كتاب بيع الخيار
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يشتري منه ثوبا ثم يشتري من رجل آخر ثوبا ثم يشترط عليهما
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم من سماع ابن القاسم من كتاب
الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قال في الرجل يشتري من الرجل ثوبا، ثم يشتري من رجل آخر ثوبا، ثم يشترط عليهما أن ينظر منهما فينقلب بثوبيهما فيخلطهما، فلا يعرف ثوب هذا من ثوب هذا، وينكر أحدهما أو كلاهما، قال: أرى أن يلزماه بالثمن إلا أن يعرف ثوب كل واحد منهما بعينه، فيحلف ويرده، أو يعرفه غيره.
قال محمد بن رشد: قوله: وينكر أحدهما؛ معناه أن يقول أحدهما: ليس ثوبي واحدا من هذين الثوبين، ويدعي الآخر أحدهما، وقوله: أو كلاهما؛ معناه أن يقول كل واحد منهما: ليس ثوبي واحدا من هذين الثوبين اللذين جئت بهما.
فأما إذا أنكر كل واحد منهما أن يكون له واحد من هذين الثوبين، فعليه أجاب بقوله: أرى أن يلزماه بالثمن، يريد بعد أن يحلف كل واحد منهما أن ثوبه ليس واحدا من هذين الثوبين، فإن حلفا أخذ
الثوبين وأدى إلى كل واحد منهما الثمن الذي أخذ به ثوبه، وإن نكلا عن اليمين حلف هو أن الثوبين هما اللذان أخذ منها إلا أنه لا يعرف أيهما لهذا، ولا أيهما لهذا، وبرئ لهما من الثوبين، فكانا فيهما شريكين بقدر أثمان ثيابهما، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر عن اليمين، دفع إلى الذي حلف الثمن الذي أخذ به ثوبه، وحلف أن هذين الثوبين هما اللذان أخذ منهما، وقيل للذي نكل عن اليمين: ليس لك إلا أن تأخذ أيهما شئت.
وأما إذا أنكر أحدهما أن يكون ثوبه واحدا من هذين الثوبين، وادعى الآخر أحدهما، فلم يجب في الرواية على ذلك، والجواب في ذلك أن يغرم للذي أنكر الثمن الذي أخذ به ثوبه، ويأخذ الذي ادعى أحد الثوبين الثوب الذي ادعاه، ولا يمين على واحد منهم.
هذا تمام جواب ما وقع عنه في المسألة، وسيأتي في رسم يشتري الدور والمزارع، من سماع يحيى إذا تداعيا جميعا في أحدهما، وأما إن قال كل واحد منهما: لا أدري أيهما ثوبي؛ لأنك خلطتهما، فيحلف كل واحد منهما أنه ما يدري أيهما ثوبه، ويأخذ منه الثمن الذي دفع إليه به ثوبه، وأما إن قال أحدهما: هذا ثوبي لأحدهما، وقال الآخر: لا أدري أيهما ثوبي، أخذ الذي عرف ثوبه ثوبه، وحلف الآخر أنه لا يدري أيهما ثوبه، وأخذ منه الثمن الذي دفعه به إليه، وبالله التوفيق.
يأتي البزاز في ابتياع ثوب بدينار
من سماع عيسى بن دينار من كتاب العرية قال عيسى: وسألته عن الذي يأتي البزاز في ابتياع ثوب بدينار، فيخرج إليه ثيابا، فيأخذ ثوبين؛ كلاهما بدينار دينار، فيقول البزاز: اذهب بهما وقد وجب عليك أحدهما، فيذهب بهما فيضيع الثوب الواحد، ويزعم أنه قد كان اختار هذا الباقي ورضيه، أو قال: لم أكن اخترت شيئا.
قال: إن قال: قد كنت اخترت هذا الباقي ورضيته، أحلف بالله على ما قال، وسقط عنه ضمان الذاهب؛
لأنه كان أمينا.
وإن قال: لم أكن اخترت شيئا؛ فإنه يتهم ولا يقبل قوله، فأرى أن يغرم نصف الثوب الذاهب؛ لأنه لو ذهب الثوبان جميعا، وادعى أنه لم يختر؛ لم يصدق، وكان ضامنا لنصف كل ثوب؛ لأنه كان أمينا في نصف كل ثوب؛ فكل من اشترى على أن يستشير، أو على أنه بالخيار، فغاب عليه، فذهب فهو ضامن، قلت: فلو كان أخذ ثوبين بيعا حراما أحدهما بدينار، والآخر بدينارين، قد وجب عليه أحدهما، فضاع أحد الثوبين، قال: العمل فيهما أيضا كذلك؛ لأن كل من اشترى بيعا حراما فهو ضامن له حتى يرده، إنما يضمن في ذلك أيضا واحدا.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم فيمن أخذ ثوبين على أن يختار أحدهما، قد وجب عليه بثمن سماه، ويرد الآخر أنه ضامن لأحدهما بالثمن الذي سماه إن تلفا جميعا قبل أن يختار أحدهما، وضامن لنصف التالف منهما إن تلف أحدهما قبل أن يختار أيضا، وسواء قامت بينة على ما تلف، أو لم تقم هو مصدق في ذلك؛ لأنه أخذ واحدا منهما على الشراء، والآخر على الأمانة، إلا أن يقر على نفسه أنه كان اختار الذي تلف، وإن أشهد أنه قد اختار أحدهما ثم تلف الآخر بعد ذلك، فلا ضمان عليه فيه.
وقول ابن القاسم في هذه الرواية: إنه مصدق مع يمينه؛ على أنه قد كان اختار هذا الثاني قبل تلف الآخر، هو مثل قوله وروايته عن مالك في الرجل يملك امرأته أمرها؛ فتقول: قضيت فيما ملكتني، ويناكرها ذلك: إن القول قولها خلاف قول أشهب، وقد ذكر في المدونة أنها نزلت فاختلف فيها أهل المدينة، ومن هذا المعنى هو تصديق المأمور فيما أمره به الآمر من إخلاء ذمته، أو تعمير ذمة الآمر، فذهب أشهب إلى أن المأمور لا يصدق في ذلك، وجوابه في مسألة المرأة تدعي أنها قضت فيما ملكت فيه على أصله.
واختلف قول ابن القاسم في ذلك، فجوابه في مسألة المرأة المملكة؛ تدعي
القضاء، وفي هذه المسألة على أحد قوليه في هذا الأصل، من ذلك قوله في كتاب السلم الثاني، من المدونة، فيمن له على رجل طعام من سلم، فقال له: كله واجعله في غرائرك، أو في ناحية من بيتك، فقال: قد فعلت وضاع: إنه لا يصدق على أنه قد كاله، حتى يقيم البينة على ذلك؛ وقال فيمن كان له على رجل دين فقال: ابتع لي به حيوانا أو سلعة فقال: قد فعلت وتلف ذلك: إنه مصدق في ذلك، وذلك مثل قوله في مسألة اللؤلؤ، من كتاب الوكالات من المدونة، ومثل قوله في مسألة الرسول، من كتاب الرواحل والدواب، ومثل قوله في مسألة البنيان، من آخر كتاب الدور خلاف قول أشهب فيهما.
وأما قوله: وإن قال: لم أكن اخترت شيئا، فإنه يتهم ولا يقبل قوله، فأرى أن يغرم نصف الثوب الذاهب؛ لأنه لو ذهب الثوبان جميعا وادعى أنه لم يختر لم يصدق، وكان ضامنا لنصف ثوب كل واحد منهما؛ لأنه كان أمينا في نصف كل ثوب، فإنه وهم منه؛ لأنه إنما يضمن الواحد إذا تلفا جميعا، ونصف التالف إن تلف أحدهما على مذهبه، من أجل أنه أخذ الثوب الواحد على الشراء والضمان، والآخر على الأمانة؛ فلا معنى للتهمة في هذا الموضع عنده، وإنما ذهب وهمه إلى مسألة الذي يشتري الثوب من الثوبين، على أن يختار أحدهما، وهو فيه بالخيار يردهما جميعا إن شاء، فهاهنا يضمن بالتهمة، ولا يصدق أن التلف كان بعد أن لم يختر واحدا منهما، وكان على صرفهما، ولو كان الضمان ساقطا عنه فيما تلف قبل أن يختار؛ لوجب أن يصدق في ذلك، وسقط عنه الضمان على قياس قوله في أنه يصدق إذا ادعى أنه قد كان اختار هذا الباقي، فهذا ما لا إشكال فيه.
وسحنون يذهب إلى أن ما تلف في هذه المسألة قبل الاختيار، وقامت على تلفه بينة، فالمصيبة فيه من البائع، بمنزلة الثوب المشترى بالخيار يضيع في أيام الخيار؛ لأنه جعل ذلك، وإن كان قد وجب على المبتاع أحدهما بمنزلة من اشترى شيئا على الكيل، فتلف قبل الكيل، يقوم ذلك من قوله في المدونة؛
ومعناه إن تلف الدينار لم يعلم إلا بقوله في مسألة الذي أخذ ثلاثة دنانير ليقتضي واحدا منها، ويرد الاثنين، فتلف أحدهما: إنهما شريكان، وسواء - على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك - علم تلف الدينار ببينة قامت على التلف، أو لم يعلم ذلك إلا بقوله، وبالله التوفيق.
باع سلعة وادعى البائع أو المبتاع فيها الخيار
ومن كتاب جاع فباع امرأته وسألته عن رجل باع سلعة، وادعى البائع أو المبتاع فيها الخيار، قال: يلزمهما البيع، وقولهما باطل، وقال أصبغ عن ابن القاسم مثله.
قال محمد بن رشد: هكذا وقع في هذه الرواية، وادعى البائع أو المبتاع، وسقط الألف في أصل السماع، وكذلك هي ساقطة في سماع أصبغ، وفي سماع أبي زيد، وثبوتها وهم؛ إذ لا يأتي على ثبوتها الجواب، وذيل أصبغ في سماعه بعد هذا روايته هذه، عن ابن القاسم بكلام فيه إشكال، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في ذلك الموضع إن شاء الله، وبالله التوفيق.
يأخذ الثوبين من الرجلين ثوب أحدهما بعشرة والآخر بخمسة على أنه فيهما بالخيار
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب يشتري الدور للتجارة قال: وسئل ابن القاسم عن الرجل يأخذ الثوبين من الرجلين؛ ثوب أحدهما بعشرة، والآخر بخمسة، على أنه فيهما
بالخيار، فردهما وقد خلطهما، فتداعيا في الأجود، فقال: إن نص لكل واحد منهما ثوبه حلف وبرئ إليه منه، وإن قال: لا أدري أيهما لهذا، ولا أيهما لهذا، غير أن هذا لأحدهما، إنما أخذت ثوب هذا بعشرة، وثوب الآخر بخمسة، نصهما نصا، ولست أدري أي الثوبين ثوب هذا من ثوب هذا، فإنه يقال له: قد ضمنتهما جميعا بخمسة عشر دينارا، فإن شئت فادفع إلى أحدهما أيهما شئت الثوب الرفيع، وأعط الآخر ثمن الثوب الذي أقررت به، فإن أعطى الثوب الرفيع الذي كان يزعم أنه أخذ منه ثوبه بعشرة، دفع إلى الآخر خمسة دنانير وبرئ، فإن أعطى الثوب الرفيع الذي أخذ ثوبه بخمسة احتياطا على نفسه، وخوفا من أن يكون ثوبه، غرم لصاحب الثوب الآخر العشرة التي أقر أنه أخذ ثوبه بها.
قال: وإن قال: لا أدري أيهما ثوب هذا، ولا ثوب هذا، ولا أدري أيهما أخذت ثوبه بخمسة، قيل له: اغرم إلى كل واحد منهما عشرة، وشأنك بثوبيك؛ لأنك قد أقررت أنك قد أخذت من أحدهما ثوبا بعشرة، فلما ادعياه جميعا، ولم تنص لأحد منهما ثوبه، فتبرأ بذلك من ضمانه باليمين، ولا أنت نصصت كل واحد منهما في دعواهما حتى يجعل صاحب الخمسة أحدهما، فتبرأ مما ادعى عليك من الفضل مع يمينك، فكلا دعواهما في عشرة عشرةٍ، وأنت غير مكذب لهما؛ إذ لا تنص أيهما ادعى أكثر من حقه فتحلف وتبرأ.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه إذا نص لكل واحد منهما ثوبه، يحلف ويبرأ إليه منه صحيح؛ لأنه مؤتمن لكل واحد منهما، فالقول
قوله فيما يقر أنه قبض منه، فإن نكل عن اليمين حلف كل واحد منهما، وأخذ منه ما دفع إليه به ثوبه، وأما إذا تداعيا في الأجود، ولم يعلم المشتري لمن هو منهما، وعلم بما دفع إليه كل واحد منهما ثوبه، فقال: إنه يضمن الثوبين بالثمنين، ويكون له أن يعطي الثوب الأجود لمن شاء منهما، ويعطي الآخر ما أقر أنه دفع إليه به ثوبه بعد يمينه، وإن نكل عن يمينه حلف الآخر وأخذ منه عشرة.
وقال: إنه إذا لم يعلم لمن هو منهما، ولا علم ثوب من كان منهما أكثر ثمنا من ثوب الآخر؛ أنه يضمنهما جميعا، ويعطي لكل واحد منهما أكثر الثمنين، ولم يقل: إن له أن يعطي الثوب الأجود لمن شاء منهما، كما قال في المسألة الأولى، ولا فرق بين المسألتين.
له أيضا إن شاء أن يعطي الثوب الجيد لمن شاء منهما، ويعطي الآخر الأكثر من الثمنين، ولا حجة لواحد منهما في ذلك عليه؛ لأن كل واحد منهما يدعي أن الثوب الجيد ثوبه، فإذا أعطاه إياه لزمه، وإن أعطى الآخر أكثر الثمنين لزمه أيضا، ولم يكن له كلام.
ولابن كنانة في المدنية أنهما إذا تداعيا في أحدهما، وجهل لمن هو منهما، يحلفان جميعا على الثوب الذي تداعيا فيه، ويقتسمانه فيما بينهما، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر؛ كان الثوب لمن حلف منهما، وقد برياه من الثوب الآخر، فليذهب به حتى يطلب على وجهه.
وسحنون في نوازله من كتاب القراض، في الذي يأخذ من الرجلين مالا قراضا، ويشتري بمال كل واحد منهما سلعة في إحداهما ربح، وفي الثانية وضيعة، فتداعى صاحبا المال في السلعة التي فيها الربح، وجهل هو بمال من اشتراها منهما، أنه لا ضمان عليه لهما، وتكون السلعة التي تداعيا فيها بينهما بعد أيمانهما، وذلك نحو قول ابن كنانة، وقول ابن القاسم في سماع أبي زيد، من الكتاب المذكور: إنهما إن شاءا أن يضمّناه أموالهما، ويتركا له السلعتين؛ فعلا، وإن شاءا أن يأخذا السلعتين جميعا، ويعطي كل
واحد منهما رأس ماله، ويعطي المقارض ربحه، وهذا على أصله في هذه المسألة، وسنتكلم على مسألتي القراض المذكور في موضعهما إن أعاننا الله على الوصول إليهما برحمته وفسحته في الأجل، وهو الموفق.
يشتري الغنم وفيها شاة بها علة فيقول المشتري أنا بالخيار في هذه العليلة عشرة أيام
ومن كتاب المكاتب قال يحيى: وسئل ابن القاسم عن الرجل يشتري الغنم، وفيها شاة بها علة، فيقول المشتري: أنا بالخيار في هذه العليلة عشرة أيام، فإن صحت فهي لي، وإن لم تصح رددتها بما يصيبها من الثمن، فقال: هذا بيع غير جائز؛ فقلت له: ولم؟ قال: لأنه لو اشترى شاة واحدة عليلة على أنها له إن صحت إلى عشرة أيام، وإن لم تصح ردها لكان بيعا مفسوخا غير جائز.
قيل له: فإنها غير عليلة، إلا أنه استثنى الخيار في شاة منها أياما، فقال: وهذا أيضا غير جائز.
قلت: ولم كرهت هذا؟ قال: لأنه لو اشترى شاة، إن حبسها تم البيع بجميع الثمن الذي اشتريت به الغنم كلها، وإن ردها بالقيمة، والقيمة لا تعرف حتى تقوم الشاة والغنم، فكأنه لا يدري إن رد الشاة بكم تبقى عليه الغنم الباقية، فهي أحيانا بجميع الثمن، وأحيانا بثمن لا يدري كم هو.
قال محمد بن رشد: قد بين ابن القاسم وجه فساد البيع عنده بما لا مزيد عليه من أن المبتاع لا يدري بكم تبقى عليه الغنم بعد رد الشاة العليلة بما يصيبها من الثمن إن ردت، وبأن الشاة العليلة لا يجوز شراؤها
على أنها إن صحت إلى عشرة أيام لزمه البيع فيها، ولا على أنه فيها بالخيار عشرة أيام، وإن كانت صحيحة، يريد من أجل أن الخيار في الشاة لا يجوز إلى هذا الأمد، وأحسب أن أبا إسحاق التونسي ذهب إلى أنه بيع جائز على القول بأن جمع الرجلين سلعتيهما في البيع جائز؛ لأن جملة الثمن معلوم، وما ينوب كل واحد منهما مجهول، وكذلك هذه المسألة، جملة الثمن فيها معلوم، وما ينوب باقي الغنم إن ردت الشاة مجهول، وليس ذلك عندي بصحيح؛ لأن الفساد فيها من وجهين؛ أحدهما: الجهل بما تبقى به الغنم عليه من الثمن إن ردت الشاة، والثاني: هو شراؤه هذه الشاة العليلة على أنها إن صحت إلى عشرة أيام لزمه البيع فيها، وهذا لا اختلاف في أنه لا يجوز، وإذا جمعت الصفقة الواحدة ما يجوز وما لا يجوز لم تجز، فكيف إذا جمعت ما لا يجوز، وما يختلف في جوازه؟ وإنما كان يجوز هذا البيع على ذلك المذهب لو اشترى الغنم على أنه بالخيار في شاة منها اليوم واليومين، بين أن يأخذها أو يردها بما ينوبها من الثمن، أو على أن البائع يأخذ منها شاة بما ينوبها من الثمن، وبالله التوفيق.
اشترى الرجل السلعة في الحيوان أو غيره على أنه بالخيار إلى أربعة أشهر وقبضها
من سماع سحنون من ابن القاسم قال سحنون: وقال ابن القاسم: إذا اشترى الرجل السلعة في الحيوان أو غيره على أنه بالخيار إلى أربعة أشهر وقبضها، واشترط عليه النقد أو لم يشترط عليه فيها نقدا، فماتت بعد، فمصيبها من البائع؛ لأنه وإن كان فاسدا، فإن البيع لم يكن تم فيه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن البيع الفاسد إنما يدخل في ضمان المشتري بالقبض إذا لم يكن فيه خيار، والضمان من البائع في بيع الخيار إذا كان صحيحا، فكيف إن كان فاسدا، وبالله التوفيق.
يشتري قرية يشترط البائع الخيار للمشتري ثلاث سنين أو أربعا
ومن كتاب نوازل سئل عنها سحنون وعن الرجل يشتري قرية أو دارا، يشترط البائع الخيار للمشتري ثلاث سنين أو أربعا مما لا يجوز فيه الخيار من طول الوقت، فبنى المشتري وغير ببناء، أو غرس في هذه السنين التي جعلا فيها الخيار، هل يكون في ذلك فوت؟ فقال: إذا كان الخيار للبائع على المشتري، فلا يكون ما بنى في الخيار فوتا ولا ما هدم، والبائع يرتجعها، والبيع فيها منقوض.
قيل له: فهل يرجع عليه المشتري بقيمة ما بنى؟ فقال: لا يرجع عليه بشيء؛ لأنه فعل ما لا يجوز له؛ لأنه لم يكن له ليبني فيها حتى يمضي أمد الخيار الذي جعلاه بينهما، ولا يأخذه إلا منقوضا.
قيل له: فإن بنى بعدما خرج أمد الثلاث التي جعلا إليها الخيار؟ قال: يكون هذا الذي بنى فوتا، ويرجعان جميعا إلى القيمة يوم خرج وقت الخيار، وقال: وكذلك إن اشترى جارية بالخيار أياما، يجوز له، واشترط النقد ثم لم يعلم بمكروه ذلك حتى خرجت أيام الخيار، وحتى فاتت الجارية بنماء أو نقصان، إنما يرجعان إلى قيمتها يوم خرجت أيام الخيار؛ لأنه كان له حينئذ صار ضامنا، وكذلك تكون المصيبة من البائع حتى تمضي أيام الخيار؛ لأنه أدخل في الخيار شرطا يفسد البيع باشتراط النقد.
قال محمد بن رشد: هذا كله صحيح بين على ما قال في المدونة وغيرها: إن الخيار إذا كان للبائع والبيع فاسد إما بشرط النقد فيه، وإما بأن
يكون أمده بعيدا، لا يجوز الخيار إليه، أو بما سوى ذلك مما يفسد البيع، فلا يكون ما أحدثه المشتري في أيام الخيار فوتا في البيع الفاسد، كما لا يكون إذا لم يكن في البيع فساد اختيارا منه للبيع، ولا يكون له فيما بنى إلا قيمته منقوضا؛ لأنه متعد بالبناء فيما لا خيار له فيه، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس لعرق ظالم حق» ، وإنما يكون ذلك تفويتا له إذا فعله بعد انقضاء أيام الخيار، وتكون القيمة فيه يوم انقضت أيام الخيار؛ لأن بيع الخيار إنما يتم حين يمضي لا حين يعقد، وبالله التوفيق.
مسألة: باع من رجل جارية فلم يقبض منه الثمن وخرج في سفر
مسألة وسئل عن رجل باع من رجل جارية، فلم يقبض منه الثمن، وخرج في سفر، وقد كان المشتري بالخيار ثلاثا، فمرضت الجارية فلم يأت السلطان، ولم يشهد أنه لا يريد أخذ الجارية حتى ماتت بعد عشرة أيام، قال ابن القاسم: إذا قبض المشتري الجارية والخيار له، ثم أقامت في يديه بعد وقت الخيار، ولم يشهد على القبول ولا الرد؛ أن كونها في يديه رضا منه بها.
قال سحنون: وهذا في وخش الرقيق.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها من أن السلع المبيعة بالخيار إذا كانت بيد المبتاع والخيار له، فلم يردها حتى مضت أيام الخيار، ولا أشهد على ردها، فقد لزمته ودخلت في ضمانه بانقضاء أيام الخيار، كما أنها إذا كانت بيد البائع والخيار له حتى انقضت أيام الخيار، ولم يشهد على إمضائها، فقد بطل البيع وبقيت ملكا له، وقول سحنون: وهذا في وخش الرقيق صحيح، يريد إذ لا مواضعة فيها بعد زوال الخيار، فيكون الضمان فيها من البائع، وبالله التوفيق.
اشترى منه سلعة فاختلفا في وقت شرط الخيار
من سماع أصبغ بن الفرج من عبد الرحمن بن القاسم
من كتاب القضاء العاشر قال أصبغ: وسئل ابن القاسم عمن اشترى سلعة، فادعى البائع أنه شرط الخيار حين باع، وادعى المشتري أنه شرط الخيار حين اشترى، قال: البيع بينهما ثابت لازم لهما، والخيار ساقط عنهما.
قال أصبغ: ويحلفان جميعا، فإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا فهو ذلك، فإن حلف واحد ونكل الآخر، فالقول قول الحالف مع يمينه، ولا أبالي بأيهما بدأ في الحكم باليمين، وأعجب إلي أن يبدأ المشتري هاهنا؛ لأنه كأنه أوكد في الدعوى، وكلاهما مدع، فإن حلف تم له الأخذ، وكان البائع بالخيار أن يحلف ويسقط، أو لا يحلف فيسلمه، كما لو تداعيا في الثمن، وكان البائع هو المدعى عليه أولا؛ لأن البيع قد ثبت ووجب له الأخذ، فهو يحلف ويتم له حتى يحلف صاحبه فيسقط، أو لا يحلف فيعطيه الثمن.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم البيع بنيهما ثابت لازم لهما، والخيار ساقط عنهما، معناه بعد يمين الذي أراد إمضاء البيع منهما أن الخيار كان له دون صاحبه؛ لأنهما إن اجتمعا على رد أو إجازة، فلا تنازع بينهما، ولا موضع لليمين، فإن اختلفا فأراد أحدهما إمضاء البيع، وأراد الآخر رده، فالذي أراد منهما إمضاء البيع مسقط لدعواه الخيار؛ إذ لا يريد الرد به،
والذي أراد رد البيع منهما متمسك بدعواه الخيار؛ لأنه يريد الرد به، فرجعت المسألة إلى أنها بمنزلة إذا ادعى أحدهما أن البيع بت، وقال الآخر: بل كان على أن الخيار لي.
ومذهب ابن القاسم في ذلك أن القول قول مدعي البت؛ لأن الآخر يريد رد البيع بما يدعي من أن له فيه الخيار، فعليه يأتي قوله في رواية أصبغ هذه.
وروى أبو زيد بعد هذا في هذا الكتاب، ومثله في سماعه، من جامع البيوع: أن البيع ينتقض ولا يقبل دعوى البائع ولا المشتري، ومعناه أيضا بعد يمين الذي أراد الرد منهما أن الخيار كان له دون صاحبه؛ لأنهما إن اجتمعا أيضا على رد أو إجازة، فلا تنازع بينهما، وإن أراد أحدهما الرد، والآخر الإجازة، فقد رجعت المسألة إلى أنها بمنزلة إذا ادعى أحدهما أن البيع كان بيع بت، وقال الآخر: بل كان على أن لي الخيار حسبما بيناه، ومذهب أشهب في ذلك أن القول قول مدعي الخيار، فرواية أبي زيد هذه على قول أشهب في هذه المسألة، ورواية أصبغ وعيسى المتقدمة على قول ابن القاسم فيها، فهي أصلها.
وقول أصبغ: ويحلفان جميعا إنما معناه إذا لم تنقض أيام الخيار، وأراد كل واحد منهما أن يوجب لنفسه الرأي والنظر إلى انقضاء أيام الخيار دون صاحبه، فإن حلفا جميعا، أو نكلا جميعا سقط خيار كل واحد منهما، ولزمه البيع على مذهب ابن القاسم في المسألة التي ذكرنا أنها أصل هذه المسألة، وثبت الخيار لكل واحد منهما على مذهب أشهب فيها.
ورواية أبي زيد في هذه المسألة أن البيع ينتقض حسبما بيناه، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر ثبت الخيار للحالف منهما دون صاحبه، وكان له الارتياء والنظر إلى انقضاء أيام الخيار.
وأما إذا انقضت أيام الخيار، فإنما يحلف أحدهما، إما الذي يريد إمضاء البيع على رواية أصبغ، وهي رواية عيسى المتقدمة؛ لأن الألف فيها وهم حسبما ذكرناه؛ وإما الذي يريد رده على رواية أبي زيد التي ذكرنا على أصل مذهب أشهب، فإن نكل
حلف الآخر على حكم المدعي والمدعى عليه، ولا يتصور أن يحلفا جميعا على حكم المتداعيين، إلا إذا كانت أيام الخيار لم تنقض حسبما بيناه، فهو وجه القول في هذه المسألة، ومعنى قول أصبغ فيها، وقد كان الشيوخ يعترضونه ويقولون: إنه لا وجه له يصح، وإن تنظيره هذه المسألة باختلاف المتبايعين تنظير فاسد، وبالله تعالى التوفيق.
باع سلعة، فقال البائع بعتك وأنا بالخيار ولست أنت بالخيار وعارضه المشتري
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: قال عبد الرحمن بن القاسم في رجل باع سلعة، فقال البائع: بعتك وأنا بالخيار، ولست أنت بالخيار، وقال المشتري: اشتريت منك بالخيار، ولست أنت بالخيار، قال: ينتقض البيع، ولا أقبل دعوى البائع ولا المشتري.
قال محمد بن رشد: قوله: ينتقض البيع؛ معناه بعد يمين الذي أراد الرد إذا لم يتفقا على رد ولا إجازة، حسبما ذكرناه قبل هذا في سماع أصبغ، وبينا أنه يأتي على مذهب أشهب.
وقوله: ولا يقبل دعوى البائع، ولا المشتري؛ صحيح لأن أيام الخيار إذا كانت لم تنقض، فليس أحدهما أحق من صاحبه بأن يكون القول قوله، والحكم في ذلك أن يحلفا جميعا، ويثبت الخيار لكل واحد منهما على قوله في هذه الرواية، وقياس قول أشهب.
وإن كانت قد انقضت، ولم يتفقا على رد ولا إجازة، حلف الذي أراد الرد، ورد على هذه الرواية خلاف رواية أصبغ المتقدمة.
مسألة: بيع الفقع بالقمح
مسألة قال: ولا بأس بالفقع بالقمح.
قال محمد بن رشد: يحتمل أن يريد بالفقع شراب الفقع الذي
كان يعمل في الأعراس، وروي عن مالك: أنه كره شربه، إلا أن يكون الذي يعمله مأمونا في دينه.
وقال ابن وهب: هو حلال لا بأس به، قد شربه السلف وأجازوه، ورأيت الليث بن سعد يشربه كثيرا ويجيزه، ويقول: ليس من الخليطين في شيء، ولا يدخل تحت النهي.
وقال سحنون وأصبغ: لا بأس به، ومن كرهه إنما كرهه من جهة الطب، لا من جهة العلم، وهو عندي من الحلال البين، وهو شراب أصله من العسل، ويجعل فيه خمير القمح وأفاوه من الطيب، وأجاز بيعه بالقمح يدا بيد، ولم يعتبر بما فيه من خمير القمح؛ لكونه يسيرا فيه، مستهلكا في حيز اللغو والتبع، ويحتمل أن يريد بذلك الذي يتولد في زمان الربيع في أصول الشجر والمواضع الرطبة، ويأكله النساء وبعض الناس نيئا ومشويا، وإن كان أراد ذلك فمعناه أنه لا بأس به بالقمح يدا بيد أو إلى أجل؛ لأنه وإن كان يوكل فأكلا ضعيفا لا يحكم له بحكم الطعام، والأول أظهر، والله أعلم، وبه التوفيق.
تم كتاب الخيار، والحمد لله.