البيان والتحصيلصفحات 57-97
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب كراء الدور والأرضين

صفحات 57-97
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

سمع من إقراره وإن لم يشهده إذا استوعب كلامه، وهو قول أشهب وسحنون وعيسى بن دينار، وعامة أصحاب مالك وأكثر أهل العلم، فهؤلاء منهم من أجاز شهادة المختفي على الإطلاق وأباح له الاختفاء بحملها، وهو قول عمرو بن حريث، حكى ذلك البخاري عنه في كتابه، قال: وكذلك يفعل بالكاذب الفاجر، واحتج لإجازة ذلك بحديث ابن عمر: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انطلق وأبي بن كعب يوما إلى النخل التي فيها ابن صياد، حتى إذا دخل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحائط طفق يتقي بجذوع النخل وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه وابن صياد مضطجع في فراشه في قطيفة له فيها رمرمة أو زمزمة فرأت أم ابن صياد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يتقي بجذوع النخل فقالت لابن صياد: أي صاف هذا محمد فتناهى ابن صياد، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لو تركته بين» ومنهم من لم يجزها على

الإطلاق، وإلى هذا ذهب سحنون، وذلك أنه سئل عن شهادة المختفي فقال: حدثني ابن وهب أن الشعبي وشريحا كانا لا يجيزانها، ومنهم من كره له الاختفاء لتحملها وقبلها إذا شهد بها وهم الأكثر، وهو ظاهر قول عيسى بن دينار ههنا خلاف قول ابن القاسم في تفرقته بين من يخشى أن ينخدع لضعفه وجهله بما يقربه على نفسه، وممن يؤمن ذلك منه لنباهته ومعرفته بوجه الإقرار على نفسه، ولعله يقول: إنما أقر لك حيث لا يسمعني أحد، فيتبين أنه إنما يذهب إلى اقتطاع حقه، ولو أنكر الضعيف الجاهل الإقرار جملة للزمته الشهادة به عليه، وإنما يصدق عنده مع يمينه إذا قال إنما أقررت لوجه كذا مما يشبه، وبالله التوفيق.

مسألة: يشهدان على صبي أنه جرح إنسانا والشاهدان أعداء لوصي الصبي

مسألة وسئل ابن القاسم: عن الرجلين يشهدان على صبي أنه جرح إنسانا والشاهدان أعداء لوصي الصبي هل تجوز شهادتهما؟ قال ابن القاسم: أرى شهادتهما جائزة، وكذلك أيضا إذا شهدا على الميت بدين عليه أن شهادتهما جائزة، ولا ينظر إلى عداوة الشهداء للوصي، وأما إذا شهدا على صغير أو كبير حائز لأمره والشهداء أعداء لأبي المشهود عليه فشهادتهما غير جائزة ولو كانا مثل أبي شريح وسليمان بن القاسم، قيل لسحنون: فإن شهد رجل بيني وبينه عداوة على أبي أو على ابني أو على أخي بمال هل تجوز شهادته عليه؟ فقال: نعم شهادته على والدك وابنك وأخيك جائزة بالمال، قيل: فإن شهد عليهم بقصاص أو حد؟ قال: لا تجوز شهادته وليس القصاص كالأموال، وكذلك في الجرحة لا تجوز شهادته في تجريح أبيك أو ابنك أو أخيك.
قال محمد بن رشد: معنى إجازة ابن القاسم شهادة أعداء الوصي على الصبي بجرح إذا لم يكن له بيد الوصي مال يؤخذ منه دية الجرح، أو

إذا كانت دية الجرح الثلث فصاعدا؛ لأن عمد الصبي خطأ، فالعاقلة تحمل منه ما بلغ الثلث، وكذلك إجازته لشهادتهم بدين على الميت معناه إذا كانت الشهادة قبل أن يصير المال بيد الوصي، وأما إذا شهدوا بعد أن صار المال بيده فشهادتهم عليه غير جائزة؛ لأنهم يتهمون على إخراج المال من يده بالعداوة، وكذلك حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وذلك تفسير لقول ابن القاسم، وأما شهادة أعداء الرجل على ابنه أو على أبيه فقال ابن القاسم فيها: إنها غير جائزة يريد في المال والجراح، وذلك على أصله الذي تقدم له في رسم جاع من أن شهادة الرجل لا تجوز لامرأة أبيه ولا لامرأة ابنه ولا لزوج ابنته [ولا لابن زوجته] ولا لأبويها، وقال سحنون فيها: إنها جائزة في الأموال دون الجراح والقتل والحدود، وذلك على أصله أيضا في أن شهادة الرجل تجوز لامرأة أبيه وامرأة ابنه وزوج ابنته وابن زوجته وأبويها في المال، إذ لا فرق بين شهادة الرجل لولد من لا تجوز له شهادته وبين شهادة الرجل على ولد من لا تجوز عليه شهادته، فمنع ابن القاسم من إجازة الشهادة في الوجهين، وأجازها سحنون في الوجهين، ولا اختلاف بينهما في أنها لا تجوز فيما عدا المال من الجراح والقتل والحدود، وحكى محمد بن سحنون: أن محمد بن رشيد خالف أباه سحنونا في الجراح فساوى بينها وبين المال في جواز الشهادة بخلاف القتل والحدود فلا اختلاف بينهم في أنها لا تجوز في القتل والحدود، وأما التجريح في ذلك فيجري على الاختلاف في ذلك ولا يخالف ابن القاسم سحنونا في أن شهادة العدو تجوز في المال على أخي عدوه، وبالله التوفيق.

مسألة: يشهد على الرجل بأربعين دينارا ثم يقول الحق خمسون

مسألة قال عيسى: سألت ابن القاسم عن الذي يشهد على الرجل

بأربعين دينارا فيقضى عليه بشهادته، ثم يأتي بعد ذلك فيقول: الحق خمسون، ولكني نسيت، وقد كان ادعى ذلك صاحب الحق أو لم يدعه، هل يقبل ذلك منه وتقبل شهادته؟ قال ابن القاسم: إن كان عدلا مشهور العدالة ممن لا يتهم رأيت أن تجوز؛ لأنه يقول: ذكرت وإن كان على غير ذلك لم أر أن تجوز.
قال القاضي: هذه مسألة ستأتي بكمالها في أول سماع يحيى، فهناك يأتي الكلام عليها إن شاء الله، وقد مضى طرف منه في أول رسم من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

مسألة: يهجر الرجل فيسلم عليه ولا يكلمه هل تراه قد خرج من الشحناء

مسألة وعن الرجل يهاجر الرجل ثم يبدو له فيسلم عليه من غير أن يكلمه في غير ذلك وهو مجتنب لكلامه هل تراه قد خرج من الشحناء؟ قال: سمعت مالكا يقول: إن كان مؤذيا له فقد برئ من الشحناء، قال ابن القاسم: وأرى إن كان غير مؤذ له أنه غير بريء من الشحناء، قلت: فهل ترى شهادته غير جائزة عليه باعتزاله وهو غير مؤذ له؟ فقال: لا تقبل شهادته عليه.
قال الإمام القاضي: معنى قول مالك وابن القاسم: إن المسلم يخرج من الشحناء إن كان المسلم عليه مؤذيا للذي ابتدأ بالسلام ولم يضر الذي ابتدأ بالسلام تركه لكلام المؤذي، وإن كان المسلم عليه غير مؤذ للذي ابتدأ بالسلام فلا يخرج الذي ابتدأ بالسلام سلامه من الشحناء حتى يكلمه إذ لا عذر له في ترك كلامه، فإذا كان مؤذيا له جازت شهادته عليه إذا سلم عليه، وإن لم يكن مؤذيا له لم تجز شهادته عليه حتى يرجع إلى كلامه، وحكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون أنه إن كان الذي بينهما خاصا فلا يخرج من الهجران ولا تجوز شهادته عليه حتى يرجع إلى كلامه، وإن لم يكن الذي بينهما خاصا برئ من الهجران بالسلام وإن لم

يكلمه وجازت شهادته عليه، وقد مضى هذا المعنى في أول رسم من سماع أشهب، وبالله التوفيق.

###: بينهما عبد فشهد كل واحد منهما على صاحبه أنه أعتق نصيبه وهما منكران جميعا

ومن كتاب العتق وسئل ابن القاسم: عن رجلين بينهما عبد أو عبدان فشهد كل واحد منهما على صاحبه أنه أعتق نصيبه وهما منكران جميعا، قال: لا أرى أن تجوز شهادة واحد منهما على صاحبه، وبلغني عن مالك أنه قال ذلك.
قلت لابن القاسم: فيحلفان؟ قال: لا أرى موضع اليمين؛ لأنه لا تجوز شهادة واحد منهما على صاحبه، قال: وقد قال مالك: كل من شهد على رجل بشهادة فكان غير عادل في شهادته أو متهما فيها فإنه لا يمين على المشهود عليه بشهادته.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أن شهادة كل واحد منهما غير جائزة على صاحبه إذا لم يكن لهما مال سوى العبد إذ لا تهمة على الشاهد منهما في شهادته على صاحبه إذا لم يكن للمشهود عليه مال، فإن كان معه شاهد آخر تمت الشهادة وقضي عليه بعتق نصيبه، وإن لم يكن معه شاهد غيره لزمته اليمين بشهادته أنه ما أعتق نصيبه، ولا اختلاف أيضا في أن شهادة كل واحد منهما على صاحبه بعتق نصيبه لا تجوز إذا كان للمشهود عليه مال يلزمه فيه التقويم؛ لأن الشاهد يتهم على أنه إنما شهد عليه ليقوم له عليه نصيبه [وإنما الاختلاف إذا لم تجز شهادته هل يعتق عليه نصيبه أم لا؟ فقيل: إنه لا يعتق عليه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في هذه الرواية، ودليل قول غيره في العتق الثاني من المدونة ودليل أحد قولي ابن القاسم فيه أيضا، وقيل: إنه يعتق عليه نصيبه] لأنه مقر على نفسه بوجوب عتقه

على شريكه بالتقويم، وهو المنصوص لابن القاسم في المدونة وفي رسم المكاتب من سماع يحيى بعد هذا من هذا الكتاب، واختلف إذا لم تجز شهادته عليه لملائه هل تلزمه اليمين بشهادته أم لا؟ فقيل: إنه لا تلزمه يمين، وهو قوله في هذه الرواية وفي رسم الشجرة من سماع ابن القاسم المتقدم وفي نوازل سحنون، وقيل: إن ذلك آكد من الخلطة فتجب عليه اليمين، وقد مضى القول على ذلك في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم المتقدم فلا معنى لإعادته.

مسألة: حضره الموت فقال ما شهد به ابني علي من دين فهو مصدق

مسألة وسئل مالك: عن رجل قال عند موته أو في حياة منه وصحة: ما شهد به علي فلان فهو مصدق في ديون الناس قبلي، والمسمى عبد له أو لغيره أو رجل محدود أو نصراني أو امرأة قال: سمعت مالكا يقول في رجلين تنازعا في أمر فقال أحدهما لصاحبه: فلان يشهد عليك بما أقول، فقال الآخر: اشهدوا أن ما قال فلان حق وأنا أرضى به، فسئل فشهد فقال: ما أقر ولا أرضى به ولا ظننت يشهد بمثل هذا، قال مالك: لا يلزمه شيء مما قال، قال ابن القاسم: يريد أن يرد إلى وجه ما يحكم به الحاكم، ولا يلزمه رضاه بالرجل، وسئل عن رجل حضره الموت فقال: ما شهد به ابني علي من دين أو شيء فهو مصدق من دينار إلى مائة دينار أو لم يوقت وقتا ثم مات فشهد ابنه بذلك لقوم بديون، وشهد لبعض الورثة بدين أيضا، قال: لا يثبت ذلك عندي إلا بيمين إن كان عدلا قال: ومذهبه عندي مذهب القضاء، قال: وإن لم يكن عدلا أو نكل المشهود له عن اليمين لزم الشاهد قدر ميراثه من هذا

الدين، وإن كان سفيها لم يجز إقراره في ميراثه ولم يحلف طالب الحق.
قلت: وهذا قول مالك في السفيه إن إقراره لا يلزمه؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: كذا وقعت هذه المسألة: وسئل مالك عن رجل قال عند موته أو في حياة منه وصحة: ما شهد به علي فلان فهو مصدق إلى آخر السؤال، وهو غلط؛ لأن المسئول إنما هو ابن القاسم، وذلك أنه سئل عن الرجل يشهد على نفسه في صحته أو في مرضه أن فلانا مصدق فيما يشهد به علي من ديون الناس، فذهب إلى أن ذلك لا ينفذ عليه ولا على ورثته بعده ولا يلزمهم ذلك إلا على وجه ما يحكم به من شهادة الشاهد العدل، واحتج لذلك بما سمعه من مالك في الرجلين يتنازعان في الأمر فيرضى أحدهما فيه بشهادة رجل أن ذلك لا يلزمه، وقد مضى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم تحصيل الاختلاف في مسألة الرجلين يتنازعان في الشيء فيرضى أحدهما في ذلك بشهادة رجل هل يلزمه ما شهد عليه أم لا؟ ولا يدخل شيء من ذلك الاختلاف عندي المسألة التي سئل عنها ابن القاسم؛ لأن قوله في صحته أو في مرضه: ما شهد به علي فلان وهو ممن تجوز شهادته أو لا تجوز من ديون الناس قبلي فهو مصدق في ذلك حكم على ورثته، فلا يجوز له أن يوصي بذلك، ولم يرد ابن القاسم بما احتج به من قول مالك المساواة بين المسألتين، وإنما وجه ما ذهب إليه أن مالكا إذا قال في مسألة المتنازعين إن التصديق لا يلزم فيه وإن كان قد قيل: إنه يلزم فأحرى ألا يلزم في مسألة الذي أوصى أن يصدق فلان فيما يشهد به عليه من الديون، وكذلك مسألة الذي حضره الموت فقال، ما شهد به ابني علي من دين أو شيء فهو مصدق من كذا إلى كذا أو دون توقيف لا يدخل الاختلاف المذكور فيه لما ذكرنا من

أنه حكم على ورثته وإن كان أصبغ قد أنكر هذه الرواية في الواضحة، وقال: لا أعرفها من قوله، ولكن يصدق من جعل إليه التصديق كان عدلا أو كان غير عدل كقول مالك فيمن قال: وصيتي عند فلان فما أخرج فيها فأنفذوه أن ذلك نافذ، وما استثنى مالك عدلا من غير عادل، وذلك سواء ما لم يسم من يتهم عليه تهمة بينة من أقاربه ممن هو كنفسه فإنكاره ليس بصحيح إذ لا يشبه مسألة الوصية التي شبهها بها مسألة التصديق في الشهادة بالدين لوجوه منها أن الثلث له حيا وميتا، فله أن يوصي به لمن شاء من غير الورثة بخلاف إقراره بالديون، وأيضا فإن الوصية قد خفف أمر الشهادة فيها بخلاف غيرها فأجيز فيها شهادة الموصى له فيها بالشيء اليسير، وأجاز بعض أهل العلم فيها شهادة الكافر في السفر، وقول أصبغ: إن مالكا لم يشترط العدالة في مسألة الوصية ليس بصحيح أيضا؛ لأن الذي له في رسم البر من سماع ابن القاسم من كتاب الوصايا اشتراط العدالة، وسحنون هو الذي قال: إن قول الذي قال الميت صدقوه مصدق عدلا كان أو غير عدل وهو ظاهر ما في المدونة والموازية، وبالله التوفيق.

مسألة: هلك وترك ابنين فاختلفا في وصية ألف دينار لرجل

مسألة وسألته: عن رجل هلك وترك أربعة من الولد فشهد اثنان لرجل بألف دينار، وقال الآخران: هي لفلان لغير ذلك الرجل وصية، قال: يقضى بأعدل الشهود، قلت: فإن استويا في العدالة؟ قال: تقسم الألف بينهما، قلت له: فرجل هلك وترك ابنين فاختلفا في وصية ألف دينار لرجل قال أحدهما: هو فلان، وقال الآخر: بل فلان؟ قال: يدعى اللذان أوصى لهما بالألف إلى الأيمان فإن حلفا كلاهما مع شهادة الابنين لهما اقتسما الألف، وإن نكل أحدهما كانت الألف لمن حلف منهما.
قلت: فإن نكلا عن اليمين وقالا: لا علم لنا؟ قال: أرى أن يدفع كل واحد منهما من الابنين الذي يصيبه من الألف إذا قسمت على الورثة إلى من

شهد له، قال: وإن لم يكن غيرهما وكانت تخرج من الثلث أذياها، وإن كان معهما غيرهما لم يكن عليهما أكثر مما صار في أيديهما منها.
قال محمد بن رشد: قوله في المسألة الأولى يقضى بأعدل الشهود صحيح على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها؛ لأن البينة قد كذبت بعضها بعضا في عين المشهود له وفيما شهدت له به إن كان دينا أو وصية، وأما قوله: إن الألف تقسم بينهما إذا استويا في العدالة فمعناه إن حملها الثلث ولم يكن للميت وارث غيرهم، مثال ذلك أن يترك المتوفى ثلاثة آلاف دينار ولم يترك من الورثة سوى الأربعة بنين، فإنه يقال للابنين اللذين شهدا بالوصية: ادفعا إلى الذي شهدتما له خمسمائة دينار ثلث ما ورثتماه، ويقال للآخرين اللذين شهدا بالدين: ادفعا إلى الذي شهدتما له نصف دينه؛ لأنكما قد ورثتما نصف مال المتوفى؛ وذلك لأن البينتين إذا تكافأتا في العدالة سقطتا ووجب على كل واحد من الشهود أن يعطي الذي شهد له ما يجب له في حظه من الميراث لو ثبت ما شهد له به ولم يجب على سائر الورثة شيء إن كان للميت وارث سواهم، بيان هذا أنه لو ترك المتوفى ألفي دينار وأربعمائة دينار وترك ثمانية من الولد فشهد اثنان منهم لرجل بألف دينار، وقال آخران منهم: بل هي لفلان لغير ذلك الرجل وصية لوجب على اللذين شهدا بالوصية أن يدفعا إلى الذي شهدا له بها ثلث ما يجب لهما بالميراث وذلك مائتا دينار؛ لأنه يجب لكل واحد منهما ثلثمائة دينار، ولو وجب على اللذين شهدا بالدين أن يدفعا إلى الذي شهدا له ربع ما يجب لهما بالميراث، وذلك مائة وخمسون دينارا خمسة وسبعون من نصيب كل منهما؛ لأنه يجب لكل واحد منهما ثلثمائة دينار، ولم يجب على سائر البنين فيما ورثاه شيء إذا لم تثبت الشهادة لواحد منهما وبطلت بتكذيب بعضها بعضا، وقد رأيت لابن دحون أنه قال: ولو كان الثلث لا يحمل الألف لبطلت شهادة اللذين شهدا أنها وصية، وكانت الألف للذي شهد له الآخران بها دينا؛ لأن اللذين شهدا أنها وصية يجران إلى أنفسهما؛ لأن ما لم يحمل الثلث من الألف يكون على قولهما ميراثا لهما ولسائر الورثة

فيتهمان على ذلك، وهما كما قال إذا تقدمت الشهادة بالدين، وأما إن تقدمت الشهادة بالوصية أو جاء الشهود معا فلا وجه للتهمة في ذلك، ويأتي على رواية المدنيين عن مالك أن تعمل الشهادتان جميعا حمل الثلث الألف أو لم يحملها، فيقضي بالألف من رأس المال للذي شهد له الابنان أنها دين له، ويقضي بالألف من ثلث بقية المال للذي شهد له الآخران أنها له وصية إن حملها الثلث وإلا فما حمل منها، ولو كان المشهود له رجلا واحدا فقال الابنان: أوصى له بألف دينار وصية، وقال الآخران: بل أقر له بها دينا لكانت له الألف بشهادتهما جميعا حملها الثلث أو لم يحملها على القول بأن الشهادة تلفق إذا اتفقت فيما يوجبه الحكم وإن اختلفت في اللفظ والمعنى، وعلى القول بأنها لا تلفق يقضي بأعدل البينتين فإن استوتا في العدالة سقطتا ووجب على كل واحدة من البينتين للمشهود له ما يجب له في نصيبه بإقراره له، وكذلك لو كانا ابنين فشهدا له بألف، وقال أحدهما: هي وصية، وقال الآخر: بل هي دين لتخرج الأمر أيضا على الاختلاف في تلفيق الشهادة، فعلى القول بأنها تلفق تكون له الآلف بشهادتهما إن حملها الثلث، وإن لم يحملها الثلث كان المشهود له بالخيار إن شاء أخذ ما حمل الثلث من الألف دون يمين، وإن شاء حلف مع شهادة الذي شهد له بها أنها دين وأخذ جميعها، وعلى القول بأنها لا تلفق لا بد له من اليمين فيحلف مع أيهما شاء ويأخذ ما وجب له بشهادته، وقد مضى في رسم العرية تحصيل القول فيما يلفق من الشهادات المختلفات مما لا يلفق منها فلا معنى لإعادته، وأما المسألة الثانية فهي صحيحة بينة في المعنى، وفيما مضى ما فيه بيان لها؛ لأن الشهود إذا اختلفوا في أعيان المشهود لهم فقد أكذب بعضهم بعضا، وإنما قال: إن الموصى لهما يحلف كل واحد منهما مع شهادة الابنين لهما أو يحلف كل واحد منهما مع الذي شهد له منهما؛ لأن الشاهدين لا تبطل شهادتهما بتكذيب بعضهما بعضا، ولو كانوا أربعة فشهد اثنان منهم أنه أوصى لرجل بألف، وقال الآخران: بل إنما أوصى بها لفلان رجل آخر لسقطت الشهادتان جميعا ولم يكن لواحد من المشهود لهما إلا ما يجب له في نصيب الذي شهد له بإقراره، وبالله التوفيق.

مسألة: الشهادة لا تثبت إلا برجلين أو رجل وامرأتين

مسألة وسألته: عن امرأتين شهدتا على شهادة رجل وشهد معهما امرأتان على حق من الحقوق هل يجوز ذلك؟ قال مالك: تسقط شهادة المرأتين على شهادة الرجل ويحلف صاحب الحق مع شهادة المرأتين اللتين شهدتا على أصل الحق، قال: ولا تجوز شهادة النساء على شهادة رجل لو كن ألفا إلا مع رجل؛ لأن الشهادة لا تثبت إلا برجلين أو رجل وامرأتين، وامرأتان وألف امرأة سواء حيث لا تجوز شهادتهن إلا مع رجل.
قال محمد بن رشد: هذا معلوم مشهور من مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها أنه لا تجوز شهادة امرأتين على شهادة رجل إلا مع رجل، ولا شهادة امرأتين على شهادة امرأتين إلا مع رجل، فلا يشهد على شهادة رجل ولا على شهادة امرأتين إلا رجلان أو رجل وامرأتان خلاف مذهب ابن الماجشون وسحنون في أن شهادة النساء لا تجوز ألا فيما يجوز فيه شاهد ويمين، وقد مضى هذا في رسم العشور.

مسألة: شهد على شهادة نفسه

مسألة وسألته: عن رجل شهد على شهادة نفسه وشهد مع آخر على شهادة رجل في ذلك الأمر نفسه، قال: لا أرى أن تجوز شهادته إلا على شهادة نفسه، وأما على شهادة رجل يشهد بمثل ما شهد به فلان فإنه لا يجوز؛ لأنه كأنه عاد في تحقيق شهادته.
قال القاضي: هذا بين على ما قاله؛ لأنه إذا شهد بشهادة وشهد مع آخر على شهادة رجل بتلك الشهادة فلم يتم الحكم إلا بشهادته وحده، وهذا نحو ما تقدم في رسم شهد على شهادة ميت في الشاهدين بالحق يزكي أحدهما صاحبه.

مسألة: تعديل الأخ أخاه وشهادته له

مسألة قلت لابن القاسم: هل يجوز أن يعدل الرجل امرأته والمرأة زوجها والأخت أخاها والأخ أخته؟ قال مالك: لا تعدل المرأة أحدا لا امرأة ولا رجلا لا فيما تجوز شهادتهن ولا في غيره، قال: والرجل لا يقبل منه تعديل امرأته كما لا تجوز شهادته لها.
قلت: فالأخ لأخته؟ قال: نعم؛ لأن شهادته تجوز لها إذا كان عدلا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه من لا يجوز للرجل أن يشهد له فلا يجوز له أن يعدله؛ لأنه إذا اتهم في شهادته له فهو أحرى أن يتهم في تعديله إياه، ألا ترى أنه قد اختلف في تعديل الأخ أخاه وشهادته له جائزة، وقد مضى تحصيل الاختلاف في ذلك في أول رسم من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.

مسألة: شهادة الوارث فيما وهب من مال موروثه في مرضه

مسألة وسألته: عن رجل حضره الموت وله أخوان شاهدان في ذكر حق، فقال لهما: إنه لا شاهد لي غيركما، وأنتما ترثاني وابنتي فلانة، فلو أسلمتما لها ميراثكما مني أو وهبه أحدكما صاحبه ليكون الواهب شاهدا ففعل وتصدق على أخيه بموروثه، ثم هلك الرجل، قال: لا تجوز شهادته؛ لأنه حق قد ثبت لهما في المرض، فلا أراه يجوز.
قال محمد بن رشد: لم يجز ابن القاسم في هذه الرواية شهادة الوارث فيما وهب من مال موروثه في مرضه، وأعتل لبطلانها بأن ذلك حق وجب له في مرض الميت فلم تجز شهادته فيه إذ لا تجوز شهادة أحد فيما وهب من ماله لابنه؛ لأنه يتهم في تصحيح هبته، وفي قوله لأنه حق قد ثبت لهما في المرض نظر إذ لا يجب لهما الميراث إلا بعد موته، وإنما يجب

لهما في مرضه التحجير فيما زاد على الثلث، وفي الوصية لوارث، وقد أجاز أصبغ في نوازله بعد هذا من هذا الكتاب شهادتهما في ذلك، وأعتل لهما بأنهما خرجا عنه بالهبة قبل أن يصير إليهما بالملك التام، فتأول بعض الناس عليه أن الهبة على تعليله لا تلزمهما، وليس ذلك بصحيح، إذ لو لم تلزمهما الهبة إلا أن يجيزاها بعد موته لما صح أن تجوز شهادتهما؛ لأن إجازتهما لهبتهما بعد موته كابتداء الهبة، وإجازته لهبتهما ولشهادتهما بين من قوله فلا أعرف نص خلاف في أن هبة الوارث لميراثه في مرض الموروث جائزة وهو بين من قول ابن القاسم في هذه الرواية ونص من قوله في رسم الأقضية والحبس من سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبات؛ لأنه قال فيه: إن ذلك يلزمه إلا أن يقول: كنت أظنه يسيرا لا أعلم أنه يبلغ هذا القدر ويشبه ذلك من قوله فيحلف على ذلك ولا يلزمه، ومثله لمالك في الموطأ؛ لأنه قال فيه: إن الميت إذا قال لبعض ورثته إن فلانا- لأحد من ورثته- ضعيف، وقد أحببت أن تهب له ميراثك فأعطاه إياه أن ذلك جائز إذا سماه له الميت، إذ لا فرق بين أن يهب أحد الورثة ميراثه لمن سواه من الورثة أو لأجنبي من الناس ولا بين أن يسميه له الميت أو لا يسميه له، وما في رسم نقدها من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات محتمل للتأويل على ما سنذكره إذا مررنا به إن شاء الله، ومن الناس من ذهب إلى أن هبة الوارث لميراثه هي مرض الموروث لا تجوز؛ لأنه وهب ما لم يملك بعد على ما في المدونة من أن المريض إذا استأذن ورثته في أن يوصي لبعضهم، فأذنوا له لزمهم إذ لم يحكم له بحكم المالك في الميراث للمرض، وإنما كان له التحجير على موروثه فيه، فإذا رفع عنه التحجير بالإذن لزمه وإن لم يكن مالكا للمال، وقال: إن ذلك يقوم أيضا من قول مالك في الموطأ إن الوارث إذا وهب لموروثه في مرضه ميراثه منه فمات قبل أن يقضى فيه أنه يرد إليه، إذ لو أجاز هبته له لقال: إنه لا يكون له من ذلك إلا ميراثه منه، قال: فكما لا تجوز هبته له من أجل أنه لم يتقرر له

عليه ملك فكذلك لا تجوز لغيره، وليس ذلك بصحيح، والفرق بينه وبين غيره أنه إذا وهبه له فقد علم أن القصد في ذلك إنما هو ليرفع الحجر عنه في أن يصرفه إلى من أحب من الورثة، إذ لا يحتاج إلى هبته إن صح ولا ينتفع بها إن مات، فإذا لم يقض فيها بشيء حتى مات رجعت إلى الواهب، وإذا وهبه لغيره فقد ملكه بالهبة ما وهبه إياه، ولا يقال إن ذلك لا يجوز من أجل أنه وهبه ما لم يملكه بعد؛ لأنه لم يثبت له الآن، وإنما وهبه له بشرط ملكه له بموت موروثه، كما لو قال: إن ملكت فلانا فهو حر أو إن ملكته فهو لفلان، فلا فرق في وجه القياس بين صحة الموروث ومرضه في هبة الوارث لميراثه منه، والتفرقة في ذلك بين الصحة والمرض استحسان، ويتحصل على هذا في المسألة ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، في الحالين، والفرق بينهما وبالله التوفيق.

مسألة: من كان عدلا مؤتمنا فلا يحتاج إلى اختبار صدقه

مسألة وسئل: عن رجل يعرف الدابة أو الرأس ويشهد له على ذلك هل يجمع له دواب أو رقيق فيدخل فيهم، ثم يقول للشهود أخرجوها؟ قال: لا ليس ذلك على أحد في دواب ولا رقيق ولا ثياب ولا غير ذلك، وهذا خطأ ممن يفعله إذا كان الشهود عدولا لا يشك في عدالتهم قبل شهادتهم، ولم يلتمس منهم غير ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن من لا يؤتمن في قوله حتى يختبر صدقه من كذبه فليس ممن تجوز شهادته، ومن كان عدلا مؤتمنا في قوله مقبول الشهادة فلا يحتاج إلى اختبار صدقه من كذبه، وبالله التوفيق.

مسألة: شهد لرجل بحق على رجل وعلى الشاهد نفسه حق عليهما جميعا

مسألة وسئل: عن شاهد شهد لرجل بحق على رجل وعلى الشاهد

نفسه حق عليهما جميعا وليس للمشهود له عليهما أيهما شاء أخذه بحقه قضاه أحدهما ثم شهد له صاحبه، قال: تجوز شهادته إذا كان عدلا على ما ذكرت، وليس في هذا تهمة إذ لم تقع شهادته على المشهود عليه بشيء ينتفع به الشاهد أو يكون عليه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه إذا لم يكن بعضهما حميلا ببعض فلا منفعة للشاهد الذي لم يقض ما عليه في قضاء صاحبه ما عليه، إذ لا يلزمه إلا ما عليه، قضى صاحبه ما عليه أو لم يقض، وبالله التوفيق.

مسألة: الترجيح بين البينتين هل يكون بزيادة العدالة خاصة

مسألة وسئل ابن دينار: عن الرجلين يدعيان الشيء فيأتي كل واحد منهما ببينة لا يعرفها الإمام إلا بالتعديل فيعدل هل يقضي بذلك الشيء لمن هو أعدل معدلين بمنزلة الشهداء إذا كان بعضهم أعدل من بعض، فقال: ما علمت ذلك إلا في الشهداء ولا أرى ذلك في المعدلين.
قال محمد بن رشد: هذا قول ابن الماجشون في الواضحة، وروى مطرف عن مالك فيها أنه يؤخذ بأعدل المعدلين، وهذا الاختلاف مبني على الترجيح بين البينتين هل يكون بزيادة العدالة خاصة أو بزيادة العدالة وبما يغلب به على الظن صحة الشهادة من كثرة الشهود وما أشبه ذلك، فمن ذهب إلى أن الترجيح لا يكون إلا بزيادة العدالة خاصة وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك يقول: إنه يقضي بأعدل المعدلين؛ لأن زيادة عدالة [أحد] المعدلين لا يفيد زيادة عدالة المعدلين، وإنما يفيد زيادة غلبة

الظن بصحة عدالة المعدلين، وهو قول ابن الماجشون وابن دينار، ومن ذهب إلى أن الترجيح يكون بزيادة العدالة وبما يغلب به على الظن صحة الشهادة من كثرة العدد وما أشبه ذلك يقول إنه يقضى بأعدل المعدلين؛ لأن زيادة عدالتهم وإن لم تفد زيادة عدالة المعدلين، فإنها تفيد زيادة غلبة الظن بصحة عدالتهم ككثرة العدد الذي يفيد زيادة غلبة الظن بصحة الشهادة، وهو قول مالك في رواية مطرف عنه في هذه المسألة، وبالله تعالى التوفيق.
تم كتاب الشهادات الثاني بحمد الله تعالى

###: كتاب الشهادات الثالث

###: العدل يشهد عند القاضي ثم يعود فيزيد في شهادته أوينقص

كتاب الشهادات الثالث

من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: سألت ابن القاسم عن العدل يشهد عند القاضي ثم يعود فيزيد في شهادته أو ينقص، فقال: إذا كان منقطع العدالة ممن لا يتهم في عقله فما زاد أو نقص قبل أن يقع الحكم بعلمه فهو مقبول منه، وأما ما رجع عنه أو نقصه فيما كان شهد به أو زاد كلاما فيه نقص الشهادة الأولى وذلك بعد أن يحكم بشهادته فهو غير مقبول، ولا يفسخ الحكم الذي كان من تحويله شهادته، ولا لما زاد أو نقص، وأما ما زاد بعد الحكم مما زعم أنه كان نسيه مثل أن يكون شهد لرجل على رجل بثلاثين دينارا ثم يذكر أنها كانت خمسين فجاء يشهد بتمام الخمسين، فإن ذلك يقبل منه وتجوز شهادته فيه.
قال محمد بن رشد: قوله: إذا كان منقطع العدالة ممن لا يتهم في عقله فما زاد أو نقص قبل أن يقع الحكم بقوله فهو مقبول منه، يريد أنه يقبل قوله في أنه شبه عليه فتجوز شهادته فيما يستقبل ولا يؤدب، ولو كان على غير ذلك من ظهور عدالته لم يقبل قوله في أنه شبه عليه وردت شهادته فيما يستقبل، هذا دليل قوله في هذه الرواية وظاهر ما في كتاب السرقة من المدونة، قال فيه ولو ودب لكان لذلك أهلا، ومثله حكى ابن حبيب في

الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ إلا أنه لم يذكر الأدب خلاف ظاهر ما في كتاب الأقضية من المدونة أنه يقبل قوله في أنه شبه عليه، وإن لم يكن مبرزا في العدالة فتجوز شهادته فيما يستقبل إلا أن يعرف منه كذب في شهادته فترد شهادته في هذا وفيما يستقبل، يريد ويؤدب، وقال سحنون: لا يؤدب الراجع عن شهادته قبل الحكم لئلا يمتنع من شهد على باطل عن الرجوع عن شهادته خوف العقوبة، كالمرتد إذا تاب لم يعاقب، وقوله: فهو غير مقبول في الذي رجع بعد الحكم عن شهادته أو نقص شيئا منها أو زاد كلاما فيه نقص الشهادة يريد أن قوله: لا يقبل في أنه شبه عليه فيسقط عنه الغرم، بل يغرم وإن شبه عليه، وهو ظاهر ما في أول رسم من سماع ابن القاسم ومثل ما في كتاب السرقة من المدونة، وقيل: معناه أن قوله غير مقبول في فسخ الحكم؛ لأنه يمضي ولا يفسخ برجوعه عن شهادته باتفاق، وقيل: معناه أن شهادته لا تقبل فيما يستقبل، وإن شبه عليه، وهو قول مالك في كتاب الأقضية من المدونة خلاف قول سحنون: إنها لا ترد فيما يستقبل إذا شبه عليه، فتحصيل القول في هذه المسألة أن الشاهد إذا رجع عن شهادته، وقد كان شبه عليه فإن كان ذلك قبل الحكم بشهادته قبل رجوعه وجازت شهادته فيما يستقبل، وإن كان ذلك بعد الحكم بها لم يرد الحكم، واختلف هل يضمن أم لا؟ وهل ترد شهادته فيما يستقبل أم لا؟.
ويقبل قوله إنه شبه عليه إذا كان مبرزا في العدالة باتفاق، وإذا لم يكن مبرزا فيها على اختلاف، وإذا رجع عن شهادته أو عن شيء منها ولم يأت في رجوعه بما يشبه وتبين أنه تعمد الزور أدب ولم تقبل شهادته فيما يستقبل كان رجوعه قبل الحكم أو بعده، وقيل: إنه لا يؤدب إذا كان رجوعه قبل الحكم ويضمن ما أتلف بشهادته إذا كان رجوعه بعد الحكم، ولا يرد الحكم، وبالله التوفيق.

مسألة: ادعى عليه أنه شهد في ذكر حق له على فلان فقال ما أذكر ثم ذكر

مسألة قلت: فإن سئل وهو عند القاضي فقيل له: إن فلانا قد ادعى أنك تشهد في ذكر حق له على فلان، فقال: ما أذكر أنه

أشهدني عليه بشيء وماله عندي علم، ثم انصرف فذكر فعاد إلى القاضي بعد أيام فشهد في ذلك الحق أيقبل قوله؟ قال: نعم، وتجوز في ذلك شهادته إن كان ممن لا يشك في عدله ولا يتهم في شيء من علمه، ومثل ذلك المريض يسأل في مرضه عن علم كان عنده فيقول: مالك عندي علم، فيصح فيشهد في ذلك الحق، فيقال: ما منعك أن تشهد إذ سألك وأنت مريض؟ فيقول: خفت على نفسي الخطأ والوهم في الزيادة والنقصان لشدة ما كان بي من المرض إن ذلك يقبل منه إذا كان لا يتهم لعدله وصلاح حاله، فتجوز في ذلك الحق شهادته.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته مرة ثانية، وبالله التوفيق.

مسألة: استقال الشاهد قبل القضاء أو بعده وادعى أنه غلط ثم تذكر

مسألة قال سحنون: وأنا أقول إذا استقال الشاهد قبل القضاء أو بعد القضاء وادعى أنه غلط ثم تذكر أو شبه عليه قبل قوله، وأقيل في شهادته فيما يستقبل إذا كان عدلا مرضيا.
قال محمد بن رشد: أما إذا كان ذلك قبل القضاء فلا اختلاف في أنه يقبل قوله فتجوز شهادته فيما يستقبل ولا يؤدب إذا كان عدلا مرضيا، وأما إذا استقال بعد الحكم فقيل: إنه لا تجوز شهادته فيما يستقبل وإن شبه عليه، وهو قول مالك في الأقضية من المدونة خلاف قول سحنون هذا إنه تجوز شهادته فيما يستقبل إذا شبه عليه، وكذلك يختلف أيضا في وجوب الغريم [عليه] إذا شبه عليه، وأما الأدب فلا يجب عليه إذا شبه عليه، وقد مضى فوق هذا القول على ذلك كله مستوفى، وبالله التوفيق.

مسألة: للقاضي أن يكتب في تعديل من شهد عنده

مسألة وسألته: عن القاضي يشهد عنده الرجل من بعض أهل الكور التي قد استقضى لأهلها قاض، فإن سأله من يعدله لم يقدر الشاهد على ذلك، ولعله أن يكون من أهل العدالة حيث يعرف بكورته، أترى للقاضي أن يكتب إلى قاضي بلده أن يعدل عنده ثم يكتب إليه بالذي ثبت عنده من تعديله، والقاضي الذي شهد عنده يخاف أن يكون قضاة الكور غير محتاطين في تعديل من قبلهم، فلعل الشاهد إن كان غير عدل أن يتعدل لضعف حال القضاة، فقال: لا ينبغي للقاضي إذا شهد عنده من لا يعرف أن يكتب في تعديله إلا إلى قاض يرضى حاله ويثق باحتياطه ويكون على يقين من حسن نظره لنفسه في دينه، وما حمل من أمر من ولي النظر له، فإن كان لا يثق به حتى لا يكون في نفسه مأمونا في دينه فطنا في نظره غير مخدوع لغفلة فلا يكتبن إليه في تعديل أحد يشهد عنده، وإن كان في الكور رجال يرضى القاضي حالهم ويعرف صلاحهم فليكتب إليهم سرا أن يسألوا له عن الشاهد سؤالا حثيثا، قال: فإن كان عندهم مشهورا بالعدالة معروفا بالصلاح فكتبوا إليه بذلك وهو بناحيتهم واثق أجاز شهادته وإلا تركه حتى يتعدل عنده بمن يرضى.
قال محمد بن رشد: قال في هذه الرواية وفي سماع زونان بعد هذا إنه لا يجوز للقاضي أن يكتب في تعديل من شهد عنده إلا إلى قاض يرضى حاله ويثق باحتياطه ولم ينص في شيء من ذلك هل يلزمه أن يكتب إليه في تعديل من شهد عنده إذا كان من أهل العدالة والرضى أم لا يلزمه ذلك، والذي أقول به أنه يلزمه ذلك إذا كان ذلك القاضي من أهل عمله على ما قاله في رسم الأقضية لابن غانم من سماع أشهب من كتاب

الأقضية، ولا يلزمه ذلك إلا أن يشاء إذا لم يكن ذلك القاضي من أهل عمله على ما يأتي في رسم الأقضية من هذا السماع بعد هذا، إلا أن يكون المطلب في حق هو لله من طلاق أو عتق أو ما أشبه ذلك؛ لأنه يلزمه أن يحتاط في الفروج بما يجد إليه السبيل من الكتاب إلى من يعلم عدالته من القضاة، وأما ما لم يكن فيه حق لله فلا يلزمه السؤال عن الشاهد إلا في موضعه، ويستحب له أن يكتب إلى أهل عمله من القضاة وإلى عدول موضع الشاهد؛ لأن الكشف عن البينة على القاضي الذي شهدت عنده، فإذا عجز عن ذلك كلف المشهود له تزكيتهم عنده، فهذه الروايات كلها يفسر بعضها بعضا، وقد حمل بعض أهل النظر ما في هذا الرسم من هذا السماع وما في سماع زونان على أنه يلزمه أن يكتب في تعديل من شهد عنده إلى قاضي موضعه، وإن لم يكن من أهل عمله كما لو كان من أهل عمله، وهو من التأويل البعيد، وبالله التوفيق.

مسألة: القاضي لا يقبل الشاهد إذا لم يعرفه

مسألة وسئل ابن القاسم: عن الشاهد لا يعرفه القاضي بعدالة منقطعة ولا بحال فاسدة وهو ممن يشهد الصلوات في المساجد ولا يعرف بأمر قبيح، أيجيز شهادته أم لا؟ فقال: لا ينبغي له أن يقبل إلا عدلا ثابت العدالة.
قلت له: فصف لي الذين ينبغي أن يجيز شهادتهم على علمه بهم والذين يردهم على علمه بهم ومن يجوز له الوقوف في أمره حتى يعدل عنده فقال: من عرفه بعدالة ممن لو لم يكن قاضيا لزمه أن يعدله عند غيره إذا شهد ولم يسعه الوقوف في تعديله أجاز شهادته إذا شهد عنده، ومن عرفه بسوء حال ممن لو لم يكن قاضيا لزمه أن يجرحه عند غيره إذا استشهد به عليه رد شهادته إذا شهد عنده، ومن كان لا يجيزه حسا فهو يرى ظاهرا

صالحا وليس بمداخل له ولا مختبرا حاله ولا هو في نفسه بحال رضى ولا هو مطلع منه على شيء قبيح فليسأله من يعدله ممن هو أخبر به منه، فإن لم يأت بمعدلين ممن يرضى وسعه ألا يجيز شهادته.
قال محمد بن رشد: قوله: إن القاضي لا يقبل الشاهد إذا لم يعرفه بعدالة ولا سخطة، وإن كان ظاهر الصلاح بمشاهدة الصلوات في المساجد، وبأنه لا يعرف بأمر قبيح هو قول جمهور أهل العلم ومذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجميع أصحابه لا اختلاف بينهم فيه؛ لقول الله عز وجل: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] إذ لا يرضى إلا من تعرف عدالته، ومن أهل العلم من قال: إن الشاهد محمول على العدالة بظاهر الإسلام فتجوز شهادته ويحكم الحاكم بها إلا أن يجرحه المشهود عليه، وهو قول الحسن ومذهب الليث بن سعد على ظاهر قول عمر بن الخطاب: " المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو قرابة "، وقد أجاز ابن حبيب شهادة من ظاهره العدالة بالتوسم فيما يقع في الأسفار بين المسافرين من المعاملات والتجارات والأكرية بينهم وبين المكارين مراعاة لهذا القول، وحكي ذلك عن مالك وأصحابه، وهو خلاف ظاهر قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة إذ لم تجز شهادته للقرباء دون أن تعرف عدالتهم إلا أنه رخص في وجه تعديلهم فأجاز فيهم التعديل على التعديل، وروي عن يحيى بن عمر أنه أجاز شهادة من لم تعرف عدالته في الشيء اليسير، وذلك أيضا استحسان مراعاة لقول الليث ومن ذهب مذهبه، ولما سأله عن حد العدالة التي إذا علمها القاضي من الشاهد لزم قبول شهادته، قال: هو الذي يعلم من عدالته ما لو دعي إلى

تزكيته لزمه أن يزكيه، وليس بجواب مقنع؛ لأن السؤال يبقى عليه في حد العدالة التي إذا عرفها لزمته التزكية، وأحسن ما يقال في حد العدالة التي تلزم بها التزكية وإجازة الشهادة هو أن يكون الرجل مجتنبا للكبائر، متوقيا من الصغائر، متصاونا عن الرذائل؛ لأن ارتكاب شيء من الكبائر فسوق، فمن أتى بكبيرة من الكبائر لم تجز شهادته حتى تعرف توبته منها، والصغائر لا يمكن السلامة منها من جميعها بدليل قول الله عز وجل لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] وقول الخضر لموسى: واستكثر من الحسنات، فإنك لا بد مصيب السيئات، واعمل خيرا فإنك لا بد عامل شرا، فمن لم يتوق منها ولا بالى بها لزمه اسم الفسق بالإكثار منها، والكبائر قيل فيها: إنها سبع لحديث أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وآكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» وسقط عن الراوي لهذا الحديث السابع وهو الزنى على ما جاء في غيره من الأحاديث، وقد جاء أن من الكبائر عقوق الوالدين وأكل الربا وشهادة الزور واستحلال بيت الله الحرام، ومما لا يختلف فيه أنه من الكبائر شرب الخمر والحرابة والسرقة، وما أشبه ذلك كثير، وقد جاء عن بعض أصحاب «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه سئل عن الكبائر فعد منها سبعة وقال: هن إلى السبعين أقرب» ولا يقال في شيء مما يعصي الله به إنه صغير إلا بالإضافة إلى ما هو أكبر منه؛ لأن كل ما استوجب به فاعله العقاب عليه من الله فهو كبير، هذا تحقيق القول في الصغائر والكبائر، وإنما شرطنا في صفة الشاهد أن يكون متصاونا عن الرذائل؛ لأن صيانة العرض من الدين فمن لم يصن عرضه لم يصن دينه، والله أعلم، وقوله ولم يسعه الوقوف عن تعديله يدل على أن من دعي إلى تعديل شاهد يعلم عدالته وجب عليه أن يعدله فرضا واجبا كما أنه

يلزمه فرضا واجبا أن يشهد بما علمه إذا دعي إلى الشهادة لقول الله عز وجل: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] وهو نص قول ابن القاسم في المبسوطة، قال: إن وجد من يعدله غيره فهو في سعة وإلا لم يسعه إلا أن يعدله ولا يبطل حق امرئ مسلم، وقال ابن نافع: إن أراد الذي يعرفه أن يعدله فحسن، ووجه ذلك أنه لما كانت العدالة لا يقطع بها، وإنما يشهد أنه عدل بما يظهر إليه من حاله بطول اختباره وسعة التوقيف عن الشهادة لاحتمال أن يكون حاله على خلاف ما اختبر منه، وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن الشهادة في هذا طريقها غلبة الظن، إذ لا سبيل فيها إلى حقيقة العلم، فإذا غلب على ظنه عدالته بطول الاختبار وجب عليه أن يزكيه كما يجب عليه أن يقبله ويحكم بشهادته إذا شهد عنده، وبالله التوفيق.

###: القاضي يضرب الرجل ثم يعزل فيشهد على المضروب في حق يعلمه قبله

ومن كتاب الصبرة وسألته عن القاضي أو غيره من أهل العدل من ولاة السوق أو الشرطة يضرب الرجل على ما ثبت عنده من نية ثم يعزل فيشهد على المضروب في حق يعلمه قبله فيريد رد علمه عنه للذي كان من ضربه إياه أيكون ذلك له؟ فقال: إن كان القاضي أو صاحب الشرطة أو صاحب السوق من أهل القناعة والعدل ممن لا يتهم أن يكون ضربه تعديا عليه ولا يضرب مثلهم إلا في حق واجب على من ضربوا فشهادة كل واحد منهم جائزة على من ضرب إذا شهد عليه بعد عزله أو في ولايته.
قلت له: أرأيت إن كان إنما شهد عليه في الأمر الذي

ضرب فيه أو لذلك الخصم الذي ضربه له في تلك الخصومة بعينها أترى شهادته جائزة عليه؟ قال: لا أرى ذلك ولا أحب أن أجيز علمه عليه في تلك الخصومة ولا ما جر إليها.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إذ لا تهمة عليه في شهادته عليه في غير ما ضربه فيه، ويتهم إذا شهد عليه في الخصومة التي ضربه فيها أو في شيء مما جر إليها أنه إنما شهد عليه ليحقق عليه المعنى الذي ضربه من أجله فيسقط عن نفسه الظنة في ضربه إياه، قال أصبغ في الواضحة: ولو شهد المضروب عند وال غيره على حق فأعلمه أنه غير عدل، وأني قد ضربته حدا من حدود الله فإني أرى أن ترد شهادته بقوله وحده، وأما بعد عزله فلا يجوز ذلك عليه شهادته ليجرحه بذلك؛ لأنه يريد أن ينفذ حكمه عليه بشهادته، وقول أصبغ هذا نحو قول ابن الماجشون في كتاب القاضي إلى القاضي بتعديل الشاهد من أهل عمله معارض لرواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الأقضية، وقد مضى القول على ذلك مشروحا فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: العدل يشهد على الرجل فيريد المشهود عليه أن يجرحه

مسألة وسألته عن الرجل العدل يشهد على الرجل، فيريد المشهود عليه أن يجرحه بأن زعم أن الشاهد ينتمي إلى أب لم يلحق به نسبه فيكشف القاضي أمره، فإذا الشاهد ابن أمة رجل مات عنها وقد ولدت هذا الشاهد في حياته أو هي حامل فولدت بعد موته فزعمت أن حملها كان من سيدها فأقره الورثة وأقروا أمه ولم يقروا لها [بإلحاق] هذا الشاهد بأبيهم ولم يقسموا له ميراثا غير أنهم

لم يدعوا رقبته ولا رقبة أمه، سكت الورثة عنها فانتسب لهذه الشبهة، ولم ينكر عليه بنو الرجل إذ لم يكلفهم سهمه فكان أمرهم على أن سكت بعضهم عن بعض.
فقلت: أتراه مجرحا بهذا الانتماء وهو معروف بالعدالة؟ فقال: أرى أن يسأل عنه بنو الميت، فإن أقروا له بالنسب لم يضره ترك الميراث وجازت شهادته، وإن لم يقروا له ولم تقم له بينة على إقرار الميت بوطء الأمة رأيته مجرحا بهذا؛ لأن عتاقته لا تثبت إلا بثبات النسب.
قلت: أرأيت إن كان الورثة أعتقوه وأمه وهم ينكرون نسبه وهو عدل غير أنه مقيم على الانتماء إلى الميت أترى ألا تجوز شهادته ما كان مقيما على الانتماء الذي لم يثبت له؟ قال: إني أراه مستحقا بذلك وما أحب أن تمضي شهادة مثل هذا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة، والمعنى فيها أن الأمة كانت ممن لا تصلح للفراش، فلذلك لم يلحق السيد ولدها، ولو كانت ممن تصلح للفراش للحقه الولد وورث إلا أن يشهد عليه أنه مات على استبرائها أو أنه لم يطأ فلا يلزمه الولد حيا كان أو ميتا وإن كانت تصلح للفراش، قاله ابن دحون، وهو صحيح، وبالله التوفيق.

مسألة: يدعي المقضي عليه أنه وجد عدولا يجرحون بعض الذين قطع القاضي بشهادتهم

مسألة وسألته: عن القاضي يقضي للرجل ويسجل له بذلك ويشهد له عليه فيدعي المقضي عليه أنه وجد عدولا يجرحون بعض الذين قطع القاضي بشهادتهم ذلك الحق عليه، أترى أن يمكنه من ذلك؟ فقال: نعم، إن رأى القاضي لذلك وجها فيما يحتج به الخصم ويدعيه مثل أن يقول: والله ما كنت علمت بسوء حال

هؤلاء الذين شهدوا علي، ما كان سكوتي عنهم إلا جهالة بحالهم، فلما أنبأني بحالهم عدول ممن يعرفهم ادعيت فسادهم، فإذا ادعى هذا ونحوه وتبين للقاضي أنه غير ملد نظر له.
قلت: أرأيت إن مات القاضي أو عزل أيجوز للذي ولي بعده أن يدعو بالتجريح الذي كان ادعاه عند الأول؟ قال: نعم، هو في ذلك بمنزلة الذي كان قبله، قال: ولو لم يدعه القاضي الأول بالتجريح ما كان للذي خلف مكانه أن يمكنه من ذلك ولا يتعقب النظر في قضاء قاض عدل قد أنفذه قبله، قلت: أرأيت إن ادعى عند القاضي الذي ولي بعد الأول الجهالة بحال الشهداء مثل الذي ادعى عند الأول حين رأيت أن ينظر له الأول بعده، فادعى مثل ذلك عند القاضي الثاني أترى أن ينظر له ولم يدع ذلك عند الأول؟.
قال الإمام القاضي: قوله: إن القاضي يمكن المقضى عليه بعد التسجيل عليه بالقضاء من التجريح إذا كان لما ادعاه وجه هو مثل ما في الأقضية من المدونة، وسكت عن الجواب إذا قام بذلك عند من ولي بعده دون أن يدعي ما قام به عند الأول، وفي ذلك اختلاف، قيل: إنه يمكنه مما دعا إليه كما كان يمكنه الأول منه، وكذلك وقع في بعض الروايات، يفعل في هذا مثل ما كان يفعل في الأول، وقال ابن المواز وغيره ليس ذلك له؛ لأنه حكم قد وقع، وقد قيل: إن الأول لا يمكنه من ذلك بعد أن ابتدأ الحكم عليه بالقضاء، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه يمكنه من ذلك هو ومن بعده.
والثاني: أنه لا يمكنه من ذلك لا هو ولا من بعده.
والثالث: أنه يمكنه من ذلك هو ولا يمكنه منه من بعده، وهذا في المطلوب، وأما الطالب ففيه قول رابع سوى هذه الثلاثة الأقوال، وهو قول

ابن الماجشون؛ لأنه فرق بين أن يعجز في أول قيامه قبل أن يجب على المطلوب عمل، وبين أن يعجز بعد أن وجب على المطلوب عمل ثم رجع على الطالب، وقد مضى هذا في رسم النكاح من سماع أصبغ من كتاب النكاح، وهذا الاختلاف كله إنما هو إذا عجزه القاضي بإقراره على نفسه بالعجز، وأما إذا عجزه السلطان بعد التلوم والإعذار وهو يدعي أن له حجة فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة؛ لأن ذلك قد رد من قوله قبل نفوذ الحكم عليه، فلا يسمع منه بعد نفوذه عليه، وبالله التوفيق.

مسألة: شهادة شاهدين من المسلوبين على الذين سلبوهم

مسألة وسئل: عن الرجلين يعرض لهما اللصوص فيسلبونهما فيشهدان أن هؤلاء اللصوص سلبونا هذا المتاع وهذه الدواب لمتاع أو دواب قائمة في أيدي اللصوص بعينها، فقال: يقام عليهم بشهادتهما حد المحاربين ولا يستحقان ذلك المتاع والدواب إلا بشهيدين سواهما أو بشاهد يحلفان معه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة اختلف في تأويلها، فقيل فيها: إنها مخالفة لما في المدونة إذ لم يقل فيها: إنه يحلف كل واحد منهما مع شهادة صاحبه ويستحق متاعه ودوابه على قياس قوله في كتاب السرقة منها إنه يقام على المحاربين الحد بشهادة الذين شهدوا عليهم أنهم قطعوا عليهم الطريق وأخذوا أموالهم ويعطوا المال بشهادة بعضهم لبعض ولا يقبل شهادة أحد منهم في مال نفسه أنه أخذ منه، وقيل: إنها ليست مخالفة لها والمعنى فيها أنهما شريكان في المتاع والدواب، فلذلك لم تجز شهادة واحد منهما لصاحبه، إذ لا يختص بشيء من المتاع والدواب دونه، وقيل: إنهما يستحقان الدواب والمتاع بشهادتهما، وإن كانا شريكين فيهما، وهو الذي يأتي على ما حكى ابن حبيب عن مطرف وروايته عن مالك في أن شهادة شاهدين من المسلوبين على الذين سلبوهم جائزة في الحد وفي المال لأنفسهما ولأصحابهما؛ لأن شهادتهما إذا جازت في الحد جازت في المال

لأنفسهما ولغيرهما، إذ لا يصح أن يجاز بعض الشهادة ويرد بعضها، وقد قيل: إن شهادتهما لا تجوز في الحد ولا في المال لغيرهما إذا لم تجز لأنفسهما؛ لأن من اتهم في بعض شهادته بطلت [شهادته] كلها، وهو قول أصبغ، فيتحصل في شهادة المسلوبين على السالبين بالسلب والمال أربعة أقوال؛ أحدها: أن شهادتهم عليهم جائزة بالسلب والمال لأنفسهم ولمن سواهم فيقام الحد على السالبين بشهادتهم ويقضى بما شهدوا به من المال لهم ولمن سواهم، وهو قول مطرف وروايته عن مالك.
والثاني: أن شهادتهم لا تجوز لا في الحد ولا في المال لا لأنفسهم ولا لمن سواهم، وهو قول أصبغ.
والثالث: أن شهادتهم تجوز في الحد وفي المال لغيرهم ولا تجوز لأنفسهم، فإن كان الشهود أربعة قضي للاثنين منهم بشهادة الاثنين وللاثنين بشهادة الاثنين، وإن كانوا اثنين قضي لكل واحد منهما بشهادة صاحبه مع يمينه، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة.
والرابع: أنه لا يجوز في ذلك أقل من أربعة شهداء، وإنما تجوز شهادتهم في الحد وفي أموال الرفقة ولا تجوز في أموال الشهداء، وهذا كله إنما هو إذا شهدوا فقالوا: سلبونا فأخذوا منا هذا المال وهذا المتاع والجارية لفلان والدابة لفلان والثوب لفلان وكذا لفلان وكذا لفلان وكان الذي شهد به الشهود من ذلك لأنفسهم كثيرا، وأما إن كان الذي شهدوا به لأنفسهم من ذلك يسيرا لا يتهمون عليه فشهادتهم جائزة في الجميع لهم ولغيرهم، ولا يدخل في هذا الاختلاف الذي في الوصية لموضع الضرورة في ذلك ولموضع الضرورة فيه وقع الاختلاف المذكور إذا كان الذي يشهد به الشاهد لنفسه كثيرا، فمن لم يراع الضرورة وأعمل التهمة أبطل الشهادة في الجميع، ومن راعى الضرورة وأسقط التهمة أعمل الشهادة في الجميع، وعلى هذا يأتي ما في المدونة؛ لأنه لم يبطل شهادة الشاهد لنفسه من جهة التهمة، وإنما أبطلها من أجل أنه لا تجوز في السنة شهادة أحد لنفسه، والشهادة إذا بطل بعضها للسنة لم يبطل جميعها على المشهور في

المذهب، ولو شهد على السالبين بالسلب دون المال لم يختلف في إجازة شهادتهم عليهم في الحد ولا في شهادة بعضهم لبعض بعد ذلك فيما وجد بأيديهم من المال، وسيأتي من هذا المعنى في نوازل سحنون ونوازل أصبغ، وبالله التوفيق.

مسألة: الشهود الأربعة إذا اختلفوا في الطلاق

مسألة قال: وسمعت مالكا قال في أربعة نفر كانوا في مجلس واحد فأتوا السلطان فشهد رجلان منهم أن رجلا كان معهم جالسا حلف بطلاق امرأته البتة أو اثنتين، وقال الآخران: نشهد أنه ما طلق إلا واحدة، وكلهم يزعم أن طلاقه الذي سمعوا منه إنما كان في كلام واحد، فقال: تطلق عليه بشهادة اللذين أثبتا الأكثر من الطلاق، وكذلك لو قال اثنان: نشهد أنه أعتق غلاميه زيدا وميمونا، وقال الآخران: نشهد لما تقول ولا تكلم بغير عتاقة زيد وحده إنه يعتق عليه زيد وميمون بشهادة اللذين أثبتا ذلك عليه، قال: وإنما مثل ذلك عندنا كمثل رجل ادعى أنه أسلف رجلا عشرين دينارا فجاء بأربعة شهداء عدول مرضيين أشهدهم عليه في مجلس واحد حين دفع السلف إليه فشهد اثنان بالله لأسلفه عشرين دينارا بحضرتنا جميعا، وقال الآخران: نشهد بالله لما أسلفه يومئذ بحضرتنا حتى افترقنا إلا عشرة دنانير، فوجه الجواب الذي مضى به الأمر في هذا أن يؤخذ بالعشرين الدينار؛ لأن اللذين شهدا له بها أثبتا وحفظا ما أغفله الآخران أو نسياه، فالشاهدان بالأكثر أحق بالتصديق؛ لأن البينة على المدعي فيما جاء به من شاهد على تصديق دعواه حكم له بشهادته إذا كان عدلا، قال ابن القاسم:

ولكن لو أن أربعة نفر شهد منهم رجلان على رجل أنه طلق امرأته وشهد الآخران أنه لم يتفوه في مجلسه ذلك بشيء من الطلاق ولكنه حلف بعتق غلام له سمياه لم أر لهم شهادة أجمعين لا في طلاق ولا في عتاق؛ لأن بعضهم أكذب بعضا، وهو الذي سمعناه، قال: وإن اختلفوا فقال بعضهم: نشهد أنه طلق امرأته فلانة أو أعتق غلامه فلانا، وقال الآخران: نشهد أنه ما ذكر امرأته فلانة حتى تفرقنا، وما حلف بطلاقها، ولكنه حلف بطلاق امرأته فلانة يريدون امرأة أخرى، وقالوا: نشهد ما أعتق الذي شهدتم له بالعتاقة، دلكنه أعتق فلانا آخر فإن الشهادة تبطل وتسقط من قول الأولين والآخرين في العتاق والطلاق على هذا النحو؛ لأن بعضهم أكذب بعضا.
قال محمد بن رشد: قوله: في الشهود الأربعة إذا اختلفوا في الطلاق فشهد الاثنان منهم أنه حلف بطلاق امرأته البتة أو اثنتين، وقال الآخران: لم يطلق إلا واحدة أنه يؤخذ بشهادة اللذين أثبتا الأكثر من الطلاق يدل على أن البتة عنده تتبعض، وهو قول أشهب وسحنون، وعليه يأتي ما في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة من تلفيق شهادة الشهود إذا شهد أحدهم بالثلاث والآخر بالبتة خلاف قول أصبغ في نوازله من كتاب الأيمان بالطلاق وما حكى ابن حبيب عن ابن القاسم وما في كتاب ابن المواز وفي المبسوطة لمالك من أن البتة لا تتبعض، وقوله: إنه يؤخذ بشهادة اللذين أثبتا الأكثر من عدد الطلاق أو عدد المال هو المشهور من مذهب ابن القاسم، وقد رأى ذلك في أحد قوليه تكاذبا وتهاترا، والقولان قائمان من المدونة، وفي المسألة قول ثالث وهو الفرق بين أن تكون الزيادة بزيادة لفظ مثل أن يشهد الشاهدان أنه أقر له بعشرين، ويقول الآخران: بل أقر له بأحد وعشرين، أو بغير زيادة لفظ مثل أن يقول الشاهدان: أقر له بتسعة عشر، وقال الآخران: بل أقر له بعشرين، وهي تفرقة لها وجه من النظر.
وفي قوله: شهد اثنان بالله لأسلفه، وقال الآخران: نشهد بالله لما أسلفه إجازة الشهادة

مع اليمين خلاف ما في كتاب ابن شعبان من أنه لا تقبل شهادة من شهد وحلف، والصواب: أن لا تبطل بذلك شهادته إلا أن يتبين من يمينه أن له شهودا قبل المشهود عليه؛ لأن الله تبارك وتعالى قد أمر نبيه باليمين فيما أمره به من الشهادة في غير ما آية من كتابه فقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7] وقال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: 53] وأما إذا شهدت إحدى البينتين بخلاف ما شهدت به البينة الأخرى مثل أن تشهد إحداهما بعتق، والثانية بطلاق، أو إحداهما بطلاق امرأة، والثانية بطلاق امرأة أخرى، أو إحداهما بعتق عبد والثانية بعتق عبد آخر، أو إحداهما بعرض والثانية بعتق وما أشبه ذلك فهذا لم يختلف فيه قول ابن القاسم ولا قول مالك في رواية المصريين عنه في أن ذلك تكاذب وتهاتر يحكم به بأعدل البينتين، فإن تكافأتا في العدالة سقطتا جميعا.
وروى المدنيون عن مالك أنه يقضي بالبينتين جميعا استوتا في العدالة أو كانت إحداهما أعدل من الأخرى، وقد مضى هذا المعنى في نوازل أصبغ من كتاب التخيير والتمليك، وسيأتي في نوازل سحنون من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.

مسألة: تكون بينهما الجارية فيشهد أحدهما أن شريكه وطئها فأحبلها

مسألة وسئل: عن الرجلين تكون بينهما الجارية فيشهد أحدهما أن شريكه وطئها فأحبلها، قال ابن القاسم: إن كان المشهود عليه مليا فلا سبيل للشاهد إليها؛ لأنه إنما جحده ما كان يحكم عليه به من نصف قيمتها، وإن كان معدما كان له نصف رقبتها ولم يكن له إلى ولدها سبيل، واتبعه بنصف قيمة الولد إن أقر به يوما ما.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة إن المشهود عليه إن كان مليا فلا سبيل للشاهد إليها؛ لأنه إنما جحده ما كان يحكم له به

عليه من نصف قيمتها صحيح لا يدخل فيه اختلاف قول ابن القاسم في هل يعتق نصيبه عليه إذا شهد على شريكه أنه أعتق نصيبه وهو موسر أم لا يعتق عليه ويبقى بيده ملكا له حسبما مضى القول فيه في رسم العتق من سماع عيسى، وسيأتي في رسم المكاتب من هذا السماع، إلا أنه لم يبين ماذا يكون الحكم في نصيبه إذا لم يكن له إليه سبيل، والحكم في ذلك أن يكون موقوفا؛ لأنه مقر لشريكه وشريكه ينكر ذلك، ويقول: بل هو لك ملكا، فإن أقر الشريك بأنه أحبلها كانت أم ولد له وغرم له نصف قيمتها، وإن لم يقر حتى يموت عتق حينئذ النصف الموقوف، وإنما لم يعتق في حياة المشهود عليه من أجل أنه إن أقر كانت له أم ولد وغرم القيمة للشاهد فكيف يعتق أم ولد رجل لكن يوقف ذلك النصف ويبقى نصفها الثاني بيد المشهود عليه رقيقا يبيعه إن شاء ويفعل به ما شاء مما يفعله ذو الملك في ملكه هو وورثته بعده.
وأما قوله: إن كان معدما كان له نصف رقبتها واتبعه بنصف قيمة الولد إن أقر به يوما ما فهو على القول بأن الأمة بين الشريكين إذا وطئها أحدهما فأحبلها ولا مال له يباع نصفها للذي لم يطأ في نصف القمة، فإن كان فيه نقصان عن نصف قيمتها يوم حملت اتبعه بما نقص من نصف القيمة واتبعه أيضا بنصف قيمة الولد، وأما على القول: بأنه يتبعه بنصف قيمتها يوم حملت ولا يكون له عليه شيء من قيمة الولد فالجواب في ذلك على ما تقدم إذا كان مليا سواء، وهذان القولان في الأمة بين الشريكين يطؤها أحدهما فتحمل ولا مال له لمالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في آخر كتاب أمهات الأولاد من المدونة، وبالله التوفيق.

مسألة: يأتي القوم بذكر حق كتبه على نفسه لرجل غائب فيشهدهم على نفسه بما فيه

مسألة وقال في رجل يأتي القوم بذكر حق كتبه على نفسه لرجل غائب فيشهدهم على نفسه بما فيه، قال: لا أرى للقوم أن يكتبوا شهادتهم في الذكر الحق يكون على هذا الوجه في غيبة من كتب لأني أخاف أن يريد هذا الكتاب الذي كتبه على نفسه للغائب أن

يستوجب مخالطته لتجب عليه اليمين إن ادعى بشيء عليه يريد أن يعنته بتلك اليمين فعسى أن يفتدي منه بأضعاف ما أقر له به على نفسه مما لم يحضره ولم يقبل إقراره له فيه، ولكن ليكتب القوم القصة على حالها يذكرون إقراره لهذا الغائب بما أقر له به ويذكرون مغيب الآخر عنه، فإن جاء الغائب فصدقه وأراد قبض ما أقر له به لزم المقر إقراره ولزمت الغائب بذلك مخالطته واستوجب به إن ادعى قبله شيئا استحلافه، وإن أنكر ما كان من إقراره له وترك اقتضاءه ذلك لم يلزمه بالذي صنع المقر خلطة يستوجب بها إحلافه إن ادعى شيئا قبله، وهي في سماع ابن القاسم في كتاب أوله حلف ألا يبيع سلعة سماها.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن المعاملة الواحدة خلطة توجب اليمين خلاف رواية أصبغ عن ابن القاسم في رسم القضاء المحض من سماع أصبغ من كتاب الأقضية، وقد قيل: إن رواية يحيى هذه تفسير رواية أصبغ فيكون المعنى فيها أنها قد تضاف هذه المعاملة إلى معاملة قبلها فتصير بذلك خلطة، ولا أقول إنها مخالفة لها ولا إن رواية أصبغ مفسرة لها، وإنما أقول إنها مسألة أخرى؛ لأنه تكلم في رواية أصبغ على أنهما تقابضا وتناجزا، وتكلم في هذه الرواية على المبايعة بالدين، فالمبايعة الواحدة لا توجب الخلطة إذا كانت بالنقد والتناجز على رواية أصبغ يوجبها إذا كانت بالدين على هذه الرواية، وإنما الخلاف عندي إذا كانت المبايعة الواحدة بالنقد فلم يقع النقد ولا حصل التناجز، وقد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في سماع أصبغ المذكور من كتاب الأقضية، فلا معنى لإعادة شيء منه، وبالله التوفيق.

مسألة: يوصي بثلث ماله لرجل ولم يشهد إلا شاهد واحد

مسألة وقال في الرجل يوصي بثلث ماله لرجل: إنه إن لم يقم

بذلك إلا شاهدا واحدا حلف الموصى له مع شاهده واستحق الوصية، قال: وإن أوصى به في سبيل الله أو المساكين أو القبيلة من القبائل أو ما أشبه ذلك من الأمر المفترق والذي لا يحاط بعدة أهله ولا يشهد على الوصية إلا شاهد واحد إنه ليس لأحد من الغزاة أن يحلف مع الشاهد ويستحق بذلك ما أوصى به الرجل في سبيل الله، وليس لأحد من المساكين أن يحلف عن جميع المساكين ولا عن نفسه يريد أن يستحق الوصية بيمينه مع الشاهد؛ لأنه لا يدري ما يصير له من ذلك لو ثبت، وكذلك ما أوصى به لقبيلة أو لكل ما لا يحصى عددهم ولا يحاط بعلمهم.. قال الإمام القاضي: أما الموصى له الواحد فلا اختلاف أنه يحلف مع الشاهد ويستحق وصيته، وكذلك الجماعة المعينون المسمون يحلف كل واحد منهم ويستحق حقه من الوصية، وإن مات واحد منهم حلف كل واحد من ورثته واستحق ما يجب له من الوصية، وأما إذا أوصى للمساكين أو في السبيل أو لبني زهرة أو لبني تميم أو لقريش أو للأنصار أو ما أشبه ذلك مما لا يحصى ولا يعرف، وإنما الواجب أن تكون الوصية لمن حضر منهم على الاجتهاد، فلا اختلاف في أنه لا يمين في ذلك مع الشاهد، ويختلف إذا أوصى لمن يحصرهم العدد كإلى فلان ومساكين إلى فلان وما أشبه ذلك، فقيل: إنه يحلف جلهم ويستحقون الوصية لأنفسهم ولمن غاب منهم، وقيل: إنه لا يمين في ذلك مع الشاهد، والقولان قائمان من كتاب الوصايا الثاني من المدونة في الذي يوصي لأخواله وأولادهم، وكذلك يختلف في الحبس المعقب، ففي كتاب ابن المواز أن اليمين لا تصلح فيه مع الشاهد، وقال عبد الملك عن مالك إذا حلف الجل منهم نفذت الوصية عليهم وعلى غائبهم إن قدم ومولودهم إذا ولد وفي السبيل بعدهم، وروى عنه ابن حبيب قال: يحلف من أهل الصدقة رجل واحد مع

الشاهد وتنفذ له ولأهلها ولمن يأتي.
قال عن مالك أيضا: وإن باد شهودها ولم يثبت إلا بالسماع حلف أيضا واحد من أهلها مع الذين شهدوا بالسماع بأنهم لم يزالوا يسمعون من العدول أنها حبس على بني فلان ثم تستحق حبسا، وبالله التوفيق.

###: الصبي يقوم له شاهد أن أباه كان تصدق عليه بغلام ويشهد آخر أن أباه كان نحله إياه

ومن كتاب كراء الدور والمزارع قال يحيى: قال ابن القاسم في الصبي يقوم له شاهد أن أباه كان تصدق عليه بغلام ويشهد آخر أن أباه كان نحله إياه.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة وقعت ههنا ساقطة الجواب، ووقعت في سماع سحنون ومحمد بن خالد كاملة الجواب، وقد مضى القول عليها مستوفى في رسم العرية من سماع عيسى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يشهدان على حكم قاض فيقول أحدهما بشهادتي حكم القاضي مع غيري

مسألة وفي الشهيدين يشهدان للرجل أن قاضيا من القضاة مات أو عزل وقضى له بكذا وكذا، وأن ذلك القاضي إنما قضى بذلك الحق بشهادتهما فيه، قال: أرى شهادتهما جائزة، وما أرى أمرا أتهمهما فيه، قيل له: أما ترى أنهما قد شهدا لأنفسهما بأن القاضي الأول قد قبل شهادتهما وقطع الحق بهما فيتهمان من أجل ذلك؟ فقال: ما أرى هذه تهمة أرد بها شهادتهما، وما أراهما جرا إلى أنفسهما شيئا يتهمان فيه، وسئل عنها سحنون فقال: سمعت ابن القاسم يقول في الرجلين يشهدان على حكم قاض فيقول أحدهما بشهادتي حكم القاضي مع غيري فلا تجوز شهادتهما على الحكم؛ لأنه يريد إمضاء شهادته، قال ابن القاسم: ولو كان اللذان شهدا على الحكم قالا بشهادتهما حكم القاضي عليه وأشهدنا على

حكمه رأيتها جائزة؛ لأنه كان يحكم بشهادتهما لو لم يشهدا على الحكم، فمن ثم رأيتها جائزة.
قال القاضي: ظاهر رواية سحنون أن شهادتهما لا تجوز على الحكم وتجوز على أصل الشهادة فيحكم القاضي الذي شهدا عنده بشهادتهما، وهو قول مطرف في الواضحة، وقال ابن الماجشون وابن نافع وأصبغ لا تجوز في ذلك شهادتهما على حال لا على أصل الشهادة ولا على [أصل] الحكم بها؛ لأنها إذا سقطت في الحكم بما اتهما فيه سقطت كلها، واختار ذلك ابن حبيب، وظاهر رواية يحيى أن الشهادة على الحكم جائزة، بل هو نص جلي، فهي ثلاثة أقوال في المسألة أظهرها كلها رواية يحيى لبعد التهمة فيها؛ لأن قولهما إن ذلك القاضي إنما قضى بذلك الحق بشهادتهما فيه زيادة لو سكتا عنها لم تفتقر إليها الشهادة فوجب ألا تؤثر في إبطال الشهادة، ولبعد التهمة فيها قصرها في رواية سحنون على موضعها خاصة ولم يعدها إلى أصل الشهادة كما لا تعد إلى غيرها، ووجه القول الثالث: أن أصل الشهادة وفرعها كشيء واحد، فإذا بطلت في البعض بطلت في الكل، وبالله التوفيق.

###: ثلاثة نفر شهدوا على رجل أنهم رأوه يزني فجلدوا الحد فجاء من الغد رابع

ومن كتاب المكاتب قال يحيى: وسألته عن ثلاثة نفر شهدوا على رجل أنهم رأوه يزني فجلدوا الحد فجاء من الغد رابع عدل زعم أنه كان معهم إذ رأوه يزني، أترى أن تقبل شهادتهم بعد الضرب ويكونون عدولا على حالهم قبل أن يضربوا؟ فقال: نعم، تقبل شهادتهم وتشهر عدالتهم ويعلم الناس أن قد سقط التجريح عنهم وتمت شهادتهم بالرابع.
قال الإمام القاضي: هذا خلاف ما مضى من قوله في أول رسم من

سماع عيسى، فليس هذا وجه الشهادة إلا أن يأتوا جميعا، فالذي يأتي على ما في سماع يحيى أن يحد الرابع إلا أن يأتوا جميعا، وهو قول محمد بن المواز، ولو جاء الشاهد الرابع على رواية يحيى هذه قبل أن يحد الثلاثة سقط الحد عنهم وحد المشهود عليه بالزنى، وقد نص على ذلك ابن القاسم في كتاب ابن المواز، وقد مضى بقية القول في هذه المسألة في سماع عيسى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يشهد كل واحد منهما على صاحبه أنه أعتق نصيبه وينكران ذلك

مسألة وسألته: عن الشريكين في العبد يشهد كل واحد منهما على صاحبه أنه أعتق نصيبه وينكران ذلك، فقال: إن كان لا مال لهما غيره فلا شيء على واحد منهما، وإن كانا موسرين فلا ينبغي لواحد منهما أن يسترقه، وذلك أن كل واحد منهما مقر أنه حر يعتق على صاحبه يغرم نصف قيمته، فإنما كل واحد منهما متبع لصاحبه بالقيمة التي لو أقر بالذي شهد به عليه غرمها له وكان العبد حرا كله، قال: وإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا فلا شيء على الموسر، وأما المعسر فلا ينبغي أن يسترق منه شيئا؛ لأنه قد شهد أنه حر على صاحبه، قلت: أرأيت إن ملكه أحدهما يوما ما ملكا تاما؟ قال: أراه عتيقا كله وولاؤه لشريكه الذي كان شهد هو عليه إلا أن يملكه الموسر الذي شهد على المعسر فلا يعتق منه إلا النصف الذي كان تملكه المعسر، وذلك أنه لو أقر بالذي شهد عليه لم يعتق عليه منه إلا نصفه.
قال محمد بن رشد: قوله: إنهما إن كانا موسرين لم يسترق واحد منهما نصيبه، وإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا استرق الموسر نصيبه ولم يسترق المعسر نصيبه هو [مثل] أحد قولي ابن القاسم في كتاب

العتق الثاني من المدونة، وقد مضى القول على هذا المعنى مبينا مشروحا في رسم العتق من سماع عيسى، وقوله: أرأيت إن ملكه أحدهما يوما ما ملكا تاما [معناه أرأيت إن ملك الشاهد منهما نصيب المشهود عليه قبل أن يعتق عليه نصيبه إن كان المشهود عليه موسرا فكمل جميعه له] قال: أراه عتيقا كله وولاؤه لشريكه الذي كان شهد هو عليه، معناه أنه يعتق كله عليه، نصف القديم بالشهادة على شريكه أنه أعتق نصيبه وهو موسر لما يوجب ذلك من تقديمه عليه وعتقه فكان إنما جحده القيمة، والنصف الذي اشتراه من شريكه بإقراره أنه حر يعتق شريكه إياه وولاؤه كله للشريك المشهود عليه؛ لأنه مقر أنه حر من عتاقته، وأما إن كان المشهود عليه معسرا فاشترى الشاهد نصيبه فلا يعتق عليه إلا النصف الذي اشتراه من شريكه المعسر كما قال لأن نصيبه الذي كان له أولا لا شيء عليه فيه بشهادته على معسر، وبالله التوفيق.

###: شهادة السائل المتكفف

ومن كتاب الأقضية قال يحيى: وسألت ابن وهب عن الرجل الحسن الوجه الظاهر الصلاح يسأل الصدقة مما يتصدق به على أهل الحاجات، أو يأتي الرجل الشريف فيسأله أن يتصدق عليه، أتجوز شهادته وهو لا يتكفف الناس إذا كان عدلا، وهو معروف بالمسألة غير أنه لا يتكفف العامة، قال: إذا كان معروفا بالمسألة فهو غير جائز الشهادة، وإن لم يتكفف وإن كان عدلا، وسألته بعد يوم أجاب في ذلك فكان فيما كتب إليه أن سأله عن الرجل الذي لا بأس به وهو ممن يتصدق عليه ويطلب الأخذ من الصدقة إذا خرجت من عند إمام أو فرقت وصية الرجل أو ما أشبهه، يطلب الأخذ من مثل

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
مسألة: يشهدان على صبي أنه جرح إنسانا والشاهدان أعداء لوصي الصبيمسألة: يشهد على الرجل بأربعين دينارا ثم يقول الحق خمسونمسألة: يهجر الرجل فيسلم عليه ولا يكلمه هل تراه قد خرج من الشحناءمسألة: حضره الموت فقال ما شهد به ابني علي من دين فهو مصدقمسألة: هلك وترك ابنين فاختلفا في وصية ألف دينار لرجلمسألة: الشهادة لا تثبت إلا برجلين أو رجل وامرأتينمسألة: شهد على شهادة نفسهمسألة: تعديل الأخ أخاه وشهادته لهمسألة: شهادة الوارث فيما وهب من مال موروثه في مرضهمسألة: من كان عدلا مؤتمنا فلا يحتاج إلى اختبار صدقهمسألة: شهد لرجل بحق على رجل وعلى الشاهد نفسه حق عليهما جميعامسألة: الترجيح بين البينتين هل يكون بزيادة العدالة خاصةمسألة: ادعى عليه أنه شهد في ذكر حق له على فلان فقال ما أذكر ثم ذكرمسألة: استقال الشاهد قبل القضاء أو بعده وادعى أنه غلط ثم تذكرمسألة: للقاضي أن يكتب في تعديل من شهد عندهمسألة: القاضي لا يقبل الشاهد إذا لم يعرفهمسألة: العدل يشهد على الرجل فيريد المشهود عليه أن يجرحهمسألة: يدعي المقضي عليه أنه وجد عدولا يجرحون بعض الذين قطع القاضي بشهادتهممسألة: شهادة شاهدين من المسلوبين على الذين سلبوهممسألة: الشهود الأربعة إذا اختلفوا في الطلاقمسألة: تكون بينهما الجارية فيشهد أحدهما أن شريكه وطئها فأحبلهامسألة: يأتي القوم بذكر حق كتبه على نفسه لرجل غائب فيشهدهم على نفسه بما فيهمسألة: يوصي بثلث ماله لرجل ولم يشهد إلا شاهد واحدمسألة: يشهدان على حكم قاض فيقول أحدهما بشهادتي حكم القاضي مع غيريمسألة: يشهد كل واحد منهما على صاحبه أنه أعتق نصيبه وينكران ذلك
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل