البيان والتحصيلصفحات 488-519
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجعل والإجارة

صفحات 488-519
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يستأجره في حصاد الزرع فيقول له احصد هذا الزرع كله على أن لك نصفه

ومن كتاب أوله يشتري البذور والمزارع وقال ابن القاسم في الرجل يستأجر أجيرا في حصاد الزرع فيقول له: احصد هذا الزرع كله على أن لك نصفه، فيحصده أو بعضه، ثم تصيبه نار فتحرقه، أو بعض ما يتلفه: إن ضمانه منهما جميعا.
وعلى الأجير إن كان لم يحصده كله أن يستعمله رب الزرع في حصاد مثل ما كان بقي منه؛ لأن الإجارة قد كانت ثبتت عليه في حصاد نصف الزرع بنصفه.
قال: وإن قال له: احصد منه ما شئت، فما حصدت فلك نصفه، فيحصد بعضه، ثم هلك الزرع، فضمان ما حصد منهما، وضمان ما بقي من صاحبه، ولا يتبع واحد منهما صاحبه بشيء؛ لأنه لم تجب عليه إجارة في شيء بعينه، وإنما كان له أن يحصد ما شاء، ويترك ما شاء.
قال: وإن قال له: احصده كله، وادرسه كله، وصفه كله، ولك نصفه، فيحصده أو بعضه، ثم هلك الزرع، فضمانه كله من صاحبه، وللأجير أجرة مثله فيما عمل؛ لأن الإجارة كانت فاسدة.
ولا يصلح لرجل أن يستأجر أجيرا في شيء من الأعمال بنصف ما يخرج من زرعه بعد أن يصفيه؛ لأن ذلك بيع لا يحل.
قال محمد بن رشد: أما إجازته الاستئجار على حصاد الزرع بعد يبسه بنصفه أو بجزء منه معلوم، فمثله في المدونة ولا اختلاف فيه.
وقوله: إن مصيبته منهما جميعا إن تلف بنار أو غيره مما يتلف به الفدان

بعد أن يحصد بعضه، يريد أو قبل أن يحصد شيء منه صحيح؛ لأن نصفه يجب للأجير بعقد الإجارة، ويحصلان فيه شريكين.
وأما قوله: وعلى الأجير إن كان لم يحصده كله أن يستعمله رب الزرع في حصاد مثل ما كان بقي منه؛ لأن الإجارة قد كانت ثبتت عليه في حصاد نصفه بنصفه، فهو خلاف المشهور في المذهب، من أن الإجارة تفسخ بتلف الشيء المستأجر على عمله بعينه حسبما مضى في رسم المحرم، من سماع ابن القاسم، ورسم العتق من سماع عيسى.
والواجب في هذه المسألة على المشهور في المذهب من أن الإجارة تنفسخ بتلف الشيء المستأجر عليه بعينه إذا تلف الزرع أن يكون على الأجير قيمة نصفه، أو قيمة نصف ما بقي منه إن كان تلفه بعد حصاد بعضه؛ لأنه يدخل في ضمانه بعقد الإجارة، فإذا تلف جميعه وجب أن يرد قيمة نصفه كما لو اشترى نصفه بعرض فتلف جميعه بعد الشراء، ثم استحق العرض.
وأما قوله: إنه إن استأجره على حصاده ودرسه وتصفية نصفه، فهي إجارة فاسدة، فهو مثل قوله في المدونة، خلاف ما مضى في أول رسم من سماع أشهب.
وقد مضى القول على ذلك هناك مستوفى، فلا معنى لإعادته.
وإذا كانت الإجارة فاسدة، فالضمان من البائع ما لم يحصد؛ لأن الفساد فيه لا في الثمن، ولو كان الفساد في الثمن لدخل بالعقد في ضمان المبتاع، على ما مضى في آخر سماع سحنون، من كتاب جامع البيوع.
هذا هو المشهور في المذهب.
وقد قيل: إن البيع الفاسد ضمانه من البائع، وإن قبضه المبتاع، وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، من جامع البيوع، فقوله في هذه الرواية: إن الزرع إذا هلك بعد أن يحصده أو يحصد بعضه، فضمانه كله من صاحبه، وللأجير أجرته فيما عمل؛ لأن الإجارة كانت فاسدة، إنما يأتي على رواية أبي زيد هذه الشاذة في المذهب.
والذي يأتي في هذه المسألة على المشهور فيه من دخول المبيع في البيع الفاسد، في ضمان

المشتري بالقبض، أن يكون على الأجير نصف قيمة ما هلك من الزرع بعد حصاده، ويكون له نصف أجرة مثله في حصاده، وإن كان أخذ منه شيئا كان عليه نصف مكيلته، أو نصف قيمته إن لم تعرف مكيلته، وكذلك وقع لابن القاسم في الدمياطية، وبالله التوفيق.

يقول للرجل: قم لي بطلب شفعتي ولك إن استحققتها نصف سهمي

ومن كتاب أوله أول عبد أبتاعه فهو حر قال: وسألته عن الرجل يقول للرجل: قم لي بطلب شفعتي ولك إن استحققتها نصف سهمي، ونصف ما تأخذ لي بالشفعة في قيامك لي.
قال: لا يصلح الجعل في الخصومة، وذلك أنه لا يعرف للفراغ منها قدر، فأنا أحب لمن استأجر رجلا يطلب حقا له بالخصومة أن يقطع لذلك أجرة وزمانا ينتهي إليه قيامه بطلب ذلك الحق، وإلا لم يصلح ما يتجاعلان عليه.
قال: وأما الذي سألت عنه في صاحب الشفعة فهو مكروه؛ لأن الجعل في الخصومة إن كان حلالا لم يجز له أن يجعل جعله ما لا يملك بعد، والجعل من باب الإجارة، والإجارة بيع، ولا يجوز لأحد أن يبيع ما لا يملك، وما ليس في يديه ألا ترى أن طالب الشفعة وإن كانت ثابتة فهو لا يبيعها قبل أن يحكم له بها؛ لأن ضمانها من الذي هي في يديه، فمن استأجر بها رجلا فهو كمن باعها؛ لأنه قد باعها لأجير بعمله وقيامه بالذي تعاملا به غير جائز من غير وجه واحد.
قال محمد بن رشد: أما الجعل في الخصومة على إن أفلح فله

جعل مثله، وإن لم يفلح فلا شيء له، فإن اختلاف قول مالك في جواز ذلك، واقع في آخر كتاب الجعل والإجارة من المدونة، وقد اختلف في ذلك أيضا قول ابن القاسم: روى يحيى عنه في أول رسم من سماع يحيى، من كتاب البضائع والوكالات إجازة ذلك، خلاف قوله في هذه الرواية، وفي سماع يحيى من كتاب الصدقات والهبات.
والأظهر إجازة ذلك؛ لأن الجعل على المجهول جائز، وإنما كرها ذلك في أحد قوليهما إذا كثر الجهل فيه استحسانا، وأما إذا قل وكان الشيء الذي يخاصم فيه شيئا معروف القدر، خفيف الخطب، وجه الشخوص فيه لا يكاد يختلف فهو جائز، كذلك قال ابن القاسم في سماع يحيى من كتاب الصدقات والهبات.
وقوله: فأنا أحب لمن استأجر رجلا على طلب حق له بالخصومة أن يقطع لذلك أجرة وزمانا ينتهي إليه قيامه بذلك الحق، صحيح على ما قال، لا بد في الإجارة على ذلك من ضرب الأجل، كالذي يستأجر الرجل على بيع الثوب، لا بد فيه من ضرب الأجل، فإذا بلغه استوجب أجرته ظفر أو لم يظفر، قاله مالك في كتاب ابن المواز، وهو صحيح على معنى ما في المدونة.
قال ابن القاسم: ثم ليس له تركه حتى يستخرجه.
وقال أصبغ: يجوز وإن لم يضرب أجلا إذا كان لذلك وقت قد عرفه الناس، كالإجارة على بيع السلعة، والأجل على كل حال أحسن.
وأما قوله: ولو كان الجعل في الخصومة حلالا لم يجز له أن يجعل جعله ما لا يملك ففيه نظر؛ لأنه إنما لم يجز للرجل أن يبيع ما لا يملك أو يستأجر به؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد باعه أو استأجر به على أن يتخلصه للمبتاع أو للأجير من ربه، وذلك غرر بين؛ إذ لا يدري بما يتخلصه به، ولعله لا يقدر على أن يتخلصه، فيرد إلى المبتاع ماله إن كان قد نقده، فيكون مرة بيعا ومرة سلفا؛ والجعل لا ينقد فيه، ولا يستحق إلا بتمام العمل.

وإذا تم العمل في هذه المسألة تقرر الملك في الجعل للجاعل، ووجب للمجعول له.
فلما كان لا يجب الجعل على الجاعل إلا بعد تقرر الملك له فيه، وجب أن يجوز لعدم التخليص الذي هو العلة في أنه لا يجوز للرجل بيع ما لا يملك، ولقد أجاز في رسم المكاتب، من سماع يحيى، من كتاب جامع البيوع أن يبيع ما لم يملك بعد إذا كان قد أعطى صاحبه فيه ثمنا وقارب أن يشتريه منه، فكيف بهذا؟! وبالله التوفيق.

يستأجر الرجل شهرا يحرث له فينكسر المحراث أو يموت الزوج

من سماع سحنون بن سعيد من عبد الرحمن بن القاسم قال ابن القاسم في الرجل يستأجر الرجل شهرا يحرث له، فينكسر المحراث، أو يموت الزوج، أو يمطر فيحتبس اليوم وما أشبهه.
قال: أما كسر المحراث وموت الزوج فإن الكراء فيه لازم؛ لأن حبسه جاء من قبل المحراث، ورب الزوج.
وأما المطر فهو منع من الله، وهو بمنزلة المرض، فليس للأجير في ذلك إجارة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن المستأجر كان يقدر أن يعد زوجا غيرها، أو محراثا غيره، فإذا لم يفعل وجب للأجير أجره كاملا؛ لأن الحبس جاء من قبله، بخلاف المطر الذي هو من الله لا صنع لأحد فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: جعل لرجل جعلا في اقتضاء دين له في القرية التي هو فيها

مسألة قال سحنون: قال علي بن زياد، سئل مالك عن رجل

جعل لرجل جعلا في اقتضاء دين له في القرية التي هو فيها، ثم قدم صاحب الدين، فأراد أن ينزع عما جعل له، ويجعل لغيره، فقال مالك: لا أرى ذلك له إذا أخذ المجعول له في التقاضي والعمل.
قال سحنون: كل من جعل لرجل جعلا، فشرع المجعول له في ذلك الشيء، فليس للجاعل أن يخرجه على حال، وللمجعول له أن يخرج متى شاء، ولا يلزمه شيء.
قال محمد بن رشد: هذا بين أنه ليس له أن ينزع بعد أن شرع المجعول له في التقاضي والعمل؛ لأنه يبطل بذلك ما مضى من عمله، وإنما الخلاف هل له أن ينزع قبل أن يشرع المجعول له في العمل، أو ليس ذلك له، ويلزمه الجعل بالعقد؟ وقد مضى القول على ذلك في رسم العتق من سماع عيسى.
وأما المجعول له فلا يلزمه التمادي على العمل، وإن شرع فيه؛ إذ لا ضرر على الجاعل في تركه العمل بعد شروعه فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: دفع إلى رجل فرسا على أن يعلفه سنة بستة دنانير

مسألة وقال سحنون: سئل ابن القاسم عن رجل دفع إلى رجل فرسا على أن يعلفه سنة بستة دنانير، هل يجوز له؟ قال: نعم، لا بأس بذلك في الفرس، وفي العبد يعطيه سيده رجلا على أن يكفيه الرجل عوله من عنده سنة بكذا وكذا، فذلك جائز لا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على معنى ما في المدونة من

إجازة كراء الدابة بعلفها، والأجير بطعامه، وإن لم توصف النفقة، ولا سيما كيل علف الدابة؛ لأن ذلك معروف عند الناس، فاستغني فيه عن الوصف بالعرف، وبالله التوفيق.

مسألة: خاصم في القرية على أن له ثلثا ثم تصدق عليه بذلك الثلث

مسألة قال ابن القاسم في مسألة الجعل في الذي خاصم في القرية على أن له ثلثا، ثم تصدق عليه بذلك الثلث، وقبضه وحازه، ثم قاموا عليه فقالوا: إن الجعل لا يجوز، وقال: إنما هي صدقة، فأقام البينة على صدقته، وأقاموا البينة على أنه أقر أنه إنما أخذه على جعله في الخصومة، وهم مقرون بالصدقة، وذلك أنهم قالوا: إنما فعلنا؛ لأنا ظننا أن ذلك يلزمنا، وإنما قاموا عليه بعد سنين.
فرأى أن إقراره لم يضره، ولم ير ما ادعوا من الجهالة في الصدفة ما ينتفعون به، وقال: كأنهم أعطوه إذ تصدقوا به عليه فيما كان وجب له من جعله.
وذلك أنه إذا كانت تصير له إجارة، فكأنهم أعطوه هؤلاء الإجارة، ولم يعذرهم بالجهالة؛ لأنه قد أقام يحوزها سنين.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة هاهنا ملخصة محذوفة السؤال والجواب، ووقعت في رسم الأقضية، من سماع يحيى، من كتاب الصدقات والهبات بكمالها، وبعض ألفاظها مخالفة لما لخصت به هنا، والمعنى فيها أن الرجل خاصم في القرية لأربابها، فلما استحقها

لهم تصدقوا عليه بثلثها، فقبض الثلث وحازه، ثم إنهم قاموا عليه بعد سنين فقالوا: إنا كنا جاعلناك على الخصام في القرية بثلثها الذي دفعناه إليك، وذلك لا يجوز لك؛ لأنه جعل فاسد لا يجوز، وأقاموا البينة على إقراره بأنه أخذه على جعله، وقال: هو إنما أخدته بالصدقة، وأقام البينة على الصدقة، فأقروا بها، وقالوا: إنما تصدقنا عليك به؛ لأننا ظننا أن ذلك يلزمنا بالجعل الذي شارطنا عليه، فلم ير ابن القاسم إقراره بأنه أخذه على جعله ضائرا له؛ لأن بإزائه إقرارهم له بالصدقة التي ادعى، ولم يعذرهم فيها بالجهالة مع احتمال إقراره بأنه أخذه على جعله أنه أخذه فيما وجب له من الجعل، لا على أنه جاعلهم على ذلك.
واستظهر على ذلك في سماع يحيى، من كتاب الصدقات والهبات باليمن، على أنه لم يقاطعهم بالثلث قبل الخصومة، وإنما طاعوا له بها بعدها شكرا ومكافأة عليها، من أجل ما تضمنه السؤال من أنه شهد عليه أنه ادعى عند القاضي أنه جاعلهم على الخصام عنهم في القرية على ثلثها، فلا يعد ذلك اختلافا من قوله، وسنتكلم على رواية يحيى إذا مررنا بها إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.

مسألة: الصياح على المتاع في السوق على جعل

مسألة قال سحنون في الرجل يستأجر على الصياح على المتاع في السوق على جعل: إن ذلك الجعل فاسد؛ لأنه يصيح النهار كله، وليس إليه إمضاء البيع وإمضاؤه إلى رب المتاع، فهذا جعل فاسد لا يدري أيعطى في السلعة ما يرضى به صاحب السلعة أم لا.
ولو كان إمضاء البيع والنظر إلى الصائح، لم يكن بالجعل بأس، وقال سحنون: وهذه المسألة جيدة.

قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة جيدة على ما قال سحنون، ولا يجوز الجعل على البيع إلا على أحد وجهين؛ إما أن يسمي له ثمنا، أو يفوض إليه البيع بما يراه، ولا اختلاف في هذا، ومثله لابن القاسم في بعض الروايات، في رسم حلف من سماع ابن القاسم، ذكر ذلك في المدنية من كتاب أوله الرجل يحلف بطلاق امرأته، وبالله التوفيق.

مسألة: البيع والإجارة في الشيء المبيع

مسألة وسئل سحنون عن البيع والإجارة، فقال: جائز في غير ذلك الشيء، ولا يجوز في ذلك الشيء بعينه.
قال محمد بن رشد: هذا معلوم مشهور من مذهب سحنون، أن البيع والإجارة في الشيء المبيع لا يجوز عنده على حال، وهو جائز على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك فيما يعرف وجه خروجه بعد العمل كالثوب، على أن على البائع خياطته وما أشبه ذلك، وفيما لا يعرف وجه خروجه إذا كان يمكن إعادته للعمل، كالصفر على أن يعمل منه البائع قدحا، وما أشبه ذلك.
وأما ما لا يعرف وجه خروجه، ولا يمكن إعادته للعمل كالغزل على أن على البائع نسجه، أو الزيتون على أن على البائع عصرها، أو الزرع على أن على البائع حصده ودرسه، وما أشبه ذلك فلا يجوز باتفاق، وقد مضى هذا المعنى في غير ما موضع من هذا الكتاب، ومن كتاب جامع البيوع، والله الموفق.

يعلم الصبيان الكتاب ولا يشارط

ومن كتاب جامع البيوع من مسائل نوازل سئل عنها سحنون بن سعيد وسئل سحنون عن الرجل يعلم الصبيان الكتاب، ولا يشارط

على شيء من تعليمه، فيجري له في الشهر الدرهم والدرهمين، ثم يحذقه المعلم فيطلب منه الحذقة، ويأبى الأب أن يغرم، ويقول: إن حقك فيما قبضت.
قال سحنون: إنما ينظر في هذا إلى حال البلد وسنتهم في ذلك، فيحملون على ذلك، إلا أن يكون رجلا اشترط شيئا فله شرطه.
وأما الحذقة فليس فيها شيء معروف، إلا على قدر الرجل وحاله.
قال محمد بن رشد: إنما سئل أولا عن الحذقة، هل يقضي بها، فقال: إنه ينظر في ذلك إلى حال البلد وسنتهم، فيحملون على ذلك، فقوله بعد ذلك: وأما الحذقة فليس بوجه الكلام؛ إذ عليها تكلم أولا، فكان من حق الكلام أن يقول: وليس فيها شيء معروف إلا على قدر الرجل وحاله.
وإيجابه القضاء بالحذقة إذا كانت جارية بالبلد، وإن لم تشترط هو على أحد قولي مالك في رسم القبائل، من سماع ابن القاسم، من كتاب النكاح، وفي رسم لم يدرك، من سماع عيسى منه، في أن هدية العرس يقضى بها، وإن لم تشترط إذا كانت جارية بالبلد، ولم يحكم بها في قوله: إنه يقضى بها بحكم الصداق كالمشترطة، ولا بحكم الهبة، وإنما حكم لها بحكم الصلة التي يراد بها عين الموصول، فأبطلها بموت من مات منهما.
وكذلك يجب في الحذقة على قياس قوله ألا يقضى بها لورثته إن مات على الأب، ولا على ورثة الأب إن مات المعلم، وإنما يقضى بها للمعلم على الأب في حياتهما، وعلى هذا يأتي قول ابن حبيب؛ لأنه فرق بين الحذقة المشترطة والواجبة بالعرف في موت الصبي أو إخراجه قبل بلوغه إلى الحذقة حسبما مضى القول فيه في رسم البيوع الأول من سماع أشهب، وبالله التوفيق.

مسألة: حمل طعاما في سفينة فغرقت بعد أن بلغت الساحل

مسألة وقال في رجل حمل طعاما في سفينة، فلما انتهت السفينة نصف البحر غرقت بعد أن بلغت الساحل.
قال: لا كراء لصاحب السفينة.
قلت: فلو حمل طعاما من الإسكندرية إلى الفسطاط في سفينة، فغرقت في بعض الطريق، فاستخرج بعض الطعام، فحمل على غيرها إلى الفسطاط؟ قال: لرب السفينة التي غرقت من كراء الطعام الذي أخرج بقدر ما انتفع به صاحبه من بلوغه إلى الموضع الذي غرقت فيه السفينة.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما قال ابن القاسم، وروايته عن مالك في المدونة في أن كراء السفن على البلاغ، وعلى هذا يأتي ما في رسم أخذ يشرب خمرا، من سماع ابن القاسم، من كتاب الرواحل والدواب، في أنه لا كراء لصاحب المركب فيما ألقى من المتاع في البحر لهو له، وإليه ينحو قول أصبغ في نوازله من الكتاب المذكور.
وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله.
والقياس قول ابن نافع في المدونة أن لها بحساب ما بلغت؛ لأن الكراء على البلاغ أخذ بشبه من الجعل والإجارة، وليس بجعل محض، ولا بإجارة محضة، فهو استحسان.
وكذلك قول ابن القاسم في المدونة: إن ما عثرت به الدابة أو الحمال على ظهره فتلف؛ أنه لا ضمان عليه، ولا كراء له هو استحسان أيضا، والقياس قول غيره أن له كراء ما سار من الطريق؛ لأن الضمان إذا سقط عنه، فهو بمنزلة ما تلف بأمر السماء، وبالله التوفيق.

مسألة: استأجروا أجيرا يحرس لهم أعدال متاع

مسألة وسئل عن قوم استأجروا أجيرا يحرس لهم أعدال متاع لكل

رجل منهم العشرة الأعدال، والخمسة، والثلاثة، هل تكون الإجارة على قدر عدد ما لكل رجل منهم من الأعدال، أو تكون على عدد القوم؟ قال: الإجارة في مثل هذا تكون على عدد الرجال، ولا تكون على عدد الأعدال؛ لأن الحارس يتمون في القليل من المتاع، أو في النظر إليه، ويرد النوم عنه، كما يتمون في الكثير.
قيل له: وكذلك لو استأجروا أجيرا يحرس لهم حبال مقاثي، وهي مختلفة الطول والعرض والعدد، يكون لأحدهم حبلان، وللآخر ثلاثة، والكرم يكون لهم على هذه الحال، وبعضها أكبر من بعض، وأكثر عددا؟ قال: نعم، الجواب واحد في المسألتين جميعا.
قلت: أرأيت إن استأجروه على أن يجمع لهم ثمر هذه الكروم والحمال والمقاثي، أو على أن يحرسها ويجمع ثمرتها، وهي في القرب واحد بعضها قريبة من بعض، بدراهم مسماة جملة واحدة؟ قال: إذا استأجر قوم أجيرا على عمل مختلف مثل أن يكون لأحدهم عشرة فدادين، ولآخر خمسة، ولآخر واحد، فهذا عمل، وعمل القليل والكثير ليس بسواء، وهو عندنا فاسد؛ لأن عمله يكون على كل قوم بقدر قيمة ماله فيقسم الكراء على ذلك، فلا يدري ما أجر نفسه به من كل واحد إلا من بعد القيمة، مثل الرجلين يبيعان العبدين بمائة دينار من رجل، وهما مختلفا القيمة، فيكون كل واحد منهما لا يدري بما باع به سلعته إلا بعد القيمة، فكذلك الأجير لا يدري ما يتبع به كل واحد إلا من بعد القيمة، وقد

قال ابن القاسم في مسألة العبدين: إنه جائز، وذكر عن مالك ما يشبه، وهو قول أشهب: إنه جائز في الشراء.
قال محمد بن رشد: قوله في أجرة الأجير على حرز الأعدال للجماعة من الناس: إنها تكون على عدد الرءوس لا على عدد الأعدال، هو على قول ابن القاسم في كتاب الأقضية من المدونة في أجرة القيام: إنها تكون على عدد الرءوس لا على قدر الأنصباء، وهو أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم، فروى يحيى عنه في أول سماعه من كتاب البضائع والوكالات في أجرة الأجير على الخصام، أنها تكون على قدر الأنصباء لا على عدد الرءوس، وهو الأظهر، وإليه ذهب أصبغ في نوازله، من كتاب السداد والأنهار.
وقال به محمد بن عبد الحكم، واحتج بقوله: إن الأجرة إن جعلت على عدد الرءوس ربما صار على القليل النصيب من الأجرة أكثر من قيمته، وهو كما قال.
وأما إذا استأجره جماعة على جمع ثمار كرومهم، فقوله: إن ذلك غير جائز، وهو فاسد عندئذ، جار على اختلافهم في إجازة جمع الرجلين سلعتيهما في البيع، فهو بين على ما قال، فلا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: كراء أحواض الملح أشهرا معلومة بالدنانير والدراهم أو العروض

مسألة وسئل سحنون عن الرجل يكون له الأحواض من الملح، ويكون له شرب معروف من بين، فيريد أن يقبلها لأشهر معلومة بالدنانير والدراهم، قال: إذا كان كما ذكرت من معرفة شربها، فلا بأس بذلك.
قلت: فإن أراد يقبلها أشهرا بملح يكون عليه مضمونا،

أترى بذلك بأسا؟ قال: إذا كان مضمونا على المستأجر، فلا بأس بذلك.
قلت: فلو استأجره بثلث ما يرفع فيها أو النصف؟ قال: ذلك جائز.
قال محمد بن رشد: هذه المسائل الثلاث عابها الناس قديما وحديثا، واعترضوها وقالوا: إنها مخالفة للأصول، والأولى أخفها.
ووجه الاعتراض فيها أنه قد علم أن الحر إذا اشتد كثر عقد الملح، وإذا خف قل عقده، فكراؤها أشهرا معلومة بالدنانير والدراهم أو العروض ينبغي ألا يجوز، كما لا يجوز شراء ما أطعمت المقثاة أشهرا؛ لأنه إذا اشتد الحر كثر حملها، وإذا كان البرد قل حملها.
ووجه تفرقة سحنون بين المسألتين أن نبات المقثاة لا عمل للمشتري فيه، وإنما يكون على قدر ما يكون في تلك المدة من الحر أو البرد، وأما عقد الملح، فإن كان يكثر بشدة الحر، ويقل بقلته، فإن لخدمة المكتري في ذلك تأثيرا، فقد تقل الملاحة بكثرة الخدمة مع قلة الحر، أكثر مما تقل مع كثرة الحر، وقلة الخدمة، وإن تركت خدمتها أصلا، ولم يجلب الماء إلى أحوضها، لم يكن فيها من الملح قليل ولا كثير.
وهو فرق بين، والإجازة فيها أظهر من المنع.
أو أما كراؤها لجميع مدة الملح من العام بالدنانير والدراهم والعروض نقدا وإلى أجل، فلا اعتراض في ذلك، ولا إشكال في أن ذلك جائز، وأما كراؤها أشهرا مسماة بكيل من الملح، يكون على المكتري مضمونا، أو بجزء مما يخرج منها، فأجاز سحنون ذلك في هذه الراوية، وروى زياد عن مالك أنه قال: أكره أن يعطي الرجل ملاحته على النصف أو الثلث، أو ببعض ما يخرج منها.
ووجه رواية زياد في كراهيته لكرائها أشهرا معلومة بكيل من الملح

يكون على المكتري مضمونا، هو أن الملح الذي يأخذه المكري من المكتري، هو من الماء الذي دفع إليه، فأشبه ذلك من سلف كتانا في ثوب كتان أو صوفا في ثوب صوف.
ووجه ما ذهب إليه سحنون من إجازة ذلك، وتفرقته بين المسألتين، هو أن جل الكراء إنما وقع على الأحواض؛ إذ لا منفعة له في الماء دونها والماء تبع لها؛ إذ لو اكترى منه الأحواض دون الماء على أن يسوق إليها الماء، لم ينتفع صاحب الماء بمائه؛ إذا لم تكن له أحواض يسيره إليها، فكان ذلك بخلاف الذي أسلم كتانا في ثوب كتان أو صوفا في ثوب صوف؛ لأنه يعطيه الثياب من عين ما دفع إليه من الكتان أو الصوف، وإنما تشبه المسألتان لو باع منه شرب الملاحة دون الأحواض على أن يسوقه المبتاع إلى أحواض نفسه بكيل من الملح يكون عليه مضمونا.
وأما كراؤها بالجزء منها، فوجه الكراهة فيها أنه كراء بثمن مجهول؛ لأن الجزء قد يقل ما يحصل فيه من الملح وقد يكثر، ووجه ما ذهب إليه سحنون من إجازة ذلك، هو أن المعنى في ذلك أنه لم يعتبر لفظ الإجارة، ورآها شركة كالمزارعة، جعل صاحب الملاحة أحواضه وشربه من الماء، وجعل الآخر خدمته في ذلك على أن يكون ما أخرج الله فيها من الملح بينهما بنصفين، أو على الثلث، أو الثلثين، أو ما أشبه ذلك، فوجب أن يجوز؛ لأن الشرب من الماء كالبذر في المزارعة، وهو توجيه فيه ضعف لإفصاحهما بلفظ الإجارة، ولو لم يفصحا بلفظ الإجارة، وأفصحا بلفظ الشركة لوجب أن يجوز، كما لو تزارع الرجلان على أن يجعل أحدهما الأرض، والبذر والآخر العمل وحده؛ لكانت مزارعة جائزة، فكذلك الملاحة.
فتحصيل القول في هاتين المسألتين أنهما إن أفصحا فيهما بلفظ الإجارة لم يجز، وإن أفصحا في مسألة الملاحة بلفظ الشركة، وفي الثانية

بلفظ المزارعة جازتا جميعا، وإن أتيا في كل واحدة منهما بلفظ محتمل للوجهين، تخرج ذلك على قولين، وبالله التوفيق.

مسألة: يأتي بدابته لينزي عليها فيقول لصاحب الفحل أنزه على هذه الدابة مرتين بدرهم

مسألة وسئل عن الرجل يأتي بدابته لينزي عليها، فيقول لصاحب الفحل: أنزه على هذه الدابة مرتين بدرهم، فيرضى صاحب الفحل فينزيه له ضربة فتعق الدابة، أترى له عليه نزوة أخرى إن أراد أن يأتي بدابة أخرى، أم ماذا له في ذلك؟ قال سحنون: أرى أن يرجع عليه بنصف الأجرة؛ لأن ذلك عندي بمنزلة المرضع تستأجر على رضاع صبي سنة فترضع ستة أشهر، ثم يموت الصبي، فإنها تأخذ بحساب ما أرضعت، ولا يكون لها ولا لهم أن يأتوها بصبي آخر.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة إحدى المسائل الأربع التي تنفسخ الإجارة فيها بذهاب الشيء المستأجر له.
وقد مضى القول في هذا المعنى مقسما ملخصا مستوفى في رسم العتق، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: أعطى رجلا ثوبا ليبيعه له بجعل فلما قبض الدنانير ضاعت من عنده

مسألة وسئل سحنون عن رجل أعطى رجلا ثوبا ليبيعه له بجعل، فلما قبض الدنانير ضاعت من عنده.
هل يكون له الجعل الذي جعل له؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا بين كما قال؛ لأنه لما باع الثوب وجب له الجعل، فليس ضياع الثمن منه بعد ذلك بالذي يسقط له ما وجب له من

الجعل.
ووقع في رسم طلق، من سماع ابن القاسم، من كتاب الرواحل والدواب، فيمن تكارى حمالا، وبعث معه بدنانير إلى موضع ليبتاع له بها طعاما، فرجع وزعم أن الدنانير ضاعت منه أنه يحلف لقد ضاعت منه الدنانير، ولا يكون له فيها مواجرة.
فذهب بعض الناس إلى أن المسألتين متعارضتان، وليس ذلك بصحيح؛ لأن مسألة سحنون جعل على بيع، فوجب للمجعول له جعله بالبيع، ومسألة مالك إجارة على الذهاب بالمال إلى بلد آخر، وشراء سلعة به، فلما ضاع منه المال بالطريق قبل الشراء لم يكن له فيما مضى منه أجرة؛ لأن تلف المال جاء منه، وذلك على أصله في المدونة في الذي يستأجر الحمال على حمل شيء بعينه، فيعتر به فيذهب، أنه لا ضمان عليه ولا كراء له، خلاف قول غيره، وبالله التوفيق.

الصائح على الدقيق والعقار يقال له صح عليه فإن بعت فلك كذا وكذا

من سماع محمد بن خالد من ابن القاسم قال محمد بن خالد: سألت ابن القاسم عن الصائح على الدقيق والعقار يقال له: صح عليه، فإن بعت فلك كذا وكذا، وإن لم تبع فلا شيء لك.
قال ابن القاسم: ذلك مختلف، أما مثل الرأس الذي يؤمر ببيعه، أو الدار تباع، فإن ذلك يجوز فيه هذا؛ لأنه قد صاح فيه أياما كثيرة، وهو ينظر في حوائجه في خلال ذلك.
قال ابن القاسم: وأما كل ما يباع من عاجل، فذلك لا يكون إلا بأجرة.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم شك في طوافه، وفي رسم حلف، من سماع ابن القاسم بيان وجه الكراهة في المجاعلة على الصياح، على الرقيق والثياب الكثيرة، فلا معنى لإعادة ذلك، وكذلك العقار الكثير، وأما الثوب والثوبان، والرأس والرأسان، فالمجاعلة على بيع ذلك جائز، إذا سمى لكل ثوب أو رأس منها جعلا، وكان مما لا يباع من عاجل؛ إذ ما يباع من عاجل ويتيقن وجود الثمن فيه، لا يجوز فيه الجعل على ما قال؛ لأن الجعل إنما يكون فيما إن بلغه المجعول له استحق جعله، وإن قصر عنه لم يكن له شيء، وبالله التوفيق.

قال لرجل اقتض ما لي على فلان ولك ثلثه أو نصفه

من سماع أصبغ من كتاب البيوع الثاني قال أصبغ: وسألت ابن القاسم عن رجل قال لرجل: اقتض ما لي على فلان وهو كذا وكذا، فما اقتضيت من شيء فلك ثلثه أو نصفه، فمات المجعول له، وقد اقتضى بعض المال، أو لم يقتض شيئا، أو مات الجاعل، أو مات الذي عليه الحق.
فقال: إن مات الذي جعل له، وقد عمل فورثته مكانه، يقومون مقام أبيهم إن كانوا أمناء، ما دام صاحب الحق حيا، وإن كان المجعول له مات قبل أن يقتضي شيئا، فلا حق لورثته بمنزلة القراض سواء، يريد إذا لم يعمل الميت بالقراض، ولم يشغله، ولا شيئا منه، فلا شيء لورثته، فهذا مثله، وإن مات رب المال الجاعل، لم يكن للذي جعل له استتمام ما لقي، ولا لورثته إن هو مات؛ لأنه أمر إنما كان يلزم الجاعل ما دام حيا، فإذا مات فقد صار المال لغيره، وانفسخ عنه ما جعل له؛ لأنها لم تكن إجارة لازمة، وقد كان المجعول له متى شاء أن يخرج خرج.
ومما يبين ذلك، أن لو هلك رب المال، وعليه دين يحيط بماله، فأراد المجعول له أن يقوم بالتقاضي كما هو، وأبى ذلك الغرماء، وقالوا: قد صار المال مالنا، وليس لك أن تنقصنا من أموالنا لما جعل لك، فإن ذلك لهم.
وكذلك لو فلس رب المال الجاعل

لسقط جعل الأجير، يريد من ذي قبل فيما لم يقبض، وكان لغرمائه يقتسمونه، وكذلك الورثة بمثابتهم؛ لأن المال خرج إلى ورثة رب المال.
قال: وإن مات الذي عليه الحق، وقد اقتضى المجعول له بعض الحق قبل أن يموت، وفات أو مات الذي عليه الجعل، فهو على جعله الذي جعل له صاحب الحق، يقوم بتقاضيه إن أحب، كان اقتضى قبل ذلك شيئا أو لم يقتض، وهو بمنزلة ما لو أراد صاحب الحق أو غيره من غرماء الميت الذي عليه الحق أن يفلسوه، كان المجتعل على جعله، فالموت في هذا والفلس واحد، وورثة الأجير هاهنا بمنزلته إذا كانوا أمناء مثل القراض.
قاله أصبغ كله على الاتباع والاستحسان، وفي بعضها بعض المغمز والانكسار على القياس والكلام.
قال محمد بن رشد: تفرقته في موت المجعول له بين أن يموت قبل أن يقتضي شيئا، يريد قبل أن يعمل في الاقتضاء، وبين أن يموت، وقد عمل في الاقتضاء، يريد وإن لم يقتض شيئا بعد، وتنظيره إياه بالقراض صحيح على القول بأن الجاعل يلزمه الجعل بالعقد، وإن لم يشرع المجعول له في العمل؛ فيكون لورثة المجعول له إن كانوا أمناء، أو أتوا بأمين أن يقوموا مقام مورثهم.
وأما قوله: إنه إن مات رب المال الجاعل لم يكن للذي جعل له

استتمام ما بقي، ولا لورثته إن هو مات، فالمعنى في ذلك عندي إذا كان قد اقتضى البعض، وبقي البعض، لأن ما اقتضى قد وجب له فيه جزؤه، فلم يخسر عناءه جملة.
وهذا الموضع هو الذي قال فيه أصبغ: إنه استحسان، وإن فيه مغمزا وانكسارا على وجه القياس.
وهو كما قال؛ لأنه إذا اقتضى البعض، فقد لزم الجاعل الجعل، وإذا لزمه لم يسقط عنه بموته، ولزم ورثته من ذلك ما لزمه في وجه النظر والقياس على الأصل.
وأما لو مات الجاعل بعد أن عمل المجعول له في الطلب والشخوص والقيام، وقبل أن يقتضي شيئا، لما صح أن يبطل حقه في ذلك بموت الجاعل فيذهب عناؤه باطلا، ولوجب أن يكون له ولورثته إن مات القيام مكانه في اقتضاء ما كان قام عليه فيه، وأشرف على اقتضائه منه دون خلاف، كما أنه لو كان الجعل في غير اقتضاء الديون، مثل أن يجعل له جعلا في طلب آبق، أو في حفر بئر، فمات الجاعل بعد أن حفر المجعول له بعض البئر، أو خرج في طلب الآبق؛ للزم ذلك ورثته، ولم يقع في ذلك خلاف.
ولو كان الجعل في مثل الحصاد، واللقط بأن يقول له: ما حصدت من زرعي هذا، أو لقطت من زيتوني هذا، فلك نصفه أو ثلثه، فمات الجاعل بعد أن حصد بعض الزرع، أو لقط بعض الزيتون، لم يكن للمجعول له التمادي على الحصاد، ولا على اللقط دون رضا ورثة الجاعل بلا خلاف؛ لأن ما حصد أو لقط قد وجب له حقه فيه، وما لم يحصد ولم يلقط، فليس له فيه عمل يذهب بخروجه، فقف على افتراق أحكام هذه المسائل الثلاث لافتراق معانيها، والجعل على الاقتضاء يكون لورثة الجاعل أن يمنعوا المجعول له من التمادي على الاقتضاء في الاستحسان دون القياس.
والجعل على الحفر وطلب الآبق وشبهه ليس لهم أن يمنعوه من التمادي على الحفر والطلب في استحسان ولا قياس.
والجعل على الحصاد

واللقط وشبهه لهم أن يمنعوه من التمادي على الحصاد واللقط في الاستحسان والقياس.
وقوله: إن الجعل على الاقتضاء لا ينفسخ بموت الذي عليه الدين، ولا بتفليسه صحيح لا وجه للقول فيه، والله الموفق.

مسألة: يقول اقتض لي مائة على فلان ولك نصفها

مسألة قال أشهب في كتاب البيع والصرف في الرجل يقول: اقتض لي مائة على فلان، ولك نصفها، فقال: لا يعجبني.
فقيل له: فإن قال: وما اقتضيت من شيء فعلى حسابه؟ قال أشهب: لا يعجبني على حال.
قال أصبغ: كرهه لأنه من باب الجعل في الخصومة.
وقال ابن وهب مثل قول ابن القاسم إذا قال: اقبض لي مائة دينار على فلان ولك نصفها أو ما اقتضيت من شيء، فلك نصفه فلا بأس به.
وقال ابن وهب: إذا قال: اقبض ما لي على فلان، ولم يقل: فهي كذا وكذا، ولك نصفها، فلا خير فيه، أو هو بمنزلة الرجل يعطي الرجل الثوب، فيقول له: بعه بما وجدت، ولك من كل دينار درهم، فلا خير فيه، وهذا مثله.
وإن قال له: بعه بخمسة دنانير، ولك في كل دينار درهم لم يكن به بأس.
قال أصبغ: والذي آخذ به قول ابن القاسم فيها، سمى عدة الدنانير أو لم يسم.
قال أصبغ: وسواء في موت رب المال عمل المجعول، وكان اقتضى شيئا، أو لم يقتض ينفسخ ما بقي إن كان عمل بعضه

أو كله، أو لم يكن عمل في قول ابن القاسم.
وهذا رأيي كله.
قال محمد بن رشد: هكذا وقع في هذه المسألة من قول ابن وهب، وابن القاسم إذا قال: اقبض لي مائة دينار على فلان، ولك نصفها، أو ما اقتضيت من شيء فلك نصفه.
ووقع في بعض الكتب، وما اقتضيت من شيء بإسقاط الألف.
فإذا ثبتت الألف اقتضى ثبوتها أنه يجوز عند ابن القاسم، وابن وهب أن يقول الرجل للرجل: اقبض لي مائة دينار على فلان، ولك نصفها، وإن لم يقل، وما اقتضيت من شيء فلك نصفه.
وإذا أسقطت الألف اقتضى سقوطها أنه لا يجوز عندهما أن يقول الرجل للرجل: اقبض لي مائة دينار على فلان، ولك نصفها، إلا أن يقول: وما اقتضيت من شيء فلك نصفه، والاختلاف في هذا إنما يرجع إلى الاختلاف فيما يحمل عليه اللفظ؛ إذ ليس بصريح في الجعل ولا في الإجارة، فمن حمله على الإجارة أجازه، ومن حمله على الجعل لم يجزه.
وأما إن قال: وما اقتضيت من شيء، فلك نصفه، فلا اختلاف بينهم في أن ذلك محمول على الجعل، وأن ذلك جائز إلا على مذهب أشهب، الذي لا يرى المجاعلة على اقتضاء الديون جائزة على حال، وإن سمى عددها، وشرط أن له مما اقتضى منها بحساب ذلك.
وأما إن لم يسم عدد الدين، فلا تجوز المعاملة على اقتضائه بجزء منه، إلا على وجه الجعل بأن يجعل له من كل شيء يقتضيه بحساب ذلك، فلا يجوز أن يقول: اقبض ما لي على فلان، إذا لم يقل: وهو كذا وكذا، ولك نصفه إلا أن يقول: وما اقتضيت من شيء فلك نصفه، فإذا قال ذلك حمل على الجعل باتفاق وجاز.
وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع ابن القاسم، وفي هذا بيان، وبالله التوفيق.

مسألة: استؤجر على خادم يبلغه فمات في بعض الطريق أو أبق

مسألة قال: وقول مالك فيمن استؤجر على خادم يبلغه، فمات في بعض الطريق أو أبق، فإن أبق حوسب، وإن مات فله الأجرة كلها، وقال ابن القاسم فيه الموت والإباق عندي واحد، نرى أن تكون له الأجرة كلها.
قال ابن وهب: له من الأجرة إلى حيث بلغ فقط، وقاله أصبغ، إلا أن للمستأجر أن ير يستعمله في مثل ذلك حتى يبلغ ويتم، أو يواجره في مثله حتى يتمه.
قال محمد بن رشد: قول مالك: إن له الأجرة كلها في الموت، وقول ابن القاسم: إن له الأجرة كلها في الموت والإباق، معناه: ويكون للمستأجر أن يستعمله في مثل ذلك على ما قاله أصبغ.
فالصواب في قوله أن يكون متصلا بقول ابن القاسم على سبيل التفسير له، لا بقول ابن وهب.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن الإجارة لا تنفسخ لا في الموت ولا في الإباق، ويستعمله المستأجر في مثل ما بقي، وتكون له أجرته كاملة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنها تنفسخ فيهما جميعا، ويكون له من الأجرة إلى حيث ما بلغ فقط، وهو قول ابن وهب هاهنا، وقول ابن القاسم وأصبغ في رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ، من كتاب الرواحل والدواب.
والثالث: الفرق بين الموت والإباق، وهو قول مالك.
ويتخرج في المسألة قول رابع: أنها تنفسخ في الإباق، ولا يكون له فيما مضى من الطريق شيء، ولا تنفسخ في الموت، وذلك على ما في المدونة لمالك في تلف الشيء المستأجر على حمله من قبل ما عليه استحمل؛ لأن الإباق للأجير فيه سبب بترك التوثق والتعاهد.
وقد مضى القول على هذا في رسم طلق من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

مسألة: قال من يحفر لي بئرا طولها وعرضها كذا فله كذا فحفر رجل نصفها

مسألة قال أصبغ: سئل ابن القاسم عمن قال: من يحفر لي بئرا طولها كذا وكذا، وعرضها كذا وكذا فله كذا وكذا، فحفر رجل نصف ذلك، ثم يعتل.
قال: لا أرى له حقا إلا أن ينتفع بها صاحبها، فإن انتفع بها أخذ قدر ما عمل مما انتفع به.
قيل له: فلو قال: من جاءني بخشبة من موضع كذا وكذا فله كذا، فحملها رجل إلى نصف الطريق؟ قال: هو مثله لا أرى له شيئا إلا أن يحملها صاحبها فينتفع بها، فإذا انتفع بها فله أجره على قدر ما حملها من الطريق.
قال محمد بن رشد: قال في البئر: إنه يكون للمجعول له فيما حفر من البئر إذا انتفع بذلك صاحبها قدر ما عمل مما انتفع به، ولم يبين وجه العمل في ذلك، وفيه تفصيل، وقد مضى بيانه في رسم أخذ يشرب خمرا، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وكذلك قال أيضا في الخشبة: إنه يكون له أجره على قدر ما حملها من الطريق، فأجمل القول في ذلك دون بيان، وقد مضى بيانه في الرسم المذكور، من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يستأجر بدينار على دابة يبيعها له وله الدينار باع أو لم يبع

مسألة قال أصبغ: سمعت أشهب، وسئل عن الذي يستأجر بدينار على دابة يبيعها له بالإسكندرية، وله الدينار باع أو لم يبع.
قال: لا بأس بذلك.
قيل له: وإن لم يسم للتسويق والبيع هناك أجلا؟ قال: نعم.
قيل له: فما البيع؟ قال: على قدر بيع مثلها.
ثم قال:

أرأيت لو أعطاه هاهنا ثوبا يبيعه بخمسة دراهم، فالقيام بالبيع معروف في كل سلعة وفي كل بند، وقال هو معروف.
قال محمد بن رشد: قول أشهب هذا صحيح، وهو نحو ما مضى لابن القاسم، في سماع محمد بن خالد، فليس بخلاف لما في المدونة، ولا فيما مضى في رسم العتق، من سماع عيسى، وقد مضى القول على ذلك هناك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

استأجر أجيرا أشهرا في علوفة دواب فماتت قبل الشهر فأراد أن يستعمله في غيره

ومن كتاب البيع والصرف وسئل أشهب عن رجل استأجر أجيرا أشهرا في علوفة دواب، فماتت قبل الشهر، فأراد أن يستعمله في غيره.
قال: ليس ذلك له، إما جاءه بمثل تلك الدواب يقوم بعلوفتها، وإلا فلا شيء للمستأجر على الأجير، والإجارة له كلها.
قيل له؛ فإن رضي الأجير أن يتحول إلى عمل آخر غيره؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: أجاز أشهب الإجارة على علوفة دواب بأعيانها، وإن لم يشترط الخلف، ورأى أن الحكم يوجبه، وذلك خلاف مذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها، مثل قول سحنون وابن حبيب، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم العتق، من سماع عيسى.
وأما قوله: إنه إن رضي الأجير أن يتحول إلى عمل آخر غيره، فلا بأس به، معناه فيما يشبه العلوفة لا يتباعد.
قال ذلك ابن أبي زيد، وهو صحيح على معنى ما في المدونة أن من اكترى دابة إلى موضع، فليس له أن يركبها إلى موضع غيره، وإن كان مثله في الحزونة والسهولة، إلا أن يرضى بذلك الكري، خلاف قول مالك في آخر أول رسم من سماع ابن

القاسم، وخلاف ما في الواضحة من أن من اكترى أجيرا لعمل يسميه، فله أن يستعمله فيه، وفيما يشبهه من الأعمال؛ إلا أن يشترط الأجير ألا يستعمله إلا في العمل الذي سمى بعينه.
وأما فيما لا يشبه العلوفة، فلا يجوز وإن رضيا؛ لأنه فسخ دين في دين، وسواء كان قد انتقد، أو لم ينتقد في هذه المسألة؛ لأن الخلف فيها واجب، والكراء بينهما قائم، فيدخله فسخ الدين في الدين، وإن كان لم ينتقد.
ولو استأجره شهرين على أن يعمل الشهر الأول في عمل سماه، والشهر الآخر بعده في عمل آخر سماه بعيد منه، جاز على مذهب ابن القاسم إن لم ينتقد، ولم يجز على مذهب ابن الماجشون.
والقولان قائمان من المدونة من مسألة: من أكرى راحلة بعينها فركبها بعد شهر، وبالله التوفيق.

مسألة: استأجر أجيرا يخدمه واشترط عليه السفر إن احتاج إليه

مسألة وسئل أشهب عمن استأجر أجيرا يخدمه، واشترط عليه إن احتجت إلى سفر شهرا أو شهرين في السنة سافرت بك.
قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: إنما أجاز إذا استأجر الأجير لخدمته أن يشترط عليه أن يسافر به من أجل أنه قد وقت السفر شهرا أو شهرين، وإذا قال شهرا أو شهرين، فالمشترط عليه إنما هو شهران؛ لأن الأجير إنما يدخل على الأكثر الذي يلزمه بالشرط.
ولا يضر أن يكون المستأجر بالخيار في أن يسافر به أقل من شهرين، وفي إلا يسافر به أصلا؛ لأن ذلك حق له تركه بعد انعقاد الأجرة على شيء معلوم.
والأصل في جواز هذا، وما كان في معناه قول الله عز وجل: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: 27]

لأن الأجير هاهنا يقول: قد أجرتك نفسي على أن أسافر معك شهرين، إلا أن تخفف عني السفر أو بعضه، فذلك من عندك تفضل منك علي.
واشتراطه عليه السفر به شهرين من السنة دون أن يسميهما يتخرج على قولين؛ فيجوز على مذهب ابن القاسم الذي يجيز أن يشترط عليه السفر في أول السنة، أو بعد مضي بعضها، ولا يجوز على مذهب ابن الماجشون، الذي لا يجيز أن يشترط عليه السفر إلا في أول السنة، أو فيما قرب من أولها، ولا يجوز بعد مضي شهر منها أو أكثر، ولو شرط عليه أن يسافر به إن احتاج إلى السفر، ولم يوقت مقداره، لم يجز عند جميعهم، وهو قوله في المدونة وغيرها: إن ما تباعد من الأعمال لا يجوز أن يستأجره عليها دون بيان، وبالله التوفيق.

مسألة: يقول للرجل أعطني عبدك يعمل لي اليوم وأعطيك عبدي غدا

مسألة وسئل أشهب عن الذي يقول للرجل: أعطني عبدك النجار يعمل لي اليوم، وأعطيك عبدي الخياط يخيط لك غدا.
قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، والقول فيها في أول رسم من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

يجعل جعلا لرجل في طلب عبد له أبق فيأتي به فيستحقه مستحق

ومن كتاب محض القضاء وسئل أشهب عن الذي يجعل جعلا لرجل في طلب عبد له أبق، فيأتي به فيستحقه مستحق، قبل أن يقبض الجعل، وقبل

أن يقبض العبد ربه، على من ترى الجعل؟ قال: على الجاعل، وليس على المستحق شيء.
قيل له: وكذلك إن استحق بحرية؟ قال: نعم.
فقيل له: فإن استحق بحرية كانت من الأصل ألا يرجع به عليه، أو قال السائل على مستحقه من الأصل.
قال: لا.
قال أصبغ: ولا على أحد ويبطل.
قال محمد بن رشد: في كتاب ابن المواز بإثر هذه المسألة: قال محمد: وأجوز ذلك عندي أن يكون الجعل على الجاعل ثابتا عليه يغرمه، ويكون على مستحقه جعل مثله يغرمه للجاعل، إلا أن يكون أكثر مما غرمه الجاعل، وقد ناظرت فيها من أرضى فقال لي مثله.
قال محمد بن المواز: وهو بين إن شاء الله؛ لأن كل آبق جاء به من تكلف طلبه لم يصل إليه حتى يدفع جعل مثله، ولا نفقة له في ذلك، وإن جاء به من لم يطلبه، فلا جعل له ولا نفقة.
وقول ابن المواز: وإن جاء به من لم يطلبه، فلا جعل له، ولا نفقة خلاف ما في المدونة من أنه ليس له إلا نفقته.
وقد بين محمد بن المواز وجه ما ذهب إليه من الرجوع على المستحق بجعل مثله، والأظهر ما روى أصبغ عن ابن القاسم أن الجعل على الجاعل؛ لأن المنفعة فيه له من أجل أن ضمان العبد منه، فلو لم يوجد لخسر الثمن الذي أدى فيه، وإذا وجده فأخذه صاحبه المستحق له، رجع على البائع الذي أدى فيه، والمستحق إن لم يجد العبد لا تكون مصيبته منه؛ لأن له أن يجيز البيع، فيأخذ الثمن من البائع.
وهذا الاختلاف إنما هو إذا أخذ المستحق العبد، وأما إن أجاز البيع، وأخذ الثمن، فالجعل على الجاعل قولا واحدا، وروى ابن أبي جعفر الدمياطي، عن ابن القاسم فيمن دفع إليه ثوب يبيعه، بجعل فباعه، ثم استحق أنه لا جعل له.
وهذا بيّن على ما قال؛ لأن المستحق إذا أخذ ثوبه انتقض البيع، فوجب رد الجعل، وأما إن أجاز البيع، وأخذ الثمن، فينبغي أن يكون الجعل للمجعول له على الجاعل، ويرجع الجاعل به على المستحق، وقد مضى في رسم الفصاحة، من سماع عيسى، من كتاب جامع البيوع من معنى هذه المسألة ما فيه بيان لهذه، وبالله التوفيق.

مسألة: بعث رجلا إلى المعدن ينفق عليه ويعمل له وما أصاب له ثلثه

مسألة وسمعت أصبغ، وسئل عن رجل بعث رجلا إلى المعدن ينفق عليه، ويعمل له، فما أصاب كان له منه ثلثه أو نصفه، أو جزء مما يتراضيان عليه، وإن لم يصب شيئا ذهبت نفقته باطلا.
قال أصبغ: لا يصلح ذلك، وذلك فاسد لا شك فيه، وهو من الغرر، وهو منقوض ما لم يفت بالعمل والخروج، فإن فات فهو مثل ما كانوا يتعاملون به في معدن الزبرجد قديما، مما قد عرفتم، وعرف الناس عندكم كيف كانوا يبعثون، ويخرجون عليه على مثل هذا.
ونزل عندنا في أيامه كثيرا، ونحن حينئذ نتبع أصحابنا ومشايخنا الفقهاء في زمان ابن القاسم وأشهب، وابن وهب كانوا يسألون عنه ويتكلمون فيه مما ينزل، ويختلفون ويختلف فيها القول من الناس، فكان الذي استقر عليه قولنا كقول أكثرهم وأكابرهم أنها أجرة، وهي أجرة فاسدة، يكون المكتسب فيها، والنيل إن فات وعمل، ووجد للباعث الذي عليه النفقة، كمن استأجر أجيرا على أن ما اكتسب في عمله فهو له، فالإصابة له والحرمان عليه، وليس للأجير إلا إجارة مثله في شخوصه، وفي عمله، وإقامته وكثرته.
فإن وفرت عليه إجارة مثله على أن مئونته على نفسه حوسب بما أكل وشرب وأنفق.
وإن شاءوا قوموا الإجارة على أن طعامه وشرابه على المستأجر، فكان له في القضاء أقل من القيمة الأولى، ودخل هذا في هذا المعنى، فعلى أي الوجهين قومت به، فهو سواء، وهو صواب، وله إجارة مثله على كل حال أصاب أو لم يصب؛ لأنه لو أصاب الكثير كان للأول الباعث، وكذلك إذا لم

يصب إلا القليل، أو لم يصب شيئا، فعليه مثل الذي له، ولهذا إجارته كاملة على قدر عمله.
فإجارة مثله ليس بمثل ما سمى له، إن كان سمى له تسمية مع ما يصيب؛ لأن الإجارة فسدت بالجزء الذي استثنى مما يصيب، فلا يدري أيصيب أم لا؟ فصارت مخاطرة؛ كالذي يستأجر في الزرع، وعمله بجزء مما يخرج، وصار حراما فاسدا، وكذلك هذا.
ولو كانت الإجارة من نفقته وطعامه وشرابه فقط أو تسمية مسماة من العين دونها أو معها، وليس له في الإصابة شيء كان حلالا، وكان جائزا، وكان مما يبين أن الكسب كله للباعث، وكان بمنزلة الأجير يستأجر بقدر له، ويعمل بشيء مسمى فذلك جائز، وبمنزلة الرجل يستأجر الأجير يوما على أن يصيد له صيد البحر أو البر بشيء مسمى، فذلك له جائز، ما أصاب فهو له، وما لم يصب ليس عليه فيه غرم، وليس عليه إلا اجتهاده؛ لأنه إنما استأجره على أن يعمل ما يعمل الصائد من نصب، وإلقاء شبكة، أو نصب حبالة أو غيره مما يعرف، فهو كالصانع فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: أما إذا استأجره على أن يعمل في المعدن بجزء مما يخرج منه على أن له نفقته، فالمكروه فيها بين، والفساد فيها ظاهر؛ لأن الغرر فيها موجود في جهة كل واحد منهما؛ لأن الأجير يعمل على شيء مجهول، لا يدري ما هو، ولا ما يحصل له فيه، والمستأجر ينفق على أن يأخذ في نفقته جزءا مما يخرج من المعدن، فكأنه باع نفقته بذلك، وهو غرر بين.
فقول أصبغ: إنها إجارة فاسدة، يكون النيل للمستأجر، ويكون للأجير أجرة مثله إن فاتت الإجارة بالعمل صحيح، والاختلاف الذي ذكر أنه وقع فيها بعيد.
وإنما الاختلاف المعلوم في ذلك إذا استأجره على

العمل فيه بجزء مما يخرج منه على أن نفقته على نفسه، فقيل - وهو المشهور -: إنها إجارة فاسدة؛ لأن الأجير يعمل فيها على شيء مجهول لا يعلم قدره، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من استأجر أجيرا فليؤاجره بأجر معلوم إلى أجل معلوم» وقيل: إنها إجارة جائزة؛ لأن ما لا يجوز بيعه يجوز الاستئجار عليه بالجزء منه قياسا على المساقاة والقراض؛ لأن الثمرة لما لم يجز بيعها قبل بدو صلاحها، جازت فيها المساقاة، ولأن العين لما لم يجز فيه الكراء جاز فيه القراض، وهو قول ابن القاسم في أصل الأسدية، قال فيها: إن ما ظهر في أرض الصلح من المعادن، إن لهم أن يمنعوها الناس، ولهم أن يأذنوا لهم في عملها، ويكون لهم ما يصالحون الناس عليه من الخمس أو غير ذلك.
وكذلك قال في كتاب ابن المواز: إن لهم أن يعاملوا الناس فيها بالثلث والربع، وأنكر محمد معاملتهم فيها بالثلث والربع، ووقف عنه، وبالله التوفيق.

استأجر حصادين على أن يحصدوا له زرعا فذهبوا فحصدوا زرعا لغيره

من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من عبد الرحمن بن القاسم وسئل ابن القاسم عن رجل استأجر حصادين على أن يحصدوا له زرعا، فذهبوا فحصدوا زرعا لغيره، وهو قريب من زرعه.
قال: إن كان الخطأ جاء من قِبل الأجراء، فإنه ينظر إلى صاحب ذلك الزرع، فإن كان له عبيد أو أجراء، ويريد أنه لا يحتاج إلى الإجارة في حصاد زرعه، لم يكن عليه شيء وبطل عملهم، وإن كان لا أجراء له ولا عبيد ولا يجد بدا من أن يستأجر على حصاد زرعه كان عليه قيمة ما حصدوا.
وإن كان الخطأ جاء

من قبل صاحب الزرع قال لهم: احصدوا لي هذا الزرع، وهو يظن أنه زرعه، وكان صاحب الزرع لا أجراء له ولا عبيد، ولا يجد بدا من أن يستأجر على حصاد زرعه، فإن عليه أن يدفع للذي استأجر الحصادين قيمة عمل الأجراء، ويكون للأجراء على الذي استأجرهم أجرتهم التي استأجرهم عليها.
قال محمد بن رشد: مثل هذا حكى ابن حبيب في الواضحة سواء.
وقد قيل: إنهم لا شيء لهم عليه، وإن لم يكن له عبيد ولا أجراء؛ إذ لم يستأجرهم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في أول مسألة من سماع يحيى، من كتاب البضائع والوكالات والخصام.
وقال محمد بن جعفر: إنه إن كان له عبيد وأجراء، فله أن يستعملهم في مثل ما عملوا له، وهو قول له وجه، وبالله التوفيق.

مسألة: استأجر أجراء يحرثون له أرضا فذهبوا يحرثون أرضا لغيره

مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل استأجر أجراء يحرثون له أرضا، فذهب الأجراء يحرثون أرضا إلى جنب أرضه وهم لا يعلمون، وإنما جاء الخطأ من قبل الأجراء، أترى على صاحب الأرض الذي حرثت له أرضه أجرة ما عملوا؟ قال: إن زرعها وانتفع بذلك الحرث كان ذلك عليه، وإن لم ينتفع به، وقال: لم أرد أن أزرعها، وإنما أردت أن أكريها، فلا أرى عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: قال في هذه المسألة: إنه إن زرع الأرض وانتفع بحرثها كان عليه الأجرة للذي أخطأ في حرثها.
ومعنى ذلك إذا لم يكن له بقر وعبيد وأجراء على ما قاله في المسألة التي قبلها، وقد مضى القول فيها.
ومن الناس من حمل هذه المسألة على ظاهرها، فقال في المسألة ثلاثة أقوال؛ إيجاب الأجرة على كل حال، وسقوطها على كل

حال، والفرق بين أن يكون له عبيد وأجراء، أو لا يكون، وبالله التوفيق.

[مسألة: استأجر بنّاء يبني له دارا فيذهب البنّاء فيجد البقعة قد استحقت]

مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل استأجر بنّاء يبني له دارا بالريف بموضع معروف على صفة معروفة، فيذهب البنّاء إلى الريف، فيجد البقعة قد استحقت فيرجع.
قال: أرى له إجارته ذاهبا، ولا أرى له شيئا في رجوعه.
قال محمد بن رشد: وكذلك من استأجر أجيرا أياما على عمل بعينه في غير الموضع الذي استأجره فيه، فله الأجرة في ذهابه؛ لأنه ذهب إلى عمله، ولا أجرة له في انصرافه؛ لأنه انصرف إلى غير عمله، حكى ذلك ابن حبيب عن ابن الماجشون، وحكى عن أصبغ: أنه لا شيء له إلا منذ يبلغ الموضع الذي فيه العمل.
قال الفضل: ولو انصرف لمحاسبة بينه وبين المستأجر؛ لكانت له الأجرة في منصرفه، وهذا إذا لم يكن عند الناس في ذلك عرف، فإن كان فيه عندهم عرف وجب الحكم به، وبالله التوفيق.
تم كتاب الجعل والإجارة، والحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وسلم.
يتلوه إن شاء الله

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
يستأجره في حصاد الزرع فيقول له احصد هذا الزرع كله على أن لك نصفهيقول للرجل: قم لي بطلب شفعتي ولك إن استحققتها نصف سهمييستأجر الرجل شهرا يحرث له فينكسر المحراث أو يموت الزوجمسألة: جعل لرجل جعلا في اقتضاء دين له في القرية التي هو فيهامسألة: دفع إلى رجل فرسا على أن يعلفه سنة بستة دنانيرمسألة: خاصم في القرية على أن له ثلثا ثم تصدق عليه بذلك الثلثمسألة: الصياح على المتاع في السوق على جعلمسألة: البيع والإجارة في الشيء المبيعيعلم الصبيان الكتاب ولا يشارطمسألة: حمل طعاما في سفينة فغرقت بعد أن بلغت الساحلمسألة: استأجروا أجيرا يحرس لهم أعدال متاعمسألة: كراء أحواض الملح أشهرا معلومة بالدنانير والدراهم أو العروضمسألة: يأتي بدابته لينزي عليها فيقول لصاحب الفحل أنزه على هذه الدابة مرتين بدرهممسألة: أعطى رجلا ثوبا ليبيعه له بجعل فلما قبض الدنانير ضاعت من عندهالصائح على الدقيق والعقار يقال له صح عليه فإن بعت فلك كذا وكذاقال لرجل اقتض ما لي على فلان ولك ثلثه أو نصفهمسألة: يقول اقتض لي مائة على فلان ولك نصفهامسألة: استؤجر على خادم يبلغه فمات في بعض الطريق أو أبقمسألة: قال من يحفر لي بئرا طولها وعرضها كذا فله كذا فحفر رجل نصفهامسألة: يستأجر بدينار على دابة يبيعها له وله الدينار باع أو لم يبعاستأجر أجيرا أشهرا في علوفة دواب فماتت قبل الشهر فأراد أن يستعمله في غيرهمسألة: استأجر أجيرا يخدمه واشترط عليه السفر إن احتاج إليهمسألة: يقول للرجل أعطني عبدك يعمل لي اليوم وأعطيك عبدي غدايجعل جعلا لرجل في طلب عبد له أبق فيأتي به فيستحقه مستحقمسألة: بعث رجلا إلى المعدن ينفق عليه ويعمل له وما أصاب له ثلثهاستأجر حصادين على أن يحصدوا له زرعا فذهبوا فحصدوا زرعا لغيرهمسألة: استأجر أجراء يحرثون له أرضا فذهبوا يحرثون أرضا لغيره
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل