كتاب جامع البيوع الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الدار الغائبة تشترى بصفة
من سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون قال مالك في الدار الغائبة تشترى بصفة لا يجوز أن يشتريها إلا مذارعة، وذكرها سحنون من رأيه.
قال محمد بن رشد: قوله في الدار الغائبة تشترى بصفة أنه لا يجوز أن يشتريها إلا مذارعة، معناه: أنه لا بد في صفتها من تسمية ذرعها، فيقال: اشترى منه الدار التي ببلد كذا بموضع كذا، وحدها كذا، وصفتها كذا؛ وذرع ساحتها في الطول كذا وكذا، وفي العرض كذا وكذا؛ وطول بيتها الكذا - كذا وكذا ذراعا، وعرضه كذا وكذا - ذراعا؛ حتى يأتي على جميع مساكنها ومنافعها بالصفة والذرع؛ ولو وصف بناءها وذكر صفة أنقاضها وهيئة مساكنها، وقدرها بالكبر أو الصغر أو الوسط، واكتفى من تذريعها بأن يقول على أن فيها كذا وكذا ذراعا، لجاز ذلك، والأول أتم وأحسن؛ وليس المعنى فيا ذلك أنه لا يجوز أن يشتريها على الصفة، إلا كل ذراع بكذا ما بلغت، بل لا يجوز ذلك إلا أن يكون قد رأى الدار ووقف عليها؛ كالأرض لا يجوز شراؤها على الصفة
كل ذراع بكذا، دون أن يراها؛ وكالصبرة لا يجوز شراؤها على الصفة، كل قفيز بكذا دون أن يراها؛ وقد اختلف إذا باع منه الدار والأرض والخشبة أو الشقة على أن فيها كذا وكذا ذراعا، فقيل: إن ذلك بمنزلة أن يقول: اشترى منك من ذلك كله كذا وكذا ذراعا، فإن وجد في ذلك أكثر مما سمى من الأذرع، كان البائع شريكا للمبتاع بالزيادة؛ كالصبرة يشتريها على أن فيها عشرة أقفزة، فيجد فيها أحد عشر قفيزا، كان القفيز الزائد للبائع؛ فإن وجد في ذلك أقل مما سمى من الأذرع، كان ما نقص مما سمى بمنزلة المستحق، إن كان يسيرا، لزم المبتاع ما وجد بحسابه من الثمن؛ وإن كان كثيرا، كان مخيرا فيما وجد بين أن يأخذه بما يجب له من الثمن أو يرده، وقيل: إن ذلك كالصفة ما ابتاع من ذلك، فإن وجد أكثر مما سمى، كان ذلك للمبتاع؛ وإن وجد أقل مما سمى، كان المبتاع بالخيار بين أن يأخذ ما وجد بجميع الثمن أو يرد؛ والقولان قائمان من أول كتاب تضمين الصناع من المدونة، ومن رسم أوصى، من سماع عيسى، من هذا الكتاب؛ وفرق في نوازل سحنون منه بين الدار والأرض، وبين الشقة والخشبة؛ وساوى بين ذلك كله في نوازل سحنون من كتاب العيوب في بعض الروايات، وقال: إن الخلاف يدخله كله دخولا واحدا؛ وقال بعض الشيوخ على قياس التفرقة التي في نوازل
سحنون من هذا الكتاب: كل ما كان أصل الشراء فيه شراء الجملة بغير ذرع، فوجد زيادة في الذرع فهي له، كالثوب والحبل خشبة؛ وكل ما كان أصله أن يشترى بعدد أو كيل أو ذرع، فوجد زيادة فهي للبائع، كصبرة الطعام والحوت والأرض تشترى على ذراع؛ وأما الدار يكون في صفتها عدد ذرع، فإنه إن كانت دارا ذات بناء وهيئة، فالذرع بعض صفتها إن وجد فيها زيادة كانت للمبتاع، وإن كانت على غير ذلك، إنما بيعت لسعتها وانفساحها، فوجد زيادة كان شريكا مع البائع بالزيادة إن شاء، أو يرد الكل إن كره الشركة.
مسألة: اشترى من رجل أربعة أعذق بعينها في حائط له
مسألة قال سحنون: قال أشهب وابن نافع: سئل مالك عمن اشترى من رجل أربعة أعذق بعينها في حائط له، ولم يشترط البائع على المبتاع أنه لا طريق لك ولا شرب لك؛ ولم يشترط المبتاع على البائع شربها من الماء، ولا الطريق إليها؛ فقال: أرى ذلك للمبتاع على البائع، يكون له طريقه إليها وشربها من الماء، وإن لم يكن يشترطه؛ لأنه إنما يشتري المشتري النخل بمائها وطرقها إليها، وأرى ذلك له عليه، وإن لم يشترطه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن البيع وقع بينهما، وهما عالمان بمبلغ الشرب، وقد مضى القول في رسم حلف، من سماع ابن القاسم إذا وقع البيع بينهما، وهما جاهلان بمبلغ الشرب أو أحدهما مستوفى، فلا معنى لإعادته؛ وإذا وقع البيع بينهما، وهما عالمان بمبلغ الشرب، فلا يخلو الأمر من ثلاثة أحوال؛ أحدها: أن يقع البيع بينهما مبهما دون نية ولا شرط.
والثاني: أن يتفقا على أن البيع وقع بينهما مبهما دون شرط، فيقول البائع: إنما كانت إرادتي بيعها دون شربها؛ ويقول المبتاع: إنما كانت إرادتي شراءها بشربها.
والثالث: أن يختلفا فيقول البائع: بعتك دون شرب بشرط وبيان، ويقول المبتاع: بل اشتريتها منك بشربها بشرط وبيان، فأما إذا وقع البيع بينهما مبهما دون نية ولا شرط، ففي ذلك اختلاف؛ قال في هذه الرواية: إن المبتاع يكون له شرب النخل من الماء، وقيل: إنه لا يكون له الشرب إلا أن يشترطه، وهو ظاهر ما في رسم باع شاة، من سماع ابن القاسم، من هذا الكتاب، وذلك إذا كان المبتاع يقدر على سقيها من غير ساقية البائع بوجه من الوجوه، أو كانت تستغني عن السقي؛ وأما إن كان المبتاع لا يقدر على سقيها من غير ساقية البائع بوجه من الوجوه، ولا تستغني عن السقي؛ فإن الشرب يكون للمبتاع قولا واحدا.
وأما إذا وقع البيع بينهما مبهما، فقال البائع: إنما كانت إرادتي أن أبيعك النخل دون شربها؛ وقال المبتاع: إنما كانت إرادتي شراءها بشربها، فإن كان لما قال البائع وجه، مثل أن يكون المبتاع يقدر على سقيها من غير ساقية البائع؛ أو كانت تستغني عن السقي، تحالفا وتفاسخا؛ فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان القول قول الحالف؛ وإن لم يكن لما قال البائع
وجه، كان الماء للمشتري؛ قال ذلك ابن القاسم في بعض الروايات، من سماع أصبغ، من كتاب الصدقات والهبات.
وأما إذا اختلفا فقال البائع: بعتك النخل دون شرب بشرط وبيان، وقال المشتري: بل اشترينها منك بشربها بشرط وبيان؛ فقال ابن القاسم: إن كان لما قال البائع وجه، تحالفا وتفاسخا؛ وإن لم يكن لما قال وجه، كان القول قول المبتاع؛ وقال أصبغ: يتحالفان ويتفاسخان، كان لما قال البائع وجه، أو لم يكن؛ فراعى ابن القاسم دعوى الأشباه في اختلاف المتبايعين مع القيام، ولم يراعه أصبغ، وهو المشهور في المذهب؛ ولو وهبه الأعرف؛ لكان القول قول الواهب: إنه إنما وهبها له دون شربها؛ بخلاف إذا كان الماء فيها على ما في سماع أصبغ، من كتاب الصدقات والهبات، خلاف ظاهر ما في أول رسم شهد، من سماع عيسى، من كتاب الصدقات والهبات، وعلى ما سنذكره هناك، إن شاء الله تعالى.
مسألة: الموز هل يباع اثنان بواحد
مسألة وسئل عن الموز أيباع اثنان بواحد؟ فقال: لا يعجبني، وغيره أحب إلي منه.
قال محمد بن رشد في الموطأ لمالك: إنه لا بأس بالتفاضل فيه، وهو الصحيح على أصله؛ لأنه لا يدخر ولا يقتات، وإنما هو فاكهة يخرج بطونا كمقاثئ والخضر.
مسألة: اشترى سلعة من رجل وشرط عليه عند عقدة البيع
مسألة وسئل مالك عمن اشترى سلعة من رجل، وشرط عليه عند
عقدة البيع إن ادعاها مدع، فمالي علي رد بغير خصومة، قال: لا يعجبني هذا البيع اشترط ما ليس في كتاب الله، فلا يعجبني هذا البيع.
قال محمد بن رشد: قوله: لا يعجبني هذا البيع، يدل على أنه رآه بيعا فاسدا لما اقترن به من الشرط؛ وذلك بين؛ لأنه غرر؛ إذ لم يبين البائع بما قبض من الثمن، إذ شرط عليه رده بالدعوى دون بينة، وذلك خلاف لما أحكمه الكتاب، وجاءت به الآثار، من أنه لا يؤخذ أحد بمجرد الدعوى دون بينة؛ فمعنى قوله اشترط ما ليس في كتاب الله، أي اشترط خلاف ما أوجبه الكتاب وقدره الشرع عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، المبين عن الله ما أنزله في كتابه.
مسألة: يقول للرجل ابتعني سلعتك هذه بكذا وكذا فيقول نعم
مسألة قال أشهب: سألت مالكا عن الرجل يقول للرجل: ابتعني سلعتك هذه بكذا وكذا، فيقول: نعم؛ فيقول: قد أخذتها، فيقول رب السلعة: ما أردت بيعها، إنما أردت اختبار ثمنها؛ فقال لي: لا سواء، أما الذي يوقف سلعته في السوق يتسوق بها، فأرى ذلك له لازما، ولا يغني عنه إباءه ذلك، وإن لم يفترقا وكان ذلك مكانهما؛ وأما الذي يعلم أنه كان لاعبا لا يريد بيع سلعته، فلا أرى ذلك له لازما، ولا عليه جائزا؛ قيل لمالك فإن كان على غير
وجه اللعب رأيت ذلك لازما لهما، وإن لم يفترقا إن لم تكن صفة خيار؟ قال: نعم، أرى ذلك لهما لازما، إن لم يكن بيع خيار، وكانت مناكرتهما من ساعتهما؛ وقد ذكر هذا الحديث، ولعله يكون شيئا ترك، ولم يعمل به.
قال محمد بن رشد: هذه الرواية تدل على أن الخلاف إنما هو في الذي يسوم الرجل بسلعته، وقد أوقفها للبيع في السوق، هل يصدق إن ادعى أنه لم يجد في السوم، وأنه إنما أراد اختبار ثمنها، أو أنه كان لاعبا وما أشبه ذلك أم لا؛ وأما الذي يلقى الرجل في غير السوق، فيسومه في سعلته فيقول هي بكذا وكذا؛ فلا اختلاف في أن البيع لا يلزمه إن ادعى أنه لم يكن مجدا في السوم، وأنه كان لاعبا، ويحلف على ذلك إن لم يتبين صدقه؛ وإنما يلزمه إن علم أنه كان مجدا غير لاعب: إما بتردد المكايسة بينهما، كنحو رواية ابن نافع، عن مالك الواقعة في نوازل سحنون، وإما بإقراره بذلك على نفسه؛ إذ لا يعلم ذلك إذ لم تتردد المكايسة بينهما إلا من قبله؛ وقد قيل: إن الخلاف يدخل في هذا أيضا على ظاهر ما مضى في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وليس ذلك عندي بصحيح على ما مضى القول فيه هناك، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع أشهب، من كتاب العيوب، فمن أحب الوقوف على الشفاء منها تأمله هناك.
وقوله: وكانت مناكرتهما من ساعتهما، معناه وإن كانت مناكرتهما من ساعتهما؛ لأن الخلاف إنما هو إذا كانت مناكرتهما من ساعتهما، للحديث الذي جاء أن المتبايعين كل واحد
منهما على صاحبه بالخيار ما لم يفترقا، إلا بيع الخيار؛ فرآه حديثا متروكا لم يصحبه عمل، قال في موطئه: وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه؛ وقد تؤول أن معناه المراد به أن المتساومين كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا بالقول؛ إذ قد يكون التفرق بالقول؛ قال عز وجل: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130]، وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4].
وقد يسمى المتساومان متبايعين، فيكون فائدة الحديث على هذا التأويل إثبات الخيار في البيع؛ إذ قد علم أن المتساومين بالخيار ما لم ينعقد البيع بينهما؛ وقيل: فائدته أن من أوجب البيع منهما لصاحبه له الرجوع عنه ما لم يجبه صاحبه بالقبول، إلا أن هذا ليس على المذهب؛ وقيل: فائدته أن المتساومين لا يلزم البائع منهما البيع بما طلب من الثمن ولا المبتاع الأخذ بما بدا منه في حال المساومة، وأن لكل واحد منهما أن يرجع عن ذلك، ما لم يتم البيع بالكلام؛ وهذا يأتي على مذهب مالك في المدونة؛ ومن أهل العلم من ذهب إلى أن المراد بالفرقة فرقة الأبدان، وأنها فرقة تحل العقدة، وتبطل ما أوجبه أحد المتبايعين على نفسه لصاحبه، وهو معنى حسن يخرج على المذهب.
مسألة: دفع إليه الدرهم وقال له اعطني نصفه بطيخا ونصفه تينا
مسألة وسئل مالك فقيل له: جئت إلى صاحب فاكهة، فأعطيته درهما
وقلت له: أعطني رطبا، فلما دفعت إليه الدرهم، بدا لي فقلت له: أعطني نصفه بطيخا، ونصفه تينا، قال: أرجو أن يكون هذا خفيفا، ولا أرى به بأسا.
قال محمد بن رشد: إنما جاز هذا؛ لأن عقد البيع لم يتم بينهما؛ وإنما كانا في حال التراوض؛ إذ لم يقطعا السعر بعد؛ فلو أراد أن يأخذ درهمه، لكان ذلك له؛ ولو كان البيع قد انعقد بينهما، لم يجز ذلك على ما مضى في رسم شك، ورسم حلف من سماع ابن القاسم، من هذا الكتاب؛ وقد مضى القول على ذلك في الرسمين جميعا، ومضى أيضا في رسم القبلة، ورسم المحرم من سماع ابن القاسم، من كتاب الصرف، القول على هذه المسألة مستوفى لمن أحب الوقوف عليه.
مسألة: ابتاع حائطا ثم جاءه البائع يستقيله
مسألة وسئل مالك عمن ابتاع حائطا، ثم جاءه البائع يستقيله، فقال له المبتاع: أقيلك على أنك متى بعته فهو لي بالثمن الذي تبيعه به، فقال: نعم ذلك لك، والله ما أريد بيعه، فأقاله على ذلك، فأقام بيده زمنا ثم باعه بالثمن، ثم جاء المقيل فقال: أنا آخذه بالثمن الذي بعته به، فإني قد كنت شرطت ذلك عليك حين أقلتك؛ أيكون ذلك له؟ فأطرق فيها طويلا، فقال لي: إني أرى ذلك الآن بالثمن الذي باعه به، أراه له بذلك الثمن فيما أرى الآن؛ وإن أحببت أن ترجع إلي فارجع، فقام عنه هنيهة، ثم رجع فقرأ عليه الكتاب أنه أقاله على أنه أحق به بالثمن الذي يبيعه به إن باعه،
فباعه بعد زمان؛ أترى هذا مردودا؟ فقال: أما مردود فلا، ولكن أرى إن شاء أن يأخذه بالثمن الذي باعه به هذا الآخر، فذلك له؛ وإن شاء أن يتركه له، فذلك له.
قال محمد بن رشد: أوجب مالك للمقيل أخذ الحائط بشرطه، وإن باعه المستقيل بعد زمان؛ لقوله في الشرط متى ما باعه؛ لأن متى ما تقتضي قرب الزمان وبعده، بخلاف ما في سماع محمد بن خالد لابن القاسم وابن كنانة، من تفرقته بين القرب والبعد إذا أقاله على أنه إن باعه من غيره، فهو له بالثمن؛ وقد كان المقيل يخاف من المستقيل أن يكون إنما استقاله ليبيعه من غيره بزيادة أعطى فيه، وإنما جاز هذا الشرط في الإقالة؛ لأن الإقالة معروف فعله به، واشترط أن يكافئه عليه بمعروف، فلزم ذلك فيها، بخلاف البيع؛ وقد مضى القول في حكم البيع إذا وقع على هذا الشرط مستوفى في رسم القبلة، من سماع ابن القاسم، ولمحمد بن خالد في سماعه أن الإقالة على هذا الشرط لا تجوز كالبيع؛ والذي يوجبه القياس والنظر عندي ألا فرق في هذا كله بين البيع والإقالة، وأنه إذا أقاله أو باعه على أنه متى باعه من غيره، فهو أحق به، أن ذلك لا يجوز؛ لأن في إجازة البيع والإقالة وإمضاء الشرط فيهما إبطالا لحق المشتري، وظلما له في أن يؤخذ منه ما ابتاع دون حق يوجب ذلك عليه؛ وأنه إن استقاله أو سأله البيع ابتداء، فقال له: أخشى أنك إنما تسألني الإقالة أو البيع لربح أعطيت في ذلك، لا لي رغبة لك فيه، فقال: له لا أريده إلا لرغبة فيه لا للبيع؛ فأقاله أو باعه على أنه أحق به بالثمن إن باعه - أو يكون أحق به - إن
باعه بالقرب؟ فيتبين أنه إنما استقاله، أو سأله البيع لذلك؟ وكذلك لو أقاله أو باعه على أنه إن أراد بيعه، فهو أحق به بالثمن الذي يعطى فيه، لم يجز ذلك في البيع؟ ويختلف فيه في الإقالة، من أجل أن بابها معروف المكايسة، وكذلك يختلف أيضا في هذا الشرط إذا وقع في الهبة، وقع الاختلاف في ذلك في سماع سحنون، من كتاب الصدقات والهبات، ظهر في الهبة الجواز، وفي الإقالة المنع، فإذا جمعت المسألتين تجمع فيهما ثلاثة أقوال: الجواز فيهما جميعا، والمنع فيهما جميعا، والفرق بين الهبة والإقالة؛ وسيأتي القول على مسألة الهبة في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، من كتاب الصدقات والهبات، وفي سماع سحنون منه، وفي أول سماع سحنون مسألة من هذا المعنى، سنتكلم عليها إذا مررنا بها إن شاء الله.
مسألة: باع أصل حائطه من رجل أنه متى جاءه بالثمن كان أحق بحائطه
مسألة وسئل مالك عمن باع أصل حائطه من رجل أنه متى جاءه بالثمن، كان أحق بحائطه، وكان إليه رد فأقام في يد المشتري ست سنين، يأكل ثمرته، ويزرع قصبا يأكل غلته، ثم أيسر البائع بعد ست سنين، فجاءه بالثمن فرده عليه، وأخذ حائطه، وقد أكل المشتري ثمرته ست سنين وغلة قصب كان يزرعه، وطلب مشتري الحائط ما أنفق في الحائط، فقال مالك: أصل هذا
البيع لم يكن جائزا ولا حسنا، وأرى للمشتري ما أكل من الثمر، واستغل من القصب بالضمان؛ لأنه كان للحائط ضامنا، وأرى له أيضا على رب الحائط ما أنفق في بنيان جدار أو حفر بئر؛ فإنه رد إليه، وقد بنى فيه، وحفر فيه بئرا، وأصل هذا البيع لم يكن جائزا ولا حسنا.
قال محمد بن رشد: البيع على هذا الوجه يسمونه بيع الثنيا، وقد اختلف فيه؛ فقيل: إنه بيع فاسد بما شرط البائع على المبتاع من أنه أحق به متى ما جاءه بالثمن؛ لأنه يصير كأنه بيع وسلف، وهو قول مالك هاهنا، وفي بيوع الآجال من المدونة، فإن وقع فسخ، ما لم يفت بما يفوت به البيع الفاسد، وكانت الغلة للمبتاع بالضمان، فإن فات صحح بالقيمة، والحائط لا يفوت في البيع الفاسد بالبناء اليسير، فلذلك قال: إنه يكون على رب الحائط إذا رد إليه ما أنفق على المبتاع في بنيان جدار أو حفر بئر، وقد قيل: قيمته ما أنفق، وليس ذلك باختلاف قول؛ وإنما المعنى في ذلك أن نفقته إن كانت بالسداد، رجع بما أنفق، وإن كانت بغير السداد، مثل أن يستأجر الأجراء بأكثر مما يستأجر به مثلهم بغبن جرى عليه في ذلك، أو بمعروف صنعه إليهم، رجع بقيمة ذلك على السداد، وقيل فيه: إنه ليس بيعا، وإنما هو سلف جر منفعة؛ قال سحنون ذلك في المدونة، وهو قول ابن الماجشون وغيره؛ لأنه كان المبتاع أسلف البائع الثمن على أن يغتل حائطه حتى يرد إليه سلفه، فعلى هذا القول ترد الغلة للبائع، ولا تكون للمبتاع؛ لأنها ثمن السلف فهي عليه حرام.
مسألة: لبن البقر والغنم يخلطان جميعا ويضربان فيخرج زبدهما ثم يباع اللبن
مسألة وسئل مالك عن لبن البقر والغنم يخلطان جميعا ويضربان، فيخرج زبدهما ثم يباع اللبن؛ فقال: أحب إلي ألا يخلطا جميعا، وأن يضرب كل واحد منهما على حدته؛ فإن ضربا جميعا، فأرى عليه إذا باع اللبن أن يبين ذلك للمبتاع، فيعلمه أنه لبن بقر وغنم، قلت: أفرأيت إن باع الزبد الذي خرج منهما، والسمن الذي خرج منهما، أترى ذلك عليه أيضا أن يبين ذلك للمبتاع، ويقول له: إنه زبد، أو إنه سمن بقر وغنم؟ فقال لي: نعم، أرى ذلك عليه أن يبين ذلك للمبتاع؛ لأنه ليس شيء من الزبد، ولا من السمن، ولا اللبن مثل زبد الغنم وسمنها، أو مثل لبنها أطيب ولا أجود، فأرى أن يبين ذلك إذا باع، وأحب إلي ألا يخلطهما.
قال محمد بن رشد: قوله: أحب إلي ألا يخلطا ليس على ظاهره، وهو تجوز في اللفظ، بل لا يحل ذلك، ولا يجوز وإن بين؛ لأنه من الغش؛ وكذلك قال ابن القاسم في رسم الجواب من سماع ابن القاسم، وقال مالك في كتاب ابن المواز: يعاقب من خلط طعاما بطعام دونه، أو قمحا بشعير، ويمنع من بيعه على ظاهر ما في كتاب ابن المواز من أجل الذريعة، فإن باع وبين مضى البيع ولم يكن للمبتاع رد، وكان قد أساء؛ فليس في قوله في الرواية: فأرى أن يبين ذلك إذا باع، دليل على أن ذلك مباح له أن يفعله، وإنما معناه أن ذلك يلزمه من أجل حق المشتري؛ فإن لم يفعل، كان له أن يرد، ويلزمه أن يبين قدر ما فيه من كل واحد منهما إن علم ذلك؛ وإن لم يعلمه أخبر باختلاطهما، وقد كره مالك في كتاب ابن المواز لمن خلط قمحا بشعير لقوته، ففضل له منه
فضل، أن يبيعه وإن قل الثمن، وخفف ذلك ابن القاسم إذا لم يتعمد خلطه للبيع، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في الواضحة؛ وإنما يكون للمبتاع أن يرد اللبن المخلوط والزبد والسمن من اللبن المخلوط إذا كان لبن الغنم وزبدها وسمنها هو الغالب في البلد أو كان متساويين؛ وأما إن كان لبن البقر وزبدها وسمنها هو الغالب في البلد، فليس له أن يرد شيئا من ذلك إذا وجده مخلوطا بلبن الغنم؛ لأنه لو وجده كله لبن بقر أو غنم، لم يكن له أن يرده؛ فكيف إذا وجده مخلوطا بلبن الغنم، وقد مضى هذا المعنى في أول رسم من سماع أشهب، من كتاب العيوب، وما يدخله من الخلاف؛ وهذا على ما ذكر مما هو لا شك معلوم عندهم، أن لبن الغنم وزبدها وسمنها أفضل من لبن البقر وزبدها وسمنها، وأما على ما هو معلوم عندنا من أن سمن البقر أفضل وأطيب من سمن الغنم، فليس له أن يرد السمن المخلوط إذا كان الغالب في البلد سمن الغنم؛ وإنما له أن يرده إذا كان الغالب بالبلد سمن البقر، أو كانا متساويين، كما لو اشتراه فوجده سمن غنم.
مسألة: الموز إذا بلغ في شجره أيشترى قبل أن يطيب
مسألة وسئل مالك عن الموز إذا بلغ في شجره، أيشترى قبل أن يطيب؟ فإنه لا يطيب حتى ينزع؟ فقال: لا بأس بذلك إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: من شأن الموز أنه لا يطيب حتى ينزع من شجره، ويدفن أياما في تبن أو غيره، وكذلك يطيب؛ فلذلك جاز بيعه قبل أن يطيب، وذلك إذا صلح للقلع، فصلاحه للقلع من ثمره هو طيبه الذي يجوز بيعه به، وكذلك ثمار عندنا تسمى المشتهى، لا تطيب حتى تقطع وتقيم أياما بعد القطع، فبلوغها حد القطع هو طيبها الذي يجوز له بيعها، وبالله التوفيق.
مسألة: التين وإذا بلغ وكبر إلا أنه أخضر لم يؤكل منه شيء بعد أيباع
مسألة وسألنا مالكا عن التين وإذا بلغ وكبر، إلا أنه أخضر لم يؤكل منه شيء بعد أيباع؟ فقال لي: لا يباع حتى يطيب أو يطيب أوائله ويؤكل، فإذا طاب أوائله وأكل منه جاز بيعه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه لا يجوز بيعه إذا كبر حتى يطيب منه شيء، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة، في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
مسألة: الرجل يكون عنده العبدان فيسلم بهما
مسألة وسئل مالك عن الرجل يكون عنده العبدان فيسلم بهما، فيقول الرجل: هذا العبد بأربعين إلى سنة، وهذا بخمسين إلى سنة، خذ أيهما شئت، فقال: ما أرى بهذا بأسا.
قال محمد بن رشد: لم يجعل في هذه الرواية قول البائع، خذ أيهما شئت إيجابا أوجبه على نفسه للمبتاع، فلذلك قال: لا أرى به بأسا؛ لأن البيع على هذا الوجه من بيعتين في بيعة، فلا يجوز إذا كان البيع لازما لهما أو لأحدهما، وقد روي عن مالك أن قوله: خذ أيهما شئت إيجاب منه للبيع على نفسه، بمنزلة قوله قد بعتك أيهما شئت، أو لك أيهما شئت، ووقع ذلك في كتاب لابن المواز من رواية أشهب عنه، قال: سئل مالك عمن قال لرجل: أن احبس لي راويتين من زيت، ثم رجع إليه، فقال: كيف
بعت الراوية؟ فقال: بأربعة وعشرين نقدا، وبخمسة وعشرين على التقاضي؛ فأيهما شئت فخذ، قال: قد أخذت؛ قال مالك: هذا بيع مفسوخ، قيل له: إن الزيت قد فات، قال: فيرد مثله.
قال محمد بن رشد: وإنما فسخه لقوله: خذ أيهما شئت؛ لأن ذلك إيجاب على البائع، قال: ولم يزد على أن قال: خذها إن شئت بدينار، وإن شئت بهذه الشاة، لم يكن فيه خير؛ لأنه حين قال: خذ، أو قال له: قد بعتك، أو قال له: هي لك، فقد أوجب ذلك البائع على نفسه، وذكر محمد بن المواز بإثر هذه الرواية رواية أشهب الواقعة في هذا الرسم على نصها، ثم قال: والرواية الأولى أصح، وقد مضى هذا المعنى في أول رسم من سماع أشهب، من كتاب العيوب.
مسألة: باع حائطا فيه ألوان من الثمر
مسألة وسئل مالك عمن باع حائطا فيه ألوان من الثمر: العجوة والكبسي والصيحاني وغير ذلك، أيجوز له أن يستثنى الثلث من الثمر كله في صنف واحد من تلك الألوان، وإن كان هو أكثر تلك الألوان؟ أو لا يجوز له أن يشتري من صنف واحد من تلك الألوان إلا ثلث ذلك الصنف؟ فقال: لا بأس أن يشتري ثلث الثمر الذي باع كله من صنف واحد من الثمرة العجوة والصيحاني؛ وإن كان ذلك من ذلك الصنف هو أكثره أو أقله إذا كان مما يباع من ذلك، هو ثلث الثمر الذي باع أو أدنى، لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في رسم قطع الشجرة، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
مسألة: بيع القطاني بعضها ببعض متفاضلا
مسألة وسألت مالكا عن القطاني بعضها ببعض متفاضلا يدا بيد، أيصلح ذلك؟ فقال لي: ذلك من القطاني مختلف، منه ما يجوز، ومنه ما لا يجوز؟ فأما الحمص والعدس، فلا أرى ذلك يجوز، ولا يصلح إلا مثلا بمثل؛ فقيل له: ما كنا نرى القطاني عندك كلها إلا بمنزلة الحنطة المختلفة بعضها ببعض، فقال: لا، القطنية أسماء كثيرة، فمنها ما يجوز بعضه ببعض متفاضلا، ومنها لا يجوز، فذلك مختلف.
قال محمد بن رشد: اختلف قول مالك في القطاني في البيع على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها صنف واحد لا يصلح الفضل بينها.
والثاني: أنها أصناف مختلفة، يجوز التفاضل بينها، وهو قول ابن القاسم وأصحاب مالك كلهم.
والثالث: قوله في هذه الرواية؛ أن ما كان منها يشبه بعضه بعضا - يريد في المنفعة - كالحمص والعدس واللوبية والجلبان والبسيلة فهو صنف واحد، وما كان منها لا يشبه بعضه بعضا في ذلك مثل الفول والحمص والكرسنة، فهي أصناف مختلفة، يجوز التفاضل فيها؛ ولا اختلاف بينهم في أنها في الزكاة صنف واحد يضم بعضها إلى بعض، وإنما اختلف فيما هو من القطنية، مما هو ليس منها، من ذلك الكرسنة، ذهب ابن حبيب إلى أنها صنف على حدة؛ وقال ابن وهب: لا زكاة فيها، واختار ذلك يحيى بن يحيى،
وهو الأظهر؛ لأنه علف وليس بطعام؛ ومن ذلك الأرز والجلجلان، روى زياد عن مالك أنهما من القطنية، والمشهور أنهما صنفان لا يضافان إلى غيرهما، ولا يضاف بعضهما إلى بعض؛ وقد مضى القول على هذه المسألة أيضا في رسم حلف، من سماع ابن القاسم، من كتاب السلم والآجال.
ابتاع متاعا من ميراث فباع فيه مصلى
ومن كتاب الأقضية الثاني
وسئل مالك عمن ابتاع متاعا من ميراث، فباع فيه مصلى، ثم قال له المشتري: أتدري ما هذا المصلى؟ هو والله خز؛ فقال البائع: ما علمت أنه خز، ولو علمت ما بعته بهذا الثمن؛ فقال مالك: ما أرى ذلك له، وأراه للمشتري، ولو شاء البائع استبرأه قبل أن يبيعه، وكذلك لو باعه هرويا، ثم قال له: لم أعلم أنه هروي، إنما ظننته كذا وكذا؛ أرأيت لو أن المبتاع قال: والله ما اشتريته، إلا أني ظننت أنه خز وليس بخز، فهذا مثله.
وكذلك الذي يبيع الحجر بالثمن اليسير، ثم إذا هو ياقوتة أو زبرجدة تبلغ مالا كثيرا، لو شاء البائع استبرأه قبل أن يبيع؛ قيل له: أرأيت الذي يأتي إلى الرجل فيقول له: أخرج لي ثوبا هرويا بدينار، فيخرج إليه ثوبا فيعطيه إياه؛ ثم ينظر بعد ذلك فيجده من أثمان أربعة دنانير، فيقول: أخطأت هذا مثله، قال: ليس هذا مثله، لا أرى هذا إلا أن يحلف ويأخذ ثوبه.
قال محمد بن رشد: في بعض الكتب، ولو شاء البائع استبرأه
من الرؤية، والمعنى في هذا سواء، وفي سماع أبي زيد خلاف هذا أن من اشترى ياقوتة وهو يظنها ياقوتة، ولا يعرفها البائع ولا المشتري، فيجدها على غير ذلك؛ أو يشتري القرط وهو يظنه ذهبا فيجده نحاسا، أن البيع يرد في الوجهين جميعا، وهذا الاختلاف إنما هو إذا لم يسم أحدهما الشيء بغير اسمه، وإنما سماه باسم يصلح له على كل حال، مثل أن يقول البائع: أبيعك هذا الحجر، أو يقول المشتري: بع مني هذا الحجر، فيشتري المشتري وهو يظنه ياقوتا فيجده غير ياقوت، أو يبيع البائع وهو يظنه غير ياقوت، فإذا هو ياقوت؛ فيلزمه اشتراء المشتري، وإن علم البائع أنه غير ياقوت، والبائع البيع، وإن علم المبتاع أنه ياقوت على رواية أشهب عن مالك.
ولا يلزم المشتري الشراء، ولا البائع البيع على ما في سماع أبي زيد، وأما إذا سمى أحدهما الشيء بغير اسمه، مثل أن يقول البائع: أبيعك هذه الياقوتة، فيشتري المشتري، فيجدها غير ياقوتة، أو يقول المشتري: بع مني هذه الزجاجة فيبيعها منه، ثم يعلم البائع أنها ياقوتة، فلا اختلاف في أن الشراء لا يلزم المشتري، وأن البيع لا يلزم البائع.
وكذلك القول في المصلى، وما أشبه ذلك، وأما القرط يشتريه الرجل وهو يظنه ذهبا، ولا يشترط أنه ذهب فيجده نحاسا، فلا اختلاف في أن له أن يرده إذا كان قد صيغ على صفة أقراط الذهب، أو كان ذلك مغسولا بالذهب؛ لأن ذلك غش، وقد اختلف إذا ألغز أحدهما لصاحبه في التسمية، ولم يصرح، فقال ابن حبيب: إن ذلك يوجب الرد كالتصريح، وحكي عن شريح القاضي أنه اختصم إليه في رجل مر برجل، ومعه مصبوغ الصبغ الهروي، فقال له: بكم هذا الثوب الهروي؟ فقال له البائع: بكذا وكذا، فاشتراه منه، ثم تبين للمشتري أنه ليس هرويا، وإنما صبغ صبغ الهروي؛ فأجاز بيعه، وقال: لو استطاع أن يزين ثوبه بأكثر من هذا لزينه به؛ قال عبد المالك: لأنه إنما باعه هروي الصبغ حتى إذا قال: هروي هراة، فعند ذلك يرده، وذلك
عندي اختلاف من قوله، وقد قال بعض الشيوخ: إذا باع الحجر في سوق الجوهر فوجده صخرة، كان للمبتاع القيام وإن لم يشترط أنه جوهر؛ وإذا باعه في ميراث أو غير سوق الجوهر، لم يكن للمبتاع قيام؛ وعلى هذا يقاس ما أشبهه، وهذا عندي يجري على الاختلاف الذي ذكرته في الألغاز؛ ووجه تفرقة مالك بين الذي يبيع الياقوتة، وهو لا يعلم أنها ياقوتة، أو مصلى الخز وهو لا يعلم أنها خز، وبين الذي يذهب أن يخرج للمشتري ثوبا ثمنه دينار، فيخرج إليه ثوبا ثمنه أربعة دنانير؛ أن الأول جهل وقصد، إذ لم يسأل من يعلم ما هو، والثاني: غلط، والغلط لا يمكن التوقي منه؛ فيكون له أن يحلف ويأخذ ثوبه إذا أتى بدليل على صدقه من رسم، أو شهادة قوم على حضور ما صار به إليه في مقاسمة، أو ما أشبه ذلك؛ والرجوع بالغلط في بيع المرابحة متفق عليه، وفي بيع المكايسة مختلف فيه؛ وقد مضى القول على ذلك في أول رسم من سماع ابن القاسم، وليس في هذه الرواية بيان، إذ قد يحتمل أن يريد بقوله: أخرج لي ثوبا شراؤه دينار، فيكون بيع مرابحة؛ وأن يريد أخرج لي ثوبا قيمته دينار، فيكون بيع مكايسة، وانظر في ذلك وتدبر.
مسألة: تصدق بنخل بمائها ثم أصابتها الرمال حتى بلغت كرانيفها
مسألة وسئل عمن تصدق بنخل بمائها، ثم أصابتها الرمال حتى بلغت كرانيفها، وغلبت عليها، وفي مائها فضل، وقد أردت بيعها، فقال له: ما أرى أن تبيعها، وأرى أن تدعها على حالها حتى يغلب عليها الرمال فتستريح منها.
قال محمد بن رشد: يريد بالصدقة هاهنا الحبس الموقف، فلم ير بيعه وإن غلبت عليه الرمال حتى خشي أن يغير فلا ينتفع به، وهذا هو
مذهب ما في المدونة، أن الربع الحبس لا يباع وإن خشي عليه الخراب، بخلاف ما بلي من الثياب، وضعف من الدواب، والفرق بين ذلك، أن الربع وإن خرب، فلا تذهب البقعة، ويمكن أن يعاد إلى حاله، وكذلك هذه النخيل، وإن غلبت عليها الرمال بكثرة الرياح أو المياه، يمكن أن يذهب عنها بمثل ذلك أو بما سواه، فتعود إلى حالها، وابن الماجشون يرى أن لا يباع شيء من ذلك كله، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة، وروي عن ربيعة: أن الإمام يبيع الربع إذا رأى ذلك لخرابه كالدواب والثياب، وهو قول مالك في إحدى روايتي أبي الفرج عنه، قال: لا يباع الربع الحبس، وقال في موضع آخر: إلا أن يخرب، وبالله التوفيق.
مسألة: ابتاعا طعاما فوجد أحدهما طعامه ينقص أربعة أرادب
مسألة وسئل عن رجلين ابتاعا طعاما، فحمل إليهما الحمالون الطعام، فوجد أحدهما طعامه ينقص أربعة أرادب، فذهب إلى أن الذي كان يحمل إليه الطعام معه؛ فقال له: انظر أن يكون ذهب إليك من قمحي شيء، فقام الرجل وكال قمحه، وقد كان خلطه بقمح له آخر قد كان يعرف كيله فوجدها تزيد غرارة، فردها عليه، فأراد الذي ذهب قمحه أن يستحلفه؛ فقال: قال مالك: ذلك له على الذي وجد في بيته الطعام الفضل، يحلف بالله ما دخل بيته إلا هذا، فإن أبى أن يحلف حلف الآخر وأخذه، وهو رجل سوء إن حلف على ما لا علم له به؛ لأنه يحلف على ما لا يعلم، ولا يدري أوصلت إلى هذا أم لا؟ ولعل الحمالين اختانوا ذلك، وكيف
يحلف على أمر لا يدري ما هو؟ وما أدري ما يمينه؟ وما أدرى لعله ليس له يمين؟ ولكن هذا أشد ذلك، إذا أبى هذا الذي أفرغ في بيته القمح أن يحلف، قيل له: اغرم؛ فإذا كان يغرم فليحلف، هذا أحب إلي، والذي فرغ في بيته الطعام أحقهما باليمين؛ وأما الآخر، فيحلف على الباطل وهو ظالم.
ثم سئل مالك عن ذلك الثانية، وقيل له على من ترى اليمين؟ فقال: أرى اليمين على المدعى عليه، فإن أبى أن يحلف، حق عليه الحق؛ وما أرى على المدعي يمينا؛ لأنه لا يدري ما يحلف عليه، ولكن لما أبى المبتدئ باليمين أن يحلف، رأيت الغرم عليه؛ قلت له: أيحلف هذا ويأخذ ما ذهب له؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: قال ابن أبي زيد في النوادر: طالعت أصل السماع، فلم أجد فيه من قول مالك، قال: نعم في آخر المسألة، قال ابن رشد: وإن سقط جوابه في آخر المسألة، فقد تقدم في أولها أنه يحلف، إلا أنه لا يسوغ له فيما بينه وبين خالقه أن يحلف إن لم يكن على يقين من أن الطعام الذي نقصه صار عنده، وهذا معنى قوله: إنه رجل سوء إن حلف على ما لا علم له به، إلا أنه في واجب الحكم على هذه الرواية يمكن من اليمين إن نكل المدعى عليه، ولا يجب له شيء إلا أن يحلف، ويقال له: أنت أعلم بما تحلف عليه إن كنت على يقين من أن الطعام صار عنده، فلا حرج عليك في أن تحلف، ومثل هذا في سماع عيسى، من كتاب الشركة، أن اليمين ترد في التهمة، والاختلاف في وجوب ردها، وفي لحوقها ابتداء أيضا مشهور معلوم، وبالله التوفيق.
أهل المقاومة بالسرار وبيع المقاومة بالحصاة
ومن كتاب أوله
مسائل بيوع وكراء وسئل عن أهل المقاومة بالسرار، فقال: هو عندي خفيف، وكره بيع المقاومة بالحصاة.
قال محمد بن رشد: رأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها المقاومة بالسرار: أن يتقاوموا السلعة سرا بالإشارة، وكذلك قال ابن لبابة: السرار أن يشير له بيده حتى يستتر عمن حضر له، وفي هذا من قولهما نظر؛ لأن الأشراك في السلعة إذا تقاوموها فيما بينهم، فليس لأحد من غيرهم أن يدخل عليهم فيها؛ فلا وجه للاستتار بالتقاوم عن سواهم، ولا معنى للسؤال عن ذلك، وإنما المعنى في المسألة عندي أن يتقاوم بعض الأشراك أنصباءهم فيما بينهم سرا عن بقيتهم، فيكون بعضهم قد خرج نصيبه لبعض أشراكه بما انتهى في المقاومة عليه دون علم بقيتهم، فهذا خفيف على ما قال؛ إذ لا يجبر على المقاومة من أباها من الأشراك، فلا حجة لمن استسر دونه بالمقاومة من الأشراك؛ لأن الذين تقاوموا يقولون له: نحن لا نريد أن نقاومك، وذلك من حقنا؛ إذ لا يجبر على المقاومة من أباها، وإنما تكون على التراضي، ونحن رضينا فيما بيننا بالتقاوم، فلا حجة لك علينا في ذلك.
وإنما استسروا لأنه كان من حقه لو علم بالمقاومة قبل نفوذها، أن يكون شريكا في نصيب الخارج عن نصيبه مع الآخر له بالثمن الذي رضي أن يخرج له به عنه؛ لأن السلعة بين الشريكين إذا أراد أحدهما أن يبيع نصيبه منها، كان الشريك أحق بها بما يعطى فيها ما لم ينفذ البيع، فكما يكون الشريك أحق من الأجنبي، فكذلك يكون الشريك أحق من الشريك بما زاد على قدر حقه؛ وكما يكره للشريك أن يبيع نصيبه
من أجنبي دون أن يُعلم شريكه؛ إذ ليس ذلك من مكارم الأخلاق، ولا من محاسنها، وكذلك يكره له أن يبيع نصيبه من بعض أشراكه دون أن يعلم سائرهم، إلا أن مالكا رأى في هذه الرواية ذلك في الشريك أحق من الأجنبي، إذ لم يدخل على الذي لم يعلم شريكا أجنبيا، فهذا وجه قول مالك: هو عندي خفيف.
وأما بيع المقاومة بالحصاة، فرأيت لابن دحون أنه قال ذلك أن تقوم السلعة، فإذا عرف كم الربح فيها، جعل كل من اشترك في ابتياعها حصاة، ثم جعلت الحصاة كلها في كم رجل منهم أو من غيرهم، ثم يدعى من يخرج حصاة منها، فإذا أخرج منها حصاة، عرف لمن هي تلك الحصاة؛ فكانت السلعة له بالثمن الذي قومت به، ثم كان الفضل بينهم على حسب اشتراكهم، وهو تفسير حسن، والمكروه فيه بين على ما قال مالك.
وقد اختلف في بيع الحصاة التي ورد النهي فيها عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وكان من بيوع الجاهلية؛ فقال ابن حبيب: هو أنه كان أحدهم يسوم بثوبه أو بجمله، وبيده حصاة، فيقول لصاحبه الذي يسومه: إذا سقطت هذه الحصاة من يدي، فقد وجب البيع بيني وبينك.
وقال الطحاوي: هو أنه كان أحدهم إذا أراد ثوب صاحبه وملكه عليه بما يعوضه إياه به، ألقى عليه حصاة أو حجرا فاستحقه بذلك، ولم يستطع رب الثوب منعه من ذلك، وأحسن ما رأيت في تفسير ذلك، أن البائع كان يضع ثيابه ويقول للمبتاع: لك ما ودعت عليه حصاتك بثمن كذا، ويلقي المبتاع حصاة يريد صعدا، فعلى أيها وقعت لزمته بما سمياه، وبالله التوفيق.
مسألة: يشتري السلعة فيغتبط ثم يسأل أن يوضع له
مسألة وسألته عن الذي يشتري السلعة فيغتبط، ثم يسأل أن
يوضع له وهو مغتبط؛ فقال: ما أرى بذلك بأسا، وما زال هذا من أمر الناس، وما هذا من وجه المسألة؛ الرجل يقول للرجل: أعرني ثوبك، أعرني دابتك، فلا أرى بهذا بأسا، ولا أراه من وجه المسألة التي نهي عنها؛ إذا كان يسأل مسألة معروفة، فأما مسألة الإلحاح والتضرع والتبكي فإني أكرهه، والذي يشتري السلعة ثم يقول، وهو مغتبط: إن لم تضع لي خاصمتك، فهذا لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة بينة، وقد مضى القول عليها في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
مسألة: يبيع سلعته فيقول قد أعطيت بها ثلاثين دينارا وهو صادق
مسألة وسألته عن الرجل يبيع سلعته فيقول: قد أعطيت بها ثلاثين دينارا وهو صادق، فقال: ليس بذلك بأس إذا كان أعطى عطاء يعلم أنه جد به السوم، فأما ذلك النجش فليس شيئا، وليس بذلك بأس، ولا أكرهه إلا أن يكون أعطى قديما فكتمه ذلك، ويظن صاحبه أنه أعطى حديثا، فلربما أعطى الرجل بالسلعة قديما، ثم يحط ثمنها، وأما إن كان أعطى بها بحدثان ذلك عطاء صحيحا، فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إنه إن كان أعطى بسلعته ما قال عطاء صحيحا بحدثان ذلك، فلا بأس بذلك، وإن ثبت أنه لم يعط بها ما قال، أو أنه إنما أعطي بها ذلك قديما، كان المشتري بالخيار في السلعة؛ بين أن يمسكها بالثمن الذي اشتراها به، أو يردها، وإن فاتت؛ قيل: بما يفوت به البيع الفاسد، وقيل: بالنماء والنقصان، رد المبتاع فيها إلى القيمة إن كانت أقل من الثمن على حكم الغش والخديعة في البيع، ولو قال له المبتاع: انظر ما أعطيت بسلعتك، فأنا آخذها بذلك الثمن؛ فقال: أعطيت بها كذا وكذا، ثم ثبت أنه لم يعط فيها إلا أقل من ذلك؛ كان الحكم في ذلك حكم الكذاب في بيع المرابحة في فوات السلعة وقيامها، وقد مضى ذلك في رسم صلى نهارا ثلاث ركعات، من سماع ابن القاسم.
مسألة: حكم بيع المصراة
مسألة وسئل عن قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ابتاع مصراة، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعا من تمر»؛ فقال: سمعت ذلك، وليس بالثابت، ولا الموطأ عليه، ولئن لم يكن هذا الحديث أن له اللبن بما أعلف وضمن، قيل له: اللبن بما أعلف وضمن، قيل له: نراك تضعف الحديث، فقال: كل شيء يوضع بموضعه، وليس بالموطأ، ولا الثابت، وقد سمعته.
قال محمد بن رشد: رأى مالك في رواية أشهب هذه عنه حديث المصراة حديثا لم يتواطأ على العمل به، فجعله منسوخا بحديث الخراج
بالضمان؛ فأوجب للمشتري رد الشاة المصراة بعيب التصرية، وجعل ما احتلب من اللبن له بما أعلف وضمن، وذلك بعيد؛ لأنه ابتاع شاة محفلة عظيمة الضرع باللبن الذي صراه البائع فيها، فليس له أن يردها، وقد نقصت صفتها عما اشتراها به، ويأخذ جميع الثمن.
وقوله في المدونة من رواية ابن القاسم عنه، أو لأحد في هذا الحديث رأي أصح وأولى بالصواب؛ لأن اللبن المصرى في ضرع الشاة بعضه للبائع تركه في ضرعها، فلم يحلبه لينفعها به، فوقع البيع عليه، وصار كمن باع شاة ولبنا بالثمن الذي سمياه، وبعضه غلة للمشتري، وهو المقدار الذي كان يكون في ضرعها لو لم تكن مصراة مع ما احتلب منها في الحلاب الثاني، فلما لم يعلم مقدار ما يجب رده مع الشاة من اللبن المصرى مما هو غلة للمشتري، لا يجب عليه رده؛ أوجب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في ذلك للبائع على المبتاع إن رد الشاة بعيب تصريتها صاعا من تمر، حكما أوجبه شرعا رفع به مئونة الاجتهاد في تحري ما وقع عليه البيع من اللبن المصرى مما هو غلة.
وقد كان القياس أن يتحرى ذلك اللبن، فيرد قيمته مع الشاة إذا أراد ردها بعيب تصريتها؛ لأنه كمن باع طعاما جزافا وعرضا في صفقة واحدة، ثم وجد بالعرض عيبا وقد فات الطعام الجزاف، أنه لا يرد بقيمته مع العرض؛ إذ لا يمكن رد مثله؛ لكونه جزافا؛ وألا يجوز الحكم في ذلك بالصاع من التمر؛ لأن البائع قد وجبت له قيمة ذلك اللبن إذا ردت عليه الشاة، فيكون قد فسخ تلك القيمة الواجبة له في صاع تمر حتى يقضاه، فيدخله فسخ الدين في الدين؛ إلا أنه لا رأي لأحد مع السنة الثابتة، وإذا ثبتت
وجب أن تستعمل في موضعها، وتكون مخصوصة من عموم نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الدين بالدين؛ لأن من عموم قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الخراج بالضمان»؛ إذ لا مدخل في ذلك للخراج بالضمان على ما بيناه من أن الصاع لا يرده المبتاع عرضا عما هو له غلة بالضمان، وإنما يرده عما وجب للبائع عليه، مما ليس بعلة له على ما بيناه؛ ولم يجز ابن القاسم أن يأخذ اللبن الذي احتلب منها عوضا عن الصاع من التمر، ورأى ذلك بيع الطعام قبل أن يستوفى؛ قال ابن لبابة: وكذلك لا يجوز على قياس قوله: أن يأخذ الصاع من غير التمر؛ لأنه يدخله أيضا بيع الطعام قبل أن يستوفى، فكأنه ذهب إلى أن قوله خلاف لما حكاه عن مالك، من أن أهل البلدان يعطون الصاع من عيشهم ما كان.
قال: ولو جاز أن يؤخذ عن الصاع غيره من التمر، ما جاز إلا في اللبن؛ لأنهم يجيزون الإقالة في الطعام، فإذا رد الشاة وما احتلب منها من اللبن المصرى، كانت إقالة؛ وقد ذهب إلى هذا سحنون، وقاله ابن وضاح أيضا؛ فزاد: إذا لم يغب عن اللبن، وليس ذلك بصحيح؛ لما بيناه من أن اللبن الذي يجب رده لا يعرف قدره إلا بالتحري، فإنما يجب فيه بالسنة صاع من تمر، فإذا أخذ عنه اللبن كان قد باعه به كما قال ابن القاسم، فكان بيعا له قبل استيفائه، ولا تصح في ذلك الإقالة بوجه؛ لأن اللبن المصرى في الضرع بعضه غلة للمبتاع، فإذا رد على البائع جميعه، كان قد دفع إليه أكثر مما قبض منه من اللبن، فلم تكن إقالة على وجهها؛ وإذا لم تكن إقالة على وجهها دخله ما قال ابن القاسم من بيع الطعام قبل استيفائه.
وقد روى زياد عن مالك أن من اشترى ناقة أو شاة قد صراها البائع، فإنه إذا حلبها ردها ومكيلة ما حلب من اللبن تمرا أو قيمته، وهذا بعيد لا وجه له؛ لأنه مخالف للحديث، ولما ذكرناه من القياس، ولو رضي بعيب تصريتها، ووجد بها عيبا آخر فردها به؛ لوجب على ما ذكرناه من القياس أن يكون عليه قيمة اللبن الذي صراه البائع في الضرع بعد أن يتحرى قدره.
وقد قال أبو إسحاق التونسي: إنه لا شيء عليه في اللبن الذي احتلب إذا ردها بغير عيب التصرية، وذلك غير صحيح، فتأمل ذلك؛ وقد
اختلف إذا اشترى شياها أو نوقا مصراة صفقة واحدة، فردها بعيب تصريتها؛ فقيل: إنه لا شيء عليه فيما احتلب منها، بخلاف الشاة الواحدة؛ لقوله في الحديث: «من اشترى شاة مصراة»... الحديث.
وقيل: عليه فيها كلها صاع واحد على ظاهر قوله في الحديث الآخر: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين؛ بين أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر».
وقيل: إن عليه في كل شاة أو في كل ناقة صاعا من تمر، وهو الأظهر، والله أعلم، والبقر في ذلك بمنزلة الإبل والغنم؛ وأبو حنيفة لا يرى الرد بعيب التصرية، ويقول: إن الواجب في ذلك الرجوع بقيمة العيب، ورأى أحاديث المصراة منسوخة؛ واختلف المتكلمون على مذهبه في الناسخ لها ما هو اختلافا كثيرا في أكثره بعد، ولم أر لذكره وجها.
مسألة: التجارة في الخصيان
مسألة وسئل عن التجارة في الخصيان، فقال: ترك التجارة في الخصيان أحب إلي، وأما تحريمه فلا، قيل له: لأن شراءهم قوة على خصائهم، قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما في أول رسم من سماع أشهب، من كتاب الأقضية، أنه لا بأس أن يشتري الرجل لنفسه الخصي والاثنين، ولا أحب له أن ينفق لهم؛ يعني يتخذهم متجرا، والمعنى في كراهة ذلك بين، ولم ير شراء الرجل الاثنين والواحد منهم مما ينفقه، ويكون قوة على خصائهم؛ لأنه قد علم أنه لا يشتريهم إلا القليل من الناس، فإذا كان القليل من الناس لا يشتريهم منهم إلا الواحد والاثنين، لم يكن ذلك تنفيقا لهم؛ وقد كان لمالك خصي، ولعمر بن عبد العزيز، وبالله التوفيق.
مسألة: ما يجب على الكيال في الكيل
جامع البيوع وسئل عما يجب على الكيال في الكيل، أيطفف المكيال أم يصبه عليه ويجلب ثم يكيل؟ فقال: لا يطفف ولا يجلب؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] فلا خير في التطفيف، ولكن يصب عليه حتى يجتبذه، فإذا اجتبذه أرسل يده ولم يمسك.
قال محمد بن رشد: كذا وقع في الرواية حتى يجتبذه، والصواب يجتنبذه، فإذا اجتنبذه، قال بعض أهل اللغة: الجنبذة ما ارتفع من كل شيء، والعامة تقول: الجنبذة بفتح الباء لما ارتفع من الأرض، إنما قلنا: هو الصواب؛ لأن الاجتباذ هو الجلب الذي منع منه؛ يقال: لا يطفف ولا يجلب، والتطفيف في الكيل هو الزيادة فيه على الوفاء، ومنه ما مضى القول فيه في رسم سلف، من سماع ابن القاسم في الرزم والتحريك، وقد يقع التطفيف على النقصان أيضا؛ قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: 2]، ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 3].
فسمى النقصان تطفيفا، وقد قال مالك في الموطأ: ويقال لكل شيء وفاء وتطفيف، أي إن التطفيف يستعمل في الزيادة والنقصان.
مسألة: ما اشتري وزنا من الزعفران أو غير ذلك وكيفية وزنه
مسألة قيل له: أرأيت ما اشتري وزنا من الزعفران أو غير ذلك من
اللحم، ما حد ذلك؟ أيميل الميزان، أم حتى يستوي لسان الميزان؟ فقال ذلك أن يقوم لسان الميزان معتدلا ولا يميله، فإن سأله أن يميله، لم أر ذلك من وجه المسألة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إن الوفاء في الوزن أن يقوم لسان الميزان معتدلا، فلا وجه للقول فيه، وأما سؤاله أن يميله، فإنما لم ير ذلك من ناحية المسألة؛ لأن ذلك مما مضى على فعله الناس؛ إذ هو من التسامح في البيع الذي يندب إليه المتبايعون؛ قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رحم الله عبدا سمحا إن باع، سمحا إن ابتاع، سمحا إن قضى، سمحا إن اقتضى»، وكذلك سؤال الوضيعة بعد البيع، وقد مضى ذلك في الرسم الذي قبل هذا، وفي رسم الشجرة من سماع ابن القاسم.
مسألة: عمر بن الخطاب وتخييره لأزواج النبي عليه السلام
مسألة وقال: يزعمون أن عمر بن الخطاب خير أزواج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: فمن أحب منهن أن يكون لها أرض بيضاء ونخل، جعله لها، ومن أحب، أجرى لها أوسقا طعمة؛ فمنهن من اختار الأوسق، ومنهن من اختار الأرض، فعمر بن الخطاب أول من أجرى لهن هذه الطعمة، قيل لمالك: أفترى أن يبيع أهل تلك الطعمة طعمتهم قبل أن يستوفوها؟ قال: لا أرى بذلك بأسا؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه».
وهذا لم يبتع، إنما أعطوا عطاء، وكذلك طعام الجار الذي
يخرج للناس في الأرزاق، فلا أرى ببيع ذلك بأسا قبل أن يستوفى.
قال محمد بن رشد: إنما خير عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أزواج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فيما خيرهن فيه؛ لأن النفقة كانت واجبة لهن بعد موت النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فيما أفاء الله عليه من بني النضير، وفدك، وسهمه بخيبر؛ بقوله عز وجل: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: 6] الآية، كما كانت تجب لهن في حياته من أجل أنهن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ - كن محبوسات عليه، ليكن أزواجه في الجنة محرمات على غيره، يبين ذلك قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يقتسم ورثتي دينارا ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤنة عائلتي؛ فهو صدقة»؛ فكان أبو بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بعد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يلي ما أفاء الله على نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ذلك، مما كان يليه هو - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حياته؛ وكان ينفق منه على عياله، ويجعل ما بقي في الكراع والسلاح؛ وفي هذه الولاية تخاصم إليه علي والعباس، ليوليها كل واحد منهما بما كان يليها به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم سار عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بعد أبي بكر في ذلك بسيرة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وأبي بكر؛ غير أنه خير أزواج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فيما يخترنه من إقطاع الأرض أو إجراء الأوسق؛ فهذا معنى قوله: فعمر بن الخطاب أول من أجرى لهن هذه الطعمة يريد لمن اختار ذلك منهن دون إقطاع الأرض، وقوله في السؤال لمالك: أفترى أن يبيع أهل تلك الطعمة طعمتهم قبل أن يستوفوها؟ معناه أفكان يجوز لمن أجرى له منهن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ - هذه الطعمة أن يبيعها قبل أن يستوفيها؟ فقال: نعم؛ لأن ذلك ليس ببيع، وإنما أعطين عطاء، يريد بحق وجب لهن لا عن عوض؛ ثم قال: وكذلك طعام
الجار الذي يخرج للناس في الأرزاق عطية لهم من بيت المال على غير عمل يعملونه، يجوز لهم بيعه قبل استيفائه؛ وتأويل حديث مروان بن الحكم في الصكوك التي خرجت للناس في زمانه بالمدينة، فتبايعها الناس فيما بينهم قبل أن يستوفوها، فدخل زيد بن ثابت، ورجل من أصحاب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على مروان فقالا: أتحل بيع الربا يا مروان؟ فقال: أعوذ بالله، وماذا قالا تلك الصكوك يتبايعها الناس ثم باعوها قبل أن يستوفوها، فبعث مروان الحرس يتبعونها وينزعونها من أيدي الناس، ويردونها إلى أهلها، أن المعنى في هذا أنها كانت قطائع أقطعها أهل المدينة من مال الله الذين كان يعمل من مصر في السفن إلى الجار، فباع الناس قطائعهم، وكان بيعها أولا حلالا، ثم إن من اشتراها باعها أيضا قبل أن يستوفيها؛ فكان بيعها الثاني حراما، فأمر مروان بفسخ البيع الثاني، ورده إلى الباعة الذين اشتروه أولا، ولم يفسخ بيع الذين أقطعوه أولا؛ وأما أرزاق القضاة وولاة السوق والمؤذنين والكتاب والأعوان والجند الذين يرزقون من الأطعمة، فلا يجوز لهم أن يبيعوها حتى يستوفوها؛ لأنها أجرة لهم على عملهم، بخلاف ما كان رفقا وصلة على غير عمل، أو على أنه مخير إن شاء عمل، وإن شاء لم يعمل، ويجوز بيع الأرزاق والعطاء السنة والسنتين، إن كانت داره مأمونة، فإن حبست انفسخ البيع، وكان للمبتاع رأس ماله؛ ولا يجوز بيع أهل العطاء؛ لأنه يبطل بموته، قال ذلك أشهب وابن وهب، وجماعة من فقهاء التابعين، وبالله التوفيق.
ابتاع من رطاب رطبا بدرهم فاكتال الرطب وحازه
ومن كتاب الأقضية وسئل عمن ابتاع من رطاب رطبا بدرهم، فاكتال الرطب وحازه، ثم قال الرطاب: هات الدرهم، فقال له: قد دفعته إليك، فقال الرطاب: ما دفعت إلي شيئا؛ فقال: القول قول الرطاب ما
قبض الدرهم، ويكون ذلك له على المشتري يأخذه؛ لأنه لم يزل ولم يفارقه، إنما اكتال الرطب، ثم قال له: هات الدرهم؛ فقال له: قد دفعته إليك، فقال الرطاب: لم تدفع إلي شيئا؛ وكذلك الرجل يبتاع الطعام فاكتاله في وعائه، ثم يقول له رب الطعام: هات الثمن؛ فيقول المشتري: قد دفعته إليك، فيقول رب الطعام: ما دفعت إلي شيئا قبل أن يتزايلا، فقالا: لا أرى القول في هذا إلا قول رب الطعام، ويحلف وعليه اليمين، وذلك أنه لم يزايله.
قال محمد بن رشد: جعل مالك في هذه الرواية القول قول الرطاب مع يمينه أنه ما قبض منه الدرهم ما لم يعترفا إذا ادعى المبتاع أنه دفعه إليه، ولم يبين متى ادعى أنه دفعه إليه؛ فأما إن قال: دفعته إليه بعد أن قبضت الرطب، فلا اختلاف في أن القول قول الرطاب، وأما إن قال: دفعته إليه قبل أن أقبض الرطب، ففي ذلك ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن القول قول البائع، وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية.
والثاني: أن القول قول المبتاع، وهو قول مالك في رواية ابن القاسم عنه من كتاب ابن المواز.
والثالث: أن القول قول المبتاع في كل ما الشأن فيه قبض ثمنه قبل قبض المثمون، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز.
وجه القول الأول أن المبتاع مقر بقبض المثمون مدع لدفع الثمن، فعليه إقامة البينة على ما يدعي من الدفع، فإن لم تكن له بينة، حلف البائع، لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر».
ووجه القول الثاني أنه قد كان من حق البائع ألا يدفع إليه ما باع منه حتى يقبض ثمنه؛
لأن ذلك كالرهن في يده بالثمن، فدفعه إليه دليل للمبتاع على دفع الثمن؛ وكذلك قال في سماع ابن القاسم، من كتاب الرهون: إن الرهن إذا ألفي بيد الراهن، فالقول قوله مع يمين أنه قد دفع الدين الذي قد كان رهنه به، وهذا الذي ذكرناه أن من حق البائع ألا يدفع إليه ما باع منه، ولا يزنه له، ولا يكيله له إن كان مكيلا أو موزونا حتى يقبض ثمنه، هو أمر متفق عليه في المذهب، مختلف فيه في غيره؛ قيل: إنهما إذا اختلفا فقال البائع: لا أدفع السلعة حتى أقبض الثمن، وقال المبتاع: لا أدفع الثمن حتى أقبض السلعة؛ أجبر البائع على دفع السلعة أولا، وقيل: يجبر المبتاع على دفع الثمن أولا، وقيل: إنه لا يحكم على واحد منهما بالدفع ابتداء، ويقول الحاكم لهما من أحب منكما أن أقضي له على صاحبه، فليدفع إليه؛ وقيل: إن الحاكم ينصب أمينا يأمر كل واحد منهما بالدفع إليه، فيسلم الثمن للبائع، والسلعة للمبتاع، وقيل في ذلك غير ذلك.
ووجه القول الثالث أن العرف الجاري في تلك السلعة بقبض الثمن قبل المثمون، دليل يوجب أن يكون القول قول المبتاع، فإن افترقا، فلا اختلاف في أن القول قول المبتاع؛ وهذا كله فيما يتبايعه الناس في الأسواق بالنقد، شبه الصرف كيسير الحنطة والزيت، ومثل السوط والشراك والنعل، وأما الكثير لمن الطعام، والبز، والعروض، والرقيق، والدور، فالقول قول البائع: إنه لم يقبض ثمن ذلك كله إلى ما يجوز التبايع إلى مثله من المدة عند ابن القاسم، وقد روى عنه يحيى في العشرة: أن القول قول المبتاع في دفع ثمن الطعام، وإن كثر إذا قبضه وبان به وفارق بائعه، وخالفه يحيى، وأصبغ وغيره، فقالوا: إن
الكثير من الطعام كالبز والعروض؛ وقال ابن حبيب: أما الرفيق والدواب والرباع وما أشبه ذلك مما الأصل فيه ألا يباع على الدين، ولا على التقاضي، فالقول حول البائع أنه ما قبض، وإن تفرقا ما لم يمض لذلك السنة والسنتان، فيكون القول قول المبتاع أنه قد دفع؛ وأما البز والتجارات، وما تبايعه الناس على التقاضي، وإلى الآجال، فالقول قول البائع، وإن تفرقا ما لم يمض لذلك مثل العشر سنين ونحوها، فيكون القول قول المبتاع.
احتكارالرجل ما عدا القمح والشعير من الطعام
ومن البيوع الأول وسئل أيحتكر الرجل ما عدا القمح والشعير من الطعام؟ فقال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا بأس باحتكار ما عدا القمح والشعير، معناه إذا كان ذلك في وقت لا يضر احتكاره فيه بالناس؛ إذ لا اختلاف في أنه لا يجوز احتكار شيء من الطعام ولا غيره في وقت يضر احتكاره بالناس، ويغليه عليهم؛ فهذا يدل على أنه لم يجز احتكار القمح والشعير خاصة بحال، ومذ هب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة إجازة احتكار الطعام وغيره في الأوقات التي لا يضر الاحتكار فيه، ولا يغلي الأسعار؛ وذهب مطرف وابن الماجشون وغيرهما من أهل المدينة، إلى أنه لا يجوز احتكار شيء من الطعام، وقالوا: ليس وقت من الأوقات، ولا شراء الطعام في السوق وإخراجه منه يضر بالناس ويقلله عليهم، ويغلي سعره، قال ابن حبيب، وكذلك القطاني والحبوب كلها التي هي قوت للعباد أو علوفة للدواب؛ والأدم كلها: الزيت والسمن والعسل وما يتقوت به الناس من يابس التين والزبيب، وما أشبه ذلك من معايش الناس، سبيله سبيل القمح والشعير في أن احتكاره لا يجوز، أضر بالناس شراؤه أو لم يضر، ومن قوله: إن ما لا يجوز احتكاره، فلا يترك التجار أن يشتروه جملة، ويبيعوه
على أيديهم؛ فإن الواجب فيه على محتكره أن يباع عليه من الناس كافة بالثمن الذي اشتراه به، أو بسعر ذلك اليوم إن جهل ما اشتراه به، وهو يقول في السمن والعسل وما أشبهه من الأدم: إنه لا يمنع التجار من شرائه جملة ليبيعوه على أيديهم، فيأتي على قوله هذا إجازة احتكار الأدم في وقت لا يضر احتكارها بالناس، بخلاف الأقوات من الحبوب كلها، ويتحصل في احتكار الأطعمة أربعة أقوال:
أحدها: إجازة احتكارها كلها القمح والشعير، وغير ذلك من الأطعمة كلها في الأوقات التي لا تضر الحكرة فيها بالناس.
والثاني: المنع من احتكارها كلها جملة.
والثالث: إجازة احتكارها كلها ما عدا القمح والشعير.
والرابع: المنع من احتكارها كلها ما عدا الأدم والفواكه؛ السمن، والعسل، والتين، والزبيب، وشبه ذلك.
وقد قال ابن أبي زيد فيما ذهب إليه مطرف وابن الماجشون، من أنه لا يجوز احتكار شيء من الأطعمة، معناه في المدنية؛ إذ لا يكون الاحتكار أبدا إلا مضرا لأهلها؛ لقلة الطعام بها، فعلى قوله هم متفقون على أن علة المنع من الاحتكار تغلية الأسعار، وإنما اختلفوا في جوازه؛ لاختلافهم باجتهادهم في وجود العلة وعدمها؛ ولا اختلاف بينهم في أن ما عدا الأطعمة من العصفر والكتان والحناء وشبهها من السلع، يجوز احتكارها إذا لم يضر ذلك بالناس.
مسألة: باع جارية واشترط أن ترضع ابنا له سنة
مسألة وسئل عمن باع جارية، واشترط أن ترضع ابنا له سنة، فقال مالك: إن ماتت الجارية، ثم قال: لا خير في هذا، فقلت له: أرأيت - أمتع الله بك - إن شرط عليه أن الجارية إن ماتت أخلف له مكانها؟ فقال: لا يعجبني، وإنه ليكفي من هذه الأشياء ما مضى
عليه الناس من ترك العمل به؛ لأنهم الذين أمرنا بالاقتداء بهم، والاتباع لهم.
قال محمد بن رشد: إنما قال: لا يعجبني، وإن اشترط عليه أن الجارية إن ماتت أخلف له مكانها؛ لأنه حمل الشرط على أن الرضاع في عين الجارية ما لم تمت، فإن ماتت أتى بخلفها، خلاف ما سأله عليه في أول رسم من سماع ابن القاسم؛ وإذا كان الرضاع مشترطا في عين الأمة المبيعة، دخله التحجير على المشتري في عين الأمة التي اشترى؛ ولو باع الجارية على أن على المبتاع أن يأتي بمن يرضع ابنه سنة مضمونا ذلك عليه، لجاز، وقد مضى هذا المعنى في أول رسم في سماع ابن القاسم.
وقد ذهب بعض الشيوخ إلى أن الفرق بين هذه المسألة، وبين مسألة سماع ابن القاسم، أنه هاهنا اشترط على البائع أن ترضع الأمة التي باع ولده، وهناك اشترط على البائع أن ترضع الأمة التي باع ولدها الحر، فكره ذلك في ولده؛ إذ لم يجربه عمل، وهو فرق غير لائح.
مسألة: ابتياع ألبان الغنم شهرا
مسألة وسئل عن ابتياع ألبان الغنم شهرا، فقال: نحن نقول: لا بأس به؛ لأنه يعرف ذلك، ولكن إن ماتت شاة أو عطبت، أو أصابها شيء ينقص لبنها وضع عنه، قيل له: أرأيت إن نقص لبنها كما ينقص ألبان الغنم؟ قال: لا يوضع عنه، ذلك أمر قد عرف، إذا
كان ذلك نقصان مثلها، العيون ليست تكون في الشتاء، مثلها في الصيف، إذا كان الصيف نقص ماؤها؛ قال: ولا أرى بأسا، نقد الثمن أو لم ينقد.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في سماع سحنون، من كتاب كراء الدور والأرضين، وهو صحيح بين لما في المدونة؛ لأن النقصان المعروف قد دخل عليه المبتاع، فلا رجوع له به، وإنما يرجع بالنقصان المتفاحش الخارج عما جرت به العادة، وقد بين في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة صفة التقويم فيما مات من الغنم، إذا اشترى لبنها بيانا شافيا لا زيادة عليه، وشراء لبن الغنم عكس شراء ثمرة المقثأة، يجوز شراء لبن الغنم شهرا أو شهرين إذا عرف وجه حلابها، ولا يجوز شراء لبنها إلى أن ينقطع، ويجوز شراء ثمر المقثأة إذا بدا صلاحها حتى ينقطع، ولا يجوز شراء ثمرتها شهرا ولا شهرين، وإنما افترقت لافتراق الغرر فيها، فالغرر في المقثأة شراء ما تطعم شهرا أو شهرين؛ لأن حملها يكثر بالحر، ويقل بالبرد، ولا يدرى هل يشتد الحر في تلك المدة، أو لا يشتد، وحد انقطاعها معلوم عند الناس، وللغرر في لبن الغنم شراؤه إلى أن ينقطع؛ لأن ذلك ليس بمعروف عند الناس، قد يتعجل ويتأخر، وشراؤه شهرا أو شهرين جائز؛ لأن ذلك لا يختلف بحر ولا برد، وإنما يجوز ذلك في الشياه الكثيرة، ولا يجوز في الشاة ولا الشاتين؛ وقد أجاز في المدونة أن تكثر البقرة ويشترط حلابها إذا عرف وجهه، فقيل: إن ذلك معارض لكراهيته بيع لبن الشاة والشاتين، وقيل: ليست بمعارضة لها؛ لأن الغرر خف فيها بما انضاف إليها من الكراء، كما خف في الغنم إذا كثرت، وهو الأظهر.