وهذا الخلاف عندي إنما هو في الشابة المأمونة، وأما المتجالة فلا اختلاف في أنه يقضى لها بالخروج إلى زيارة أبيها وأخيها، وأما الشابة غير المأمونة في نفسها فلا اختلاف في أنه لا يقضى لها بالخروج إلى ذلك ولا إلى الحج.
وروى ذلك ابن عبد الحكم عن مالك، والشابة محمولة على

أنها مأمونة حتى يثبت عليها بأنها غير مأمونة، هذا تحصيل القول في هذه المسألة على ما تدل عليه هذه الرواية وغيرها، ويلزم الرجل أن يأذن لامرأته في أن يدخل عليها ذوات رحمها من النساء، ولا يكون ذلك من الرجال إلا في ذي المحرم منهم خاصة، وقد مضى في أول رسم من سماع أشهب، من كتاب الصلاة، تحصيل القول في خروج النساء إلى الجنائز والمساجد والعيدين، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: للشرط المتصرفين بين أيدي القضاء في أمور الأحكام رزق من بيت المال

مسألة قال مالك: كان زياد بن عبيد الله يبعث شرطا في الأمر يكون بين الناس في المناهل، ويجعل لهم في أموالهم؛ فنهيته عن ذلك، وقلت: إنما هذا على السلطان يرزقهم، قيل له: فإن صاحب السوق جعل لمن ولي عليهم شركا معهم فيما اشتروا، فقال: ما أشرت به ولا أمرته بذلك، ثم قال: إن هذه الأمور يخاف فيها ما يخاف، وفسر فيها تفسيرا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن الواجب أن يجعل للشرط المتصرفين بين أيدي القضاء في أمور الأحكام رزقا من بيت المال؛ لأن ذلك من المنافع التي تعم المسلمين، فإن لم يفعل كان جعل الغلام المتصرف بين الخصمين على الطالب في إحضار خصمه المطلوب، إلا أن يلد المطلوب ويختفي ويغيب تعنيتا بالطالب، فيكون الجعل في إحضاره عليه، وأما جعل صاحب السوق لمن ولى على أهل السوق شركا معهم فيما اشتروا فالمكروه فيه بين، وذلك أنه إذا كان له معهم شرك فيما اشتروا سامحهم في الفساد لما له فيه من النصيب، وبالله التوفيق.

###: الاشتراء من أهل الذمة وهم يلزمون بالخراج

ومن كتاب أوله سن رسول الله وسئل مالك عن الاشتراء من أهل الذمة، وهم يلزمون بالخراج، فقال: إني لأكره الاشتراء منهم على هذه الحال، وعلى وجه الضغطة، فأما إذا لم يكن على هذه الحال، فلا أرى به بأسا، وقال ابن القاسم: قال مالك في الذي يضغط في الخراج، فيبيع بعض متاعه على وجه الضغطة.
قال ابن القاسم: أرى أن يرد عليه ما باع بغير ثمن يؤخذ منه إذا كان بيعه إياه على عذاب أو ما أشبهه من الشدة؛ لأن أخذه الذهب على تلك الحال ليس بأخذ، ولا أرى لمشتري ذلك أن يستحله، ولا يحبسه.
قال محمد بن رشد: إنما يرد عليهم ما اشترى منهم على وجه الضغطة إذا كان الذي يطلبون به ويضغطون فيه ظلما وتعديا، أو كانوا فقراء لا يلزمهم ما وجب عليهم حتى يوسروا، فيبيع عليهم ما لا يلزم بيعه، كثوب يستتر به وشبهه، فهذا يلزم مشتريه رده؛ لأنه بيع عليه ظلما، فأما أن يباع عليه شيء في حق واجب عليه من جزيته أو من غير جزيته تحت الضغط والإكراه، فلا يرد عليه، وهو سائغ لمن اشتراه منه، وقد كان ينبغي أن يترفق بهم في تقاضي ذلك منهم، وألا يعذبوا، وسبيل المضغوط من المسلمين على بيع متاعه في غير حق سبيل الذمي في رد ماله عليه بغير ثمن، بل هو في المسلم أشد؛ لأن حرمته أعظم، قال ذلك ابن حبيب، وحكاه عن مالك من رواية ابن القاسم عنه، وعن مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
وسواء علم المشتري في ذلك أنه مضغوط أو لم يعلم، قال ذلك ابن القاسم، عن مالك في المبسوطة، وسواء وصل الثمن من المبتاع إلى المضغوط، فدفعه المضغوط إلى الظالم، أو جهل هل دفعه إليه أو أدخله في منافعه، أو كان الظالم هو الذي تولى قبضه من المبتاع، للمضغوط في

ذلك كله أن يأخذ ماله من المشتري، أو ممن اشتراه من المشتري بغير ثمن، ويرجع المشتري من المشتري من المضغوط على المشتري من المضغوط، والمشتري من المضغوط على الظالم الضاغط، إلا أن يعلم أن البائع أدخل الثمن في منافعه، ولم يدفعه إلى الظالم، فلا يكون له إلى ذلك سبيل حتى يدفع الثمن إلى المشتري.
قال ذلك كله ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ، وذهب سحنون إلى أنه إذا كان المضغوط هو البائع القابض للثمن، فلا سبيل له إلى ما باع إلا بعد غرم الثمن، وحكاه عن مالك، وقال ابن كنانة: بيعه لازم له، غير مفسوخ عنه، وهو أحرى لوجوبه عليه ولزومه إياه؛ لأنه أنقذه مما كان فيه من العذاب والسجن، والذي مضى عليه عمل القضاة أنه من تصرف للسلطان في أخذ المال وإعطائه، أنه إذا أضغط فيه فبيعه جائز، ولا رجوع له فيه، وإن كان ممن لم يتصرف في أخذ المال وإعطائه، فلا يشتري منه إذا أضغطه، فإن اشترى منه، فله القيام، وهو صحيح؛ لأنه إذا ضغط فيما خرج عليه من المال الذي تصرف فيه، أو تبين أنه حصل عنده، فلم يضغط إلا فيما صار عنده من أموال المسلمين، وذلك حق، وبالله التوفيق.

مسألة: لا تترك المرأة الشابة تجلس إلى الصناع

مسألة قال مالك: أرى للإمام أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم، وأرى ألا تترك المرأة الشابة تجلس إلى الصناع، فأما المرأة المتجالة، والخادم الدون التي لا تتهم على القعود، ولا يتهم من تقعد عنده، فإني لا أرى بذلك بأسا.

قال محمد بن رشد: وهذا كما قال من أنه يجب على السلطان تفقد مثل هذا والنظر فيه؛ لأنه مسئول عنه، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها، والعبد راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته؛ ألا وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما تركت أضر على الرجال من النساء»، وقال: «باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء»، وبالله التوفيق.

###: يكره أن ينقش البسر بالمدية حتى يصير رطبا

ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا وسئل مالك وكلم صاحب السوق في رطب يبيعونه مغمقا أن يتقدم إليهم إلا يبيعوه، وأن يضرب الذي استعمله عليهم إن غيب لهم في ذلك، وقد قال أيضا في كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان: وأنا أكره أن ينقش البسر بالمدية حتى يصير رطبا، وإنما كرهه لموضع الفساد للثمرة ورأى ذلك فسادا للثمرة، وقوله ينقش يعجلها عن إبلاغ طيبها من غير رش، وقوله مغمقا يرشونه بالخل، ويغمونه ليسرع طيبه.
قال محمد بن رشد: وقع هذا التفسير في بعض الكتب، وهو صحيح؛ لأن النقش هو أن يؤثر في البشرة أثرا كالجرح، فيسرع إليها الترطيب، والتغمم هو أن يرش البسر بالخل، ثم يغم فيسرع إليه الترطيب، وذلك كله فساد وغش للثمرة في الموضع الذي يرطب فيه البسر إذا

ترك، وأما في مثل الأندلس الذي لا يرطب فيه البسر، ويفسد إن ترك فجائز أن يجد بسرا، ويغم بعد الرش بالخل، وأن ينقش؛ لأن ذلك صلاح له، وليس بغش فيه، لاستواء معرفة الناس في ذلك، وهذا نحو ما قال في سماع أشهب، من كتاب جامع البيوع، من أن الموز الذي لا يطيب حتى يقطع جائز أن يباع قبل أن يطيب، وقد مضى القول على ذلك هنالك، فلا معنى لإعادة ذكر ذلك، وبالله التوفيق.

###: الذين يبيعون على أيديهم يشترون الطعام والقطاني من أهل السوق فيبيعون

ومن كتاب أوله يسلف في المتاع والحيوان وسئل مالك عن أهل السوق الذين يبيعون على أيديهم، يشترون الطعام والقطاني من أهل السوق فيبيعون؛ قال مالك؛ لم يزل ذلك من أمر الناس، ولا أرى به بأسا مثل أهل الحوانيت الذين يبيعون بالفلوس، ويشترون من أهل السواحل، أو أهل الجمل.
قال محمد بن رشد: إنما أجاز ذلك، ولم ير به بأسا إذا كان ذلك لا يضر بالأسعار على أصل مذهبه في إباحة الاحتكار في الطعام في وقت كثرته، إذا لم يغل ذلك الأسعار على المسلمين، ولا كان فيه ضرر عليهم، وقد مضى هذا المعنى وذكر الاختلاف فيه في آخر رسم شك، فلا معنى لإعادته، والله الموفق.

مسألة: كراهة تعليم الرجل ابنه كتاب العجم

مسألة وقال مالك: أكره للرجل المسلم أن يحضر ابنه في كتاب العجم، فيتعلم الوقف كتاب الأعجمية، وأكره للمعلم المسلم أن يعلم أحدا من النصارى الخط أو غيره.

قال الإمام القاضي أبو الوليد: الكراهية في هذا كله بينة، أما تعليم الرجل ابنه كتاب العجم، فللاشتغال بما لا منفعة فيه، ولا فائدة له، عما له منفعة وفائدة مع ما فيه من إدخال السرور عليهم بإظهار المنفعة بكتابهم والرغبة في تعليمه، وذلك من توليهم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51]، وأما تعليم المسلم النصراني، فلما فيه من الذريعة إلى قراءتهم القرآن مع ما هم عليه من التكذيب له والكفر به، وقد قال ابن حبيب في الواضحة: إن ذلك ممن فعله مسقط لإمامته وشهادته، وقد مضى ذلك في سماع أشهب، من كتاب الجعل والإجارة، والله الموفق.

مسألة: صياح الإمام في الناس بجواز ذهبهم كلها

مسألة وسئل مالك عن صياح الإمام في الناس بجواز ذهبهم كلها، فقال: ما يعجبني ذلك، وما أرى أن يفعل ذلك بالناس، ولا أحب أن يكره الناس على ذلك، وأرى أن لا يكره الناس إلا بما أحبوا من النقد، فقلت له: يا أبا عبد الله: إن عندنا دنانير دمشقية توضع في عيونها درهم لكل دينار، وذلك أن الصيارفة ردوها ليأخذوا على عيوبها، وهي عندكم جارية، فلا ترى مثل هذا للإمام أن يقصر الناس عليه.
قال مالك: لا أرى ذلك يبيع الرجل بأي نقد أحب، ولا يكره أحد على شيء.
قال محمد بن رشد: معنى ما سأله عنه من صياح الإمام في الناس بجواز ذهبهم كلها هو أن يجوزوا فيما بينهم جميع الأذهاب إذا لم تكن مغشوشة، ولا يردوا منها شيئا، وإن اختلفت أعيانها، فكره الصيارفة

بعضها، وردوها إذا كان ردهم إياها لغير غش.
وقوله في المنع من ذلك صحيح؛ إذ لا يلزم أحدا أن يبيع إلا بما يرضى به من النقد، قال تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، وقد مضى هذا المعنى في رسم حلف، وبالله التوفيق.

مسألة: أيام الحصاد يدخل الناس أطعماتهم بالفسطاط ويخزنونها

مسألة وسألت مالكا عن أيام الحصاد يدخل الناس أطعماتهم بالفسطاط ويخزنونها، ثم يحتاج إليها بعد ذلك أهل الريف والسواحل، أترى أن يتركوا أن يشتروا من الفسطاط؟ فقال: إن كان عندهم ما يغنيهم، فلا أرى ذلك، وإن لم يكن عندهم ما يغنيهم، واحتاجوا إلى الطعام رأيت أن يشتروا.
قال محمد بن رشد: قوله في أهل الريف والسواحل: إنه إن كان عندهم ما يغنيهم، فلا أرى أن يتركوا أن يشتروا من الفسطاط؛ ظاهره أنه إن كان عندهم ما يغنيهم، فلا يتركوا أن يشتروا للحكرة من الفسطاط، وإن لم يضر ذلك بأهل الفسطاط، ولا غلى عليهم أسعارهم، ومذهبه في المدونة أنهم لا يمنعون أن يحتكروا من الفسطاط إن لم يضر ذلك بهم، ولا غلى عليهم أسعارهم، فعلى ما في المدونة يحتكر أهل الريف والسواحل من الفسطاط، إن لم يضر ذلك بهم، كما يحتكر أهل الفسطاط من الريف والسواحل، وعلى هذه الرواية لا يحتكر أهل السواحل والريف من الفسطاط، ويحتكر أهل الفسطاط من الريف والسواحل.
ووجه ذلك أن الحواضر فيها يوجد الطعام عند الشدائد، فهي غياث للبوادي، وقوله: وإن لم يكن عندهم ما يغنيهم، يريد أهل السواحل والريف واحتاجوا، رأيت أن يشتروا، يريد وإن أضر ذلك بأهل الفسطاط، وأما أهل القرى التي فيها الأسواق فحكمها حكم

الفسطاط، وقد نص على ذلك في المدونة، فلا يحتكر هؤلاء من هؤلاء، ولا هؤلاء من هؤلاء، إذا أضر ذلك بهم، وغلى عليهم أسعارهم، ومن احتاج منهم، ولم يكن عنده ما يغنيه؛ كان له أن يشتري ما يحتاج إليه لقوت هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، وإن أضر ذلك بهم، وغلى عليهم أسعارهم؛ لأن المواساة بين جميع المسلمين واجبة عند الحاجة، وبالله التوفيق.

مسألة: كنائس الفسطاط المحدثة في خطط الإسلام هل تغير وتهدم

مسألة وسئل مالك عن الكنائس التي في الفسطاط المحدثة في خطط الإسلام، إن أعطوهم العراض، وأكروها منهم يبنون فيها الكنائس، قال مالك: أرى أن تغير وتهدم، ولا يتركوا ذلك، ولا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه، والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا ترفعن فيكم يهودية ولا نصرانية» يعني البيع والكنائس، وإنما يكون لأهل الصلح أن يحدثوا الكنائس في قراهم التي صالحوا عليها، وأن يرموا كنائسهم القديمة، إذا كانوا منقطعين عن دار الإسلام وحريمه، ولم يسكن المسلمون معهم في موضعهم، وإن لم يشترطوه.
قال ذلك ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مطرف، وابن الماجشون، وما إذا كانت قراهم في بلاد الإسلام، فليس ذلك لهم، إلا أن يكون لهم أمر أعطوه، قاله مالك في المدونة، واختلف في أهل العنوة، فقال ابن القاسم: ليس ذلك

لهم، وقال غيره: ذلك لهم، والقولان في الجعل والإجارة من المدونة، وبالله التوفيق.

###: المدني يقدم بتجارة لمصرأيقوم معه المصري في بيعها

ومن كتاب أوله تأخير صلاة الإمام في الحرس وسئل مالك عن الرجل من أهل المدينة يقدم بتجارة إلى مصر، أيقوم معه المصري في بيعها؟ قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبيع حاضر لباد» قيل: أفترى مصريا باديا؟ قال: وكذلك المدني يقدم مصر، فيقوم معه في بيع سلعته، فلا أرى أن يقوم مصري مع مدني، ولا مدني مع مصري يبيع له، ولا يشير عليه، قيل له: أويبتاع له؟ قال: إني لأخفف أن يبتاع له، ولا أحب أن يبيع له، قال ابن القاسم: وقد قال لي مالك قبل ذلك: إنما أكره من المدنيين والمصريين غير أهل المدائن، فأما من كان منهم من القرى الذين يشبهون أهل البادية، فأولئك عندي مثل أهل البادية، ولا أرى أن يباع لهم، فأما في أهل المدائن، ويبيع بعضهم لبعض، فأرجو أن يكون ذلك خفيفا، وهو أحب قوله إلي.
قال ابن القاسم: ومن كان من أهل البادية أو القرى الذين يشبهون أهل البادية، فلا يباع لهم، ولا يشار عليهم، ولا بأس أن يشترى لهم.

قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في أول رسم من كتاب حلف ليرفعن رجلا، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: كراء الأفنية التي في طريق المسلمين

مسألة وسئل مالك عن الأفنية التي تكون في الطرق يكريها أهلها، أترى ذلك لهم، وهي طريق للمسلمين؟ فقال: أما كل فناء ضيق إذا وضع فيه شيء أضر ذلك بالمسلمين في طريقهم، فلا أرى أن يمكن أحد من الانتفاع به وأن يمنعوا، وأما كل فناء إن انتفع به أهله لم يضيق على المسلمين في ممرهم شيئا لسعته، لم أر بذلك بأسا.
قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا ضرار» فإذا وضع في طريق المسلمين ما يضيق به عليهم، فقد أضر بهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن لأهل الأفنية أن يكروها ممن يضع فيها ما لا يضيق به الطريق على المارة فيه؛ لأنه إذا كان لهم أن ينتفعوا بها على هذه الصفة، وكانوا أحق بذلك من غيرهم، كان لهم أن يكروها؛ لأن ما كان للرجل أن ينتفع به كان له أن يكريه، وهذا ما لا أعلم فيه اختلافا، وإنما الذي لا يباح لصاحب الفناء أن يقتطعه ويدخله في داره، فإن فعل وكان ذلك يضر بالطريق هدم عليه، وأعيد إلى حاله، واختلف إن كان لا يضر، فقيل: إنه يهدم عليه أيضا، وهو قول أشهب وابن

وهب في سماع زونان، وقيل: إنه لا يهدم عليه، وهو قول أصبغ وروايته عن أشهب في رسم الأقضية والحبس، من سماع أصبغ، وقد مضى ذكر هذا في رسم طلق قبل هذا، وبالله التوفيق.

[مسألة: النصراني يستكتب أي يُتخذ كاتبا]

مسألة وسئل عن النصراني يستكتب، فقال: لا أرى ذلك، إن الكاتب يستشار، فيستشار النصراني في أمور المسلمين وغير ذلك، فما يعجبني أن يستكتب.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، ومثله في الأقضية من المدونة، ولا ينبغي أيضا أن يستكتب القاضي من المسلمين إلا العدول المرضيين، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يقضي الرجل ذهبا في المسجد

مسألة وسئل عن الرجل يقضي الرجل ذهبا في المسجد، فقال: لا أرى به بأسا، وأما ما كان على وجه التجارة والصرف، فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما مضى في رسم شك في طوافه، في كتاب ذكر الحق في المسجد، والمعنى فيه بين، على ما ذكرته هناك، وبالله التوفيق.

مسألة: النظر في النجوم وعلم الحساب

مسألة وسئل عن الرجل ينظر في النجوم فيقول: الشمس تكسف

غدا، والرجل يقدم غدا، أو ما أشبه هذا.
قال: أرى أن يزجر عن ذلك، فإن لم يفعل أدب في ذلك، ثم قال: وإني لأرى هؤلاء المعالجين الذين يعالجون المجانين، ويزعمون أنهم إنما يعالجون بالقرآن، وقد كذبوا ليس كما قالوا، ولو كانوا يعلمون ذلك لعلمته الأنبياء، قد صنع لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سم، فلم يعرفه حتى أخبرته الشاة، وإني لا أرى هذا ينظر في الغيب، وإنها عندي لمن حبائل الشيطان.
قال محمد بن رشد: ليس قول الرجل الشمس تكسف غدا، أو القمر ليلة كذا، من جهة النظر في النجوم وعلم الحساب بمنزلة قوله من هذا الوجه فلان يقدم غدا في جميع الوجوه؛ لأن الشمس والقمر مسخران لله تعالى في السماء، يجريان في أفلاكهما من برج إلى برج على ترتيب وقدر وحساب لا يتعديانه، قال الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39]، وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5]، وقال: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]؛ فالقمر سريع الذهاب يقطع جميع برج السماء في شهر واحد، ولا تقطعها الشمس إلا في اثني عشر شهرا، فهو يدرك الشمس في آخر كل شهر، ويصير بإزائها من البرج الذي هي فيه، ثم يخلفها، فإذا بعد عنها استهل، وكلما زاد بعده منها زاد ضوؤه، إلى أن ينتهي

في البعد ليلة أربعة عشر، فتكمل استدارته وضوؤه لمقابلته الشمس، ثم يأخذ في القرب منها، فلا يزال ضوؤه ينقص إلى أن يدرك الشمس فيصير بإزائها على ما أحكمه خالق الليل والنهار، لا إله إلا هو.
فإذا قدر الله تعالى على ما أحكمه من أمره وقدره من منازله في مسيره أن يكون بإزاء الشمس في النهار فيما بين الأبصار وبين الشمس ستر جرمه عنا ضوء الشمس كله إن كان مقابله، أو بعضه إن كان منحرفا عنها، فكان ذلك هو الكسوف للشمس، آية من آيات الله تعالى، يخوف الله بها عباده، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59]، ولذلك أمر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بالدعاء عند ذلك، وسن له صلاة الكسوف، فليس في معرفة وقت الكسوف بما ذكرناه من جهة النجوم وطريق الحساب ادعاء علم غيب، ولا ضلالة وكفر على وجه من الوجوه، ولكنه يكره الاشتغال به؛ لأنه مما لا يعني، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وفي الإنذار به قبل أن يكون ضرر في الدين؛ لأن من سمعه من الجهال يظن أن ذلك من علم الغيب، وأن المنجمين يدركون علم الغيب من ناحية النظر في النجوم، فوجب أن يزجر عن ذلك قائله، ويؤدب عليه كما قال؛ لأن ذلك من حبائل الشيطان.
وأما قوله: فلان يقدم غدا، فهو من التخرص في علم الغيب والقضاء بالنجوم، وقد اختلف في المنجم يقضي بتنجيمه، فيقول: إنه يعلم متى يقدم فلان، ووقت نزول المطر، وما في الأرحام، وما يستتر الناس به من الأخبار، وما يحدث من الفتن والأهوال، وما أشبه ذلك من المغيبات، فقيل: إن ذلك كفر يجب به القتل دون استتابة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا﴾ [الفرقان: 50]

ولقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: قال تعالى: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب».
وقيل: إنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
روي ذلك عن أشهب، وقيل: إنه يزجر عن ذلك ويؤدب عنه، وهو قوله في هذه الرواية، والذي أقول به: إن هذا ليس باختلاف قول في موضع واحد، وإنما هو اختلاف في الأحكام بحسب اختلاف الأحوال، فإذا كان المنجم يزعم أن النجوم واختلافها في الطلوع والغروب هي الفاعلة لذلك كله، وكان مستسرا بذلك، فحضرته البينة قتل بلا استتابة، فهو كافر زنديق، وإن كان معلنا بذلك غير مستتر به يظهره ويحاج عليه استتيب، فإن تاب وإلا قتل كالمرتد سواء، وإن كان مؤمنا بالله تعالى مقرا بأن النجوم واختلافها في الطلوع والغروب لا تأثير لها في شيء مما يحدث في العالم، وأن الله تعالى هو الفاعل لذلك كله، إلا أنه جعلها أدلة ما يفعله، فهذا يزجر عن اعتقاده ويؤدب عليه أبدا حتى يكف عنه ويرجع عن اعتقاده ويتوب عنه؛ لأن ذلك بدعة يجرج بها، فتسقط إمامته وشهادته على ما قاله سحنون في نوازله، من كتاب الشهادات، ولا يحل لمسلم أن يصدقه في شيء مما يقول، وأنى يصح أن يجتمع في قلب مسلم تصديقه مع قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: 65]، وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 26]

﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: 27]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]، وروي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «من صدق كاهنا أو عرافا أو منجما، فقد كفر بما أنزل على قلب محمد»، ويمكن أن يصادف في بعض الجمل وذلك من حبائل الشيطان، فلا ينبغي أن يغتر أحد بذلك، ويجعله دليلا على صدقه فيما يقول، كما لا ينبغي أن يصدق المعالجون الذين يعالجون المجانين فيما يزعمون من أنهم يعالجون بالقرآن، فلا يعلم الأمور الغائبة على وجهها وتفاصيلها إلا علام الغيوب، أو من أطلعه عليها علام الغيوب؛ ليكون ذلك دليلا على صحة نبوته، قال عز وجل في كتابه حاكيا عن عيسى ابن مريم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 49].
فادعاء معرفة ذلك، والإخبار به على الوجه الذي تعرفه الأنبياء، وتخبر به تكذيب لدلالتهم، وفي دون هذا كفاية لمن شرح الله صدره وهداه، ولم يرد إضلاله وإغواءه، والذي ينبغي أن يعتقد فيما يخبرون من الجمل، فيصيبون مثل ما روي عن هرقل أنه أخبر أنه نظر في النجوم، فرأى ملك الختان قد ظهر إن ذلك إنما هو على معنى التجربة التي قد تصدق في الغالب، من نحو قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة»، وبالله التوفيق.

###: الطبيب يسقي النصراني أو المسلم الدواء فيموت منه

ومن كتاب أوله كتاب عليه رجل ذكر حق وسئل مالك عن طبيب عالج رجلا فأتى على يديه فيه، قال: إن كان الطبيب ليس له علم، ووجد بينة أنه دخل في ذلك ظلما وجرأة، وأنه ليس ممن يعمل مثل هذا، وليست له به معرفة، فأرى أن يستأذن عليه، وإني لأحب للإمام أن يتقدم إلى هؤلاء الأطباء في قطع العروق وما أشبهه، ألا يقدم أحد منهم على عمله إلا بإذنه، فإني لا أزال أسمع بطبيب قد عالج رجلا فقطع عرقه أو صنع به شيئا، فأعنته فمات منه، ثم قال: أتى على يدي، ولم أره يجعل على الذي عرف بالعلاج فيعالج بما يعرف شيئا، ولكنه يستحب أن ينهى عن الأشياء التي فيها هلاك الناس إلا بإذن الإمام.
قال عيسى: غر من نفسه أو لم يغر ذلك خطأ، وديته على عاقلته.
قال محمد بن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة أن الطبيب إذا عالج الرجل فسقاه، فمات من سقيه، أو كواه فمات من كيه، أو قطع منه شيئا فمات من قطعه، أو الحجام إذا ختن الصبي فمات من ذلك، أو قلع ضرس الرجل فمات من ذلك، فلا ضمان على واحد منهما في ماله ولا على عاقلته إذا لم يخطئا في فعلهما، إلا أن يكون قد تقدم السلطان إلى الأطباء والحجامين ألا يقدموا على شيء مما فيه غرر إلا بإذنه، ففعلوا ذلك بغير إذنه، فأتى على أيديهم فيه بموت أو ذهاب حاسة أو عضو، فيكون عليهم الضمان في أموالهم، هذا ظاهر ما في رسم العقول بعد هذا في سماع أشهب.
وقال ابن دحون: إن ذلك يكون على العاقلة إلا

فيما دون الثلث، وذلك خلاف الرواية المذكورة، وأما إذا أخطأ في فعلهما مثل أن يسقي الطبيب المريض ما لا يوافق مرضه، فيموت من ذلك، أو تزل يد الخاتن أو القاطع فيتجاوز في القطع، أو يد الكاوي فيتجاوز في الكي، أو يكون ما لا يوافقه الكي فيموت منه، أو يقلع الحجام غير الضرس التي أمر بها، وما أشبه ذلك، فإن كان من أهل المعرفة، ولم يغر مع نفسه فذلك خطأ يكون على العاقلة، إلا أن يكون أقل من الثلث فيكون ذلك في ماله، وأما إن كان لا يحسن وغر من نفسه، فعليه العقوبة من الإمام بالضرب والسجن، واختلف في الدية، فقيل: إنها تكون عليه في ماله، ولا يكون على العاقلة من ذلك شيء، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية، وقيل: إن كان ذلك خطأ يكون على العاقلة، إلا أن يكون أقل من الثلث، فيكون ذلك في ماله، وأما إن كان لا يحسن وغر من نفسه، فعليه العقوبة من الإمام بالضرب والسجن.
واختلف في الدية، فقيل: إنها تكون عليه في ماله، ولا يكون على العاقلة من ذلك شيء، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية، وقيل: إن كان ذلك خطأ يكون على العاقلة، إلا أن يكون أقل من الثلث، فيكون في ماله، وهو قول عيسى بن دينار هاهنا، وظاهر رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الديات؛ لأنه قال في الطبيب يسقي النصراني أو المسلم الدواء فيموت منه: إنه لا شيء عليه إلا أن يعلم أنه أراد قتله؛ لأن تأويل ذلك أن الدية على عاقلته مثل قول عيسى هاهنا، وظاهر رواية أصبغ عن ابن القاسم، والكفارة تابعة للدية، حيث ما لزمت الدية العاقلة؛ لكون القتل خطأ محضا أو في المال؛ لما فيه من شبهة العمد لزمت الكفارة، وحيث ما لم تلزم الدية لم تلزم الكفارة إلا استحسانا، حسبما قاله مالك في رسم البز، من سماع ابن القاسم، من كتاب الديات في الصبي تسقيه أمه الدواء، فيشربه فيموت.
وإذا تقدم السلطان إلى الأطباء ألا يداوي أحدهم ما يخاف منه، وفيه غرر إلا بإذنه، فوجه العمل في ذلك إذا استؤذن أن يجمع أهل تلك الصناعة، فإن رأوا أن يداوى العليل بذلك الدواء المخوف داواه به؛ لم يكن عليه شيء، ولا على عاقلته إن مات منه، وإن رأوا ألا يجبر عليه بذلك الدواء المخوف نهاه عن سقيه إياه، فإن تعدى ضمن في ماله، وقيل على العاقلة، وبالله التوفيق.

###: التناجش أن يكون الرجل يعطي الرجل السوم وهو ليس من حاجته

ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وقال مالك: التناجش أن يكون الرجل يعطي الرجل السوم، وهو ليس من حاجته؛ لأن يقتدي به أحد من أهل الاشتراء، فيغتر به؛ فهذا التناجش.
قال محمد بن رشد: فإن فعل ذلك أحد ليس من قبل البائع، ولا كان له فيه سبب؛ لزم المشتري البيع، ولم يكن له فيه خيار، وباء الناجش بالإثم في ذلك، وأما إن كان البائع دس الناجش ليزيد في سلعته، أو كان من سببه مثل عبده أو أجيره أو شريكه، أو ما أشبه هؤلاء ممن هو من ناحيته، فالمشتري بالخيار في رد السلعة إن كانت قائمة أو التمسك بها بالثمن الذي اشتراها به، وإن فاتت في يديه ردت إلى القيمة إن كانت القيمة أقل من الثمن الذي اشتراها به، قال ذلك ابن حبيب في الواضحة، وهو صحيح على أصولهم، وبالله التوفيق.

مسألة: تفسير لا يبع حاضر لباد

مسألة وقال مالك في تفسير «لا يبع حاضر لباد»: أهل البادية وأهل القرى، وأما أهل المدائن من أهل الريف؛ فإنه ليس بالبيع لهم بأس ممن يرى أنه يعرف السوم، إلا من كان منهم يشبه البادية، فإني لا أرى لأحد أن يبيع لهم.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والاختلاف فيها في رسم، أو له تأخير صلاة العشاء في الحرس، ومضى تحصيله في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

###: بيع المدر الذي يأكله الناس

ومن كتاب البز وسئل مالك عن بيع المدر الذي يأكله الناس، فقال: ما يعجبني ذلك أن يباع ما يضر بالناس، فإنه ينبغي للإمام أن ينهى الناس عما يضرهم في دينهم ودنياهم، ثم قال يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] أفالطين من الطيبات؟ إني لأرى لصاحب السوق أن يمنعهم من بيعه وينهى عنه.
قال الإمام القاضي أبو الوليد: هذا كما قال: إنه إذا كان الناس يأكلونه، وهو مضر بهم، فلا ينبغي أن يباع، ويجب على الإمام أن ينهى عن ذلك، وهذا إذا لم يكن له وجه إلا الأكل؛ لأنه إذا لم يكن له وجه إلا الأكل، وكان يضر الآكلين له بكل حال، فهو كالسم الذي قد أجمع الناس على تحريم بيعه، وقال سحنون في كتاب الشرح: لا يحل بيعه، ولا ملكه.
وأما إن كانت به منفعة لغير الأكل، فلا ينبغي أن يمنع بيعه جملة، وإنما ينبغي أن يباع ممن يصرفه في غير الأكل، ويؤمن أن يبيعه ممن يأكله.
وقد قال ابن المواز: أكره أكله، فأما بيعه فلا أدري، قد يشترى لغير وجه.
وقال ابن الماجشون: أكله حرام، وفي احتجاج مالك بالآية التي احتج بها على أنه لا يستباح إلا ما أحل الله نحو قول ابن الماجشون.
وروى عنه ابن القاسم في الجامع قال: كل أمر أحله الله فاتبعوه، ونهي نهى الله عنه فاجتنبوه، وعفو عفا الله عنه فدعوه، وقد قيل: إن المسكوت عنه مباح، وإلى هذا ذهب أبو الفرج.
وجه القول الأول من طريق النظر أنه قد ثبت أن الأشياء ملك لمالك، والأصل أنه لا يستباح ملك أحد إلا بإذنه، ووجه القول الثاني: أن خلق الله تعالى له دليل على الإباحة؛ إذ لا يجوز أن يخلقه عبثا لغير وجه منفعة، وبالله التوفيق.

###: إذا غلا الطعام واحتيج إليه وبالبلد طعام يأمر الإمام أهله فيخرجوه للسوق

ومن كتاب أوله باع غلاما بعشرين دينارا قال مالك: إذا غلا الطعام، واحتيج إليه، وكان بالبلد طعام، فلا أرى بأسا أن يأمر الإمام أهله فيخرجوه إلى السوق، فيباع إذا احتاج الناس إليه، وإنما يكون ذلك عند حاجة الناس، وليس في كل زمان.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثله في كتاب ابن المواز، وهو أمر لا أعلم فيه خلافا؛ لأن هذا وشبهه مما يجب الحكم فيه للعامة على الخاصة؛ إذ لا يصح أن يترك الناس يجوعون، وفي البلد طعام عند من لا يريده إلا للبيع، ومما يشبه هذا من منفعة العامة قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يبع حاضر لباد»، «ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق»، فلما رأى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ذلك يصلح للعامة أمر فيه بذلك، ولما حكم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالشفعة للشريك على المشتري، ووجب أن يؤخذ منه الشقص الذي اشترى بالثمن شاء أو أبى لمنفعة الشريك بذلك، وإزاحة ضرر الشركة عنه، كان أحق أن يؤخذ الطعام من الذي هو عنده بالثمن لمنفعة عامة الناس بذلك، وإزاحة الضرر عنهم، ولا ضرر في ذلك على البائع؛ إذ لم يؤخذ منه إلا بالثمن الذي يسوى في السوق، وبالله التوفيق.

مسألة: يمنع من السوق كل من لا يبصر البيع من المسلمين

مسألة قال مالك: كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الأجناد: إن

الله قد أغنى بالمسلمين، فلا تجعلوا النصراني في أعمالكم، يريد ألا يكونوا جزارين ولا صرافين مع المسلمين؛ لأن الله قد أغنى بالإسلام وكثروا.
وفي أهل الإسلام ما جزأ من تباعاتهم.
قال سحنون: ويمنع من السوق كل من لا يبصر البيع من المسلمين.
قال محمد بن رشد: هذا من معنى ما تقدم في المسألة التي قبلها في الحكم على الخاصة بما فيه منفعة للعامة، وإزاحة الضرر عنهم؛ لأنه إذا كان يجب النظر لهم على الخاصة في أمور الدنيا كان في أمر الدين أولى؛ لأن النصارى يستحلون الربا والجهال يقعون فيه؛ إذ لا يمكنهم التوقي منه بجهلهم، وذلك يضر بعامة الناس، فوجب أن يحكم لهم بذلك عليهم، ولهذا المعنى يجب إخراج من تعود الغش من المسلمين، ولم يردعه الأدب عنه من السوق، وقد مضى هذا المعنى في رسم حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها، وبالله التوفيق.

###: الأمة إذا استباعت من ساداتها

ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات وسئل مالك عن الأمة إذا استباعت من ساداتها، قال: ينظر في ذلك، فإن كان ضررا بيعت، وإن كان ليس بضرر ما هي فيه لم تبع.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ إذ ليس في مقدار الضرر الذي يجب به أن تباع على ساداتها حد إلا الاجتهاد، وقد مضى هذا المعنى في رسم شك، ورسم حلف ليرفعن أمرا ويأتي أيضا في سماع أصبغ، وبالله التوفيق.

###: حكم قتل الكلاب

ومن كتاب أوله مساجد القبائل وسئل مالك عن قتل الكلاب أترى أن تقتل؟ قال: نعم، أرى أن يقتل ما يؤذي منها في المواضع التي لا ينبغي أن يكون فيها.
قلت له: في مثل قيروان الفسطاط، قال: نعم، أرى أن يؤمر بقتل ما يؤذي منها.
وأما كلاب الماشية فلا أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: ذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في قتل الكلاب إلى ما رواه في موطئه عن نافع بن عبد الله بن عمر: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بقتل الكلاب»، ومعنى ذلك عنده وعند سواه ممن أخذ بالحديث في الكلاب المنهي عن اتخاذها، وقد جاء ذلك مفسرا في الأحاديث، فلا اختلاف في أنه لا يجوز قتل كلب الماشية، والصيد والزرع.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يقتل من الكلاب إلا الكلب الأسود البهيم؛ لما روي عن عبد الله بن عقل قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها؛ فاقتلوا منها الأسود» وقال: من ذهب إلى هذا المذهب: الأسود البهيم من الكلاب أكثر أذى وأبعدها من تعلم ما ينفع.
وروى أيضا أنه شيطان، أي بعيد من الخير والمنافع، قريب من الضرر والأذى، وهذا شأن الشياطين من الجن والإنس، وقد كره الحسن وإبراهيم صيد الكلب الأسود، وقال طائفة: إنه يقطع الصلاة، وذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يقتل من الكلاب أسود ولا غيره، إلا أن يكون عقورا

مؤذيا، وقالوا: الأمر بقتل الكلاب منسوخ، بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا» فعم ولم يخص كلبا من غيره، واحتجوا بالحديث الصحيح في الكلب الذي كان يلهث عطشا، فسقاه الرجل فشكر الله له وغفر له، وقال: «في كل ذي كبد رطب أجر» قالوا: فإذا كان الأجر في الإحسان، فالوزر في الإساءة إليه، ولا إساءة إليه أعظم من قتله.
قالوا: وليس في قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الكلب البهيم شيطان» ما يدل على قتله؛ لأن شياطين الإنس والجن كثير، ولا يجب قتلهم، وقد رأى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا يتبع حمامة فقال: «شيطان يتبع شيطانة»، وما ذهب إليه مالك أولى، فإن الأمر بقتلها قد جاء عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن عمر، وبالله التوفيق.

###: السوق إذا أفسده أهله حطوا سعره أترى لمن وليه أن يسعره

ومن كتاب أوله نذر سنة بصومها وسئل مالك عن السوق إذا أفسده أهله حطوا سعره، أترى لمن وليه أن يسعره، ويخيرهم أن يبيعوا أو يقوموا، أو لا يلزم من ذلك؟ فكره التسعير، ولم يره، وأنكره.
قال محمد بن رشد: معنى قوله: حطوا سعره؛ أي حطوا من

المثمون لا من الثمن؛ لأن إفساد السوق لا يكون إلا بذلك، لا بالحط من الثمن، وقد مضى القول على ذلك في أول مسألة من السماع، ومضى في الرسم الذي بعده التكلم على حكم التسعير، وما يجوز منه مما لا يجوز، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

###: ما يعصر النصارى من الخمر فيتخلل أيوكل

ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه وسئل مالك عما يعصر النصارى من الخمر فيتخلل أيوكل؟ قال: نعم.
قيل له: أفبلغك أن عمر بن عبد العزيز كتب في كسر معاصير الخمر؟ قال: نعم.
قيل: معاصير المسلمين وأهل الذمة.
قال: لا أرى ذلك إلا في التي للمسلمين.
قال محمد بن رشد: قوله: إن ما تخلل من خمر النصارى يؤكل صحيح بين لا إشكال فيه؛ إذ لا اختلاف في أن الخمر إذا تخللت تؤكل، فسواء كانت لمسلم أو نصراني، إلا ما ذهب إليه ابن لبابة من أن الخمر مختلف في نجاستها، وأنها لا تؤكل إذا تخللت إلا على القول بأنها طاهرة لا تنجس ما وقعت فيه من ماء أو طعام، وهو غلط ظاهر، وقوله: في المعاصر التي كتب عمر بن عبد العزيز أن تكسر لا أراها إلا في التي للمسلمين صحيح؛ لأن معاصير أهل الذمة لا يجب كسرها عليهم؛ لأنهم إنما بذلوا الجزية على أن يقروا في ذمتهم على ما يجوز لهم في دينهم، فلا يمنعوا من عصر الخمر إذا لم يظهروها في جماعة المسلمين، وقد مضى هذا في رسم الشجرة، وبالله التوفيق.

###: شراء الثمار في الحوائط وبيعها في المدينة

ومن سماع أشهب وابن نافع عن مالك من كتاب الأقضية مسألة في شراء الثمار في الحوائط، وبيعها في المدينة، قال أشهب وابن نافع: قيل لمالك سئل الأمير عن منع هؤلاء الذين يشترون الثمار في الحوائط، ثم يدخلون بها المدينة يبيعونها على أيديهم، فأشار عليه بعضهم بمنعهم من ذلك، وأشار عليه بعضهم ألا يفعل، فقال مالك: بأي ذلك أخذ؟ فقال: بمنعهم، فقال مالك: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن تلقي السلع حتى يهبط بها الأسواق»، فمن التلقي أن يذهب هؤلاء إلى أهل الحوائط، فيشترون منهم، ثم يأتون به هاهنا فهذا منه، «ونهي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبيع حاضر لباد»؛ فمنه أن يذهب هذا الحاضر إلى هذا البادي، فيشتري منه، ثم يأتي فيبيع، أرى أن يمنعوا من ذلك، قيل له: أفترى من التلقي أن يخرج أهل المدينة إلى أهل الحوائط فيشترون منهم؟ قال: ما أشبههم به، قال أشهب: لا بأس به، وليس هذا بتلق، ولكنه اشترى من موضعه، وإنما التلقي أن يتلقى الجلاب قبل أن يهبط بذلك الأسواق كائنا ذلك الجلب ما كان، طعاما أو حيوانا أو غير ذلك من الأشياء كلها.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في رسم شك في طوافه، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: حكم شراء الخصيان

مسألة وسئل مالك عن شراء الخصيان، فقال: أما الرجل يشتري لنفسه الخصي والاثنين، فلا أرى بذلك بأسا، وأما أن ينفق لهم فلا أحبه، قد رغب فيهم الملوك، وأكثر الناس منهم.
قيل لمالك: أفتكره أن يقف الرجل المسلم على الرومي، فيقول: أخص هذا؟ فقال: وما بأس هذا؟ قيل: إنهم يقولون: إذا قلت هذا ذهبوا بهم فخصوهم، قال: هم أعلم بهذا منك.
قال محمد بن رشد: قوله أن ينفق لهم معناه يشتريهم للتجارة، ويتخذهم متجرا، وهذا مثل ما في سماع أشهب، من كتاب جامع البيوع.
قوله فيه ترك التجارة في الخصيان أحب إلي.
وأما تحريمه فلا، قيل له: لأن شراءهم قوة على خصائهم، قال: نعم، وذلك بين على ما قاله، ولم ير شراء الرجل الواحد والاثنين مما ينفقهم، ويكون قوة على خصائهم، أي سببا للإكثار من ذلك؛ لأنه قد علم أنه لا يشتريهم ويتخذهم إلا القليل من الناس، فإذا كان القليل من الناس لا يشتري منهم إلا الواحد والاثنين لم يكن ذلك تنفيقا لهم، وقد كان لمالك خصي، ولعمر بن عبد العزيز، وبالله التوفيق.

مسألة: خلط الناس اللبن بالماء لاستخراج زبدة

مسألة وسئل عما يخلط الناس اللبن بالماء لاستخراج زبدة ما ترى به بأسا؟ قال: لا بأس بذلك، وذلك يصنع عندنا، وأما الذي أكره من ذلك الذي يخلط به الماء بعد ذلك، فأما هذا الذي يصلح به، فلا بأس به.

قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن خلط الماء باللبن لاستخراج زبدة، وبالعصير ليتعجل تخليله لا بأس بذلك؛ لأنه إنما يفعل للإصلاح لا للغش والإفساد، وكذلك التبن يجعل تحت القمح عندما يخزن على ما مضى في رسم حلف، من سماع ابن القاسم، ولما صحت عند سحنون علة مالك في جواز خلط الماء باللبن، لاستخرج زبدة، قاس عليها خلط الماء بالعصير لاستعجال تخليلة، فإنما قاس على علته لا على مجرد قوله دون الاعتبار بعلته، فقوله قياسا على قول مالك معناه قياسا علة قول مالك، وقد وقع ذلك لمالك نصا في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، من كتاب جامع البيوع، وهو دليل على صحة قياس قول سحنون، وبالله التوفيق.

###: إفراغ صاحب السوق اللبن الممزوج بماء وإنهابه متاع أهل السوق إذا خالفوه

ومن كتاب الأقضية الثاني وسألته عن إفراغ صاحب السوق اللبن إذا مزج بماء، وإنها به متاع أهل السوق إذا خالفوا ما أمرهم به، فقال: لا يحل ولا ينبغي أن ينتهب مال أحد، ولا يحل ذلك في الإسلام، ولا يحل ذنب من الذنوب مال الإنسان ما يحل ماله، وإن قتل نفسا، وأرى أن يضرب من أنهب، ومن انتهب.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا المعنى والقول فيه في رسم شك في طوافه، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

###: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم

ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل مالك فقيل له: إن أمورا تكون عندنا علانية من حمل المسلم الخمر علانية، ومشيه مع المرأة الشابة في الطريق يحادثها، فإذا كلم فيها قال: هي مولاتي، أليس يجب أن يتقدم في مثل هذا، ويمنع منه؟ فقال: وددت أن يعض الناس يقوم في مثل هذا ويمنع منه، وإني لأحب ذلك وأراه.
قيل له: أرأيت إن كان بعض من يريد القيام في مثل هذا لا يقوى عليه إلا بسلطان، فأتى سلطانا فأنهى ذلك إليه وأخبره بعظيمه، فقال له السلطان: ما أجد لهذا أحد أثق به فدونك، فقبل ذلك منه على أنه لا يجلس في موضع معروف، ولا ينظر في حد، ولا يوقع حدا، ولكن أمر ونهي؛ أتحب له أن يدخل في ذلك بأمر السلطان؟ فقال: إن قوي على ذلك، وأصاب العمل فما أحس ذلك فليفعل.
قال محمد بن رشد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بثلاثة شروط؛ أحدها: أن يكون عالما بالمعروف والمنكر؛ لأنه إن لم يكن عارفا بهما لم يصح له أمر ولا نهي؛ إذ لا يأمن أن ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر.
والثاني: أن يأمن من أن يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكبر منه، مثل أن ينهى عن شرب خمر فيئول نهيه عن ذلك إلى قتل نفس وما أشبه ذلك؛ لأنه إن لم يأمن ذلك لم يجز له أمر ولا نهي.
والثالث: أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له، وأن أمره بالمعروف مؤثر ونافع؛ لأنه إن لم يعلم ذلك، ولا غلب على ظنه لم يجب عليه أمر ولا نهي، فالشرطان الأول والثاني مشترطان في الجواز، والشرط الثالث مشترط في الوجوب، فإذا عدم الشرط الأول والثاني لم يجز

أن يأمر ولا ينهى، وإذا عدم الشرط الثالث ووجد الشرطان الأول والثاني جاز له أن يأمر وينهى، ولم يجب ذلك عليه، والدليل على وجوب ذلك بالشرائط المذكورة قول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71]، وقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: 41]، وقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليصرفن الله قلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعن بني إسرائيل، كان إذا عمل العامل منهم بالخطيئة نهاه الناهي تغريرا، فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه، وكأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك صرف قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى صلى الله عليهما ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: 78] » وحمل الرجل الخمر علانية ومشيه مع المرأة الشابة يحادثها وما أشبه ذلك من المناكر الظاهرة، لا يقدر عنى تغييرها جملة إلا السلطان، فواجب عليه أن ينكرها ويغيرها جهده، بأن يولي من يجعل إليه تفقد ذلك والقيام به، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارا استحقوا العقوبة كلهم».
ويستحب لمن دعاه الإمام إلى ذلك أن يجيبه إليه إذا علم أن فيه قوة عليه كما قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لما في ذلك من التعاون على فعل الخير، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]

ومن لم يدع إلى ذلك، فيجب عليه أن ينكر من ذلك ما أطلع عليه مما مر به واعترضه في طريقه على الشرائط الثلاث.
وأما الانتداب إلى ذلك، والقيام بتفقده وتغيره، فلا يجب على أحد في خاصة نفسه سوى الإمام، وإنما يستحب ذلك له إذا قوي عليه، وهو قول مالك في هذه الرواية، وددت أن بعض الناس يقوم في مثل هذا ويمنع منه، وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105] معناه في الزمان الذي لا ينتفع فيه بالأمر بالمعروف ولا بالنهي عن المنكر، ولا يقوى من ينكره على القيام بالواجب في ذلك، فيسقط عنه الفرض فيه، ويرجع أمره إلى خاصة نفسه، ولا يكون عليه سوى الإنكار بقلبه، ولا يضره مع ذلك من ضل، يبين هذا ما روي عن أنس بن مالك قال: «قيل: يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، قيل: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهر الادهان في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الملك في صغاركم، والفقه في أراذلكم».
والذي كان ظهر في بني إسرائيل هو ما تقدم في الحديث الذي قبل هذا، ويريد بالملك السلطان الذي إليه إقامة أمر الإسلام من إقامة الجمعة والجماعات، وجهاد العدو، وسائر ذلك مما يرجع أمر الشرع إلى الإمام، فليزم العامة الاقتداء به، وما روى عن أبي أمية قال: «سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: كيف نصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105] فقال لي: أما والله، لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا يدلك به، فعليك بنفسك، وإياك أمر العوام، إن من ورائكم أيام الصبر فيهن صبر على مثل قبض على الجمر، للعامل يومئذ منهم كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله»، وما أشبه زماننا بهذا الزمان، تغمدنا الله بعفو منه وغفران، فإذا كان الزمان زمانا يوجد على الحق فيه معين لله، فلا يسع أحدا السكوت على المناكر وترك تغييرها، قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، يوشك أن يعمهم الله بعقاب»، وبالله التوفيق.

مسألة: لا يتجر هؤلاء ولا يبيعون في سوقنا ينقصون المكيال والميزان

مسألة قال مالك: وحدثني العلاء بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب قال: لا يتجر هؤلاء، ولا يبيعون في سوقنا ينقصون المكيال والميزان.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذا المعنى في رسم حلف ليبيعن رجلا سلعة سماها، ورسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، والله الموفق.

###: الذي يكون منزله على طريق الجلاب يشتري منهم

ومن كتاب مسائل البيوع قال: وسألته عن الذي يكون منزله على طريق الجلاب يشتري منهم، قال: لا يعجبني أن يشتري منهم إلا الضحايا، وما يريد أن يأكل، فأما أن يشتري ما يريد بيعه، فلا أرى ذلك، وذلك من التلقي.
قلت له: أفرأيت الذي يخرج من المدينة، فيتلقى السلع فيشتري، ثم يقدم بها المدينة فيبيع أو يمسك؟ قال: لا خير فيه باع أو أمسك، إنما يجوز ذلك للذي يكون على طريقها منزله يشتري لغير البيع لنفسه، وإنما كره التلقي في أن يذهب الرجل من البلد قد عرف أسعارها فيشتري، ثم يقدم فيبيع على معرفة.
وسألته عن تلقي السلع في داخل المدينة بأفواه الطرق، فقال: إن ذلك ليفعل بالمدينة يتلقون بأفواه الطرق، فلا أرى أن يصلح ذلك، وأرى أن يمنعوا منه حتى يهبط بها إلى السوق، وبعض من يحدث يقول في حديثه: حتى يهبط بها الأسواق: فلا أرى ذلك حتى يهبط بها إلى السوق فينالها الضعيف والقوي.
قال محمد بن رشد: أجاز للذي يكون منزله على طريق الجلاب وبينه، يريد أو بين المدينة والحاضرة.
الأميال أن يشتري منهم ما يحتاج إليه ليأكله أو يضحي به؛ لما عليه من المشقة في النهوض إلى الحاضرة، ولم يجز لمن كان في الحاضرة أن يشتري ما مر به من ذلك؛ إذ لا مئونة عليه في النهوض إلى السوق لقربه منه، وكذلك لا يجوز له أن يتلقى شيئا منها بالمدينة بأفواه الطرق؛ لأن ذلك بمنزلة أن يخرج من الحاضرة إلى الطرق، فيشتري ما يأتي من الجلائب وهو التلقي المنهي عنه في الحديث.
وأما ما يريد به التجارة، فلا يشتريه بالطريق، وإن مر به

في منزله بقريته، وبينه وبين الحاضرة التي توجه بالمتاع نحوها الأميال.
قال ابن حبيب في الواضحة أو الأيام، وقد مضى بيان هذا، والقول فيه في رسم حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها، من كتاب الضحايا، وسيأتي في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى بعد هذا، من هذا الكتاب القول في الحكم في ذلك إذا وقع، وبالله التوفيق.

###: من يلقى الجزر أتحب أن يشتري من لحمها

ومن كتاب البيوع الأول قال: وسألته عمن يلقى الجزر؛ أتحب أن يشتري من لحمها؟ قال: لا أحب أن يشتري من لحمها.
قال محمد بن رشد: إنما كره الشراء من لحمها مراعاة لقول من يرى أن البيع فاسد يجب فسخه، وأن البيع الفاسد كلا بيع، ولا ينتقل به ملك البائع، وتكون المصيبة منه إن تلف عند المشتري ببينة هو قول شاذ، إلا أنه موجود في المذهب، رواه أبو زيد عن ابن القاسم في كتاب جامع البيوع، ويقوم أيضا من سماع يحيى، من كتاب الجعل والإجارة، فيكون على هذا القول من اشترى منه كأنه اشترى لحم شاة مغصوبة، والقياس أن الشراء من لحمها جائز على المشهور في المذهب من أنها تعرض على أهل الأسواق؛ إذ قد فات ذلك فيها بالذبح، وعلى القول أيضا بأنه بيع فاسد لمطابقته للنهي؛ إذ قد فات بالذبح أيضا، ووجب أن يمضي بالثمن، أو ترد إلى القيمة، فإنما اشترى من لحم شاة قد صح ملكه لها، ودخلت في ضمانه، ولم يكن في عينها حق لبائعها، ولا لأهل السوق، وبالله التوفيق.

مسألة: التجارة في عظام على قدر الشبر

مسألة وسئل مالك عن التجارة في عظام على قدر الشبر يجعل لها

وجوه، فقال الذي يشتريها ما يصنع بها؟ فقيل: يبيعها.
فقيل: ما يصنع بها؟ قيل: يلعب بها الجواري يتخذنها بناتا.
قال: لا خير في الصور، ولا هذا من تجارة الناس.
قال محمد بن رشد: قوله: لا خير في الصور، وليس هذا من تجارة الناس يدل على أنه كره ذلك ولم يحرمه؛ لأن ما هو حرام لا يحل، فلا يعبر عنه بأنه لا خير فيه؛ لأن ما لا خير فيه فتركه خير من فعله، وهذا هو حد المكروه؛ لأن المكروه ما في تركه ثواب، وليس في فعله عقاب، فهو لا خير فيه، ومعنى ذلك إذا لم تكن صورا مصورة مخلوقة مخروطة مجسدة على صورة الإنسان، وإنما كانت عظاما غير مخلوقة على صورة الإنسان، إلا أنه عمل فيها شبه الوجوه بالتزويق، فأشبه الرقم في الثوب، وإلى هذا نحا أصبغ في سماعه، من كتاب الجامع، فقال: ما أرى بأسا ما لم تكن تماثيل مصورة مخلوقة مخروطة، إلا أنه علل ذلك بعلة فيها نظر، قال: لأنها تبقى، قال: ولو كانت فخارا أو عيدانا تنكسر وتبلى رجوت أن تكون خفيفة إن شاء الله، كمثل رقوم الثياب بالصور لا بأس بها؛ لأنها تبلى وتمتهن، والصواب ألا فرق في ذلك بين ما يبقى أو ما يبلى، فلا يبقى مما هو تمثال فجسد، له ظل قائم مشبه بالحيوان الحي؛ لكونه على هيئته، وإنما استخفت الرقوم في الثياب من أجل أنها ليست بتماثيل مجسدة، لها ظل قائم تشبه الحيوان في أنها مجسدة على هيئتها، وإنما هي رسوم لا أجساد لها ولا تحيا في العادة ما كان على هيأتها، فالمحظور ما كان على هيئة ما يحيا ويكون له روح بدليل قوله في الحديث: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون، ويقال لهم يوم القيامة: أحيوا ما خلقتم».
والمستخف ما كان

بخلاف ذلك مما لا يحيا في العادة ما كان على هيئته، فالمستخف من هذه اللعب المصورة للعب الجواري؛ لما جاء من «أن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كانت تلعب بها بعلم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلا ينكر ذلك عليها»، بل كان ينتدب الجواري إليها، ما كان مشبها بالصورة، وليس بكامل التصوير، وكلما قل الشبه قوي الجواز، وكلما جاز اللعب به جاز عمله وبيعه، قال ذلك أصبغ في سماعه من الجامع، وبالله التوفيق.

مسألة: التسعير على أهل السوق

مسألة وسأله صاحب سوق المدينة عنه إن جاء إلى أهل السوق فقال: ليس بأيديكم شيء تعتلون به علينا.
اشتروا على ثلث رطل يسعره عليكم من الضأن، وعلى نصف رطل يسعره عليكم من الإبل، وإلا فأخرجوه من سوقنا، ولا تشتروا شيئا.
فقال: والله ما كنت أرى بهذا بأسا إذا سعر عليهم شيئا يكون قدر لحمهم واشترائهم، ولم يشتط عليهم، وعلى قدر ما يقوم لهم، لا أرى بهذا بأسا، ولكن أخاف أن يقوموا من السوق.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى، في رسم سلعة سماهما من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: التسعير على أصحاب السفن

مسألة وقيل لمالك: إن صاحب الجار أراد أن يسعر على أصحاب

السفن، فذهبوا إلى جدة، فقال: بيس ما صنع صاحب الجار إن كان فعل.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أنه لا يسعر على الجلاب، وقد مضى ذلك في رسم سلعة سماها، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

###: الذي يسقيه الطبيب فيموت

ومن كتاب العقول قال: وسألته على الذي يسقيه الطبيب فيموت، وقد سقى أمة بالمدينة، فماتت من ساعتها، أعليه غرم؟ فقال: ما أرى عليه غرما، ولكن لو تقدم إليهم الآن في ذلك ضمنوا؛ لكان نعم الشيء، يقال لهم: أيما طبيب سقى إنسانا أو بطة فمات فعليه الضمان، وأرى أن يفعل ذلك بهم، ويتقدم إليهم ألا يداوي أحد لا يعلم، يعمد أحدهم إلى الصحيح الذي ليس به بأس فيسقيه شيئا فيقتله، قال مالك: قال لي ربيعة غير مرة ولا مرتين: ولا تشرب من دواء هؤلاء الأطباء إلا شيئا تعرفه.
قال مالك: وإني بذلك لمستوص.
قال مالك: وإني لأرى للإمام أن لو نهى هؤلاء الأطباء عن الدواء إلا طبيبا معروفا، وأرى أن يقول لهم: من داوى إنسانا فمات فعليه ديته، وأرى ذلك عليهم إذا أنذر مثل أن يسقي إنسانا صحيحا فيموت مكانه فهذا سم، فأرى إذا تقدم إليهم أن يغرموا، ومثل الذي يقطع عرقا، فلا يزال يسيل دمه حتى يموت، فأما الذي يداوي المريض؛ فمنهم من يموت، ومنهم من

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
مسألة: عجوز أكلت لحم جاريتهامسألة: بيع العهدة أترى أن يحمل عليها أهل الأمصارمسألة: المرأة تسأل زوجها أن تسلم على أخيها أو أبيها فيمنعها من ذلكمسألة: للشرط المتصرفين بين أيدي القضاء في أمور الأحكام رزق من بيت المالمسألة: لا تترك المرأة الشابة تجلس إلى الصناعمسألة: كراهة تعليم الرجل ابنه كتاب العجممسألة: صياح الإمام في الناس بجواز ذهبهم كلهامسألة: أيام الحصاد يدخل الناس أطعماتهم بالفسطاط ويخزنونهامسألة: كنائس الفسطاط المحدثة في خطط الإسلام هل تغير وتهدممسألة: كراء الأفنية التي في طريق المسلمينمسألة: الرجل يقضي الرجل ذهبا في المسجدمسألة: النظر في النجوم وعلم الحسابمسألة: تفسير لا يبع حاضر لبادمسألة: يمنع من السوق كل من لا يبصر البيع من المسلمينمسألة: حكم شراء الخصيانمسألة: خلط الناس اللبن بالماء لاستخراج زبدةمسألة: لا يتجر هؤلاء ولا يبيعون في سوقنا ينقصون المكيال والميزانمسألة: التجارة في عظام على قدر الشبرمسألة: التسعير على أهل السوقمسألة: التسعير على أصحاب السفن
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل