كتاب كراء الدور والأرضين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
###: تكارى أرضا ثلاث سنين ليزرعها فزرع سنة أو سنتين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
كتاب كراء الدور والأرضين
من سماع ابن القاسم من مالك رواية سحنون
من كتاب القبلة
قال سحنون: أخبرني ابن القاسم، قال: سمعت مالكا يقول: من تكارى أرضا ثلاث سنين يزرعها فزرع سنة أو سنتين ثم استقال صاحبه فأقاله وفيها زرع لم يبلغ صلاحه، فأراد صاحب الأرض أن يقلع زرعه، قال: ليس ذلك له، ولكن يقر زرعه ويسقي من الماء ما يصلحه حتى يدرك ويحسب ذلك عليه من حساب الثلاث سنين وكرائها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا استقال صاحبه فيما بقي من أمد اكترائه وفي الأرض زرع قد زرعه أن الإقالة إنما تقع على ما بقي من المدة بعد خروج الزرع الذي في الأرض؛ لأن الأرض قد فاتت في تلك المدة بالزرع الذي زرعه فيها.
ألا ترى أنه لو اكترى منه الأرض مسانهة
أو مشاهرة كل سنة بكذا، أو كل شهر بكذا فزرع فيها لكان الكراء قد لزمهما جميعا إلى خروج الزرع، ليس لرب الأرض أن يقول للمكتري اقلع زرعك واخرج، ولا للمكتري أن يقلع زرعه ويخرج إذا أبى من ذلك رب الأرض، فكذلك إذا تقايلا فيما بقي من المدة وفي الأرض زرع، ليس لرب الأرض أن يقول للمكتري اقلع زرعك واخرج لأنك قد استقلت في الأرض، ولا للمكتري أيضا أن يقلع زرعه ويخرج إذا أبى من ذلك رب الأرض.
فإن وقعت الإقالة بينهما على ذلك بإفصاح جازت ولزمهما إلا أن يكون الزرع قد قارب أن يأخذ الحب فيمنعان من ذلك لمنفعة العامة، كما يمنع من بيع الفتى من البقر للذبح وما أشبه ذلك.
وإن اختلفا ولم يبلغ الزرع الحد الذي يمنعان من قلعه فقال أحدهما: إنما وقعت الإقالة بيننا من وقت الإقالة على قلع الزرع بإفصاح، وأنكر ذلك الآخر وادعى الإبهام، أو أن الإقالة إنما وقعت بينهما من بعد خروج الزرع، فالقول قول المنكر منهما مع يمينه.
وهذا إذا لم ينقد، وأما إن كان قد نقد فلا تجوز الإقالة في ذلك إلا على اختلاف سيأتي القول فيه في رسم الشريكين من هذا السماع، ورسم حمل صبيا من سماع عيسى.
وقوله: ويحسب ذلك عليه من حساب الثلاث سنين وكرائها، معناه: من حسابها على القيمة لا على عدد الشهور.
وهذا إذا كانت الأرض على السقي يعمل فيها الشتاء والصيف؛ لأن الكراء في ذلك مختلف.
وكذلك قال في
المدونة.
وأما إن كانت الأرض للزرع فانقضاء السنة رفع الزرع منها.
فإن تكاراها ثلاث سنين فاستقاله بغد أن زرع في أول سنة فالإقالة تقع في السنتين الباقيتين، وإن استقاله بعد أن زرع في السنة الثانية فالإقالة إنما تقع في السنة الثالثة.
وقال في المدونة: إن الكراء لا يقسم فيها على السواء وإنما يقسم على قدر النفاق والتشاح، وذلك بين إن كان الكراء نقدا أو مؤخرا كله؛ لأن ما يتعجل منفعته من الأرض أكثر كراء مما يتأخر منه.
وأما إن لم يكن الكراء نقدا ولا مؤخرا وكان الحكم فيه أن ينقده كراء كل سنة عند تمام الزرع فيها، فقال في كتاب ابن المواز: إنه ينقده في كل سنة ثلث الكراء إن كان الكراء لثلاثة أعوام خلاف ظاهر ما في المدونة أن الكراء يفض على قدر النفاق والتشاح، وهو الأظهر؛ لأن السنة الأولى تعجلت منفعتها وتعجل نقدها، وكل سنة بعدها تتأخر منفعتها بقدر تأخر النقد فيها، فوجب أن يقسم الكراء عليها بالسواء إذا حدث ما يوجب سقوطه من إقالة أو غرق أو عطش وما أشبه ذلك.
ووجه ما في المدونة أنه قد يكون ما تعجل عقده وقبضه ونقده أنفق مما تعجل عقده وتأخر قبضه ونقده، وهو صحيح إن كان ذلك عند الناس كذلك، وبالله التوفيق.
###: كراء الأرض من أرض الجزية والزيادة فيها
ومن كتاب أوله حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها وسئل: عن الرجل يتكارى الأرض من أرض الجزية ويزداد
في أرضها أشياء يكتمها، أتحب أن يشترى من قمحه؟ قال: إني لأكره ذلك وما يعجبني، وأكره هذه القطائع التي في أرض مصر التي أقطعها من أقطعها.
ولم ير أن يقطع لأحد فيها ولا أن يشترى من قمحها.
قال محمد بن رشد: أما أخذ المسلم من الذمي أرض الجزية بما عليها من الخراج يكتبه على نفسه فلا ينبغي ذلك ولا يحل، وقد سئل ابن عمر عن ذلك فقال: لا يحل لمسلم أن يكتب على نفسه الذلة والصغار، وروى عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «من خلع رقبة ذمي فجعلها في عنقه فقد استقال هجرته وولى الإسلام ظهره» وأما اكتراؤه إياها منه كراء صحيحا دون أن يأخذها بما عليها من الجزية فكره ذلك مالك لما فيه من معنى ذلك، ولقد قال: لا أحب لأحد أن يزرعها بعارية وأرى ذلك من باب حماية الذرائع، وأما كراهيته لشراء قمح الذي يكتري أرض الجزية ويزداد فيها ما ليس منها، فالمعنى فيه بين، وذلك أن الذي يكتم من الأرض ويزرعه مع أرض الجزية الذي اكتراه على أنه منها وهو يعلم أنه ليس منها في حكم المغصوب من الأرض.
وقد قال جماعة من أهل العلم أن من غصب أرضا فزرعها لنفسه بطعامه أن الزرع لصاحب الأرض؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ليس لعرق ظالم حق» فمن ذهب إلى هذا لم يحل عنده شراء ذلك الطعام منه؛ لأنه في حكم العين المغصوب، ومن لم ير للمغصوب منه الأرض إلا كراء أرضه يكره شراء ذلك الطعام منه حتى يصلح شأنه مع رب الأرض لمخالطة الحرام ماله ومراعاة لقول المخالف وهو قول مالك.
وأما كراهيته الإقطاع في أرض مصر فالمعنى في ذلك أنها افتتحت عنده عنوة، ومن مذهبه أنه لا يجوز الإقطاع في أرض العنوة، وهو قول ابن حبيب في باب زكاة المعادن من كتاب الزكاة، وإنما يجوز للإمام أن يقطع على مذهب مالك فيما جلى عنه أهله بغير قتال، وفي الفيافي البعيدة من العمران وحده، ما لم تنله أخفاف الإبل للمرعى.
وعند أبي حنيفة أن يصيح صائح في طرف العمران فلا يسمعه، وأما ما قرب من العمران من الموات، فقيل: إنه لمن أحياه، وقيل: ليس لأحد أن يحييه إلا بإذن الإمام، وهو قول مالك في المدونة، واختلف إن أحياه بغير إذنه على هذا القول، فقيل: يكون الإمام مخيرا بين أن يمضيه له أو يعطيه قيمته منقوضا ويخرجه منه، وقيل: إن له أن يمضي له مراعاة للاختلاف فيه وهو ظاهر المدونة،
وقيل: إنه بين أهل القرى هم أحق به، وقد قيل في مصر: إنها افتتحت صلحا.
حكى ذلك الليث عن يزيد بن أبي حبيب، وعبيد الله بن أبي جعفر، يعني أن الصلح وقع على أن تكون الأرض للمسلمين كما فعل النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ببعض أرض أهل الحجاز، لا على أنها تركت لأهلها، فعلى هذا يجوز الإقطاع فيها.
وقد اختلف في سبب دخول الليث فيها.
فقيل بالاشتراء، وقيل بالاكتراء، وقيل بالإقطاع، وإنكار الليث أن تكون أخذت عنوة يدل على أن مذهبه في أرض العنوة أن تخمس وتقسم، وقيل: إنها افتتحت صلحا، ثم نقضوا فأخذها عمرو بن العاص عنوة.
ورأيت للخمي أن إقطاع أرض العنوة جائز على مذهب مالك وذلك خلاف هذه الرواية وبالله التوفيق.
###: كرى داره بدينار في السنة ثم أراد بعد ذلك أخذ دراهم
ومن كتاب أوله سلف في المتاع والحيوان وسئل مالك: عمن أكرى داره بدينار في السنة ثم أراد بعد ذلك بشهر أو شهرين أن يأخذ دراهم فكره ذلك، وقال: لا يأخذ منه أكثر مما حل عليه، ولكن ينظر إلى قدر ما سكن من السنة، فيأخذ به دراهم جزءا، وما لم يسكن فلا يأخذ منه ورقا قبل أن يحل، ولكن إن حل فليأخذه أجزاء مقطعة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال إنه لا يجوز له أن يأخذ منه دراهم بأكثر مما حل له عليه من الدينار؛ لأنه إذا فعل ذلك كان قد باع ما لم يحل له من الذهب بدراهم معجلة، فدخله الصرف المتأخر، وأنه يجوز له أن يأخذ منه دراهم بالجزء الذي حل له عليه من الدينار، ويبقى له
عليه ما بقي من الدينار.
فإذا حل أخذ به منه ما شاء ولا يجوز له أن يأخذ به منه قبل أن يحل إلا عرضا معجلا، أو مثل الذهب الذي له عليه في عينه ووزنه وطيبه، أو أفضل من ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: رجلان في منزل ضاق بهما هل يخرج الآخر مقابل عوض
مسألة وسئل مالك: عن رجلين كانا في منزل من منازل الإمارة فضاق بهما، فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن أعطيك كذا وكذا وتخرج عني؟ فقال مالك: لا أراه يحسن وكرهه؛ لأنه لا يدري متى يخرج منه، يعني بذلك أنه يعطي ولا يدري متى يخرج منه ليس إلى أجل، ثم قال: لو كان لك لم أر به بأسا.
وأما منازل الإمارة فلا أراه لموضع الأجل.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأنه لا يدري كل واحد منهما متى يعزل عن الإمارة فيخرج عن الدار باشتراء المشتري ما لا يدري ما لا يدوم له وباع البائع ما كان لا يدري ما لا يدوم له، والذي يجوز لهما أن يفعلاه في ذلك إذا ضاقت عن سكناهما جميعا أن يكروها - قليلا قليلا ويقتسما الكراء أو يتقاومانها فيما بينهما كذلك لمدة قريبة العام والعامين ونحوهما على معنى ما في الوصايا الثاني من المدونة فإن انقضت قبل أن يخرجا منها تقاوماها ثانية، وإن أخرجا
منها قبل انقضاء الأمد الذي تقاوماها إليه رجع الباقي في الدار بالمقاومة على الخارج عنها بما ينوب ما بقي من المدة، ويجوز أن يكرياها السنين الكثيرة ويتقاوماها السنين الكثيرة بغير نقد على معنى ما في رسم الأقضية الرابع من سماع أشهب من كتاب الصدقات والهبات، وبالله التوفيق.
###: الرجل يتكارى الدار وينقد كراءها فيسكن أشهرا ثم يبدو له الفسخ
ومن كتاب أوله الشريكان لهما مال وسألت مالكا: عن الرجل يتكارى الدار وينقد كراءها فيسكن أشهرا ثم يبدو لهما أن يتفاسخا ويرد صاحب الدار على المكتري ما بقي له.
قال مالك: لا خير فيه.
قلت له: أليس يشبه الرجل يتكارى للحمولة ثم يحملها حتى إذا كان في بعض الطريق فأراه مثل الرجل يحج أو ما أشبه ذلك؟ فقال مالك: لا، هو مخالف.
وسئل ابن القاسم عما فرق بينهما، فقال: لأنه ليس يتهم أحد ممن يحمل مثل أن يدبر إبله أو يفلس أو يقع بينهم الشراء ويهلك الكري أو المتكاري فرخص في ذلك؛ لأنه ليس فيه تهمة، فلذلك أرخص فيه، قال: فأما ما لا عمل فيه فإنه إنما هو بمنزلة السلع المضمونة إلى الآجال فيصير بيعا وسلفا إلا ألا ينتقد فيها فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: اختلف قول مالك وابن القاسم في استئجار الرجل بعينه وكراء الراحلة بعينها والدار والأرض وما أشبه ذلك، فمرة حمله محمل السلم الثابت في الذمة ومحمل الإجارة المضمونة من أجل أن
المنافع تقتضي شيئا بعد شيء فهي غير معينة في أن الإقالة فيها لا تجوز، وإن لم يكن فيها بمجردها فساد إذا ظهر المكروه فيها بإضافتها إلى الصفقة الأولى؛ لأنه اتهمهما على القصد إلى ذلك والعمل عليه فمنع من ذلك حماية للذرائع، وهو قوله في هذه الرواية، ومرة حمله محمل العروض المعينات في أن الإقالة فيها جائزة إلا أن تنعقد بمجردها على ما لا يجوز.
وقع اختلاف قول مالك في ذلك في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الجعل والإجارة، واختلاف قول ابن القاسم فيه في رسم حمل صبيا من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب، وهذا الاختلاف إنما هو إذا تقايلا بغير سبب يرفع التهمة عنهما، وأما إذا وقعت الإقالة بينهما لسبب يعلم أنهما لم يقصدا في عقد الكراء إليه كالتفليس أو الموت أو الشراء أو دبر البعير أو ما أشبه ذلك مما يرفع التهمة عنهما، فالإقالة بينهما جائزة إذا سلمت في نفسها من الفساد، فلا فرق في شيء من ذلك كله بين كراء الدار والراحلة والأجير، وبالله التوفيق.
###: رجلان تكاريا أرضا ليزرعاها فبدا لأحدهما كراء حصته منها
ومن كتاب اغتسل على غير نية وقال في رجلين تكاريا أرضا ليزرعاها فبدا لأحدهما أن يكري حصته منها، قال: أرى شريكه أولى بها، وكذلك لو أن رجلين وهبت لهما ثمرة شجر عشر سنين حبسا عليهما، ثم أراد أحدهما أن يبيع حصته من ذلك بعدما تطيب، قال: أرى
شريكه أولى بها ممن أراد شراءها بالذي بذلها به.
قال سحنون: قال مالك: لا شفعة في الأكرية، وقاله ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: قول مالك أرى شريكه أولى بها في مسألة الكراء وفي مسألة الثمرة، يريد أولى بها من المشتري بالثمن الذي بذل فيها، لا أنه يأخذ الثمرة من المشتري بالشفعة بعد تمام الشراء والكراء من المكتري بالشفعة بعد تمام الكراء، فليس ما قاله مالك في مسألة الثمرة والكراء بخلاف لما حكى سحنون عن مالك وابن القاسم من أنه لا شفعة في الأكرية؛ لأنهما مسألتان.
فالمسألة الأولى: وهي أن الشريك أولى بالثمرة وبالكراء بما بذل المشتري والمكتري فيها من الثمن والكراء لا خلاف فيها، وكذلك يجب في كل شيء مشترك لا شفعة فيه، ومثله قول مالك في الذي تكون تحته الأمة لقوم فتلد منه فيبيعونها وولدها أنه أحق بها بما يعطى فيها، وقد مضى القول في ذلك في رسم نقدها من سماع عيسى من كتاب النكاح.
والمسألة الثانية: وهي هل تكون له الشفعة في الكراء بعد تمامه وفي الثمرة بعد الشراء أم لا؟ فيها اختلاف، اختلف في ذلك قول مالك، وقع اختلاف قوله في الثمرة في المدونة وفي الكراء في الواضحة، وأخذ بوجوب الشفعة في ذلك ابن الماجشون وابن عبد الحكم، وبأن لا شفعة في ذلك ابن القاسم ومطرف وأصبغ، وبه أخذ ابن حبيب، وكذلك اختلف قول مالك أيضا في الشفعة في الكتابة والدين يباعان، هل يكون للمكاتب والذي عليه الدين الشفعة في ذلك أم لا؟ فقال مرة: إن لهما الشفعة في ذلك، وأخذ به مطرف وابن الماجشون وابن وهب، وأشهب
وأصبغ وابن عبد الحكم، وإليه ذهب ابن حبيب، وحكى في ذلك حديثا من مراسيل سعيد بن المسيب أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الشفعة في الكتابة والدين»، وحكي عن مالك من رواية ابن القاسم عنه: أنه استحسن الشفعة في ذلك، ولم ير القضاء بها، وبالله التوفيق.
مسألة: تكارى أرضا فنبت الزرع فيها ثم جاء سيل فذهب به
مسألة وقال مالك في رجل تكارى أرضا فزرعها فنبت الزرع فيها، ثم جاء سيل فذهب به، قال: لا أرى للمتكاري أن يرجع إلى صاحب الأرض يأخذ منه كراءه، وإنما ذلك بمنزلة الزرع تصيبه الجائحة.
قال محمد بن رشد: إنما هذا إذا ذهب به السيل بعد إبان الحرث أو في إبان الحرث فانكشف السيل عن الأرض في وقت يمكنه فيه إعادة الزرع، وأما لو ذهب به في إبان الحرث فلم ينكشف السيل عنها حتى فاته أن يعيد زرعه لكان له أن يرجع بكرائه على صاحب الأرض على معنى ما في المدونة.
وبالله التوفيق.
كراء الدار التي فيها خراب مدة سنين مع اشتراط إعمارها
ومن كتاب البز وسئل مالك: عن رجل أكرى من رجل دارا له وفيها خراب وأكراها إياه سنين فاشترط المتكاري على صاحب الدار مواضع أراها إياه يعمرها من كرائها، فلما وجب ذلك بينهما ندم صاحب الدار، وقال للذي تكارى: قد بدا لي، لا أريد أن أعمر شيئا، فإن بدا لك أن تسكن بغير عمران فاسكن.
قال مالك: أليس قد أراه
ذلك؟ قال: بلى، قال مالك: فإن ذلك لازم له في الكراء، وهو جائز.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على معنى ما في المدونة من أنه يجوز أن يكتري الرجل الدار بعشرين دينارا على أنها إن احتاجت إلى مرمة رمها من العشرين دينارا، زاد في النوادر في هذه المسألة، قال محمد: إذا عرف البناء؛ لأن البناء ليس كالمرمة، يريد محمد: أن ذلك لا يجوز إلا أن يصف البناء الذي يبني به تلك المواضع ويعمرها به من الكراء بخلاف المرمة، والذي أقول به أن ذلك جائز وإن لم يصف البناء كالمرمة، سواء من أجل أن المكتري كالوكيل له على ذلك، فإذا بنى تلك المواضع وعمرها بالبناء على الهيئة التي تشبه أن تبنى عليها لزمه، كمن وكل رجلا أن يشتري له ثوبا أو جارية فاشترى له ما يشبه أن يشتري له من ذلك لزمه، ولو وصف البنيان لكان أتم وأحسن، وقد مضى هذا المعنى في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب الجعل والإجارة، وبالله التوفيق.
مسألة: كراء العرصة الخربة على أن ينفق عليها
مسألة وسئل مالك: عن رجل تكارى عرصة خربة على أن ينفق عليها ويكون كراؤها كذا وكذا، قال مالك: أرى أن يسمى ما ينفق فيها ويقاصه بذلك في كراء ما تكارى به من السنين، فقيل له: أفيجعل كراءها دراهم؟ قال: بل أجزاء يجعل نفقته عشرة دنانير وكراءه إياها عشرين سنة في كل سنة نصف دينار، أو أقل من ذلك أو أكثر من السنين والأجزاء، فعلى هذا يتكارى المتكاري ويكري صاحب الدار.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة في المعنى؛ لأن مآلها إن أكراه العرصة عشر سنين سنة بعشرة دنانير على أن يبني بها العرصة لربها، إذا شرط أن يقاصه بالنفقة في الكراء، ولو لم يشترط أن يقاصه بالنفقة في الكراء لم يجز؛ لأنه إذا لم يكن الكراء بالنقد لم يوجب الحكم المقاصة به، ووجب أن يتبعه بنفقته سلفا حالا عليه ويؤدي إليه الكراء بقدر ما سكن شيئا بعد شيء على ما يوجبه الحكم في ذلك.
قال ابن المواز: وهذا إذا كان البناء لرب العرصة ويسمى ما بنى به وكان ذلك من الكراء لا يزيد عليه، وشرط ابن المواز أن يكون ذلك من الكراء لا يزيد عليه صحيح مثل ما في المدونة (لأنه إن شرط أن ينفق في العرصة أكثر من كرائها كان الزائد على الكراء سلفا منه لرب العرصة، فدخله كراء وسلف.
قال ابن المواز: وأما إن كان البناء للمكتري فلا يحتاج إلى تسمية ما يبنى، ولا ما ينفق، ولا أحب شرطه في أصل الكراء إلا) أنه إن بنى فمتى ما خرج فلرب العرصة أن يعطيه قيمته مقلوعا أو يأمره بقلعه.
وقول ابن المواز إن البناء إذا كان للمكتري فلا أحب اشتراطه في أصل الكراء صحيح بين؛ لأنه إذا اشترط ذلك عليه فقد وقع الكراء على أن يأخذ المكري من المكتري بنيانه بقيمته مقلوعا عند انقضاء أمد الكراء، وذلك غرر لا يجوز، وإنما لم ير في الرواية أن يجعل كراءها دراهم إذا كان ينفق فيها دنانير ويقاصه بها في الكراء لأنه يدخله عدم المناجزة في الصرف، إذ لا يحل الكراء عليه إلا بالسكنى شيئا بعد شيء، ولو قال:
أكتري منك العرصة لعشرين سنة بعشرة دنانير نصف مثقال لكل سنة على أن أنفق فيها مائة درهم من مالي تكون مقاصة بالكراء، أو قال: أكتري منك العرصة بمائة درهم لعشرين سنة على أن أنفق فيها عشرة دنانير تكون مقاصة بالكراء لجاز ذلك، وإن سمج القول؛ لأن الأمر يئول فيه إلى صحة الفعل، وهو كراء العرصة عشرين عاما بالعدد الذي سمى أنه ينفق فيها، وبالله التوفيق.
###: العبد يستأجره الرجل شهر بعشرة وشهر بخمسة
ومن كتاب سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسئل مالك: عن العبد يستأجره الرجل هذا الشهر بعشرة دراهم وهذا الشهر بعده بخمسة دراهم، قال مالك: إن كان ذلك شيئا واحدا فلا بأس به، كأنه كل شهر بسبعة دراهم ونصف، وإن كان أراد أن يجعل هذا الشهر بعشرة دراهم إن أصاب العبد أمر حاسبه على ذلك ويرد عليه خمسة بحسابه فلا خير فيه إن ثبت هذا الأول بعشرة والآخر بخمسة حتى يكونا جميعا في كراء واحد، ويكون الكراء كله على الشهرين نصفين.
قال ابن القاسم: وهذا من وجه بيعتين في بيعة؛ لأن العبد لو هلك في الشهر الأول غبن الكري المستكري، فإن هلك في الشهر الآخر غبن المستكري الكري، فهذا خطر لا يصلح، قال ابن القاسم: وكذلك الأرضون والدور والدواب وكل ما يتكارى.
قال محمد بن رشد: أما إذا سمى لأحد الشهرين اللذين جمعتهما الصفقة أقل مما ينوبه من الإجارة أو الكراء وللثاني أكثر مما ينوبه من ذلك أو لأحد الثوبين اللذين اشتراهما صفقة واحدة أقل مما ينوبه من جملة الثمن وللآخر أكثر مما ينوبه منه على أنه متى وقع استحقاق في أحدهما أو ما يوجب الرجوع بمنابه من الثمن رجع بما سمى له من الثمن فلا اختلاف في أن البيع فاسد، وأما إن وقع البيع بينهما بالتسمية على أنه إن وقع استحقاق في أحدهما أو بما يوجب الرجوع بمنابه من الثمن إذا فض على قيمتهما لا بما سمى له منه، فلا اختلاف في أن البيع جائز.
واختلف إذا عري الأمر من بيان، فقيل: إن التسمية لغو والبيع صحيح، وإن وقع استحقاق في أحدهما فض الثمن عليهما ورجع بما ينوبه، ولم يلتفت إلى التسمية، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وقول سحنون وأصبغ، وقيل: إن التسمية مراعاة والبيع فاسد إن كان سمى لأحدهما أقل مما ينوبه من جملة الثمن وللآخر أكثر مما ينوبه منه، وهو أحد قولي مالك في رواية ابن القاسم عنه في رسم باع غلاما من هذا الكتاب في بعض الروايات، وقال: سئل: عمن تكارى دارا سنتين فتكارها هذه السنة بستة وهذه بأربعة وكراؤه مختلف في السنتين، قال: الكراء فاسد وقد سكن سنة.
قال: يرد الكراء ويكون لصاحب الدار قيمة سكناه في تلك السنة وأراه فاسدا.
قال سحنون: الكراء جائز لا بأس به، ووقع الاختلاف في ذلك أيضا في الدمياطية، قال: وسئل ابن القاسم عن
قول مالك في الرجل يتكارى الدار أو الحمام أو العبد شهرين في صفقة واحدة بكراءين مختلفين شهرا بعشرة وشهرا بعشرين، لم كرهه مالك وقد بيع الرجل الثوبين صفقة واحدة، والعبدين والدارين بثمنين مخلفين؟ قال: إنما كره مالك من ذلك ما كان بيعتين في بيعة، وذلك أن يكون الكراء في الشهرين متقاربا، فلما أراد أن يجمعهما بسعر واحد خاف المكتري أن يجيء فيما اكترى دعوى تخرجه من يده في بعض أجل الكراء فخاطره بأن يجعل كراء هذا الشهر الأول بعشرة، وكراؤه المعروف بخمسة عشر، فإن سكن الدار شهرا فاستحقت فأخرج أو أصابها هدم أو حريق كان كراء الشهر الماضي بعشرة، وسقط عنه الشهر الثاني عشرون، ولو جمعهما كان من الكراء عليه خمسة عشر، وعسى أن يحدث في الدار أو الحمام في الشهر الأول ما يمنعه منه ثم ينتفع به الشهر الثاني فيغرم له عشرين فيكون قد حمل عليه خمسة دنانير فوق كراء ذلك الشهر للمخاطرة التي أدخلا، فلهذا نهى عنه مالك ورآه من بيعتين في بيعة.
قيل: ويدخل مثل هذا في بيع الثوبين والدارين؟ قال: نعم، انظر أبدا إلى كل ما جمع في البيوع فأضيف بعضه إلى بعض في الصفقة واختلف فيه الأثمان، فإن كان ما وضع على كل صنف ما يرى أنه ثمنه أو كراؤه لو أفرد دون صاحبه فلا بأس به، وإن جمعته الصفقة فليس يدخله بيعتان في بيعة، وإن رأيت أنه قد وضع على أحدهما مالا يسوى وخفف عن الآخر حتى يأتي من ذلك أمر
بين يدل على أنهما أرادا الخطار على مثل ما وصفت لك من أمر الكراء فلا خير فيه، وهو من بيعتين في بيعة.
قال الوليد: وسألت أصبغ عن بيع الدارين والثوبين، فقال: لا بأس بالبيع فيهما على حال صفقة واحدة سمى لهما ثمنا أو لم يسمه، كان الثمن يشبه ما سمى لكل واحد منهما أو أقل منهما أو أكثر فهو سواء، والبيع جائز، وإن وجد عيبا فض الثمن على قيمتهما، ولم يلتفت إلى التسمية على حال، وليس تفسد التسمية في هذا ولا يلتفت إليها؛ لأنه يرجع إلى أن يفض وليس في هذا عندنا اختلاف.
هذا نص ما وقع في الدمياطية، وهو يبين موضع الاختلاف في المسألة على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.
مسألة: رجل كان يسكن منزلا فأنفق فيه مالا ثم أرادوا إخراجه
مسألة وسئل مالك: عن رجل كان يسكن منزل رجل فأنفق فيه مائتي درهم ثم أرادوا أن يخرجوه فلم يكن عند صاحب المنزل الدراهم، فقال رجل: أنا أقضي عنك فأعطاه فيها ثلاثة عشر دينارا، ثم قال له بعد ذلك أنا آخذ منك هذا المنزل بدرهمين كل شهر حتى ينفد مالي عليك، قال مالك: لا خير في هذا الكراء، وأرى أن يفسخ وأرى أن يكون له على صاحب البيت ثلاثة عشر دنانير ويقوم كراء مسكنه فيما سكن ثم يدفع إلى صاحب المنزل.
قال محمد بن رشد: قوله إنه كراء لا خير فيه يفسخ بين؛ لأنه فسخ دين في دين، فسخ ما له عليه من الذهب التي أدى عنه في سكنى
منزل لا ينتجز قبضه، وذلك جائز على مذهب أشهب الذي يرى أن قبض الشيء المكترى ليستوفي فيه الكراء قبض لجميع الكراء، فيجيز لمن له على رجل دين أن يأخذ منه به عبدا يخدمه إلى أجل ما، أو دابة يركبها إلى أجل ما.
وقد اختلف قول مالك في هذا الأصل وقع اختلاف قوله في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب الرواحل والدواب، وسيأتي القول على ذلك هنالك إن شاء الله.
وأما قوله إذا فسخ الكراء إنه يكون له على صاحب البيت ثلاثة عشر دينارا فهو كما قال، إن كان دفع عنه الدنانير بأمره، وأما إن كان أمره أن يقضي عنه المائتي درهم فأعطاه فيها ثلاثة عشر دينارا، فقيل: إن ذلك لا يجوز، ويفسخ القضاء ويرجع بما دفع، ويبقى الدين على صاحب المنزل كما كان، وقيل: إن ذلك جائز، ويرجع بالأقل من ذلك يكون الآمر مخيرا بين أن يدفع إليه ما دفع، أو ما أمره بدفعه، وقد مضى تحصيل القول في هذا المعنى في أول مسألة من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف.
وأما قوله إنه يكون عليه كراء المسكن لصاحب المنزل على ما يقوم به فهو بين لا إشكال فيه؛ لأنه سكنه على كراء فاسد فيكون عليه فيه القيمة.
###: كراء الأرض بالحنطة ليزرعها قمحا
ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل مالك: عن الرجل يتكارى الأرض بالحنطة فيزرعها، فيزرعها قمحا، أترى أن يشتري منه ذلك القمح؟ قال: تركه أحب إلي.
قال محمد بن رشد: إنما كره مالك أن يشتري منه ذلك القمح؛ لأن مكتري الأرض بالحنطة كأنه مشتر للقمح الذي رفع من الأرض بالحنطة
التي دفع إذ عرضه في اكتراء الأرض ما يخرج له منها فوجب على قياس هذا أن يكون القمح لرب الأرضين، والصحيح على الأصول أن يكون القمح للمكتري ويكون عليه قيمة كراء الأرض ذهبا أو ورقا ويرجع بحنطته بشراء القمح منه على هذا جائز، وإنما كره مالك شراءه منه تورعا للمعنى الذي ذكرناه، وبالله التوفيق.
مسألة: كراء الدار سنة بعشرة واشتراط المحاسبه بما سكن إن لم يكمل المدة
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يتكارى الدار سنة بعشرة دنانير ويشترط على صاحبها إن بدا له أن يخرج قبل السنة حاسبه بما سكن، إلا أنه يشترط عليه سنة، قال: لا بأس بذلك إذا لم ينقد في كرائه، فإذا نقد فلا خير فيه، قال: وكذلك الرجل يتكارى سنين، ويقول: متى ما بدا لي أن أخرج خرجت فيقيم سنتين أو ثلاثا.
قلت له: أفتراه مثله؟ فقال: نعم، قال: وكذلك الدواب.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأنه كراء بخيار، فلا يجوز إذا نقد؛ لأنه إن خرج قبل انقضاء الأمد رد عليه كراء ما بقي من الأمد، فدخله كراء وسلف، ويجوز إذا لم ينقد، وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، وقول ابن القاسم وروايته عن مالك في أول كتاب الجعل والإجارة من المدونة، وقول مالك في رسم الشجرة، ورسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب كراء الرواحل والدواب، قياسا
على البيع الذي يجوز أن يكون أحد المتبايعين فيه بالخيار.
وقال سحنون: لا يجوز؛ لأنه كراء إلى أجل مجهول، وقول ابن القاسم وروايته عن مالك أظهر؛ لأنه بمنزلة أن يقول الرجل للرجل قد بعتك من صبرتي هذه ما شئت، كل قفيز بدرهم، وبالله التوفيق.
###: كراء البئر لسقي الزرع حتى حصاده فتهورت بعد السقي
من سماع أشهب وابن نافع من مالك رواية سحنون من كتاب الأقضية الأول قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع، قالا: سألنا مالكا عمن أكرى بيره رجلا سنة يسقي بها زرعه، أو أكراه إياها حتى يحصد زرعه، فتهورت بيره بعدما يسقي، فقال: يكون له من الكراء بقدر ما سقى من السنة أو من الأيام التي يحصد فيها زرعه، مثل العبد يؤاجره شهرا فيعمل بعضه ثم يموت، فكذلك بير الزرع إذا سقى به بعض السنة ثم تهور البير أخذ مما آجره به إياها بقدر ما سقى من السنة إن كان انتفع بما سقى من زرعه استكراها صيفة وشتاء، فسقى صيفة وحصد زرعه ثم هارت البير فله كراء الصيفة بحسب ما أكراه من الصيفة والشتاء؛ وإن كان سقى زرعه ثم هارت البير ولم يحصد شيئا من زرعه، ولم ينتفع به فمات الزرع لم يكن له
عليه فيما سقى شيء، ورد عليه الكراء كله؛ لأنه لم ينتفع به، وأما إذا انتفع بمائه وسقى عليه وحصد ثم هارت البير فإنه يأخذ منه من الكراء بحسب ما آجره السنة بعشرة دنانير فسقى ستة أشهر ثم هارت البير فإنه يرد عليه نصف كرائه ويأخذ كراءه على ما أحب أو كره، ليس عليه أن يرد إلا ذلك قط.
وعمارة البير شديدة، وربما أنفق عليها المال الكثير والعين كذلك، فإن قال الذي كان له الزرع هات العشرة دنانير من كراء البير أعمر بها البير فذلك له، فإن زاد من عنده عشرين دينارا فليس له على صاحب البير من ذلك شيء.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة جيدة صحيحة على معنى ما في المدونة وغيرها؛ لأن الحكم في تهور البير المكتراة لسقي الزرع كالحكم في تهور البير في الأرض المكتراة للزرع في أن جميع الكراء يبطل، وإن سقى بعض السنة إذا بطل الزرع ولم ينتفع بما سقى، وفي أن له أن ينفق في إصلاح البير كراء سنة واحدة؛ لأنه يحيي بذلك زرعه ولا ضرر فيه على رب البير أو الأرض، وفي أنه إن سقى بعض السنة فانتفع بما سقى كان عليه من الكراء بحساب ذلك.
وقوله فإن زاد من عنده عشرين دينارا فليس له على رب البير من ذلك شيء، يريد: إلا أن يكون له فيه نقض قائم من حجر أو آجر وشبهه فله قيمته مقلوعا، إلا أن يخلي بينه وبين قلعه، وبالله التوفيق.
###: تهور البئر المؤجرة قبل انقضاء المدة ورفض صاحب الأرض تعميرها
ومن كتاب الأقضية قال: وسألته عمن تكارى أرضا ونقد كراءها فزرع في الأرض فبلغ الزرع حتى سنبل ثم تهور البير فأبى صاحب الأرض أن يعمرها، فقال لي: إن شاء المتكاري أخذ منه كراء سنة واحدة مما دفع إليه فعمر به البير وليس له أن يأخذ كراء السنين كلها، ليس له أن يأخذ إلا كراء سنة، فإن كره ذلك ترك الزرع يبطل وأخذ كراءه كله، ولم يكن لصاحب الأرض شيء.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة أن البير إذا تهورت بعد أن يزرع المكتري فأبى رب الأرض من إصلاح البير كان من حق المكتري أن ينفق فيها كراء تلك السنة وحدها، وإن كان قد نقده فيؤخذ من رب الأرض وينفق في إصلاح البير، وإن كان قد استهلكه ولم يوجد له مال، كان للمكتري أن ينفقه عنه، ويكون له سلفا عليه، وإن لم يكن في كراء السنة ما يقوم بإصلاح البير، وأراد المكتري أن يزيد فهو متطوع بالزيادة، لا شيء له فيها إلا أن يكون فيما أخرج من ذلك شيء قائم فيكون له أن يأخذه إلا أن يعطيه رب الأرض قيمته مقلوعا، وإن انهارت البير قبل أن يزرع وأبى رب الأرض من إصلاح البير انفسخ الكراء ولم يكن للمكتري أن ينفق من كراء الأرض في البير شيئا، فإن أنفق فهو متطوع فيما أنفق يكون لرب الأرض كراؤه كاملا للسنين كلها التي كان الكراء إليها أو لما كفى الماء الذي عاد في البير بنفقة المكتري فيها منها، أعني من السنين المكتراة ولا شيء له فيما أنفق إلا في نقض قائم
من حجر أو آجر أو شبه ذلك، فيكون له أن يأخذه إلا أن يعطيه رب البير والأرض قيمة ذلك مقلوعا، هذا معنى ما في كتاب ابن المواز والمدونة وغيرهما والذي يأتي على أصولهم، وبالله التوفيق.
###: بناء المؤجر الدار التي تهدمت قبل انقضاء المدة بما عليه من الكراء
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب العرية قال عيسى بن دينار: سئل ابن القاسم: عن الرجل يكتري داره من الرجل سنة فلم يقم فيها إلا شهرين حتى تهدمت فقام الذي تكارها فبناها بما عليه من الكراء وصاحب الدار غائب فلما سكن السنة جاءه صاحب الدار يطلب منه الكراء، وادعى الآخر أنه بناها ما ترى فيها؟ قال ابن القاسم: يكون لصاحب الدار من الكراء بقدر ما سكن المتكاري قبل أن تهدم، ويكون له كراء العرصة فيما بعد الهدم وليس للمتكاري إلا نقض بنيانه إلا أن يعطى قيمته نقضا.
فإن كان ليس فيه نقض ينتفع به مثل الجص والتزويق والتراب، فليس له فيه شيء، وكل نقض لا ينتفع به إذا قلع مثل الجص والتزويق والتراب فلا شيء فيه.
قال محمد بن رشد: الذي يأتي على أصولهم في الدار المكتراة ينهدم منها ما يذهب أكثر منافعها أو منفعة البيت الذي هو وجهها أو يكشفها بانهدام حائطها وما أشبه ذلك أن المكتري يكون في ذلك مخيرا بين
أن يسكن بجميع الكراء أو يخرج، فإن أراد أن يسكن على أن يحط عنه ما ينوب ما انهدم من الكراء لم يكن ذلك له إلا أن يرضى بذلك رب الدار فإن رضي بذلك رب الدار جرى جوازه على الاختلاف في جمع الرجلين سلعتهما في البيع، وإن بنى المكري الدار قبل أن يخرج المكتري منها لزمه الكراء ولم يكن له أن يخرج، وإن بناها بعد أن خرج لم يكن عليه الرجوع إليها إلا أن يشاء، وإن سكت وسكن الدار مهدومة لزمه جميع الكراء.
هذا الذي يأتي على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة.
فقوله في هذه الرواية إنه يكون لصاحب الدار كراء العرصة فيما بعد الهدم خلاف مذهبه في المدونة.
وأما قوله وليس للمتكاري إلا نقض بنيانه إلى آخر قوله فهو صحيح على مذهبه.
والهدم في الدار المكتراة ينقسم على قسمين: أحدهما: أن يكون يسيرا، والثاني: أن يكون كثيرا، واليسير على ثلاثة أقسام: يسير لا مضرة فيه على الساكن ولا ينقص من كراء الدار شيئا، ويسير لا مضرة فيه على الساكن، إلا أنه ينقص من قيمة كراء الدار، ويسير فيه مضرة على الساكن إلا أنه لا يبطل من منافع الدار شيئا.
والكثير على ثلاثة أقسام أيضا: كثير يعيب السكنى وينقص من قيمة الكراء، ولا يبطل من المنافع شيئا، وكثير يبطل اليسير من منافع الدار كالبيت ينهدم منها وهي ذات بيوت، وكثير يذهب أكثر منافعها أو منفعة البيت الذي هو وجهها أو يكشفها بانهدام حائطها، أو ما أشبه ذلك، وقد ذكرنا حكم هذا الوجه، وأما حكم سائر الأقسام فلها موضع غير هذا تذكر فيه، وبالله التوفيق.
###: كراء منازل فيها علو ليس له سلم
ومن كتاب يوصي لمكاتبه بوضع نجم من نجومه وسئل: عن رجل اكترى منازل سنة، وفي المنازل علو ليس له سلم، فقال لصاحب المنازل اجعل للعلي سلما فإنا لا نخلص إليه فتوانى فيه فلم يجعل له سلما ولم ينتفع به المتكاري حتى انقضت السنة، قال: ينظر إلى ما يصيب ذلك العلو من الكراء، فيطرح عن المتكاري.
قال محمد بن رشد: إنما قال إنه إذا لم يجعل المكري للمكتري سلما يخلص به إلى الانتفاع بالعلو حتى انقضت السنة أنه لا كراء عليه فيه؛ لأنه باع منه جميع منافع الدار، فعليه أن يسلمها إليه، وإسلامه للعلو هو بأن يجعل له سلما يرقى عليه، والكراء في هذا بخلاف الشراء، لو باع منه الدار، وفيها علو لا يرتقى إليه إلا بسلم لم يكن عليه أن يجعل له سلما يرتقي عليه، كما لا يلزمه أن يجعل له دلوا وحبلا يصل به إلى ماء البير؛ لأن ما باع منه قد أسلمه إليه فهو إن شاء أسكنه وإن شاء هدمه وإن شاء باعه وفعل به ما يفعله ذو الملك في ملكه، لا يمنعه من التصرف فيه بما شاء من هذه الوجوه كونها دون سلم.
وقد ذهب ابن العطار في وثائقه قياسا على هذه المسألة إلى أن من باع دارا لها علو وفيها سلم ينقل من موضع إلى موضع أنه للمشتري وإن لم يشترطه، وليس قوله بصحيح، بل لا يكون للمشتري إلا أن يكون سلما من خشب في هيئة الدرج متخذا لذلك العلو، ولو صح قياس الشراء على الكراء لوجب أن يكون على البائع أن يأتيه بسلم للعلو من الدار وإن لم يكن في الدار سلم يوم البيع، وهذا ما لم يقله ابن العطار، فما أصاب في قوله ولا في قياسه، ولا يلزم في الكراء أن يأتيه بدلو وحبل لاستقاء الماء من البير، كما يلزمه أن يأتيه بسلم
يرقى عليه إلى علية الدار.
فالفرق بين الموضعين أنه باع منه منافع العلية ولم يبع منه ماء البير، وإنما أكرى منه دارا فيها بير لها ماء ينتفع بما شاء منه إن شاء، وذهب ابن العطار أيضا إلى أن من باع دارا وفيها مطاحن مبنية يكون للمبتاع السريد والحجر الأسفل وللبائع الحجر الأعلى قياسا على ما قاله بعض الشيوخ أن معنى قوله في المدونة: لا شفعة في الأرحى، إنما يعني بذلك الحجر الأعلى، وأما الحجر الأسفل ففيه الشفعة؛ لأنه من البناء كقدر الحمام، وهي تفرقة لا وجه لها، إذ لا ينتفع بأحد الحجرين دون الآخر، فعلى ما في المدونة لا شفعة فيهما، وعلى رواية عيسى عن ابن القاسم في رقيق الحائط فيهما الشفعة، وأما المطاحن المبنية في الدار المبيعة فالصواب أنها للبائع، ولا يعتبر بكونها مبنية في الدار إذ ليست من بناء الدار ولا من أنقاضه، وإنما هي عروض للبائع لا يستحقها المبتاع بكونها منصوبة في الدار التي ابتاع، وبالله التوفيق.
مسألة: كراء الدار سنة واختلاف المتكاريين في دفع الأجرة
مسألة قال ابن القاسم: قال مالك: إذا تكارى الرجل الدار سنة بعينها فسكن سنة ثم جاء صاحب الدار عند انسلاخ السنة يطلب منه الكراء، فقال: قد قبضته مني، لم يقبل قوله عليه، وعليه كراء تلك السنة، إلا أن يأتي منه ببراءة إذا قام عليه بحدثان ذلك، وإن طال ذلك بعد انسلاخ السنة ثم جاءه بعد ذلك يطلب منه كراء السنة، فقال: قد دفعته إليه، كان القول قوله، ولم يكن لصاحب
الدار عليه إلا يمينه بالله لقد قضى إليه دنانيره، فلا يبالي خرج من الدار أو كان فيها إذا طال ذلك، القول قوله مع يمينه ويبرأ، ولو كان أكراه السنة بعينها فسكن بعد ذلك تسع سنين وصاحب الدار ينظر إليه لم يواجبه على كراء، ثم جاء بعد عشر سنين يطلب كراء السنة الأولى وكراء التسع سنين التي كانت بعد السنة فلا شيء له في كراء السنة الأولى، إذا قال قد دفعته، وله قيمة كراء التسع سنين إذا قام بحدثان انسلاخها إلا أن يأتي الساكن ببراءة تبرئه من الكراء، وإلا لم يقبل قوله.
وإن خرج من الدار وطال ذلك ثم جاء يطلب الكراء فلا شيء له لا كراء السنة، ولا كراء التسع سنين، إذا زعم أنه قد دفع ذلك ويحلف ويبرأ، فإذا قام يطلب ذلك بحدثان ذلك، فله كراء التسع سنين وإن كان قد خرج من الدار، وإذا سكن الدار عشر سنين، وكان صاحب الدار يجدد عليه الكراء كل سنة ويشهد عليه ثم جاء بعد ذلك يطلب كراء تلك العشر سنين كلها فلا شيء له إذا زعم أنه قد دفع ذلك إليه إلا كراء السنة الأخيرة إن كان قام بحدثان ذلك، وإن كان قد خرج وطال ذلك ثم قام يطلب فلا كراء له فيما مضى ولا في السنة الأخيرة.
وإنما يكون له كراء السنة الأخيرة إذا قام بحدثان انسلاخها، وأما إذا طال ذلك فلا
شيء له، وتجديد كراء السنة بعد السنة براءة من التي قبلها مع يمين الساكن.
وأما إذا أكراها عشر سنين مسجلة فلما انسلخت جاء يطلب الكراء فإنه إن جاء يطلبه بحدثان انسلاخ العشر سنين فله الكراء إلا أن يأتي الساكن منه ببراءة تبرئه، فإن قام يطلب ذلك بعد طول زمان، فالقول قول الساكن مع يمينه ويبرأ.
قلت: فلو استكرى منه سنة، فلما سكن ستة أشهر جاءه يطلب الكراء، فقال: قد دفعت إليك جميع كراء السنة، أيكون القول قوله أم ماذا العمل فيه؟ ولأي شيء جعلت القول قول رب الدار إذا قام يطلب ذلك بحدثات السكنى؛ قال: لا يقبل قوله في السنة ولا بحدثان ذهابها، وكذلك قال مالك؛ لأنه أمر ليس فيه فوت.
قال محمد بن رشد: مراعاة العرف في دعوى المتكاري دفع الكراء أصل متفق عليه في المذهب لا اختلاف فيه عند مالك وأصحابه، فجوابه في هذه الرواية على أن العرف كان عندهم أن من اكترى دارا سنة بكذا، أو كل سنة بكذا، ولم يقل كل شهر بكذا أو سنين مسماة بكذا، ولم يقل كل شهر بكذا أو كل سنة بكذا أن الكراء إنما يدفعه عند انقضاء السنة التي اكترى، أو عند انقضاء السنين التي اكترى، ولذلك قال: إنه لا يصدق إذا ادعى دفع كراء السنة التي اكترى أو السنين التي اكترى بحدثان انسلاخها، وإنما يصدق إذا ادعى دفع ذلك بعد طول زمان، خرج من الدار أو كان ساكنا فيها، ولو كان العرف بالبلد دفع الكراء شهرا بشهر وإن كان اكترى منه سنة أو سنتين على ما هو العرف عندنا لوجب أن يكون
القول قول المكتري في دفع كراء ما مضى من الأشهر، والقول قول رب الدار في الشهر الآخر ما لم يطل الأمر بعد انقضائه.
والذي جرى به العمل أنه إذا مضى أكثر الشهر كان القول قول المكتري في دفع كراء الشهر الذي قبله، وإذا لم يمض منه أكثره كان القول قول رب الدار إنه ما قبض كراء الشهر الذي قبله، وقيل: إن القول قوله ما قبض كراء الشهر الفارط ما لم ينقض الشهر الذي هما فيه.
وأما قوله في هذه الرواية إذا أكرى منه السنة بعينها ثم سكن بعد ذلك تسع سنين وصاحب الدار ينظر إليه لم يواجبه فيها على كراء، ثم قام بعد انقضاء العشر سنين يطلبه بكراء السنة الأولى وكراء التسع سنين أنه إن قام بحدثان انسلاخها فله قيمة كراء التسع سنين، ولا شيء له من كراء السنة الأولى، وإن قام بعد طول فلا شيء له، لا كراء السنة ولا كراء التسع سنين، إذا زعم أنه قد دفع ويحلف ويبرأ.
فقوله فيها إن له قيمة كراء التسع سنين لا على حساب كراء السنة الأولى، وهو مثل قوله في كتاب كراء الرواحل والدواب من المدونة فيمن اكترى دابة يوما فبحسبها شهرا أن عليه في التسعة وعشرين يوما كراء مثلها على قدر ما استعملها لا على حساب كراء اليوم، ومثل ما اختاره في رسم إن خرجت بعد هذا، ولا يعتبر في هذه المسألة على هذا القول بالعرف إن كان العرف بالبلد تأدية الكراء فيه سنة بسنة إذا لم يواجبه في التسع سنين على كراء معلوم، ويعتبر به على القول الآخر وعلى مذهب غيره، وهو أشهب الذي يرى عليه الكراء في التسع سنين
على حساب كراء السنة، لكونه حاضرا معه لأنه كأنه قد واجبه في كراء التسع سنين على مثل كراء السنة الأولى، وهو نص قوله في الدمياطية، قال: القول قول المكتري لما مضى من السنين، ويغرم السنة التي هو فيها.
ولو سكن التسع سنين وصاحب الدار غائب لم يواجبه فيها على كراء لكان القول قول صاحب الدار أنه ما قبض كراء التسع سنين إذا قام بحدثان انقضائها وإن كان العرف بالبلد قبض الكراء فيه سنة بسنة على قولهما جميعا، وإنما يختلفان فيما يجب على الساكن في التسع سنين.
فمذهب أشهب أنه يجب عليه فيها الأكثر من كراء مثلها أو على حساب كراء العام الأول، ومذهب ابن القاسم أنه يجب عليه فيها كراء مثلها بالغا ما بلغ كان أكثر من كراء السنة أو أقل، وهذا على أصل قد اختلف فيه قوله على ما سنذكره في رسم إن خرجت بعد هذا، إن شاء الله، وبه التوفيق.
###: سكوت المكري عن الأجر الذي أخبره به المؤجر
ومن كتاب أوله أوصى بعتق أمهات أولاده وسئل: عمن استكرى بيتا يسكنه، فقال المكري: هو بدينار ونصف في السنة، وقال المستكري: لا والله لا أعطيك إلا دينارا، فإن رضيت سكنت على هذا، وإلا انتقلت، فسكت ولم يجبه بشيء، فلما انقضت السنة لزمه بدينار ونصف، قال ابن القاسم: لا أرى له إلا دينارا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة جيدة تبين ما مضى في نوازل
سحنون من كتاب جامع البيوع، وقد مضى القول عليها هناك مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
###: كراء الدار مدة أخرى بدون اتفاق مع صاحبها
ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار وسئل: عن رجل أكرى من رجل دارا سنة فلما انقضت السنة سكن الداخل في الدار بعد السنة ستة أشهر ولم يواجب صاحب الدار على كراء، ثم طلب صاحب الدار الكراء ماذا يأخذ منه؟ أبحساب ما تكارى منه للسنة الماضية؟ أم قيمة كراء الستة أشهر؟ فقال: قد قيل فيها القولين جميعا، وأحب إلي أن يقوم كراء الستة أشهر التي سكن ويعطي كراءها.
قال محمد بن رشد: الاختلاف في هذه المسألة جار على اختلاف قوله: هل السكوت كالإقرار أم لا؟ فعلى القول بأن السكوت كالإقرار إذا علم رب الدار بسكناه في الدار بعد انقضاء العام، كان عليه فيما سكن بحساب كراء العام؛ لأنه يحمل كل واحد منهما على الرضا به، وإن لم يعلم رب الدار بسكناه فيها بعد انقضاء العام، مثل أن يكون غائبا، فيكون على الساكن فيما سكن بعد انقضاء العام الأكثر من كراء المثل، أو على حساب كراء العام؛ لأنه يحمل على الساكن الرضا بحساب كراء العام إن كان كراء المثل أقل، وهو أحد قولي ابن القاسم وقول غيره في المدونة، وقول ابن الماجشون في الواضحة، قال: أما ما كان مما يرجع به إلى ربه، فيحوزه بغلق من دار وبيت وحانوت، ورب ذلك ساكت حاضر عالم لا ينكر
فله بحساب الكراء الأول، وما قال مثل المزرعة وما إذا فرغ من الوجيبة بقي براحا لا جدار عليه ولا غلق ولا آلة ترد إلى صاحبها، فله فيما زاد الأكثر من القيمة أو الوجيبة؛ لأنه تعدى عليه بغير أمره ولا علمه، واختار ذلك ابن حبيب وعلى القول بأن السكوت لا يكون كالإقرار يكون على الساكن فيما سكن بعد انقضاء العام كراء المثل بالغا ما بلغ، كان أقل من حساب كراء العام أو أكثر، كان رب الدار حاضرا أو غائبا، وهو أحد قولي ابن القاسم واختياره في هذه الرواية، وبالله التوفيق.
###: يكتري الأرض فإذا استحصد زرعه أتاه برد فأوقع حبه كله في الفدان
ومن كتاب الثمرة وقال، في رجل يكتري الأرض فيزرعها، فإذا استحصد زرعه أتاه برد فأوقع حبه كله في الفدان فأخلف وصار فيه زرع، لمن يكون الزرع؟ قال: الزرع لرب الأرض وليس للمتكاري فيه قليل ولا كثير؛ لأن سنته قد انقضت؛ لأن مالكا سئل عن رجل بذر أرضه، فأتى سيل فذهب بالبذر كله إلى أرض غيره، فنبت وصار زرعا، قال: الزرع لرب الأرض، وليس لصاحب البذر قليل ولا كثير، فمسألتك مثله.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في مسألة الذي انتثر زرعه في أرض اكتراها لسنة فنبت فيها في عام قابل: إنه لصاحب الأرض - هو مثل قوله في كتاب كراء الأرضين من المدونة، وقياسه لذلك على قول مالك في الذي يبذر أرضه فيجر السيل بذره إلى أرض جاره فينبت فيه: إنه لصاحب الأرض صحيح، إذ لا فرق بين المسألتين؛ لأن البذر مستهلك
في المسألتين لا يقدر صاحبه على أخذه من أرض صاحب الأرض، وهذا مثل ما في المدونة سواء؛ لأن معنى قوله فيها فحمل السيل زرعه إلى أرض رجل آخر، فنبت فيه، معناه: فحمل السيل بذره إلى أرض رجل آخر فنبت فيه، إذ لا ينبت الزرع وإنما ينبت البذر، وبدليل هذه الرواية أيضا؛ لأنه نص فيها على أن السيل إنما ذهب بالبذر لا بالزرع بعد نباته، وقد اختلف إذا ذهب السيل بالزرع إلى أرض الرجل بعد أن نبت وظهر على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لصاحب الأرض أيضا، وعليه قيمته مقلوعا، إن كانت له قيمة، روي ذلك عن سحنون.
والثاني: أنه لربه، وعليه كراء الأرض ما لم يجاوز كراؤها الزرع فلا يكون عليه أكثر منه، يريد أنه يكون مخيرا بين أن يتركه لرب الأرض، وبين أن يكون له ويكون عليه كراء الأرض.
قاله سحنون في كتاب المزارعة، وقال في كتاب ابنه: ولا يكون كالمخطئ، والمخطئ كالعامد، ولا يكون أسوأ حالا من المكتري للأرض مدة فتتم المدة، وله فيها زرع أخضر، وقد علم حين زرع أنه لا يطيب في المدة.
فقال مالك: له الزرع وعليه كراء زيادة المدة.
والثالث: أنه إذا لم يكن فيه منفعة فهو للذي جره السيل إليه، وإن كانت فيه منفعة وله قيمة فهو لصاحبه وعليه كراء الأرض، روى ذلك ابن وضاح عن سحنون، وقد قيل: إنه إذا جره السيل وهو بذر قبل أن ينبت أنه لصاحبه وعليه كراء الأرض وهو بعيد، وبالله التوفيق.
[مسألة: أجَّر الحمَّام برقيقه فمات الرقيق قبل انقضاء المدة]
مسألة وسئل: عن الرجل يكون له الحمام، وفيه الرقيق يقومون بأمره، فأكراه رجلا سنة برقيقه فماتت الرقيق إلى ستة أشهر،
هل يفسخ جميع الكراء، أو انهدم الحمام وبقيت الرقيق؟ قال: إن ماتت الرقيق قبل السنة وبقي الحمام كان الكراء بحاله في الحمام إلى تمام السنة ونظر إلى كراء الرقيق من جملة الكراء، فإذا عرف كراؤهم قوم كراؤهم فيما عملوا من السنة، فكان لسيدهم ورد ما بقي، وإن كان الحمام انهدم والرقيق باقية انفسخ الكراء في الرقيق والحمام، ونظركم كراء الحمام والرقيق فيما مضى من السنة ففض على جميع الكراء الثمن فكان ذلك له.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه إذا اكترى الحمام برقيقه ليقوموا له بأمره فانهدم الحمام لم ينتفع بالرقيق، فسواء انهدم الحمام في أول السنة أو بعد أن مضى أكثرها، له رد الرقيق، وينفسخ الكراء في الجميع لما بقي من المدة، ولا يقال إذا انهدم الحمام بعد أن مضت أكثر السنة إنه ليس له أن يرد الرقيق فيما بقي من السنة وإن كان قد سلمت له جل صفقته، إذ لا منفعة له فيهم إذا انهدم الحمام؛ لأنه إنما هو بمنزلة من اكترى دارا فلما سكن أكثر المدة انهدم منها بيت يضر به في سكناه، فله أن يرد الدار لما بقي من المدة، ولو كان اكترى الحمام ورقيق صاحب الحمام ليخدموه في غير الحمام فانهدم الحمام بعد أن مضت أكثر المدة لم يكن له أن يرد الرقيق؛ لأنه قد سلمت له جل صفقته فنال وجه ما طلب، كما أنه لو اكترى حمامين أو دارين فانهدم أحدهما وقد مضت أكثر المدة لم يكن له أن يرد الآخر، وإن كان الذي انهدم منهما هو جلهما من أجل أنه قد سلمت له جل صفقته إذ قد مضت أكثر المدة فنال وجه ما طلب.
ويدخل في هذا الوجه اختلاف بالمعنى من مسألة من اشترى عبدين في صفقة
واحدة، أحدهما تبع لصاحبه، فاستحق جل الأدنى منهما؛ لأن ابن القاسم يرى له رده، خلاف ما ذهب إليه سحنون فتدبر ذلك.
وأما إذا مات الرقيق الذين اكتراهم مع الحمام لخدمة الحمام وبقي الحمام فلا ينفسخ الكراء في الحمام إلا أن يكونوا ماتوا في أول السنة وهم الجل في الكراء، مثل أن يكون كراء الحمام برقيقه خمسين، ودون الرقيق عشرة، وما أشبه ذلك، وبالله التوفيق.
###: كراء الدار التي فيها نخل إلى سنة ثم انهدمت الدار
ومن كتاب حمل صبيا على دابة قال ابن القاسم: إذا اكترى الرجل دارا إلى سنة وفيها نخل تبع للدار واشترطها المكتري فسكن ستة أشهر ثم انهدمت الدار فإنه يقوم كراء الدار، فإذا عرف قيمتها نظر ما قيمة النخل من تلك القيمة إن كانت ثلثا أو ربعا أو أدنى من ذلك فيأخذ من كراء السنة ذلك الاسم، ثم ينظر ما قيمة كراء تلك الستة الأشهر التي سكن، وقيمة كراء الستة الأشهر الباقية، فيفض ما بقي من الكراء بعد إخراج قيمة النخل على الستة الأشهر التي سكن والستة التي بقيت.
قال محمد بن رشد: يريد وتكون الثمرة للمكتري إن كانت قد طابت ويكون عليه ما وقع عليها من الكراء مع ما يجب للستة الأشهر التي سكن، وأنها ترجع لرب الدار إن كانت لم تطب ويحط عن المكتري ما يقع عليها من الكراء وعلى ما بقي من المدة، فإن كانت الثمرة تقع في الثلث من الكراء وانهدمت الدار بعد أن سكن ستة أشهر كانت الثمرة للمكتري إن كانت قد طابت، وكان عليه ثلثا الكراء، وإن كانت لم تطب
رجعت إلى رب الدار، وكان على المكتري ثلث الكراء على ما يأتي له في سماع أبي زيد.
وذهب محمد بن المواز إلى أن الثمرة ترجع إلى ربها طابت فيما مضى من المدة أو لم تطب، ويكون على المكتري من الكراء إن كان سكن ستة أشهر نصف ما يقع منه على الدار إذا فض عليه وعلى الثمرة.
يريد محمد: إلا أن تكون الثمرة قد طابت في الستة الأشهر التي سكن وهي تبع لها، وذلك بأن تكون الثمرة تقع من كراء السنة السدس فأقل، فتكون للمكتري ويكون عليه ما نابها من الكراء مع ما يجب لما سكن.
وقول محمد بن المواز أظهر، ومثله حكى ابن حارث عن أشهب، ووجه قول ابن القاسم أن أصل العقد لم يكن فيه تهمة إذ كانت الثمرة حينئذ تبعا، ولا يعتبر بما يطرأ من الهدم بعد صحة العقد، وقد كان يجب على هذا أن تكون الثمرة له وإن لم تطب، وذلك ما لا يقوله ابن القاسم ولا غيره، فهو دليل على صحة قول محمد وأشهب.
ولو استحقت الدار إلا موضع الشجرة لرجعت الثمرة إلى المكتري طابت أو لم تطب، بخلاف الهدم؛ لأنه بمنزلة من باع ثمرة قبل طيبها حين ضمها إلى ما ليس له، قاله ابن حبيب، وقد قال في الذي يشتري الأرض ويستثني الزرع ثم تستحق الأرض وقد استحصد الزرع: إنه يكون للمشتري ويمضي البيع فيه؛ لأن أصله كان جائزا، ولا فرق بين الشراء والكراء، فعلى هذا تكون الثمرة إذا طابت للمكتري في الهدم والاستحقاق، وعلى قول محمد وأشهب ترجع الثمرة إلى ربها وإن طابت في الهدم والاستحقاق، وتفرقة ابن حبيب بين الهدم والاستحقاق قول ثالث، فقف على ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: يكتري الدار سنة وفيها نخل أو دالية غلتها أدنى من الثلث فيشترطها
مسألة قال ابن القاسم، في الرجل يكتري الدار سنة وفيها
نخل أو دالية غلتها أدنى من الثلث فيشترطها فيسكن ستة أشهر ثم يستقيله صاحب الدار أو المتكاري وقد نقد الكراء أو لم ينقد، والثمر بحالها لم تطب، إنه سواء نقده أو لم ينقد أيهما استقال فلا بأس به إذا كانت الثمرة يوم يستقيله تبعا لكراء الستة الأشهر التي يقيله منها بمنزلة أصل الكراء فيكون كله كأنه كراء حادث، فإن كانت الثمرة قد طابت فليصنعا ما أحبا، وسواء نقده أو لم ينقده في الدار، وليس ينزل النقد في الدور بيعا وسلفا، رجع ابن القاسم، وقال: هذا إذا لم ينقده، فإن كان نقده كان بيعا وسلفا، كذلك قال لي مالك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة تحصيل القول فيها أن الثمرة لا تخلو أن تكون في حين الإقالة قد طابت أو لم تطب، فإن كانت قد طابت وتركها لرب الدار، فذلك جائز بكل حال، وإن أبقاها لنفسه فذلك جائز إن كانت تبعا للستة الأشهر التي سكن، مثل أن يكون السدس من جميع كراء السنة فأقل، فيكون الثلث من الستة الأشهر التي سكن أو أقل، وإن كانت لم تطب وأبقاها لنفسه فلا يجوز بحال، وإن تركها لرب الدار جاز إن كانت تبعا لما بقي؛ لأنه يصير كابتداء كراء اكتراه المكري من المكتري، ولم يجز إن لم يكن تبعا للستة الأشهر الباقية، وقد مضى في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم وجه الاختلاف في الإقالة من بقية السكنى بعد النقد، وإن إجازة ذلك قياسا على السلع المعينة وكراهيته تشبيها بما في الذمم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
###: اكترى دارا سنة ولم ينقد الكراء فسكن شهرين ثم سأله المكتري أن يقيله فأبى
ومن كتاب حبل حبلة وسئل: عن رجل اكترى دارا سنة باثني عشر دينارا ولم ينقد الكراء فسكن شهرين، ثم سأله المكتري أن يقيله فيما بقي من السنة فأبى، فقال: أقلني وأنا أعطيك في الشهرين ستة دنانير كراء نصف سنة، قال: لا خير فيه، وهذا من وجه ضع وتعجل، ورواها أصبغ، وقال: يفسخ إن وقع عملهما على هذا.
قال محمد بن رشد: قوله: وهذا من وجه ضع وتعجل صحيح، إذ ليس بحقيقة ضع وتعجل، وإنما هو فعل قد يدخله ما يدخل ضع وتعجل من الزيادة في السلف، ويدخله أيضا البيع والسلف، وبيع عرض وذهب بذهب إلى أجل، وذلك إذا كان الكراء مؤخرا بشرط، أو كانت سنة الكراء عندهم على التأخير؛ لأنه إذا أكرى منه داره سنة باثني عشر دينارا مؤخرة عليه إلى انقضاء السنة فأقاله بعد شهرين على أن يعطيه ستة دنانير في الشهرين كان رب الدار قد أخذ منه دينارين واجب الشهرين اللذين سكنهما وتعجل أربعة دنانير من العشرة الباقية عليه من كراء العام إلى انقضائه، على أن يأخذ منه في تمام العشرة داره لبقية العام، ولعل كراءها لبقية العام لا يساوي إلا أربعة دنانير، فيكون كأنه قد تعجل ثمانية دنانير من عشرة مؤجلة، وإن كان كراء العشرة الأشهر الباقية قيمته ستة دنانير فأكثر لم يدخله ضع وتعجل؛ لأنه لم يضع شيئا، ويدخله بيع وسلف وذهب وعرض بذهب إلى أجل على كل حال؛ لأنه أخذ منه سكنى الدار عشرة أشهر بستة دنانير من العشرة التي بقيت له عليه إلى أجل على أن عجل له أربعة دنانير سلفا منه له، وباعه العشرة دنانير التي له عليه إلى أجل بأربعة دنانير معجلة وسكنى داره العشرة الأشهر التي بقيت من السنة.
وأما لو كان الكراء على النقد بشرط، أو على أنه يحل عليه شيئا بعد شيء بقدر ما سكن أو مبهما
مما يكون الحكم فيه هذا فسكن أشهرا ثم استقال من زيادة لم يكن به بأس؛ لأن ما حل له من الكراء ليس بمحسوب له في الإقالة، ولا من الزيادة، وهذا كله بين، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول له أؤاجرك داري أو إبلي كل سنة أو كل شهر بكذا وكذا
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول في الرجل، يقول للرجل: أؤاجرك داري أو إبلي أو غلماني كل سنة أو كل شهر بكذا وكذا، أو في السنة أو في الشهر بكذا وكذا: إن ذلك كله لا يلزم واحدا منهما، ومتى ما أحب المتكاري أن يخرج خرج، أو متى ما أحب المكري أن يخرجه أخرجه، قال مالك: إلا أن يقول: أكريك سنة بكذا وكذا أو شهرا بكذا وكذا، فليس لأحدهما أن يترك الكراء، ليس للمتكاري أن يخرج، وليس للمكري أن يخرجه حتى تنقضي سنة.
قال ابن القاسم: وأنا أرى في الذي يقول أكريك السنة بكذا وكذا، مثل ما قال مالك في وكل.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا إشكال فيها؛ لأن الكراء في الرباع على وجهين: أحدهما: أن يعقده المتكاريان لمدة معينة معلومة، والثاني: أن يسميا الكراء ويتفقان عليه ولا يتواجبان على مدة معينة معلومة، فإذا عقداه لمدة معينة معلومة لزمهما جميعا ولم يكن للمكتري أن