كتاب الجامع السابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ترك الكلام في المشكلات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما اللهم عونك.
كتاب الجامع السابع ومن كتاب قطع الشجر في أرض العدو، وفي ترك الكلام في المشكلات قال ابن القاسم: قال مالك كان الربيع بن خيثم يقول: ما علمت فقله، وما استؤثر عليك بعلمه فكله إلى عالمه.
قال محمد بن رشد: هذا أخذه، والله أعلم، من قوله عز وجل في المتشابهات ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: 7] . وقد اختلف في المتشابهات التي عناها الله عز وجل بقوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7] فقيل: هي ما استأثر الله عز وجل بعلمه مما لا سبيل لأحد إلى معرفته، نحو الخبر عن وقت نزول عيسى ابن مريم، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا، وما أشبه ذلك مما لا يعلمه أحد إلا الله.
وكذلك الحروف المقطعة مثل الم، والمص، وما أشبه ذلك.
فعلى هذا القول لا يعلم تأويل المتشابهات إلا الله، ويكون الوقف عند آخر قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7] وقيل بل المتشابهات المشكلات من الأحكام
التي لا نص فيها في الكتاب، وإنما جاءت فيه مجملة غير مفسرة ولا مبينة.
فعلى هذا يعلم الراسخون في العلم تأويل المتشابهات بما نصب الله عز وجل [لهم] من الأدلة على معرفتها، وبينه النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - منها، لأن الله عز وجل يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] والمعنى في ذلك أنه عز وجل نص على بعض الأحكام وأحال على الأدلة في سائرها، فعلى هذا يكون الوقف في الآية عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7] أي والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون مع العلم بتأويله ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: 7] . وقد مضى القول في تفسير هذه الآية في رسم البز، وبالله التوفيق.
إخبار الرجل عن نفسه بما فعله من طوافه على نسائه
في جواز إخبار الرجل عن نفسه بما فعله من طوافه على نسائه وقال مالك: قدم ابن عمر من سفر، فلما أصبح أخبرهم أنه طاف من ليلته على إحدى عشرة امرأة.
قال محمد بن رشد: هذا جائز أن يذكره الرجل على سبيل الشكر لله بما منحه الله من الصحة وأعطاه من القدرة على الاستمتاع الذي يلذ به ويؤجر عليه، وبالله التوفيق.
حكاية عن عطاء بن يسار في قصصه
قال مالك: كان عطاء بن يسار رجلا كثير الحديث، فجلس
إليه أصحاب له، وكان رجلا قاصا، وربما ترك أصحابه ومجلسه وجلس إلى غيرهم، فإذا قالوا له: لم تركتنا؟ قال: ما تركتكم ملالة لكم ولكن لتستريحوا وتتحدثوا بينكم ولا تملوا.
قال محمد بن رشد: هذا كان عطاء يفعله لما جاء من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كان يتخول الناس بالموعظة مخافة السآمة عليهم» وبالله التوفيق.
وجوب حمد الله على كل حال
في وجوب حمد الله على كل حال وفي قول أبي الدرداء في شداد بن أوس قال مالك: دخل أبو الدرداء على رجل وهو يموت، فجعل الرجل يحمد الله، فقال له أبو الدرداء قد أصبت، إن الله إذا قضى أمرا أحب أن يرضى به.
قال مالك قال أبو الدرداء: إن الله يؤتي الرجل العلم ولا يؤتيه الحلم، ويؤتيه الحلم ولا يؤتيه العلم، وإن أبا يعلى شداد بن أوس ممن آتاه الله العلم والحلم.
قال مالك: وكان أبو يعلى ابن عم حسان بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
قال محمد بن رشد: قول أبي الدرداء للذي سمعه يحمد الله وهو يموت أصبت إن الله يحب إذا قضى أمرا أن يرضى به من حكمه التي هو موصوف بها.
وروي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال فيه: «عويمر حكيم أمتي» فهو من الفقهاء العقلاء الحكماء، شهد ما بعد أحد من المشاهد، واختلف في شهوده أحدا.
وأمره عمر بن الخطاب على القضاء، وكان القاضي يكون خليفة الأمير إذا غاب.
وقيل بل استقضاه عثمان، وتوفي في خلافة معاوية قبل موته بسنتين.
ومحبة الله عز وجل للشيء ترجع إلى إرادته مثوبة العبد عليه.
وقال ابن عبد البر: لم يكن أبو يعلى شداد بن أوس ابن عم حسان بن ثابت كما قال مالك، وإنما كان ابن أخيه، وبالله التوفيق.
صفة الريح التي أرسل الله على عاد
في صفة الريح التي أرسل الله على عاد قوم هود قال مالك: حدثني زيد بن أسلم قال: فتح على قوم هود من الريح مثل حلقة الخاتم، ولو فتح عليهم مثل منخر الثور لأكفت الأرض أو نحو ذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في أول رسم من السماع، وبالله التوفيق والسداد.
كراهية طول البناء
في كراهية طول البناء قال مالك: مر عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على منزل طويل البناء، فلما رآه طويل البناء جلس في ظله حتى جاء صاحبه فقال له: ما حملك على أن أطلت هذا البناء؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما أطلته أشرا ولا رياء غير أني كنت ببلد يطيلون البناء فاتخذت مثله، قال: أظن الأمر على ما قلت، ولكن أقصره لا يتأسى بك أحد حتى ترده مثل الناس.
قال محمد بن رشد: التطاول في البنيان مكروه، وقد جاء أنه من
أشراط الساعة، وقد مضى الكلام على ذلك في رسم أخذ يشرب خمرا، ومضى الكلام في إنكار عمر بن الخطاب على أبي الدرداء ما بناه بحمص في رسم شك في طوافه ورسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه، فلا وجه لإعادة شيء من ذلك،.
وبالله التوفيق.
أول من اضطرب من الأئمة البناء
في أن عثمان أول من اضطرب من الأئمة البناء قال مالك: أول من اضطرب من الأئمة البناء عثمان بن عفان، وقال: إني أستحيي من الغسل فأحب أن أتخذ ما يكنني من ذلك.
قال محمد بن رشد: معناه أنه أول من اضطرب البناء من الأئمة في سفره إلى الحج وغيره، وبالله التوفيق.
لم يعذب الله قوما إلا نجى منهم من يخبر عنهم
في أن الله لم يعذب قوما إلا نجى منهم من يخبر عنهم قال مالك: لم يعذب الله قوما إلا نجى منهم من يخبر عنهم، قال: فنجت امرأة من قوم عاد يقال لها: هريمة فسئلت: أي عذاب الله أشد؟ فقالت: كل عذاب الله شديد، وسابقة الله ليلة لا ريح فيها، قالت: والله لقد رأيت العير بأحمالها ما بين السماء والأرض.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والتكلم عليه في أول رسم من السماع فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
ما جاء في صفة البعث في القبور
قال مالك: بلغني أنه إذا كان قبل الساعة أمطرت السماء أربعين ليلة حتى تنفلق الأرض عن الهام كما تنفلق عن الكمأة، قال والهام: رؤوس الناس.
قال محمد بن رشد: ليس في هذا ما يخفى فيحتاج إلى بيانه، وبالله التوفيق.
ما جاء في كثرة قوم نوح
قال مالك: بلغني أن قوم نوح ملئوا الأرض حتى ملئوا السهل والجبل، فما يستطيع هؤلاء أن ينزلوا إلى هؤلاء ولا هؤلاء أن ينزلوا إلى هؤلاء، فلبث نوح - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ينبت الشجر مائة عام لعمل السفينة ثم جففها مائة عام وقومه يسخرون منه في ذلك إذا رأوه يصنع ذلك حتى كان من قضاء الله عز وجل فيهم ما كان.
قال محمد بن رشد: جاء في التفسير أن الله عز وجل لما أوحى إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: 36] دعا فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26] الآية وقال: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [المؤمنون: 27] أي وبوحينا ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: 38] وكان يصنع بيده فيقولون له استهزاء به كنت نبيا فصرت
نجارا، قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40] ، أي انبعث الماء منه، وفي التنور غير قول: قيل عين ماء كانت بالجزيرة يقال لها التنور، وقيل كان التنور في أقصى داره، وقيل التنور أعلى الأرض وأشرفها.
﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: 40] ، منهم، أي الغضب وهو ابنه الذي غرق، ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40] ، قيل أربعون رجلا وأربعون امرأة، وقيل: لم ينج معه في السفينة من أهله إلا امرأته وثلاثة بنين له: سام وحام ويافث ونساؤهم، فجميعهم ثمانية، فسام أبو العرب ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش، وبالله التوفيق.
قول عبد الوهاب بن بخت
في قول عبد الوهاب بن بخت قال مالك: كان عبد الوهاب بن بخت له فضل وصلاح يقول: ما أحب أن أسير ليلة في طلب دنيا لا يعنيني غيرها وأن لي الدنيا.
قال محمد بن رشد: إنما كان يقول ذلك، والله أعلم، لقول الله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: 20] ، وبالله التوفيق.
ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهدي المرضي وحسن الخلق
فيما كان عليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الهدي المرضي وحسن الخلق قال مالك: «ما خير رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما» .
قال محمد بن رشد: وقع هذا الحديث في الموطأ بكماله لمالك عن هشام عن عروة عن عائشة قالت: «ما خير رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها» .
قال محمد بن رشد: «سئلت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عن خلق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: كان خلقه القرآن» فكان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يختار إذا خير في أمرين أيسرهما، لقول الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] ودين الله يسر، والحنيفية سمحة.
وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى شدائده» وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة» .
وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا ينتقم لنفسه لقول الله عز وجل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] وقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] . ومن هذا في القرآن كثير.
وقد كان له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ينتقم لنفسه لو شاء لكنه تأدب بأدب الله عز وجل في ترك الانتقام لنفسه، وهو في ذلك بخلاف غيره من الأمراء والخلفاء والقضاة والحكام، لا يجوز لأحد منهم أن يحكم لنفسه على أحد بحد ولا
أدب ولا مال، بل لا يجوز له أن يحكم بشيء من ذلك على أحد لأحد ممن لا تجوز شهادته له من أب أو ابن أو زوجة، ولا على من بينه وبينه عداوة وعلى أجنبي، وبالله التوفيق.
صاحب الشمال يكتب ما لا يكتب صاحب اليمين
في أن صاحب الشمال يكتب ما لا يكتب صاحب اليمين
قال: وحدثني عيسى بن دينار عن ابن وهب أن رجلا كان يسوق حمارا فعثر فقال له: تعست، فقال صاحب اليمين ما هي بالحسنة فأكتبها، وقال صاحب الشمال ما هي بالسيئة فأكتبها، فنودي صاحب الشمال أن اكتب [كل] ما ترك صاحب اليمين.
قال محمد بن رشد: في قول صاحب اليمين ما هي بالحسنة فأكتبها وقول صاحب الشمال ما هي بالسيئة فأكتبها دليل على أنه لا يكتب إلا الحسنات والسيئات، وأما المباح الذي ليس بسيئة ولا حسنة فلا يكتبه صاحب اليمين ولا صاحب الشمال.
فمعنى ما نودي به صاحب الشمال، والله أعلم، أن يكتب كل ما ترك صاحب اليمين فلم يكتبه من أجل أنه سيئة عنده، فصار صاحب اليمين هو القاضي على صاحب الشمال فيما يقول إنه سيئة.
والتعس: السقوط، فالدعاء به على الحمار سيئة لا حسنة كما قال صاحب اليمين، وبالله التوفيق.
ما يصاب به الأنبياء عليهم السلام
فيما يصاب به الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - قال ابن القاسم: حدثني سليمان بن القاسم أنه مات في
مسجد الخيف، يريد مسجد منى، أربعة آلاف من الأنبياء ما قتلهم إلا القمل والجوع.
قال محمد بن رشد: هذا مما يصاب به الأنبياء ليجازوا بالصبر عليه والتسليم لأمر الله والرضا بقدره، وبالله التوفيق.
ما يجوز للرجل من قسمة ماله بين ورثته في صحته
ومن كتاب الرطب باليابس ما يجوز للرجل من قسمة ماله بين ورثته في صحته قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: بلغني أن سعد بن عبادة قسم ماله بين ورثته ثم غزا فمات وولدت جارية له غلاما لم يعلم به، فلما سمع أبو بكر ذلك انطلق إلى ابنه فقال له: إن سعد بن عبادة قسم ماله ولا علم له بهذا الحمل، وقد ولد له غلام ولا شيء له فقاسموه، فقال قيس بن سعد: هذا أمر شديد لم يكن ليرد أمر سعد، ولكن ما أعطاني فهو له فهذا خير له، فقال أبو بكر قد رضيت وإنما طلب ذلك طلبا وكان سعد صنع ذلك في صحة منه.
قال محمد بن رشد: وقول مالك وابن القاسم: وإنما طلب ذلك طلبا صحيح، لأنه إذا كان إنما فعل ذلك في صحته لا يدخل في ذلك الاختلاف فيمن نحل بعض أولاده دون بعض جميع ماله، لأنه فعل ما يجوز له من التسوية بين بنيه ولم يتعد إذ لم يعلم بالحمل.
مرور المجتاز في المسجد
ومن كتاب أوله السلف في الحيوان والطعام المضمون في مرور المجتاز في المسجد قال مالك: بلغني أن سالم بن عبد الله كان يمر بالمسجد ولا
يركع فيه.
قال مالك: ما زال ذلك من شأن الناس يمرون ولا يركعون.
قال مالك: وقد بلغني أن زيد بن ثابت مر من المسجد ولم يركع، ثم رجع فكره أن يمر به الثانية، ولم يره يعجبه ذلك من فعل زيد في ترك المرور.
فقال ابن القاسم: ولا أعلم إلا أني رأيت مالكا مر فيه ولم يركع.
قال محمد بن رشد: قوله عن زيد بن ثابت ثم رجع فكره أن يمر به الثانية، يدل على أنه لم يرجع عن قوله الأول إلا أنه يكره أن يمر به ولا يركع.
وإنما كره أن يتكرر ذلك الفعل منه، فأباحه في المرة الأولى وكرهه في الثانية، خلاف قوله في المدونة إنه رجع في ذلك عن الإجازة إلى الكراهة.
فيتحصل في المسألة أربعة أقوال: الإجازة، والكراهة جملة من غير تفصيل، والفرق بين الأولى والثانية فيجوز في الأولى ولا يجوز في الثانية، وهو دليل قول زيد بن ثابت في هذه الرواية، وقد روى أشهب عن مالك نحو هذا القول، قال: سئل مالك عن مرور المرء في المسجد حين يخرج منه إلى حاجته ولا يركع فيه، قال: لقد كان يفعل ذلك، وإنه ليكره الإكثار منه.
قيل له: فالمرة والمرتين؟ قال: أرجو ألا يكون به بأس، وهو القول الرابع، وبالله التوفيق.
الركوع بعد صلاة الجمعة في المسجد
في الركوع بعد صلاة الجمعة في المسجد قال مالك: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا صلى يوم الجمعة انصرف ولم يركع» وإنه ليستحب للأمراء أن يفعلوا ذلك، أن يصلوا في منازلهم ركعتين إذا انصرفوا.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذه المسألة مستوفى في صدر رسم حلف أن لا يبيع سلعة سماها، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
الدخول على أهل الحجر
في الدخول على أهل الحجر وسئل مالك عن أهل الحجر يأتيهم الرجل هل ترى له بأسا؟ قال: إن كان يأتيهم ليعتبر ويتفكر فما أرى بذلك بأسا، وإن كان يأتيهم للتعجب والنظر فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
كراهة تعلم كتاب العجم وتعليمهم الخط
في كراهة تعلم كتاب العجم وتعليمهم الخط قال مالك: أكره للرجل المسلم أن يطرح ابنه في كتاب العجم أن يتعلم الوقف كتاب العجمية، وأكره للمسلم أن يعلم أحدا من النصارى الخط وغيره.
قال محمد بن رشد: الكراهية في هذا كله بينة.
أما تعليم الرجل ابنه كتاب العجم فللاشتغال بما لا منفعة فيه ولا فائدة له عما له فائدة ومنفعة، مع ما فيه من إدخال السرور عليهم بإظهار المنفعة في كتابهم والرغبة في تعلمه، وذلك من توليهم، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51] . وأما تعليم المسلم النصراني فلما فيه من الذريعة إلى قراءتهم القرآن مع ما هم عليه من التكذيب له والكفر به.
وقد قال ابن حبيب في الواضحة: إن ذلك ممن فعله مسقط لإمامته وشهادته.
وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب السلطان، وفي سماع أشهب من كتاب الجعل والإجارة، وبالله التوفيق.
الذي يذكر وهو في صلاة العصر أنه كان قد صلى
في الذي يذكر وهو في صلاة العصر أنه كان قد صلى وسئل مالك عن الرجل يصلي العصر لنفسه ثم ينسى أنه صلى فيقوم فيصلي الثانية، فيركع ركعة ثم يذكر أنه قد صلى.
قال: أرى أن يضم إليها أخرى، فقلت: يا أبا عبد الله أتكون صلاة بعد العصر؟ قال: قد كان المنكدر يصلي وقد كان عمر ينهى عن ذلك.
وقد جاء فيها بعض ما جاء في الشيء إذا كان صاحبه لا يريد به خلاف السنة، وإنما كان على غير خلاف رأيت أن يفعل ذلك للذي جاء فيه من الرخصة، وإنما كره من ذلك ما كان صاحبه يتعمد به خلاف الحق.
قال محمد بن رشد: النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس نهي ذريعة، وإنما حقيقة الوقت المنهي عن الصلاة فيه عند الطلوع وعند الغروب.
ألا ترى أن رجلين لو كان أحدهما قد صلى العصر والثاني لم يصلها لجاز للذي لم يصل العصر أن ينتفل ولم يجز ذلك للذي صلى والوقت لهما جميعا وقت واحد، فإنما نهي الذي صلى العصر عن الصلاة بعد العصر حماية للوقت المنهي عن الصلاة فيه لأن الصلاة فيه حرام.
وروي عن المقدام بن شريح قال: «قلت لعائشة: كيف كان يصنع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يعني بعد الظهر والعصر، قالت: كان يصلي الظهر بالهجير ثم يصلي بعدها ركعتين ثم كان يصلي العصر ثم يصلي بعدها ركعتين.
قال: فقلت: أنا رأيت عمر يضرب رجلا رآه يصلي بعد العصر، فقالت: لقد صلاهما ولكن قومك أهل اليمن قوم أهل طعام فكانوا إذا صلوا الظهر صلوا بعدها إلى العصر، فإذا صلوا العصر صلوا بعدها إلى المغرب فقد أحسن» .
فلما كان هذا الرجل الذي صلى ركعة من العصر ثم ذكر أنه قد صلى العصر في وقت ليس بمنهي عن الصلاة فيه لأن الصلاة فيه حرام وجب أن يتم ركعتين ولا يبطل عمله، لقول الله عز وجل: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] فهذا وجه قول مالك والله أعلم.
ولو ذكر ذلك قبل أن يركع لكان الأظهر أن يقطع على قياس قوله في رسم أوله مرض بعد هذا.
ولو ذكر قبل أن يركع من صلاة يصلى بعدها لجرى ذلك على اختلاف قول ابن القاسم وأشهب في كتاب الصيام من المدونة في الذي يظن أن عليه يوما من رمضان فيصبح صائما ثم يعلم أنه لا شيء عليه، وبالله التوفيق.
كتب القرآن أسداسا وأسباعا
في كتب القرآن أسداسا وأسباعا وسئل مالك عن القرآن يكتب أسداسا وأسباعا في المصاحف، فكره ذلك كراهة شديدة وعابه وقال: لا يفرق القرآن وقد جمعه الله، وهؤلاء يفرقونه، لا أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: أنزل الله تبارك وتعالى القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شيئا بعد شيء حتى كمل الدين واجتمع القرآن جملة في الأرض كما أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوجب أن يحافظ على كونه مجموعا.
فهذا وجه كراهية مالك لتفريقه، والله أعلم وبالله التوفيق.
السلام على أهل القدر
في السلام على أهل القدر وسئل مالك عن أهل القدر أيسلم عليهم؟ قال: لا يسلم عليهم.
قال ابن القاسم: وكأني رأيته يرى ذلك في أهل الأهواء كلهم ولم يبينه.
قال: قال ابن القاسم: وذلك رأيي أن لا يسلم عليهم.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يسلم على أهل القدر ولا على أهل الأهواء كلهم، يريد الذين يشبهون القدرية من المعتزلة والروافض والخوارج، إذ من الأهواء ما هو كفر صريح لا يختلف في أن معتقده كافر، ومنه ما هو هوى خفيف لا يختلف في أنه ليس بكفر.
ويحتمل أن يريد أنه لا يسلم عليهم على وجه التأديب لهم والتبري منهم والبغضة فيهم [لله تعالى] لا أنهم عنده كفار بمآل قولهم، ويحتمل أن يريد أنه لا يسلم عليهم لأنهم عنده كفار بمآل قولهم، فقد اختلف قوله في ذلك: فله في أول سماع ابن القاسم من كتاب المحاربين والمرتدين ما يدل على أنهم كفار عنده بمآل قولهم، وله في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب منه ما يدل على أنهم ليسوا عنده بكفار، وذلك أنه قال فيهم: إنهم قوم سوء، فلا يجالسون ولا يصلى وراءهم.
وله مثل ذلك في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب في الواقفية والإباضية، لأنه سئل فيه عن الصلاة خلفهم، فقال: لا أحب، وعن السكنى معهم؟ فقال: ترك ذلك أحب إلي.
وقد مضى في المواضع المذكورة الكلام على هذا مستوفى مشروحا مبينا فتركت ذكره هاهنا اكتفاء بذلك، وبالله التوفيق.
خطبة الرجل على خطبة أخيه
في خطبة الرجل على خطبة أخيه وفي كتاب الطلاق عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يخطب أحد على خطبة أخيه» . وعن أبي الرجال عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مثله.
وعن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة مثله.
قال محمد بن رشد: ليس هذا الحديث على ظاهره في العموم، ومعناه إذا ركنا وتقاربا وسميا الصداق، وهو قول ابن نافع، وظاهر قول مالك في الموطأ، وظاهر ما في رسم التسمية من سماع عيسى من كتاب النكاح؛ وقيل: إذا ركنا وتقاربا وإن لم يسميا الصداق، وهو قول ابن حبيب، وحكاه عن ابن المطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب.
واختلف إن خطب الرجل على أخيه في الموضع الذي لا يجوز له فأفسد عليه وتزوج هو، فقيل: النكاح فاسد لمطابقة النهي له يفسخ قبل الدخول وبعده ويكون فيه الصداق المسمى، وقيل: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده، وقيل: يمضي النكاح ولا يفسخ وقد حرج وأثم وظلم الذي أفسد عليه، فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفره ويتحلل الرجل، فإن حلله وإلا ترك المرأة وطلقها، فإن لم يتزوجها الرجل تزوجها هو بعد إن شاء.
وكذلك لا يجوز للرجل أن يسوم على سوم أخيه في البيع، لأجل النهي الوارد في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم القسمة من سماع عيسى من كتاب النكاح، وبالله التوفيق.
عزل الرجل
في العزل وعن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يعزل.
قال محمد بن رشد: يحتمل أن يكون ابن عمر كان لا يعزل ولا يكره العزل، ويحتمل أن يكون كان لا يعزل لأنه يكره العزل وهو الأظهر، لأن ذلك معلوم من مذهبه.
وقد اختلف الصحابة في ذلك فمن بعدهم، فمنهم من كرهه لما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عنه فقال: «ذلك الوأد الخفي» ولما روي عنه من كراهة نزع الماء عن محله في العشرة الأشياء التي كان يكرهها.
والذي عليه جمهور الصحابة إباحة العزل، وقد ذكر ذلك عند عمر بن الخطاب فقال بعض من عنده: إن اليهود تزعم أنها الموءودة الصغرى، فقال علي بن أبي طالب: إنها لا تكون موءودة حتى تمر عليها التارات السبع، وتلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: 12] ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: 13] إلى آخر الآية، فقال له عمر بن الخطاب: صدقت أطال الله بقاءك.
ويقال: إن أول من قال في الإسلام أطال الله بقاءك عمر بن الخطاب لعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - في هذه الحكاية.
والذي عليه جمهور العلماء بالأمصار مالك وأصحابه والشافعي وأبو حنيفة إباحة العزل على «حديث أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا الفداء وأردنا أن نعزل فقلنا: نعزل ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين أظهرنا قبل أن نسأله، فسألناه عن ذلك فقال: ما عليكم ألا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة» . فالرجل يعزل عن أمته بغير إذنها، ولا يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها ولا يعزل عن زوجته الأمة إلا بإذن مواليها، وقد قيل إنه لا يعزل عنها إلا بإذنها.
وقال الشافعي: له أن يعزل عن زوجته الأمة بغير إذنها وبغير إذن مواليها.
السفر في طلب العلم
في السفر في طلب العلم قال مالك: بلغني أن رجلا من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارتحل من المدينة إلى مصر إلى رجل من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسأله عن حديث واحد عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا المعنى قبل هذا في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
الحض على التفقه في كتاب الله عز وجل
في الحض على التفقه في كتاب الله عز وجل
قال مالك: كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق يخبرونه أن رجالا قد جمعوا كتاب الله، فكتب لهم عمر أن افرض لهم في الديوان وأعطهم.
قال: فكثر من يطلب القرآن، فكتب إليه من قابل إنه قد جمع القرآن سبعمائة رجل.
قال عمر: إني لأخشى أن يسرعوا في القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين فكتب أن دعهم لا تعطهم شيئا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لا يحتاج إلى تفسير، وبالله التوفيق.
محبة الناس لابن عمر
في محبة الناس لابن عمر قال: وحدثني عمير الأعرج عن مجاهد قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر، قال فكان الناس يتلقونه ويدعون له ويسلمون عليه ويحبونه.
قال: فكان ابن عمر يضحك.
قال: فلما انصرفنا قال ابن عمر [إن الناس] ليحبوني حتى لو كنت أعطيهم الذهب ما زادوا على ذلك.
قال محمد بن رشد: محبة الناس لعبد الله بن عمر من محبة الله على ما جاء في الحديث عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إن الله عز وجل إذا أحب عبدا قال لجبريل: إني قد أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض» . وإذا أبغض الله العبد قال مالك: لا أحسب إلا أنه قال في البغض مثل ذلك.
الغسل في الفضاء
في الغسل في الفضاء وسئل مالك عن الغسل في الفضاء فقال: لا بأس بذلك، فقيل له: يا أبا عبد الله إن فيه حديثا، فأنكر ذلك وقال تعجبا ألا يغتسل الرجل في الفضاء؟ ورأيته يتعجب من الحديث إنكارا له.
قال محمد بن رشد: وجه إجازة مالك الغسل في الفضاء إذا أمن أن يمر به أحد هو أن الشرع إنما قرر وجوب ستر العورة عن المخلوقين من بني آدم دون من سواهم من الملائكة، إذ لا تفارقه الحفظة الموكلون عليه منهم في حال من الأحوال.
قال الله عز وجل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: 10] ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: 11] ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 12] لهذا قال مالك تعجبا: ألا يغتسل الرجل في الفضاء؟ إذ لا فرق في حق الملائكة بين الفضاء وغيره، فأنكر الحديث لما كان مخالفا للأصول، لأن الحديث إذا كان مخالفا للأصول فإنكاره واجب إلا أن يرد من وجه صحيح لا مطعن فيه فيرد إليها بالتأويل الصحيح.
وقد روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به قلته أو لم أقله فإني أقول ما يعرف ولا ينكر وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف» ويكره التجرد لغير ضرورة ولا حاجة في الفضاء وغير الفضاء، ففي رسالة مالك إلى هارون الرشيد: إياك والتجرد خاليا فإنه ينبغي لك أن تستحي من الله إذا خلوت، وذكر في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حديثا، وبالله التوفيق.
القصر والفطر في الغزو
في القصر والفطر في الغزو قال مالك: كان سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود والمسور بن مخرمة بالشام، فدخل عليهم رمضان، فكان عبد
الرحمن والمسور يصومان ويتمان، وكان سعد يقصر ويفطر، فقيل له تقصر وتفطر ويصومان ويتمان؟ فقال سعد نحن أعلم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنهم كانوا في الغزو ينوون الإقامة بموضعهم الذي كانوا فيه، فكان عبد الرحمن والمسور يتمان ويصومان لنيتهم الإقامة، وكان سعد يفطر ويقصر وإن نوى الإقامة لكونه في بلد العدو، إذ ليس على يقين من إقامته، إذ قد يأتي من الأمر ما يزعجهم عن موضعهم، وهذا هو مذهب مالك أن نية الإقامة في بلد العدو لا يعتبر بها، وبالله التوفيق.
ولاء السائبة لجميع المسلمين فلا عاقلة له
في أن ولاء السائبة لجميع المسلمين فلا عاقلة له قال مالك: حدثني أبو الزناد عن سليمان بن يسار أن سائبة كان يلعب مع ابن رجل من بني عائذ، فقتل السائبة ابن العايذي، فجاء أبوه إلى عمر بن الخطاب يطلب دية ابنه، فقال له عمر: ليس له موال، فقال له العايذي: أرأيت لو أن ابني قتله، فقال عمر ابن الخطاب إذا تخرجون ديته، فقال: فهو كالأرقم إن يقتل ينقم، وإن يترك يلقم.
قال محمد بن رشد: يروى العابذي والعايذي، والصواب والعايذي بالياء المعجمة باثنتين والذال المعجمة بالواحدة.
ومعنى سائبة أنه كان أعتق سائبة، وكذلك وقع في الموطأ أن سائبة أعتقه بعض الحجاج.
وفي هذا أن من أعتق عبده سائبة بأن يقول له: اذهب فأنت سائبة، أن ولاءه
للمسلمين.
وقد اختلف في عتق السائبة، فقيل: إنه جائز وقيل: إنه مكروه، وقيل: إنه غير جائز.
فعلى القول بأنه جائز أو مكروه يكون ولاؤه للمسلمين، وعلى القول بأنه غير جائز يكون ولاؤه لمن أعتقه.
وقد قيل: إن من قال لعبده أنت سائبة لا يكون بذلك حرا إلا أن يريد الحرية.
وقد مضى تحصيل هذا الاختلاف في آخر سماع أشهب من كتاب العتق.
ويحتمل أن يكون هذا الرجل الذي قتل ابن العائذي أعتقه رجل من الحاج غير معروف فيكون ولاؤه لجمع المسلمين ولا تكون له عاقلة من أجل أنه لا يعرف معتقه، لا من أجل أنه أعتق سائبة، وهو الأظهر والله أعلم.
وقول أبي المقتول هو إذا كالأرقم يريد الحية التي إن تركتها لسعتك فقتلتك، وإن قتلتها قتلتك، يريد كما جرى للفتى الذي كان مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالخندق وهو حديث عهد بعرس، فاستأذن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يحدث بأهله عهدا، فأتاها فوجدها قائمة بين الناس فأهوى إليها بالرمح ليطعنها وأدركته غيرة، فقالت له: لا تعجل حتى ترى ما في بيتك، فدخل فإذا بحية منطوية على فراشه فركز فيها رمحه ثم خرج بها فنصبه في الدار، فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى ميتا، فما يدرى أيهما كان أسرع موتا الفتى أو الحية، فذكر ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثا فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان» وبالله التوفيق.
كراهة الإمساك عن الكلام في الصيام
في كراهة الإمساك عن الكلام في الصيام قال ابن القاسم: وحدث مالك عن نافع أن مولاة لصفية صمتت يوما لا تتكلم، فقالت لها صفية: تكلمي فإن هذا قد نهي عنه.
قال محمد بن رشد: قول صفية محمول على أنها أخبرت بذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لأن قول "الصاحب نهينا عن كذا وكذا وأمرنا بكذا مما يدخل في المسند، لأن صفية هذه إن لم تكن صفية بنت حيي زوج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فهي صفية بنت أبي عمير الثقفية زوج عبد الله بن عمر، وهي صحابية روت عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وروى عنها نافع هذا مولى عبد الله بن عمر، ولا حجة في جواز ذلك بما في كتاب الله عز وجل من قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] ، أي صمتا، ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26] ، لأن ذلك كان من شرع بني إسرائيل، كان الرجل منهم إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم من الطعام إلا من ذكر الله، وذلك منسوخ في شرعنا ممنوع فعله فيه بنهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية ابن عباس أنه قال: «لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتق إلا من بعد ملك، ولا رضاع بعد الفطام، ولا يتم بعد احتلام، ولا نذر في معصية، ولا صمت إلى الليل، ولا وصال، ولا يمين للمرأة على زوجها ولا للولد على والده ولا للمملوك على سيده» الحديث وقع بكماله في المبسوطة.
وروي عن قتادة أنه قال: إنما كانت آية جعلها الله عز وجل لمريم - عَلَيْهَا السَّلَامُ - يومئذ.
وإذا شئت رأيت امرأة سفيهة تقول: أصوم صوم مريم ولا نتكلم في صومها.
وقد اختلف أهل التأويل في القائل لمريم ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26] ، فمنهم من قال قاله لها الملك عن الله عز وجل،
ومنهم من قال قاله لها ابنها عيسى: صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه - بدليل قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي﴾ [مريم: 24] الكلام إلى آخره، لأن رجوع الفاعل المضمر من فناداها إلى أقرب مذكور في الآية وهو عيسى أظهر من رجوعه إلى الملك الذي هو أبعد مذكور منه فيها.
وهذا على قراءة من قرأ فناداها من تحتها بالخفض في الحرفين جميعا، وأما على قراءة من قرأ من تحتها بالفتح في الحرفين جميعا فلا إضمار في الكلام، والمنادي عيسى ابن مريم بلا احتمال، وبالله التوفيق.
لا شريك له.
الاحتباء في صلاة النافلة
في الاحتباء في صلاة النافلة قال مالك: بلغني عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أنهما كانا يصليان محتبئين، يريد في النوافل.
قال محمد بن رشد: إلى هذا ذهب مالك فقال: لا بأس أن يصلي الرجل محتبئا في النافلة، وإن كان الاختيار عنده لمن صلى فيها جالسا أن يصلي متربعا كما يصلي في الفريضة إذا لم يقدر على القيام فيها، خلاف ما ذهب إليه زفر من أن جلوسه في موضع القيام كجلوسه في التشهد.
والذي ذهب إليه مالك أولى لوجهين: أحدهما: أن يفرق بين جلوسه في موضع الجلوس وبين جلوسه في موضع القيام، كما يفرق بين إيمائه للركوع وإيمائه للسجود بأن يجعل إيماءه للسجود أخفض من إيمائه للركوع؛ والثاني: ما روي «عن عائشة أنها قالت: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى متربعا» وما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من أنه قال: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم غير متربع» ليس بحديث صحيح، وما روي عن ابن مسعود من أنه قال: لأن أجلس على رضفتين أحب إلي من أن أتربع في الصلاة، يحتمل أن يكون معناه في التربع في الجلوس للتشهد.
وبالله التوفيق.
ما جاء في الذين قتلوا ببئر معونة
ودعاء رسول الله على الذين قتلوهم
وحدثني عيسى بن دينار عن مالك قال: «دعا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الذين قتلوا أهل بئر معونة ثلاثين غداة يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله.
قال أنس: فأنزل الله عز وجل في ذلك قرآنا ثم نسخ بعد ذلك بلغوا قومنا عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا.» قال ابن القاسم: وسمعت في تفسير هذه الآية: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] ﴿فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: 170] إلى آخر الآية، وفي الحديث أنهم لما دخلوا الجنة قالوا: يا ليت قومنا يعلمون بما أكرمنا الله، فقال الله تبارك وتعالى: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله هذه الآية.
قال محمد بن رشد: جميع الأموات يحيون بعد موتهم لمسائلة منكر ونكير، ويعرض على كل واحد منهم مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل النار فمن أهل النار، وإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، يقال له:
هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة: فالفرق بين الشهداء وبين أهل الجنة من سواهم أن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وينعمون على ما جاء في الحديث من أن أرواح الشهداء تسرح في ثمار الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، وسائر أهل الجنة من المؤمنين - أحياء إلى يوم البعث، لا يرزقون ولا يتنعمون، وبالله التوفيق.
[نهي السُّؤَّال عن السؤَال في المسجد]
في نهي السُّؤَّال عن السؤَال في المسجد وسئل مالك عن السؤال الذين يسألون في المسجد ويلحون في المسألة ويقولون للناس قد وقفنا منذ يومين ويذكرون حاجتهم ويبكون، قال: أرى أن ينهوا عن ذلك.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، لأن المساجد إنما وضعت للصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله والدعاء لله عز وجل فينبغي أن ينهى فيها عما سوى ذلك من اللغط ورفع الصوت وسؤال السؤال الذين يلحون، لأن ذلك مما يشغل المصلين، وبالله التوفيق.
ما جاء عن عمر بن الخطاب في قول الرجل لامرأته حبلك على غاربك
فيما جاء عن عمر بن الخطاب في قول الرجل لامرأته حبلك على غاربك وسئل مالك عن حديث عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حبلك على غاربك، فقال: قد قاله عمر بن الخطاب وأحلفه.
قال مالك أما أنا فأرى أن قد بانت منه، ما يريد الذي قال: حبلك على غاربك إلا الطلاق، وما أراه يمسك شيئا.
قال ابن القاسم: يريد مالك البتة.
قال ابن القاسم وذلك رأيي إذا كان قد دخل بها.
قال
مالك: وإن لم يكن دخل بها نوي فإن لم تكن له نية فهي البتة.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة أنه لا ينوى في هل أراد الطلاق أو لم يرده ولا في عدد الطلاق إلا إن كان لم يدخل بها.
وقد وقع في بعض روايات العتبية من رواية أشهب عن مالك مثل هذا، زاد ولو ثبت عندي أن عمر بن الخطاب قال ذلك ما خالفته، ولكنه حديث جاء هكذا.
وإنما قال فيه هذا لأنه عنده بلاغ مالك أنه بلغه أنه كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق أن رجلا قال لامرأته حبلك على غاربك فكتب عمر بن الخطاب إلى عامله أن مره يوافني في الموسم فبينا عمر يطوف بالبيت إذ لقيه الرجل فسلم عليه فقال له عمر من أنت؟ فقال الرجل أنا الذي أمرت أن أجلب عليك، فقال له عمر أسألك برب هذه البنية ما أردت بقولك حبلك على غاربك؟ فقال الرجل لو استحلفتني في غير هذا المكان ما صدقتك، أردت بذلك الفراق، فقال عمر بن الخطاب هو ما أردت.
والظاهر من حديث عمر أنه نواه في الوجهين جميعا، لأنه لما قال أردت بذلك الفراق، قال له هو ما أردت.
وليس بنص في واحد من الوجهين، إذ لا يدرى ما كان يقول له لو قال له لم أرد بذلك الفراق وإنما أردت بذلك وجه كذا وكذا لشيء يذكره مما يحتمله كلامه، وماذا كان يقول له لو قال أردت بذلك واحدة أو اثنتين لاحتمال أن يكون فهم من قوله أردت بذلك الفراق أنه أراد بذلك الفراق بتاتا ولذلك قال له: هو ما أردت.
فأما تنويته في هل أراد بذلك الطلاق أم لا فالذي يأتي على مذهب مالك وأصحابه أنه لا ينوى في ذلك لأنه من صريح كنايات الطلاق، كمن قال لامرأته: أنت بائنة مني ثم قال: إنما أردت أن بيني وبينها فرجة في الجلوس في ذلك الوقت، وكمن قال لها: أنت طالق ثم قال: إنما أردت أنها طالق من وثاق
ولم تكن قبل ذلك في وثاق.
وأما تنويته في عدد ما أراد من الطلاق فيتخرج ذلك على قولين في المذهب، إذ لا فرق في المعنى بين قوله حبلك على غاربك أو قد سرحتك لأنه إذا سرحها فقد ألقى حبلها على غاربها، وإذا ألقى حبلها غاربها فقد سرحها.
وقد قالوا في سرحتك إنه ينوى في المدخول بها أو غير المدخول بها، فإن لم تكن له نية فهي ثلاث، وقيل: إنها واحدة في التي لم يدخل بها إذا لم تكن له نية.
هبة الثواب
في هبة الثواب قال مالك عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: من وهب هبة فهو أحق بهبته حتى يثاب بها.
قال محمد بن رشد: معناه في هبة الثواب، بدليل قوله في الموطأ: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها.. وقد اختلف في هبة الثواب هل من حق الواهب أن يمسكها حتى يقبض ثوابها كالسلعة المبيعة التي له أن يمسكها حتى يقبض ثمنها، أوليس له ذلك ويلزمه أن يدفعها إليه ثم يطلبه بثوابها؟ فقيل من حقه أن يمسكها حتى يأخذ ثوابها، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب هذا في هذا الحديث؛ وقيل: ليس له أن يمسكها ويلزمه أن يدفعها ثم يطلبه بثوابها، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب في حديث الموطأ.
وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلافهم في هل تدخل الهبة بالعقد في ضمان الموهوب له أم لا، والقول في هذه المسألة مستوفى في كتاب المقدمات، وبالله التوفيق.
المبيت على ظهر المسجد
في المبيت على ظهر المسجد قال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يبيت على ظهر المسجد مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا تبيت معه امرأة كراهية لذلك.
قال محمد بن رشد: في هذا بيان أن لظهر المسجد من الحرمة ما لداخل المسجد، وبفعل عمر بن عبد العزيز هذا احتج مالك في المدونة في أنه لا يجوز لأحد أن يبني مسجدا ويبني فوقه بيتا يرتفق به، وقال: إنه يورث البنيان الذي تحت المسجد ولا يورث البنيان الذي فوقه، وبالله التوفيق.
قبلة النبي عليه السلام ومصلاه في مسجده
في قبلة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ومصلاه في مسجده قال مالك: ليس العمود المخلق قبلة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ولكنه كان أقرب العمد إلى مصلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وقبلة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هي حذو قبلة الإمام، وإنما قدمت القبلة حذو قبلة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سواء كان بين المنبر وبين جدار المسجد ممر الرحل مسجدا فقدمه عمر إلى موضع خشب المقصورة، ثم قدمه عثمان إلى موضعه الذي هو عليه، فلم يقدم بعد.
قال محمد بن رشد: لابن القاسم في رسم نذر من هذا السماع من كتاب الصلاة أن مصلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هو العمود المخلق خلاف قول مالك هاهنا، ورأى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - هناك صلاة النافلة في مصلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أفضل من الصلاة في سائر المسجد.
قال: وأما الفريضة فيتقدم إلى أول الصف أحب إلي.
وقد مضى القول على ذلك هنالك.
وأما قوله إن قبلة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هي حذو قبلة الإمام، وإنما قدمت القبلة حذو قبلة النبي " - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سواء، فالمعنى في ذلك أن عمر بن الخطاب إذ زاد في قبلة المسجد جعل المحراب في الزيادة بإزاء المحراب القديم وفي قبلته غير مشرق عنه ولا مغرب، وأن المنبر قبل أن يزاد في قبلة المسجد كان بينه وبين جدار القبلة ما قاله، فلما زيد في قبلة المسجد لم ينقل المنبر عن موضعه فبعد عن جدار المسجد، وكذلك زاد بعده عن جدار القبلة إذ زاد عثمان أيضا في قبلة المسجد، وبالله التوفيق.
الصلاة في سقائف المسجد فرارا من الحر
في الصلاة في سقائف المسجد فرارا من الحر
قال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يصلي إذا اشتد الحر في سقائف المسجد، يخرج من المقصورة إلى خارج يصلي فيه لموضع الحر، فقلت لمالك: أفترى بذلك بأسا؟ قال: لا بأس أن يخرجوا إذا كان في المسجد سعة لمن يصلي فيه إذا اشتد الحر.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من التوسعة في الصلاة بسقائف مكة فرارا من الحر، وقد مضى من القول على ذلك ما فيه كفاية، وبالله التوفيق.
من أحرم من التنعيم يسعى الأشواط الثلاثة
في أن من أحرم من التنعيم يسعى الأشواط الثلاثة قال ابن القاسم: قال مالك: حدثني هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير أحرم من التنعيم وسعى الأشواط الثلاثة حين طاف
بالبيت، قال مالك: وذلك رأيي.
قال محمد بن رشد: هذا معلوم من مذهب مالك أن الرمل في الحج في الطواف الأول الذي يصل به السعي بين الصفا والمروة وفي العمرة، أحرم بهما من الميقات أو مما دونه سنة، واختلف قوله إن تركه أحد ناسيا أو جاهلا، فقال مرة إنه يعيد إن كان قريبا، فإن طال كان عليه الدم، وقال مرة لا يعيد وإن كان قريبا وعليه دم، ومرة لم ير عليه شيئا، وبالله التوفيق.
اليمين مع شهادة المرأتين في الدين
في اليمين مع شهادة المرأتين في الدين قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: تجوز شهادة المرأتين في الدين مع يمين صاحب الحق.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لأن المرأتين عدل الرجل فيما تجوز فيه شهادتهن مع الرجل وهو المال، لقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] فكما يستحق المال على مذهب مالك ومن تبعه على القضاء باليمين مع الشاهد فكذلك يستحق باليمين مع الشاهدتين، وبالله التوفيق.
دية عين الأعور
في دية عين الأعور قال مالك: كان سليمان بن يسار وربيعة [بن أبي
عبد الرحمن] يقولان في دية عين الأعور إذا فقئت عينه ألف دينار.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لأن منفعة الأعور بعينه الواحدة كمنفعة الصحيح بعينيه جميعا، فوجب أن يكون له في عينه الباقية ما للصحيح في عينيه جميعا.
وقد اختلف على قياس هذا في الأعور العين اليمنى يفقأ عين الصحيح اليسرى أو الأعور العين اليسرى يفقأ عين الصحيح اليمنى على ثلاثة أقوال: أحدها أنه ليس له إلا القصاص إلا أن يصطلحا على شيء، والثاني أنه يخير بين أن يقتص أو يأخذ دية عينه خمسمائة دينار، والثالث أنه مخير بين أن يقتص أو يأخذ دية عين الأعور التي ترك ألف دينار.
وقد مضى في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الجنايات توجيه كل واحد من هذه الأقوال، وبالله التوفيق.
ترك حلق الشعر وتقليم الأظفار إذا أهل هلال ذي الحجة
فيما جاء في ترك حلق الشعر وتقليم الأظفار إذا أهل هلال ذي الحجة
قال مالك: بلغني أن أم سلمة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت تقول: إذا استهل ذو الحجة فلا يأخذ أحد من شعره ولا من أظفاره.
قال مالك: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قول أم سلمة هذا مروي عنها عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة فأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي» . وفي بعض الآثار عنها
عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي» . وإنما لم ير بهذا بأسا لأنه عارضه عنده حديث عائشة إذ قالت ردا لقول ابن عباس: «من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي: ليس كما قال ابن عباس: أنا قلدت قلائد هدي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيدي ثم قلدها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده [ثم بعث بها] فلم يحرم عليه شيء مما أحله الله له حتى نحر الهدي» لأنه إذا لم يحرم على الذي بعث بالهدي شيء مما أحله الله له حتى ينحر الهدي، فأحرى ألا يحرم على الذي يريد أن يضحي أو عنده ذبح يريد أن يضحي به شيء مما أحله الله له حتى يضحي.
وقد جمع بين الحديثين بعض من ذهب إلى الأخذ بحديث أم سلمة بأن قال: معنى حديث عائشة أنه لم يحرم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيء مما أحل الله له من أهله حتى نحر الهدي على ما جاء في بعض الآثار عنها وحرم عليه ما سوى ذلك من حلق الشعر وقص الأظفار على ما جاء في حديث أم سلمة، وبالله التوفيق.
امتشاط الحاد بالحناء واكتحالها بالصبر
في امتشاط الحاد بالحناء واكتحالها بالصبر قال مالك: بلغني أن أم سلمة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت تنهى أن تمتشط الحاد بالحناء، وتكتحل بالصبر.
قال محمد بن رشد: إنما كانت أم سلمة تنهى الحاد عن الاكتحال بالصبر لما جاء من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل عليها وهي حاد على أبي سلمة وقد جعلت على عينها صبرا، فقال ما هذا يا أم سلمة؟ فقالت: إنما هو صبر يا رسول الله، قال: اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار، فقالت لامرأة حاد على زوجها اشتكت عينها فبلغ ذلك منها اكتحلي بكحل الجلاء بالليل وامسحيه بالنهار» وقالت: تجمع الحاد رأسها بالسدر والزيت، وهو الذي ذهب إليه مالك أنها لا تمتشط إلا بالسدر وما أشبهه مما لا يختمر في رأسها وبالله التوفيق.
الترغيب في السواك
في الترغيب في السواك قال: وحدثني عن محمد بن يحيى بن حبان قال: أدركت رجالا من أسلم كانت معهم أسوكة يستاكون بها لكل صلاة.
قال محمد بن رشد: السواك مرغب فيه ومندوب إلية لقول النبي
- عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عليكم بالسواك» وقوله: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» . وقد قال أبو هريرة: «لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء» . والأصبع يجزئ من السواك إذا لم يجد سواكا، قاله مالك في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة.
وقد مضى هناك القول على وجه ذلك وبالله التوفيق.
البناء في الرعاف
في البناء في الرعاف قال مالك وبلغني أن ابن عباس كان يبني في الرعاف على ما صلى.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في بناء الراعف وقطعه في رسم طلق بن حبيب.
وظاهر قول ابن عباس هذا أنه كان يبني فذا كان أو في جماعة، وفي ذلك بين من اختار البناء على القطع اختلاف، وبالله التوفيق.
الإبراد في الحر بالصلاة
في الإبراد في الحر بالصلاة قال مالك: قال عمر بن الخطاب لأبي محذورة: إنك بأرض حارة فأبرد فكأني عندك.
قال محمد بن رشد: إنما أمره بالإبراد وهو التأخير لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم» وذكر أن النار الحديث.
وقد اختلف العلماء في هذا المعنى، فقال أبو الفرج: اختار مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - لجميع الصلوات أول أوقاتها إلا الظهر في شدة الحر لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» فقال: إن هذا هو مذهب مالك، ولم يفرق بين الجماعة والفذ على ظاهر الحديث، خلاف ما في المدونة من أنه استحسن أن يصلي الناس، يريد [الجماعة] الظهر في الشتاء والصيف إذا فاء الفيء ذراعا، والمعنى في ذلك أنه تأول أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما أمر بالإبراد بالصلاة في شدة الحر ليدرك الناس الصلاة، فلما كان المعنى عنده في الأمر بالإبراد الرفق بالناس ليدركوا الصلاة في الجماعة رأى من الرفق بهم أن تؤخر الصلاة في الشتاء أيضا حتى يفيء الفيء ذراعا ليدرك الناس الصلاة على ظاهر ما كتب به عمر ابن الخطاب إلى عماله من أن يصلوا الظهر إذا فاء الفيء ذراعا، فعم ولم يفرق بين الشتاء والصيف، وإن كان الرفق بالناس في ذلك في المصيف أكثر منه في الشتاء.
وأما المنفرد على ما في المدونة فأول الوقت أفضل له على ما كتب به عمر إلى أبي موسى الأشعري أن صل الظهر إذا زاغت الشمس، لأن معناه في المنفرد، لئلا يتعارض ما كتب به إلى عماله مع ما كتب به إليه.
وقد حمل ابن عبد البر ما في المدونة على أنه استحب للمنفرد والجماعة أن يؤخروا الظهر في الشتاء والصيف إلى أن يفيء
الفيء ذراعا، وهو تأويل ليس بصحيح.
وقال الليث بن سعد: يصلي الصلوات كلها الظهر وغيره في أول الوقت في الشتاء والصيف، وهو أفضل، وكذلك قال الشافعي إلا أنه استثنى فقال: إلا أن يكون إمام جماعة ينتاب من المواضع البعيدة فإنه يبرد بها يريد في الحر، قال: لأن أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان بالمدينة لشدة حر الحجاز، ولأنه لم يكن بالمدينة مسجد غير مسجده، فكان ينتاب من بعد فيتأذون بشدة الحر فأمرهم بالإبراد لما في الوقت من السعة.
وقال العراقيون: يصلي الظهر في الشتاء والصيف في أول الوقت، واستثنى أصحاب أبي حنيفة شدة الحر.
فيتحصل في الإبراد بصلاة الظهر في الصيف إلى أن يفيء الفيء ذراعا وهو وسط الوقت، لأن طول المدة من زوال الشمس إلى أن يفيء الفيء ذراعا مثل طولها من حين يفيء الفيء ذراعا إلى آخر القامة لإبطاء الظل بالسير في أول القامة وإسراعه في آخرها، أربعة أقوال: أحدها استعمال الإبراد في الجماعة والانفراد، والثاني ترك الإبراد في الجماعة والانفراد، والثالث ترك الإبراد في الانفراد دون الجماعة، والرابع ترك الإبراد إلا في [الجماعة في] المسجد الذي ينتاب من بعد.
وأما الإبراد بالظهر في الشتاء ففي ذلك في الجماعة قولان، وأما المنفرد فلا يبرد قولا واحدا، وبالله التوفيق.
إطالة صلاة الصبح مع الإسفار
في إطالة صلاة الصبح مع الإسفار قال مالك: سافر أبو بكر بن عبد الرحمن، وكان قد كف بصره، فصلى الصبح وقد أسفر يقرأ فيها ببراة.
قال محمد بن رشد: معناه أنه أسفر بها عن الوقت الذي جرت عادته أن
يصليها فيها من التبكير، لا أنه أسفر بها إلى قرب طلوع الشمس، إذ لو أسفر بها إلى قرب طلوع الشمس لما جاز له أن يقرأ فيها ببراءة، وبالله التوفيق.
الضحية في السفر
في الضحية في السفر قال مالك: بلغني أن رجلا كان مسافرا وأنه أدركه النحر في السفر فمر براع على رأس جبل فقال له: عندك شاة تبيعها؟ قال له الراعي: نعم، فاشترى منه شاة ثم قال: أضجعها فاذبحها ثم شأنك بها.
قال فقال الراعي: اللهم تقبل مني، قال: ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل.
قال محمد بن رشد: حكى ابن حبيب عن أصبغ أنه قال: إنما في هذا الحديث أن ابن عمر ضحى في السفر، وأما المبالغة فيما فعل مع الراعي على طريقة الفقه فلا تجزئ عنه وتجزئ عن الراعي ويضمن قيمتها له فيضحي بغيرها، كمن تعدى على ضحية رجل فذبحها عن نفسه.
وتابعه الفضل على تأويله فقال: بل لا تجزئ عن واحد منهما على أصله المتقدم، وليس ذلك بصحيح، لأن الراعي لم يتعد على ابن عمر في ذبح ضحيته، وإنما ذبحها بأمره وهو حاضر مستنيب له في ذلك، فوجب أن تكون النية في ذلك نيته لا نية الذابح، كمن أمر رجلا أن يوضئه فوضأه فالنية في ذلك نية الآمر الموضأ لا نية المأمور الموضىء.
ألا ترى أنه لو نوى فيها لابن عمر خلاف نيته من ذبحه إياها على أنها شاة لحم لم يؤثر ذلك في نيته، وإنما قوله فيما ذبح لغيره وبأمره اللهم تقبل مني، بمنزلة اللهم تقبل مني صلاة فلان وصيامه، فذلك لغو ودعاء غير مقبول.
على أنه يحتمل أن يكون الراعي إنما
أراد اللهم تقبل مني عملي في ذبحي الذبيحة عنه ومعونتي إياه على نسكه ولا تحرمني الأجر في ذلك [ولعله ظن بجهله أن الأجر في ذلك] له لا لابن عمر إذ تولى هو ذبحها عنه، وفهم ذلك عنه ابن عمر، ولذلك قال: ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل.
ولو رأى ابن عمر أنها لا تجزئه لما قال للراعي يضحي بغيرها.
وهذا كله بين، وفيه دليل لقول أشهب في النصراني أو اليهودي يذبح ضحية رجل بأمره أنها تجزئه وبئس ما صنع.
وقد مضى هذا في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الضحايا، وبالله التوفيق.
توقيت عمر ذات عرق لأهل المشرق
في توقيت عمر ذات عرق لأهل المشرق قال مالك: وقت عمر بن الخطاب ذات عرق لأهل المشرق.
قال محمد بن رشد: في هذا جواز الاجتهاد فيما لا نص فيه، وذلك أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما وقت المواقيت لأهل الآفاق وسكت عن العراق، وقت لها عمر باجتهاده ذات عرق، فكان ذلك منه سنة وجب اتباعه فيها، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» وبالله التوفيق.
دعاء الملائكة للإنس وعليهم
في دعاء الملائكة للإنس وعليهم قال مالك: بلغني أن في السماء ملكين يقول أحدهما: اللهم
أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا، ويقول الآخر: ويل للرجال من النساء وويل للنساء من الرجال.
قال عيسى قلت لابن القاسم: يريد وجه الفجور؟ قال: نعم وغير ذلك مما يكون بين الرجال ونسائهم في غير وجه الفجور.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، فينبغي لمن أمسك أن يتوقع ذهاب ماله لإجابة دعوة الملك، ولمن أنفق بغير سرف ولا تعد أن يرجو الخلف من الله بإجابة دعوة الملك.
وقد أثنى الله عز وجل على من أنفق على عياله وعلى نفسه بغير إسراف ولا إقتار فقال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] ووعدهم بما وعدهم به من قوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الفرقان: 75] إلى آخر السورة.
والويل قيل فيه إنه واد في جهنم يسيل من عصارة أهل النار في النار، فينبغي للنساء والرجال أن يتوقعوا هذا الوعيد حتى لا يتعدى بعضهم على بعض في وجه من الوجوه، وبالله تعالى التوفيق.
أمر عمر بن الخطاب بكتب الناس للعطاء
في أمر عمر بن الخطاب بكتب الناس للعطاء قال مالك: قال عمر بن الخطاب لابن الأرقم: اكتب لي الناس، فكتبهم، ثم جاء بهم فقال أكتبتهم؟ قال: نعم قد كتبت المهاجرين والأنصار والمهاجرين من العرب والمحررين، فقال عمر: لعل ثم رجل ليس هاهنا أحد من قومه لم تكتبه فارجع فاكتبه.