كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال محمد بن رشد: قوله في الذي أسلم دابته على وجه اليأس منها: إن له أن يأخذها من الذي أخذها فعاشت عنده بعد أن يدفع إليه ما أنفق عليها - صحيح؛ إذ لم تخرج عن ملكه بإسلامه لها، فيكون له أن يأخذها ممن أخذها إلا أن يكون أسلمها على أنها لمن أخذها أو قام عليها، فيلزمه ذلك ولا يكون له أن يأخذها ممن أخذها وقام عليها، وقد قيل: إنه إذا أسلمها على وجه اليأس منها فهو محمول على أنه إنما أسلمها لتكون لمن أخذها وقام عليها، إلا أن يكون أسلمها في أمن وماء وكلاء فيكون أحق بها، حكى ذلك ابن شعبان في كتابه عن ابن وهب والشعبي والأوزاعي، فلا اختلاف إذا أرسلها في أمن وماء وكلاء أن له الرجوع فيها، وإنما اختلاف إذا أرسلها في غير أمن ولا ماء ولا كلاء، فقيل: إن له الرجوع فيها.
وقيل: إنه لا رجوع له فيها.
واختلف إذا رجع فيها هل يرجع فيها بيمين أو بغير يمين، والاختلاف في اليمين في هذا على اختلافهم في لحوق يمين التهمة.
وتحصيل القول في هذه المسألة أن إسلامه إياها على وجه اليأس منها لا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يسلمها على أن له الرجوع فيها إن أخذها أحد وعاشت عنده.
والثاني: أن يسلمها على أنها لمن أخذها.
والثالث: أن يسلمها ولا نية له.
فأما إذا أسلمها على أن له الرجوع فيها إن أخذها أحد فعاشت عنده ولم يشهد على ذلك، فقيل: إنه يصدق في ذلك، وقيل: إنه لا يصدق فيه إلا أن يكون إرساله إياها في أمن وماء وكلاء، واختلف إذا صدق في ذلك، هل يصدق بيمين أو بغير يمين حسبما ذكرناه من اختلافهم في لحوق يمين التهمة.
وأما إذا أسلمها على أنها لمن أخذها فلا سبيل له إلى أخذها ممن أخذها وقام عليها.
وأما إذا أسلمها ولا نية له، فقيل: إنه محمول على أنه إنما أسلمها على
أن له الرجوع فيها، وقيل: إنه محمول على أنه إنما أسلمها على أنها لمن أخذها وقام عليها إلا أن يكون إسلامه لها في أمن وكلاء وماء.
وإنما لم ير لمن أخذت منه أجرة في قيامه عليها؛ لأنه إنما قام عليها لنفسه لا لصاحبها، ولو شهد أنه إنما يقوم عليها لصاحبها إن شاء أن يأخذها ويؤدي إليه أجر قيامه عليها لكان ذلك له، ولو لم يشهد على ذلك وادعاه لصدق في ذلك على اختلاف، قيل: بيمين، وقيل: بغير يمين، وأما النفقة فلا إشكال في أن له أن يرجع بها عليه؛ إذ قد أثرت في الدابة وأحدث فيها نماء فلا يكون له أن يأخذها بنمائها ويخسر هذا نفقته، وبالله التوفيق.
: قال هذا دينار وجدته في حانوتي ولم يدخل علي اليوم أحد غيرك
ومن كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا وسئل مالك: عن رجل دخل حانوت بزاز ليشتري منه ثوبا ثم خرج منه فاتبعه صاحب الحانوت، فقال: يا أبا عبد الله، هذا دينار وجدته في حانوتي ولم يدخل علي اليوم أحد غيرك فعد الرجل نفقته فافتقد منها دينارا أترى أن يأخذه؟ فقال مالك: لا أدري هو أعلم بنفسه، إن استيقن أنه ديناره فليأخذه، قيل له: التاجر يقول لم يدخل عَلَيَّ اليوم أحد غيرك، وقد افتقد الرجل من نفقته دينارا، قال: إن استيقن أنه له فليأخذه.
قال محمد بن رشد: في قوله: إنه إن استيقن أنه له فليأخذه - دليل على أنه لا يأخذه إلا أن يستيقن أنه له زيادة على ما ذكر له فجعل له به اليقين أنه له، وهذا على سبيل التورع والنهاية فيه إذ لم يعتره شك في أنه له فأخذه له حلال سائغ؛ لأن الغالب على ظنه أنه له إذ قد افتقد من نفقته دينارا، ولو لم يعلم عدد نفقته لساغ له عندي أن يأخذه، لقول صاحب الحانوت له إنه لم يدخل أحد علي اليوم غيرك، وإن كان التورع عن أخذه أولى وأحسن،
وكذلك لو قال له صاحب الحانوت هذا الدينار وجدته في مكانك ولا أدري هل هو لك أو لغيرك ممن دخل الحانوت، فعد الرجل نفقته فافتقد منها دينارا، وأما لو قال له صاحب الحانوت هذا الدينار وجدته في مكانك بعد خروجك عني ولا أدري هل هو لك أو لغيرك ممن دخل الحانوت والرجل لا يعلم عدد نفقته لما ساغ له أن يأخذه بشك.
: للقطة يجدها الرجل أيأخذها
ومن كتاب أوله حديث طلق بن حبيب وسئل مالك: عن اللقطة يجدها الرجل أيأخذها؟ قال: أما الشيء الذي له بال فإني أرى ذلك، فقال له الرجل: إني رأيت شنف قرط في المسجد مطروحا فتركته؟ قال: لو أخذته فأعطيته بعض نساء المسجد يعرفنه كان أحب إلي، قال: فكذلك الرجل يجد الشيء فإن كان لا يقوى عليه فإنه يجد من يثق به يقبله منه فيعرفه، وإن كان الشيء له بال فأراد أن يأخذه، قال سحنون: قال لي ابن القاسم، وقال لي مالك غير مرة: إذا كان شيئا يسيرا فليتركه، قال: قلت لابن القاسم: أرأيت إذا دفعه إلى مثله في الأمانة والثقة فضاع منه ثم جاء صاحبه، هل يكون على الذي وجده ضمان؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: قال في اللقطة التي لها بال: إن من وجدها يأخذها ولم يذكر هل ذلك واجب عليه أو مستحب له، وفي ذلك تفصيل.
أما إذا كانت بين قوم مأمونين وإمام عدل لا يخشى منه إن هو عرفها أن يأخذها، فأخذها وتعريفها مستحب له، مخافة أن تقع إلى غير مأمون فيذهب بها.
وأما إن كانت بين قوم غير مأمونين وإمام عدل فأخذها وتعريفها واجب؛
لأن ذلك حفظها على ربها، وحفظ أموال الناس واجب وفي تركها إضاعتها، وقد نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن إضاعة المال، ولو كانت بين قوم مأمونين وإمام غير عدل فخشى إن هو عرفها أن يأخذها لكان الاختيار له أن لا يأخذها، ولو كانت بين قوم غير مأمونين والإمام غير عدل لكان أخذها مباحا له إن شاء أن يأخذها مخافة أن يأخذها غيره فيذهب بها، وإن شاء أن يتركها مخافة أن يأخذها السلطان إن هو أخذها فعرفها.
وأما اللقطة اليسيرة التي لا قدر لها إلا أنها مما قد يشح بها صاحبها ويطلبها، فاختلف قول مالك هل الأفضل أخذها أو تركها، وذلك إذا كانت بين قوم مأمونين، فمرة رأى أخذها وتعريفها أفضل مخافة أن تقع إلى من يذهب بها، ومرة رأى أن تركها أفضل رجاء أن يرجع صاحبها فيجدها، وأما إذا كانت بين قوم غير مأمونين فأخذها وتعريفها أفضل، واحدا، والله أعلم.
وقد اختلف في حد تعريفها، فقيل: يعرفها حولا كاملا كالتي لها بال، وهو ظاهر قول مالك في رواية ابن القاسم عنه في المدونة، وقيل: يعرفها أياما، وهو قول ابن القاسم من روايته في المدونة ورواية عيسى عن ابن وهب في رسم النسمة من سماعه من هذا الكتاب، وأما اللقطة اليسيرة جدا التي يعلم أن صاحبها لا يشح بها ولا يطلبها فهي لمن وجدها ليس عليه أن يعرفها وإن شاء تصدق بها، والأصل في ذلك ما روى «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بتمرة في الطريق، فقال: لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها» ولم يذكر فيها تعريفا، وبالله التوفيق.
مسألة: اللقطة يجدها الرجل فيعرفهما سنة فلا يجد
مسألة وسئل مالك: عن اللقطة يجدها الرجل فيعرفهما سنة فلا يجد
صاحبها فيستنفقها ثم تحضره الوفاة فيوصي بها ويترك دينا عليه ولا وفاء له، كيف ترى؟ قال: أرى أن يحاص الغرماء بها أهل الدين بقدر ما يصيبها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن إقرار المديان بالدين عند مالك جائز لمن لا يتهم عليه، كان إقراره في صحته أو في مرضه، وإنما يفترق عنده الصحة من المرض في رهنه وقضائه بعض غرمائه دون بعض وفي إقراره بالدين لمن جهم عليه فلا يجوز شيء من ذلك عنده في المرض، واختلف قوله في جواز ذلك في الصحة، فمرة أجاز ذلك كله، ومرة لم يجزه، ومرة فرق بين الرهن والقضاء والإقرار لمن يتهم عليه، فأجاز الرهن والقضاء ولم يجز الإقرار، ومرة أجاز القضاء خاصة ولم يجز الرهن ولا الإقرار.
وأما إن أقر أنه استنفق اللقطة ولا دين عليه ولم يقم بذلك عليه حتى مات، فإن كان إقراره بذلك في صحته جاز ذلك من رأس ماله على ورثته، وإن كان إقراره بذلك في مرضه فإن كان يورث بولد جاز إقراره من رأس المال أوصى أن يتصدق بها عن صاحبها أو توقف له، واختلف إن كان يورث بكلالة، فقيل: إنه إن أوصى أن يحبس ويوقف حتى يأتي صاحبها جازت من رأس المال، وإن أوصى أن يتصدق بها عنه لم يقبل قوله ولم تخرج من رأس المال ولا من الثلث، وقيل: إنه يكون من الثلث، وقيل: إنه إن كانت يسيرة جازت من رأس المال، وإن كانت كثيرة لم تكن في رأس المال ولا في الثلث، وقد مضى هذا المعنى مجودا في رسم ليرفعن من سماع ابن القاسم من كتاب المديان والتفليس.
: أخذ الثوب وهو يظنه لقوم فسألهم عنه فقالوا ليس هو لنا فرده في موضعه
ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء في الحرس وسئل مالك: عن الرجل يجد الثوب ملقى فيأخذه وهو يظنه لقوم
يراهم فيسألهم عن ذلك، فيقولون: ليس هو لنا، فيريد أن يرده حيث وجده فيضعه فيه، قال: لا أرى بذلك بأسا، قيل لابن القاسم: فإن كانت دنانير أو دراهم؟ قال: فلو أخذها فعرفها كان أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي أخذ الثوب وهو يظنه لقوم فسألهم عنه فقالوا ليس هو لنا فرده في موضعه: إنه لا بأس بذلك - معناه: أنه لا ضمان عليه إن فعل، والاختيار له أن لا يفعل، كما قال في الدنانير والدراهم، إذ لا فرق في ذلك بين الثوب والدنانير والدراهم.
ومعنى ذلك: إذا أخذ الثوب على غير وجه الالتقاط ورده بالقرب أيضا، ولو أخذه على وجه الالتقاط لكان ضامنا له وإن رده بالقرب في موضعه، هذا مذهب ابن القاسم.
وقال أشهب: لا ضمان عليه إن رده في موضعه بقرب ذلك أو بعده، فإن رده في غير موضعه ضمن، والقول قوله في رده في موضعه مع يمينه على ذلك، وقول أشهب في مساواته بين أن يرد الثوب في موضعه بالقرب أو بالبعد بعيد، لا سيما إن كان أخذه على وجه الالتقاط، وبالله التوفيق.
: قال صاحب الجمل لرجل قم عليه ولك نصفه إن حيي
ومن كتاب أوله الشريكين يكون لهما مال وسئل: عن جمل قام ببعض الطريق فأخذه رجل فأنفق عليه وقام عليه، ثم إن صاحبه رجع إليه فوجده قد صح، قال مالك: يدفع إليه الذي قبضه ما أنفق عليه ويأخذ جمله.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول عليها مستوفى في رسم حلف قبل هذا، فلا معنى لإعادته، ولو قال صاحب الجمل لرجل: قم عليه وأنفق ولك نصفه إن حيي لم يجز؛ لأنه غرر في الثمن والمثمون، فإن جاء ربه وقد أنفق عليه أخذ جمله وكان للمنفق قيمة نفقته وخدمته، وكذلك إن مات الجمل كان على ربه قيمة ما أنفق أيضا وما خدم، وبالله التوفيق.
: أخذ اللقطة
ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال مالك: لا أحب لأحد يجد اللقطة أن يأخذها، إلا يكون لها قدر.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم طلق بن حبيب، فلا معنى لإعادته.
مسألة: يأخذ متاعه ويغرم للذي احتمله أجر ما احتمله
مسألة وسئل: عن رجل ماتت راحلته بفلاة من الأرض فأسلم متاعه فأخذه رجل فاحتمله إلى منزله ثم وجد متاعه، قال: أرى أن يأخذ متاعه ويغرم للذي احتمله أجر ما احتمله.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إن كان أخذه واحتمله إلى منزله على وجه الحفظ لصاحبه والنظر له أو هو يرى أنه يستحقه بحمله إلى منزله إذ قد أسلمه صاحبه، وأما إن كان أخذه واحتمله على وجه الاغتيال له والسرقة والتعدي وهو يعلم أن ملك صاحبه باق عليه إلى أن يرجع عنه فلا كراء له في حمله، والقول قوله مع يمينه أنه لم يأخذه إلا على الوجه الذي يذكره من ذلك، والله الموفق.
مسألة: طرحوا من متاعهم ثم وجدوها عند قوم أخذوها من ماء البحر
مسألة وقال مالك في قوم خافوا على مركبهم غرقا فطرحوا من متاعهم، ثم وجدوها عند قوم أخذوها من ماء البحر، قال مالك: يأخذون متاعهم منهم، وهذا بين بأنهم يأخذونه وعليهم أجر إخراجه
من البحر إن كانوا غاصوا عليه وأجر حمله إن كانوا حملوه إلى مأمن.
قال محمد بن رشد: القول في هذه المسألة كالقول في التي قبلها، ويدخل فيها من الاختلاف ما ذكرنا في رسم حلف من سماع ابن القاسم في الذي يقوم عليه دابته في السفر فيسلمها على وجه اليأس منها، فلا معنى لإعادة ذلك، وبينهما جميعا ما مضى من التفصيل في رسم حلف أن لا يبيع سلعة سماها؛ لأن المعنى فيها كلها سواء، وقال سحنون فيمن وقع له ثوب في بئر أو جب فنزل فيه رجل فأخرجه فأتى ربه فطلب منه أجرة فامتنع فرده مخرجه في البئر أو الجب فطلبه فيه ربه فلم يجده، قال: يخرجه الذي كان رده فيه وإلا ضمنه، قال محمد: وإذا أخرجه فينبغي أن يكون له أجره إذا كان ربه لا يصل إلى ذلك إلا بأجر، وبالله التوفيق.
: أخذ وتعريف ضالة الإبل
من سماع أشهب وابن نافع عن مالك
من كتاب الأقضية قال أشهب: سألت مالكا: عن قول عمر بن الخطاب في الذي وجد البعير ضالا: أرسله حيث وجدته، فقال لي مالك: نعم يرسله حيث وجد.
قلت: له: يشهد عليه أم لا؟ فقال: ما شأنه يشهد عليه؟ كأنه لا يرى ذلك عليه، قال ابن نافع: وأرى أن يشهد على إرساله أحب إلي.
قال محمد بن رشد: ثبت عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال في ضالة الإبل: «ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» ، فالاختيار فيها أن لا تؤخذ فإن أخذت عرفت، فإن لم تعرف ردت حيث وجدت، جاء ذلك عن عمر بن الخطاب، وأخذ به مالك في أحد قوليه، وهو قوله هاهنا وفي المدونة، وقيل: إنها تؤخذ وتعرف، فإن لم تعرف بيعت ووقف ثمنها لصاحبها، فإن لم يأت وأيس منه تصدق به عنه، جاء ذلك عن عثمان بن عفان، رُوِيَ ذلك عن مالك أيضا، قال: من وجد بعيرا ضالا فليأت به الإمام يبيعه ويجعل ثمنه في بيت المال، يريد: بعد أن يعرف، وقال في مدونة أشهب: يوقف ثمنه حتى يأتي ربه، وإن كان الإمام غير عدل خلي حيث وجد.
وإنما اختلف الحكم في ذلك من عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان لاختلاف الأزمان بفساد الناس، وكان الحكم فيها في زمن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وخلافة عمر بن الخطاب: أن لا تؤخذ، فإن أخذت عرفت، فإن لم تعرف حيث وجدت تركت.
ثم كان الحكم فيها في زمن عثمان لما ظهر من فساد الناس أن تؤخذ وتعرف فإن لم تعرف بيعت ووقفت أثمانها، وكذلك ينبغي أن يكون الحكم فيها اليوم إن كان الإمام عدلا وإن كان غير عدل يخشى عليها إن أخذت لتعرف تركت ولم تؤخذ، فإن كان إنما يخشى على ثمنها إن بيعت أخذت فعرفت وإن لم تعرف ردت حيث وجدت.
واختلف إن كانت الإبل الضوال بعيدة من العمران في موضع يخاف عليها السباع، فقيل: إنها في حكم الشاة؛ لأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قد ذكر العلة التي من أجلها فرق بين ضالة الغنم وضالة الإبل بقوله في الشاة: «هي لك أو لأخيك أو للذيب» وقيل: إنها تؤخذ وتعرف بخلاف الشاة إذ لا مشقة في
حلبها، وكذلك البقر إن كانت بموضع يخاف عليها السباع يدخل فيها من الخلاف ما دخل في الإبل إن كان المشقة في حلبها، والمنصوص فيها في المدونة أنها بمنزلة الغنم.
وقوله في الرواية: ليس عليه أن يشهد على إرسالها، معناه: في غير المتهم، بدليل قوله بعد هذا في هذا الرسم: إن المتهم يشهد.
وقول ابن نافع: وأرى أن يشهد على إرسالها أحب إِلَيَّ - ظَاهِرُهُ: وإن لم يتهم ليدفع عن نفسه الظنة، وأما المتهم فإن لم يشهد لحقته اليمين.
مسألة: تعريف اللقطة في المساجد
مسألة وسألته عن تعريف اللقطة في المساجد، قال: لا أحب رفع الصوت في المساجد، وقد بلغني أن عمر بن الخطاب أمر أن تعرف اللقطة على أبواب المساجد، فأحب إلي أن لا تعرف في المساجد.
ولو مشى هذا إلى الخلق في المساجد يخبرهم بالذي وجد ولا يرفع صوته - لم أر بذلك بأسا إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن رفع الصوت في المسجد مكروه حتى في العلم، وقد بنى عمر بن الخطاب رحبة بناحية المسجد تسمى البطيحا، فقال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعرا ويرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة، وفي فعله الأسوة الحسنة، وبالله التوفيق.
مسألة: ضالة الإبل تعرف فلا تعرف
مسألة وسئل: عن ضالة الإبل تعرف فلا تعرف، أترى أن يخليها؟ قال: نعم أرى أن يخليها حيث وجدها، قيل: أفترى أن يشهد على تخليتها؟ قال: أما المتهم فهو خير إن شاء الله أن يشهد، وأما الرجل المأمون فلا أرى ذلك عليه، قيل له: أفترى الأباق كذلك إذا
عرفه، قال: نعم أرى إذا عرفه فلم يجد من يعرفه أن يخليه خيرا له من أن يبيعه فيهلك ثمنه ويوكل، أو يطرح في السجن فيقيم ولا يجد من يطعمه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم فوق هذا في هذا الرسم بعينه القول في حكم ضوال الإبل للتعريف وإرسالها حيث وجدت إذا لم تعرف والإشهاد على ذلك، فلا معنى لإعادة القول في ذلك.
وأما الأباق فساوى في هذه الرواية بينهم وبين ضوال الإبل في أنهم يرسلون إذا عرفوا فلم يعرفوا، وقال في المدونة: إنهم يحبسون سنة ثم يباعون فتحبس أثمانهم لأربابهم ولا يرسلون؛ لأنهم إن أرسلوا أبقوا ثانية، بخلاف ضوال الإبل، فالظاهر أن ذلك اختلاف من القول، وعلى ذلك كان يحمله الشيوخ، والأولى أن يحمل على الخلاف فيكون الوجه في ذلك أنه إن خشي عليه أن يضيع في السجن بغير نفقة وأن يتلف ثمنه إن بيع كان إرساله أولى من حبسه على ما قال في هذه الرواية، وإن لم يخش عليه أن يضيع في السجن ولا أن يتلف ثمنه إن بيع كان حبسه سنة، ثم بيعه بعد السنة وإمساكه لصاحبه أولى من إرساله لئلا يأبق ثانية إن أرسل، بخلاف ضوال الإبل، على ما قاله في المدونة.
وموضع الخلاف في ذلك عند من حمله على الخلاف إنما هو إذا خشي عليه أن يضيع في السجن وأن يتلف ثمنه إذا بيع، فمرة رأى إرساله أولى لئلا يضيع ويتلف ثمنه، ومرة رأى حبسه وبيعه وإمساك ثمنه أولى من إرساله لئلا يأبق ثانية إن أرسل، والاختلاف في هذا إنما هو بحسب الاجتهاد في أي الخوفين أشد، وأما إن لم يخش عليه أن يضيع في السجين ولا أن يتلف ثمنه إذا بيع فلا يرسل لئلا يأبق ثانية قولا واحدا والله أعلم، ولو لم يخش عليه أن يضيع في السجن وخشي على ثمنه أن يضيع إن بيع لوجب أن يسجن سنة يعرف فيها، فإن لم يأت له طالب سرح ولم يحبس أكثر من السنة التي هي حد
تعريف اللقطة، ولو لم يخش على ثمنه ضياع إن بيع وخشي عليه إن سجن أن يضيع في السجن لوجب أن يباع ويوقف ثمنه رجاء أن يأتي صاحبه ولا يسجن مخافة أن يضيع في السجن، وبالله التوفيق.
مسألة: من أخذ ضالة فهو ضال
مسألة وسئل: عن قول عمر بن الخطاب: من أخذ ضالة فهو ضال " ما يريد بقوله؟ قال: يريد هو مخطئ فلا يأخذها، يرى أن يتركها، وإنما يعني بذلك الإبل، وليس يقول أحد: ضل غلامي، وإنما يقال: الضالة الإبل، وقد قال ابن شهاب: كانت ضوال الإبل في زمن عمر إبلا مؤبلة.
قال محمد بن رشد: إنما رأى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن لا تؤخذ الضالة، وقال: من أخذها فهو ضال، أي: مخطئ؛ لنهي الرسول - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن أخذها بقوله: «ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» ، فقيل: إن ذلك عام في جميع الأزمان، وقيل: بل هو خاص في زمن العدل وصلاح الناس، وقد مضى القول على هذا في أول الرسم، وبالله التوفيق.
: أخذ ضالة فباعها وتصدق بثمنها وجاء صاحبها
ومن كتاب الأقضية الثالث وسألته: عمن أخذ ضالة فباعها وتصدق بثمنها وجاء صاحبها، أيغرمه؟ فقال: لم أقل في هذا شيئا، ولو جوز هذا للناس لعمد الفاجر فباعها وأكل ثمنها، ثم قال: تصدقت بها.
قال محمد بن رشد: أما الفاجر فلا يصدق أنه تصدق بها، ويلزمه غرمها، وإنما اختلف في غير الفاجر، فقيل: إن عليه الغرم لصاحبها إذا جاء
إلا أن يشاء أن ينزل على أجرها كلقطة الدنانير والعروض، وهو دليل قوله في هذه الرواية: ولو جوز هذا للناس لعمد الفاجر فباعها وأكل ثمنها، ثم قال: تصدقت بها.
ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك من رواية مطرف عنه: أنه إذا وجد الشاة في العمران فعرفها فلم يجد صاحبها فأكلها أو تصدق بها أنه يغرم لصاحبها قيمتها يوم أكلها أو تصدق بها إلا أن يشاء أن يجيز الصدقة ويكون له أجرها، وهو قول سحنون في نوازله من هذا الكتاب، وقيل: إنه لا ضمان عليه في المواشي إن تصدق بها أو بأثمانها بعد بلوغ ما عليه من التعريف بها، بخلاف لقطة الدنانير والدراهم والعروض إذ لا يقدر على حبسها لعلفها، وهو قول مالك في الرسم الذي بعد هذا، ومثله في كتاب ابن عبد الحكم عنه.
واختلف قول مالك أيضا: هل له أن يأكلها بعد التعريف؟ فقال مرة: له أن يأكلها ويضمنها لصاحبها إن جاء، وهو قوله في رواية ابن عبد الحكم عنه، وفي رواية مطرف أيضا على ما حكي عنه ابن حبيب، بخلاف لقطة الدنانير والدراهم، وقال مرة: ليس له أن يأكل لقطة الدنانير والدراهم؛ لأن معنى قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عنده: «فشأنك بها» - أنه مخير بين أن يمسكها لصاحبها ويزيد في تعريفها، وبين أن يتصدق بها ويضمنها لصاحبها إن جاء إلا أن يشاء أن يجيز الصدقة ويكون له الأجر، ومن أهل العلم من يجيز له أن يأكلها على وجه السلف على ظاهر الحديث، غنيا كان أو فقيرا، وهو مذهب الشافعي.
ومنهم من لا يجيز له أكلها إذا كان محتاجا إليها، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وقول ابن وهب في رسم السنة بعد هذا من سماع عيسى من هذا الكتاب، ومنهم من لا يجيز ذلك له إلا أن يكون له بها وفاء إن جاء صاحبها وهو ظاهر الأقوال وأولاها بالصواب.
فيتحصل في المسألة على هذا أربعة أقوال:
أحدها: أن له استنفاقها بكل حال.
والثاني: أنه ليس له استنفاقها على حال.
والثالث: أنه ليس له استنفاقها إلا أن يكون محتاجا إليها.
والرابع: أنه ليس له استنفاقه إلا أن يكون له وفاء بها.
والأظهر أن لا فرق بين لقطة الماشية إذا وجدها قريبة من العمران حيث يجب
تعريفها، وبين لقطة الدنانير والدراهم في جواز أكلها على وجه السلف ولا في وجوب الغرم عليه فيها لصاحبها إن تصدق بها، وبالله التوفيق.
مسألة: يجد الدرهم مطروحا أيأخذه أو يتركه
مسألة وسئل: عن الرجل يجد الدرهم مطروحا، أيأخذه أو يتركه ويمضي لوجهه؟ فقال: لو أعلم أنه يجد صاحبه لكان أحب إلي أن يأخذه، ولكن أخاف أن يلزمك فأحب إلي أن تدعه فلا تأخذه، ولو وجدت من يأمره به رأيت ذلك.
قلت له: أفرأيت إن وجد دنانير لها بال أيأخذها فيعرفها أحب إليك أم يدعها فلا يأخذها؟ فقال: إذا كانت دنانير أو شيئا له بال فأحب إلي أن لا يدعها وأن يأخذها فيعرفها، وليس هذا مثل الدرهم والشيء الذي لا بال له خفيف المئونة على صاحبه لا تناله كبير مؤنة، وأما إذا كان الشيء الذي له بال فأحب إلي أن يأخذه فيعرفه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته.
: يجد الضالة فتنتج عنده
ومن كتاب الأقضية الثاني وسئل: عن الرجل يجد الضالة فتنتج عنده، أيجوز له أن يأكل من نتاجها شيئا أو يأكل من ألبانها؟ فقال: أما نتاجها فلا يأكل منه شيئا، فقال: ألبانها فعسى أن يأكل منها، فقيل له: كيف يصنع بها؟ فقال: إذا بلغ الذي عليه فيها فليتصدق بها، قيل له: فلا يحبس لنفسه منها شيئا؟ فقال: نعم، لا يحبس لنفسه منها شيئا ولكن يتصدق بها، فقيل له: فإن جاء صاحبها لم يغرم من ثمنها شيئا؟
فقال: لا؛ لأن المواشي في مثل هذا ليست كالدنانير والدراهم، المواشي تؤكل فلا يقدر على حبسها لعلفها، فإذا تصدق بثمنها ثم جاء طالبها لم أر عليه شيئا.
قال: وكان عمر بن الخطاب يقول لمن أخذها: خلها حيث وجدتها.
وأول من أمر ببيعها عثمان بن عفان، قال: تباع، وقد عرف صفتها ثم توقف أثمانها، فإن جاء طالبها أعطى ثمنها، فقال الذين يعذرون عثمان فيما أمر به من بيعها: إنه أمر ببيعها؛ لأن الناس سرقوها وذهبوا بها، فلذلك أمر عثمان ببيعها، قيل له: أفرأيت إن لم يأت من يعرفها؟ فقال: يتصدق بها.
قال محمد بن رشد: حكم نتاج الضالة حكم ألبانها؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كل ذات رحم فولدها بمنزلتها» ، فلذلك قال: إنه ليس له أن يأكل من نتاجها على وجه الاقتطاع، وأما أكله منها على وجه السلف بعد بلوغ ما عليه من التعريف بها، فعلى ما ذكرناه في الرسم الذي قبل هذا من الاختلاف في أمهاتها، إذ لا فرق بينها وبين نتاجها.
وأما ألبانها فخفف أن يأكل منها، يريد: بقدر قيامه عليها والله أعلم؛ لأنه ينزل في ذلك منزلة الوصي في مال يتيمه، وقد قال ابن عباس في ذلك: إن كنت تبغي ضالة إبله وتتاجر بها وتلط حوضها وتسقيها يوم وردها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب.
وأما الزائد على ذلك فإن كان له قدر يشح به صاحبه فحكمه حكم اللقطة نفسها، وإن كان يسيرا لا قدر له ولا يعلم أن صاحبها لا يشح به فله أن يأكله، وقد مضى ذلك والقول فيه في رسم طلق من سماع ابن القاسم.
وقوله: إنه لا شيء عليه في الضالة لصاحبها إن تصدق بها - خلاف قوله في الرسم الذي قبل هذا، وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى فلا وجه لإعادته،
ومضى في الرسم الأول من هذا السماع القول في جواز أخذ ضالة الإبل للتعريف وفي وجوب ردها حيث وجدت بعد التعريف فلا معنى لإعادته.
مسألة: يجد العصا والسوط أيعرف
مسألة وسئل: عمن يجد العصا والسوط، أيعرف؟ فقال: ماله يأخذه؟ لا يأخذه، قيل: فقد أخذه، قال: يعرف، فإن لم يعرف فأرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: فأرجو أن يكون خفيفا، معناه عندي: فأرجو أن يكون خفيفا أن ينتفع به على وجه التملك له ما لم يجد صاحبه، وإن أبى الانتفاع عليه، وهذا في التافه الذي لا قيمة له؛ لأن تعريفه غير واجب، فقوله: يعرفه، يريد: على وجه الاستحباب والله أعلم، ولو كان له قدر يجب تعريفه لما صح له تمليكه بعد التعريف، وقد مضى بيان هذا في رسم طلق من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
مسألة: حكم لقطة العروض
مسألة وسئل: عمن وجد حديدة، فقال: يعرفها، فإن لم يعرف فليتصدق بها، فإن جاء طالبها فليعطه قيمتها، قيل له: أفيتصدق بالحديدة بعينها أم يبيعها فيتصدق بثمنها؟ فقال: إن شاء تصدق بها كما هي يجمع مساكين يطعمهم إياها يقول هذه بينكم، قيل: أرأيت إن كانت من الحديد الذي يحتاج إليه بعض السفهاء مثل الخنجر؟ فقال مالك: والعصا أيضا يقاتل به، أرأيت لو ورث ذلك، أَبِبَيْعِهِ بَأْسٌ؟ قال: ليس به بأس وما أرى عليه أن يكسرها ثم يبيعها، وإنما يكره هذا في الموضع الذي يتحدث فيه أن يباع للعدو، وقال: إنه إنما خرج حين عمدت إليه فأقمته قيمة ثم كسرته
فذهبت به أفيجزي عنى أن أتصدق بثمنه؟ قال: نعم ذلك يجزيك منه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن حكم لقطة العروض كحكم لقطة الدنانير والدراهم التي قال فيها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اعرف عفاصها ووكاءها، وعرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها» ، فإذا وجد حديدة وجب عليه أن يعرفها فإن لم يعرف فإن شاء حبسها وإن شاء تصدق بها ويكون صاحبها على حقه فيها إن شاء ضمنه، وهو مخير إن شاء تصدق بها بعينها على مسكين واحد أو على مساكين تكون بينهم كما قال، وإن شاء باعها فتصدق بثمنها لزمه الأكثر من قيمتها يوم تصدق بها أو من الثمن الذي باعها به، وليس عليه أن يكسرها إن كانت من الخناجر التي يتخذها السفهاء أو من السلاح التي يقاتل بها، ويبيعها كما هي إلا أن يخشى أن يصل إلى العدو أو إلى من يناوئ المسلمين من أهل الإسلام في الفتن التي تكون بينهم، فيكره له أن يبيعها حتى يكسرها.
واختلف إن باعها قبل أن يكسرها من العدو أو ممن يقاتل بها المسلمين من أهل الإسلام أو ممن يعلم أنه يحملها إليهم ويبيعها منهم فيما يجب عليه في الثمن الذي أخذه فيها إن لم يقدر على استرجاعها على ثلاثة أقوال قد ذكرناها في رسم البيوع الأول من سماع أشهب من كتاب التجارة إلى أرض الحرب فهو موضعها الأليق بها، وبالله التوفيق.
: التقاط العبد الآبق
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم قال ابن القاسم: الشأن والسنة في الآبق أن يحبس سنة إلا أن يخاف عليه الضيعة فيباع.
قلت: أرأيت إذا انقطعت السنة ولم يخف عليه ضيعة، أيباع؟ قال: نعم ولا يحبس بعد السنة.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الآبق يحبس سنة - هو مثل ما في المدونة.
وقوله: إنه إن خشيت عليه الضيعة بيع قبل السنة - هو مفسر لما في المدونة، وقد مضى في أول رسم من سماع أشهب أنه إن خشيت عليه الضيعة خلي سبيله ولم يبع، وقد مضى القول على ذلك هنالك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: المجعول له الثاني هو المنتفع بعمل الأول إذا أفلت قريبا من مكان سيده
مسألة وسألته: عن الرجل في آبق له خمسة دراهم لمن جاء به فيذهب رجل فيأتي من إفريقية حتى إذا كان بطربوط أفلت له فأخذه آخر فأتى به، قال ابن القاسم: قال لي مالك: إذا أفلت بعيدا من مكان سيده فالجعل كله للآخر الذي جاء به، وليس للذي جاء به من إفريقية شيء، وإذا أفلت منه قريبا من مكان سيده فأخذه آخر فأتى به فالجعل بينهما على قدر شخوص كل واحد منهما قدر ما يرى.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن المجعول له الثاني هو المنتفع بعمل الأول إذا أفلت قريبا من مكان سيده بخلاف المجاعلة على حفر الآبار وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة، والله الموفق.
مسألة: يجد القبر في أرض العدو فيه فضة وذهب وجوهر وغير ذلك
مسألة قلت: أرأيت من اشترى دارا واشترط على بائعها إني اشتري
منك ما كان لك في هذه الدار من مجهول أو معلوم قليل أو كثير فيجد المشتري في الدار صخرا أو عمدا أو ورقا أو ذهبا أو آنية مغيبة تحت الأرض، والذهب والجوهر والآنية لا يعرفها البائع ولا المشتري؟ فقال: ما أرى للمبتاع فيها حقا، وأما الفضة والذهب والجوهر والآنية فإن كانت في بلد فتحت عنوة فأراها للمسلمين، وإن كانت بصلح فأراها لذمة أهل تلك القرية الذين صالحوا عليها إذا كان ذلك من دفن الجاهلية، وإن كان ذلك مما يعرف أنه من دفن الإسلام فإنها مثل الفضة يجدها الرجل فإنه يعرفها السنة ونحوها، فإن جاء طالب دفعها إليه وإلا لم أحب له أكلها، أما أن يتصدق بها ويخير صاحبها إذا جاء في أخذها ويغرمها له أو أن يحبسها لصاحبها ما طمع به.
قال ابن القاسم: وإنما قلت لك: هو لذمة تلك القرية؛ لأن مالكا سئل عن الكنز يوجد، فقال: أما ما كان ببلد صالح غير أهله من بلدان أهل الذمة فهو لهم، وما كان من ذلك عنوة فهو للمسلمين، وأما الكنز الذي يخرج منها الخمس فتكون لمن وجدها فهي التي تكون في أرض العرب وكل أرض لم يدخلها المسلمون بصلح ولا عنوة.
قال: وقد سئل مالك عن الرجل يجد القبر في أرض العدو فيه فضة وذهب وجوهر وغير ذلك، فقال: هو لجميع أهل ذلك الجيش؛ لأنه إنما وصل إليه بالجيش.
وأما ما ذكرت من العمد والخشب والصخر فإن كان أمرا يعرف أنه من دفن الجاهلية فهو عندي بمنزلة ما يوجد من ركازهم فإن كانوا أهل صلح كان ذلك لأهل ذلك البلد من أهل الذمة، وإن كانوا عنوة رأيته لجماعة المسلمين ورأيت لمن وجده أن يبيعه ويتصدق بثمنه،
فإن كان أمرا يعرف أنه من متاع الإسلام لم أره للمبتاع.
وقلت للبائع: فإن عرفت أنه لك أو قامت لك عليه بينة فهو لك، وإن لم تدعه رأيت لمن وجده أن يعرفه كما يعرف اللقطة، وما يوجد من دفن الإسلام وإن لم يوجد له أحد باعها عنه وتصدق بثمنه.
قال ابن القاسم: إذا لم يوجد من أهل تلك القرية التي صالحوا عليها أحد وكانوا قد بادوا تصدق بما وجد من ذلك كله كما يتصدق بما وجد في القرية التي أخذت عنوة.
قال محمد بن رشد: سأله في هذه الرواية عما وجد المشتري في الأرض التي اشتراها واشترط مجهولها ومعلومها مما جهلاه من الصخر والحجارة والعمد والرخام والأبنية والذهب والفضة، فقال: إن ذلك لا يكون للمبتاع، ويكون حكمه حكم الركاز إن علم أنه من دفن الجاهلية على التفصيل الذي ذكرناه على أصل مذهبه في أن الركاز تبع للأرض الذي وجد فيها، إن كانت مفتحة بصلح وغيره وأنه لا يكون لواجده بعد إخراج الخمس منه إلا أن يكون موجودا في أرض حرة لم تفتح بصلح ولا عنوة وحكم اللقطة إن علم أنه من دفن الإسلام، ومعنى ذلك إذا لم يدعه البائع أو ادعاه فلم يشبه قوله وتبين كذبه.
وأما إذا ادعاه فأشبه قوله فإنه يكون له مع إذا لم يكن له عليه بينة على قياس قوله.
وفي تَكَلُّمِ ابْنِ القاسم على حكم ما وجد المبتاع في الأرض التي ابتاع على الشرط الذي ذكره وسكوته عن البيع - دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ عنده وأن الشرط لا يفسد، وقد اختلف في ذلك، فروى زياد قال: سألت مالكا عن رجل ابتاع منزلا أو حظا من منزل فكتب المشتري مجهولا أو معلوما أو كتب يعلم أو لا يعلم، قال: لا ينقض هذا البيع ونحوه مما يتوثق به المشتري بعد أن ينص ما
اشترى نصفا أو ربعا أو جزءا من الأجزاء.
وفي تفسير ابن مزين: أن البيع فاسد في الأرض إذا اشتراها واشترط معروفها ومجهولها، بخلاف إذا اشترى العبد واشترى مجهول ماله ومعلومه، وقال: إن الفرق بينهما أن مال العبد إنما يستثنيه المشتري ويشترطه للعبد لا لنفسه، ألا ترى أنه يطأ ملك يمينه ويكون له حتى ينتزعه منه سيده، وأن مجهول الأرض إذا اشترطه المشتري قد اشترى ما لا يعرف، ومحمد بن دينار يقول للمبتاع ما يوجد في الأرض الذي ابتاع مما جهلاه، وهو قول سحنون في نوازله من كتاب جامع البيوع، وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
قال في الورثة يقتسمون الأرض فيجد أحدهم في حظه بئرا وبيتا أو صخرا أو عمدا أو الرجل يشتري الأرض فيجد فيه شيئا من ذلك: إن ذلك لمن وقع في قسمه من الورثة وللمشتري في الشراء، ولا حق فيه للبائع، وهذا الاختلاف إنما هو في المجهول الذي لا يعلم صاحبه، وأما إن ثبت أن ما وجد مغيبا في الأرض من متاع البائع أو متاع من ورثه عنه فلا اختلاف في أنه له، وكذلك ما علم أنه من دفن الجاهلية يكون حكمه حكم الركاز الموجود في تلك الأرض بلا اختلاف، فيكون تبعا للأرض على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك إن كانت مفتحة بعنوة أو بصلح ولواجده إن كانت حرة من أرض العرب، ويكون لواجده على مذهب ابن نافع كانت الأرض حرة أو عنوة أو صلحية متملكة أو غير متملكة، وبالله التوفيق.
: العشرة دراهم أو النصف دينار يجده الرجل
ومن كتاب النسمة قال ابن القاسم وابن وهب، في الحاج يجد اللقطة نحوا من عشرين دينارا أو أكثر فيعرفها سنة فلم يجد لها طالبا، هل يأكلها، وفي العشرة دراهم أو النصف دينار يجده الرجل، كم ترى له أن يحبسه ويعرفه؟ قال ابن وهب: قد بلغنا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وسلم قال في اللقطة: إنه يعرفها سنة فإن جاء لها طالب دفعها إليه، فإن لم يأت لها طالب دفعها إليه، فإن لم يأت لها طالب بعد اليوم أداها إليه إن كانت عنده، وإن لم يكن عنده شيء كانت عليه دينا حتى يجد قضاءها ويكون صاحبها أسوة الغرماء، وإن مات كان في سعة إن شاء الله إن لم يوجد له مال؛ لأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قد أذن له في أكلها، وأما الشيء اليسير مثل الدريهمات والدينار فإني أرى أن يعرف أياما فإن لم يجد له صاحبا وكان محتاجا أنفق ذلك على نفسه، وإن كان غنيا عنه تصدق به عن صاحبه، قال ابن القاسم: ما ينبغي أن ينفق على نفسه منه شيئا قليلا ولا كثيرا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى تحصيل القول فيها في أول رسم من سماع ابن القاسم، وفي رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب فلا وجه لإعادته.
مسألة: ما يقذف البحر من الخشب والحوت والقصاع ونحو هذا
مسألة وسئل ابن القاسم: عما يقذف البحر من الخشب والحوت والقصاع ونحو هذا يجده الرجل على ساحل البحر، هل هو له خاص؟ قال: هو لمن وجده إلا أن يعرف صاحبه فيؤديه إليه.
قال محمد بن رشد: معنى هذا عندي في الشيء اليسير الذي يعلم أن صاحبه لا يشح به ولا يطلبه، وأما الشيء الذي له قدر وبال فحكمه حكم اللقطة على ما يأتي في الرسم الذي بعد هذا، وقد كان الشيوخ يحملون المسألتين على أنهما متعارضتان وليس ذلك بصحيح، وقد مضى في أول سماع ابن القاسم من قولنا ما بَيَّنَ هذا الذي ذهبنا إليه في هذه المسألة.
: ما لفظ البحر من المتاع
ومن كتاب العتق وسئل ابن القاسم: عما لفظ البحر من المتاع فيجده الرجل مما حمله التجار ولا يعرفه، فقال: إن كان من متاع المسلمين عرفه، وإن كان من متاع أهل الشرك نظر السلطان فيه فوضعه على ما يرى، ولم يكن لمن أخذه، وإن شك فيه رأيت أن يعرفه ثم يتصدق به.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة
بينة صحيحة لا اختلاف فيما لفظه البحر من أموال التجار المعطوبين فيه أن حكمه حكم اللقطة، بخلاف مسألة رسم سن من سماع ابن القاسم فيما ألقوه بأيديهم من متاعهم لتجارة أنفسهم، هذا قد قيل فيه: إنه لمن وجده، إذ قد ألقوه بأيديهم على وجه اليأس منه، بمنزلة الذي تقوم عليه دابته في السفر فيسلمها على وجه اليأس منها على الاختلاف في ذلك، وقد ذكرناه في مسألة حلف أن لا يبيع سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
: اللقطة بعد تعريفها سنة
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألته: هل ينبغي للذي يجد اللقطة أن يأتي بها إلى الإمام بعد تعريف سنة ليكون هو الذي يأمر ببيعها وتفرقة ثمنها صدقة على المساكين، فقال: وما للإمام ولها؟ ليس هو مما يلزم الناس أن يرفعوه إلى الإمام؛ لأن المتصدق بها إن جاء صاحبها فأراد أخذ قيمتها أغرمها الذي كان وجدها وتصدق بها، قال: فإن تعدى الإمام
فأخذها فباعها وتصدق بثمنها رأيت عليه غرمها إذا جاء صاحبها إن أحب أن يغرمه.
قال محمد بن رشد: هذا بيِّن على ما قاله: إن الخطاب يوجه في اللقطة من النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلى واجدها بقوله له: «اعرف عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها» ، فإن أخذها منه وتصدق بها كان متعديا فيها وضامنها له إلا أن يعطيه إياها واجدها باختياره ليتصدق بها على سبيل الوكالة له، فلا ينتقل عنه الضمان إن جاء صاحبها، وبالله التوفيق.
: اللقطة توجد في قرية ليس فيها إلا أهل الذمة
من سماع موسى بن معاوية من ابن القاسم وسئل مالك: عن اللقطة توجد في قرية ليس فيها إلا أهل الذمة فقال: تدفع إلى أحبارهم.
قال محمد بن رشد: هذا قول فيه نظر، إذ في الإمكان أن تكون لمسلم وإن كانت وجدت بين أهل الذمة، فكان الاحتياط أن لا تدفع إلى أحبارهم إلا بعد التعريف لها استحسانا لقلة الظن أنها لهم على غير قياس، فإن دفعت إليهم بعد التعريف لها ثم جاء صاحبها غرموها له، وإنما كان يلزم أن تدفع ابتداء إلى أحبارهم لو تحقق أنها لأهل الذمة بيقين لا شك فيه مع من يقولوا: إن من ديننا أن يكون حكم اللقطة لأهل ملتنا مصروفا إلينا، وأما إذا لم يتحقق ذلك فكان القياس أن لا تدفع إلى أحبارهم وتكون موقوفة أبدا، وبالله التوفيق.
: يجد الشاة قد اختلطت بغنمه فلا يجد لها صاحبا
من نوازل سحنون وسئل: عن الرجل يجد الشاة قد اختلطت بغنمه فلا يجد لها
صاحبا، قال: يكون سبيلها سبيل اللقطة يتصدق بها، فإن جاء صاحبها ضمنها له، قيل له: فما يصنع بلبنها؟ قال: يشربه، وهذا خفيف؛ لأنه يرعاها ويتفقدها.
قال محمد بن رشد: قول سحنون هذا إنه يضمنها لربها إن جاء إذا تصدق بها مثل قول مالك في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب، خلاف قوله في رسم الأقضية الثاني منه.
وقوله في لبنها: إنه يشربه؛ لأنه يرعاها ويتفقدها - يبين قول مالك في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، وقد مضى تحصيل القول في ذلك كله في الموضعين، وبالله التوفيق.
: اللقطة يجدها الرجل فيستنفقها بعد السنة
من سماع عبد الملك بن الحسن من ابن وهب قال عبد الملك: سألت ابن وهب: عن اللقطة يجدها الرجل فيستنفقها بعد السنة فيقوم عليه الغرماء ولم يأت صاحبها، أترى أن يحاص بها الغرماء، فقال: نعم أرى للسلطان أن يحاص بها الغرماء، وسألت أشهب، فقال لي مثله إلا أنه لم يذكر السلطان.
قال محمد بن رشد: ليس سكوت أشهب عن ذكر السلطان في هذا بمخالف لقول ابن وهب؛ لأن السلطان هو الناظر في هذا لصاحب اللقطة لكونه في منزلة الغائب؛ إذ لا يعرف، ومعنى ذلك إذا عرف إقراره باستنفاقه اللقطة قبل أن يقوم عليه الغرماء، إذ لا يجوز إقرار المفلس بالدين بعد التفليس لمعين معلوم، فكيف لغائب مجهول، وبالله التوفيق.
: الرجلين يدعيان اللقطة عند الرجل
من نوازل سئل عنها سحنون وسئل أشهب: عن الرجلين يدعيان اللقطة عند الرجل قد
وجدها فيصف أحدهما العفاص والوكاء، ويصف الآخر عدد الدنانير ووزنها، قال: فهي للذي عرف العفاص والوكاء، وكذلك لو عرف العفاص وحده كانت له أيضا بعد الاستبراء، قيل: فلو أن رجلا ادعاها وحده وعرف العفاص؟ قال: فيستبرئ فإن لم يأت أحد أعطيها الذي عرف العفاص، وإنما الحديث الذي جاء: «اعرف العفاص والوكاء» ، فإن جاء طالبها فإنما ذلك مثل الخليطين إذا كان الدلو والراعي والمراح واحدا، فهو إذا جمعا الراعي أو المراح أو الدلو فهما خليطان، فكذلك إذا عرف هذا بعضا ولم يعرف بعضا.
قلت: فلو قال: هي في خرقة حمراء وخيط أبيض فوجدت الخرقة كما قال والخيط أسود؟ قال: فيستبرأ أيضا ثم يرجع بعد ذلك، فقال لي: هذا قد أكذب نفسه إذ ادعى المعرفة بالوكاء والعفاص ثم وجد بعد ذلك على غير ما قال، فلا يصدق، وإنما يصدق إذا أصاب في بعض وادعى الجهالة في بعض فيستبرأ، فإن جاء أحد بأحق مما ادعى وإلا أعطيها، قيل: فوصف العفاص والوكاء وادعى أنها دنانير فوجد العفاص والوكاء كما قال ووجد فيها دراهم؟ قال: لا يعطاها؛ لأنه إنما ادعى دنانير ذهبت منه، لم يدع دراهم، قال لي: وكذلك لو قال خرقة حمراء وخيط أبيض والدنانير هاشمية، فوجدت الخرقة والخيط كما قال، ووجدت الدنانير عتق لم يكن له شيء.
قال محمد بن رشد: قال: إنه إذا ادعى اللقطة رجلان، فوصف أحدهما العفاص والوكاء، ووصف الآخر عدد الدنانير ووزنها، إنها للذي عرف العفاص والوكاء، يريد: مع يمينه، والاختلاف في هذا، وإنما لا اختلاف إذا جاء وحده، فقيل: إنها تدفع إليه بالصفة دون يمين، وهو ظاهر مذهب ابن القاسم في المدونة، والوجه في ذلك أن الصفة في اللقطة التي لا دافع لها
كالبينة القاطعة فيما له من يدفع عنه، وقيل: إنه لا يدفع إليه إلا بيمين.
وقال: إن وصفها رجلان أحلفا، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر فهي لمن حلف منهما، وإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا قسمت بينهما، فقوله: إنه يقسم بينهما إذا نكلا رد لقوله: إنه لا يدفع إليه إذا جاء وحده إلا بيمين، واستحسن أصبغ في أحد قوليه إذا وصف أحدهما العفاص والوكاء ووصف الآخر عدد الدنانير والدراهم، وصفتها أن تقسم بينهما بعد أيمانهما كما لو اجتمعا جميعا على صفة العفاص والوكاء.
والاختيار أن يصف مدعي اللقطة العفاص والوكاء وما اشتملا عليه من عدد الدنانير والدراهم وصفتها، فإن وصف بعضا وجهل بعضا أو غلط فيه ففي ذلك اختلاف وتفصيل: فأما جهله بالعدد فلا يضره إذا عرف العفاص والوكاء، وكذلك غلطه فيه بالزيادة لا يضره لجواز أن يكون قد اغتيل في شيء منها، واخلف في غلطه فيه بالنقصان إذا عرف العفاص والوكاء على قولين، وكذلك واختلف في غلطه فيه بالنقصان إذا عرف العفاص والوكاء وأما إذا غلط في صفة الدنانير فلا أعلم خلافا في أن لا شيء له.
وأما العفاص والوكاء إذا وصف أحدهما وجهل الآخر أو غلط فيه ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا شيء له إلا بمعرفتهما جميعا.
والثاني: أنه يستبري أمره فإن لم يأت أحد بأثبت مما أتى به دفعت له.
والثالث: أنه إن ادعى الجهالة استبرئ أمره، وإن غلط لم يكن له شيء، وهذا أعدل الأقوال، والله أعلم.
ولو جهل العفاص والوكاء جميعا وعرف عدد الدنانير وصفتها ووزنها لتخرج على قول أصبغ الذي قاله على طريق الاستحسان إذا وصف أحد المدعيين العفاص والوكاء، والآخر عدد الدنانير وصفتها ووزنها أن تقسم بينهما
أن تكون له إذا جاء وحده فوصف عدد الدنانير والدراهم وصفتها ووزنها وجهل العفاص والوكاء جميعا، وبالله التوفيق.
مسألة: يلتقط الشاة الضالة بموضع يجوز له أكلها
مسألة قيل لأصبغ: الرجل يلتقط الشاة الضالة بفلاة من الأرض بموضع يجوز له أكلها فيذبحها ثم يأتي بها معه إلى الأحياء، أعليه أن يعرفها؟ قال: ليس عليه أن يعرفها، وأكله لها طيب كان غنيا عنها أو لم يكن وكذلك جلدها.
قلت: فلو اعترفها ربها في يديه قبل أن يأكلها، قال: فهو أولى بها إذا أدركها، قيل: فلو كان ملتقطا استحياها حتى قدم بها الأحياء، أيكون له أن يعرفها؟ قال: هذا مخالف لما ذكرت، وعليه أن يعرفها أو يصرفها إلى أهل قرية يعرفونها ولا حق له فيها ولا يحل له حبسها؛ لأنه إنما جاز أكلها وذبحها بالفلاة أو المنقطع لئلا تتلف إن تركها أكلتها السباع وإن تحملها أضرت به، فلما تحمل من حملها ما لم يكن عليه حتى بلغها الأحياء كانت كما التقطها هنا، تعرف ولا تؤكل.
قال محمد بن رشد: اعترض أبو إسحاق التونسي قول أصبغ هذا إذا قدم بها الأحياء مذبوحة، فقال: الأصوب أن لا يأكل اللحم وأن يبيعه ويوقف ثمنه؛ لأن الإباحة إنما كانت له حيث لا ثمن له، ولو تركه هناك لأكله الذئب وفي الحاضرة قد صار له ثمن، وهو صحيح، وبالله التوفيق.
تم كتاب اللقطة بحمد الله تعالى
: كتاب المزارعة
: اشتركا على مزارعة
من سماع عيسى بن دينار
من ابن القاسم من كتاب السلم قال عيسى: وسئل ابن القاسم: عن رجلين اشتركا على مزارعة فاشترى أحدهما نصف البذر قمحا جيدا نقيا، فعرضه على صاحبه فرضيه وأجازه، ثم اشترى الشريك الآخر النصف الآخر قمحا رديئا فزرع منه ثلثه فعرضه على صاحبه فرضيه واستجازه على وجه التجوز والمسامحة، فزرع صاحب النصف الجيد قمحه رقيقا فدادين، وزرع الآخر قمحه الرديء فزرع به فدادين وشيئا، ثم تشاحا؟ قال: يؤدي كل واحد منها إلى صاحبه نصف ثمن زريعته فيستويان.
قال محمد بن رشد: قوله: اشتركا على مزارعة، معناه: اشتركا في الحرث للزراعة، وإرادته أنهما اشتركا على أن يجعل كل واحد منهما زوجه ويده ونصف البذر، والأرض لهما أو بأيديهما اكتراء أو مزارعة أو منحة؛ بدليل قوله: فزرع صاحب النصف الجيد قمحه فزرع منه كذا وكذا، وزرع الآخر قمحه الرديء فزرع منه كذا وكذا، والشركة على هذا إنما تصح إذا كان يحتاجان فيها إلى التعاون في إقران البقر للحرث وحلها والقيام عليها في سقيها وعلفها وما أشبه ذلك.
ويختلف في هذه الشركة، هل تلزم بالعقد أم لا؟ على اختلافهم في
المزارعة، فجاء جوابه في هذه المسألة على القول بأنها لا تلزم بالعقد، وهي رواية أصبغ عنه في سماعه بعد هذا؛ لأنه أفسد الشركة بينهما مسامحة أحدها الآخر بعد العقد فيما أخرج من القمح الذي لا يعدل قمحه في الطيب، مع ما بينهما من التفاوت الكثير الذي لا يجوز أن يسمح في مثله في الشركة التي لا تلزم بالعقد، وذلك معارض لقوله في رسم الجواب بعد هذا على ما سنذكره ونبين وجهه إن شاء الله، وأما على القول بأنها تلزم بالعقد فيجوز أن يسمح أحدهما للآخر بعد العقد بالقليل والكثير قولا واحدا.
فقوله على القول بفساد الشركة بمسامحة أحدهما الآخر بعد العقد إذ لم يرها لازمة بالعقد: إنه يؤدي كل واحد منهما إلى صاحبه نصف ثمن زريعته فيستويان - صحيح على القول بأن الزرع في المزارعة الفاسدة بينهما على ما اشتركا عليه ويتعادلان فيما أخرجاه فمن كان له منهما فضل على صاحبه رجع به عليه، وهو قول ابن حبيب في الواضحة إذا سلما من كراء الأرض بما يخرج منها، وهو الذي يأتي أيضا على القول بأن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب العمل، إذ قد عملا جميعا، وعلى القول أيضا بأنه من اجتمع له شيئان من ثلاثة أصول: وهي العمل والأرض والبذر، وعلى القول أيضا أنه لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أصول: وهي الأرض والبذر والبقر؛ إذ قد اجتمع لكل واحد منهما البذر والبقر، وعلى القول أيضا بأنه لمن اجتمع له منهما شيئان من أربعة أصول: وهي الأرض والعمل والبقر والبذر إذ قد اجتمع لكل واحد منهما ثلاثة أشياء.
وأما على القول بأن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر فيجب أن يكون لكل واحد منهما ما أنبت قمحه، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي، فقال: إن كان بينهما تفاوت لا يجوز أن يسمح به في الشركة، فكان يجب أن يكون لكل واحد منهما ما أنبت قمحه كشعير وقمح، إلا أن يقدر أن التفويت إذا كان بإذن صاحبه صار كالقبض، فيجب مثل ذلك في القمح والشعير وفي الشركة الفاسدة بالعروض أن يضمن كل واحد منهما نصف قيمة عرض
صاحبه، وهذا الذي قاله أبو إسحاق التونسي صحيح؛ كأن وجه القول في كون الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر هو بقاء يده على بذره مع شريكه فلم يبن بحصته منه بينونة صحيحة، هذا وجه القول في هذه المسألة.
وقد قال ابن دحون فيها: هذه مسألة مشكلة؛ لأنه أبطل ما قد تراضيا به، وإنما ذلك لأنهما لما القمح من السوق وكانا كأنهما إنما اشتركا بالأثمان التي اشتريا بها.
فردها إلى تساوي الأثمان، ألا ترى أنه لو ضاع ما اشترى أحدهما قبل شراء الآخر كان عليهما إذا اشتراه للزراعة وللشركة التي عقدا حول ذلك على أنهما إنما اشتركا بأثمان ما اشتريا، فردهما إلى التساوي، ولو كان ثمن القمح الرديء مثل القمح الجيد لم يتراجعا إذا تراضيا، ولو كان ثمن الرديء أكثر من ثمن الطيب لرجع على صاحب الطيب بما فضله إذا تراضيا أولا، ولو كان القمح أخرجه كل واحد منهما من داره ولم يشتره وتراضيا بجيده ورديئه لم يكن لأحدهما رجوع في ذلك، وإنما جاز له الرجوع لما اشتريا من السوق فصار إنما اشتركا بالأثمان فيها وتراجعا.
هذا نص قول ابن دحون، وهو كلام مختل الوجه له؛ لأن لفظ الشركة تقتضي التكافؤ فيما يخرجه كل واحد منهما عوضا عما يخرجه صاحبه، فإذا رضي أحدهما بعد عقد الشركة بأن يخرج صاحبه أدنى من القمح الذي يخرج هو، فقد يفضل بنصف ما زادت قيمة طعامه على طعام صاحبه، وكان ذلك على القول بأن العقد غير لازم بمنزلة ما لو شاركه على ذلك ابتداء، ووجب أن تفسخ الشركة بينهما إلا أن يفوت بالبذر فيكون لكل واحد منهما ما أنبت قمحه على القول بأن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر، ويكون الزرع بينهما على القول الآخر ويتعادلان في قيمة ما أخرج كل واحد منهما من الطعام اشتراه من السوق أو جاء به من داره، واستدلاله على الفرق بين الوجهين بما ذكره من الضمان لا يصح، إذ لا فرق بينهما في الضمان أيضا وإن تلف بعد أن عرضه على صاحبه فرضيه وأجازه لكانت مصيبته منهما على قياس القول بأن الزرع بينهما ومن صاحبه الذي جاء
له من عنده على قياس القول بأن له ما أنبت دون شريكه، ولا فرق في ذلك كله بين أن يشتريه من السوق أو يأتي به من داره، وبالله التوفيق.
: القول قول مدعي الصحة
ومن كتاب شهد على شهادة ميت وسئل: عن الرجل يعطي أرضه وبقره رجلا وزريعته يعمل بها على أن يخرج عند دفع الزرع ما أعطاه من زريعته ثم يقتسمان ما بقي على النصف، ثم يزعم الذي أمسك الزوج أن له نصف الزريعة، وهو مقر لصاحبه بأرضه وبقره ونصف الزريعة، وأنكر الآخر أن يكون له شيء إلا عمله بيده، فالقول قول من تراه؟ قال ابن كنانة: القول قول من زرع الأرض، والزريعة بينهما شطران، وهو الزارع الذي رُئِيَ يزرع الأرض.
قال ابن القاسم مثله، وهو من ناحية قول مالك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال على مذهب مالك؛ لأن رب الأرض يدعى على الزارع أنه أسلف نصف الزريعة، وأنه شاركه على ذلك بشرط، وذلك يوجب فساد الشركة، فوجب أن يكون القول للزارع الذي ينكر السلف ويدعي صحة الشركة على أصولهم في أن القول قول مدعي الصحة، وبالله التوفيق.
: الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر
ومن كتاب الجواب وسألته: عن رجلين اشتركا على الزرع، فجعل أحدهما زوجا والآخر يمسك الزوج ويحرث به، وجعل صاحب الزوج الزريعة كلها على أن يرد عليه الشريك نصف الزريعة أو ثمنها؟ قال ابن
القاسم: هذه شركة فاسدة، لأنها شركة وسلف، قبل كل شيء فالزرع بينهما نصفين على قدر شركتهما، ويرد على صاحب الزريعة نصف زريعته، وينظر إلى قدر قيمة عمل الزوج البقر، وإلى قدر قيام الآخر عليه وإمساكه إياه وحرثه به، فأيهما كان له الفضل منهما رجع على صاحبه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنها شركة أبدان، فلما فسدت باشتراط السلف فيها وجب أن يكون الزرع بينهما على مذهب ابن القاسم، ويتعادلان فيما أخرجاه، فمن كان منهما له فضل على صاحبه رجع به عليه، وسحنون يقول: إن الزرع لصاحب السلف على أصله في أن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر وبالله التوفيق.
مسألة: المزارعة تفسد باشتراط السلف فيها
مسألة وسألته عن رجلين اشتركا في الحرث على النصف أو على الثلث لأحدهما الأرض والآخر يعمل بيديه وزوجه، فقال أحدهما لصاحبه: اجعل الزريعة كلها وعلى نصفها أو ثلثها أردها عليك، فعملا جميعا على ذلك فصلح الزرع أو هلك، وكيف إن قال له: أسلفني بعدما عقد الشركة؟ قال ابن القاسم: الشركة فاسدة للسلف الذي أسلفه من الزريعة إذا كانا على ذلك اشتركا، فإن وقع هذا فالزرع بينهما على قدر ما اشتركا من النصف أو الثلثين أو الثلث، والمصيبة بينهما على قدر ذلك إن هلك الزرع أو لم ينبت، ويرجع مسلف الزريعة على صاحبه ما أسلفه متى شاء، وينظر إلى قيمة كراء الأرض وإلى قيمة عمل الآخر ببدنه وزوجه فأيهما كان له فضل منهما رجع به دراهم أو دنانير، وليس في الزرع.
وإن كانت الشركة على غير سلف ثم سأله أن يسلفه الزريعة ففعل فليس بذلك بأس، والشركة حلال جائزة، إذا كان قيمة العمل مكافئة لقيمة كراء الأرض على ما فسرت لك، فإن كان في ذلك فضل رجع من كان له الفضل بالفضل على صاحبه على نحو ما أخبرتك، ورواها أصبغ.
قال محمد بن رشد: القول في هذه المسألة كالقول في المسألة التي فوقها؛ لأن المزارعة تفسد باشتراط السلف فيها كما تفسد الشركة بذلك، وإذا فسدت بذلك وجب في مذهب ابن القاسم أن يكون الزرع بينهما على ما اشترطاه من الأجزاء، ويتعادلان فيما أخرجاه، فمن كان له منهما فضل على صاحبه رجع به عليه، وببطل الأجل في السلف لفساده إن كان له أجل، وسحنون يبطل السلف لبقاء يد السلف عليه، ويجعل الزرع كله للعامل الذي جعل البذر، ويكون عليه لصاحب الأرض كراء المثل فيها على أصله في أن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر في قول ابن القاسم في الرواية.
وإن كانت الشركة على غير سلف ثم سأله أن يسلفه الزريعة ففعل فليس بذلك بأس نظر على أصله في أن المزارعة لا تلزم بالعقد، لأن القياس على القول بأنها لا تلزم بالعقد ألا يجوز السلف بعد العقد كما لا يجوز في العقد، فهذا من قوله معارض لقوله في أول مسألة من السماع، وقد قال بعض أهل النظر: إن هذا من قوله يدل على أن المزارعة تلزم بالعقد خلاف رواية أصبغ، إذ لو لم يلزم بالعقد عنده لما جاز السلف قبل العقد ولا بعده ما لم يعمل، كما لا يجوز ذلك في القراض، ولا دليل من قوله في هذه الرواية على ذلك، إذ قد ذكر فيها ما يدل على أنها لا تلزم بالعقد، وهو قوله فليس بذلك بأس، والشركة حلال جائزة إذا كان قيمة العمل مكافئة لقيمة كراء الأرض، لأن من يرى المزارعة لأزمة بالعقد يجيز التفاضل فيها، فلا يشترط في جوازها
التكافؤ فيما يخرجان، وإنما لم تفسد المزارعة إذا كان السلف بعد العقد، وإن كانت عنده غير لازمة بالعقد مراعاة لقول من يراها لازمة بالعقد ولعلهما ظنا أنها لازمة بالعقد فبعدت التهمة عنده عليهما، ولو علما أنها لا تلزم بالعقد ولا يحكم بلزومها على من أبى التزامها منهما لاتفقا أن تفسد المزارعة بينهما بالطواعية بالسلف بعد العقد، فهذا يوجبه قوله في هذه الرواية وبالله التوفيق.
: كراء الأرض بالثلث والربع
ومن سماع سحنون قال سحنون: قال ابن القاسم: قال مالك: من دفع أرضه إلى رجل يزرعها على أن ما أخرج إليه فيها من الزرع بين الزارع وبين صاحب الأرض فإن الزرع كله للذي زرعه، ويغرم الزارع لصاحب الأرض كراء أرضه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال لأنه كراء الأرض بالجزء مما يخرج منها، ولا اختلاف في المذهب في أن ذلك لا يجوز لنهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن المحاقلة والمخابرة.
والمزارعة إذ تأولوا أن المراد بذلك كراء الأرض بالجزء مما يخرج منها، وقد جاء النهي عن ذلك نصًّا: روى عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال:
«من كانت له أرض ليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث ولا بربع ولا طعام» .
وأجاز ذلك جماعة من أهل العلم منهم الليث بن سعد، وحجتهم في ذلك إعطاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يهود خيبر الأرض والنخل على شطر ما يخرج من ذلك وتأولوا في المحاقلة أنها اشتراء الأرض بالحنطة، والصحيح ما ذهب إليه مالك، لأن النص قد جاء بالنهي عن كراء الأرض بالثلث والربع.
وحديث المسافات يمكن تأويله على ما تأوله إليه مالك من أن الأرض كانت يسيرة بين أضعاف السواد، وقد اختلف أهل العلم في جواز كراء الأرض وفيما يجوز أن تكرى به اختلافا كثيرا لتعارض ظواهر الآثار الواردة في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يتحصل فيها ثمانية أقوال قد ذكرتها في غير هذا الكتاب وبالله التوفيق.
مسألة: دفع حبا إلى رجل يزرعه في أرضه على أن الزرع بينهما
مسألة وقال ابن القاسم قال مالك: من دفع حبا إلى رجل يزرعه في أرضه على أن الزرع بينهما فإن الزرع كله لصاحب الأرض ويعطي صاحب الأرض صاحبَ الحب مكيلة حبه، قال سحنون: لا يعجبني هذا، وأرى الزرع كله لصاحب الحب ويعطي الزارع أجرته وأجرة بقره وكراء أرضه.
قال محمد بن رشد: الفساد في هذه المزارعة بين لأنه يدخلها كراء الأرض بما يخرج منها من الطعام، فلا اختلاف في المذهب في وجوب فسخها وإبطال الجزء بينهما، وإنما الاختلاف في الزرع لمن يكون على هذين القولين؟ لا ثالث لهما وبالله التوفيق.
مسألة: الوكيل إذا أقر بما ادعي عليه شريكه
مسألة وسئل ابن القاسم عن الأرض تكون بين الرجلين فيقول أحدهما لصاحبه: خذ هذه الدنانير فاشتر بها ما يصير علي من الزريعة فيأخذ ويزرع ثم يقول الموكل على الشراء: ما اشتريت وإنما أخرجت ذلك من عندي.
قال: فللموكل أن يكذبه ويكون الزرع بينهما، لأنه يتهم أن يكون يدعي عليه سلفا من طعام وقد أمر بالشراء قال: ولو كان الذي أمره باشترائه صدقه أنه لم يشتر؟ قال: فهو بالخيار إن شاء أعطاه المكيلة وكان شريكه في الزرع، وإن شاء أخذ دنانيره ولم يكن له في الزرع شيء.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إن الوكيل إذا أقر بما ادعي عليه شريكه من أنه دفع إليه دنانيره ليشتري بها ما يصير عليه من الزريعة ويزرع، ثم ادعى أنه زرع من عنده ولم يشتر لشريكه شيئا لا يصدق في ذلك لأنه يدعي سلفا من الطعام على شريكه.
وقوله: "فللموكل أن يكذبه" معناه: لا يلزمه أن يصدقه لأن له أن يكذبه وإن علم أنه صادق، وإنما معناه أن القول قوله فيما يدعى من كذبه أو الجهل بصدقه، فإن حقق الدعوى عليه بأنه كاذب حلف على ذلك، وكان له نصف الزرع ولم يكن للوكيل عليه ما ادعاه من الطعام، وكذلك إن لم يحقق الدعوى عليه بذلك، غير أنه يحلف أنه لا يعلم ما يقول الوكيل من أنه زرع من عنده
ولم يشتر شيئا، فإن نكل عن اليمين حلف الوكيل ورد إليه دنانيره وأخذ منه الطعام الذي زعم أنه زرعه له من عنده.
وأما إن صدقه الموكل أنه لم يشتر شيئا فقال في الرواية إنه بالخيار إن شاء أعطاه الكيل، وكان شريكه في الزرع، وإن شاء أخذ دنانيره ولم يكن له في الزرع شيء، وذلك كلام وقع على غير تحصيل، لأنه إنما يخير بين أن يترك الزرع وبين أن يأخذه ويؤدي الطعام، وأما الدنانير فيأخذها على كل حال إذ قد صدقه أنه لم يشتر له بها شيئا، وفي تخيره في ذلك اختلاف، قد قال ابن القاسم في سماع أصبغ بعد هذا في نظير هذه المسألة إنه لا ينبغي أن يكون صاحب البذر مخيرا بين أن يعطي بذرا ويأخذ زرعا، وبين أن يسلم الزرع، وكذلك قال يحيى بن عمر إنه إن صدقه أنه لم يشتر أو قامت بذلك بينة وزرع من عنده فالزرع لباذره، ولا يجوز للآخر الرضي بأخذ نصفه ويؤدي الزريعة، وهذا حرام، وليأخذ دنانيره وما يجب له من كراء الأرض وبقر وعبيد، وكذلك قال ابن القاسم في كتاب ابن سحنون إنه إن صدقه وقد تم الزرع يريد بالبذر، فهو لمن زرعه وللآخر كراء أرضه بعد أن حكي عن ابن القاسم مثل ما قاله في العتيبة في هذه الرواية، وإنما يكون مخيرا في ذلك على القول بأنه مخير فيه، إذا قال الوكيل إنما زرعت له ولنفسي على أن يكون لي نصف البذر عليه سلفا، وأما إن قال زرعت لنفسي خاصة فالزرع له وعليه كراء نصف الأرض ونصف البقر ونصف العبيد إن كان ذلك كله بينهما، ولا تخيير في ذلك للشريك بحال عند أحد، ولو علمنا صدق قول الوكيل فيما ادعاه من أنه زرع لنفسه أو للشريك لم يكن له في ذلك خيار، وإنما الخلاف إذا لم يعلم صدقه من كذبه، فهو يخشى إن صدقه أن يكون كاذبا، وإن كذبه أن يكون صادقا، فيدخل ذلك في كل وجه بيع الزرع بطعام، لأنه إن كان زرع لنفسه فالزرع له لا يجوز أن يأخذ فيه طعاما من الشريك، وإن كان زرع للشريك لا يجوز أن يسلمه إليه بما له عليه من الطعام، ولهذا المعنى قال القائل في
سماع أصبغ بعد هذا أنه ينتظر بالزرع حتى يحصد ويدرس فيستوفي الوكيل منه بذره، ويكون ما بقي لصاحب الأرض لأنه زرعه له وباسمه، هذا وجه القول في هذه المسألة فيما يجب الحكم والقضاء به.
وأما الاستفتاء فسبيله أن يقال فيه للشريك أنت تعلم إن كنت توقن أنه قد صدقك في قوله إنه زرع لك من عنده فادفع إليه الطعام وخذ زرعك، وإن كنت توقن أنه قد كذبك في قوله وأنه إنما زرع لنفسه فلا يجوز لك أن تدفع إليه الطعام وتأخذ الزرع، وإن كان لا يقين عندك في واحد من الوجهين فوجه الخلاص ما قاله القائل في سماع أصبغ من أن يحصد الزرع ويدرس فيستوفي منه الوكيل بذوره ويكون ما بقي لك لأنه زرعه لك على ما أقر به وبالله التوفيق.
ا
مسألة: اكترياها ليزرعاها بينهما فغاب أحدهما فزرع الآخر نصفها وطاب
مسألة قال: وقال ابن القاسم في الأرض تكون بين الرجلين يحرثانها جميعا أيام البذر فيغيب أحد الشريكين فيقوم أحدهما فيبذرها، قال: إن جاء صاحبه قبل أن يفوت الزرع رأيت أن يبذر نصيبه من الأرض يزرعها، ولا يجوز له أن يأخذ فيها طعاما ولا ذهبا ولا أرضا يحرثها ولا متوبة إذا لم يفت البذر، فإذا فات كان على الذي بذرها أن يعطيه كراء عمله الذي كان عمل إذا فات.
قال محمد بن رشد: لم يبين في هذه الرواية إن كان الشريك زرع الأرض في مغيب شريكه لنفسه أو بينهما، والمعنى فيها أنه زرعها لنفسه، ولذلك قال إن من حق الشريك الغائب إن كافا إبان الزرع لم يفت أن يأخذ نصيبه في الأرض فيزرعها لنفسه يريد بعد أن تقسم إذا كانت مشاعة بينهما، ومثله في كتاب ابن المواز، قال ولو اكترياها ليزرعاها بينهما فغاب أحدهما فزرع الآخر نصفها وطاب فهو له خاصة، وعليهما كراء ما تعطل منها.
قال
أصبغ وعلى الزارع نصف قيمة كراء المزروع منها إن كان ذلك أكثر من الثمن، وما تعطل فهو عليهما وكراؤها كلها عليهما، قال ابن المواز: وهذا قول ابن القاسم، وقول ابن القاسم في هذه الرواية إن للشريك الغائب أن يأخذ حظه من الأرض فيزرعها إن كان لم يفت إبان الزرع هو مثل قول ابن القاسم في أول سماعه من كتاب الاستحقاق إنه يكون له فيما بنى في أرض شريكه قيمة بنائه منقوضا إن صار في حظ شريكه، خلاف قوله في سماع أبي زيد بعد هذا، وفي رسم إن أمكنتني من سماع عيسى من كتاب الشركة إن الزرع للذي زرعه وعليه نصف كراء الأرض لشريكه يريد وإن كان إبان الحرث لم يفت فمرة رأى ابن القاسم الشركة بينهما في الأرض مبهمة توجب أن يكون الزرع لزارعه وإن لم يفت إبان البذر، ومرة لم يرَ ذلك بشبهة، ورأى من حق الشريك أن يأخذ نصيبه من الأرض يزرعها إذا لم يكن للذي بذره فيه منفعة إن قلعه، وإن كانت له فيه منفعة كان من حقه أن يقلعه إلا أن يشاء الشريك المتعدى عليه أن يأخذه بقيمته مقلوعا، فيكون ذلك له، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في أول سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق، وفي رسم إن أمكنتني من سماع عيسى من كتاب الشركة.
ولو زرع الأرض بينهما لنفسه وللغائب، لكان الغائب مخيرا بين أن يسلم له الزرع وبين أن يأخذ حظه منه ويعطيه البذر على ما قال في المسألة التي قبل هذه، وقد مضى القول على ذلك فلا معنى لإعادته.
: تزارعا في أرض أحدهما فكان الزوج لأحدهما والأرض للآخر
من سماع عبد الملك بن الحسن قال عبد الملك: سألت ابن وهب عن رجلين تزارعا في أرض أحدهما، فكان الزوج لأحدهما والأرض للآخر، فاخرجا زريعة بينهما، فلما فرغ الذي كان ولي الازدراع من الحرث قال لشريكه