كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة: يقول لامرأته أنت طالق إن خرجت إلا برضاك فيفعل
مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل يقول لامرأته: أنت طالق إن خرجت إلا برضاك، أو فعلت كذا وكذا إلا برضاك فيفعل، فقامت عليه البينة، فقال: قد أذنت لي، وقالت: ما أذنت لك.
قال: هي طالق، وهي مثل مسألة الدين، وكذلك كل ما كان مثل هذا الوجه، وهو قول المخزومي: وإن صدقته لم يكن لي بد من أن أحلفه بالله: لقد أذنت له.
قال محمد بن رشد: قوله: وهي مثل مسألة الدين؛ يريد مسألة الرجل يحلف بطلاق امرأته إن لم يقض رجلا حقه إلى أجل سماه، وقد مضى القول فيها في آخر أول رسم، من سماع ابن القاسم، فما ذكرناه من الاختلاف فيها إذا حل الأجل، وزعم أنه قد قضاه، وزعمت المرأة أنه لم يقضه، وأنه قد حنث فيها بالطلاق، يدخل في ذلك إذا وطء، وزعم أنها قد أذنت له قبل الوطء يصدق في قول؛ أنها قد أذنت له، وإن أنكرت أن تكون أذنت له، ولا يصدق في قول، وإن أقرت أنها قد أذنت له، ويكلف بإقامة البينة أنها أذنت له قبل أن يطأ، ومعنى ذلك إذا كان له طالب باليمين غيرها، وقال أصبغ في نوازله: وإن كانت زوجته أو أم ولد ومن أشبهها ممن لا يشهد على مثله صدق إذا ادعى الإذن وجاء مستفتيا، وإن كان مشهودا عليه ومخاصما، كلف البينة على الإذن؛ وإلا أمضى عليه السلطان بدليل قوله: إنه لا يصدقه في غيرهما ممن يشهد على مثله، وإن أتى مستفتيا، وهو بعيد والصواب أن يصدق فيمن يشهد عليه إن أتى مستفتيا، وفي الزوجة وأم الولد، وإن كان مشهودا عليه ومخاصما، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته أنت طالق لئن لم تقومي لأصبن الزيت في البلاعة
مسألة وسئل عن الرجل يقول لامرأته: قومي في الليل وسهرت، فإن الزيت غالٍ، فقالت: لا، فقال: أنت طالق؛ لئن لم تقومي لأصبنه
في البلاعة، فلم تقم فصبه دون البلاعة.
فقال: هو حانث إذا صبه دون البلاعة، إلا أن يكون نوى لأهريقنه، أو لأتلفنه، وكانت تلك نيته إذا لم تقم؛ لأن مالكا قال في مسألة الرجل يحلف لامرأته لتبيتن في هذا البيت، فتبيت على دكان في باب البيت؛ لأنها استأذنته على بيت أهلها، فأبى وحلف بما حلف به، وذكر مسألة مالك في رجل يشتري ثوبا لامرأته فكرهته، فحلف ألا تلبسه فرده، فاشترته المرأة فلبسته، فقال مالك: هو حانث إلا أن يكون نوى وأراد ألا تلبسه من ماله، والآخر حانث إلا أن يكون نوى بقوله: لا تبيت في هذا البيت، يريد ألا تسيري إلى أهلك، ولم يرد البيت بعينه.
قال ابن القاسم: وأصل هذا أن ينظر إلى ما لفظ به، فيؤخذ به إلا أن تكون له نية، فيحتمل على نيته، وذلك أن مالكا سئل عن رجل قال لرجل: سرقت مني دينارا فقال: أنا سرقته، امرأتي طالق إن كان لك عندي دينار، فذهب ينظر فإذا جاريته سرقته وجعلته عنده، فقال مالك: هو حانث إلا أن يكون نوى عمله، وأراد ذلك، وقد سئل مالك أيضا عن رجل سئل سلفا، فقال: امرأتي طالق إن كان لي شيء أملكه، وليس ذلك له، ثم طلع له مال قد كان ورثه، ولم يكن علم به، قال مالك: هو حانث إلا أن يكون نوى أني لا أملك شيئا أعلمه، فإنما يؤخذ الناس بما لفظوا، فيحمل به على قولهم إلا أن تكون لهم نية، وذلك أن رجلا سأله عن رجل حمل لرجل جلودا، فلما بلغه غايته جعل الجلود على يدي رجل حتى يوفي الكري كراءه، فلما وفاه قال له الكري: احلف لي أنه ليس لغيرك فيه شيء، فنظر إلى علامة، فلم ينكر شيئا فحلف له، ثم نظر فإذا الذي كانت عنده قد أبدل منها شيئا،
قال: هو حانث، واحتج بالمسائل التي قبلها، وذكر قول مالك وما احتج به من الناس يؤخذون بألفاظهم، إلا أن تكون لهم نية فيحملون عليها، وذكر قول مالك في مسألة الذي حلف وسئل السلف فحلف ما لي شيء أملكه، فطلع له مال من قبل ميراث لم يكن علم به، قال: قرأتها على مالك، فقال: امحها فمحوتها، وقال: هو حانث، وذكر الذي سأله عن مسألة الجلود أن ابن كنانة وابن نافع قالا: ليس بحانث، فقال له ابن القاسم: إن مالكا قال أخبرتك، وإليه رجع إلى أن الناس يؤخذون بما لفظوا به، واحتج ابن القاسم بما قال له من المسألة التي قرأها على مالك، وأمره أن يمحوها.
قال محمد بن رشد: لم يراع مالك، وابن القاسم في هذه المسائل كلها بساطا، وحنث الحالف بمقتضى لفظه فيها، إلا أن تكون له نية، ومثله لمالك في رسم سلعة سماها، من سماع ابن القاسم، في رسم سلف، من سماع ابن القاسم، من كتاب التخيير والتمليك، وفي سماع أشهب من كتاب العتق، ولابن القاسم في سماع محمد بن خالد بعد هذا، والمشهور في المذهب مراعاة البساط بأن تحمل اليمين إذا لم تكن للحالف نية على بساطها، ولا تحمل على مقتضى اللفظ إلا عند عدم البساط، وهو قول مالك في رسم الطلاق الثاني، من سماع أشهب في هذا الكتاب، في مسألة النقيب، وقول ابن كنانة وابن نافع هاهنا، وقال ابن كنانة في المدنية في مسألته البالوعة، لم يسم البالوعة لشيء ينفعها به، وإنما أراد هرقه، فقد فعل، فلا حنث عليه، وهو قول أصبغ: إنه لا حنث عليه، قال: إلا أن يكون جمع من الزيت شيئا مما أهراق فتركه ولم يصبه في الحفرة، فهو حانث، وقال سحنون في نوازله من كتاب النذور في بعض الروايات: الأيمان على بساطها، فإذا وجدت اليمين ليس لها بساط فاهرب منها، وقد قيل: إن اليمين إذا لم يكن لها بساط تحمل على ما يعرف من عرف الناس في كلامهم ومقاصدهم في أيمانهم، والقولان قائمان من المدونة، وقد مضى القول في هذا المعنى
مجودا في رسم جاع وغيره، من سماع عيسى، من كتاب النذور، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف الرجل للرجل بالطلاق ليقضينه إلى أجل إلا أن يشاء أن يؤخره
مسألة وسمعت أشهب يقول: إذا حلف الرجل للرجل بالطلاق ليقضينه إلى أجل إلا أن يشاء أن يؤخره أو يأتيه أمر غالب من سلطان أو غيره، فلما خاف الأجل وأن يحنث سأله أن يؤخره فأخره إلى أيام، أرأيت إن عرض له في تلك الأيام أمر سلطان، فلم يستطع قضاءه حتى مضت أيحنث؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه قد استثنى الأمرين جميعا، فله ما استثناه في كل واحد منهما على انفراده، إن أخره كان له التأخير، وإن لم يعرض له فيها أمر يغلبه من سلطان أو غيره، وإن عرض له أمر يغلبه من سلطان أو غيره كان به معذورا، ولم يحنث، وإن لم يؤخره.
مسألة: يقول للرجل احلف لي بالطلاق فيقول له الحلال علي حرام ويحاشي امرأته
مسألة قيل لأشهب: فالرجل يقول للرجل: احلف لي بالطلاق، فيقول له: الحلال علي حرام، ويحاشي امرأته؟
فقال: لا شيء عليه، وفي رواية أصبغ أنها البتة.
قال محمد بن رشد: محاشاة الرجل امرأته إذا قال: الحلال علي حرام، أو حلف بذلك على وجهين؛ أحدهما: أن يقول: الحلال علي حرام، حاشى امرأتي، أو إلا امرأتي، أو سوى امرأتي، أو ما أشبه هذا من حروف الاستثناء، فهذه المحاشاة لا بد فيها من تحريك اللسان، فإن نواها بقلبه ولم يحرك بها لسانه لم ينتفع بها على المشهور في المذهب، وقد مضى هذا قبل هذا السماع وغيره، والثاني: أن يقول: الحلال علي حرام، وينوي إيقاع لفظه بالحلال علي حرام على ما عدا امرأته، فهذه المحاشاة
هي التي تكون بالنية دون تحريك اللسان، فإذا حاشى امرأته بقلبه في الموضع التي تكون فيه المحاشاة بقلبه، أو بلسانه في الموضع الذي لا بد فيه من تحريك اللسان حسبما ذكرناه، فهو موضع الاختلاف الذي أشار إليه في الرواية، وقد مضى تحصيله والقول فيه مجودا في سماع أصبغ من كتاب النذور، فلا معنى لإعادة ذلك، ومضت المسألة أيضا في رسم الطلاق الثاني، من سماع أشهب، من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأته طالق البتة إن كنت فعلت أو فعل بي فأقاموا البينة على قوله
مسألة قال ابن القاسم: قال مالك في الرجل: يقول فعل بي فلان وأعطاني، أو فعلت كذا وكذا فيأتيه رجل فيقول: قد بلغني أنك فعلت كذا وكذا، أو فعل بك كذا وكذا، قال: امرأته طالق البتة إن كنت فعلت أو فعل بي، فأقاموا البينة على قوله أنه قد كان أقر بذلك.
قال: يحلف بالله ما كان إلا كاذبا، ولا شيء عليه، إلا أن تقوم بينة أن فعله عاينوه، أو فعل به ما قال عاينوه، فإنه يطلق عليه، فأما البينة على إقراره فلا؛ لأنه يقول: كذبت، قال ابن القاسم: ولو أنه أقر بعد، لم يلزمه الحنث أنه قد كان فعل، فشهد على إقراره طلق عليه.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، والقول فيها في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
تم الجزء الثالث من كتاب الأيمان بالطلاق بحمد لله وعونه، يتلوه الكتاب الرابع.