كتاب النكاح الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
نكاح السكران
كتاب النكاح الأول
من سماع عبد الرحمن بن القاسم عن مالك
من كتاب قطع الشجرة رواية سحنون قال ابن القاسم: سئل مالك عن نكاح السكران، قال: لا أراه جائزا، وطلاقه جائز عليه، ومن كتاب القضاء من سماع أشهب وابن نافع من مالك، قال سحنون: أخبرني ابن نافع وأشهب قالا: سئل مالك عن بيع السكران فقال: لا والله، ما أراه يجوز إن استوفى وكيف يعلم ذلك، وأخاف إن ربح قال: كنت صحيحا، وإن خسر قال: كنت سكران، قلت له: وترى نكاحه مثل ذلك؟ قال: ومن يعلم أنه سكران؟ إذن يقتل هذا ويقع في الحدود، ويسرق متاع هذا، ويقول: إني سكران، لا أدري ما هذا، قال سحنون: قال لي ابن نافع: أرى أن يجاز عليه كل ما فعل من البيع وغيره.
وسئل سحنون عنها فقال: أرى نكاحه وبيعه وهباته وصدقاته وأعطياته بمنزلة واحدة سواء، لا يجوز منها شيء على حال من الحال، وإنكاحه بناته بمنزلة إنكاحه نفسه، لا يجوز ذلك، وعلى ذلك أكثر الرواة، قال: وإنما يجوز من أموره الحدود التي تجب في بدنه وطلاقه وعتقه، وما عدا هذا فليس بجائز عليه، وكذلك كتابته وتدبيره مثل عتقه جائز عليه، قال: وإقراره بالدين لا يجوز، وهو
عندي مثل هبته، قال: وإذا أوصى السكران بوصية فيها عتق ووصايا القوم، فإن ذلك لا يجوز أيضا على حال، قال: وإذا أبت عتق عبيده في مرضه جاز ذلك عليه؛ لأنه لو صح مضى ذلك عليه وهو بحال عتقه في صحته، فكل ما أعتق السكران فما له فيه الرجوع مثل الوصية، فلا يجوز، وكل ما أعتق مما ليس له فيه الرجوع فذلك جائز عليه، قال: وهو الذي آخذ به والله أعلم، رجع سحنون بالعتبي في وصية السكران وقال: أرى وصيته جائزة، ما أوصى فيها من عتق أو وصايا لقوم أو غيره، لا يكون أسوأ حالا عندي من الصبي والسفيه، وذلك أن وصيتهما جائزة.
فالسكران عندي أولى أن تجوز وصيته.
قال محمد بن رشد: السكران ينقسم على قسمين: سكران لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة، وسكران مختلط، معه بقية من عقله، إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه، فيخطئ ويصيب، فأما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، فلا اختلاف في أنه كالمجنون في جميع أفعاله وأقواله فيما بينه وبين الناس وفيما بينه وبين الله، إلا فيما ذهب وقته من الصلوات، فقيل: إنها لا تسقط، بخلاف المجنون؛ من أجل أنه لما أدخل السكر على نفسه فكأنه قد تعمد تركها حتى خرج وقتها، وأما السكران المختلط الذي معه بقية من عقله، فاختلف أهل العلم في أقواله وأفعاله على أربعة أقوال: أحدها أنه في حكم المجنون الذي القلم عنه في الشرع مرفوع، فلا يحد في زنى ولا سرقة ولا قذف، ولا يقتص منه في قتل، ولا يلزمه عتق ولا طلاق ولا بيع ولا شراء ولا شيء من الأشياء، وهو قول أبي يوسف، وإياه اختار الطحاوي، واحتج له بما روي عن عثمان بن عفان أنه قال: ليس للمجنون ولا للسكران طلاق، وهو قول محمد بن عبد الحكم من أصحاب مالك، أن طلاق السكران لا يجوز، والثاني أنه في حكم الصحيح الذي ليس بسكران يلزمه ما يلزمه، لأن معه بقيه من عقله يدخل به في جملة المكلفين
بدليل توجه الخطاب إليه في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] وفيما روي أن منادي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان ينادي إذا أقيمت الصلاة: «لا يقربن الصلاة سكران» ، وهو قول ابن نافع في الكتاب: أرى أن يجاز عليه كل ما فعله من البيع وغيره، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
وقيل: إنما يلزمه ما يلزم الصحيح من أجل أنه هو أدخل السكر على نفسه، وليس بتعليل صحيح، وقيل: إنما يلزمه ما يلزم الصحيح؛ لأنه غير مستحق لاسم السكر؛ لأن السكران هو الذي لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة، قال ذلك أبو حنيفة، وهو بعيد لأن اسم السكر واقع عليه بدليل ما ذكرناه من القرآن والسنة.
والثالث أنه يلزمه الأفعال ولا تلزمه الأقوال، فيقتل بمن قتل ويحد في الزنى والسرقة، ولا يحد في القذف، ولا يلزمه طلاق ولا عتق، وهو قول الليث بن سعد، والرابع أنه تلزمه الجنايات والعتق والطلاق والحدود، ولا يلزمه الإقرارات والعقود، وهو مذهب مالك وعامة أصحابه، وأظهر الأقوال وأولاها بالصواب؛ لأن ما لا يتعلق به لله حق من الإقرارات والعقود إذا لم يلزم الصبي والسفيه لنقصان عقولهما فأحرى أن لا يلزم ذلك السكران لنقصان عقله بالسكر، وما سوى ذلك مما يتعلق لله به حق، يلزمه ولا يسقط عنه قياسا على ما أجمعوا عليه من أن العبادات التي هي حق الله من الصوم والصلاة وأشباههما تلزمه ولا تسقط عنه بالسكر، وقول مالك في أول المسألة في نكاح السكران: لا أراه جائزا، ليس معناه أنه عقد فاسد غير جائز، وإنما معناه: لا أراه جائزا عليه ولا لازما له، إن أراد الرجوع فيه وادعى أنه لم يعرف قدر ما عقده من ذلك على نفسه من أجل سكره، وذلك إذا أقر له بما ادعاه من ذلك منازعه وخصمه، وأما إن كان أنكره فلا يصدق ويلزمه النكاح إلا أن تكون له بينة أنه كان سكران لا يعقل.
واختلف إن قالت البينة: إنها رأت منه اختلاطا، ولم تبت الشهادة بسكره على قولين: أحدهما - وهو المشهور - أنه يحلف ولا يلزمه النكاح، روى ذلك زياد عن مالك وقاله مالك في المبسوط أيضا، ومثله المريض يطلق ثم يدعي أنه لم
يكن يعقل، على ما في سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة ومن كتاب الأيمان بالطلاق، والقول الثاني أنة لا يصدق ولا يمكن من اليمين، ويلزمه النكاح، وهو دليل قوله في رواية أشهب عنه: وكيف يعلم ذلك؟ وأخاف إن ربح قال: كنت صحيحا، وإن خسر قال: كنت سكران، إلى آخر قوله.
وقول سحنون: إنه لا يجوز نكاحه ولا بيعه ولا هبته ولا صدقته ولا عطيته ولا إقراره بالدين، معناه أنه لا يلزمه شيء من ذلك، وله أن يرجع عنه إذا أفاق، على ما بيناه من مذهب مالك، وذكرنا وجهه.
وقوله: إن الكتابة والتدبير كالعتق والحدود في جواز ذلك عليه ولزومه، صحيح على مذهب مالك، وأما وصيته بالعتق وغيره، فالصحيح على مذهب مالك أنها جائزة على القول الذي رجع إليه سحنون؛ لأن حكم وصيته حكم ما عقده على نفسه من البيع وغيره، ولا يقال في شيء من ذلك على مذهب مالك: إنه غير منعقد عليه، وإنما يقال فيه على مذهبه: إنه غير لازم له، لو أراد الرجوع فيه إذا أفاق من سكره، فإذا لم يرجع في وصيته حتى مات وجب أن تنفذ كما تنفذ وصية الصحيح من السكر، فقول سحنون الأول: إن وصية السكران لا تجوز، غلط وُفِّق في سرعة الرجوع عنه وترك التمادي عليه، وكذلك تفرقته فيه بين ما بتل في مرضه من العتق وغيره إن مات من مرضه، غلط أيضا، والصحيح على مذهب مالك أنه إن مات من مرضه ذلك نفذ العتق وغيره من الثلث على معنى الوصية، وإن صح من مرضه ذلك نفذ عليه العتق ولزمه وكان له الرجوع فيما بتله من الهبة والصدقة من أجل السكر، والله أعلم.
مسألة: إنكاح الأب ابنته دون استئمار
مسألة قال مالك: من عبرة إنكاح البكر ولا تستأمر ما في القرآن: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: 27] لم يذكر في هذا استئمارا.
قال محمد بن رشد: قوله: من عبرة إنكاح البكر ولا تستأمر، يريد: من عبرة إنكاح الأب ابنته دون استئمار؛ لأن غير الأب لا يزوج البكر حتى يستأمرها لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها» واحتجاج مالك لمذهبه في هذه المسألة بهذه الآية يدل على أن شريعة من قبلنا لازمة لنا عنده، إذا لم يكن في شرعنا ما ينسخها عنا، ويدل على ذلك من مذهبه أيضا احتجاجه في موطئه بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] وإنما هو خطاب لليهود في شرعهم، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: 90] .
وقال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذا نام أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها، فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] » والخطاب بذلك إنما هو لموسى في التوراة.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أنها غير لازمة لنا بدليل قول الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48] ومنهم من ذهب إلى أنه لا يلزمنا منها إلا شريعة إبراهيم خاصة؛ لقوله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: 123] وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78] أي الزموها، ومنهم من ذهب إلى أنه لا يلزمنا منها إلا شريعة عيسى لأنها ناسخة لما تقدم من الشرائع، ومنهم من ذهب إلى أنه يلزمنا من شريعة موسى ما لم يكن في شريعة عيسى ما ينسخه، ومما يعتبر به في جواز إنكاح الأب ابنته البكر دون مؤامرتها مما توجه الخطاب فيه إلينا دون من قبلنا، قول الله عز وجل:
﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] ، الآية؛ لأنه أمر بإنكاح الأيامى من الأحرار والعبيد، ولم يذكر في ذلك استئمارا، ولا خص أبا من غيره، فوجب بظاهر هذه الآية أن لا يستأمر الأب ولا غيره من الأولياء الأيامى من الأحرار ومن اللواتي لا أزواج لهن، كما لا يستأمر السيد عبده ولا أمته في النكاح؛ إذ جاءت الآية في ذلك كله مجيئا واحدا، فخصصت السنة من ذلك من عدا الأب من الأولياء في الأيامى الأحرار بقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها» وخصص الإجماع من ذلك الأب في ابنته الثيب، وبقي الأب في ابنته البكر على عموم الآية يزوجها دون استئمار، كما يزوج السيد عبده وأمته دون إذنهما.
ومن الحجة لمالك أن أهل العلم قد أجمعوا على أنه يزوج ابنته البكر قبل بلوغها دون استئمار، فمن ادعى أن عليه أن يستأمرها إذا بلغت وجب عليه الدليل، وهذا استدلال باستصحاب حال الإجماع، وهو دليل صحيح عندهم، وبالله التوفيق.
مسألة: لا ينبغي لرجل علم من وليته فاحشة أن يخبر بذلك من خطبها
مسألة قال مالك: لا ينبغي لرجل علم من وليته فاحشة أن يخبر بذلك إذا خُطبت.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن من تزوج امرأة فاطلع على أنها قد كانت زنت، لم يكن له أن يردها بذلك، فإذا لم يكن ذلك عيب فيها يجب به للزوج ردها، لم يكن على وليها أن يعلمه به، بل واجب عليه أن يستره عليها؛ لأن الفواحش يجب على الرجل أن يسترها على نفسه وعلى غيره، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أصاب من هذه القاذورة شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يُبْدِ لنا صفحته نقم عليه كتاب الله» وقال لهزال: «يا هذا لو سترته بردائك لكان خيرا لك» وفي الموطأ أن رجلا خطب إلى رجل أخته، فذكر أنها قد كانت أحدثت، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فضربه، أو كاد يضربه، ثم قال مالك: وللخبر.
وكذلك لا يجوز له ولا ينبغي له أن يخبر من عيوب وليته بشيء مما لا يجب ردها به من العور والعمى والسواد وشبه ذلك، قال ذلك مالك في كتاب ابن المواز، والنكاح في هذا عندهم بخلاف البيوع، لا يجوز للبائع أن يكتم من سلعته شيئا لو ذكره لكرهه المشتري، وكل ما نقص من ثمنها فهو عيب فيها، والفرق بين النكاح والبيع أن البيع طريقه المكايسة، والنكاح طريقه المكارمة، وليس الصداق فيه ثمنا للمرأة ولا عوضا عن شيء يملكه الولي، وإنما هو نِحْلة من الله فرضه للزوجات على أزواجهن، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته إن نكحت عليك أو تسررت عليك إلا بإذنك فأمرك بيدك
مسألة قال ابن القاسم: قال مالك: من قال لامرأته: إن نكحت عليك أو تسررت عليك إلا بإذنك، فأمرك بيدك، فأذنت له في جارية أو امرأة، فطلق تلك المرأة أو باع تلك الجارية، ثم بدا له أن يرجع فيتزوجها أو يتسرر، أن ذلك إلى امرأته إن شاءت أذنت له، وإلا فلا، وإن أذنت له فنكح أو تسرر فندمت، فأرادت أن تغير ذلك، فليس ذلك لها بعد إذنها، حتى يفارق أو يبيع، فيرجع الأمر إليها.
قال محمد بن رشد: قال في هذه الرواية: إنه إن بدا له بعد أن يطلق تلك المرأة ويبيع تلك الجارية أن يرجع، فيتزوجها أو يتسرر، أن ذلك إلى امرأته، إن شاءت أذنت له وإلا فلا.
ولم يوجب عليها أن تحلف إنها إنما أذنت له في تلك الجارية بعينها، وفي نكاح تلك المرأة بعينها، ولم تكن أرادت بذلك ترك ما كان بيدها من الشرط فيهما وفي غيرهما، وذلك خلاف ما في رسم "باع شاة" من
سماع عيسى بعد هذا، والاختلاف في هذا جارٍ على الاختلاف في لحوق يمين التهمة، ولو حقق الدعوى عليه في أنها أسقطت عنه ما كان بيدها من الشرط فيهما وفي غيرهما للزمتها اليمين قولا واحدا، وقال فيها: إنها إن أذنت له فنكح أو تسرر فندمت وأرادت أن تغير، فليس ذلك لها بعد إذنها حتى يفارق أو يبيع، فيرجع الأمر إليها، فساوى بين المرأة والجارية في أنه ليس لها أن تمنعه من التمادي على وطئها حتى يبيع الجارية أو يطلق المرأة، وفرق بينهما ابن حبيب فقال: إن لها أن ترجع عن الإذن والرضى في الجارية متى ما شاءت؛ لأن التسرر أمر مؤتنف، قال: وقد كان القياس أن لا يطأ إلا بإذن مؤتنف عند كل وطأة، ولكن الاستحسان أن يجزيه إذن واحد حتى تحدث منعا؛ لأنها على الإذن ما سكتت، وحكى الفضل عن ابن القاسم مثل ذلك أيضا.
وأما إن أرادت لما أذنت له فتزوج أو تسرر أن ترجع فتأخذ بشرطها وتقضي في نفسها، لم يكن ذلك لها باتفاق في هذه المسألة؛ لقوله فيها: إلا بإذنك؛ لأنه إن استثنى إذنها فلم يوجب لها التمليك إلا إذا تزوج عليها أو تسرر بغير إذنها، فإذا تزوج عليها أو تسرر بإذنها لم يجب لها تمليك ولا كان لها أن تقضي بشيء، وقد حكى ابن حبيب أن قائلا يقول: إن لها أن تقضي وإن نكح بإذنها؛ لأنها أذنت قبل أن يصير القضاء بيدها، وهو غلط ظاهر، إنما الاختلاف إذا قال لها: إن نكحت عليك فأمرك بيدك، ولم يقل: إلا بإذنك، فأذنت له فنكح، فلما نكح أرادت أن تقضي في نفسها وتأخذ بشرطها، ففي سماع أصبغ عن أشهب أن ذلك لها، وهو قول سحنون في المجموعة، واحتج بالذي يسلم شفعته قبل الشراء، والمشهور أن ذلك ليس لها وهو قول أصبغ في سماعه وروايته عنه أيضا فيه، وقول مالك في رسم "اغتسل" من هذا السماع، ومثله في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب التخيير والتمليك، وقد نص أشهب على الفرق بين أن يقول: إلا بإذنك، أو لا يقول ذلك، في كتاب ابن المواز، والمعنى في الفرق بينهما بيّن لا يفتقر إلى وجود النص فيه ولا يفترق ذلك عند مالك، فسواء على مذهبه
استثنى في تمليكها أمرها إن نكحها عليها إذنها أو لم يستثن ذلك فيه، إن أذنت له فنكح، لم يكن لها أن تقضي في الوجهين جميعا، واختلف قوله إذا أذنت له أن ينكح إذنا مبهما لم تقل فيه: متى ما شئت، فمرة قال: إن له أن ينكح متى ما شاء، ومرة قال: إن ذلك ليس له إلا بقرب إذنها، وقع اختلاف قوله في ذلك في رسم "أوصى" من سماع عيسى من كتاب التخيير والتمليك، وهذا الاختلاف جارٍ على الاختلاف في الأمر المطلق، هل هو محمول على الفور أو على التراخي.
واختلف إن أذنت له في النكاح ثم رجعت في الإذن قبل أن ينكح، فقال ابن حبيب: ذلك لها، وفي رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب: ليس ذلك لها، وهو قول ابن القاسم في سماع أصبغ بعد هذا، وحكى ذلك الفضل عنه وعن غيره أيضا، وبالله التوفيق.
[مسألة: جارية زوَّجها أبوها صبيا صغيرا برضى أبيه ثم هلك]
مسألة وقال مالك في جارية زوَّجها أبوها صبيا صغيرا برضى أبيه ثم هلك، فطلب أبو الجارية الميراث والمهر، فأنكر أبوه أن يكون أصدق شيئا وادعى أن ذلك على وجه الصلة، قال مالك: ليس له إلا الميراث إذا لم تقم له بينة، ولو كان إلا شاهد واحد رأيت أن تحلف الجارية إن كانت بلغت أو تُؤَخَّر إن كانت صغيرة حتى تبلغ وتعرف ما تحلف عليه.
قال محمد بن رشد: قال مالك في هذه الرواية: إن الجارية تحلف مع شاهدها إن كانت قد بلغت، أو تؤخر إن كانت صغيرة حتى تبلغ، يريد بعد يمين أبيه، فإن نكل عن اليمين غرم ولم يكن عليها إذا بلغت أن تحلف، وإن حلف أخرت كما قال حتى تبلغ، فتحلف وتأخذ، فإن نكلت عن اليمين إذا بلغت، لم يكن لها شيء ولم يحلف الأب ثانية، وكفته اليمين الأولى.
قال محمد: وهذا
بخلاف مبايعته لها، ويقيم شاهدا فيحلف معه؛ لأنه إن لم يحلف هاهنا لزمه غرم ما نكل عنه؛ لأنه أتلف ولم يتوثق؛ ولأنه لا يبيع إلا بثمن معلوم، والنكاح على التفويض يجوز، فلم يتعد، وإنما عليه أن يشهد في أصل النكاح لا في تسمية الصداق.
قال محمد: وذلك عندي ما لم يدَّع أبوها التسمية مع الشاهد، فإن ادعى هذا فقد ضيع في التوثق، يريد: فيحلف هو ويستحق الصداق الذي ادعى لابنته، فإن نكل غرمه بعد حلف أبي الصبي، والظاهر من الرواية أنه هو الذي ادعى التسمية مع الشاهد، فقول محمد خلاف للرواية، وما في سماع أبي زيد عن ابن القاسم من أن أهل المرأة يحلفون في الشروط التي ادعى الزوج أن أباه شرطها عليه وهو صغير، مثل قول محمد، فهي مسألة فيها قولان.
ومن هذا المعنى اختلافهم في الزوجين يختلفان في عدد الصداق أو في نوعه، فروى عيسى عن ابن القاسم في بعض روايات العتبية أن ذلك إن كان قبل البناء فالقول قول الأب أو الولي إن كانت بكرا ويحلف لأنه ليس إليها الرضى بالمهر، فإن شاء الزوج أن يعطي ما حلف عليه، وإلا حلف وانفسخ النكاح، وإن كان بعد البناء فالقول قول الزوج في عدد الصداق، ولا يكون عليه إلا ما حلف عليه، وإن كان في نوعه تحالفا وردت إلى صداق مثلها، يريد: ويغرم الأب والوصي الزيادة لتركه الإشهاد، قال فضل: وهكذا قال أصبغ في سماعه بعد أن حكى عن ابن القاسم أن البكر هي التي تحلف، فمن أوجب على الأب الإشهاد على تسميته الصداق قبل الدخول، رأى عليه أن يحلف مع الشاهد الذي أتى به؛ لأنه إن لم يحلف غرم لتركه الإشهاد، ومن لم يوجب عليه الإشهاد على ذلك رأى اليمين على الجارية، وهو الذي ذهب إليه في الرواية، ولو قال الأب له: زوجها بتفويض، وادعت هي على أبي الصبي أنه فرض لها بعد ذلك صداقا وأقامت على ذلك شاهدا، لحلفت هي باتفاق دون أبيها، ولو ادعى الأب التسمية بعد الدخول، وهي أكثر من صداق المثل وأقام عليها شاهدا واحدا، لحلف هو دونها باتفاق، فقف على أنها ثلاثة مواضع: موضع يحلف فيه الأب باتفاق، وموضع تحلف فيه الجارية باتفاق، وموضع يختلف فيمن يحلف منهما، وكذلك لو باع الأب سلعة
لابنه بأكثر من قيمتها فجحد المشتري الشراء والسلعة قائمة، وأقام الأب عليه شاهدا واحدا، يتخرج ذلك على قولين: أحدهما أن الأب يحلف لأنه ضيع في التوثق، فإن نكل عن اليمين ضمن الثمن لابنه، والثاني أن الابن يحلف إن شاء إذا لم يجب على الإشهاد إلا عند دفع السلعة، ولو دفع السلعة إلى المشتري فجحده لوجب عليه أن يحلف مع الشاهد باتفاق؛ لأنه ضيع بترك الإشهاد، فإن نكل عن اليمين غرم الثمن على القول بأنه هو يحلف إذا لم يدفع السلعة والقيمة على القول بأن الابن هو يحلف، وكذلك الحكم في المأمور يوكل على بيع السلعة، فيجحد المشتري وللمأمور شاهد واحد، وإذا كان للابن شاهد بحق لم يله الأب، لم يكن عليه أن يحلف مع الشاهد لابنه، واختلف إذا كان الابن صغيرا فأراد أن يحلف ويستحق له حقه، فقال ابن كنانة: ذلك له لأنه يمونه، وليس ذلك لأحد سواه من أم أو وصي، وأنكر ذلك ابن القاسم ولم يره، وبالله التوفيق.
مسألة: المرأة تزوج بغير إذنها فتنكر
مسألة وقال مالك في المرأة تزوج بغير إذنها فتنكر، ثم تخبر أن ذلك كله سواء، قال مالك: لا يجوز إلا بنكاح جديد، قال ابن القاسم: وإنما الذي كان يجيز مالك من ذلك فيما بلغني في الرجل يزوج ابنته الثيب أو أخته وهي معه في البلد مقيمة معه، فيزوجها ثم تخبر فترضى، وكان يجيزه ويخففه، فقلت له: فالرجل يزوج ابنته الثيب البائنة عنه في البلد، فترضى حين تعلم، قال: لا يجوز هذا النكاح ولا يقام عليه ويفسخ حتى يبدأ نكاح جديد، وذلك أنهما لو ماتا لم يتوارثا، فكيف يجوز نكاح إن ماتا قبل أن ترضى لم يتوارثا، فقيل له: فالرجل يزوج أختا له معه حاضرة في البلد، فأنكرت وقالت: لم أرض ولم أوكله، ثم أقرت بعد ذلك وأحبت إجازته، قال: لا أرى ذلك إلا بنكاح جديد، قيل لسحنون: ما معنى قول مالك: وهي
معه مقيمة في البلد؟ أهو أن تكون معه في مصر واحد وحضر واحد؟ أم تكون معه في البلد وإن كانت بعيدة إلا أن البلد تجمعهم؟ قال: بل معناه أن تكون معه في حكم واحد، ويكون الذي يينهما قريبا مثل الأميال والبريد وما أشبهه، قلت لسحنون: فلو كان هو بالفسطاط والمرأة بالقلزم وبينهما مسيرة يومين، قال: ما أرى ذلك بكثير إذا أجازته في ذلك بالفور وأرسل إليها، فأجازت، قال: وأما ما تباعد عنه جدا مثل الإسكندرية أو أسوان أو ما بعد من المواضع، فإنه لا يجوز وإن أجازت، قال أصبغ مثله.
قال محمد بن رشد: أما إذا زوجها بغير إذنها وهي بعيدة عنه أو قريبة فتأخر إعلامها بذلك فلا يجوز النكاح وإن أجازته، باتفاق من قول مالك وجميع أصحابه إلا ما تأول أبو إسحاق التونسي من أن اختلاف قول مالك يدخل في القريب والبعيد ويفسخ قبل ما لم يدخل، وهو ظاهر قول ابن القاسم في رسم الجواب من سماع عيسى، واختيار محمد بن المواز، وقيل: ما لم يطل بعد الدخول، وهو قول ابن القاسم في رسم شهد من سماع عيسى، وقيل: إنه يفسخ أبدا وإن طال، وهو قول أصبغ، واختلف هل يكون الفسخ فيه بطلاق؟ وهل يتوارثان إن مات أحدهما قبل الفسخ، على قولين نص عليهما وهما قائمان من المدونة؛ لأنه نكاح مختلف في جوازه بين أهل العلم، وقد نص في المدونة على الاختلاف في وجوب الطلاق والميراث فيما يفسخ من الأنكحة التي اختلف أهل العلم في جوازها، وتقع الحرمة به وإن فسخ قبل الدخول إذا كان الفسخ بعد الرضا باتفاق، واختلف إذا فسخ قبل الرضا أو قدمت فأنكرت، فقال مالك في المدونة: إني لا أحب له أن يتزوج أمها ولا أن يتزوجها أبوه ولا ابنه، وقال أصبغ: بل لا يحل ذلك، وأجازه ابن الماجشون، وهو الصحيح، وإياه اختار ابن أبي زيد، لأنها إذا أنكرت فلم يتم بينهما شيء تقع به الحرمة، واحتج بأن الرجل لو قال: قد زوجت ابني فلانا إن رضي، فقال فلان: لا أرضى، لم تقع به الحرمة وإن كان له الرضى بإجماع، فهذا أحرى
أن تقع به الحرمة، إذ لا يجوز النكاح إذا رضيت إلا على قول قائل، ولا يتوارثان قبل الرضى، ولا يكون الفسخ فيه طلاقا بإجماع إلا أن يدعي الولي عليها أنه زوجها بإذنها وتنكر هي ذلك، فروى عيسى عن ابن القاسم في المدنية أن الفسخ يكون في ذلك بطلاق، وهو بعيد، وأما إذا زوجها بغير إذنها وهي قريبة وأعلمت بالقرب أيضا، فرضيت، فالمشهور في المذهب أن النكاح جائز.
واختلف في حد القرب فقال أصبغ وسحنون: اليوم واليومان، وقال عيسى بن دينار: ذلك مثل أن يعقد النكاح في المسجد والسوق، ثم يسار إليها بالخبر من ساعته، وإنما جاز هذا النكاح وإن كان للزوجة فيه الخيار لأنه خيار أوجبه الحكم لم ينعقد عليه النكاح، ولو أعلم الولي الزوج أنه لم يستأمرها في العقد عليها، لوجب أن لا يجوز النكاح لدخوله على أن لها الخيار، فهو بمنزلة أن لو زوجه إياها على إن رضيت، وقد قال في سماع أبي زيد في ذلك: إن النكاح يفسخ.
ومن الناس من ذهب إلى أن يفرق بين المسألتين، بأن الحاضرين لهما مندوحة عن الخيار بخلاف الغائب، وهو بعيد، لأنه يلزم عليه جواز نكاح الغائبة البعيدة الغيبة لعدم القدرة على إنجاز النكاح، وروي عن مالك أن النكاح لا يجوز ويفسخ؛ لأنه نكاح لو مات أحدهما فيه لم يتوارثا، يريد: ما لم يدخل - والله أعلم - على هذا القول.
وقال أصبغ: إنما يؤمران قبل الدخول بالترك والفسخ، ولا يحكم بذلك عليهما، فقد روي عن مالك أنه قال: لا أحب المقام عليه وإن رضيت، وقال مرة: إن رضيت جاز، واختلاف قوله هذا في الغيبة القريبة قائم من قول ابن القاسم في المدونة: وبلغني أن مالكا مرة كان يقول: هذا الذي حفظناه عمن أدركناه من شيوخنا، أن اختلاف قول مالك إنما هو في القريب الغيبة، وهو الذي يدل عليه ظواهر الروايات، ونحا أبو إسحاق التونسي إلى أنه لا فرق على أحد قولي مالك بين قريب الغيبة وبعيدها، وهو الأظهر في القياس، لأن الخيار الذي للمرأة المزوجة بغير إذنها إن حكمنا له بحكم الشرط وجب أن يفسخ النكاح في القرب والبعد، وإن لم يحكم له بحكم الشرط وقلنا: إنه خيار يوجبه الحكم، فلا يفسد العقد، كالعبد يتزوج بغير إذن سيده وما أشبه ذلك، وجب أن يجوز في القرب والبعد، فيأتي
في المسألة لمالك على هذا التأويل ثلاثة أقوال: جواز النكاح في القرب والبعد، وفساده في القرب والبعد، والفرق بين القرب والبعد.
وأما إذا أنكرت ثم أجازت فقال ها هنا وفي المدونة: إن النكاح لا يجوز سواء أرادت بإنكارها رد النكاح أو الإباية من إجازته، خلاف تفرقته في المدونة بين ذلك في سيد العبد إذا نكح بغير إذنه.
والفرق بين المسألتين أن تزويج المرأة بغير إذنها على الرد حتى يجاز إذ لم ينبرم بين الزوجين، وبدليل أن الأمد إذا طال لم يكن لها أن تجيز، وأن تزويج العبد بغير إذن سيده على الإجازة حتى يرد، إذ قد انبرم بين الزوجين، وإنما الخيار لغيرهما، بدليل أن طول الأمد لا يمنعه من الإجازة، وجعل ابن وهب المرأة مثل السيد في ذلك، وهو أظهر لأن لها الإجازة ما لم تصرح بالرد في الموضع الذي تجوز لها الإجازة فيه، وهو القرب، كما أن ذلك للسيد في الموضع الذي تجوز له الإجازة فيه، وهو القرب والبعد، وكذلك الحكم في الرجل يزوج ابنه المالك لأمر نفسه وهو غائب، أو يخطب المرأة على الرجل فيزوجها إياه وهو غائب، ثم يأتيان فيقران بالإذن أو ينكرانه، فيردان أو يجيزان، وستأتي هذه المسألة بعد هذا والقول فيها مبسوطا إن شاء الله، وبالله التوفيق.
مسألة: يزوج أجيرا له جارية له على إن رأى منه أمرا يكرهه فأمرها بيده
مسألة وقال مالك في الرجل يزوج أجيرا له جارية له على إن رأى منه أمرا يكرهه فأمرها بيده لا يحل ذلك ولا أرى أن ينكح على هذا أحد، فإن فعل ووقع النكاح رأيته جائزا، قال ابن القاسم: ولا أفسخه إذا وقع، دخل أو لم يدخل.
ومثل ذلك ما تشترط المرأة على زوجها إن أضر بها أو شرب خمرا أو غاب عنها فأمرها بيدها فهذا يكره أن يبتدأ به النكاح، فإذا وقع كان ثابتا، قال سحنون: دخل أو لم يدخل، وقال عيسى إذا وقع به النكاح مضى ولزمه الشرط، قال أصبغ: إنما يكره أن يشترط إن رأت منه ما يكره أو ما لا يعجبها أو ما لا ترضى فهي طالق، قال أصبغ: فإن وقع هذا فأرى
شرطها لها إن رأت ما تكره فهي طالق، والنكاح ثابت قبل الدخول وبعده لأنها يمين قد فرطت ليس فيها طرح شيء، فإذا رأت ما تكره طلقت كما شرطت، وقال سحنون: سئل مالك عن الرجل يزوج عبده على أن الطلاق بيد السيد، قال مالك: إن دخل بها وقع ما بيد السيد من ذلك وإن لم يدخل خير السيد، فإن ترك الشرط وإلا فرق بينهما.
قال محمد بن رشد: أما الذي زوج أجيره جاريته على أنه إن رأى منه ما يكرهه فأمرها بيدها فإن أراد بذلك ما يكرهه مما يكون مكروها عند الناس وضررا بها فلا اختلاف أن النكاح جائز والتمليك لازم بمنزلة ما لو اشترط عليه إن أضر بها أو شرب خمرا فأمرها بيده، وأما إن أراد بذلك ما يكرهه هو باختياره وإن لم يكن ذلك مكروها عند الناس ولا ضررا بها فيتخرج ذلك على خمسة أقوال: أحدها أن ذلك يكره ابتداء فإذا وقع جاز النكاح ولزم التمليك، وهو ظاهر قول ابن القاسم وروايته عن مالك وقول سحنون وعيسى بن دينار، والثاني أنه لا كراهة في ذلك، وهو قول أصبغ، والثالث أن النكاح جائز والتمليك ساقط، وهو قول ابن الماجشون على أصله في أن كل نكاح ينعقد على تمليك يقع بفعل هو بيد غير الزوج إن شاء أن يفعله فعله مثل أن يزوج الرجل أمته على أنه إن باعها فأمرها بيدها أو بيده أو ما أشبه ذلك أن النكاح جائز والشرط ساقط، والرابع قول محمد بن المواز أن النكاح فاسد يفسخ قبل الدخول وبعده على أصله أيضا في النكاح الذي ينعقد على تمليك يقع بفعل هو بيد غير الزوج أنه نكاح فاسد مثل نكاح المتعة أو أشد، والخامس أنه إن دخل سقط الشرط، وإن لم يدخل بها خير مشترط الشرط فإن تركه وإلا فرق بينهما، وهذا القول يأتي على ما حكى سحنون عن مالك في الرجل يزوج عبده على أن الطلاق بيد السيد، وهو على مذهب من يرى التخيير قبل البناء في النكاح إذا وقع بصداق مجهول.
ووجه القول الأول والثاني في أن النكاح جائز والشرط لازم هو أن التمليك ليس بطلاق لازم
قد يرى منه ما يكره فلا يطلق، فأشبه إذا زوجها منه على أنه إن أضر بها فأمرها بيدها، ووجه قول ابن المواز أن النكاح فاسد يفسخ قبل الدخول وبعده هو ما ذكره من تشبيهه بالمتعة لأنه تزوج امرأة بشرط أن طلاقها بيد غيره، وإذا فعل ذلك كان له أن يطأها ما لم يطلقها عليه، فأشبه المتعة.
التي يتزوج على أن يطأ ما لم يحل الأجل، وأما قول ابن الماجشون فلا وجه له، لأنه إما أن يشبه بالمتعة فيكون لنكاح فاسدا كما قال محمد، وإما أن لا يشبه بها لأن الأجل فيها يأتي بالطلاق على كل حال، وقد يرى منه ما يكره فلا يفرق بينهما فيكون النكاح جائزا كما قال مالك وابن القاسم وسحنون وعيسى ابن دينار، وهو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب، وأما الذي تزوج على أنه إن رأت منه امرأته ما تكره فهي طالق فهو أشد في الكراهة ويدخلها الاختلاف المذكور كله إلا جواز النكاح ابتداء دون كراهة، وبالله التوفيق.
مسألة: خطب إلى رجل ابنته على رجل فزوجه ثم علم الأب أنه افتات على الغائب
مسألة وقال مالك في رجل خطب إلى رجل ابنته على رجل فزوجه، ثم علم الأب أنه افتات على الغائب، قال ابن القاسم: يريد الذي خطب افتات على الغائب فأراد أن يرجع وقال خدعتني، لا يكون ذلك له بعد ما زوج، ولا يؤخذ بقول الخاطب، وما أشبه ذلك حتى يكون ذلك في الثبت الذي لا شك فيه، فذلك له حينئذ، وأما غير ذلك فلا حتى يعرض على الغائب فيقول أنا أمرته أو يجحد أن يكون أمره، ولو رفعه إلى الإمام لكان أحب إلي.
قال عيسى: وقال أصبغ: لا خيار له في ذلك حتى يوقف المفتات عليه، فإن قال أنا أمرته فالنكاح جائز، وإن قال لم آمره فالنكاح يفسخ، وإن قال لم آمره ولكني أرضى به الآن ورضي به الأب فذلك غير جائز لأنهما يريدان إتمام النكاح على عقدة فاسدة.
قال محمد بن رشد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذا زوج الرجل وليته البكر أو الثيب وابنته الثيب أو ابنه البكر أو الرجل الأجنبي في مغيبهم فلا يخلو أمره من ثلاثة أحوال: أحدها أن يزعم في حين العقد أنه أذن له فيه، والثاني أن يزعم أنه لم يؤذن له فيه، والثالث أن لا يذكر إن كان مأذونا له في العقد أو مفتاتا على الغائب فيه، فأما إذا زعم في حين العقد أنه أذن له فيه الغائب أو الغائبة فلا اختلاف أن النكاح لا يفسخ حتى يقدم الغائب ويعرف ما عنده، فإن صدقه فيما ادعى عليه من الإذن جاز النكاح وإن بعد، وإن أنكر وقال: لم آمره ولا أرضى بالنكاح حلف ولم يلزمه، وقيل لا يمين عليه، وإن قال لم آمره ولكني أرضى بالنكاح جاز النكاح في القرب دون البعد على المشهور في المذهب، وهو مراده في هذه الرواية لأن قوله فيها وإن قال لم آمره ولكني أرضى به الآن ورضي به الأب فذلك غير جائز معناه إذا بعد الأمد، وقد مضى فوق هذا ما في ذلك من الاختلاف، وأما إن زعم حين العقد أنه لم يؤذن له فيه وأنه مفتات في عقده فالنكاح فاسد قرب أو بعد، ولا اختلاف في ذلك، وقد مضى وجه ذلك، وأما إن عقد وسكت ولم يبين شيئا فهو محمول على أنه وكل حتى يثبت خلاف ذلك، وذلك بين من قوله في هذه الرواية ولا يؤخذ بقول الخاطب حتى يكون في ذلك الثبت الذي لا شك فيه، ولا خلاف في هذا أحفظه نصا، قال أصبغ في كتاب محمد: وكذلك أحسبه قال في الرجل يزوج ابنة الرجل البكر، وقال محمد ذلك في الأب في ابنته البكر والسيد في أمته أثقل فيهما من غيرهما، وفي سماع أصبغ عن أشهب أن النكاح لا يجوز على حال، وإن زعم المزوج أن الأب وكله على ذلك وإن صدقه الأب فلا يصدق، فحمله على الافتيات حتى يثبت أنه وكله على تزويجها قبل عقد النكاح، وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم في المدونة لأنه قال فيها: إن زوج الأخ أخته البكر في حجر أبيها لم يجز وإن أجازه الأب إلا أن يكون كالولد القائم بأمره المدبر لشأنه،.
وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أنه لا فرق في القياس بين ذلك، فإما أن يحمل الأمر على التوكيل في الجميع فيجوز، وإما أن يحمل على الافتيات في الجميع فلا يجوز، وبالله التوفيق.
مسألة: تزوج امرأة على أن يعتق أباها فاشتراه فأعتقه ثم طلقها قبل أن يبني بها
مسألة قال مالك: ومن تزوج امرأة على أن يعتق أباها فاشتراه فأعتقه ثم طلقها قبل أن يبني بها أن عليها نصف قيمته وجاز العتق.
قال ابن القاسم: لا يجوز هذا النكاح لأنه لم يصل إليها شيء من المهر، إنما هو أعتقه، وله ولاؤه، وأرى أن يفسخ، وإن دخل بها أعطيت صداق مثلها وثبت النكاح، ولا يرجع عليها بشيء.
قال ابن القاسم: أخبرني بهذا من أثق به من أصحاب مالك أن عليها نصف قيمته ثم أخبرني بها بعض جلساء مالك أنه قال: لا أرى أن يرجع عليها بشيء.
وقوله الأول أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قوله في السؤال فاشتراه يدل على أنه لم يكن في ملكه يوم عقد النكاح، وهذا فيه نظر لأن المعروف من قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه لا يجوز النكاح على عبد فلان، وقد جوزه مالك في هذه المسألة إذ لم ير النكاح فاسدا بدليل أنه أوجب للزوج الرجوع عليها في الطلاق بنصف قيمته وجوز العتق على حكم النكاح الصحيح لأن النكاح الفاسد لصداقه لا يجب فيه الصداق إلا بالدخول، فلو كان عنده فاسدا لم يوجب عليها شيئا في الطلاق قبل الدخول لأنه هو أعتقه ولم تقبض هي شيئا ولا وجب له عليها جميع قيمته من أجل أنه لما أعتقه بأمرها فكأنها قد قبضته وأعتقته، وقد روى أبو عبيد عن مالك أن النكاح على عبد فلان جائز، فعلى هذا يأتي في هذه الرواية، وإنما جوز مالك النكاح في هذه المسألة وإن كانت المرأة لم تملكه ولا كان لها ولاؤه لأنه مال من ماله بعد الشراء لو قال أعطيك مالا على أن تعتقه ويكون ولاؤه لك لجاز ذلك وصح له أخذ ما سمت له من المال، فهو لم يرض أن يخرجه عن ملكه إلا بأخذ بضعها في النكاح وإن لم يملكه طرفة عين ولا وصل إليها شيء من المهر، فلا بأس به، ألا ترى أنهم جوزوا أن تقول المرأة: أتزوجك على أن تهب عبدك لفلان أو تتصدق به عليه وإن لم يملكه ولا وصل إليها شيء من المهر، فهذا وجه قول مالك في هذه المسألة، وعلل ابن القاسم فساد
النكاح عنده بأنه لم يصل إليها من المهر شيء، قال: وإنما هو أعتقه، وله ولاؤه.
فعلى قوله لو تزوجها على أن يعتق عنها أباها ويكون لها ولاؤه لجاز النكاح خلاف قول ابن الماجشون في الواضحة، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أن النكاح جائز على أن يعتق أباها عن نفسه أو عنها، وهو قول مالك في هذه الرواية، والثاني أن النكاح لا يجوز على أن يعتق أباها لا عن نفسه ولا عنها وهو قول ابن الماجشون، والثالث أنه إن تزوجها على أن يعتقه عن نفسه لم يجز النكاح وإن تزوجها على أن يعتقه عنها جاز النكاح، وهو مذهب ابن القاسم في هذه المسألة على أصله في المرأة تقول لسيد زوجها أعتق عبدك عني ولك ألف درهم أن النكاح ينفسخ، وما حكاه ابن القاسم من اختلاف قول مالك في وجوب الرجوع له عليها في الطلاق بنصف قيمته ليس في المسألة المتقدمة المذكورة إنما هو في مسألة المدونة في الذي تزوج المرأة على أبيها أو على أخيها أو على من يعتق عليها ثم يطلقها قبل البناء بدليل اختيار ابن القاسم لقول مالك الأول كما اختاره في المدونة فيها، لأن المسألة المتقدمة المذكورة لا يوجب ابن القاسم للزوج فيها قبل الدخول شيئا من أجل أنه نكاح فاسد عنده، فوهم العتبي في سياقته عليها، ولا اختلاف بينهم إذا تزوجها على أبيها أو على أخيها أو على من يعتق عليها في أن النكاح جائز ويعتق عليها علما أو جهلا أو علم أحدهما دون الآخر، بكرا كانت أو ثيبا، قاله ابن حبيب في الواضحة.
وهذا في البكر إذا لم يعلم الأب أو الوصي، وأما إذا علم فلا يعتق عليها، واختلف هل يعتق عليه هو أم لا على قولين، وإذا أعتق عليها ولم تعلم وقد علم الزوج رجعت عليه بقيمته لأنه غار، وقد قيل إنه لا يعتق عليها إذا غرها به ويرد إليه ويكون عليه لها قيمته أو نصف قيمته إن طلقها قبل البناء، اختلف في ذلك قول ابن الماجشون، وقال ابن كنانة: إذا غرها يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويكون لها صداق المثل وتغرم له قيمته ويعتق عليها، وأما إن علمت ولم يعلم الزوج فلا رجوع لها عليه، وله هو إن لم يعلم علمت هي أو لم تعلم إن لم يكن لها مال أن يرد عتقه ليباع في جهازه وأن يرجع في نصفه إن طلقها قبل الدخول والحمد لله.
مسألة: ينكح الرجل الأمة نفسه التي قد أخدمها حياته
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال لا أحب أن ينكح الرجل الأمة نفسه التي قد أخدمها حياته وإن رضي بذلك الذي أخدمها لأنه بمنزلة الشريك ينكح حصة شريكه.
قال محمد بن رشد: إنما كره له أن يتزوجها لأنه من أجل أن له بوجوب خدمتها له حياته شبهة تسقط عنه الحد لو زنى بها عنده، قال ابن القاسم في سماع محمد بن خالد من كتاب الخدمة وإن تعمد ذلك بمعرفة كالأمة بين الشريكين فجرى على أصله، ومن يوجب عليه الحد إن زنى بها ولا يعذره بالجهالة وهو مذهب أشهب وابن الماجشون ومطرف وأبي المصعب ومحمد بن سلمة يجيز له نكاحها، وهو القياس، وابن وهب يفرق في إيجاب الحد عليه إن زنى بها بين أن يعذر بالجهالة أو لا يعذر، ولو كانت الخدمة مدة من الزمان يسيرة ولم تكن حياته لحد في الزنى باتفاق، وكان له أن يتزوجها.
مسألة: نكح بأرؤس ولم يبين حمران ولا سودان
مسألة قال مالك: وإن نكح بأرؤس ولم يبين حمران ولا سودان، فلها نصف القيمتين، قال سحنون: ينظر إلى البلد، فإن كان رقيقهم الحمران كان عليه الحمران، وإن كان سودان فسودان، قال سحنون: ويعطي الإناث من الرقيق ولا يعطي الذكور، وقال: وإن كان رقيق البلد حمران وسودان كان عليه نصف الرقيق من الحمران والنصف من السودان.
قال محمد بن رشد: إنما يكون له نصف القيمتين إذا كان رقيق البلد الذي يتناكحون عليه حمرانا وسودانا، وكان أصدقها عبدا واحدا أو ثلاثة أعبد، فإن كانوا ثلاثة كان عليه رأس من أوسط هذا الجنس، ورأس من أوسط هذا الجنس الآخر، ثم يكون عليه في الثالث نصف قيمة هذا الجنس يوم وقع النكاح ونصف قيمة هذا الجنس الآخر، وكذلك إذا أصدقها رأسا واحدا
للضرر في الاشتراك، والقيمة في ذلك يوم وقعت العقدة بينهما، أمسك أو طلق، قال ابن القاسم في رسم الجواب من سماع عيسى: والأشبه أن يأتي بعبد من هذا الجنس وبعبد من الجنس الآخر، فيكون شريكا لها فيهما على ما روى أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الجنايات في الذي يقطع أنملة رجل، أنه يأتي بالعشرة من الإبل دية للإصبع، كلها على أسنانها، فيكون المقطوع شريكا له فيها بقدر دية الأنملة، ثم يقتسمان بعد أو يبيعان، وإيجاب القيمة في ذلك يأتي على قولهم في الخلطاء: يجب عليهم سن واحدة في الزكاة، فقف على ذلك، ولو سموا في ذلك ثمنا لحكم به ولم يرجع في ذلك إلى القيمة، على ما سيأتي القول عليه في رسم الجواب من سماع عيسى، إن شاء الله، وبالله التوفيق.
مسألة: له على رجل خمسون دينارا فخطب إليه ابنته مقابل الخمسين
مسالة
وقال مالك في رجل كانت له على رجل خمسون دينارا، فخطب إليه ابنته أو أخته على أن يضع عنه الخمسين.
فكره مالك ذلك، وأن يؤخر إلى أجل أبعد من الأجل الذي يحل فيه ذلك أيضا، قال ابن القاسم: أما إذا وقع النكاح على أن يضع فهو بمنزلة الحباء الذي يشترط المنكح، فأراه للمرأة ويثبت النكاح، وأما تأخير الأجل فإنه حرام، وأرى أن يفسخ ذلك قبل الدخول وإن دخل بها رأيت أن تعطى صداق مثلها ويرد المال إلى أجله.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة عندي أن مالكا - رَحِمَهُ اللَّهُ - تكلم على أن الولي اشترط ذلك على الزوج في العقد دون تسمية الصداق فكره ذلك إذ لا تأثير له في فساد العقد إذ لم يقع عليه الصداق وهو في التأخير أشد، فيمضي النكاح وتسقط الوضيعة والتأخير، وتكلم ابن القاسم على أنه زوجه بصداق مسمى على ذلك، فوجب أن تكون الوضيعة كالحباء يشترطه الولي يجب للمرأة على وليها إن أحبت اتباعه به ويثبت النكاح وأن يكون التأخير فسادا في الصداق لأنه حط منه بسببه، فوجب أن يفسخ النكاح قبل
الدخول، وأن يكون فيها صداق المثل بعد الدخول، ظاهر قوله بالغا ما بلغ، كان أقل من المسمى أو أكثر منه، ويأتي على قياس المشهور من قوله في البيع والسلف، أن يكون لها بعد الدخول الأكثر من صداق مثلها أو المسمى، ويفسخ قبل الدخول على كل حال وفي كل قول، بخلاف البيع والسلف الذي يثبت إذا رضي مشترط السلف بتركه من أجل أنه بين المتبايعين وليس هو هاهنا بين الزوجين، وبالله التوفيق.
مسألة: جارية بكر حلفت على رجل أن عليها بدنة وكل ما تملك صدقة إن نكحته
مسألة قال مالك في جارية بكر حلفت على رجل أن عليها بدنة وكل ما تملك صدقة إن نكحته، فزوجها إياه أبوها ولم يؤامرها، فإن النكاح جائز ولا عتق عليها وهي مولى عليها في حجر أبيها.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا عتق عليها، خلاف ما في آخر سماع ابن القاسم من كتاب النذور، مثل قول سحنون فيه، لأن ذلك إنما سقط عنها من أجل التحجير اللازم لها في مالها لا من أجل أن الأب أكرهها على النكاح بما له من الحق في ذلك، إذ ليس ذلك مما يسقط عنها الحنث عنده على مذهبه في الحالف على أن لا يفعل فعلا، فقضى به عليه السلطان، في المدونة وغيرها خلافا لابن الماجشون.
الرجل يزوج ابنه صغيرا ويشترط على الأب نفقة امرأته
ومن كتاب أوله حلف أن لا يبيع رجلا سلعة سماها قال: وسئل مالك عن الرجل يزوج ابنه صغيرا، ويشترط على الأب نفقة امرأته، قال: لا خير في هذا، قال عيسى: سألت ابن القاسم عن هذا إذا وقع فقال: إن كان ذلك قبل أن يدخل فسخ، وإن دخل بها جاز، وكانت النفقة على الزوج، وقد قال مالك: رأيت لو مات الأب كان يوقف لها ماله، ولو كان عليه دين لكانت تحاص به الغرماء استنكارا لذلك، قلت له: فعبده؟ قال: لا خير في هذا، ولو
كان هذا لجاز في الحميل أن يتحمل بالنفقة، وقال ابن القاسم: قال لي هذا وما أشبهه، إلا أنه أكثر الكلام فيه على وجه الكراهية.
قال محمد بن رشد: حكى ابن المواز قول مالك: اختلف في اشتراط النفقة في النكاح على أب الصغير حتى يكبر، أو على ولي المولى عليه حتى يرشد، فمرة أجازه، ومرة كرهه، وقال بكل قول كثير أيضا من أصحاب مالك، وحكى ابن حبيب إجازة ذلك أيضا عن مالك من رواية ابن الماجشون وابن وهب عنه، وزاد أن ذلك لازم ما عاش الأب وكان الزوج مولى عليه، وإنما وقع الاختلاف في المسألتين من أجل أنه لم يقع في الشرط بيان إن مات الأب قبل بلوغ الصغير أو الولي قبل رشد اليتيم فسقطت النفقة بموتهما، هل تعود في مال الصغير ومال اليتيم أو لا تعود في مالهما إلى بلوغ الصغير منهما ورشد اليتيم، ولو وقع الشرط بإفصاح وبيان أنه لا نفقة على الصغير حتى يبلغ، عاش الأب أو مات قبل ذلك، ولا على اليتيم حتى يرشد عاش الولي أو مات قبل ذلك، لكان النكاح فاسدا باتفاق لانعقاده على غرر، إذ قد يموت الأب قبل بلوغ الصبي أو الولي قبل رشد اليتيم، فلا يكون للزوجة نفقة، ولو وقع أيضا بإفصاح وبيان أن النفقة تعود في مال الصغير إن مات الأب قبل بلوغه وفي مال اليتيم إن مات وليه قبل رشده، لكان النكاح جائزا باتفاق، إذ لا ضرر على الزوجة في الشرط على هذا الوجه ولا منفعة لها فيه، وإنما منفعته للصغير واليتيم بما التزم لهما من الإنفاق على زواجهما وتدبير أموالهما، فلما وقع الشرط مبهما محتملا للصحة والفساد حمله في أحد القولين على الصحة حتى يعلم فساده، ووجه ذلك أن النكاح قد انعقد فوجب ألا يفسخ إلا بيقين؛ وفي القول الثاني على الفساد حتى تعلم صحته، ووجه ذلك أن النكاح لما انعقد بين المتناكحين على الشرط دل على أن للزوجة في ذلك مدخلا، فوجب فساده، وقال ابن القاسم على القول بفساد النكاح: إنه إن دخل بها جاز النكاح وكانت النفقة على الزوج، ولم يبين إن كانت ترد إلى صداق مثلها أو يكون لها الصداق المسمى، وإرادته أن يكون لها صداق مثلها لأن الشرط له تأثير في الصداق إذا وقعت التسمية عليه، وهو الذي في الواضحة.
ولو اشترطت النفقة
في أصل العقد على غير الزوج، والزوج كبير مالك لأمر نفسه، لكان النكاح فاسدا يفسخ قبل الدخول، قال ابن حبيب عن مالك: إلا أن ترضى المرأة أن تكون نفقتها على الزوج، وذلك على القول في وجوب التخيير قبل البناء في النكاح الذي يقع بصداق بعضه مؤخر إلى أجل مجهول، ويثبت بعد البناء وتكون النفقة على الزوج، ولا يدخل الاختلاف الذي دخل في المسألة الأولى في هذه المسألة لظهور الغرر والفساد فيها بخلاف المسألة الأولى، وكذلك لا يجوز النكاح بشرط على أن يعطي الزوج بالنفقة حميلا، وإنما لم يجز ذلك لأن النفقة ليست بدين ثابت في ذمة الزوج كالصداق في النكاح والثمن في البيع، فيجوز اشتراط الحميل فيه، وإنما هو حق أوجبه الله للزوجات على أزواجهن، قيل: بحق العصمة، وقيل: بحق الاستمتاع بالزوجة، فإن عجز عنه لم يتبع به ذمته وكانت الزوجة بالخيار بين أن ترضى بالمقام معه على غير نفقة أو يفارقها، فإن اشترط الحميل بذلك كان النكاح فاسدا يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده وتسقط الحمالة، ويكون للمرأة صداق مثلها؛ لأن للشرط فيه تأثيرا إذ لم ترض بالتسمية إلا من أجل ما اشترطته من الحمالة.
ولو وقع الشرط في مسألة اشتراط النفقة على غير الزوج ببيان أن الذي اشترط عليه الإنفاق وإن مات أو طرأ عليه دين أو ما يبطل النفقة عندما رجعت على الزوج، لكان النكاح جائزا على قياس ما ذكرناه، وقد قيل: إنه نكاح يفسخ على كل حال؛ لأن شرط النفقة على غير الزوج خلاف لسنة المسلمين في النكاح، فهو نكاح فاسد يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويسقط الشرط، ويكون للمرأة صداق مثلها إن كانت التسمية على الشرط، وإلى هذا نحا أبو بكر الأبهري في كتابه، والذي قلناه أبين وأظهر في المعنى، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يريد أن يزوج بنت الأخ ولا يعرفها أحد من الناس
مسألة وسئل عن الرجل تكون عنده المرأة لا يعرفها أحد غيره مثل بنت الأخ وما أشبه ذلك، وهو يريد أن يزوجها ولا يعرفها أحد من الناس، كيف يشهد عليها؟ قال: يدخل عليها من لا يحتشم منه، ثم
يشهد على رؤيتها ثم يزوجها، ولقد استشارني الحسن بن يزيد في جارية كان يليها من آل أبي طالب، فأشرت عليه أن يرسل إليها من يرضى فيشهد عليها، فأرسل إليها رجلين فشهدا عليها ثم زوجها، قال عيسى: قال لي ابن القاسم: قال مالك: ولم يعرفها الشهيدان.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إنه إذا لم يوجد من يعرفها فلا بد أن يشهد على رؤيتها من لا يحتشم منه، فتسفر لهم عن وجهها ليثبتوا عينها كيما إن أنكرت بعد أن شهدوا عليها أنها هي التي أشهدتهم فيلزمها النكاح، وأما إن وجد من العدول من يعرفها فلا ينبغي لمن لا يعرفها أن يشهد عليها، فإن شهد عليها من لا يعرفها، وجد من يعرفها أو لم يوجد، فلا يصح لهم أن يشهدوا على شهادتهم أن فلانة بنت فلان أشهدتهم على الرضى بالنكاح؛ لاحتمال أن لم تكن هي التي أشهدتهم فيموتوا ويشهد على شهادتهم، فيلزم نكاحا لم ترض به ولا أشهدت به على نفسها؛ لأن إشهادهم على شهادتهم بذلك كشهادتهم به عليها عند حاكم، والحقوق بخلاف ذلك، قال مالك: لا أرى أن يشهد الرجل على من لا يعرف، ومثله لأصبغ في الخمسة، قال: وأما الحقوق من البيوع والوكالات والهبات ونحو ذلك، فلا يشهد عليها في شيء من ذلك إلا من يعرفها بعيبها واسمها ونسبها، والفرق بين النكاح وما سوى ذلك من الحقوق أنه يخشى وإن لم يشهدوا على شهادتهم في الحقوق أن يموتوا فيشهد على خطوطهم، فتلزم باطلا لم تشهد به على نفسها.
وعلى ما جرى العمل به عندنا من أنه لا يقضى بالشهادة على خط الشاهد إلا في الأحباس وما جرى مجراها، يستوي النكاح في ذلك وما سواه من الحقوق، ولا يكون على الرجل حرج في أن يضع شهادته على من لا يعرف في الحقوق كما يضعها عليه في النكاح إذا لم يشهد على شهادته بذلك، وقد استجاز ذلك العلماء قديما وأن يقيدا في عقد إشهاد الوثيقة معرفة العين والاسم لما في ذلك من تحصين الحقوق، وأما عند أداء الشهادة فلا يحل للشاهد أن يشهد بإجماع إلا على من يثبت عينه ويعرف أنه هو الذي أشهد دون شك في ذلك ولا ارتياب.
المرأة من الأعراب زوجت ابنة لها وهي صغيرة محتاجة في بعض المياه
من كتاب أوله شك في طوافه قال: وسئل مالك عن المرأة من الأعراب زوجت ابنة لها وهي صغيرة محتاجة في بعض المياه، فكتب إليه صاحب ذلك الماء يسأله عن ذلك وقال: إن أمها تقول: إنما زوجتها إنها كانت محتاجة تسأل النساء وتطوف عليهم فزوجتها نظرا لها، وقد عرف الناس ذلك من شأنها أنها كانت ساعية محتاجة تطوف.
قال مالك: ابنة كم هي؟ قال: ابنة عشر سنين، قال: والجارية راضية؟ قال: نعم راضية بذلك، قال: أراه نكاحا جائزا.
وقد «بنى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعائشة وهي ابنة تسع سنين أو عشر سنين» قال: ولو كانت صغيرة لم أر ذلك نكاحا، قال سحنون: محمل هذه المسألة على أن الأم وكلت من زوجها من الرجل، وهي مسألة ضعيفة.
قال محمد بن رشد: إنما قال سحنون في هذه المسألة: إنها مسألة ضعيفة، وإن تأول فيها أن الأم وكلت من زوجها؛ إذ لا يجوز للأم أن توكل من يزوج ابنتها إلا إذا كانت وصية، ولم يراع ذلك مالك على أصله في رواية ابن القاسم عنه، أن المرأة الدنية يجوز أن يزوجها الرجل الأجنبي، ولا أدنى في المرتبة من امرأة ساعية تطوف بالأبواب، فإذا زوجها الأجنبي جاز ولم يكن لتقديم الأم في ذلك تأثير، وأجاز النكاح وإن كان مذهبه أن اليتيمة لا يجوز تزويجها قبل البلوغ، لما أخبرته أنها خشيت عليها الضيعة فرأى ذلك كما قالت إذ كانت في سن من يوطأ مثلها، ورأيت العشر سنين ونحوها ممن يوطأ مثلها، بدليل بناء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وهي في هذا السن، قال: ولو كانت صغيرة - يريد في سن لا يوطأ مثلها ولا يشتهى - لم أر ذلك نكاحا، إذ لا يخشى
عليها الضيعة في هذا السن، ولا تدعو الضرورة إلى تزويجها فيه، فهذا وجه تفرقة مالك بين الصغيرة التي لا يوطأ مثلها والبالغة التي يوطأ مثلها، وسأل: هل كانت راضية؟ إذ لا يجوز أحد من أهل العلم للولي أن يزوج يتيمة قبل البلوغ وهي كارهة، إذا كانت قد بلغت من السن ما يعرف به ما يميل به نفسها إليه، مما فيه صلاحها، وما تنفر عنه مما فيه ضرر عليها، ولو كانت كارهة لما جاز النكاح عليها بحال.
وقد اختلف إذا زوجت اليتيمة قبل البلوغ من غير حاجة تدعو إلى ذلك في المذهب اختلافا كثيرا، فقيل: إن النكاح يفسخ قبل الدخول وبعده، وإن طال وولدت الأولاد، ورضيت بزوجها، وإلى هذا ذهب ابن حبيب في الواضحة وعزاه إلى مالك وأصحابه، وقيل: يفسخ قبل الدخول وبعده، إلا أن يطول بعد الدخول فلا يفسخ، وهو قول ابن القاسم في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، وفي سماع زونان وفي كتاب ابن المواز، وقيل: إنه يفسخ بعد الدخول إلا أن يطول وتلد مع ذلك الأولاد، وهو قول أصبغ، ولم ير الولد الواحد والسنتين في ذلك طولا، وقيل: إن الخيار لها إذا بلغت، فلا يفسخ إذا لم يعثر عليه حتى بلغت فرضيت، أو دخل بها بعد البلوغ وهي عالمة أن لها الخيار، ويفسخ إذا عثر عليه قبل البلوغ، وكذلك إذا بلغت فأنكرت، وإن كان ذلك بعد الدخول، ما لم يطل الأمر بعده، وهو الذي يأتي على ما في رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب.
وقيل: إنه يكره النكاح، فإذا وقع لم يفسخ، وهو نص قول مالك في رسم البز بعد هذا، وظاهره في سماع أشهب أيضا، لأنه وقف في التفرقة بينهما ولم يفرق بين قبل الدخول وبعده، وقيل: إنه إن زوجت وقد شارفت الحيض وأنفست، فلا يفسخ النكاح، وهو قول أصبغ في سماعه، خلاف ما له في الواضحة والموازية.
فمن قال: إنه يفسخ أبدا، رآه عقدا وقع في غير موضعه ففسد لعقده، ومن قال: إن الخيار لها إذا بلغت، رأى الحق لها في ذلك؛ إذ عقد عليها في حال لا يعرف فيه رشدها، فجعل العقد موقوفا على خيارها إذ لم ينعقد النكاح على خيار، وإنما كان الخيار أمرا أوجبه الحكم،
كالعبد يتزوج بغير إذن سيده والسفيه بغير أمر وليه.
وما سوى هذين القولين فلا وجه له إلا الاستحسان؛ مراعاة لقول من يرى للولي إنكاح وليته اليتيمة قبل بلوغها، بظاهر قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: 3] وقوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] وقد قال ابن القاسم في رسم لم يدرك من سماع عيسى: إنه أمر جل الناس قد أجازوه، وقد زوج عروة بن الزبير بنت أخيه وهي صبية ابنه، والناس يومئذ متوافرون، وعروة من هو، وإذا فسخ النكاح على مذهب من يرى فسخه فالفسخ فيه طلاق، وما طلق فيه الزوج قبل الفسخ لزمه، ويكون فيه الميراث بينهما إن مات أحدهما قبل الفسخ، وجميع الصداق المسمى في الموت قبل الدخول وبعده، ونصفه إن طلق قبل الدخول وقبل الفسخ.
مسألة: أوصى عند موته بميراث ابنة له صغيرة أن يدفع إلى رجل هل له تزويجها
مسألة وسئل مالك عن رجل أوصى عند موته بميراث ابنة له صغيرة أن يدفع إلى رجل [أترى أن يلي بضعها في إنكاحها؟ قال: لا أرى ذلك حسنا، ولو رفع ذلك إلى السلطان ينظر فيه، قلت: فإن أباها قد أوصى بتزويجها وتعجيل ذلك، وهي ابنة ثماني سنين، فقال: أرى أن يعجل ذلك، فقيل له: إنها ابنة ثماني سنين، فقال: أليس قد أوصى أبوها بذلك؟ قال: نعم، فأرى أن يفعل ذلك، فقيل له: فإن معها حاضنة لها تقوم عليها، أفترى أن ينفق عليها من مالها؟ قال: نعم، أليس لها ما يحملها؟ قالوا: لها غلة وهي قليلة، قال: أرى أن ينفق عليها وهي ( ... ) وتكفلها وتكفل مؤونتها.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي أوصى بميراث ابنة له صغيرة أن
بدفع إلى رجل، إني لا أرى ذلك حسنا، فيما سئل عنه من ولاية بضعها في النكاح، ليس معناه أنه استحسن أن يلي العقد عليها ولا يرفع ذلك إلى السلطان، وإنما معناه إني لا أرى إمضاء ذلك حسنا إن فعل، بدليل قوله: لو رجع ذلك إلى الإمام ينظر فيه، لأن معناه: ولو رفع ذلك إلى الإمام ينظر فيه لكان أحسن، ويؤيد هذا قوله في المدونة فيمن أوصى إلى رجل أن يتقاضى دينه ويبيع تركته: لو زوج بناته لرجوت أن يكون واسعا، ولكن أحب إلي أن يرفع ذلك إلى السلطان حتى ينظر فيه، والقياس ما قاله ابن حبيب أنه إذا قال: فلان وصي على مالي، فليس بوصي على الولد في تزويجهم؛ وإنما يكون وصيا في تزويجهم إذا قال: فلان وصيي، ولم يزد، أو قال: فلان وصيي على بضع بناتي، وقوله: إذا أوصى بتزويج ابنته وتعجيل ذلك وهي بنت ثماني سنين، إن وصيته جائزة، يريد: سمى له الزوج أو فوض إليه الرضا؛ لأن ابن حبيب حكى عن مالك وأصحابه أنه قال: إذا قال له: زوج ابنتي من فلان أو ممن ترضى، نزل في ذلك بمنزلته وكان له أن يزوجها قبل بلوغها وبعد بلوغها بغير مؤامرتها، وإنما الذي لا ينزل في ذلك بمنزلته ويكون أحق بتزويجها من الأولياء بعد بلوغها ومؤامرتها إذا قال: فلان وصيي فقط، أو قال: فلان وصيي على بضع بناتي، قال: وسواء كانت بناته أبكارا أو ثيبات، قال: وكذلك كل من كانت ولاية تزويجها إلى الموصي فالوصي أحق بتزويجهم من الأولياء إذا قال: فلان وصيي، ولم يزد على ذلك، وقال سحنون: ليس بولي في الثيب التي لا ولاية له عليها، وقال أصبغ: الولي أولى منه، وروى علي بن زياد عن مالك في رجل أوصى بابنته إلى رجل وأمره أن يزوجها إذا بلغت رجلا سماه، أن ذلك ليس بجائز عليها إذا بلغت فكرهت ذلك، وليس بمنزلة إنكاح الأب إياها إذا بلغت وهي كارهة، لأن الرجل قد يكون مرضيا مرغوبا فيه ثم يتحول حاله عن ذلك بعد، ولعل الأب لو عاش حتى تبلغ ابنته لم ينكحها حينئذ، وقد كان قبل ذلك راضيا مغتبطا، ولعله لو عاش لم يكره ابنته على
النكاح وإن كان به راضيا، ولأصبغ ها هنا في بعض الروايات أن وصية الأب جائزة عليها إلا أن يكون الذي أمر بتزويجها منه فاسدا فاسقا شريبا سكيرا، فلا تزوج منه إذا كرهته، أو يكون يوم أمر الأب بتزويجه حسن الحال ثم يخرج إلى الفسق وشرب الخمر والدعارة، فإذا كان هذا وكرهته أبطل الحكم عنها وصية الأب، قال: وعلى الوصي بما يلزمه من النظر لمن يلي أن لا يزوجه وأن يمنعه، ويرفعه إلي من يسقط ذلك عنه من الحكام وإن رضيت به، هذا قوله مختصرا وفيه اضطراب فتدبره.
وإيجابه للحاضنة النفقة في مال المحضونة خلاف ما في طلاق السنة في رسم شك من سماع ابن القاسم، وفي أول رسم من سماع أشهب، والاختلاف في هذا جار على اختلافهم في الحضانة هل هي من حق الحاضن أو من حق المحضون، فمن رآها من حق المحضون أوجب للحاضن أجره في حضانته، وكذا في سكناه معه، ومن رآها من حق الحاضن، لم يوجب له ذلك لأنه لا يستقيم أن يكون من حقه أن يكفله ويؤويه إلى نفسه، ويجب له بذلك عليه حق، وفي سماع ابن القاسم من كتاب الوصايا تفرقة لا تخرج عن القولين، وبالله التوفيق.
مسألة: رجل تزوج امرأة وشرط لها إن تزوج عليها أو تسرر فأمرها بيدها
مسألة وسئل مالك عن رجل تزوج امرأة وشرط لها إن تزوج عليها أو تسرر فأمرها بيدها، فأقامت معه نحوا من سنة يطؤها في ذلك، ثم قالت له: ألم تكن جعلت لي إن تزوجت علي أو تسررت فأمري بيدي؟ فقال: بلى، فقالت: إن فعلت فقد اخترت نفسي ثلاثا، ثم بدا لها بعد ذلك أن تأذن له، وحرم ولدها فأحبت أن توسع عليه فأذنت له، قال مالك: ما أرى أن تفعل ذلك، فقيل له إنه: قد تسرر عليها حين أذنت له، قال: فأرى أن يعتزل امرأته، قيل له: أيخلي سبيلها؟ قال: نعم، قال ابن القاسم: ويفارقها ثلاثا ولا محل له، قال ابن القاسم: وقال لي الليث بن سعد مثله.
قال محمد بن رشد: في سماع أصبغ عن أشهب خلاف هذا، أن الطلاق باطل لا يلزم، لأنها قضت قبل أن يجب لها القضاء، فلم يكن ذلك لها، كما قال: إنها إذا أذنت له فتزوج أو تسرى، كان لها أن تقضي إن تزوج أو تسرى لأنها أسقطت حقها قبل أن يجب لها، وقد مضى القول على هذا في أول رسم من السماع.
مسألة: ابنتي عم أيجمعان في النكاح
مسألة وسئل مالك عن ابنتي عم أيجمعان؟ فقال: ما أعلم حراما.
قيل له: أفتكرهه؟ فقال: إن ناسا ليقولونه، وقال لنا قبل ذلك: وغيره أحسن منه، قال ابن القاسم: وهو حلال لا بأس به.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، لأن النهي إنما ورد عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الجمع بين ذوات المحارم بيانا لما في كتاب الله عز وجل من النهي عن الجمع بين الأختين؛ إذ هما ذوات محارم، وابنتا العم إذا لم يكونا أختين لا حرمة بينهما، لو كان أحدهما رجلا جاز له أن يتزوج الأخرى، فمن كره الجمع بينهما إنما اتقى ذلك من ناحية العداوة التي تتقى أن تقع بينهما بذلك، ولا ينبغي أن يكون التقاطع بين ذوي الأرحام، والله الموفق.
مسألة: الخصيان أيدخلون على النساء ويرون شعورهن
مسألة وسئل مالك عن الخصيان أيدخلون على النساء ويرون شعورهن؟ فقال: أما الأحرار فلا، وأما العبيد فلا أرى به بأسا، كان لها أو لزوجها أو لغيره، إذا كان وغدا، وكرهه إذا كان له منظر، وسئل عن الخصي إذا كان خادم الرجل في منزله أيرى فخذه مكشوفا عنها؟ فقال: ذلك خفيف.
قال: وسئل عن خادم المرأة ترى فخذ الرجل منكشفا قال: لا ليست له، قال الله تبارك وتعالى:
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] فخادم امرأته كغيرها في هذا.
قال محمد بن رشد: لم ير مالك الخصيان من غير أولي الإربة من الرجال الذين أباح الله للنساء أن يبدين لهم زينتهن، إذ قد يحتاج الخصي إلى أشياء من أمور النساء ويتزوج، ولعله إنما خصي بعد أن اطلع على عورات النساء وعرف محاسنهن، وإذا كان النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قد نهى أزواجه من أن يدخلن المخنثين عليهن لما سمعه من فطنتهم لمحاسن النساء، فالخصيان بالمنع من الدخول على النساء أولى، وهم بذلك أحرى، واستخف أمر العبيد منهم إذا كانوا أوغادا ولم تكن لهم مناظر، كانوا للمرأة أو لزوجها أو لغيرهما؛ استحسانا، والقياس ما في رسم طلق بعد هذا من التفرقة بين أن يكون الخصي لها أو لزوجها أو لغيرهما؛ إذ لم يجعله من أولي الإربة.
وقد اختلف في غير أولي الإربة الذين عناهم الله بقوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ﴾ [النور: 31] فقيل: هو الأحمق والمعتوه الذي لا يهتدي لشيء من أمور النساء، وقيل: هو الحصور والعنين الذي لا ينتشر ولا حاجة له في النساء، ولما كان الخصي مثله في المعنى، استخف مالك في هذه الرواية أن يدخل على المرأة إذا كان عبدا وغدا، وإن لم يكن لها ولا لزوجها، على أصله في مراعاة الخلاف، واستخف أن يرى فخذ الرجل مكشوفا عنها لما جاء من أن الفخذ ليس بعورة، وأما رؤية خادم المرأة فخذ الرجل منكشفا عنها فالمنع في ذلك بين لأن حكم المرأة في النظر إلى الرجل الأجنبي كحكم الرجل في النظر إلى ذوات محارمه، بدليل إباحة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة بنت قيس أن تعتد عند ابن أم مكتوم الأعمى، ولا يجوز للرجل أن ينظر إلى فخذ أمه، وقد قيل: إنه لا يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يجوز للرجل أن ينظر من المرأه، ومن حجة هذا القائل أن الله تعالى قال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 31] كما قال:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] فوجب أن يتساووا فيما يجب عليهم من غض أبصارهم، ولا يلزمه ذلك لأن كل واحد منهم أمر أن يغض بصره عما لا يحل له النظر إليه، على ما بينته السنة، وما روي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لميمونة وأم سلمة إذ قالتا له وقد أمرهما أن يحتجبا من ابن أم مكتوم: أليس هو أعمى لا يبصرنا؟ أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه» هو خاص في أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدليل حديث فاطمة، والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: النساء يطرفن أصابعهن بالحناء
مسألة وسئل عن النساء يطرفن أصابعهن بالحناء، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وجه السؤال عن هذا أن السائل خشي أن يكون ذلك من ناحية الوشم والتغيير لخلق الله الذي جاء فيه ما جاء، روي أن «عبد الله بن مسعود قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، ما لي لا ألعن من لعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو في كتاب الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7] » فلم يره من ذلك، لأنه إذا جاز للمرأة أن تخضب جميع يديها بالحناء جاز لها أن تخضب منهما ما شاءت، أطراف أصابعها أو غير ذلك؛ إرادة التزين لزوجها، هذا الذي ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وقد جاء فيه النهي عن عمر بن الخطاب، روي عنه أنه خطب فقال: يا معشر النساء، إذا اختضبتن فإياكن والنقش والتطريف ولتختضب إحداكن يديها إلى هذا، وأشار إلى موضع السوار، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يتزوج المرأة بدروع وقراقل وثياب
مسألة وسئل مالك عن الرجل يتزوج المرأة بدروع وقراقل وثياب
يدفعها إليها أتلبسها؟ قال: نعم إن بنى بها، قال: نعم هي مثل الدراهم، قال ابن القاسم: يريد أن ينتفع بالشيء الخفيف منها مخافة أن يطلقها.
قال محمد بن رشد: فلو لبستها حتى أبلتها ثم طلقها لوجب عليها نصف قيمتها على هذه الرواية، خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك وغيره، وخلاف ما في رسم الطلاق الأول من سماع أشهب من كتاب طلاق السنة، وخلاف ظاهر ما في المدونة لابن وهب.
وهذا الاختلاف عندي جار على اختلافهم في وجوب النفقة على الزوج بالعقد وإن لم يدع إلى الدخول، فمن أوجب عليه النفقة والكسوة لم يلزمها فيما أبلت من الكسوة باللباس شيئا لأن ذلك كان واجبا لها عليه عنده، وكذلك ما أكلت من الصداق قبل الدخول يجري على هذا الاختلاف، بخلاف ما أدت منه في دين عليها، وسيأتي القول عليها في رسم نذر سنة.
مسألة: تزوجها وشرط لها إن هو تسرر ما عاشت فكل امرأة يتزوجها طالق البتة
مسألة وسئل مالك عن رجل تزوج امرأة وشرط لها وكتب عليه كتابا إن هو تسرر أو تزوج ما عاشت، فكل امرأة يتزوجها طالق البتة، وكل جارية يتسررها حرة لوجه الله العظيم، فطلقها البتة، ثم إنها تزوجت رجلا، ثم طلقها، ثم تزوجها بعدما طلقها، ثم أراد أن يتزوج أو يتسرر، فقامت عليه بكتابها وقالت: قد قلت: ما عشت، فليس لك أن تتزوج ما عشت ولا تتسرر، وقال الرجل: ليس هذا الذي أردت، إنما أردت ما كانت تحتي، ولم أرد أن أطلقك وأقيم لا أتزوج ولا أتسرى، قال مالك: أرى أن ينوى ويكون ذلك له، قال ابن القاسم: وقد قال هذا القول قبل ذلك بسنين سواء.
قال محمد بن رشد: جوابه في هذه المسألة على القول بأن اليمين على نية الحالف لا على نية المحلوف له، وتنويته إياه مع أن ذلك شرط عليه في أصل
النكاح، خلاف أصله في المدونة، فمن شرط لامرأته أن أمرها بيدها إن تزوج عليها أنه ليس له أن يناكرها، وقوله: إنه ينوي ويكون ذلك له، يريد مع يمينه، كذلك في سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق في هذه المسألة إذا تطوع بذلك لامرأته من غير شرط، فهذا أحرى في وجوب اليمين وتنويته إياه مع أنه إنما تزوج عليها وهي في عصمته بعد أن طلقها ثلاثا وبعد أن تزوجت غيره على أصله في المدونة في أن من شرط لامرأته طلاق الداخلة عليها تنحل عنه اليمين لخروج زوجته عن عصمته بالثلاث، خلاف ما حكى ابن حبيب عن مالك من رواية مطرف عنه وعن ابن الماجشون وابن أبي حازم وغيره من كبار أصحاب مالك من أن اليمين لا تنحل عنه لأن الشرط في اليمين في الدخلة وليس فيها.
ولو حلف بهذه اليمين متطوعا دون استحلاف ولا شرط لكانت له نيته على ما وقع في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة، ولا يكون له على القول بأن اليمين على نية المحلوف له وإن لم يكن مستحلفا، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: ينوى، ولا ينوى، والفرق بين الطواعية والشرط، وبالله التوفيق.
مسألة: رجل تزوج امرأة وشرط لها ألا يخرج بها من المدينة إلا برضاها
ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة قال: وسئل عن رجل تزوج امرأة وشرط لها ألا يخرج بها من المدينة إلا برضاها، فإن خرج بها بغير رضاها فأمرها بيدها، فخرج من المدينة على ليلة وأذنت له، ثم قالت له بعد أن خرجت معه وأقام بها في ذلك الموضع: ردني إلى المدينة، أترى لها ذلك؟ قال: نعم أرى لها ذلك.
قال محمد بن رشد: يحتمل أن يكون إنما وجب عليه أن يردها لأن المرأة تقول: إنما أردت بما اشترطت عليك أن لا تخرجني من المدينة إلا برضاي، ألا تسكن في سواها إلا برضاي، فإن كنت قد أذنت لك في أن تخرجني، فلا أرضى أن تسكن بي إلا في المدينة، فإما رددتني إليها وإما كان أمري بيدي،
فرأى ذلك مالك لها، وجعل التمليك على نيتها في ذلك، ويحتمل أن يكون رأى ذلك هو المعنى المقصود إليه بالإخراج لا نفس الإخراج، فحمل اليمين على ذلك ولم يلتفت إلى اللفظ، وكذلك قال في رسم المحرم من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق، وإن كان تطوع لها باليمين من غير شرط، فيحتمل أيضا أن يكون جعل اليمين على نيتها لأنها هي المحلوف لها، ويحتمل أن يكون راعى المعنى عنده ولم يلتفت إلى اللفظ؛ وفرق في رسم سلف من سماع عيسى، بين أن يتطوع لها في اليمين أو يكون شرطا عليه في أصل عقد النكاح، فقال: إنه إن كان تطوع لها باليمين لم يكن عليه أن يردها، بخلاف إذا شرط ذلك لها فجعل اليمين في الشرط على نيتها، وفي التطوع على نيته، وروى سحنون عن ابن القاسم في رسم سلف المذكور أنه ليس عليه أن يردها، وإن كان ذلك بشرط على ظاهر اللفظ، ووجه ذلك أنه حمل الشرط على ألا يسكن بها في غير المدينة إلا بعد أن ترضى بذلك، فرأى أنه إذا أذنت له أن يخرجها فقد رضيت أن يسكن بها في غيرها ولم يلتفت إلى تماديها على الرضى بذلك، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أنه يلزمه أن يردها في الوجهين جميعا، والثاني أنه لا يلزمه أن يردها في الوجهين جميعا، والثالث الفرق بين الشرط والطواعية.
مسألة: رجل تزوج امرأة وشرط لها إن تسرر عليها فامرأته طالق البتة
مسألة وسئل مالك عن رجل تزوج امرأة وشرط لها إن تسرر عليها فامرأته طالق البتة فلما حضرته الوفاة قال لابن جارية له: هو ابني، قال مالك: أرى أن يلحق به الولد ويكون للمرأة ميراثها.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال؛ لأن الرجل إذا استلحق ابنا في مرضه لحق به، فيلحق به الولد وتكون أمه أم ولد حرة من رأس المال، ويكون للمرأة ميراثها، لأنه كالمطلق في المرض إذ لم يعلم ما قال إلا بقوله في مرضه الذي مات منه، ولو صح من مرضه لبانت منه بإقراره ولم تحل له إلا بعد زوج، وبالله التوفيق.
مسألة: النصراني يسلم وله أخت نصرانية فتريد التزويج أيزوجها هو
مسألة وسئل عن النصراني يسلم وله أخت نصرانية فتريد التزويج، أيزوجها أخوها هذا المسلم؟ قال: أمن نساء أهل الجزية هي؟ قالوا: نعم، قال: لا يزوجها، قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 72] قال ابن القاسم: إذا كان الأخ والأخت معتقين فأسلم الأخ والأخت نصرانية فهو يزوجها، وإنما التي لا يزوج إذا كانت من أهل الصلح.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة يتحصل فيها عندي ثلاثة أقوال: أحدها أنها إذا كانت من أهل الصلح لم يجز لوليها المسلم أن يزوجها لأن أهل الصلح ولاتها دونه، وإن لم تكن من أهل الصلح كان له أن يزوجها، كان عليها جزية أو لم تكن، إذا لم تكن من أهل الصلح ولا داخلة معهم في جزيتهم، وهو قول مالك ها هنا على ما فسره ابن القاسم، فسواء على ظاهر قوله كان الأخ والأخت معتقين لمسلم، فلم يكن عليهما جزية، أو لنصراني فكانت عليهما الجزية، إذا كان النصراني الذي أعتقهما ليس من أهل الصلح، لأنه إن كان من أهل الصلح فمعتقه من أهل الصلح، والثاني أنه لا يجوز أن يزوجها، كانت من أهل الصلح أو لم تكن، كانت عليهما جزية أو لم تكن، وهو قول ابن القاسم في رسم باع شاة لأنه قال فيه: لا يزوج المسلم النصرانية، كانت أخته أو ابنته أو مولاته، لا يزوج المسلم النصرانية لا مسلما ولا نصرانيا، ومولاته لا جزية عليها وإن كان أعتقها وهو مسلم، والثالث أنه يزوجها، كانت من أهل الصلح أو لم تكن، كانت عليها جزية أو لم تكن، إلا أن تكون من أهل الصلح، فيكون هو أولى بتزويجها منه إن شاحوه في ذلك لأنهم إنما صالحوه وبذلوا الجزية على أن يخلي بينهم وبن نسائهم، وهو قول ابن القاسم في سماع زونان وأصبغ، وقول أصبغ في الواضحة، وذهب ابن لبابة إلى أنه لا اختلاف في المسألة وأن أقوالهم ترجع إلى أنها إن كانت ممن عليها جزية فلا يزوجها المسلم، كانت
من أهل الصلح أو لم تكن، وإن لم تكن عليها جزية فيزوجها، بأن يحمل رواية عيسى في رسم باع شاة على أنه أراد مولاته التي أعتقها وهو نصراني ويحمل ما في سماع زونان على أنهما معتقان لمسلم، وبالله التوفيق.
البكر تقيم مع زوجها الستة الأشهر فيعترض له عنها ثم يطلقها زوجها
ومن كتاب أوله ليرفعن أمرا إلى السلطان قلت لابن القاسم: أرأيت البكر تقيم مع زوجها الستة الأشهر، فيعترض له عنها ثم يطلقها زوجها، أترى لأبيها أن يزوجها من غير أن يؤامرها؟ قال: أرى أن يؤامرها، قال: فإن زوجها ولم يؤامرها رأيت النكاح جائزا.
قال محمد بن رشد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: استحب أن يستأمرها إذا أقامت مع زوجها الستة الأشهر أو نحوها مراعاة لقول من لا يرى للأب أن يزوج ابنته البكر إلا برضاها، بظاهر قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الأيم أحق بنفسها من وليها» إذ الأب ولي من الأولياء، والأيم يقع على من لا زوج لها، كانت بكرا أو ثيبا، فإن لم يفعل وزوج مضى النكاح، وهذا إذا أقرت بذلك على نفسها قبل أن يزوجها أو بقرب ما زوجها، وأما إن زوجها وهي غائبة بعيدة الغيبة أو حاضرة فلم يعلم حتى طال الأمر، فإنها تتهم على إمضاء النكاح بإقرارها على نفسها أن زوجها الذي دخل بها لم يصبها.
وأما التي لم تقم مع زوجها إلا اليسير الشهر أو الشهرين، فهي بمنزلة التي لم يدخل بها زوجها، لا وجه للاستحباب في ذلك عنده، قاله مالك في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، وأما إذا أقامت مع زوجها العام فما فوقه فهي بمنزلة الثيب لا يزوجها إلا برضاها، فإن لم يستأمرها لم يلزمها النكاح، قاله في المدونة.
مسألة: امرأة تزوجت رجلا شرطت عليه ألا يخرج بها إلا برضاها أو رضى أبيها
مسألة وسئل مالك عن امرأة تزوجت رجلا شرطت عليه ألا يخرج
بها إلا برضاها أو رضى أبيها، قال مالك: لا أدري ما رضاها أو رضى أبيها؟ إن كان الشرط برضاها مع رضى أبيها فليس له أن يخرج بها حتى يرضيا، وإن كان رضاها وحدها فله أن يخرج بها إذا رضيت، فقال له زوجها: إنها بكر ولم أدخل بها بعد، قال: لا يضرك ذلك، والبكر والثيب يا هذا سواء، إذا رضيت البكر وكان الرضى لها دون أبيها فله أن يخرج بها.
قال محمد بن رشد: لم يذكر في السؤال أن الشرط مقيد بطلاق ولا تمليك، وإيجاب مالك عليه إن كان الشرط برضاها مع رضى أبيها، ألا يخرج بها حتى يرضيا جميعا، يدل على أنه إنما تكلم على أن الشرط مقيد بطلاق على ما في رسم إن أمكنتني، من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق، ولو كان الشرط مقيدا بتمليك لكان الاعتبار رضاها دون رضى أبيها لأن الشرط إنما أخذ لها، فإن رضيت أن يخرج بها وكانت هي المملكة كان ذلك إسقاطا لحقها، وإن كان الأب هو المملك كان ذلك منه رضى بالبقاء مع زوجها وأمر الأب باتباع رأيها إلا أن يبدر فيطلق قبل أن ينهاه السلطان فينفذ الطلاق على ما يأتي في رسم استأذن من سماع عيسى.
وإن كانا جميعا مملكين لم يكن له أن يطلق دونها إذ قد رضيت هي بإسقاط حقها، ولو خرج بها دون رضاهما جميعا لم يكن لأحدهما أن يقضي بالفراق دون صاحبه لأنهما جميعا مملكان فيه، فليس لأحدهما أن ينفرد به، ولو لم يكن الشرط مقيدا بشيء لم يلزم ذلك الزوج بحكم على مذهب مالك وجميع أصحابه إلا أنه يستحب له الوفاء به عندهم لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج» وإنما توقف مالك في شرط الرجل لامرأته أن لا يخرج بها إلا برضاها أو رضى أبيها فقال: لا أدري ما رضاها ورضى أبيها، إلى آخر قوله؛ لأن لفظة (أو) لها مواضع في وضع اللسان يصلح منها ثلاثة في هذا المكان، أحدها أن يكون أراد بها التخيير بين الرضاءين، كقول الله عز وجل: