كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مرتهن بالجنايتين جميعا، فيكون بينهما إن أسلمه السيد إليهما وأرش الجرح للأول قد استحقه بتقدم جنايته عليه والثالث قول أصبغ إنه إن أسلمه السيد إليهما تحاصا فيه، الثاني بجميع جنايته، والأول بقدر ما بقي من جنايته، إذ قد أخذ أرش ما نقصت الجناية منه، وهذا قول ابن الماجشون، وإياه اختار ابن المواز، وهو أظهر الأقوال والله أعلم.
مسألة: الفئتين يقع بينهما الجراحات
مسألة قال أصبغ وسئل ابن القاسم عن الفئتين تأتيان القاضي كلتاهما مدعية على صاحبتها جراحات بها ومنكرة لما بصاحبتها من الجراحات وهما مقرتان جميعا بأصل النايرة بينهما، قال ابن القاسم: أرى كل واحدة منهما ضامنة لجراح صاحبتها، قلت لابن القاسم: فإن كانت كل واحدة منهما مدعية على صاحبتها الجراحات التي بها ولا يقران بأصل النايرة بينهما؟ قال: فإن قامت بينة على نايرة بينهما ولم يشهدوا جراحات بعضها بعضا فأرى أن يحلف كل واحد منهما على صاحبه إذا عرف أنه به، وأنه الذي جرحه ثم يستقيد منه، قال ابن القاسم: فإن لم يعلم كل واحد منهما صاحبه تحالفوا على الجراحات أنها كانت من الفئة المدعى عليهم وهم جرحوهم فإذا حلف كل الفريقين ضمن بعضهم جراحات بعض، فإن لم تقم بينة بأصل نايرة ولا يقران بها بينهم إلا أن بعضهم يدعي على بعض أنه جرحه من غير قتال كان بينهما أو أصل نايرة ويتبرأ كل واحد منهما من جارحات صاحبه فلا أرى أن يعدى بعضهم على بعض حتى تقوم بينة على أصل النايرة أو يتقاران بذلك، قلت فإن قال أحدهم جرحني صاحبي هذا ثلاث جراحات، وقال صاحبه إنه إنما جرحته جرحتين ولم أجرحه الثالثة قال أرى أن يحلف على الجرح الثالث
بالله لجرحه إياه ثم يستقيد منها ثلاثتها، وذلك أنه أقر بجراحه وأنه قاتله.
قال محمد بن رشد: قوله في الفئتين يقع بينهما الجراحات إنهما إذا أقرتا بأصل النايرة بينهما أو قامت على ذلك بينة فإن لمن ادعى منهم أن يحلف على من جرحه ويستقيد منه هو مثل ما تقدم في آخر رسم العقول والجبائر من سماع أشهب وفي رسم البراءة مستوفى في رسم العقول والجبائر من سماع أشهب فلا معنى لإعادته.
وأما قوله فإن لم يعلم كل واحد منهما صاحبه تحالفوا على الجراحات أنها كانت من الفئة المدعى عليهم وهم جرحوهم فالمعنى فيه أن يحلف كل واحد من المجروحين أن جرحه إنما كان من الفئة المنازعة لهم، وأنه لا يعرف من جرحه منهم بعينه، فإذا حلف كل واحد منهم على ذلك من الطائفتين ضمنت كل طائفة منهما جراحات الطائفة الأخرى على عددهم إن أقروا، وإن أنكروا فحلفوا كلهم أو نكلوا عن اليمين وإن حلف بعضهم ونكل بعضهم عن اليمين برئ من حلف وكانت ديات الجارحات على من نكل منهم إلا أن يكون الذي نكل منهم الواحد والاثنان ومن لا عدد له ممن بدا أنه لا يشبه أن يختصوا هم بجراحاتهم دون من سواهم ممن حلف، فتكون ديات الجراحات عليهم كلهم كما لو حلف جميعهم، هذا الذي يأتي في هذه المسألة على أصولهم وقد مضى في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب الديات وفي غيره من الأسمعة منه الحكم فيمن قتل بين الصفين، ومضى الكلام على الكلام على ذلك مستوفى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم منه فلا معنى لإعادته.
مسألة: عبد بين رجلين يجرحه عبد لأحدهما
مسألة قال عيسى عن ابن القاسم في عبد بين رجلين يجرحه عبد لأحدهما: إن سيد الجارح بالخيار إن شاء افتداه بنصف العقل وإن شاء أسلم العبد كله إلى شريكه، قال أصبغ عن ابن القاسم مثله.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن العبد الجاني لما جنى على عبد هو بين سيده وبين رجل آخر كانت نصف جنايته هدرا؛ لأنه لو جنى على عبد هو كله لسيده لكانت جنايته كلها هدرا، فوجب لما جنى على عبد هو بين سيده وبين رجل آخر أن يكون كله مرتهنا بنصف جنايته التي جناها على حظ شريك سيده من العبد المجني عليه، فإن كانت جنايته عليه نقصت في التمثيل من قيمته أربعين كان سيد العبد الجاني بالخيار بين أن يسلمه كله إلى شريكه في العبد المجني عليه وبين أن يفتكه منها بعشرين التي نقصت جنايته عليه من حظه منه، ولو كان العبد الذي بينهما هو الذي جنى على عبد لأحدهما لكان شريكه في العبد الجاني مخيرا بين أن يسلم حظه منه إليه في نصف ما جنى على عبده وبين أن يفديه بذلك، قاله ابن القاسم في كتاب ابن المواز، وهو بين صحيح لا إشكال فيه وبالله التوفيق.
مسألة: عبدا بين رجلين جرح عبدا بين أحدهما وبين أجنبي
مسألة قال ابن القاسم: وكذلك لو أن عبدا بين رجلين جرح عبدا بين أحدهما وبين أجنبي أنه يقال للذي له فيه النصف أفتك نصيبك منهما جميعا بنصف الجرح، وإن شئت فأسلم نصيبك إليهما يقتسمانه، وإن شئت فأفتك من أحدهما نصيبه وأسلم إلى الآخر ما يصيبه من نصيبك، وأما صاحب النصف الآخر الذي جرح هذا العبد عبدا بينه وبين آخر فيقال جرحه نصيبك من العبد باطل كجرحه إياك لو جرحك، وما لك جرحه بعضه بعضا فإن شئت فافتك نصيبك
من شريكك في العبد المجروح بنصف دية الجرح أو أسلمه إليه كله ليس لك فيه شيء.
قال محمد بن رشد: هذا بين أيضا على ما قاله، ويزداد بيانا بالتنزيل، مثال ذلك أن يكون عبد اسمه ميمون لزيد وعمر وبينهما بنصفين وقيمته عشرون، ويكون لعمرو منهما عبد بينه وبين خالد رجل آخر اسمه موفق وقيمته أربعون، فيجني ميمون على موفق جناية تنقص من قيمته ثلاثين، فإنه يقال لزيد منهما أفتك نصيبك من ميمون بنصف جنايته التي جنى على موفق وهي خمسة عشر من سيديه جميعا عمرو وخالد، فادفع إلى كل واحد منهما سبعة ونصفا أو أسلم نصيبك إليهما فيكون بينهما بنصفين، وإن شئت أن تفتك نصف نصيبك ممن شئت منهما بسبعة ونصف وتسلم إلى الآخر نصف نصيبك فذلك لك، ثم يقال لعمرو: والنصف الثاني من جناية ميمون على موفق هدر لأن موفقا بينك وبين خالد، فالنصف الذي لك في ميمون مرتهن كله بنصف جنايته على موفق وذلك سبعة ونصف، فإن شئت فأسلم النصف الذي لك في ميمون إلى خالد في سبعة ونصف، وإن شئت فأفتكه بسبعة ونصف، وقد اختلف بمن يبدأ به أولا منهما، فقال أشهب إنه يبدأ بالذي ليس له في المجروح حق، وهو قول ابن القاسم.
في هذه الرواية على ما نزلناه من البداية يريد الذي ليس له في موفق شيء، ولابن القاسم في كتاب ابن المواز أنه يبدأ بالذي له نصف العبد المجروح وهو عمرو على ما نزلناه فيخير أولا بين أن يسلم حظه من ميمون إلى خالد بنصف ما جني على موفق، وذلك سبعة ونصف أو يفتكه بذلك، وذلك يرجع إلى معنى واحد فلا وجه للاختلاف في ذلك.
مسألة: الصبي الذي لم يثغر ينزع سنه خطأ
مسألة قال عيسى: قال لي مالك في الصبي الذي لم يثغر ينزع سنه خطأ، قال: أرى أن يؤخذ العقل كاملا فيوضع على يدي ثقة،
فإن عادت لهيئتها رد العقل إلى الجارح، وإن هي لم تعد أعطى عقلها كاملا، فإن هلك قبل أن تنبت فالعقل كامل لورثته، وإن نبتت أصغر من قدرها بالتي قلعت منه كان له من العقل قدر ما نقصت فإن نزعت عمدا فإنه يوضع العقل أيضا ولا يعجل القود حتى يستبرى أمرها، فإن عادت لهيئتها فلا عقل ولا قود، وإن لم تعد اقتص منه، وإن عادت أصغر من قدرها أعطى عقل ما نقص، قال ابن القاسم وأرى في قياس قول مالك أنه إذا مات الصبي ولم تعد اقتص منه وليس فيه عقل؛ لأنه إنما استؤني به النبات لرفع القود، فإذا مات فهو بمنزلة ما لو لم ينبت.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم إذا مات الصبي قبل أن ينبت سنه إنه يقتص منه وليس فيه عقل معناه أن الواجب في ذلك إنما هو القصاص لا العقل إلا أن يتفقا فيه على شيء، والمسألة كلها صحيحة، وقد وقعت آخر كتاب الجراحات من المدونة في بعض الروايات، وكذلك اللسان إذا قطع فنبت لا دية فيه في الخطأ ولا قود في العمد، وذلك بخلاف سن الكبير تقلع فيردها فتنبت أو الأذن تقطع فيردها صاحبها فتلتئم وتعود إلى هيئتها لا اختلاف في وجوب القصاص في ذلك فيه في العمد ويختلف وجوب الدية فيهما في الخطأ على ثلاثة أقوال قد مضت في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى وبالله التوفيق.
مسألة: شهد شاهد أنها موضحة وشهد آخر أنها منقلة
مسألة قيل لأصبغ ما تقول في رجل شج رجلا موضحة فلما برأت الشجة طلب صاحبها عقلها فشهد شاهد أنها موضحة وشهد آخر أنها منقلة فأي الشاهدين يثبت؟ قال: إن كانت الشجة لم تفت ببرء ولا زيادة ولا نقصان نظر إليها غيرهما من أهل المعرفة والعدالة، فإن
فاتت عن ذلك كان للمجروح إن شاء حلف مع شاهد المنقلة وكانت له دية المنقلة، وإن شاء فدية الموضحة بغير يمين؛ لأن الموضحة قد اجتمعت عليها الشهادتان، ولأن المنقلة لا تكون منقلة حتى تكون موضحة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن ذلك بمنزلة رجل يدعي على رجل مائة فيشهد له شاهد بمائة وشاهد بخمسين أنه إن شاء أن يحلف مع الذي شهد له بالمائة وإن شاء أن يأخذ الخمسين بغير يمين، بل هي أبين منها، فلا يدخل فيها من الخلاف ما يدخل في الشاهد بالمائة والشاهد بالخمسين وبالله التوفيق.
مسألة: جرحا عبدا عمدا موضحتين قد شهد بذلك شاهدان فمات ولم يدر من أيهما مات
مسألة قيل لأصبغ فلو أن رجلين جرحا عبدا عمدا موضحتين قد شهد بذلك شاهدان فمات ولم يدر من أيهما مات؟ قال: إن عرف الضارب الأول فالسيد بالخيار إن شاء حلف عليه يمينا واحدة مع شاهديه أن من ضربته مات فأخذ منه قيمة عبده، ويرجع الضارب الأول على الضارب الثاني فيأخذ منه نصف عشر قيمته وهو قيمة الموضحة، وإن شاء رب العبد حلف على الثاني وأخذ منه قيمة عبده مغصوبا ويرجع سيد العبد على الضارب الأول فيأخذ منه ما نقص العبد الجرح؛ لأنه إنما أخذ من الثاني قيمته مغصوب، والأول قد جرحه موضحة فأخذ منه قيمتها، وإن كان جرحاه في فور واحد ولم يدر الأول من الثاني فعلى كل واحد منهما نصف قيمته بعد أن يحلف كل واحد منهما ما علم أنه الأول.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ إنه يحلف على من شاء منهما أنه مات من جرحه يبين قول سحنون الذي تقدم في سماعه حسبما ذكرناه هناك،
وقوله إنهما إن كانا جرحاه في فور واحد لم يدر الأول من الثاني فعلى كل واحد منهما نصف قيمته بعد أن يحلف كل واحد منهما ما علم أنه الأول معناه وبعد يمينه هو أنه لم يمت إلا من جرحيها، فإن لم يحلف لم يكن له إلا ديات المواضح، وقد مضى ذلك من قوله في صدر هذا السماع مضى من قولنا هناك ما فيه بيان له، وقوله بعد أن يحلف كل واحد منهما ما علم أنه الأول، يريد أو بعد أن ينكلا جميعا عن اليمين؛ لأن نكولهما جميعا كحلفهما جميعا فإن حلف أحدهما ونكل الآخر عن اليمين، نظر، فإن كان يجب على الناكل عن اليمين بالمعرفة أنه هو الأول أو أنه هو الثاني أكثر من نصف القيمة كان ذلك عليه.
مسألة: عبدا جرح عبدا فأقام سيد العبد المجروح شاهدا واحدا
مسألة قال أصبغ لو أن عبدا جرح عبدا فأقام سيد العبد المجروح شاهدا واحدا: إن سيده بالخيار إن شاء حلف مع شاهده وأخذ قيمة جرح عبده، وإن أراد القصاص حلف العبد مع الشاهد واقتص.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على القول بوجوب القصاص في الجراح باليمين مع الشاهد؛ لأن القصاص إنما هو حق للعبد فلذلك كانت اليمين في ذلك عليه، لا على السيد، وبالله التوفيق.
مسألة: الذي تقطع أنملته كيف تكون ديتها على أهل الإبل
مسألة قال أصبغ سئل ابن القاسم عن الذي تقطع أنملته كيف تكون ديتها على أهل الإبل؟ فقال: أحب إلي أن يأتي بالعشرة من الإبل دية الأصبع كلها على [أسنانها] ، يجبر على ذلك فيكون المقطوع شريكا له فيها بقدر ديته دية الأنملة، ثم يقتسمان بعد أو يبيعان يجبر
على ذلك كما لو لم يكن عنده إبل، وكانت عنده دنانير، وهو من أهل الإبل كان عليه أن يأتي بالإبل في الدية شاء أو أبى.
قال محمد بن رشد: قوله أحب إلي أن يأتي بالعشرة من الإبل إلى آخر قوله يدل على أن هذا هو اختياره مما قيل في ذلك، إذ قد قيل في ذلك بالقيمة لضرر الشركة، وهو الذي يأتي على قولهم في الخلطاء يجب عليهم سن واحدة في الزكاة، وعلى ما قاله مالك في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح يتزوج بأرؤس ولا يبين حمران ولا سودان أن عليه نصف القيمتين يريد إذا كان رقيق البلد الذي يتناكحون عليها حمرانا وسودانا وكان قد تزوج بعبد واحد أو بثلاثة أعبد فتكون عليه القيمة في العبد الثالث حسبما مضى القول فيه هناك.
مسألة: قطع يدا واحدة من عبد لرجل والعبد فاره صناع
مسألة قال أصبغ قال ابن القاسم فيمن قطع يدا واحدة من عبد لرجل والعبد فاره صناع إنه يضمن قيمته ويعتق عليه.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أنه إذا قطع يديه جميعا أو يده الواحدة وهو صناع أنه يضمن قيمته، واختلف في عتقه عليه، فقال في هذه الرواية إنه يعتق عليه وهو مذهبه في المدونة؛ لأنه قال فيها إنما يعتق عليه إذا كان فسادا لا منفعة معه فيه، وقال أصبغ عتقه استحسان، وقال ابن الماجشون لا يعتق عليه، وأما إذا قطع يده الواحدة وهو غير صناع فلا يعتق عليه، واختلف فيما يلزمه لسيده على ثلاثة أقوال قد تقدمت في رسم المكاتب من سماع يحيى وفي غير ما موضع من هذا الديوان فلا معنى لإعادته ذلك.
مسألة: عبد لرجل جرح رجلا جرحا خطأ فباعه سيده
مسألة وسئل أصبغ عن عبد لرجل جرح رجلا جرحا خطأ فباعه سيده
قبل قيام المجروح، ثم جرح عند المشتري رجلا آخر جرحا خطأ أيضا ثم قام المجروحان الأول والثاني، قال يبدأ بالبائع فيقال له افتد من المجروح الأول الذي جنى عليه العبد وهو في ملكك وينفذ البيع بينك وبين المشتري، فإن نفد البيع لم يكن للمبتاع عليه مقال ولا كلام ولا قيمة عيب؛ لأن الجرح خطأ فليس فيه شيء ولا له عيب والاشتراء له لازم ثم يقال للمشتري حينئذ إن شئت فافتك من المجني عليه الآخر عبدك، وإن شئت أسلمه إليه، أنت مخير في ذلك بمنزلة عبد لك جنى جناية وليس فيه قبل ذلك جناية ولا غيرها سواء، فإن أبى البائع الأول أن يفتك بدية الجناية قيل له فأسلم الثمن كله، فإذا أسلمه فهو كإسلام العبد نفسه، ثم قيل للمجني عليه الأول إن شئت فخذ الثمن بدية جرحك وسلم البيع للمبتاع، فإن فعل فهو سبيل ما وصفت لك في افتكاك البائع بدية الجرح سواء، وإن أبى المجروح وقال لا أقبل الثمن قيل للمشتري إن شئت فافد من المجني عليه آخرا والعبد عبدك؛ لأن ما جني العبد وهو عندك فهو في ضمانك، وخذ الثمن كله وافيا وأسلم العبد إلى المجني عليه أولا عند البائع، وإن شئت فافتد منهما جميعا بدية جرحيهما، ويكون لك الثمن كله، والعبد أيضا أي ذلك شئت أن تفعل من هذا فهو لك وإن أبى المشتري أن يفتدي منهما ويسلم له العبد والثمن أو من الآخر الذي جنى عليه وهو عنده ويسلم له الثمن وافيا ويسلم العبد إلى المجروح الأول عن البائع نظر إلى قيمة العبد صحيحا وقيمته وقد جنى الجناية التي جنى عند المشتري، فينظركم بين ذلك؟ فما فضل من قيمة العبد عن دية الجرح كان للمشتري من الثمن بقدره، وذلك أن الجرح الذي جرح العبد آخرا هو له ضامن فهو عليه، والباقي إنما خرج من يديه من العبد باستحقاق الجرح
الأول، فهو يرجع به في الثمن، وليس له عليه تمام ما بقي من الثمن عما فضل من قيمة العبد صحيحا وقيمته وقد جرح عند المشتري وهو والعبد نفسه بين المجني عليهما جميعا يقتسمانه بينهما جميعا على قيمة العبد صحيحا وقيمته وفيه جناية على قدر جنايتهما، فيضرب فيه المجني عليه أولا عند البائع بقيمته صحيحا لأنه جرحه وليس لأحد فيه قبله جرح، ويضرب بالثاني بقيمته وقد جرح جرحا قبله على جراحهما ومبلغ ذلك، فعلى هذا يكون إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: وقع في سياقة هذه المسألة تطويل وتكرير وتقديم وتأخير، وتلخيصها أن البائع يخير فإن أفتكه بالجناية التي جنى عنده أو أسلم الثمن فرضي به المجني عليه في جنايته لزم المبتاع الشراء ولم يكن له فيه كلام، وكان بالخيار فيما جنى عنده بين أن يفتكه أو يسلمه، فإن أبى البائع أن يفتديه وأسلم الثمن فلم يرض به المجني عليه رجع الخيار إلى المشتري فكان بالخيار بين أن يفتكه بالجنايتين جميعا ويكون له العبد والثمن وبين أن يفتكه بأحد الجنايتين ويسلم العبد في الجناية الأخرى فيسلم له الثمن وإن كان لم يتكلم في الرواية إلا على الوجه الواحد وهو أن يفتكه من الذي جنى عليه وهو عنده ويدفع العبد في الجناية الأولى، فإن أبى المشتري من ذلك كله كان ما ذكر له في الرواية من قوله إنه ينظر إلى قيمة العبد صحيحا وقيمته وقد جنى إلى آخر قوله، وهو كلام فيه التباين، ومعنى ما ذهب إليه فيه أن المبتاع يرجع على البائع من الثمن بالزائد على ما نقصت العبد الجناية عنده؛ لأن ما نقصته الجناية عنده ضمانه منه، فلا رجوع له به على البائع فيسلم إلى المجني عليهما العبد لأنه مرتهن بالجناية التي جناها عنده وما رجع به على البائع لأن ذلك مرتهن أيضا بالجناية التي جناها عند البائع، فيكون
ذلك كله بينهما على ما ذكر، ووجه العمل في ذلك [أن يقال كم قيمة العبد سالما من الجنايتين فيقال مائة، ثم يقال كم قيمته بالجناية التي جناها عند البائع؟ فيقال ثمانون، فالذي بين القيمتين على هذا من القيمة الأعلى هو الخمس الذي ضمانه من المبتاع، لا رجوع له بما نابه من الثمن، ويرجع عليه بأربعة أخماس الثمن، فيكون ذلك مع العبد بين المجني عليهما، ولو لم تكن له قيمة بالجناية أصلا لما وجب أن يرجع على البائع بشيء ولو كان العبد وحده بين المجني عليهما جميعا، فهذا بيان هذه المسألة وبالله التوفيق.
تم كتاب الجنايات الثاني بحمد الله.
: كتاب القطع في السرقة
مسألة: ليس على من سرق من حلي الكعبة قطع
من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب القبلة قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قال: ليس على من سرق من حلي الكعبة قطع لأنهم يؤذن لهم في دخولها وكل بيت دخل فيه بإذن فسرق منه شيء فلا قطع عليه فيه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن البيت محجور عن الناس لا يدخل إلا بإذن، فمن سرق ممن أذن له في دخوله لم يكن عليه قطع؛ لأنه خائن وليس بسارق، وسواء كان الذي سرق من الحلي متشبتا بما هو فيه مما حلي به أو موضوعا في البيت غير متشبت بشيء، ولو دخل البيت أحد ممن لم يؤذن له في دخوله مستسرا ليلا أو نهارا فسرق منه شيئا لوجب عليه القطع إذا خرج به من البيت إلى موضع الطواف وإن لم يخرج به عن المسجد؛ لأن حكم البيت الحرام الذي لا يدخل إلا بإذن فيما سرق منه حكم البيت يكون في المسجد مختزن فيه ما يحتاج إليه في المسجد من زيته وفناديله وحصره لا قطع على من دخله بإذن فسرق منه، والقطع واجب على من دخله مستسرا من غير أن يؤذن له فسرق منه ما يجب فيه القطع إذا خرج به من البيت إلى المسجد وإن أخذ فيه قبل أن يخرج منه؛ لأنه إذا أخرجه من البيت إلى المسجد فقد
أخرجه إلى غير حرزه، وأما من سرق من المسجد الحرام ليلا أو نهارا أو من سائر المساجد التي تغلق ليلا أو نهارا شيئا مما هو متشبت به كجائزة من جوائزه أو باب من أبوابه أو ثرية من ثرياته المعلقة فيه المتشبتة به أو حصير قد سمر في حائط من حيطانه أو خيط إلى ما سواه من الحصر على ما روي عن سحنون فلا اختلاف في وجوب القطع على من سرق شيئا من ذلك تبلغ قيمته ما يجب فيه القطع، واختلف أن من سرق شيئا من ذلك من موضعه وغير متشبت به كقناديل موضوعة في ثرياته أو حصر موضوعة في مواضعها، فقيل إن مواضعها حرز لها يقطع من سرق شيئا من ذلك إن أزاله عن موضعه وإن أخذ قبل أن يخرج به من المسجد، وقيل إنه لا قطع عليه في شيء من ذلك كله، وإن خرج به من المسجد اختلف في ذلك قول ابن القاسم على ما يأتي في رسم نقدها من سماع عيسى، واختلف في الفطرة توضع في المسجد فقيل إن حكمها حكم حصر المسجد يدخل في ذلك من الاختلاف ما يدخل في حصر المسجد إذا سرقت نهارا، وإلى هذا ذهب أصبغ وهو ظاهر قول ابن القاسم وروايته عن مالك في رسم نقدها من سماع عيسى بعد هذا؛ لأنه قال إن سارقها يقطع وإن لم يخرج بها من المسجد، ولم يشترط أن يكون عليها حارس، فظاهر ذلك أنه حكم لها بحكم حصر المسجد، وقيل إنه لا قطع على من سرقها نهارا إلا أن يكون عليها حارس، وهو قول مالك في الواضحة، وإياه اختار ابن حبيب؛ لأن المسجد ليس بموضع للفطرة يختص بها كالحصير، ولو أتى رجل بطنفسة إلى المسجد ليصلي عليها لما يقيه من حر أو برد ثم ينقلب بها ولم يضعها في المسجد كسائر حصره فذهب وتركها ناسيا لها أو غير ذلك فلا قطع على من سرقها ليلا أو نهارا وإن كان على المسجد غلق؛ لأن الغلق لم يكن من أجلها ولم يكلها صاحبها إليه، قال ذلك ابن حبيب في الواضحة، وكذلك الفطرة توضع فيه على مذهبه، فيتحصل على هذا في سارق الفطرة من المسجد وفي سارق الحصير منه الذي يضعه الرجل فيه ليصلي عليه ثلاثة أقوال، وأما من فتح المسجد الذي يغلق
ليلا بالليل فيسرق منه أو الذي يغلق نهارا في الحين الذي يغلق فيه فسرق منه شيئا من حصره أو قناديله الموضوعة فيه أو المتشبتة فيه فلا اختلاف في وجوب القطع على من سرق من ذلك ما يجب فيه القطع، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة وبالله التوفيق.
مسألة: سرق أجنبي من بعض بيوت السكان شيئا
مسألة وقال مالك في الدار تكون للرجل بابها مفتوح أو لعله لا باب له يدخل بغير إذن قد حجر الرجل على نفسه في ناحية منها وليس لأحد معه فيها شرك فيسرق السارق بعض ما في حجرة من بيوتها فيؤخذ وقد خرج به من البيت إلى الموضع الذي يدخل بغير إذن، قال: لا أرى عليه قطعا حتى يخرج من الدار كلها، ولا أراها كالدار المشتركة، قال ابن القاسم وهو رأيي.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الرجل إذا أذن للناس في الدخول إليه في دار سكناه إذنا عاما كالعالم والطبيب أو الرجل يحجر على نفسه في بيت من داره ويترك بابها مفتوحا لمن جاء إليه لما قد يشق عليه من الخروج إلى باب الدار لكل من أتاه وقصده فسرق بعض من دخل الدار من بعض بيوتها التي قد حجرها عن الناس فلا قطع على من سرق منها حتى يخرج بما سرقه منها عن جميع الدار لأن الدار من بقية الحرز وليست كالمحجة وإن كان قد أذن فيها لجميع الناس لأنهم لم يدخلوها إلا بإباحة صاحبها، وإنما لم يسقط عنه القطع إذا خرج بما سرقه عن جميع الدار كالضيف على مذهب ابن القاسم لأن الضيف خصه بالإذن فصار مؤتمنا فيما أخذ وكان له فيما أخذ على مذهبه حكم الخائن لا حكم السارق، فالمسألة صحيحة بينة لا اختلاف فيها بخلاف الدار المشتركة بين السكان فيها خاصة تلك إن سرق بعض السكان فيها من بعض يقطع باتفاق، وإن لم يخرج بما سرقه من
الدار ولا دخل به بيته، وإن سرق أجنبي من بعض بيوت السكان شيئا فأخذ في الدار قبل أن يخرج منها، فقيل إنه يقطع، وقيل إنه لا يقطع، من قال إنه لا يقطع في الأول يقول يقطع في الثاني، ومن قال إنه يقطع في الأول يقول أنه لا يقطع في الثاني؛ لأن الصحن حرز عن الأجنبيين وليس بحرز عن السكان إن سرق بعض السكان من الصحن شيئا لم يقطع باتفاق وإن دخل في بيته أو خرج به من الدار، وإن سرق أجنبي من الصحن شيئا فأخرجه من الدار قطع باتفاق، فمن غلب أنه حرز يقول إن الأجنبي إذا سرق من بيت من البيوت شيئا وأخذ في الدار لم يقطع وإن سرق من الصحن شيئا قطع لأن الأول لم يبن به عن الحرز والثاني أخرجه من الحرز، ومن غلب أنه ليس بحرز يقول إن الأجنبي إذا سرق من بيت من البيوت شيئا وأخذ في صحن الدار قطع، وإن سرق من صحن الدار شيئا لم يقطع وإن أخرجه من الدار، وهذا إذا كان ما في الصحن قد نسيه فيه بعض أو وضعه فيه ثم قام عنه وتركه، وأما إن كان جالسا على متاعه الذي وضعه في الصحن إن كان ذلك الموضع الذي وضع فيه المتاع موضعا معروفا له كمعلف الدابة فحكمه في سرقة السارق إياه حكم ما سرق الشراك من بيوت الدار كان من السكان فيها أو من الأجنبيين يبين هذا ما يأتي في رسم أوصى من سماع عيسى من قول مالك في السفيه حسبما سنبينه إن شاء الله.
وأما الدار المشتركة بين السكان فيها المباحة قاعتها لجميع الناس كالفنادق والتي في قاعتها البيع والشراء فهذه إن سرق منها سارق قطع باتفاق وإن أخذ قبل أن يخرج من الدار وبالله التوفيق.
: الغسال يأخذ ثيابا يغسلها فيخرج إلى البحر
ومن كتاب شك في طوافه وسئل مالك عن الغسال يأخذ ثيابا يغسلها فيخرج إلى البحر
فيغسلها وينشرها يجففها فيسرق منها وهو معها لعمله أن يكون مشتغلا ببعضها يغسله وما أشبه ذلك مما يعالج إلا أنه معها أترى على من سرقها قطعا؟ ففكر فيها طويلا ثم قال: لا أرى في ذلك قطعا، وإنما مثل ذلك عندي الغنم، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أواها المراح أو الجرين» فالغنم قد يكون معها صاحبها يرعاها وهي في الرعي فليس على من سرقها قطع فهذا عندي يشبهه، ولا أرى على من سرقها قطعا، وسئل مالك عن الصباغين الذين يأخذون أمتعات الناس من القطف والثياب الصوف والقطن يصبغونها ألوانا فينشرونها على حبال يمدونها على حوانيتهم في الطرق فيسرق بعض ما على بعض تلك الحبال أترى أن يقطع من سرق مما عليها شيئا؟ قال: ذلك عندنا مثل ما وصفت لك ولا أرى فيها قطعا، ولعله يذهب ويتركها أو يطرحها الريح وما أشبه هذا، فلا أرى في ذلك قطعا.
قال محمد بن رشد: شبه مالك المسألة الثانية بالأولى فلم ير فيها قطعا، وموضع الشبه بينهما أنها في المسألتين جميعا ثياب موضوعة في غير ملك لا حارس عليها؛ لأن الغسال الذي نشر ثيابه يجففها بعد أن غسل بعضها إنما هو مشتغل بغسل ما بقي منها لا يحفظ ما نشر منها، فأشبهت عنده الغنم في الرعي وإن كان معها راع؛ لأن الراعي لا يحوط بحفظها من السرقة لانتقالها بالرعي من موضع إلى موضع كما لا يحوط الغسال بحفظ ما نشر من ثيابه من السرقة لاشتغاله بغسل ما سواها، ولو كان معه من يحفظ كل ما نشر منها ما دام هو يغسل بقيتها لوجب القطع على من سرق شيئا منها، وكذلك
الصباغ الذي نشر ثيابه على حبال يمدها في الطريق لو جعل عليها حارسا يحرسها لوجب القطع على من سرق شيئا منها، وقوله في هذه الرواية إن على من سرق شيئا منها القطع إذا لم يكن حارس هو على قياس قوله في المدونة في الذي يسرق ثوب الرجل وهو منشور على حائط بعضه في الدار وبعضه خارج من الدار إنه لا قطع عليه، وقد روي عن مالك في حبل الصباغ والقصار أنه يقطع من سرق منه، قال ابن القاسم: ولا فرق بين حبل قديم وحديث، وأنكر قول من فرق بينهما، قال سحنون: أكثر الرواية يقطعون في الثوب المنشور على الحائط وهو رأيي، ويرد قول ابن القاسم في ذلك قوله في الذي يسرق الثوب الملقى على ظهر البعير إنه يقطع، فالأظهر فيما نشر الصباغ على حباله في الطريق أن يقطع من سرق منها وإن لم يكن عليها حارس؛ لأن وضعه إياها على حباله حرز لها، والأظهر فيما نشر الغسال من الثياب التي غسلها فسرق منها وهو مشتغل بغسل بقيتها ألا قطع على سارقها لأنها في الحال كالمهملة دون حارس، ولو سرق منها سارق شيئا بعد أن أكمل غسل جميعها وجلس يحفظها لوجب أن يقطع يده قولا واحدا وبالله التوفيق.
: دراهم تكون عندنا تنقص الخروبة والثلاث حبات هل يقطع في ثلاث دراهم منها
ومن كتاب أخذ يشرب خمرا قال وسألت ابن القاسم عن دراهم تكون عندنا تنقص الخروبة والثلاث حبات، هل يقطع في ثلاث دراهم منها؟ قال: لا، ولا يقطع إلا في ثلاث دراهم قائمة إذا كانت تنقص خروبة نقصت نحوا من خمس درهم وأحب إلي أن يدرأ الحد بالشبهة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن نقصان خروبة أو ثلاث حبات من كل دراهم نقصان كثير يتفق الموازين على نقصانه، فإنما قال والله أعلم فأحب إلي أن يدرأ الحد بالشبهة إذا كانت تجوز بجواز الوازنة، ولو
كانت لا تجوز بجواز الوازنة لسقط الحد على كل حال، ولأصبغ في كتاب ابن المواز أنه إذا نقص من كل درهم مثل الحبتين فيقطع، ومعنى ذلك والله أعلم إذا كانت تجوز بجواز الوازنة؛ لأن الحبة مما يمكن أن تختلف فيه الموازن، فإذا كان النقصان يسيرا تختلف فيه الموازن وتجوز بجواز الوازنة قطع بلا إشكال، وإذا كان النقصان كثيرا يتفق عليه الموازن ولا تجوز بجواز الوازنة لم يقطع بلا إشكال، وإذا كان النقصان كثيرا وهي تجوز بجواز الوازنة أو قليلا وهي لا تجوز بجواز الوازنة فالصواب أن يدرأ الحد بالشبهة على ما قاله في الرواية، وهذا على قياس قولهم في اعتبار النقصان في نصاب الزكاة، فإذا كان النقصان يسيرا وهي لا تجوز بجواز الوازنة وجبت فيها الزكاة، وإذا كان النقصان كثيرا وهي لا تجوز بجواز الوازنة لم تجب فيها الزكاة وإذا كان النقصان كثيرا وهي تجوز بجواز الوازنة أو يسيرا وهي لا تجوز بجواز الوازنة فقيل إن الزكاة تجب فيها، وقيل إنها لا تجب وبالله التوفيق.
: الدواب التي تكون في الربيع فتسرق منها دابة
ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل مالك عن الدواب التي تكون في الربيع وقومتها معها مقيمون يبيتون معها فتسرق منها دابة وهي على أوتادها مربوطة أترى أن يقطع من سرقها؟ قال: ما أراها إلا من ناحية المرعي وما يعجبني، قال ابن القاسم: وذلك رأيي.
قال محمد بن رشد: روى ابن وهب عن مالك مثله وقال ابن وهب أما أنا فكنت أرى عليه القطع إذا جاء إلى مرابطها بالليل أو النهار فحلها فأرى عليه القطع، ولكلا القولين وجه من النظر، فوجه قول ابن القاسم وروايته عن مالك في هذه الرواية أنها لما كانت في المرعى وكان قومتها ينقلونها من موضع إلى موضع يربطونها فيه للأكل لئلا تشتغل عنه إن كانت مسرحة لم ير
تلك المراح حوزا لها، وأشبه كونها مسرحة في الرعي، ووجه قول ابن وهب أن كل موضع يربط فيه فقد صار حوزا لها كالدابة إذا ربطت بالفناء أن ذلك يكون حوزا لها.
مسألة: سرق من الحمام
مسألة وسئل عمن سرق من الحمام، قال: إن الحمام ربما أخطأ الرجل وربما اعتلوا ولقد قلت لصاحب السوق آمره أن يضمن أصحاب الحمامات ثياب الناس فيضمنونها أو يأتوا بمن يحرسها، وأمرته أن يضمنهم ثياب الناس الذين يدخلون الحمام، قال سحنون يعني بقوله اعتلوا بقول أحدهم إني ظننت أنه ثوبي.
قال محمد بن رشد: اعتلاله لو سرق من الحمام أنه لا يقطع بقوله إن الحمام ربما أخطأ الرجل وربما اعتلوا يجب أن يحمل على التفسير لما في المدونة وغيرها من أنه لا قطع على من سرق من الحمام ثياب الناس إذا دخل من مدخلهم إلا أن يكون معها من يحفظها قطع سارقها إلا أن يقول أخطأت أو ظننت أنه ثوبي فيصدق في ذلك ولا يقطع إذا أشبه ما يقول ولم يتبين في ذلك كذبه، بدليل قوله في هذه الرواية ولو لم يكن معها من يحفظها فسرق السارق ثوب أحدهم وهو حاضر مع ثيابه قبل أن يتحمم أو بعد أن تحمم لوجب عليه القطع لأن متجرد الحمام مشترك بين جميعهم فلا يقطع من سرق من ثياب أحدهم شيئا إلا أن يكون المسروق منه مع ثيابه على ما قاله في سماع أشهب بعد هذا في القوم ينزلون في المسجد فيسرق السارق متاع أحدهم أنه لا قطع عليه إلا أن يكون مع متاعه، وإذا كان مع الثياب في الحمام من يحرسها فسرقها سارق فلا قطع عليه حتى يخرج بها من الحمام على قياس ما قاله في المسألة الثانية من أول رسم من السماع إذا دخل يتحمم لأنه قد أذن له في ذلك، بخلاف من سرق من المسجد ما يجب فيه القطع عليه أنه يقطع إذا أزال ما سرقه من موضعه وإن لم يخرج به من المسجد، وأما إذا دخل للسرقة
وأخذ قبل أن يخرج من الحمام فيجري ذلك على الاختلاف في الأجنبي يسرق من بعض بيوت الدار المشتركة بين السكان، فيؤخذ في الدار قبل أن يخرج منها حسبما مضى بيانه في أول رسم من سماع ابن القاسم هذا وقد مضت هذه المسألة متكررة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب تضمين الصناع وذكرنا هناك معنى ما ذهب إليه مالك بقوله ولقد قلت لصاحب السوق إلى آخر قوله، فلا معنى لإعادته.
: القمح الذي يحصد ويوضع في مواضعه أياما لييبس فيسرق منه
ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه وسئل عن القمح والفرط زرع أهل مصر الذي يحصد ويوضع في مواضعه الذي يحصد أياما لييبس فيسرق منه أترى على من يسرق منه قطعا؟ قال: إنما جاء الحديث: «فإذا آواه المراح أو الجرين» فهذا ليس بمراح عندي ولا جرين، قلت له: ولا ترى فيه قطعا؟ فقال: ما هو عندي بين، وما هو مراح ولا جرين، ثم قال لي: فأين يدرس؟ قلت له: في الجرين، فقال: هذا بين إذا سرق منه، فكأنه يريد القطع، قال ابن القاسم: إنما يريد الجرين.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله في هذه الرواية أنه لا قطع في الزرع بعد أن يحصد إذا ترك في موضعه ما لم ينقل إلى الجرين خلاف ما في أول رسم من سماع أشهب من أن الزرع إذا حصد فجمع من الغائط في موضع ليحمل إلى الجرين أن على سارقه القطع، ومن الناس من تأولها فلم يحملها على الخلاف وقال هي رواية ابن القاسم أن الزرع لما حصد ترك في موضعه ولم يضم بعضه إلى بعض، فلذلك لم ير القطع على من سرقه، بخلاف إذا جمع بعضه إلى بعض بعد أن يحصد ليحمل إلى الجرين على ما قاله في رواية أشهب وهو ظاهر من لفظ الرواية لأنه قال فيها: لأنه قد جمع وضم بعضه إلى
بعض، والأظهر في المعنى أنه اختلاف من القول، ولا فرق إذا حصد ما لم ينقل إلى الجرين بين أن يجمع بعضه إلى بعض أو لا يجمع، وإلى هذا ذهب ابن المواز واختار رواية ابن القاسم فقال: هذا أحب إلي، فيتحصل في هذا ثلاثة أقوال، أحدها أن يقطع من سرقه بعد أن يحصد ضم بعضه إلى بعض أو لم يضم، والثاني أنه لا يقطع سارقه ضم بعضه إلى بعض أو لم يضم حتى ينقل إلى الجرين، والثالث الفرق بين إن سرق بعد أن يضم بعضه إلى بعض أو قبل ذلك، وهذا الاختلاف كله إنما هو إذا لم يكن عليه حارس، وأما إذا كان عليه حارس فلا اختلاف في أن على سارقه القطع، وكذلك إن كان الزرع في حائط لا اختلاف أحفظه نصا في وجوب القطع على من سرقه بعد أن يحصد وإن كان في موضعه قبل أن ينقل أو يجمع أو بعد ذلك على ما قاله في رسم إن أمكنتني من سماع عيسى بعد هذا، وقد يدخل في ذلك اختلاف بالمعنى، فقد روى ابن القاسم في الجدع من النخل يقطع ويوضع في الجنان أنه يقطع سارقه، قال وكذا جميع الشجر، قال محمد: وأظنه لا حرز لها إلا حيث ألقيت فيه، ولو كان إنما وضعت لتحمل إلى حرز لها معروف لم تقطع حتى تضم إليه، وهذا أحب إلي، قال وأحب فيه اختلافا، ومالا حرز له كالمقاتي وشبهها فالقطع على من سرقها بعد أن يجمع في الموضع الذي تحمل منه للبيع على ما قاله أصبغ ورواه عن ابن القاسم بعد هذا في رسم الحدود من سماعه، وإذا سرق الزرع في الطريق إلى الجرين فالقطع على سارقه قولا واحدا من أجل كون حامله معه، ومن سرق من ثمر نخلة قبل أن تجد وهي في دار رجل قطع إذا بلغت قيمته على الرجاء والخوف ربع دينار، بخلاف الحوائط والبساتين، قاله في كتاب ابن المواز وبالله التوفيق.
: سرق العبد من مال ابن سيده
ومن كتاب سعد في الطلاق قال ابن القاسم قال مالك: وإن سرق العبد من مال ابن سيده قطعت يده.
قال محمد بن رشد: رأيت لأحمد بن خالد، قال: أخبرني إبراهيم بن محمد بن باز قال: سئل يحيى بن يحيى عن عبد سرق من مال ابن سيده ما يجب فيه القطع؟ قال فسألته فقال: إن كان في حضانة أبيه فلا قطع عليه وإن كان قد بان عليه فعليه القطع، قال: فأخبرت سعيد بن حسان بقوله فما أعجبه، قال إبراهيم بن محمد: فلما رحلت سألت عنها سحنون بن سعيد فقيه القيروان، فقال لي: كان ابن القاسم يروي عن مالك أن عليه القطع وابن وهب يروي عنه ألا قطع عليه ولكلا الروايتين عن مالك وجه، والأظهر إيجاب القطع عليه؛ لأن القطع معلق بالضمان، ألا ترى أن العبد لما كان إذا سرق من مال سيده لم يقطع فيه من أجل أنه لا يضمنه وجب أن يقطع فيما سرق من مال ابن سيده من أجل أنه يضمنه، ألا ترى لو استهلك مال ابن سيده لكانت جناية في رقبته يدفعه بها سيده إلى ابنه أو يفتديه، فإذا كان لابنه أن يأخذ العبد في جنايته عليه في ماله وجب إذا سرقه أن تقطع يده إذ لا حرمة بينه وبينه يدرأ الحد بها وإنما الحرمة فيما بين مولاه وبينه لأنه ابنه فهو الذي لا يقطع في ماله إن سرقه عبدا كان أو حرا، وهو قول ابن القاسم رواه عنه محمد بن خالد في سماعه بعد هذا من هذا الكتاب؛ لأنه لا يقطع العبد إذا سرق من مال ابنه الحر، قال وكذلك إن سرق من مال ابنه العبد؛ لأن مال ابنه العبد له حتى ينتزعه منه سيده.
واختلف في الجد يسرق من مال ابن ابنه، فقال ابن القاسم لا يقطع، وقال أشهب يقطع ويقطع من سواهم من القرابات، ووجه القول بأنه لا يقطع العبد إذا سرق من مال ابن سيده قوله في الحديث: «أنت ومالك لأبيك» . فلما كان مال الابن كأنه مال الأب لم ير أن يقطع يد عبد الأب فيه، إذ لا يقطع العبد إذا سرق مال سيده، وهو ضعيف؛ لأنه إنما لم يقطع العبد إذا سرق من مال سيده إذ لا يجمع على السيد عقوبتان: ذهاب ماله وقطع يد غلامه، ووجه تفرقة يحيى بن يحيى بين أن يكون الابن في حضانة أبيه أو لا يكون في حضانته هو أنه إذا كان في حضانته فهو الحائز لماله وقد قال في كتاب محمد بن المواز إن العبد إذا سرق من وديعة عند سيده الأجنبي من بيت لم يؤمن على دخوله لم يقطع، وإذا لم يقطع فيما حازه سيده الأجنبي فأحرى ألا يقطع فيما حازه لابنه فهي تفرقة جيدة وبالله التوفيق.
مسألة: الحرز إنما هو على ما جرت به عادة الناس
مسألة وقال مالك في مطامر يجعل الناس فيها أطعماتهم يخزنونها فيها، منها ما يغيب ويعفي حتى لا يعرف موضعها بالفلاة وبحضرة الدار، ومنها ما يكون بينا بحضرة أهله فيسرق منه قيمة ثلاثة دراهم أو أكثر، قال مالك: أما ما كان في الفلوات قد عفا عليه وأسلمه صاحبه ولا خفاه فلا أرى فيها قطعا والله أعلم، وأما ما كان بحضرة أهله معروفا بيننا فالقطع على من سرق منه قيمة ثلاثة دراهم فصاعدا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الحرز إنما هو على ما جرت به عادة الناس أن يحرزوا به امتعاتهم، فمن أسلم طعامه وتركه في الفيفاء قد عفى عليه وأسلمه وأعفاه فليس في حرز إذ ليس يحرز أحد طعامه بهذا، بل من فعل ذلك فقد أهمله وعرضه للتلف.
: لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل
من سماع أشهب وابن نافع من مالك من كتاب الحدود قال سحنون أرانا أشهب قال سئل مالك عن الدار المسكونة يكون للرجل فيها الشاة والآخر شاتان فيكون في الدار فيغلق الباب بالليل فيأتي الرجل فيتسور من الجدار وهو قصير فيأخذها فيذهب بها أتراه سارقا؟ فقال: نعم، وعليه القطع.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله وفيه النص، وهو قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما يبلغ ثمن المجن» .
مسألة: السرقة من مساجد يحرس فيها ليست لها أبواب تغلق
مسألة وسئل فقيل إن عندنا بالإسكندرية مساجد يحرس فيها ليست لها أبواب تغلق، من شاء دخلها وخرج منها فربما قام بعضنا إلى البحر يتوضأ وسيوفنا معلقة في المسجد وهو مسجد يدخل ويخرج منه بغير
إذن فربما خالفنا إليه السارق فيسرق منها والأمير في المسجد يؤخذ وقد خرج من المسجد، فقال: ما أرى عليه قطعا، سرقه وصاحبه ليس عنده وقد تركه هكذا، قيل له ألا ترى عليه قطعا، فقال: ما أرى ذلك إنما سرقه وليس صاحبه عنده، ولو سرقه وصاحبه عنده كان في ذلك شيء.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال المسجد مشترك بجميع الناس فنزولهم فيه بخلاف نزول الرفقاء في الأسفار في الصحاري؛ لأنهم إذا نزلوا في الصحراء صار منزل كل واحد منهم حرزا لمتاعه كان معه أو قام عنه وتركه، إذ لا شركة لأحد معه في موضع نزوله، وإذا نزلوا في المسجد لم يكن موضع نزوله حرزا لمتاعه إلا أن يكون معه، فإن كان معه وسرق منه سارق قطع وإن أخذ بما سرق منه قبل أن يخرج من المسجد، والأصل في هذا ما ثبت من أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقطع يد سارق رداء صفوان من المسجد إذ سرقه منه وقد توسده وبالله التوفيق.
مسألة: السرقة من الزرع يحصد فيجمع من الغائط ليحمل إلى الجرين
مسألة سئل عن الزرع يحصد فيجمع من الغائط في موضع ليحمل إلى الجرين فربما كان عليه من يحرسه فيجيء السارق يسرق منه قتاتا يجب في قيمتها القطع أترى عليه قطعا؟ فقال: نعم فيما أرى الآن
عليه القطع، فإنما هم عندي بمنزلة الزرع إذا آواه الجرين لأنه قد جمع ههنا في الغائط وضم بعضه إلى بعض وصار له حرزا، وربما ترك هناك الزمان الطويل لكثرة ذلك عليهم، قيل له وليس ذلك عندك بمنزلة الزرع القائم ولا في رؤوس الشجر من الثمر بمنزلة ما في أصولها قد حصد ووضع في أصلها فأرى على هذا القطع وأرى الزرع إذا حصد ربما أقام الشهر ونحوه في الغائط قبل أن ينقل لكثرة ذلك عليهم وغلبته إياهم، فهذا بين أن في ذلك القطع، قلت له أترى أن تقطع من سرق من ذلك شيئا يجب فيه القطع كان عنده حارس أو هو حارس عنده، فإنه ربما سرق منه الشيء من الغائط ولا حارس عنده، ومنهم من يحرس ذلك، فقال لي: ومن يستطيع أن يحرس هذه السنة كلها أو ما أقام في ذلك الموضع وهذا أمر يطول، وأرأيت الجرين إذا سرق منه ولا حارس عنده فأرى على السارق فيه القطع وإن لم يكن عنده حارس، فأنا أرى هذا الذي سألت عنه مثل ما سرق من الجرين.
قال محمد بن رشد: قوله إن القطع على من سرق من الجرين كان عليه حارس أو لم يكن، معناه إذا كان بالقرب وفي المواضع المعلومة لها وأما إذا كان في الصحراء فقد قال أشهب إنه لا قطع على من سرق منه إذا لم يكن عليه حارس، وقد مضى بقية القول في هذه المسألة المعلومة في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم.
: سئل أسرقت قال أي والله لقد سرقت وما عندي مما سرقت إلا هذا الدرهم
ومن كتاب السرقة وسئل مالك عمن اتهم بالسرقة فأخذ فيها فسئل أسرقت؟ قال: أي والله لقد سرقت، وما عندي مما سرقت إلا هذا الدرهم
فهو يقر بالسرقة ولا يعطيهم شيئا إلا الدرهم يقول قد ذهب ذلك كله مني إلا هذا الدرهم، فهو يقر بالسرقة ولا يعطيهم شيئا، قال أما القطع فلا أرى عليه قطعا، لم يأت بشيء يحق ذلك عليه، ولا أراه وجب عليه في هذا قطع، لم يأت بأمر يقين ولا بأمر تعين ولا شهادة عليه ولا هو جاء بمتاع يعرف أنه مسروق منه ولا يعرف الدرهم، فلا أرى عليه قطعا، وأرى أن يعاقب.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في رسم العتق من سماع عيسى بعد هذا خلاف ظاهر ما في المدونة، ولا اختلاف أحفظه في أنه يقطع بغير تعين إذا أقر قبل أن يؤخذ، ولا في أنه لا يقطع دون تعيين إذا أقر بعد التهديد، وإنما اختلف هل يقطع مع التعيين إذا كان إقراره بعد التهديد ورجوعه عما أقر به على نفسه من السرقة مبني على هذا التقسيم؛ لأنه كلما قوي وجوب القطع ضعف إعمال الرجوع، فإذا أقر على نفسه بالسرقة قبل أن يؤخذ ثم رجع عن إقراره فقيل إنه يقبل رجوعه، وقيل إنه لا يقبل إلا أن يقول إنما أقررت لوجه كذا وكذا، فإن أقر بالسرقة قبل أن يؤخذ وعينها ثم رجع عن إقراره فقيل إنه لا يقبل رجوعه، وقيل إنه يقبل إذا قال أيضا أقررت لوجه كذا وكذا، فإن أقر بالسرقة بعد أن يؤخذ ولم يعين ثم رجع على القول بأنه يقطع دون تعيين قبل رجوعه وإن جحد الإقرار ولم يأت لرجوعه عنه بوجه قولا واحدا وهو ظاهر ما في كتاب ابن المواز، قال ومن أقر بالسرقة بغير محنة ثم رجع فإنه يقال ولا يقطع ويتبع في عدمه، ولو ثبت على إقراره لم يتبع في عدمه وقطع وإن أقر بالسرقة بعد أن يؤخذ وعينها ثم رجع فذلك بمنزلة إذا أقر قبل أن يؤخذ ولم يعين ثم رجع لوجوب القطع في الوجهين جميعا باتفاق، فقيل إنه يقبل رجوعه، وقيل إنه لا يقبل إلا أن يقول إنما أقررت لوجه كذا وكذا، وإن أقر بالسرقة بعد التهديد وعينها ثم رجع عن إقراره على القول بأنه يقطع إذا عين ما سرق فذلك بمنزلة إذا أقر بالسرقة بعد أن يؤخذ ولم يعينها للاختلاف في
وجوب القطع عليه في الوجهين جميعا، فيقبل رجوعه وإن جحد الإقرار ولم يأت لرجوعه عنه بوجه يذكره، واختلف على القول بأنه لا يقطع إذا أقر وإن عين إذا كان إقراره بعد التهديد أو الضرب إن تمادى على إقراره وهو آمن فقيل أنه يقطع، وقيل إنه لا يقطع فهذا تحصيل القول عندي في هذه المسألة، وسيأتي طرف منها في رسم نقدها ورسم العتق من سماع عيسى وفي سماع محمد بن خالد وبالله التوفيق.
مسألة: مسافرين ضربوا أخبيتهم فسرق بعضهم من بعض
مسألة وسئل عن المسافر ينزل بأرض فلاة فيضرب فيها خباه، فمن متاعه ما يدخله الخباء ومنه ما يكون خارجا منه، وينيخ إبله أفترى على من سرق من متاعه الذي في الخباء أو خارجا منه قطعا، وإن سرق شيئا من إبله المناخة؟ فقال: نعم أرى عليه القطع، ومن الناس من ليس له خباء فأرى القطع على من سرق من إبلهم المناخه معلفة كانت أو غير معلفة إذا كانت قرب صاحبها عندها: أرأيت الذي جاء عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذا آواه المراح أو الجرين» أيكون على المراح والجرين حرز.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها، ولا اختلاف في ذلك أحفظه في المذهب؛ لأنه قد صار الموضع الذي نزل من الفلاة منزلا له وحرزا لمتاعه لا شرك لأحد معه فيه، فوجب القطع على من سرق منه كان حاضرا مع متاعه أو غائبا عنه.
وإن كانوا جماعة مسافرين ضربوا أخبيتهم فسرق بعضهم من بعض قطع، وقاله في كتاب محمد، قال محمد: يريد ما لم يكونوا من أهل خباء واحد وقال مالك في الرفقة ينزلون في الفلاة كل قوم على حدة ويضم كل رفقاء متاعهم على حدة إلا أنهم نزلوا بموضع واحد، فإن سرق بعضهم من بعض
فذلك كالدار المشتركة ذات المقاصر، فلا يقطع إن سرق بعضهم من بعض، ومن سرق منهم من غير رفقائه أو من غير أهل خباءه قطع، والخباء نفسه إذا سرق قطع سارقه، قال محمد: وأما أهل السفينة يسرق بعضهم من بعض فلا قطع عليه، وهي كالحرز الواحد إلا أن يسرق منهم أحد من غيرهم مستسرا فليقطع إن أخرج ذلك من المركب ويقطع من سرق السفينة إلا أن تكون مخلاة لا أحد فيها، وقول محمد في أهل السفينة إنه لا قطع في سرقة بعضهم من بعض يريد إذا لم يكن المسروق منه على متاعه على ما حكاه ابن القاسم عن مالك في رسم أوصى من سماع عيسى بعد هذا هو نحو قول مالك في الرفقة ينزل كل قوم من أهلها على حدة ويضم كل رفقاء منهم متاعه على حدة أنه لا قطع في سرقة بعضهم من بعض؛ لأن معناه إذا لم يكن المسروق منه مع متاعه، وأما قوله إن ذلك كالدار المشتركة ذات المقاصر فلا يقطع إن سرق بعضهم من بعض لأن المعروف في الدار المشتركة بين السكان خاصة أن القطع واجب على من سرق منهم من بيت صاحبه حسبما مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم وبالله التوفيق.
مسألة: لا قطع على من سرقه في مرات
مسألة وسئل عن الذي يسرق ما لا يجب عليه فيه القطع فلا يظهر عليه حتى سرق ما لا يجب فيه القطع ثم يظهر عليه وقد اجتمع في ذلك ما يجب فيه القطع، قال: لا أرى عليه قطعا حتى يسرق في مرة ما يجب فيه القطع.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، وهو مما لا اختلاف فيه لأنه ما يجب فيه القطع محدود، فلا قطع على من سرقه في مرات.
مسألة: يأتي البيت فيه القمح فيسرق منه وينقل بقيته قليلا قليلا
مسألة قيل له أرأيت الذي يأتي البيت فيه القمح فيسرق منه وينقل بقيته قليلا قليلا ما لا يجب فيه القطع في كل نقلة نقلها إلى خارج فينقله.
حتى يجتمع له ما يجب فيه القطع في سرقة واحدة، فقال: أرى على هذا القطع لأنها سرقة واحدة، ولكن ثقل ذلك عليه فحمل من البيت إلى الحجرة ومن الحجرة إلى خارج، فأراه وجب عليه في هذا القطع.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن السارق إذا وجد الشيء المجتمع في البيت من الطعام أو المتاع الذي لا يقدر أن يخرجه في مرة فجعل ينقله شيئا شيئا أنها سرقة واحدة؛ لأنه إنما خرج بما خرج به مما وجد بنية العودة إلى الرجوع عن الباقي، فوجب عليه في ذلك القطع ولم يصدق في أنها سرقة أخرى بنية ثانية، وما في سماع أبي زيد عن ابن القاسم من أن السارق إذا دخل البيت في ليلة عشر مرات، وكل ذلك يخرج بقيمة درهم، أو درهمين لا قطع عليه حتى يخرج في مرة واحدة بقيمة ثلاثة دراهم ليس بخلاف لقول مالك في هذه الرواية؛ لأن الذي دخل في البيت في ليلة عشر مرات يحتمل أن يكون عاد مرة بعد أخرى لانتقال ما وجد في البيت، ويحتمل أن يكون عاد مرة بعد أخرى ليلتمس ما يسرق سوى ما سرق أولا احتمالا واحدا فصدق السارق في أنها سرقات مفترقات، والذي وجد القمح فجعل ينقله شيئا فشيئا الأظهر أنها سرقة واحدة فلم يصدق السارق في أنها سرقات مفترقات، وقد قال سحنون في الذي يدخل البيت مرات في ليلة واحدة فيجتمع مما خرج به ما يجب فيه القطع أنه يقطع إن كان ذلك في فور واحد فلم يصدق في أنها سرقات مفترقات إذا كانت في فور واحد، وصدقه ابن القاسم في رواية أبي زيد عنه، وقوله أولى؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وأما في مثل القمح
وشبهه مما يجده السارق مجتمعا فينقله شيئا بعد شيء فلا ينبغي أن يختلف فيه والله أعلم.
مسألة: يدخل في الحانوت فيه البز فيسوم به فيسرق المتاع
مسألة وسئل عن الرجل يدخل في الحانوت فيه البز فيسوم به فيسرق المتاع أعليه القطع؟ فقال: أما الذي يدخل يسوم فيخرج صاحب المتاع فيدعه في البيت أو يأمره فيقول ناولني هذا أو ناولني هذا فلا أرى عليه قطعا، وأما الذي يدخل يسوم فهذا يسوم من ناحية وهذا يسرق من ناحية، فليس هذا على وجه الائتمان فأرى عليهم القطع، وليس على هذا الحديث الناس ربما تكثر المساومة فيجيء هذا فيسرق.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن السارق دخل الحانوت في جملة السوام كأنه منهم ملبسا في ذلك على صاحب الحانوت من غير أن يأذن له في دخوله، فلهذا أوجب مالك عليه القطع ولو أتاه بعينه يسومه فلما أدخله حانوته للسوم سرق منه لما وجب عليه قطع، فهذا معنى ما ذهب إليه مالك في هذه المسألة والله أعلم.
مسألة: أدخل رجلا منزلا فسرق ما في كمه قطعه أو احتله
مسألة وسئل مالك عمن أدخل رجلا منزلا فسرق ما في كمه قطعه أو احتله أترى عليه قطعا؟ فقال: قد أدخله منزله وائتمنه، أرأيت لو أن امرأته قطعت ما في كمه أو أجيره؟ وترك القطع في الشيء يشك فيه خير من القطع؛ لأن الذي لا يقضى عليه بالمال إذا رد المال لم يستطع أن يرد يده، وإن الذي يقطع يده لا يقدر على ردها كما كانت.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة بين؛ لأن من أؤتمن فسرق ليس بسارق، وإنما هو خائن، وليس عن الخائن قطع، وقول مالك في هذه المسألة يشهد لصحة تأويله في المسألة التي قبلها، ولا إشكال فيما قاله من أن الخطأ في المال أخف من الخطأ في القطع لإمكان رد المال بخلاف قطع اليد، وبالله التوفيق.
مسألة: الصبي يكون على الدابة بباب المسجد فيأتي سارق فيقطع الركابين
مسألة قلت أرأيت الصبي يكون على الدابة بباب المسجد فيأتي سارق فيقطع الركابين؟ قال: أراه سارقا وأرى عليه القطع إن كان الغلام منتبها، وإن كان راقدا فإنه يشبه ألا يكون عليه قطع، وما أدري وإني أراه يشبه الدابة لا يكون معها أحد فتسرق فلا أرى عليه قطعا، وليس ذلك مثل الدابة التي تربط في حرزها؛ لأن الدابة تربط فتسرق منها فأرى على سارقها القطع وأرى النائم يشبه بمن يكون دابته مخلاة فجاء السارق فحل السرج أو قطع الركاب فلا أرى على هذا القطع، قيل: أرأيت الذي تكون دابته يخليها على باب المسجد ويدخل يركع فتسرق أعلى سارقها القطع؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: قال في هذه الرواية في الصبي الذي يكون على الدابة إنه إن كان نائما فلا قطع على من سرق الركابين من عليها؛ لأن ذلك يشبه كونها مخلاة، فلم يعتبر كون الصبي على الدابة لكونه نائما، وقال في كتاب اللقطة من المدونة في السارق يسرق من الدار وترك بابها مفتوحا فيسرق منها غيره: إن على السارق الأول ضمان ما أخذه السارق الثاني من الدار من أجل أنه ترك بابها مفتوحا إن لم يكن في الدار أحد وأما إن كان فيها أحد فلا ضمان عليه فيما أخذ منها كان الذي فيها نائما أو غير نائم فساوى في السكان في الدار بين أن يكونوا نياما أو غير نيام في إسقاط الضمان عن الذي
ترك بابها مفتوحا، وفرق في الصبي الذي يكون على الدابة بين أن يكون نائما أو غير نائم في وجوب القطع ممن سرق الركابين منها وهو عليها، وإنما فرق بين الموضعين لأن القطع حد من الحدود الذي الحكم فيه أن يدرأ بالشبهات، وتضمين المال ليس من هذا الباب، والمعنى فيه أنه تلف بسببين، أحدهما ترك السارق الباب مفتوحا، والثاني نوم الساكن في الدار عن غلقه، فلا يدخل الاختلاف في هذه المسألة من مسألة المدونة لما ذكرناه من أن الحد يدرأ بالشبهة ويشبه أن يدخل في مسألة المدونة من هذه، فيوجب الضمان فيما أخذ على الذي فتح الباب وتركه مفتوحا إذا كان الساكن فيها نائما؛ لأن النائم في حال نومه كالميت، فلم يكن تضييع، والذي فتح الباب ظالم فهو أحق أن يحمل عليه، وإنما قطع سارق رداء صفوان وإن كان سرق وهو نائم على ما جاء في الحديث من أجل أنه كان توسده، وأما الذي خلى دابته على باب المسجد ودخل للصلاة فيه فلا إشكال في أنه لا قطع على من سرقها؛ لأنها مخلاة في غير حرز وبالله التوفيق.
مسألة: ما سرق من المحمل وفيه صاحبه أو ليس هو فيه
مسألة فقيل له أرأيت ما سرق من المحمل وفيه صاحبه أو ليس هو فيه؟ فقال: أرى عليه القطع كان فيه صاحبه أو لم يكن إلا أن يكون مخلا هكذا فلا أرى عليه القطع.
قال محمد بن رشد: المحمل الذي على البعير كالسرج الذي على الدابة، فمن سرقه من عليه أو سرق شيئا قطع إلا أن يكون مخلى في غير حرز ولا حارز فلا يكون على من سرقه أو سرق شيئا منه قطع كما لو سرقه بحمله أو الدابة بسرجها وهي مخلاة وبالله التوفيق.
مسألة: يأتي الشاة وهي في حرزها فلا يدخل عليها ويشير إليها بالعلف حتى تخرج إليه
مسألة وسئل مالك عن الذي يأتي الشاة بالعلف وهي في حرزها فلا يدخل عليها ويشير إليها بالعلف حتى تخرج إليه، قال: لا أرى عليه قطعا، قال أشهب وابن القاسم: عليه القطع.
قال محمد بن رشد: في سماع أبي زيد من ابن القاسم مثل قوله ههنا ومثل قول أشهب وهو قول ابن الماجشون وأنكر ذلك محمد بن المواز واختار قول مالك ألا قطع عليه، وقول ابن القاسم وأشهب وابن الماجشون في إيجاب القطع هو الأظهر لأنه في معنى من دخل في الحرز فأخرجها منه، إذ لا فرق بين أن يدخل السارق الحرز فيخرج منه المتاع أو يحتال له من خارج حتى يخرجه من حرزه دون أن يدخل الحرز ووجه القول الثاني أنه لم يتحقق أنه هو المخرج لها بإشاراته بالعلف إليها إذ لعله لو لم يشر لها به لخرجت أيضا.
مسألة: يسرق من دار الرجل ثم يبدو له فيرد السرقة
مسألة وأرانا أبو إسحاق البرقي قال: سألت أشهب عن السارق يسرق من دار الرجل ثم يبدو له فيرد السرقة في الموضع الذي أخذها منه، قال يقطع؛ لأن القطع قد كان وجب عليه قبل أن يردها.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن القطع حد من حدود الله وحق من حقوقه، فلا يسقط برد السارق السرقة إلى موضعها إن كان ذلك قبل أن يرفع أمره إلى الإمام، كما لا تسقط بهبة المسروق إياها له وإن كان وهبها له قبل أن يرفع أمره إلى الإمام، وقد «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لصفوان بن أمية فهلا قبل أن تأتيني به» إذ أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقطع يد سارق ردائه، فقال: إني لم أرد هذا يا رسول الله هو عليه صدقة؛ لأن المعنى في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهلا قبل أن تأتيني به فهلا تصدقت عليه به قبل أن تأتيني به، وأبو حنيفة يقول إنه إذا ملك السارق السرقة
قبل أن يقطع لم يقطع، فيأتي على قياس قوله أنه لو رد السرقة في موضعها قبل أن يقطع لم يقطع، ولو قيل أنه إن رد السرقة في موضعها قبل أن يرفع أمره إلى الإمام أو وهبها له المسروق منه قبل أن يرفع أمره إلى الإمام لم يقطع لكان لذلك وجه، وهو التعلق بظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لصفوان بن أمية فهلا قبل أن تأتيني به لأن الظاهر منه أنه لو تصدق به عليه قبل أن يأتيه به ثم أتاه به لم يقطع يده فيأتي في المسألة على هذا ثلاثة أقوال، أحدها أنه يقطع وإن رد السرقة في موضعها أو وهبها له المسروق منه، وهو مذهب مالك، الثاني أنه لا يقطع إذا ردها في موضعها أو وهبها له المسروق منه، وهو نص قول أبي حنيفة في الهبة، والثالث الفرق بين أن يردها موضعها أو يهبها له المسروق منه قبل أن يرفع أمره إلى الإمام أو بعد أن رفع إليه، وهو قول أبي يوسف في الهبة على ظاهر الحديث.
: القطع في الحرابة والسرقة لا يتعين في اليد التي لم تقطع دون التي قطعت
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب نقدها قال وسألت عن لص أخذ وقد ضرب ضربة بسيف على يده اليسرى فقطعت أو بقيت متعلقة لا ينتفع بها وقد وجب عليه قطع اليد والرجل، قال ابن القاسم: إن كان أصابه ذلك في فوره الذي أخذ فيه لم أر أن يقطع إلا رجله اليمنى وإن كان إنما هو شيء فعله بعد ذلك تلصص فيه لم يكن في فوره ذلك فأرى أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وكذلك السارق يتبعه صاحب المتاع بسيفه فيضرب يده فيقطعها ثم يؤخذ فليس عليه غير ذلك.
قال محمد بن رشد: تفرقته في اللص والسارق يقطع يد أحدهما في فور، وتلصصه أو سرقته في غير فور ذلك لسبب آخر صحيحة لأن القطع في الحرابة والسرقة لا يتعين في اليد التي لم تقطع دون التي قطعت، إذ لو
كانت التي لم تقطع شلاء لقطعت في السرقة أو الحرابة الأخرى والرجل الذي يقطع منها، فقول ابن القاسم في هذه المسألة على قياس قول مالك في المدونة في الإمام يأمر بقطع يمين السارق فيخطئ القاطع فيقطع شماله أن ذلك يجزيه ولا يقطع يمينه، وابن نافع يقول لا يجزيه ويكون على القاطع الدية، وتقطع يده اليمنى فيلزم على قياس قوله في هذه المسألة ألا يجزى عنه قطع يده اليسرى وإن كان ذلك في فور تلصصه، وتقطع يده اليمنى والرجل التي تقطع معها، وذلك بخلاف القصاص لو وجب أن يقتص من يمين رجل فقطعت شماله لم يجزه ذلك باتفاق، وفي الواضحة لابن الماجشون مثل قول ابن نافع قال ليس خطأ الإمام ولا خطأ القاطع بالذي يزيل القطع عن الموضع الذي يجب، فتكون الدية في مال القاطع أو الإمام إن كان هو المخطئ، لا على العاقلة، قال: وإلى هذا القول رجع مالك، واختار ابن حبيب القول الأول وحكى في ذلك قضية عن علي بن أبي طالب، واختلف على القول إن سرق بعد ذلك، فقيل تقطع رجله اليسرى، وقيل بل اليمنى ليكون من خلاف وبالله التوفيق.
مسألة: يسرق ربع دينار تبرا أووزن ثلاثة دراهم كيلا فضة
مسألة وعن الرجل يسرق ربع دينار تبرا أو وزن ثلاثة دراهم كيلا فضة والفضة والعين ليستا سواء في الجواز، قال ابن القاسم: تقطع يده.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن وجوب القطع في السرقة وتحديد ما يجب القطع فيه قد أحكمه الشرع في حياة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قبل أن تضرب الدنانير والدراهم.
مسألة: سرق الحصر حصر المسجد
مسألة وقال ابن القاسم: من سرق الحصر حصر المسجد قطع وإن
كان من المسجد الحرام الذي لا أبواب له، وليست الأبواب التي تحرز، ومن سرق الأبواب قطع أيضا، ومن سرق القناديل فإني أرى أن يقطع ليلا سرق ذلك أو نهارا، قد قال ابن القاسم في كتاب أسلم وله بنون صغار في الذي يسرق من حصر المسجد إن كانت سرقته نهارا لم أر عليه قطعا، وإن كان تسور عليها ليلا بعد أن أغلق بابه فأخرج منها ما يكون فيه القطع قطع وقال فيه أيضا في الذي يسرق من المسجد الحرام أو مسجد لا يغلق عليه إنه لا قطع عليه، ومن سرق القناديل قطع، وقال أرى أن يقطع سرقه ليلا أو نهارا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها محصلا مستوفى في أول سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.
مسألة: أقربسرقة بغير محنة ولا شيء ثم نزع
مسألة وقال مالك فيمن أقر بسرقة بغير محنة ولا شيء ثم نزع، قال: لا أرى أن يقام عليه الحد حتى يعين على ما قال بأمر يقيم عليه، وقال ابن القاسم: هو رأيي، قيل له فإن أخرج الدينار وقال هي هذه؟ فقال ليس هذا بتعيين، ليس في الدينار تعيين، وقد روى عن مالك في كتاب أوله كتب عليه رجل ذكر حق، قال ابن القاسم وسئل مالك عمن اعترف بغير محنة ثم نزع لم أر أن يقال، قال ابن القاسم يريد إذا عين، وبلغني ذلك عنه، وقال أشهب مثل ذلك كله إذا كان إما ما يخاف ولا تؤمن سطواته مثل صاحب الشرط، وهو عندي إكراه وإن لم يمتحن لأنه يرى السياط موضوعة ويخاف، وقال في الدنانير مثله إلا أن يعرف إنما هي بأعيانها.
قال محمد بن رشد: قوله فيمن أقر بسرقة بغير محنة ولا شيء ثم نزع، قال لا أرى أن يقام عليه الحد حتى يعين على ما قاله بأمر يقيم عليه معناه إذا كان إقراره بعد أن أخذ إذ لا اختلاف في أنه يقطع إذا أقر وإن لم يعين إذا كان إقراره قبل أن يؤخذ، وفيه تناقض؛ لأن قوله ثم نزع يدل على أنه لو لم ينزع لأقيم عليه الحد وإن لم يعين، وهو قد قال إنه لا يقام عليه الحد حتى يعين على ما قال، وقوله بأمر يقيم عليه يدل على أنه يقبل رجوعه بعد التعيين، وفي ذلك اختلاف، قيل إنه يقبل رجوعه وإن جحد الإقرار أصلا وهو ظاهر قوله بأمر يقيم عليه، وقيل لا يقبل رجوعه إلا أن يقول إنما أقررت لوجه كذا وكذا، وهو قول مالك في كتاب أوله كتب عليه ذكر حق أن من اعترف بغير محنة ثم نزع لم أر أن يقال؛ لأن المعنى في ذلك أنه لا يقال إلا أن يقول إنما أقررت لوجه كذا وكذا، وذلك إذا عين على ما فسره ابن القاسم، وقد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في رسم السرقة من سماع أشهب فلا معنى لإعادته.
مسألة: سرق من القمح يجمع في المسجد لزكاة الفطر
مسألة وسئل عمن سرق من القمح يجمع في المسجد لزكاة الفطر أيقطع وإن لم يخرج به من المسجد؟ قال: نعم هو قول مالك.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله وإن لم يكن عليها حارس فحكم لها بحكم حصر المسجد، وهو قول أصبغ خلاف ما حكاه عن مالك في الواضحة واختاره ابن حبيب، وقد مضى هذا في أول سماع ابن القاسم.
مسألة: سرق متاعا لرجل ثم قال إنما هو متاع لي استودعته إياه
مسألة وسئل عمن سرق متاعا لرجل وشهد عليه بذلك ثم قال إنما هو متاع لي استودعته إياه، قال: يقطع ولا يصدق، قيل له ويحلف له صاحب المتاع؟ قال: ما أرى أن يحلف له، قيل له فإن صدقه
صاحب الحق وقال هو متاعه؟ قال: لا يقبل منه ويقطع، قال عيسى: أحب إلي إذا صدقه صاحب المتاع ألا يقطع.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا يصدق صاحب المتاع في أن المتاع متاع السارق إذا شهد عليه بالسرقة فادعى أن المتاع متاعه هو على قياس قوله في المدونة في الذي يشهد عليه بسرقة مال رجل غائب فيدعي أن صاحب المتاع أرسله عنه فيصدقه في ذلك أنه لا ينظر في قوله ويقطع يده، يريد ويدفع إليه المال بإقراره له به وإن قطعت يده، وقوله ما أرى أن يحلف إذا كذبه صحيح على قياس قوله إنه لا يصدق إن صدقه، وقد قيل إنه يحلف، ووقع في المدونة اختلاف في الرواية إذا نكل عن اليمين على القول بأنه يحلف السارق وأخذ المتاع هل تقطع يده أم لا، وفي بعض الروايات قال أرى أن تقطع يده ويحلف مدعي المتاع، وهو قول أشهب إن يده تقطع وإن حلف واستحق المتاع، وفي بعضها قال أرى أن يحلف مدعي المتاع أن المتاع ليس للسارق، فإن نكل حلف السارق ودفع إليه المتاع ولم يقطع يده، وهو الأظهر؛ لأن الذي يوجبه النظر أن ينظر فيما يدعيه السارق من أن المتاع متاعه، فإن أشبه قوله وصدقه صاحب المتاع لم يقطع يده، وإن كذبه لزمته اليمين، فإن نكل عنها وحلف السارق [استحق] ، المتاع ولم يقطع يده، وإن لم يشبه قوله وصدقه صاحب المتاع لم يصدق وقطعت يده، وإن كذبه لم يلزمه يمين على ما قاله في هذه الرواية، فهذا هو المعنى فيها إن قول السارق لم يشبه فلذلك لم يصدق صاحب المتاع في ألا قطع إن صدقه، ولا أرى عليه اليمين إن كذبه، واستحب عيسى بن دينار أن لا يقطع إذا صدقه صاحب المتاع وإن لم يشبه قوله؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، والذي وقع في بعض روايات المدونة من أنه يقطع يده ويحلف المسروق منه، فإن نكل عن اليمين حلف السارق واستحق المتاع وقطعت يده بعيد لأنه يبعد إن أشبه قوله ونكل
المدعي فحلف هو واستحق المتاع أن تقطع يده، ويبعد إن لم يشبه قوله أن يجب على المدعي للمتاع يمين وبالله التوفيق.
: يدخل الحرز أو يدخل دار الرجل فيذبح شاة ثم يخرجها مذبوحة
ومن كتاب العرية وسئل عن السارق يدخل الحرز أو يدخل دار الرجل فيذبح شاة ثم يخرجها مذبوحة، فقال: إن كان قيمتها مذبوحة ما يجب فيه القطع قطع، فإن كان له مال يوم سرق غرم قيمة الشاة حية، وإن لم يكن له مال قطع ولم يتبع بقيمة الشاة مذبوحة واتبع بما بين قيمتها مذبوحة وقيمتها حية دينا في ذمته كان له مال يوم سرق أو لم يكن له مال؛ لأنه فساد أفسده قبل أن يخرج، فكل ما أفسده السارق في حرز رب المتاع من كسر جرة بزيت أو سمن أو حرق ثوب أو فساد شيء فهو لقيمته ضامن إذا قطع كان له مال أو لم يكن له مال؛ لأنه ليس فيه قطع، وإنما قطع في الذي خرج به، وكذلك لو دخل بيتا فأخذ ثوب وشيء فقطعه خرقا ثم خرج بالخرق وثمن ما خرج به من الحرق ما يجب فيه القطع فإنه إن كان له مال قطع وغرم قيمة الثوب صحيحا إلا أن يشاء رب الثوب أن يأخذ الخرق إذا وجدها في يديه ويرغب فيها، فإن أخذها فلا شيء على السارق، وإن لم يكن له مال اتبع بما بين قيمته صحيحا وقيمته مقطوعا إذا أبى أن يأخذ الخرق كان له مال يوم سرق أو لا مال له، فقس جميع هذه الأشياء على هذا الوجه.. قال محمد بن رشد: لا اختلاف فيما أفسده السارق في داخل الحرز أنه لا يقطع فيه ولا في أنه يضمن قيمته مليا كان أو معدما وإنما اختلف فيما أفسد مما يوصل إلى السرقة ككسر الأقفال وهدم الجدر وما أشبه ذلك،