البيان والتحصيلصفحات 187-201
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة الخامس

صفحات 187-201
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال محمد بن رشد: هذا قول ابن نافع، وابن دينار، وغيرهما من أصحاب مالك.
وقد روى محمد بن يحيى السبائي عن مالك، أنه قال: ذلك واسع أن يقرأ من حيث انتهى الإمام، أو يبدأ السورة، وأحب إلي أن يبدأ بها، والأول أظهر: أن الاختيار أن يقرأ من حيث انتهى الإمام؛ لأنه خليفته على الصلاة يحل محله فيها، فكما يبني على ما مضى من ركوعه وسجوده، فكذلك يبني على ما مضى من قراءته - وبالله التوفيق.

مسألة: الإشارة بالأصبع في تشهد الصلاة

مسألة قال ابن القاسم: رأيت مالكا إذا صلى الصبح يدعو ويحرك أصبعه التي تلي الإبهام - ملحا، وإذا أراد أن يدعو رفع يديه شيئا قليلا يجعل ظاهرهما مما يلي الوجه - أرانيه ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في الإشارة بالأصبع في تشهد الصلاة، وفي رفع اليدين عند الدعاء - في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم - موعبا مستوفى، فلا وجه لإعادته هنا.

مسألة: صلى فنسي التكبير كله إلا تكبيرة الإحرام

مسألة وقال فيمن صلى فنسي التكبير كله إلا تكبيرة الإحرام، قال يسجد سجدتي السهو، وأنكر الإعادة.

قال محمد بن رشد: وهذه مسألة قد مضى القول فيها - موعبا في رسم "أوصى" من سماع عيسى، فأغنى عن إعادته.

مسألة: أراد أن يقرأ في الصبح تبارك فقرأ والسماء والطارق

مسألة وقال ابن القاسم فيمن أراد أن يقرأ في الصبح تبارك، فقرأ والسماء والطارق، قال: يتمها ويقرأ سورة أخرى طويلة؛ قيل له إمام وغيره؟ قال سواء.
ثم قال: كان ابن عمر يقرأ الثلاث سور.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20] . فلم يحد في ذلك حدا، فجائز للرجل أن يقرأ مع أم القرآن في الركعتين الأوليين من صلاته بما تيسر من القرآن - بعض سورة كان أو عددا من السور؛ وإن كان الاختيار أن يقرأ في كل ركعة بسورة تامة؛ لأنه المرئي من فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والذي استمر عليه العمل بعده.

مسألة: تيمم للصبح وصلى ثم قعد يذكر الله إلى طلوع الشمس

مسألة وقال ابن القاسم من تيمم للصبح وصلى، ثم قعد يذكر الله إلى طلوع الشمس، لا يصل به نافلة؛ لأن الوقت قد ذهب وطال.

قال محمد بن رشد: إنما قال ذلك؛ لأن الأصل كان ألا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة - على ما مضى القول فيه في (أول) سماع أبي زيد من كتاب الوضوء، وألا تصلى نافلة بتيمم فريضة وإن اتصلت بها؛ فإنما تصلى النافلة بتيمم الفريضة - إذا اتصلت بها - استحسانا، ومراعاة لقول من يقول: إن التيمم يرفع الحدث كالوضوء بالماء؛ فإذا لم يتصل بها وطال الأمر بينهما، واتسع الوقت لطلب الماء ثانية للنافلة، وجب أن ينتقض التيمم على الأصل، وألا يراعى في ذلك الخلاف، كما روعي إذا اتصلت بها، لكونها في اتصالها بها في معنى الصلاة الواحدة؛ وقد مضت هذه المسألة متكررة في سماع أبي زيد من كتاب الوضوء - والحمد لله.

مسألة: يرفع يديه في التكبير للصلاة

مسألة قال ابن القاسم: رأيت مالكا لا يرفع يديه في التكبير للصلاة، ولا أراه ترك ذلك، إلا أنه رأى أن ذلك من تعظيم الله وإجلاله؛ قال ولقد سألنا مالكا عن ذلك، فقال: ولم يرفع يديه؟ أيدرك تبارك وتعالى؟ ! فأنكر مالك رفع اليدين على الجنازة وفي الصلوات.
قال محمد بن رشد: قد أنكر على مالك إنكاره لرفع اليدين في الصلاة، للآثار المتواترة في ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأمر ابن لبابة بطرح هذه الرواية، وقال ما قالت الإباضية بأكثر من هذا؛ - يريد دفع السنن بالقياس والرأي، وقد وقع في بعض الروايات من كتاب الحج الأول من المدونة - تضعيف رفع اليدين في الإحرام وغيره، ونحا في رسم أوله "يتخذ

الخرقة لفرجه" من سماع ابن القاسم - إلى أن ذلك منسوخ، وقد مضى التكلم على ذلك هناك.

مسألة: صلى بثوب واحد ركعة فسقط الثوب عنه حتى بدت سوءة الرجل

مسألة وسئل عن رجل صلى بثوب واحد ركعة، فسقط الثوب عنه حتى بدت سوءة الرجل؛ قال: يستتر - ولاشيء عليه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في صدر سماع موسى، فلا وجه لإعادته.

مسألة: قصر في ستة وثلاثين ميلا أيعيد الصلاة في الوقت

مسألة وسئل عمن قصر في ستة وثلاثين ميلا، أيعيد الصلاة في الوقت؟ قال: لا إعادة عليه.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة قد مضى القول عليها في آخر أول رسم من سماع أشهب، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.

مسألة: في نوافل رمضان يسلم الإمام من ركعتين ويسهو الرجل عن السلام

مسألة وسئل عن الرجل يصلي خلف الإمام في نوافل رمضان، فسلم الإمام من ركعتين ويسهو الرجل عن السلام حتى يقوم معه في الثالثة، فيذكر - وهو قائم - قال لي: يجلس ويسلم، ثم يسجد سجدتي السهو، ثم يدرك الإمام؟ قلت: فإن ذكر - وهو راكع، قال لي يمضي معه ويسجد سجدتي السهو؛ قال: ورأيته يخففه ألا يكون عليه شيء.
قال محمد بن رشد: أما إذا ذكر - وهو قائم قبل أن يركع،

فلا اختلاف في أنه يرجع إلى الجلوس ويسلم ويسجد لسهوه؛ وأما إذا لم يذكر ذلك إلا وهو راكع، فقال ههنا: إنه يمضي معه ويسجد سجدتي السهو، - يريد قبل السلام لإسقاط السلام، وقيل أنه يرجع إلى الجلوس ما لم يرفع رأسه من الركوع فيسلم ويسجد لسهوه بعد السلام، ثم يدخل مع الإمام، وهذا الاختلاف جار على الاختلاف في عقد الركعة، هل هو الركوع؟ أو الرفع منه؟ والقولان قائمان من المدونة.

مسألة: يوتر بالمعوذات أيقرأ إذا استفتح بسم الله الرحمن الرحيم بين السورتين

مسألة (قال) وسألت ابن القاسم عن الذي يوتر بالمعوذات، أيقرأ إذا استفتح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بين السورتين؟ قال ترك ذلك أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة وتحصيل ما وقع فيها من الاختلاف في رسم "سنة" من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته هنا وبالله التوفيق.

صلاة الكسوف هل تصلى في المسجد الجامع في سقفه أوفي صحنه

مسائل نوازل سئل عنها سحنون بن سعيد وسئل عن صلاة الكسوف: هل تصلى في المسجد الجامع في سقفه أوفي صحنه، أو خارج من بيوت القرية؟ قال: تصلى صلاة الكسوف في المسجد، وكذلك صلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة الكسوف في المسجد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن السنة في البروز، إنما هي في العيدين والاستسقاء.

مسألة: صلاة المقيم الذي نوى السفر ودخل خلف الذي نوى الإقامة وهو يظنه مسافرا

مسألة وقال في رجل خرج في سفر فخرج معه رجلان فشيعاه، فحضرت الصلاة فتقدم المسافر فصلى بهما ونوى الإقامة في صلاته، ونوى أحد الرجلين السفر؛ قال: صلاتهم كلهم تامة، وليس يكون السفر بالنية، وإنما يكون بالعمل.
قال محمد بن رشد: قوله: ليس يكون السفر بالنية صحيح؛ لأن من نوى السفر لا يقصر الصلاة بمجرد نيته، حتى يخرج من بيوت قريته، أو يتحرك من موضعه - إن كان خارجا عن القرية، بخلاف من نوى الإقامة - وهو في السفر، فإنه يتم بمجرد نيته، فصلاة المسافر الذي نوى الإقامة تامة بإجماع، وأما صلاة المقيم الذي نوى السفر ودخل خلف الذي نوى الإقامة وهو يظنه مسافرا، فرأى سحنون صلاته تامة أيضا؛ ويدخل ذلك من الاختلاف ما يدخل في الذي يدخل خلف الإمام يوم الخميس وهو يظنه يوم الجمعة، وقد مضى القول في ذلك - موعبا في أول سماع ابن القاسم وبالله التوفيق.

مسألة: أم قوما فصلى بهم ركعتين ثم أحدث فقدم رجلا

مسألة وقال في رجل أم قوما فصلى بهم ركعتين، ثم أحدث فقدم رجلا، فقال المقدم: إني شككت في سجدتين (من) الركعة الثانية، ولا أدري أسجدتهما أم لا؟ والقوم شاكون بشكه، أو بعضهم يتيقن أنهما من الركعة الثانية، وبعضهم يقول سجدة واحدة من الأولى، وسجدة من الركعة الثانية.
قال: يسجدهما الثاني فتتم له ركعة ويسجد معه من كان شك بشكه؛ وأما من أيقن أنهما

من الأولى فلا يسجدهما، وتسجدهما الطائفة التي زعمت أن إحداهما من الأولى، والأخرى من الثانية مع الإمام الداخل، فتتم له ركعة، وتبطل عليه الأولى، ثم يبني عليها الإمام؛ فإذا فرغ الإمام، سلم وقامت الطائفة التي زعمت أنهما من الأولى، فتأتي بركعة.
قال محمد بن رشد: المسألة كلها صحيحة، إلا قوله وتسجدهما الطائفة التي زعمت أن إحداهما من الأولى، والأخرى من الثانية، فليس بصحيح؟ إنما ينبغي أن يسجدوا معه منهما الواحدة، ثم يقضوا ركعة بعد سلام الإمام، كما تفعل الطائفة التي زعمت أنها من الأولى - وبالله التوفيق.

مسألة: أم قوما فتعايا في قراءته

مسألة قيل لسحنون: أرأيت رجلا أم قوما فتعايا في قراءته، ففتح عليه رجل فلم يهتد الإمام لما فتح عليه، فتقدم الفاتح إلى الإمام فوقف معه في موضعه، فقرأ بهم حتى فرغ من السورة - والإمام قائم في القبلة منصت حتى ركع بهم الركعة التي بقيت عليهم، ثم سلم بهم الأول الفاتح عليه ومن خلفه بصلاة الإمام الأول؛ فقال: ما أرى صلاتهم كلهم الفاتح على الإمام، وغير الفاتح إلا فاسدة.
قال محمد بن رشد: وهذا بين - كما قال؛ لأنهم ائتموا بمأموم في حكم الإمام، ففسدت صلاتهم أجمعين.

مسألة: نسي خمس صلوات مختلفات من خمسة أيام

مسألة وسئل عمن نسي خمس صلوات مختلفات من خمسة أيام، لا يدري أي الصلوات هي؟ قال سحنون: يصلي صلاة خمسة أيام.

قال محمد بن رشد: هذا على القول المشهور في المذهب من اعتبار التعيين في الأيام، وقد مضى تحصيل القول في ذلك في رسم "أوصى أن ينفق على أمهات أولاده" من سماع عيسى، فمن أحب الوقوف عليه تأمله - هناك - وبالله التوفيق.

مسألة: صلى مع الإمام يوم الجمعة ركعة ثم رعف

مسألة وسئل سحنون عن رجل صلى مع الإمام يوم الجمعة ركعة ثم رعف فخرج يغسل الدم عنه، فلما غسل الدم عنه، حال بينه وبين الانصراف إلى المسجد واد أو أمر غالب؛ قال: يضيف إليها ركعة أخرى ثم يقوم فيصلي ظهرا أربعا.
قال محمد بن رشد: وهذا - كما قال؛ لأن من شرط الجمعة أن تكون في المسجد، فإذا لم يقدر على الرجوع إليه، بطلت الجمعة، وخرج عن نافلة، وصلى ظهرا أربعا، وقد مضى في رسم "سن" من سماع ابن القاسم - ما فيه بيان لهذه المسألة، فقف على ذلك.

مسألة: صلي مع الإمام فيسجد قبله ويركع قبله

مسألة قيل لسحنون أرأيت الرجل يصلي مع الإمام فيسجد قبله، ويركع قبله في صلاته كلها؛ قال: صلاته تامة - وقد أخطأ - ولا إعادة عليه ولا يعد.
قال محمد بن رشد: وهذا إذا سجد قبله وركع قبله فأدركه الإمام بسجوده وركوعه - وهو راكع وساجد، فرفع برفعه من الركوع والسجود، أو رفع قبله، وأما إن ركع ورفع - والإمام واقف قبل أن يركع، وسجد ورفع من السجود أيضا قبل أن يسجد الإمام؛ ثم لم يرجع مع الإمام في ركوعه وسجوده، وفعل ذلك في صلاته كلها، فلا صلاة له؛ واختلف إن فعل ذلك في ركعة واحدة، أو سجدة واحدة، فقيل تجزئه الركعة وقيل لا تجزئه وقد بطلت

عليه، فيأتي بها بعد سلام الإمام، فإن لم يفعل بطلت صلاته؛ وقد مضى في رسم "باع شاة" من سماع عيسى ما يدل على هذا الاختلاف، فتدبر ذلك - وبالله التوفيق.

مسألة: رجل في جواره مسجد فتجاوزه إلى غيره

مسألة وسئل عن رجل في جواره مسجد فتجاوزه إلى غيره، قال: إن كان إلى المسجد الجامع، فلا بأس به، وإن كان إلى غير ذلك، لم أر أن يجاوزه إلى غيره، إلا أن يكون إمامه غير عدل.
قال محمد بن رشد: قد روي عن مالك مثل هذا، وهو يدل على ما ذهب إليه ابن حبيب: أن الصلاة في المسجد الجامع بخمسة وسبعين صلاة، فهي أفضل من الصلاة في سائر المساجد والجماعات؛ خلاف ما ذهب إليه غيره من استواء الفضيلة في جميع المساجد، والجوامع، والجماعات؛ على ظاهر قول النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا، أو سبعة وعشرين جزءا» . ولم يخص جماعة من جماعة، ولا مسجدا من مسجد، وبالله التوفيق.

مسألة: الطحال هل يجوز للخراز أن يبطن به الخف

مسألة قلت لسحنون: أرأيت الطحال هل يجوز للخراز أن يبطن به الخف؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: الطحال حكمه حكم اللحم، لا حكم الدم؛ روي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «أحلت لنا ميتتان، ودمان: الحوت والجراد، والطحال والكبد.» فهو وإن جاز

للخراز أن يبطن به من أجل أنه طاهر ليس بنجس، إذ ليس بدم، فهو يكره من ناحية أن له حرمة الطعام، وقد مضى هذا من قول مالك في رسم "حلف" من سماع ابن القاسم - وبالله التوفيق.

مسألة: الإمام يسر في الجمعة عامدا أو جاهلا

مسألة وقال في الإمام يسر في الجمعة عامدا أو جاهلا فعليه الإعادة في قول علي بن زياد، وأما قول مالك فلا يعيد، وإن كان ناسيا - سجد.
قال محمد بن رشد: قد اختلف قول مالك في إيجاب الإعادة على من ترك الجهر في صلاته - متعمدا، وفي إيجاب السجود على من سها عن ذلك؟ وقد مضى ذكر ذلك في أول رسم من سماع أشهب في رسم "حمل صبيا" من سماع عيسى، فمن لم ير في ذلك السجود في السهو ولا الإعادة في العمد، جعله من مستحبات الصلاة لا من سننها - وبالله التوفيق.

مسألة: العراة يكون معهم ثوب واحد

مسألة قال ابن القاسم في العراة يكون معهم ثوب واحد، إنهم يصلون به أفذاذا واحدا، واحدا، ولا يجمع بهم إمامهم ليلا كان أو نهارا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ستر العورة في الصلاة واجب على الأعيان، فرض من فرائضها، أو سنة من سننها - على الاختلاف في ذلك؛ والصلاة في الجماعة سنة على الكفاية، فترك الجماعة في الصلاة أولى من ترك ستر العورة فيها، وإن كان الثوب لأحدهم - ولم يكن فيه فضل عما يستر

به عورته، لم يجبر على أن يعرى منه ويعطيهم إياه ليصلوا به؛ وأما إن كان فيه فضل عما يستر به عورته، فالواجب يجبر على ذلك؛ لأن المواساة إذا كانت تلزم في باب المعيشة، فهي في باب الدين ألزم - إن شاء تعالى، وبه سبحانه التوفيق.

مسألة: الأنعام إذا شربت من ماء غير طاهر هل تكون ألبانها طاهرة

مسألة قيل لسحنون: أرأيت الأنعام إذا شربت من ماء غير طاهر، هل تكون ألبانها طاهرة؟ قال: لا - وهي نجسة.
قال العتبي هي طاهرة، وهي بمنزلة النحل إذا أطعمت العسل الذي ماتت فيه فأرة.
قال محمد بن رشد: قول سحنون شذوذ في المذهب، إلا أن في كتاب الرضاع من المدونة ما ينحو إليه، وهو قوله في المراضع النصرانيات؛ وإنما غذاء اللبن مما يأكلن، وهن يأكلن الخنزير، ويشربن الخمر.
وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة قرب آخر رسم "الوضوء والجهاد"، من سماع أشهب من كتاب الوضوء.

مسألة: أم أحدهما صاحبه ثم يحدث الإمام منهما فيستخلف صاحبه

مسألة قال أبو زيد: وسئل أصبغ عن رجلين أم أحدهما صاحبه ثم يحدث الإمام منهما، فيستخلف صاحبه؛ قال أصبغ: لا يجوز له أن يبني على الصلاة؛ لأنه ليس معه آخر، فيكون خليفة على نفسه، لا يجوز له، ويقطع ويبتدئ ولا يجوز أن يبني، استخلفه أو لم يستخلفه.

قال محمد بن رشد: إنما لم يجز له أن يبني، وقال: إنه يقطع ويبتدئ؛ لأنه ابتدأ في جماعة، فلم يجز له أن يتم وحده - على أصله فيمن وجب عليه أن يصلي في جماعة فصلى - فذًّا، أن صلاته لا تجزئه؛ وقد مضى هذا المعنى في رسم "جاع"، ورسم إن خرجت من سماع عيسى، فقف على ذلك وتدبره، وبالله التوفيق.

مسألة: الإمام يصلي بقوم صلاة كسوف فتنجلي الشمس وهو في الصلاة

مسألة وسئل أصبغ عن الإمام يصلي بقوم صلاة كسوف، فتنجلي الشمس - وهو في الصلاة، وقد عقد ركعة ولم يسجد، قال أصبغ: يقضي صلاته على سنتها حتى يفرغ منها، ولا ينصرف منها إلا على شفع.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأنها صلاة، فإذا دخل فيها لم يصح له أن يقطعها من غير عذر حتى يتمها على سنتها - قياسا على سائر الصلوات؛ خلافا لمن شذ فقال: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما ركع ركعتين في ركعة لينظر إذا رفع هل انجلت الشمس أم لا؟ وهذا التأويل يبطل بأنه إنما صلى في المسجد، لا في الصحراء، وبالله التوفيق.

مسألة: صلى المغرب بقوم في الخوف فصلى بكل طائفة منهم ركعة وأتم القوم لأنفسهم

مسألة قال أصبغ في إمام صلى بقوم صلاة المغرب في الخوف، فجهل فصلى فجعل القوم ثلاث طوائف، فصلى بكل طائفة منهم ركعة، وأتم القوم لأنفسهم؛ أرى صلاة الإمام، والأوسطين، والآخرين، تامة؛ وأرى صلاة الأولين فاسدة، وذلك أنهم قضوا ركعتين تامتين في غير موضع قضاء؛ لأن السنة كانت أن يصلي بالطائفة الأولى ركعتين،

ثم يتمون لأنفسهم؛ فلما صلى بهم ركعة، ثم صلوا هم بقية صلاتهم دونه؛ كانوا قد صلوا ركعة واحدة من صلاة الإمام بلا إمام، فلذلك فسدت صلاتهم، وأجزأت الآخرين والأوسطين؛ لأن الأوسطين كأنهم دخلوا في صلاة الأولين، فأدركوا من صلاتهم ركعة، فصلوا معهم، ثم قضوا لأنفسهم؛ وأما الآخرون فصلى بهم ركعة - كما كان ينبغي (له) أن يفعل.
قلت: فلو كانت صلاته هذه ظهرا، أو خوفا في حضر - فجهل الإمام فجعل القوم أربع طوائف، وصلى بكل طائفة ركعة، قال أصبغ: تجزئ الإمام الصلاة، والطائفة الثانية، والرابعة، وتفسد صلاة الطائفة الأولى والثالثة - على هذا المثال الذي فسرت لك.
قال محمد بن رشد: مثل هذا حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف، وابن الماجشون أيضا؛ وقال سحنون في كتاب ابنه: تفسد الصلاة عليه وعليهم أجمين؛ لأنه ترك سنة الصلاة وقام في غير موضع قيام؛ وينبغي أن تفسد صلاة الطائفة الثانية إن كانوا أتموا صلاتهم قبل سلام الإمام - على مذهب من يرى أن الركعة الأولى التي هي قضاء، لا يصلونها إلا بعد سلام الإمام، وهو قول ابن القاسم، وأحد قولي سحنون، وقد مضى القول على ذلك - موعبا في سماع سحنون، فقف عليه - وبالله التوفيق.

مسألة: تيمم فصلى بتيممه المغرب والعشاء والصبح

مسألة وقال في رجل تيمم فصلى بتيممه المغرب والعشاء والصبح

والظهر، أنه يعيد الصبح والظهر، ولا إعادة عليه للمغرب ولا للعشاء؛ وإن صلى الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء بتيمم واحد، أعاد الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ وإن كان تيممه للركعتين - ولم يكن تيمم للمكتوبة، أعاد الخمس صلوات كلها أبدا؛ وإن تيمم فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أعاد المغرب والعشاء أبدا؛ فإن تيمم وصلى الظهر والعصر، ثم ذكر وهو في وقت صلاة العصر - أعاد العصر، ووقتها إلى أن يكون ظلك مثليه، ووقت العشاء الآخرة إلى نصف الليل في التيمم، وهذا قول أصبغ، وقد قيل فيها إلى أن يغيب الشفق، وهو قول أبي ضمرة.
قال محمد بن رشد: قد اختلف فيمن صلى صلاتين بتيمم واحد على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يعيد الثانية أبدا، وقيل إنه لا يعيدها إلا في الوقت؛ وقيل إن كانتا مشتركتي الوقت، أعاد الثانية في الوقت؛ وإن لم تكونا مشتركتين، أعاد الثانية - أبدا؛ (وقيل ما لم يطل قبل اليومين والثلاثة، وهو قول لا حظ له في النظر؛ واختلف أيضا في الوقت الذي يعيد الثانية من المشتركتين في الوقت، فقيل: ما لم تغب الشمس، وقيل ما لم يذهب وقتها المستحب، وهو وقت العصر ونصف الليل للعشاء الآخرة) وهو قوله في هذه الرواية.
وأما قول أبي ضمرة إن الوقت في ذلك إلى أن يغيب الشفق، فمعناه البياض لا الحمرة؛ لأن ذهاب الحمرة، هو أول وقتها المستحب؛ فيحتمل أن يكون أراد أن مغيب البياض هو آخر وقتها المستحب، لا معنى لقوله غير هذا؛ وقد ذكرنا في أول سماع أبي زيد من كتاب الوضوء المعنى الذي من أجله لم يجز للمتيمم أن

يصلي صلاتين بتيمم واحد؛ وبينا وجهه بيانا شافيا، فمن أحب الوقوف عليه تأمله - هناك - وبالله التوفيق.
تم كتاب الصلاة الخامس بحمد الله، وبتمامه تم كتاب الصلاة


فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
مسألة: الإشارة بالأصبع في تشهد الصلاةمسألة: صلى فنسي التكبير كله إلا تكبيرة الإحراممسألة: أراد أن يقرأ في الصبح تبارك فقرأ والسماء والطارقمسألة: تيمم للصبح وصلى ثم قعد يذكر الله إلى طلوع الشمسمسألة: يرفع يديه في التكبير للصلاةمسألة: صلى بثوب واحد ركعة فسقط الثوب عنه حتى بدت سوءة الرجلمسألة: قصر في ستة وثلاثين ميلا أيعيد الصلاة في الوقتمسألة: في نوافل رمضان يسلم الإمام من ركعتين ويسهو الرجل عن السلاممسألة: يوتر بالمعوذات أيقرأ إذا استفتح بسم الله الرحمن الرحيم بين السورتينصلاة الكسوف هل تصلى في المسجد الجامع في سقفه أوفي صحنهمسألة: صلاة المقيم الذي نوى السفر ودخل خلف الذي نوى الإقامة وهو يظنه مسافرامسألة: أم قوما فصلى بهم ركعتين ثم أحدث فقدم رجلامسألة: أم قوما فتعايا في قراءتهمسألة: نسي خمس صلوات مختلفات من خمسة أياممسألة: صلى مع الإمام يوم الجمعة ركعة ثم رعفمسألة: صلي مع الإمام فيسجد قبله ويركع قبلهمسألة: رجل في جواره مسجد فتجاوزه إلى غيرهمسألة: الطحال هل يجوز للخراز أن يبطن به الخفمسألة: الإمام يسر في الجمعة عامدا أو جاهلامسألة: العراة يكون معهم ثوب واحدمسألة: الأنعام إذا شربت من ماء غير طاهر هل تكون ألبانها طاهرةمسألة: أم أحدهما صاحبه ثم يحدث الإمام منهما فيستخلف صاحبهمسألة: الإمام يصلي بقوم صلاة كسوف فتنجلي الشمس وهو في الصلاةمسألة: صلى المغرب بقوم في الخوف فصلى بكل طائفة منهم ركعة وأتم القوم لأنفسهممسألة: تيمم فصلى بتيممه المغرب والعشاء والصبح
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل