كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
: جعلت خلخالين لها في سبيل الله إن شفاها الله من مرض مرضته
ومن كتاب البز وسئل مالك عن امرأة جعلت خلخالين لها في سبيل الله إن شفاها الله من مرض مرضته، فبرأت فأرادت أن تحبسهما فتخرج قيمتهما فتجعلها في سبيل الله، فكره ذلك، وقال: لا أحبه.
قال سحنون: إنما يكره هذا من أجل الرجوع في الصدقة.
قال محمد بن رشد: لمالك في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب النذور، فيمن قال لشيء من ماله، دابة أو عبدا أهديك، إنه مخير في ثمنه أو قيمته، فذهب بعض أهل النظر، إلى أن ذلك مخالف لهذه الرواية، ولما في المدونة من أنه إن أهدى عبده يخرج بثمنه هدايا؛ لأن الظاهر منه أنه لا يجوز له أن يمسكه، ويخرج قيمته من أجل الرجوع في الصدقة كما قال في هذه الرواية.
والذي أقول به: إنه لا اختلاف في شيء من ذلك، وإنما اختلف الجواب في ذلك لافتراق المعاني.
فإذا أودى ما أهدى بعينه، أو جعل في السبيل ما ينتفع به فيه بعينه لم يجز أن يمسكه ويخرج قيمته، وإذا أهدى ما لا يهدى بعينه، وإنما سبيله أن يباع ويشترى بثمنه هدي، جاز أن يمسكه ويخرج قيمته، وإذا جعل في السبيل ما لا ينتفع بعينه فيه، وهو يمكنه أن يدفعه كما هو لمن يبيعه وينفقه في السبيل كره له أن يمسكه ويخرج قيمته من ناحية الرجوع في الصدقة، ولم ير ذلك حراما إذ ينتفع به الذي أعطيه في السبيل بعينه ولا بد له من بيعه.
مسألة: يحمل الرجل على الفرس في سبيل الله فيستعيره منه فيركبه في حاجته
مسألة وسئل عن الرجل يحمل الرجل على الفرس في سبيل الله، فيستعيره منه فيركبه في حاجته والشيء القريب، قال: لا أحب
ذلك.
وقال مالك: قد وهب ابن عمر ناقة له لابن ابنه: ابن وافد فأخذها وركبها فصرع عنها وقال: ما كنت لأصنع مثل هذا.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف فيمن تصدق في شيء أنه لا يجوز له أن يأكل شيئا من غلته، حسبما مضى القول فيه في رسم حلف.
وأرى هذا أحق لأن ركوبه في الشيء الخفيف، لا ينقص منفعته شيئا في الجهاد، بل قد يكون ركوبه أنفع له من وقوفه، ولذلك قال: لا أحب ذلك، ولم يحرمه، بخلاف غلة ما تصدق به لأن الغرض في التصدق بما له غلة، الغلة لا ما سواها، وكراهية ابن عمر لركوبه الناقة التي وهبها لابن ابنه ابن وافد تورع منه؛ لأن النهي إنما جاء في الصدقة لا في الهبة، إلا أن تكون الهبة لفقير على وجه صلة الرحم، فيكون بمعنى الصدقة وبالله التوفيق.
: ليس من شأن الذي يفرق الصدقة أن يجري الصدقة على أحد
ومن كتاب أوله
الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل عن الرجل يلي صدقة يقسمها، فهو يعلم أهل بيت يتامى صغارا ولا يعلم غيرهم ما يعلم منهم من الحاجة أفترى أن يجري عليهم من ذلك ما يكفيهم؟ قال مالك: ليس من شأن الذي يفرق الصدقة أن يجري الصدقة على أحد، وليس هذا من أعمال الناس، فرددت عليه فكأنه لم يعجبه ذلك.
قال محمد بن رشد: كره ذلك لمخالفة ما جرى عليه عمل الناس.
والمعنى في كراهة ذلك بين، وهو أنه إنما جعل إليه القسمة والتنفيذ، فلا ينبغي له أن يمسك عند نفسه من ذلك شيئا يجريه على أهل بيت يعرف حاجتهم، فيكون متعديا يلزمه ضمان ذلك إن تلف عنده، وبالله التوفيق.
مسألة: ولى ابنه حائطا اشتراه بثمن يسير وثمنه اليوم كثير أترى ذلك جائزا
مسألة وسئل عن رجل ولى ابنه حائطا اشتراه منذ زمان بثمن يسير، وثمنه اليوم كثير وله ولد غيره، أترى ذلك جائزا؟ فقال: إن أجازه له فهو جائز.
ومن كتاب داود قال عيسى بن دينار: سئل ابن القاسم عن الرجل يبيع من ولده الصغير الأرض بعشرة دنانير وهي ثمن مائة دينار ولا تزال في يدي الأب حتى يموت، هل يحمل محمل البيع أو محمل الصدقة فيما زاد على ثمن العشرة دنانير؟ فقال: إن كانت لم تزل في يدي أبيه حتى مات فأراها موروثة، ولا أرى للولد إلا العشرة.
قال محمد بن رشد: قوله: وثمنه اليوم كثير يريد يوم التولية، لا يوم قيم على الابن فيه بعد موت الأب، ولو ولاه إياه يوم اشتراه، ثم زادت قيمته بعد ذلك لكانت تولية صحيحة، لا تفتقر إلى حيازة.
وقول ابن القاسم في رواية عيسى عنه من كتاب داود خلاف قول مالك، إذ لا فرق بين التولية والبيع في أن ذلك يجوز إن كان بالقيمة، ولا يفتقر إلى حيازة، وفي أن ذلك لا يجوز إن كان بأقل من القيمة بمائتين فيه المحاباة، إلا أنهما اختلفا هل يحمل محمل الهبة؟ فيجوز إن جازها له الأب أو لا يحمل محمل الهبة فتبطل، ولا يصح له بحيازة الأب إذا لم يسمها هبة، وإنما أراد بذلك التوليج؟ فقال مالك: إنما تصح بحيازة الأب، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ في الواضحة، وقال ابن القاسم: إنها لا تصح له بحيازة الأب، وهو قول أصبغ في سماعه الواقع في آخر الكتاب بعد سماع أبي زيد، خلاف قوله وقول مطرف وابن الماجشون في الواضحة وقول مالك في هذه
الرواية، فإذا لم يجز ذلك للابن إن لم يجزها له الأب على قول مالك، أو لم يجز له على قول ابن القاسم، وإن جازها له، فاختلف ما يكون للابن بالعشرة، فقال ابن القاسم في هذه الرواية: إن الدار تكون موروثة، ولا تكون للولد إلا العشرة، ومعناه: إذا لم يجز الورثة ذلك.
وقد قيل: إن الورثة إذا لم يجيزوا ذلك يكون الولد من الدار بقدر العشرة عشرها إن كانت قيمتها مائة، أو أقل من ذلك أو أكثر، على هذا المثال.
وقد قيل: إذا لم يجز للورثة يخير المشتري إن كان مالكا الأمر نفسه، أو الناظر له إن كان صغيرا بين أن يزيد بقيمة الثمن ويأخذ جميع الدار، وبين أن يأخذ منها بما نقد.
والثلاثة الأقوال تتخرج على الاختلاف في مسألة من باع في مرضه دارا لمحاباة لا يحملها ثلثه.
وقد مضى بيان ذلك في سماع سحنون من كتاب الشفعة، وفي آخر سماع أبي زيد من كتاب المديان والتفليس.
وعلى قياس ما في هذه الرواية لمالك وابن القاسم، قال ابن القاسم في سماع عيسى بن عاصم عنه، في الرجل يشهد في صحته أنه قد باع منزله هذا من امرأته أو ابنه أو وارثه بمال عظيم، ولم ير أحد من الشهود الثمن، ولم تزل الأرض بيد البائع إلى أن مات: إن البيع لا يجوز، إذ ليس ببيع، إنما هو توليج وخدعة، ووصية الوارث.
مسألة: استوهب امرأتين له ميراثهما منه ففعلتا ووهبتا له ذلك
مسألة وسئل عن رجل حضرته الوفاة، فاستوهب امرأتين له ميراثهما منه، ففعلتا ووهبتا له ذلك، فلم يقض فيه بشيء حتى مات، فلمن تراه أللورثة أم للمرأتين؟ قال: أراه للمرأتين مردود عليهما، وما يعجبني للرجل أن يفعل مثل هذا يسأل امرأته أن تهب له ميراثها.
قال محمد بن رشد: هذا من قول مالك مثل ماله في الموطأ
سواء، وهو بين في المعنى؛ لأنهما إذا وهبتاه ميراثهما منه الغرض فيه إنما هو أن يصرفه إلى من يحب من ورثتهم سواهما أو غيرهم إذ لا حاجة به إلى ميراثهما منه سوى ذلك، فإذا لم يقض فيه بشيء حتى مات كان مردودا عليهما كما قال، بمنزلة ما لو استأذن ورثته أن يوصي لبعض ورثته بأكثر من ثلثه، فأذنوا له بذلك، فلم يعمل حتى مات لم يلزمهم فيما أذنوا له فيه شيء.
وقد مضى في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الشهادات القول مستوفى في هبة الوارث ميراثه في مرض الموروث أو في صحته، وسيأتي ذلك أيضا في رسم نفذها من سماع عيسى من هذا الكتاب، وفي رسم الأقضية والحبس من سماع أصبغ منه إن شاء الله.
مسألة: يتصدق بماله كله على بعض ولده دون بعض
مسألة وسئل عن الرجل يتصدق بماله كله على بعض ولده دون بعض، قال مالك: لا أرى ذلك جائزا قيل له: فالرجل يتصدق بالدار على بعض ولده دون بعض، وهو جل ماله، ويخرج منها ويدفعها إليه.
قال: لا بأس بذلك، وغيره أحسن منه.
قال سحنون: إذا كان تصدق جل ماله، واستبقى اليسير، فلم يكن فيما يستبقي من ماله ما يكفيه ردت صدقته، وإن أبقى من ماله ما فيه قوت له رأيته صدقة ماضية.
قال ابن القاسم: وأنا أكره أن يعمل به أحد، فإن تصدق به وحيز منه وقبض لم يرد بقضاء، يريد الذي تصدق بماله كله.
قال محمد بن رشد: قول مالك في الذي يتصدق بماله كله على بعض ولده دون بعض: لا أرى ذلك جائزا معناه: ويرد بالقضاء، فهو ظاهر قوله، ولم يحقق ذلك من مذهبه في رسم الأقضية الثانية من سماع أشهب.
فقال: إن ذلك: ليقال.
ولقد قضى به في المدينة، وقول سحنون مفسر لقول مالك؛ لأنه إذا لم يستبق من ماله ما يكفيه فهو بمنزلة إذا تصدق بماله جميعه، ولم ير ابن القاسم إذا تصدق بجميع ماله على بعض ولده أن يرد ذلك بقضاء.
والأصل في هذه المسألة حديث «النعمان بن بشير أن أباه بشيرا أتى به إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إنني نحلت ابني هذا غلاما كان لي، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم: أكل ولد نحلته مثل هذا؟ فقال: لا فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فارتجعه» . فحمل مالك الأمر بالارتجاع في الحديث على الوجوب، وتأوله على أنه لم يكن له مال غيره، وحمله ابن القاسم على العموم، فيمن خص بعض بنيه ببعض ماله أو جميعه، وتأوله على الندب وهو أظهر؛ لأنه لم يقل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: إن ذلك لا يجوز لك، وإنما أمره بالارتجاع لما كره له من تفضيل بعض ولده على بعض، مخافة أن يكون ذلك سببا إلى أن يعقه من حرمه عطيته، وأما إذا أعطى بعض ولده دون بعض ماله، وإن كان جله، وأبقى لنفسه بعضه فلا اختلاف في المذهب، ولا بين فقهاء الأمصار: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة في أن ذلك جائز، إلا أنه مكروه لما جاء من الأمر بين أن يعدل الرجل بين ولده في العطية، فقد ذكر بعض الرواة في الحديث «إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك» وذكر بعضهم فيه أنه قال له: «أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» . قال: فرجع فرد عطيته، فليس في هذا الحديث أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمره برد عطيته، وإنما فيه أنه فعل ذلك لما أمره به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بالعدل بين أولاده، وقد يحتمل أن يكون رد عطيته إياه امتثالا لما أمر به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ من ردها على ما جاء في حديث مالك، وفي بعض الآثار، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له:
«أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور» . مكروه فترك الرجل العدل بين بنيه في عطيته إياهم جور مكروه غير حرام، ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يجوز لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض في العطية، فإن فعل لم ينفذ وفسخ، وهو قول طاوس، وروي مثله عن أحمد بن حنبل، وبه قال أهل الظاهر وحجتهم قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ " ارتجعه ". وقوله فاردده وقد اختلف في صفة عدل الرجل بين بنيه في العطية إذا كان فيهم ذكر وأنثى فقيل: على السواء، وإلى هذا ذهب ابن القصار، وهو قول داود، وأهل الظاهر، وسفيان الثوري وابن المبارك.
قال: ألا ترى أنه قد روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «سووا بين أولادكم فلو كنت مؤثرا أحدا أثرت النساء على الرجال» . وبدليل ما جاء في الحديث من قوله «أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم.
قال: فاعدل بينهم» . ولا يراد من الذكر من البر إلا ما يراد من الأنثى وقيل: العدل بينهم، أن يعطى للذكر مثل ما يعطى للأنثى قياسا على الميراث، وإلى هذا ذهب ابن شعبان، وهو مذهب جماعة من السلف، منهم عطاء وأحمد، وإسحاق، واختاره بعض المتأخرين، من أجل أن الثلث هو حظ الأنثى من ذلك المال لو بقي في يد الأب حتى يموت، فقد عجل قسمته بينهم.
والله الموفق.
: يهب الهبة فيثاب منها ثم يقوم بعد ذلك فيقول ليس هذا ثواب هبتي
ومن كتاب أوله
حلف بطلاق امرأته قال: وسئل مالك عن الذي يهب الهبة فيثاب منها، ثم يقوم بعد ذلك فيقول: ليس هذا ثواب هبتي فقال: لهذا وجوه.
أما الذي يقال له: هذا ثوابك فأخذه فلا أرى له شيئا، وأما الرجل يبعث إلى الرجل بالذهب أو غير ذلك، لا يكون فيها قدر مثوبته ثم يقوم يطلب ذلك ويقول: لم توفني واستأنيت بك في ذلك، وظننت أنك إنما أردت أن تبعث بالشيء بعد فإن ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله من الفرق بين أن يقول له: هذا ثوبك، فيأخذه ويذهب، ثم يأتي بعد ذلك يطلب منه زيادة في الثواب على ما أعطاه، وبين أن يبعث إليه بالشيء فيأخذه ثم يأتي فيطلب إلى زيادة على ما بعث إليه به، وهذا إذا كان الذي بعث به إليه، أقل من قيمة الهبة، وأما إن كان أقل من قيمتها أو أكثر، فلا كلام له على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك، قائمة كانت الهبة أو فائتة.
وأما على قول مطرف وروايته عن مالك، وظاهر قول عمر بن الخطاب في أن من حق الواهب أن يأخذ هبته ما لم يرض منها، فسواء كان الذي بعث إليه أقل من قيمتهما أو أكثر من قيمتهما له أن يأخذ هبته إن كانت قائمة، إلا أن يزيد على ما بعث به إليه ما يرضى به.
وبالله التوفيق.
: تصدق على ابن له صغير بمائة من غنمه ومائة دينار من ماله
ومن كتاب أوله طلق بن حبيب وسئل مالك عن رجل تصدق على ابن له صغير، بمائة من
غنمه، ومائة دينار من ماله، فلم يفرز الغنم بأعيانها ولا الذهب، إلا أنه أشهد له بها وهو صغير في حجره يليه، قال: إن كان رسم الغنم أو عرفت بأعيانها، فأشهد له على غنم رأيتها جائزة، وإن لم يكن رسمها ولم يشهد على غنم بأعيانها لم أر له فيها صدقة وارثها كلها مال الوارث، والذهب كذلك لا أرى له فيها شيئا إلا أن يكون أفرزها له، وإلا فلا شيء له.
وقال في معرفة الغنم بأعيانها: إن أهل البادية ليسمون الإبل والغنم، كما تسمى أهل مصر الخيل ينسبونها، فإن كان سماها وعرفت جازت وإلا لم أرها جائزة.
قال ابن القاسم: فأما الدنانير فإنها لا تجوز وإن طبع عليها حتى يدفعها إلى غيره، ويخرجها عن ملكه وإلا لم تجز، وإن طبع عليها وهي في ملكه حتى يدفعها إلى غيره، ويخرجها عن ملكه، وكذلك قال لي مالك في الدنانير.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا في الذي تصدق على ابنه الصغير بعده من غنمه أو خيله، إن حيازتها له لا تجوز، إلا أن يعينها باسم أو اسمه، بخلاف الجزء المشاع، هو الذي رجع إليه.
وقد كان أولا يرى حيازته إياها له جائزة، وإن لم يسمها ولا وسمها ولا قسمها كالجزء المشاع؛ لأن الحكم يوجب له الشركة فيها بما يقع العدد المتصدق به من جميعها.
وقع اختلاف قول مالك في ذلك في رسم البيوع من سماع أصبغ، وأصبغ لا يجيز حيازته له في الجزء المشاع، إلا في العدد المسمى دون أن يعين في ثلاثة أقوال في المسألة.
وقد مضى بيان ذلك في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الحبس.
وأما قوله في الذهب: إنه لا شيء لابن فيها إلا أن يكون أفرزها له، فهو خلاف قول ابن القاسم بعد ذلك، وروايته عنه أنها لا تجوز، وإن طبع عليها حتى يدفعها إلى غيره، ويخرجها من ملكه، مثل قوله في الموطأ ومثل
رواية مطرف عنه وقول ابن الماجشون، وابن نافع، والمدنيين، حسبما مضى بيناه في أول رسم من السماع وبالله التوفيق.
مسألة: حضرتها الوفاة فتصدقت بمهر كان لها على زوجها
مسألة وسئل مالك عن مالك امرأة حضرتها الوفاة فتصدقت بمهر كان لها على زوجها على ولد لزوجها من غيرها، هل ترى ذلك يجوز؟ قال: نعم، إنما هو كغيره من مالها، يجوز لها ذلك، فقيل له: إن قوما يقولون: إنما هو توليج، قال: لا ذلك جائز.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة مع نظائر لها كثيرة، كالرجل يوصي لأم ولده، ولد منها وولد من غيرها، أو المرأة توصي لابن زوجها ولأبويه أو لإخوته أو لأخواته، أو لقرابته، أو لإخوانه المصافين له ممن يخشى أن يكون إنما أوصت إليه ليرد ذلك على زوجها، فقال في ذلك كله: إن الوصية جائزة، ولا ترد الوصايا بالظن.
قال أصبغ: وإن طلب الورثة أن يحلفوا الموصى له إن الوصية إليه، لم يكن توليجا ليرد ذلك على زوجها لم يكن ذلك لهم، واليمين في هذا يمين تهمته، فقول أصبغ: إنه لا يمين عليه، هو على القول بأن يمين التهمة لا يلحق دون تحقيق الدعوى ولو حققوا الدعوى عليه للحقته اليمين، قولا واحدا.
مسألة: وهبت لابن لها ولابنة لها صغيرين عشرة دنانير
مسألة وسئل مالك عن امرأة وهبت لابن لها ولابنة لها صغيرين عشرة دنانير، فتاجر لهما فيها أبوهما وأراد سفرا، أفترى أن يكتب لهما بذلك كتابا ويكتبها لهما في وصية؟ قال: بل أرى أن يكتب لهما بذلك كتابا ويصفها من سبب ما كانت وكيف كانت قصتها.
قيل له: إن قوما قالوا: لا يجوز ذلك قال: بل فليكتب لهما كتابا على ما قلت.
قال محمد بن رشد: قوله: فتاجر لهما فيها أبوهما، معناه: فصارت بربحها أكثر من عشر دنانير وقوله: أفترى أن يكتب لهما بذلك كتابا أو يكتبها لهما في وصية، معناه: أفترى أن يكتب لهما بذلك كتابا يدفعه إليهما تكون وثيقة بأيديهما أو يجتزئ في ذلك بأن يكتب ذلك لهما في وصية علي سبيل الإقرار لهما بالدين، لا على سبيل العطية والوصية؟ فرأى الأحسن الأمر أن يكتب لهما بذلك كتابا يكون بأيديهما وثيقة لهما، يقومان في حياته إذا بلغا إن شاء؛ لأنه إن كتب ذلك لهما في وصيته، وأشهد عليها وأبقاها عند نفسه، كان آمنا من أن يقوما عليه في ذلك في حياته، فيضعف إقراره لهما بذلك، إذ قد قيل: إن من أقر لوارثه بدين في صحته، فلم يقم به عليه حتى مات: إنه باطل؛ لأنه يتهم أن يكون أقر له بدين يأخذه بعد موته من رأس ماله، وحكم لإقراره لهما بالدين عند إرادته السفر، بحكم الصحة.
وقد اختلف في ذلك.
حكم له ابن القاسم في رسم نذر سنة من سماعه من كتاب الوصايا بحكم المرض، وروى ذلك عن مالك، وخالفه أصبغ فحكم به بحكم الصحة، ورواه عن ابن وهب: ولابن القاسم مثل ذلك في سماع عبد الملك من كتاب الوصايا فعلى القول بأنه يحكم للسفر بحكم المرض، إن كتب لها بذلك كتابا فمات في سفره ذلك لم يكن لهما شيء مما كتبه لهما.
وبالله التوفيق.
مسألة: إطعام الطعام أهو أفضل أم الصدقة
مسألة وسئل مالك عن إطعام الطعام أهو أفضل، أم الصدقة بالدراهم؟ فقال: كل ذلك حسن، ولم أره يفضل أحدهما على صاحبه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه لا يفضل أحدهما على صاحبه في الجملة، إذ قد يكون كل واحد منهما أفضل من صاحبه، باختلاف أحوال الأعيان والأزمان، فإذا علم أن الرجل غير محتاج إلى الطعام ومحتاج
إلى ما سوى ذلك، من كسوة وغيرها، فالصدقة عليه بالدراهم أفضل، وإذا علمت أنه محتاج إلى الطعام فستغنى في ذلك الوقت عما سواه، فإطعامه الطعام أفضل، وإذا لم يعلم إلى أيهما هو أحوج لم يفضل أحد الوجهين في حقه على الآخر كما قال مالك، فهذا هو الوجه الذي تكلم عليه والله أعلم.
فإن وافق في غيب الأمر الوجه الذي هو إليه أحوج كان أجره فيه أعظم، وإن لم يعلم هو ذلك، وإن كان من الشدة والمسغبة فإطعام الطعام فيه أفضل، وإذا كان زمن الرخاء والسعة، فالتصدق فيه بالدرهم أفضل.
وبالله التوفيق.
مسألة: يمرض فيجعل لله عليه الشيء يتصدق به إن شفاه الله
مسألة وسئل مالك عن الرجل يمرض فيجعل لله عليه الشيء يتصدق به إن شفاه الله، فيعافى وله أقارب وموالي محتاجون، أفترى أن يعطيهم مثل ما يعطي غيرهم؟ قال: أرى أن يعطيهم ويقل لهم، ويعطي غيرهم أكثر، وإني إنما أخاف ذلك خوفا أن يجهر له، وليستتر بذلك، فإن السر ليس كغيره.
وهذا إذا أعطاهم لا أحب ذلك بموضع الحب والثناء وغيره ممن لا يستتر به لا يعرفه، فالسر أعجب إلي، قيل له: أفلا ترى أن يعطيهم؟ قال: أرى ألا يكثر لهم، وليستتر بذلك ما استطاع.
ولقد رأيت رجلا من أهل مصر، وهو يسأل ربيعة عن ذلك ويقول: إني لا أحب أن أرى رائحا إلى المسجد، فكأنه أنكر ذلك من قوله، ولم يعجبه أن يحب أحد أن يرى في شيء من أعمال الخير.
وقلت له: وما ترى في التهجير إلى المسجد قبل الظهر؟ قال: ما زال الصالحون يهجرون، وإن صلاة الرجل في بيته من النافلة أفضل منها في جماعة الناس، وهو أعلم بنيته، حتى لا يبالي مما أحسنه إن أحب، والسر أفضل من ذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271]
وفي الحديث: «أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة وأفضل الصدقة صدقة السر» .
محمد بن رشد: قوله في الذي نذر الصدقة؛ لأنه يؤثر قرابته ومواليه بها، وإن كانوا محتاجين على سواهم، بل يؤثر سواهم عليهم، ولا يكثر لهم في العطية، مخافة ما يدخله من الحمد والثناء، ويستمر بذلك ما استطاع هو نحو قوله في المدونة في الزكاة: إنه يكون له أن يعطيها لقرابته، وأن يلبي هو دفعها إليهم بوضع الحمد والثناء، فهو يكره ذلك لهذا الوجه، أو لئلا يقطع بذلك عنهم ما كانوا يرجون له من الصلة التي عودهم إياها.
وقد روي عن مالك إجازة ذلك، وقال به جماعة من أهل العلم إذا لم يكونوا في نفقته، فإن كانوا في نفقته فلا يعطيهم، فإن فعل أجزأه، إذا لم يقطع بذلك نفقة عنهم عن نفسه فإن قطع بذلك نفقتهم عن نفسه، لم تجزه زكاته؛ لأنه قد انتفع بها فيما أسقط عن نفسه من نفقتهم بسببها، وإن لم تكن واجبة عليه وكراهية ربيعة للرجل أن يحب أن يرى في شيء من أعمال الناس البر، خلاف قول مالك في رسم العقول من سماع أشهب، من كتاب الصلاة: إنه لا بأس بذلك إذا كان أوله لله، وهو الصحيح إن شاء الله لأنه مما لا يستطاع التخلص منه.
والدليل على إجازة ذلك إن شاء الله ما روي عن معاذ بن جبل أنه قال: «يا رسول الله، إنه ليس من بني سلمة إلا مقاتل، فمنهم من يقاتل طبيعته، ومنهم من يقاتل رياء ومنهم من يقاتل احتسابا فأي هؤلاء الشهيد من أهل الجنة؟ فقال: يا معاذ، من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد من أهل الجنة» وهذا نص في موضع الخلاف.
وأما قوله في التهجير إلى المسجد قبل الظهر ما زال الصالحون يهجرون، وإن صلاة الرجل في بيته النافلة أفضل منها في جماعة الناس، وهو أعلم بنيته إن صحت في ذلك نيته حتى لا يبالي مما أحسنه إن أحب، فالمعنى في ذلك أنه في النهار قد يشتغل باله في صلاته في بيته بينه وبين أهله، فيكون باله في المسجد أفرغ فإذا هجر قبل الظهر إلى المسجد ليصلي فيه متفرغ البال، لا يرى مكانه فيه، يحمد بذلك، ويثنى عليه من أجله، فهو حسن كما قال، ولذلك كان الصالحون يفعلونه، وأما في الليل، ففي البيت أفضل؛ لأنه لفعله أستر، وباله فيه فارغ بهذا وأهله وبنوه في النوم.
: ورثت من ابنة لها سدس دار لها وأنها تصدقت به على ابن ابنها
ومن كتاب أوله
أخذ يشرب خمرا قال: وسئل مالك عن امرأة ورثت من ابنة لها سدس دار لها وأنها تصدقت به على ابن ابنها وهي مريضة، وأن ابنا لها أشهد أني لا أجيز ذلك، وإنما يمنعني أن أكلمها في ذلك، كراهية سخطها وأن ابنها قاسم عمه المنزل، وجاوره وأدركه قبله فضلا وأخذه منه، ولم تزل المرأة ساكنة في المسكن حتى ماتت، إلا أن ابن ابنها قد جاور عمه ورد إليه فضل ما أصاب، وكانت تلك الصدقة جل ما تركت، أو لم تترك شيئا غيرها، ولا مال لها فيخرج في ثلثها.
قال مالك: أراها جائزة قد جاور عمه وقاسمه وأخذ منه
فضلا، فلا أرى هذا إلا إذنا منه، فقيل: إنه قد أشهد في ذلك، إنما يترك الكلام خوفا من سخط أمه، فقال: ما أرى في ذلك ينفعه، فقيل له: إنها لم تزل ساكنة فيه، قال: وإن أليس قد جاوز؟ قال: بلى.
قال: فقد جاز ذلك، يقاسم ويأخذ الفضل ويمنعها الوصية، حتى إذا ماتت، قال: أريد أن أرده، قال: ما أرى ذلك له، ولو أنها علمت به أن يرده لأوصت في ثلث، ولكنه قد سلم حين جاوز وقاسم، وأخذ الفضل وإن لم يتكلم فأراها جائزة لابن ابنها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة، قد ذكر مالك وجه قوله فيها بما يزيد عليه.
وبالله التوفيق.
مسألة: جعل لرجل جعلا على أن يرقى الجبل
مسألة وسئل عن رجل لقي رجلا فقال: إنه بلغني أنك شتمتني، فقال: ما فعلت، قال: فاحلف لي ولك كذا وكذا هبة وكرامة مني فحلف له، أترى أن الهبة تلزمه؟ قال: نعم أرى ذلك يلزمه.
قال محمد بن رشد: حكى ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ، أنه ترك قول ابن القاسم في إجازة الجعل فيها، لا منفعة فيه للجاعل، وقال: يقول ابن الماجشون: إن ذلك لا يجوز، وقد أجازه ابن عمر.
وروي له أنه يسأل عن رجل جعل لرجل جعلا على أن يرقى الجبل إلى موضع سما فيه فأجازه، قال أصبغ: ومن الدليل على جوازه أن مالكا قد أجاز الجعل في الرجل يقول للرجل: احلف لي أنك لم تشتمني ولك كذا وكذا فيحلف، فيلزمه مالك غرم ما جعل له على ذلك، وليس ذلك عندي بين؛ لأن له فيه منفعة، وهو تطيب نفسه من جهته من جنته وتحسين ظنه به، حتى
لا يعتقد له سوءا ولا مكروها، فيأثم في اعتقاده ذلك فيه، وكذلك قوله في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع: ولني بيع دارك، ولك كذا وكذا له في ذلك منفعة، وهو غرضه في أن يشتري الدار إلى من يحب بما سمى له من الثمن، وأما قوله في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب النكاح في الذي يقول للرجل: ولني نكاح وليتك، ولك كذا وكذا: إنه لا يجوز، فإنما لم يجز ذلك من أجل أن لصاحب المولية أن يعزله عما جعل إليه من ذلك، فدخله الغرز وقد بسطنا القول في ذلك هنالك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: تصدق بمال وبدار له على بنات له ثلاثة
مسألة وسئل عمن تصدق بمال له، وبدار له على بنات له ثلاثة، فإذا انقرضن فهي صدقة على بني ابن له، وعلى عقبهم، فانقرض بنو ابنه وعقبهم وهلك ابنتان ممن تصدق عليهن وبقيت واحدة، وكان في صدقته أن من تزوج من بناته فنصيبها رد على أختها، فإن روتها رادة فهي على نصيبها فانقرضوا كلهم بنو البنين وأعقابهم، والبنات إلا واحدة، وهي متزوجة، والمال ذو غلة، فكيف ترى أن يعمل فيه؟ أنفقة أم ماذا يصنع فيه؟ وللمتصدق ابنتان له، لم يكن أدخلهما في صدقته، قال: أرى أن تقسم الغلة على ذوي قرابته من ابنتيه وغيرهما وعلى المساكين، فقيل له: فإن انقرضت ابنته المتزوجة، فما إذًا ترى فيه؟ أترجع ميراثا ولم يجعل مرجعها إلى أحد، وإنما هي صدقة موقوفة؟ قال: لا أرى أن ترجع ميراثا، ولكن ترجع على من قلت لك، يتصدق بغلتها على ذوي قرابته وعلى المساكين ما بقيت.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا لم يبق من المحبس
عليهم إلا امرأة واحدة متزوجة، وقد كان شرط المحبس أن من تزوج منهن فلا حق لها إلا أن تردها رادة، إن الغلة تكون ما دامت متزوجة للذي إليه مرجع الحبس، فقوله: إن الغلة تقسم على ذوي قرابته من ابنتيه وغيرهما وعلى المساكين، يريد: أن ما فضل من ابنتيه اللتين هما أقرب الناس إليه كان لذوي قرابته، وما فضل عن ذوي قرابته كان للمساكين؛ لأن هذا هو حكم المرجع أن يكون إلى الأقرب فالأقرب من المحبس بمعنى الصدقة، فما فضل عن الأقرباء كان للمساكين كما لو لم يكن له قريب أصلا لكان مرجعه إلى المساكين، وإنما بدئ أقرب المحبس على المساكين من غيرهم، «لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لأبي طلحة " بخ بخ ذلك مال رابح» وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن يجعله في الأقربين لأنه دل بهذا على أن الصدقة على الأقربين، أفضل من الصدقة على الأجنبين، فوجب أن يصرف صدقة الرجل المحبسة إذا لم يجعل لها مرجع، على الذي هو أفضل له.
وقد مضى بيان هذه المسألة بجميع وجوهها وما فيها من الاختلاف في رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب الحبس.
مسألة: يتصدق بداره على الرجل وولده ما عاشوا
مسألة وسئل عن الرجل يتصدق بداره على الرجل وولده ما عاشوا، ولا يذكر لهم مرجوعا إلا صدقة هكذا، لا شرط فيها، يهلك الرجل وولده قال: أرى أن يرجع حبسا لا يباع على أقاربه، وفي المساكين ولا يورث، قال سحنون: إن كان ولد المحبس عليه ناسا بأعيانهم، فإنما يرجع إليه إن كان حيا أورث ورثته ميراثا إن كان ميتا، وإن كان ولده ليسوا بأعيانهم وإنما قال له: حبسا عليك وعلى ولدك ما عاشوا فيها هنا يرجع حبسا.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يتصدق بداره على الرجل وولده ما عاشوا، يريد: وهم غير معنيين، ولا يذكر لها مرجعا أنها ترجع بمرجع الأحباس على أقاربه، وفي المساكين يريد على الترتيب، حسبما ذكرناه في المسألة التي فوقها لا على التشريك، ولا اختلاف في هذه المسألة أنها ترجع بمرجع الأحباس، لقوله فيها ما عاشوا، ولو لم يقل فيها ما عاشوا، لكانت لآخر العقب ملكا على ما سيأتي في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب.
وقد قيل: إنها ترجع بمرجع الأحباس وهو قول بعض رجال مالك في المدونة وقال ابن عبدوس: إنه قول أكثر أصحاب مالك ولو قال: حبس على ولدي ولم يقل ما عاشوا لرجعت بمرجع الأحباس قولا واحدا، وكذلك لو قال: ما عاشوا، إلا عند مطرف، فإنه قال: إذا قال: ما عاشوا رجعت إليه ملكا.
وقول سحنون: إن كان ولد المحبس عليه ناسا بأعيانهم، فإنها ترجع إليه إن كان حيا أو إلى ورثته ميراثا إن كان ميتا، يريد: على أحد قولي مالك في المدونة إلا أن يقول ما عاشوا، فقال محمد بن المواز: إنها تخرج من الاختلاف، وترجع إليه ملكا على قولي مالك جميعا.
وقد مضى القول على هذا محصلا في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس.
ولو قال صدقة عليهم وهم معينون لكانت لجميعهم ملكا مطلقا على الاشتراك والإشاعة، إلا أن يقول ما عاشوا فترجع إليه بعد انقراضهم ملكا وبالله التوفيق.
: يقول هذه الدار صدقة عليك وعلى ولدك
ومن كتاب أوله
يسلف في المتاع والحيوان وسئل عن الرجل يقول: هذه الدار صدقة عليك وعلى ولدك، قال: هي ميراث للذي تصدق بها، وعلى ولده.
قال ابن
القاسم: هي بمنزلة لو اشتروها هي بينهم يرثها عنهم ورثتهم، وإذا قال: صدقة حبسا على فلان وولده رجعت حبسا إلى أقرب الناس بالذي حبس من ذوي قرابته وعصبته إذا قال: صدقة حبسا.
قال محمد بن رشد: الولد يقع على ولد الصلب وعلى كل من يرجع نسبته إليه من ولد الولد، وإن سلفوا، فإذا حبس الرجل حبسا على ولد رجل دخل فيه ولده وولد ولده ما سفلوا؛ لأنه قد علم أن التحبيس يراد به مجهول من يأتي، وكذلك إذا قال حبسا صدقة، فإذا انقرضوا رجعت حبسا إلى أقرب الناس بالحبس.
قال في هذه الرواية من ذوي قرابته أو عصبته، يريد: قرابته الذين هم من حرم نسبه، وإن كن نساء لسن بعصبة يرثن كالبنات، وبنات البنين، والأخوات، أو لا يرثن، كالعمات وبنات الأخ، وبنات العم وما أشبههن، وقد قيل: إن الحبس لا يرجع إلى النساء بحال كن يرثن أو لا يرثن.
وقيل: لا يرجع إلا لمن يرث منهن.
واختلف أيضا في الأمهات والجدات حسبما مضى القول في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس.
وأما العصبة من الرجال فلا اختلاف في أن الحبس يرجع إليهم.
وأما إذا تصدق الرجل بدار على ولد رجل، أو على رجل وولده فهي صدقة مبتولة، لكل من كان منهم حيا مولودا يوم تصدق على السواء بينهم، يرثها عنهم ورثتهم، بمنزلة ما لو اشتروها كما قال؛ لأن الصدقة لا يراد بها مجهول من يأتي فحمل من كان حيا مولودا يوم الصدقة، بمنزلة ما لو سماهم، فقال: داري صدقة على فلان، وولد فلان وفلان وفلان، ولا اختلاف في هذا، إذا كان ولد الرجل يعرف أعيانهم وعدتهم، وأما إن كانوا لا تعرف أعيانهم وأعدادهم إلا بعد الإحصاء والبحث.
فقيل: إنهم كالمعينين، تكون الدار صدقة عليهم بالسواء، وقيل: إنهم بخلاف المعينين، إن كانت الصدقة مالا قسم عليهم بالاجتهاد، وإن كانت دارا سكنها الأحوج إليها منهم فالأحوج، أو بيعت فقسم ثمنها عليهم بالاجتهاد، ومن مات منهم قبل القسم لم يكن له
شيء، وينفرد الباقي منهم.
والقولان في الوصايا الثاني من المدونة، في الذي يوصي لأخواله وأولادهم.
واختلف في الرجل إذا تصدق بداره على ولده وولد ولده، أو على رجل وولده وولد ولده، ولم يقل حبسا، فقيل: إنها تكون لآخر العقب ملكا، وهو قول مالك في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب بعد هذا، وفي المدونة لبعض رجال مالك، إنها صدقة موقوفة، ترجع إلى أقرب الناس بالحبس بعد انقراض العقب.
ومثله حكى ابن عبدوس عن أكثر أصحاب مالك وبالله التوفيق.
مسألة: يتصدق على ابن له صغير بصدقة فكبر الغلام ثم مات أبوه
مسألة وسئل مالك عن الرجل يتصدق على ابن له صغير بصدقة، ويكتب له بها كتابا وتكون الصدقة في يد أبيه حتى كبر الغلام واحتلم، وبلغ مبلغ الرجال، ثم مات أبوه قال مالك: أرى ذلك يختلف إن كان حين مات أبوه رجلا قد احتك ورضي له حاله، ومثله يجوز لنفسه، فأراها للورثة، وإن كان بحال السفه، وإن كان كبيرا، ليس مثله يلي نفسه في ماله وسفهه، رأيت ذلك جائزا ورأيت أن يدع ذلك إلى السلطان يطلبه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو بين لا اختلاف فيه إن الصدقة باطلة إذا كان معلوما بالرشد، وإنها جائزة له إن كان معلوما بالسفه، وإنما الاختلاف على ما يحمل عليه إذا جهلت حاله، فالمشهور أنه محمول على السفه حتى يعلم رشده.
وقد قيل: إنه محمول على الرشد حتى يعلم سفهه.
وقد مضى هذا القول مستوفى في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الحبس فلا معنى لإعادته.
مسألة: الدار يتصدق بها الرجل على الرجل
مسألة وسئل مالك: عن الدار يتصدق بها الرجل على الرجل، أو يحبسها عليه، ويتكارها منه؟ قال: لا خير فيه، ولا أرى أن يجوز ذلك، فقلت له: يا أبا عبد الله، أرأيت لو تصدق بها عليه ثم تكاراها منه بعد ذلك، لم يكن ذلك جائزا له؟ قال: إن جاء من ذلك شيئا بينا رأيت ذلك جائزا إذا كان قد حازها الذي تصدق بها عليه، ثم تكاراها الآخر بعد ذلك، بعد أن ينقطع بها الذي تصدق بها عليه انقطاعا بينا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه في المذهب، إنه إذا تصدق على الرجل بالدار، أو حبسها عليه، وتمادى على سكناها أو عاد إليها عن قرب، باكتراء أو عارية أو إرفاق، حتى مات فيها، فالصدقة أو الحبس فيها باطل.
وأما إذا رجع إليها بالسكنى بكراء أو إرفاق بعد أن انقطع لها بالحيازة دونه، انقطاعا بينا، السنة فيما زاد، فلا يبطل ذلك حيازته، وهذا في الأجنبي أو الولد الكبير الذي يحوز لنفسه، فأما الولد الصغير الذي يحوز له أبوه، فتبطل الصدقة برجوع الأب إلى سكنى الدار التي تصدق بها، وإن كان ذلك بعد المدة الطويلة.
قال ذلك محمد بن المواز في كتابه، وهو بيّن من قول ابن القاسم، في رسم أوصى من سماع عيسى بعد هذا، فهو بين قوله حيثما وقع روايته عن مالك، وكذلك الرهن يبطل الحيازة فيه برجوعه إلى يد المرتهن، وإن كان ذلك بعد أن انقطع المرتهن بحيازته إياه انقطاعا بينا؛ لأن الحوز في الرهن آكد منه في الصدقة والحبس؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] ، وبالله التوفيق.
: العطية من بيت المال
ومن كتاب
تأخير صلاة العشاء قال ابن القاسم: وقال مالك: كان رجال ببلدنا هذا من أهل الفضل والعبادة، يردون العطية يعطونها، حتى إن كان بعضهم ليؤامر نفسه، يعني بذلك إن كان يرى أن له عنها غنى.
قال محمد بن رشد: يريد بالعطية التي كانوا يردونها ولا يقبلونها العطية من بيت المال.
والله أعلم.
وفي قوله: حتى إن كان بعضهم ليؤامر نفسه - نظر؛ لأن الذي يرد العطية ولا يؤامر نفسه في ذلك، أزهد فيها من الذي يؤامر نفسه في أخذها أو ردها، و"حتى" غاية تدل على أنه أراد منهم من يرى في الزهادة والعبادة، على الذين يردونها ولا يقبلونها، فكان وجه الكلام أن يقول: حتى إن كان بعضهم لما يؤامر نفسه في قبولها فيردها، وإن كان يرى أنه لا غنى به عنها، وردهم إياها يحتمل أن يكون زهادة فيها مع جواز أخذها لهم، لا كراهية فيه، إذا كان المجبى حلالا وقسم بوجه الاجتهاد، دون أثرة ولا محاباة، وهذا نهاية في الزهد والفضل؛ لأنه يترك حقه الجائز به أخذه ويؤثر به غيره ممن يعطاه، وإن كانت به حاجة إليه.
من الصنف الذين أثنى الله تعالى عليهم في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] .
وإن كان المجبى حلالا ولم يعدل في قسمته فمن أهل العلم من يكره الأخذ منه، وأكثرهم يجيزه، وأما إن كان المجبى يشوبه حلال وحرام، فمن أهل العلم من يجيز الأخذ منه، وأكثرهم يكرهه، وأما إن كان المجبى حراما فمن أهل العلم
من حرم الأخذ منه، وَرُوِيَ ذلك عن مالك، ومنهم من أجازه، ومنهم من كرهه وهم الأكثر.
وقد مضى في آخر سماع سحنون من كتاب الشهادات، القول في هذا المعنى مستوفى، ومضى في رسم شك في طوافه قبل هذا، استجاب ترك الرجل قبول ما وصل به.
وبالله التوفيق.
مسألة: السائل يقف بالباب فيأمر له بدرهم فيجده قد انصرف
مسألة وسئل مالك: عن السائل يقف بالباب، فيأمر له بدرهم، فيجده قد انصرف، أترى أن يسترجعه؟ قال: لا، ولكن يتصدق به، قيل له: فالكسوة، قال: كذلك يتصدق بها.
قال محمد بن رشد: زاد في هذه المسألة في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب العارية، وليس ذلك عليه بواجب، فهو يبين قوله في هذه الرواية، ومثله الرجل يلقاه الرجل من إخوانه أو أقاربه، فيسأله أن يصله، فيبعده بذلك، ثم لا يجده، أو الأجنبي يلقاه الرجل، فيسأله، فيبعده، ثم لا يجده، إلا أن أخفها الذي يعد الرجل من إخوانه أو أقاربه، ويليها الرجل الذي يعد الرجل الأجنبي، ويليها الذي يأمر للسائل بشيء دون عدة، فلا يوجد، وأشدها كلها ما قاله ابن أبي زيد أن يخرج بالصدقة إلى السائل، قال: يقبلها.
وقد مضى الكلام على ذلك في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب العارية، وبالله التوفيق.
مسألة: يتصدق على ابن له بدار غائبة فلا يقبضها حتى يموت أبوه
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يتصدق على ابن له حاضر معه بدار له
غائبة عنه ببلاد غير بلاده، فلا يقبضها ابنه حتى يموت أبوه، أتراها له؟ قال: إن كان صغيرا أيحوز له ويليه، فإني أرى له ذلك، وإن كان كبيرا فإني لا أرى له، فقلت له: فإنه لم يفرط في الخروج، لعله كان يريد الخروج حتى مات أبوه، وقال: وكذلك أيضا لو كان غيره ممن ليس هو مثله في القرابة.
وقد قال عمر بن الخطاب: إن لم يحزها فهي على الوارث، فإني أرى إن لم يحزها فهي للورثة.
قال محمد بن رشد: الدار على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها في الحيازة بخلاف الأرض؛ لأن لها حيازة، تحاز بها، فإن كانت حاضرة، فحازها الموهوب له بالقبض لها والعقد عليها، وإن لم يسكنها فهي حيازة، وإن لم يفعل ذلك حتى مات الواهب بطلت الهبة، ولا خلاف في هذا.
وأما إن كانت غائبة، فاختلف فيها على ثلاثة أقوال:
أحدها: الحيازة لا تكون فيها عاملة، إلا أن يخرج إليها فيحوزها بالقبض لها والقفل عليها قبل أن يموت الواهب، فإن مات الواهب قبل ذلك، بطلت الهبة، وإن كان الموهوب له لم يفرط في الخروج أو التوكيل وهو قوله في المدونة، وفي هذه الرواية، ومثله في كتاب ابن المواز.
والثاني: قول أشهب: إنه لم يفرط في الخروج والقبض، ولعله قد تهيأ لذلك، أو وكل فلم يخرج حتى مات الأب، فهي جائزة وإن أمكنته الحيازة ففرط حتى مات، فهي باطل.
والثالث: إنه لم يفرط فخرج قبل أن يموت الواهب، فهي حيازة وإن لم يدرك قبضها في حياته، فقبضها بعد وفاته ولا اختلاف في أنه إذا فرط في الخروج، فمات الواهب قبل أن يخرج، أو خرج قبل أن يموت، فلم يدرك أن يقبض حتى مات، من أجل أنه فرط في الخروج، فهي باطل.
وأما الأرض، فإن تصدق بها في أوان يمكن حيازتها بحرث أو زراعة أو كراء، وما أشبه ذلك، كالدار سواء إن كانت حاضرة، فلم يحزها بشيء
من ذلك حتى مات المتصدق، فهي باطل، وإن كانت غائبة، فعلى الاختلاف الذي ذكرته في الدار الغائبة.
وأما إن تصدق بها في أوان لا يمكنه حيازتها بحرث ولا عمل ولا كراء، فالإشهاد على الصدقة وقبول المتصدق عليه حيازة إن مات المتصدق بها قبل أوان حيازتها.
وقال مطرف وأصبغ: وإن جددها الشهود وأوقفهم عليها فذلك أقوى للحيازة، وإن جددها في كتاب الصدقة، ولم يقف عليها الشهود، فذلك أيضا حوز، وهو دون الأول.
وإن لم يمت المتصدق حوزها فلم يحزها بالحرث والعمل حتى يموت المتصدق فهي باطل.
وفرق ابن القاسم في الحيازة بين الدار الغائبة والدار التي لا يمكن حيازتها، فقال في الدار: إن الصدقة باطل، إلا أن يخرج إليها فيحوزها بالقبض لها قبل موت المتصدق، ولم يغدره بمغيبها ... وعدم في الحال على حيازتها.
وقال في رسم الأرض: إنه إن مات المتصدق بها قبل إمكان حيازتها، اكتفى بالإشهاد فيها ولم تبطل الصدقة بها.... في الحال على حيازتها، ولا فرق بينهما في المعنى، فهو اختلاف من قوله، وقد رأيت ذلك لابن زرب، وأما إن تصدق بالأرض وهي غائبة قبل إبان حيازتها، فلا يضره التراخي في الخروج إلى حيازتها إذا خرج بعد ذلك في وقت يصل قرب إمكان حيازتها بالحرث؛ لأنه لو وصل قبل إمكان حيازتها لاكتفى في حيازتها بالقول، ما لم يأت إبان حيازتها على أصله المتهدم.
وهذا كله فيمن يحوز لنفسه ولو كبيرا أو أجنبي، وأما الولد الصغير فحيازة أبيه له حيازة في كل حال، وبالله التوفيق.
: اشترى لابنه غلاما وكتب له كتابا بذلك فمات الأب بعد ذلك بسنة
ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق قال: وسئل مالك: عمن اشترى لابن له صغير في حجره غلاما وكتب له كتابا وأشهد له أنه إنما اشتراه لابنه، فمات الأب بعد ذلك بسنة، فقال الورثة للصبي: نحن ندخل عليك في هذا الغلام.
قال مالك: ليس ذلك لهم وأرى إذا أشهد الأب على شرائه أنه له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال في أنه لا دخول للورثة على الابن في الغلام الذي اشتراه، وإن لم يجزه له، وإن أخذها الأب لنفسه؛ لأن أصل شراء العبد، إنما هو للابن، فلم يهبه الأب له، فيحتاج إلى أن يحوزه له بالثمن الذي اشتراه به له.
فصح له ملكه بالشراء.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن قول مالك هذا في هذه المسألة، خلاف لقول أصبغ، من روايته في سماعه الثاني الواقع بعد سماع أبي زيد في آخر الكتاب، وليس ذلك بصحيح؛ لأنه لم يقل في هذه المسألة: إنه اشترى الغلام لابنه من مال ابنه؛ فإن عرف لابنه مال من وجه من الوجوه، جاز قول الأب، وكان الشيء الذي ذكر أنه اشتراه بماله وملكه بنفس الشراء، ولم يفتقر إلى حيازة الأب إياه له.
وأما إن لم يعرف لابنه مال بوجه من الوجوه، لا من إرث ولا من غيره، ثم مات الأب، فقال أصبغ: إن ذلك توليج من الأب له، يكون ميراثا بين جميع الورثة، ولا ينتفع الابن بحيازة أبيه ذلك، له، فقول أصبغ هذا ليس بخلاف لقول مالك في هذه المسألة، وإنما هو خلاف لقوله فيما مضى في رسم الشجرة، في أن الابن ينتفع بحيازة أبيه فيما ولاه أو باعه بالثمن اليسير، وإن كان لم يسم ذلك صدقة ولا هبة، وهو قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة.
حكى ابن حبيب عنهما أنهما قالا: وإذا أشهد
الأب أنه باع من ولده هذا الدار بكذا وكذا دينارا كانت في يديه من ميراث له، أو أعطيته أو مما يذكر، فذلك جائز، إذا ذكر لذلك سببا ووجها يعرف لحوز الصغير والكبير، دون حيازة، وإن لم يعرف ما قال، ولم يعرف للمال سبب، لم يجز ذلك على وجه البيع، ويصير بمعنى العطية فيما حيز وفيما لم يحز قالا: وكذلك إذا أشهد أن للابن عليه مائة دينار، من سبب كذا وكذا، وكذلك يعرف، فذلك جائز، وإن لم يعرف لذلك سبب فلا يجوز ذلك.
قال ابن حبيب: وقال ذلك أصبغ، فقول أصبغ في الواضحة خلاف قوله هذا في سماعه من العتبية، مثل قول مطرف وابن الماجشون، ومثل قول مالك في رسم الشجرة، خلاف لقول ابن القاسم فيه من رواية عيسى في كتاب داود حسبما بيناه هناك من أن قول ابن القاسم مخالف لقول مالك، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل ينحل ولدا له عند موته فيتزوج به ابنه امرأة ويصدقها
مسألة قال مالك، في الرجل ينحل ولدا له عند موته في مرضه، فيتزوج به ابنه امرأة ويصدقها غلة ذلك ونصيبها، أو يكون أبوه زوجها إياه، وأصدق عنه عند موته في مرضه من ماله، قال: أرى الصداق مردودا على ورثة الهالك، ولا يجوز للميت أن يعطي بعض ولده دون بعض عند موته، إلا أن يأذنوا في ذلك، وأرى صداق المرأة دينا على زوجها متى وجدته عنده أخذته به.
قال مالك: ومثل ذلك الرجل، يسرق السرقة ثم يتزوج بها المرأة، ويصيبها، ثم يأتي رب السرقة، فيكون أحق بماله، وترجع المرأة على زوجها بذلك، فيكون دينا لها عليه.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف ولا كلام فيما ذكر، من أن الصداق مردود على ورثة الهالك في المسألتين جميعا، تزوج هو مما نحله أبوه في مرضه، أو زوجه أبوه في مرضه، وأصدق عنه، كما يرد ما أصدقها إذا
كان مسروقا على رب السرقة، وإنما الكلام فيما ترجع به المرأة على زوجها إن كان بقيمة الصداق، الذي استحق من يدها أو بصداق مثلها، فقيل: ترجع عليه بصداق مثلها، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية، وأرى صداق المرأة دينا على زوجها، وقيل: ترجع عليه بقيمة الصداق الذي استحق من يدها، وهو ظاهر قوله في آخر المسألة، وترجع المرأة على زوجها بذلك، فالقولان قائمان من هذه الرواية، والقول الأول هو القياس، على حكم الاستحقاق في البيوع؛ لأن ما استحق من يدها هو عوض بضعها فلما فات البضع بالعقد عليه لما يوجبه من الحرمة، وجب أن يرجع بقيمته، وهو صداق المثل.
وقد قيل: إنه لا يفوت بالعقد إذا استحق الصداق، وهو عرض قبل الدخول المفسد النكاح، والقول الثاني هو المشهور في المذهب، ويختلف أيضا هل يحال بينه وبين وطئها حتى يعطيها حقها، أو يتمادى على وطئها؟ في ذلك اختلاف وتفصيل.
وقد مضى بيانه مستوفى في رسم الطلاق من سماع أشهب، من كتاب النكاح، فلا معنى لإعادته.
وبالله التوفيق.
: تصدق عن امرأته وابن لها ببعض حائط فأرادت المرأة أن تبيع حصتها
ومن كتاب البر وسئل مالك: عن رجل تصدق عن امرأته وابن لها صغير، ببعض حائط، فأرادت المرأة أن تبيع حصتها، وأراد الأب أن يبيع لابنه، فقال له مالك: أحبس هو؟ قال: لا ولكنه صدقة بتلا، قال: يبيعون إن أحبوا أو يمسكون، فقيل له: إن الابن صغير في حجره، وقد أراد أن يبيع، نظرا له، أفترى على المشتري في ذلك شيئا؟ قال: لا، قيل: وهل ترى للأب أن يبيع؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا إشكال فيها، ولا تفتقر إلى بيان.
وبالله التوفيق.
مسألة: طلب لرجل منزلا يكريه إياه فقال ليس هو لي هو لابنتي
مسألة وسئل: عن رجل طلب لرجل منزلا يكريه إياه، فقال: ليس هو لي، هو لابنتي، حتى أستشيرها في ذلك، فمات الأب، وطلبت الابنة المنزل، فأشهدوا لها من قول أبيها، قال: لا أرى ذلك ينفعها، إلا أن تكون حازت ذلك، ويكون لها على صدقتها أو هبتها شهود، وحيازة.
قال أبو بكر لعائشة: لو كنت حزينة كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث.
فقيل له: فلو كانت الابنة صغيرة في حجره.
قال: لا أرى هذا شيئا قد يعتذر الرجل بمثل هذا لمن يريد أن يمنعه، ولا أرى ذلك بشيء، ولا يكون لصغيرة كانت أو لكبيرة، إلا أن يكون شهود على الصدقة وحوز من الكبيرة.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في أول سماع أشهب من كتاب الدعوى والصلح، مثل ما في رسم العشور وسماع عيسى منه، إن ذلك لا يوجب الشيء المقر به للمقر له، إذا لم يقصد بذلك إلى الإقرار، وإنما قصد به إلى الاعتذار، ويلزمه اليمين إن لم يكن المقر له ابنة، وادعى ذلك الشيء ملكا لنفسه قديما، يقر بذلك الإقرار، فإن نكل عن اليمين حلف المقر له واستحقه، قال ذلك أصبغ في رسم العشور المذكور، وهو مفسر لقول مالك وابن القاسم، وهذا إذا عرف الأصل المقر، وأما إن لم يعرف الأصل له، وإقراره للمقر له، وإن كان على هذا الوجه من الاعتذار، عامل على ما في رسم الكبش من سماع يحيى من كتاب العتق.
ودليل ما في رسم العشر المذكور، وسواء على مذهب مالك قال في اعتذاره هو لفلان، وقد تصدقت به عليه، أو وهبته له، أو بعته منه، يبين ذلك ما وقع له في أول سماع أشهب
بعد هذا من هذا الكتاب.
وقال أصبغ: إذا قال وهبته أو تصدقت به أو بعته، فهي حقوق قد أقر بها على نفسه، يريد فيؤخذ بها إذا ادعى ذلك المقر له بغير هذا الإقرار.
وقد اختلف إذا خطبت إلى رجل ابنته، فقال: قد زوجتها فلانا، فطلب ذلك المقر له، على ثلاثة أقوال: أحدها: أن النكاح يجب له طلبه بذلك القول أو بقول متقدم، وهو أحد قولي أصبغ، وإليه ذهب ابن حبيب.
والثاني: الفرق بين أن يطلبه بذلك القول أو بقول متقدم، وهو قول ابن كنانة في كتاب الدعوى وقول أصبغ، وروايته عن ابن القاسم، في رسم النكاح من سماع أصبغ من كتاب النكاح.
والثالث: أنه لا شيء له، طلبه بذلك القول، أو بقول متقدم، وهو قول ابن المواز، وبالله التوفيق.
: يتصدق بماله كله لله ويتخلى منه
ومن كتاب أوله باع غلاما وسئل: عن الرجل يتصدق بماله كله لله، ويتخلى منه.
قال: إن كان صحيحا فلا بأس، واحتج في ذلك بقول أبي بكر حين ندب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صدقة أبي بكر حين أتى بماله كله، وليس لورثته إن كانوا له أن يمنعوه هذا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن ذلك جائز للرجل إذا كان صحيحا ليس لورثته أن يمنعوه من ذلك.
والأحسن للرجل أن يبقي على نفسه بعض ماله، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] . وقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29] .
وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] .. وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول» ، «وقال كعب بن مالك: "إن من توبتي أن أنخلع من مالي.
فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك» ، وروي «أن رجلا تصدق بكل شيء له في زمن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "قد قبلت صدقتك» فأجاز الثلث، وروي «أن رجلا أعطى ماله في زمن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "أبقيت للوارث شيئا، فليس لك ذلك ولا يصح لك أن تستوعب مالك".» «وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي لبانة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه قال: يا رسول الله، أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأجاورك وأنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يجزيك من ذلك الثلث".» ومما يدل على الأفضل للرجل أن يبقي على نفسه بعض ماله، وأنه يكره له أن يتصدق بجميعه، أن من نذر أن يتصدق بجميع ماله، لا يلزمه عند مالك وجميع أصحابه أن يتصدق منه إلا بثلثه، لقوله «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - لأبي لبانة، وقد نذر أن يتصدق بجميع ماله: "يجزئك من ذلك الثلث» ، وأما صدقة أبي بكر بجميع ماله فقيل: إنها كانت لاستيلاف الناس واستنقاذهم من الكفر، وذلك حينئذ واجب.
قاله اللخمي وفيه نظر.
وبالله التوفيق.
مسألة: يشتري المتاع في الحج لبعض أهله ثم يموت
مسألة وسئل مالك: عما يشتريه الرجل في مثل الحج وغيره من الثياب وغير ذلك، ويقول: هذا لامرأتي، وهذا لابنتي، وهذا لابني، ثم يموت، قال: أراه بين الورثة، إلا أن يشهد عند قوله وهو في يديه، ويقول: اشهدوا أن هذا لامرأتي أو لابنتي فإن أشهد بذلك لهم.
والذي يبعث بالشيء إلى الرجل على مثل هذه الحال إن مات الذي بعث.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء، من أنه إذا أشهد في سفره فيما اشتراه أنه لأهله، جاز ذلك لهم، وإن مات وهو في يد قبل أن يصل.
ونص في هذه الرواية على الزوجة، فدل ذلك من قوله على أن ذلك جائز لمن يجوز له من أهله كولده الصغار، ولمن لا يجوز لهم منهم، كولده الكبار، والزوجة، ومن أشبههم وذلك كالنص منه على ذلك لتنظيره ذلك، بالذي يبعث بالشيء إلى الرجل على مثل هذا الحال إن مات الباعث قبل أن يصل المبعوث معه إلى المبعوث إليه، فجعل ما اشتراه في سفره، وأشهد عليه أنه لأحد من أهله فمات قبل أن يصل وهو في هذه بمنزلة ما بعت به فمات وهو بيد الرسول قبل أن يصل، ولا إشكال في مسألة الرسول؛ لأن الرسول قابض للمبعوث إليه، وحائز له عند الواهب الباعث، خلاف ما تأوله ابن القاسم على مالك من أن معنى ذلك عندي فيمن يحوز له من صغار ولده.
وقع في التفسير الثالث: سألت ابن القاسم عن قول مالك في الرجل يشتري المتاع في الحج لبعض أهله ثم يموت قبل أن يبلغهم ذلك المتاع، إنه لهم ولا حيازة عليه فيه.
قلت: لم رأى ذلك مالك لهم وهو لم يبين من يده مع رسول فيكون دفعه إلى الرسول كالحوز؟ فقال: إنما محمل هذا عندنا عن قول مالك: إنه
إنما أراد أن يكون اشتراه لأصاغر ولده، ولمن يلي من بناته ممن يكون جائزا عليهم، فيكون اشتراؤه إذا أشهد لهم عند الشراء، بمنزلة الهبة والعطية والصلة إذا أشهد عليها.
قال محمد بن رشد: وصار جائزا لهم، وخلاف ما رواه علي بن زياد عن مالك، من أن الإشهاد لا ينفع في ذلك إلا من تجوز عليه من ولده الصغار، وأما الولد الكبير والأجنبي، فلا يجوز إلا أن يجوزه غيره، فلم يقدره في رواية علي بن زياد عنه بكونه في السفر، وعدم من يسلمه فيه يحوز لهم، وكذلك ابن القاسم.
وعذره بذلك مالك في هذه الرواية وفيما وقع له في المدونة، وذلك على ما ذكرناه من الاختلاف في رسم تأخير صلاة العشاء، وفي الرجل يتصدق على ابنه الكبير الحاضر معه بالدار الغائبة عنه فيموت قبل أن يصل الابن إليها ولم يفرط.
: له ابنان فتصدق على أحدهما بعبد وهو صغير
ومن كتاب أوله صلى ثلاث ركعات وسئل مالك: عن رجل كان له ابنان، فتصدق على أحدهما بعبد وهو صغير، ثم كبر الغلام وهو في ولاية أبيه، فأعتق أبوه العبد الذي تصدق به على ابنه، وأعاض ابنه عبدا هو أدنى من ذلك العبد أو مثله.
قال مالك: إن كان ذلك وهو في ولاية أبيه، فإن ذلك جائز له، وإن كان قد وَلِيَ نَفْسَهُ لم أر ذلك؛ لأنه إن شاء قال لا أجيز ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا على أصله، وما يأتي له في رسم استأذن من سماع عيسى بعد هذا من أن عتق الرجل عند ابنه الصغير، يجوز إن كان له مال، وتكون قيمته له عليه، ولا يجوز له عتق عبد ابنه الكبير، فإذا أعتق عبد
ابنه الصغير، الذي وهبه إياه وأعاضه عبدا آخر مثله أو أرفع منه، مضى ذلك وجاز.
وأما إن كان العبد الذي أعاضه أدنى منه، فظاهر الرواية أن ذلك جائز على ابنه، والقياس أن يكون له على أبيه تمام قيمته إن كان له مال، وإن لم يكن له على أبيه تمام قيمته إن كان له مال، وإن لم يكن له مال، ورق منه للابن ما راد على قيمة العبد الذي أعاضه به، إلا أن يطول ذلك على ما قال في الرجل يعتق عبد ابنه الصغير، ولا مال له؛ لأن العبد قد وجب له بصدقة أبيه عليه وحيازته له، إلا أن يفرق في هذا بين حيازة الأب لابنه الصغير، وحيازة الكبير لنفسه، فيقال: إن الرجل إذا وهب لابنه الصغير عبدا ثم أعتقه، فعتقه جائز، كان له مال أو لم يكن، بخلاف إذا أعتق عبده الذي صار له بميراث أو شراء أو هبة من غرة، فهو ظاهر قوله في هذه الرواية.
وقوله: وإن كان قد ولي نفسه لم أر ذلك؛ لأنه إن شاء قال: لا أجيز ذلك - معناه: إن كان قد قبضه وحازه على ابنه، وأما إن كان أعتقه قبل أن يقبضه، فعتقه جائز له، عوضه منه بغيره أو لم يعوضه، على ما قاله في المدونة وغيرها ولا خلاف فيه.
مسألة: أخذا صدقة ليقسماها فوجدا مدبرة هل ترى أن يخرجا منها في مدبرة فيعتقاها
مسألة وسئل: فقيل له: إن ابن أبي حازم وأبا صخرة وضع عندهما الوالي صدقة ليقسماها، فوجدا مدبرة، هل ترى أن يخرجا منها في مدبرة فيعتقاها؟ قال محمد بن رشد: خلاف مذهبه في المدونة من أنه لا يباع المدبر ممن يعتقه، وإنما الذي يجوز أن يأخذ سيده فيه مالا على أن يعتقه، فيكون ولاؤه له، فلا يجوز على مذهبه في المدونة للرجل أن يشتري مدبرا فيعتقه من زكاته، وقد اختلف إن فعل، هل يجزيه أم لا؟ فيجزيه على القول بأن من اشترى مدبرا فأعتقه لا يرد ولا يجزيه، على القول بأن من اشترى مدبرا فأعتقه يرد، والقولان في نوازل أصبغ من كتاب زكاة العين، فيلزم على قياس هذا
في اللذين جعل الوالي عندهما صدقة ليقسماها ألا يخرجا منها في مدبرة، فيعتقاها فإن فعلا ضمانها إن فات المدبر ولم يوجد على القول بأنه يرد ولم يلزمهما شيء على القول بأنه لا يرد، ويحتمل أن يكون معنى ما في هذه الرواية، أنهما وجدا مدبرة تباع في موضع يجوز بيعها فيه، فلا يكون على هذا التأويل قول مالك هذا، خلاف لما في المدونة وغيرها، بالله التوفيق.
: رجل تصدق له على ابن له صغير بمائة شاة
ومن كتاب أوله مرض وسئل مالك: عن رجل تصدق له على ابن له صغير بمائة شاة، وكتب ذلك في كتاب، قال: ثم لبث سنة، ثم كتب كتابا آخر تصدق فيه على ابنه ذلك برمك هي أفضل من الغنم، وتصدق بتلك الغنم على امرأته في ذلك الكتاب، ولم يكتب في ذلك الكتاب إلا الرمك عوضا من تلك الغنم، غير أن الذي تصدق به في هذا الكتاب الآخر، أفضل مما حق له إلى غيرها.
قال مالك: إن كان ابنه صغيرا في ولاية أبيه، جازت له الرمك الذي كتب له في الكتاب الآخر، وسقطت الغنم، وذلك أنه حين أعطى زوجته الغنم، قد انتزعها، وإنما ذلك كهيئة ما لو باع الغنم وخرجت من يده، فلا أرى له إلا الرمك إذا كان في ولاية أبيه أو كان كبيرا فحاز ذلك الابن وقبضه، كانت له، وإن كانت أفضل من الغنم.
قال محمد بن رشد: وجه ما ذهب إليه مالك في هذه الرواية، أنه رأى ذلك لما كان في كتاب واحد، معاوضة لابنه، وإن لم يذكر في الكتاب أن
الرمك، إنما أعطاها له عوضا من الغنم، فجاز ذلك على الابن إذا كان صغيرا في حجره، كما لو باع الغنم عليه بالرمك من غيره.
فقوله: وإنما ذلك بمنزلة ما لو باع الغنم وخرجت من يده - يمضي على قوله: وذلك أنه حين أعطى زوجته الغنم قد انتزعها، إذ لا يصح انتزاعها منه؛ لأنها صدقة، والصدقة لا تعتصر، ويلزم على قياس هذا الذي وجهنا به قول مالك وحملناه عليه من أنه رأى ذلك بيعا للغنم على ابنه الصغير من نفسه بالرمك، لا يجوز ذلك، على أنه إن كان كبيرا إلا برضاه، حاز الغنم أو لم يحزها، فإن رضي بذلك جاز، وإن ليحز الرمك؛ لأنها ليست بموهوبة، وإنما هي ثمن للغنم الموهوبة، ففي قوله: وإن كان كبيرا فحاز ذلك الابن وقبضه كانت له، وإن كانت أفضل من الغنم نظر؛ لأن ذلك من قوله يدل على أنه لم ير ذلك معاوضة له عن الغنم بالرمك، وإنما رآه انتزاعا، الغنم وهبة للرمك، ولذلك شرط الحيازة فيها والانتزاع في الغنم لا يصح لأنها صدقة.
وبالله التوفيق.
: يعطى الرجل العطية لمن يبره منهم
ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها
وسئل مالك: عن الرجل يكون له ولد فيبره بعضهم، فيريد أن يعطيه من ماله دون بعض، أذلك له؟ قال: نعم، لا بأس به، ذلك له.
قال محمد بن رشد: إنما أجاز مالك أن يعطى الرجل العطية لمن يبره منهم؛ لأنه لم يقصد بذلك إلى تفضيل بعض ولده على بعض، وإنما أعطى البار جزاء على بره وحرم العاق أدبا لعقوقه، فلا مكروه في ذلك إن شاء الله.
وإنما المكروه أن يفضل بعض ولده على بعض، فيخصه بعطية، مخافة أن يكون ذلك سببا إلى أن يعقه الذي أحرمه عطيته، أو يقصر فيما يلزمه من البر به، حسبما مضى القول فيه في رسم الشجرة.
مسألة: يعطي بعض ولده جل ماله ويترك سائرهم
مسألة وسئل: عن الرجل يعطي بعض ولده جل ماله، ويترك سائرهم، قال: إن ذلك ليكره، ولقد أعطى أبو بكر عائشة عشرين وسقا.
وإن القضاة والأمراء ليمضون ذلك، فقيل له: أفترى أن يرد؟ فقال: إنه ليكره، وما قال في الرد شيئا.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله: إنه أجاز للرجل أن يعطي لبعض ولده العطية دون بعض، إذا لم يكن ذلك جل ماله.
ومثل هذا في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، خلاف ما يدل عليه قوله في المسألة التي قبل هذا.
فتحصيل القول في ذلك أنه لا اختلاف أنه يكره للرجل أن يهب لبعض ولده دون بعض جل ماله، ويختلف في هبة الرجل الأقل من ماله لبعض ولده دون بعض، فقيل: إنه جائز لا بأس به، وهو قوله في هذه الرواية، وفي رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب.
وقيل: إنه مكروه على ظاهر حديث النعمان بن بشير.
وهو مذهب ابن القاسم، على ما ذكرنا في رسم الشجرة، ودليل قول مالك في المسألة التي قبل هذه.
وأما هبة الرجل جميع ماله لبعض ولده دون بعض، فقيل: إن ذلك لا يجوز ويرد، وهو مذهب مالك على ما مضى في رسم الشجرة، ويأتي في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب، وقيل: إنه مكروه، وهو مذهب ابن القاسم حسبما ذكرناه في رسم الشرة، وبالله التوفيق.
مسألة: يتصدق على ابنه بالغنم
مسألة وسئل: عن الرجل يتصدق على ابنه بالغنم، أيكتسي من
صوفها؟ قال: نعم، لا أرى بذلك بأسا ويأكل من لحومها ويشرب من ألبانها إذا أعطاها ابنه، فقيل له: فالحائط يتصدق به على ولده، أيأكل من ثمرة إذا أطعمه؟ قال: نعم، لا بأس بذلك.
قال ابن القاسم: ولم أره مثل الأجنبي.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها، فلا معنى لإعادته.
: قوم كان لهم في منزل صدقة من جدهم
ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه قال: وسئل مالك: عن قوم كان لهم في منزل صدقة من جدهم، وإنما خربت وألقى الناس عليها نقلهم، وكانَ أَهْلُ الصَّدَقَةِ رَجُلًا وَأُخْتَيْنِ لَهُ، وأنهم أرادوا أن يصلحوا، فقالت لأخيها: لو ضربت هذا النقل لنا فَطَوَّبْتُهَا وبعتها وأصلحت هذا المنزل وبنيته؟ فإن كان فيه كفافا كذلك، وإن زدت من عندك، فاحتجت أن ندخل معك فيه، رددنا إليك ما أنفقت.
قال: أرى ذلك جائزا له، ولكني أرى أن يأتي السلطان حتى يكون هذا الذي يأذن له، قال: إنه لا يخاصمه أحد، قال: قد أعرف، ولكن أحب إلي أن يأتي السلطان حتى يأذن له بذلك القاضي، فهو أحب إلي.
قال محمد بن رشد: إنما رأى أن لا يفعل ذلك إلا بإذن السلطان، من أجل أنه حبس له مرجع النظر فيه إلى السلطان، فرأى ألا يحدث فيه شيئا إلا بإذن السلطان الذي إليه النظر في المرجع لئلا يغير الحبس عما كان عليه.
: تصدق على امرأته بخادم له
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وسئل مالك: عن رجل تصدق على امرأته بخادم له وهي معه في البيت، فكانت تخدمها على حالها ما كانت عليه، قال: إذا كانت تخدمها فلا أراها إلا لها.. قال سحنون: وكذلك لو كان رهنها خادما.
فكانت عندها تخدمها على حال ما كانت، إن الرهن جائز، وإن حوزها لها حوز، وقال سحنون: من أحوز لها منها؟
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى تحصيل القول فيها في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم من كتاب الرهون.
وقلنا: إنه يتحصل فيها ثلاثة أقوال فيما بين الصدقة والرهن:
أحدها: إن ذلك جائز، وهي حيازة في الرهن والصدقة، وهو قول سحنون في هذه الرواية؛ لأنه إذا رأى الحيازة عاملة في الرهن، فأحرى أن يراها عاملة في الصدقة.
والثاني: إنها غير عاملة فيهما جميعا، وهو قول مالك في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم من كتاب الرهون وقوله في رسم الوصايا بعد هذا من سماع أشهب؛ لأنه ضعيف الحيازة في الوضعين في الصدقة، فأحرى أن يضعفها في الرهن.
والثالث: الفرق بين الصدقة والرهن، وهو قول ابن القاسم في سماع أصبغ من كتاب الرهون، وكذلك لو تصدقت هي بالخادم التي تخدمها على زوجها، أو رهنته إياها بدليل ما وقع في رسم الوصايا من سماع أشهب بعد هذا من استدلاله بهبتها له على هبته لها؛ لأن أيديهما جميعا على الخادم، فمرة على يده، ومرة على يدها، والأظهر أن يغلب يده، فيفرق بين أن تكون هي التي وهبته أو رهنته، وبين أن يكون هو الذي وهبها أو رهنها؛ لأن يده أقوى من يدها، بدليل أنه لم يختلف قول مالك وابن القاسم في أن القول قول الزوج إذا اختلفا في متاع البيت، وهو مما يكون للرجال والنساء.
وقد قيل: إنه لا يد لها معه.
فالقول قوله إذا اختلفا في متاع البيت، وإن كان ذلك من متاع النساء.
وبالله التوفيق.
مسألة: تصدق على ابنه بمائة دينار وأفرزها ثم تسلفها
مسألة وسئل: عن رجل تصدق على ابنه بمائة دينار، وأفرزها ثم تسلفها ومات الأب وهي عليه، قال: لا أرى لابن فيها حقا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضت والكلام عليها في أول رسم من السماع ومضى أيضا في رسم طلق فلا معنى لإعادة ذلك.
: تصدقت على أبيها وأمها بصدقة ثم تتزوج فتطلب ذلك
ومن كتاب الأقضية من سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون قال سحنون: قال لي أشهب وابن نافع: سئل مالك: عن امرأة تصدقت على أبيها وأمها بصدقة، ثم تتزوج، فتطلب ذلك، قال: ليس ذلك بشيء من المرأة المولاة، وذلك عليها رد.
قال ابن نافع: ولو تزوجت ودخل بها زوجها، فأقامت سنتين أو أكثر من ذلك، ثم قامت بعد ذلك، وقالت: لم أكن أعلم أن ذلك لا يلزمني، رأيت ذلك لها وتحلف.
قال محمد بن رشد: قوله: إذا أقامت مع زوجها سنتين أو أكثر من ذلك تحلف، وكذلك يرد عليها ما تصدقت به على أبيها وأمها، يدل على أنه حكم لها بحكم الرشد والخروج من ولاية أبيها بمقامها عند الزوج سنتين أو أكثر.
وهي رواية غراه أغفلها الشيوخ المتقدمون، وحكموا برواية شاذة منسوبة إلى ابن القاسم، لا يعلم لها موضع: أنها لا تخرج من ولاية أبيها، ويحكم لها بحكم الرشد إلا بمقامها عند زوجها سبعة أعوام، ورواية ابن القاسم عن مالك: أنها لا تخرج من ولاية أبيها حتى تدخل فيها ويعرف من حالها، أي: يشهد العدول على صلاح حالها، وفي ذلك اختلاف كثير، يتحصل فيها