البيان والتحصيلصفحات 307-347
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النذور الثاني

صفحات 307-347
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ولم يخص حيوانا من غيره ووجب أن يخص من ذلك ما قد أجمع أهل العلم على تخصيصه من ذلك وهو ما يصيده المحرم من صيد البحر.

مسألة: الحوت أيطرح في النار حيا

مسألة وسألته: عن الحوت أيطرح في النار حيا؟ فقال: ما أكره كراهية شديدة وهو إن تركه قليلا مات.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما تقدم في هذا الرسم خلاف ما مضى في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وقد مضى هناك توجيه القولين، فلا معنى لإعادة ذلك.

مسألة: الذكاة في الحلق واللبة

مسألة قال مالك: وأمر عمر بن الخطاب مناديا ينادي ألا إن النحر في اللبة والحلق.
قال محمد بن رشد: أراد ألا إن الذكاة في الحلق واللبة فعبر عن الذكاة بالنحر؛ لأنه جل عملهم في ذلك اليوم يوم النحر من أجل أنه جل عمل الناس، وإن كان قد يذبح فيه ما يذبح كما ينحر فيه ما ينحر، وإنما نادى بهذا على الناس في الموسم يوم النحر بمنى حين نحرهم لهداياهم لئلا يتعدى أحد منهم اللبة في نحره ما ينحر مما ينحر والحلق في ذبحه ما يذبح مما يذبح وعرف مراده به ولم يرد، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن يخير في النحر بين أن يكون في الحلق أو اللبة؛ لأن النحر لا يكون في موضع الذبح كما أن الذبح لا يكون في موضع النحر، ألا ترى لو أن أحدا نحر شاة في مذبحها لم تؤكل باتفاق؛ لأن الذكاة لا تكون إلا بقطع الأوداج والحلقوم، والنحر لا يأتي على ذلك

فهو ما نحر ولا ذبح، وقد حمل بعض المتأخرين من المؤلفين قول عمر على التخيير بين اللبة والتحليق في النحر، فقال: وظاهر المذهب أنه حيث ما طعن بين اللبة والمذبح أجزأ إذا كان في الودج، واحتج بقول عمر هذا، وبقول مالك في المدونة: ما بين اللبة والمذبح مذبح ومنحر فإن ذبح فجائز، وإن نحر فجائز، وإلى هذا ذهب ابن لبابة في المنتخب، وهذا لا يصح، أما قول عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقد ذكرنا وجهه، وأما قول مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فلم يرد أن ما بين اللبة والمذبح هو موضع للنحر والذبح مع القدرة على ذبح ما يذبح في نحره، ونحر ما ينحر في لبته، وإنما معنى قوله: إنه أجاز النحر والذبح فيما بين اللبة والمذبح إذا لم يصل إلى المذبح، ولا إلى المنحر لسقوط البهيمة في البئر مراعاة لقول من أجاز نحرها، حيث ما أمكن من جنب أو غيره عند الضرورة، لا أنه يرى ذلك موضعا للذبح والنحر من غير ضرورة، وهذا بين من مراده في المدونة إذا تأمل، ولو كان المذبح من البعير موضعا لنحره لكان الذبح هو المختار فيه لأنه أجهز، وهذا خلاف ما أجمعوا عليه من أن الإبل تنحر ولا تذبح، وإنما اختلفوا هل تؤكل إذا ذبحت أم لا تؤكل وهذا كله بين.

مسألة: ذبح ذبيحة فأخطأ بالغلصمة أن تكون بالرأس

مسألة وعن عيسى بن الوليد عن أبي زيد بن عبد الرحمن ابن أبي الغمر عن ابن القاسم عن مالك في من ذبح ذبيحة فأخطأ بالغلصمة أن تكون بالرأس: أن تلك الذبيحة لا تؤكل حتى تكون الغلصمة في الرأس.
قال سحنون وأصبغ وأشهب مثله.
وقال ابن وهب: لا بأس بأكلها، وقال محمد بن عبد الحكم: لا خير في أكله.

قال محمد بن رشد: الغلصمة هي آخر الحلقوم، فإذا ألقاها إلى الجسد في الذبح فلم يقطع من الحلقوم شيئا فالاختلاف في هذه المسألة على اختلافهم في قطع الحلقوم هل هو شرط في صحة الذكاة أم لا؟ فقول مالك في هذه المسألة: إنها لا تؤكل هو على قوله في كتاب الذبائح من المدونة إنها لا تؤكل الذبيحة إلا بقطع الأوداج والحلقوم جميعا، وقد روي عن مالك ما ظاهره: أن قطع الحلقوم ليس بشرط في صحة الذكاة، من ذلك قوله في كتاب الصيد: إذا أدرك الصائد الصيد وقد فرى الكلب أو البازي أوداجه، قال: هذا قد فرغ من ذكاته، وقوله في المبسوط في من ذبح ذبيحة فقطع أوداجها، ثم سقطت في ماء أنه لا بأس بأكلها، وهو ظاهر قول ابن عباس في الموطأ ما فرى الأوداج فكلوه، وقد روي ذلك عن النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، من رواية أبي أمامة الباهلي، وهو ظاهر ما في الصحيحين عنه من قوله، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ما أنهر الدم فكلوه» ؛ لأنه وإن كان ورد فيما تصح به الذكاة فهو يقتضي موضع الذكاة، فعلى هذا تؤكل الذبيحة، وإن كان العقدة في الجسد، وإلى هذا ذهب أبو المصعب وأنكر قول من قال: إنها لا تؤكل، وقال: هذه دار الهجرة وفيها المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان لم يذكروا عقدة ولا غيرها، أفكانوا لا يعرفون الذبح؟ وعلى القول الأول لا تؤكل إلا أن تصير منها في الرأس حلقة مستديرة كالخاتم، وإن قطع بعضها وبقي سائرها في الجسد لم تؤكل على القول الأول أيضا، هذا كله على ما لابن القاسم وابن كنانة في المدونة: أنه إن قطع الودجين ونصف الحلقوم أجزأه، وقال سحنون: لا تؤكل، وبالله التوفيق.

مسألة: النمس وصيده

مسألة قال ابن نافع: سئل مالك: عن النمس وصيده، فقال: لا أعرف هذا، فوصف له أمره وصيده، فقال: إن أكل من صيده فلا خير

فيه، قال ابن القاسم: لا أدري ما يأكل؟ الكلاب والبزاة تأكل قبل أن تدرك، ولكن إن كان نفعه وألا فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة وقعت في بعض الروايات من كتب المدنيين لابن نافع في الكتاب الذي أوله السارق الذي يدخل البيت، والذي قاله ابن القاسم صحيح، إذ ليس من شرط تعليم الجوارح على مذهب مالك إلا أن يقفه الزجر والإشلاء، وأما أن يترك الأكل فلا، وقال ابن حبيب: إنما ذلك في الكلاب، وأما في الجوارح فتعليمها أن تدعى فتجيب، وأما أن تزجر فتزدجر فليس ذلك فيها، ولا يمكن ذلك منها، وليس ذلك بخلاف لما في المدونة؛ لأنه إنما شرط ذلك فيها إن كان يمكن ذلك منها، وتكلم ابن حبيب على ما يعرف من أن ذلك لا يمكن فيها، وليس قول مالك في النمس مخالفا لأصله في أنه لا يعتبر بأكل الكلب من صيده إذا قفه الزجر والاشلاء، ووجهه أنه لما وصف له من حاله أنه لا يقفه الزجر والاشلاء جعله بترك الأكل من صيده إن كان يمكن أن يقفه ذلك أيضا، فقال: إن أكل من صيده فلا يؤكل، كما أن الطيور التي لا تقفه الزجر يكتفى من تعليمها بأن تدعى فتجيب، وقال ابن حبيب في النمس: إنه ليس يقفه شيئا، فلا يؤكل صيده إلا أن يدرك ذكاته وبالله التوفيق.

مسألة: أكل ما بات من الصيد

من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب نقدها نقدها مسألة قال عيسى: قال ابن القاسم: وسئل عن الاصماء والانماء

فقال: الاصماء ما لم يبت والانماء ما بات، يعني من الصيد.
قال محمد بن رشد: روي عن ابن عباس أنه قال: ما أصميت فكل، وما أنميت فلا تأكل، وأظنه مرفوعا إلى النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه «نهى عن أكل ما بات من الصيد» ، وأنه قال: «لا أدري لعل هوام الأرض قتلته أو أعانت على حتفه» ، واختلف أهل العلم في هذا، فمنهم من حمل النهي على عمومه، ولم يجز أكل ما بات من الصيد، إلا أن تدرك ذكاته، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، ومنهم من قال: معنى النهي إذا لم ينفذ الكلب أو البازي مقاتل الصيد، وأما إذا أدركه من الغد قد مات وسهمه في مقاتله أو قد أنفذتها كلابه فلا بأس بأكله؛ لأنه قد أمن مما خافه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أن يكون قد أعان على قتله بعض هوام الليل، وهذا قول ابن الماجشون، وأشهب، وابن عبد الحكم، ومنهم من فرق بين السهم والكلب، فقال: يأكله إذا وجده من الغد ميتا وسهمه في مقاتله، ولا يأكله إذا وجد الكلب قد أنفذ مقاتله، إذ لا يؤمن أن ذلك من فعل الكلب، وهذا قول أصبغ وهو أظهر الأقوال، وهذه الثلاثة الأقوال إنما هي مع إنفاذ المقاتل، وأما إذا وجده من الغد ميتا غير منفوذ المقاتل، فلا اختلاف في أنه لا يؤكل وبالله التوفيق.

مسألة: يرسل كلبه فيعينه عليه كلب آخر

من كتاب العرية مسألة وسألته: عن الرجل يرسل كلبه، فيعينه عليه كلب آخر معلم أو غير معلم، فقال: لا يؤكل ذلك الصيد كان معلما أو غير معلم إلا أن يكون الكلب الذي أعانه معلما وقد أرسله صاحبه على الصيد بعينه إذا نوياه جميعا فقتله كلباهما فهو حلال لا بأس بأكله.

قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة مبينة لما في المدونة؛ لأنه قال فيها: من أرسل كلبه على صيد فأعانه عليه كلب غير معلم لم يؤكل، وهو لا يؤكل أيضا، وإن كان الكلب الذي أعانه عليه معلما إلا أن يكون صاحبه قد أرسله أيضا عليه بعينه كما قال في هذه الرواية إلا أن يعلم أن كلبه الذي أرسله هو الذي أنفذ مقاتل الصيد، فإنه يأكله وبالله التوفيق.

مسألة: يضرب فخذي الصيد بالسيف فيطيرهما هل يحل أكلهما

ومن كتاب أوله بع ولا نقصان عليك مسألة وسئل ابن القاسم: عن الذي يضرب فخذي الصيد بالسيف، فيطيرهما هل يحل أكلهما، فقال: كل ضربة ضرب بها من الورك إلى الرأس فجعله جزأين فجميعه حلال، فأما إذا ضربه، فأبان فخذيه ولم يجز له باثنين ولم تبلغ ضربته إلى الجوف، فلا يحل ما أبان منه، وغيره ذكي طيب.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف أنه لا يؤكل ما أبان منه إذا أبان فخذيه ولم يجز له باثنين، ولا اختلاف في أنه يؤكل الجميع إذا أبانه بنصفين، وبلغت ضربته إلى الجوف، وليس في الرواية بيان إذا أبان وركيه مع فخذيه فجعله جزأين ولم يقسمه بنصفين، ولا بلغت ضربته إلى الجوف، وقد اختلف في ذلك، ففي كتاب ابن المواز عن ربيعة ومالك أنه لا يؤكل ما أبان منه، وقال ابن حبيب: إنه لا يؤكل إلا أن يكون العجر كله في الجزء الأسفل؛ لأنك قد قطعت من جوفه فكأنك قد قطعت وسطه، والصواب: أنه إذا أبان فخذيه مع وركيه فجعله جزأين، وإن كان العجز كله أو بعضه في الجزء الأسفل أن يؤكل الجميع؛ لأنه لا يمكن أن يتعيش، فهذا هو الأصل لا مراعاة النصف

ولا الجوف، ألا ترى لو قطع نصف رأسه لأكل الجميع، إذ لا يمكن أن يعيش وقد قطع نصف رأسه؛ لأن ذلك مقتل، ولو أبان خطمه لم يؤكل الخطم إذ ليس بمقتل، وإن كان لا يمكن أن يعيش إذ إنما يموت جوعا، إذ لا يمكن أن يرعى ولو صب في حلقه ما يتغذى به لا يمكن أن يعيش.

مسألة: أصاب الصيد بسلاحه فأطار رجله فمات

مسألة قال ابن القاسم: إذا أصبت الصيد بسلاحك فأطرت رجله أو خسقت في لحمه، ثم فاتك بنفسه فمات فأكله حلال، وإن لم تدرك ذكاته.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها، وهو مما لا اختلاف فيه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94] الآية.

مسألة: الرجل يأتي إلى الغار فيدخل كلبه فيه هل يحل أكل ما قتل

ومن كتاب أوله لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس مسألة وسألته: عن الرجل يأتي إلى الغار، فيدخل كلبه فيه وهو لا يدري أفيه شيء أم لا؟ وهو ينوي ما فيه هل يحل أكل ما قتل؟ قال: سألنا مالكا عن ذلك، فقال: ما قتل فهو حلال، قال سحنون في الذي يرسل كلبه في الجحر وهو لا يدري أفيه شيء أم لا، وينوي إن كان فيه شيء أرسله عليه فأصاب فيه صيدا فقتله، فقال: لا يحل أكله، وكذا لو أن رجلا أرسل كلبه في غايضة ولا يرى شيئا ونيته إن كان فيها شيء صاده، فأصاب صيدا أنه لا يؤكل.

قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم على أصله في المدونة خلاف قول سحنون، وقد مضى القول على هذا في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم.

مسألة: يسرح كلبه على صيد بعينه فتتبعه صيود فيجد كلبه قد قتل صيدا

مسألة قلت لابن القاسم: فالرجل يسرح كلبه على صيد بعينه فتتبعه صيود، فتند كلها فيتوارى عنه فيجد كلبه قد قتل صيدا قال: لا يحل أكله حتى يعرفه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال صحيح على ما في المدونة وغيرها: أنه لا يأكل ما قتله كلبه إلا أن ينويه أو يدرك ذكاته سواء رآه أو لم يره على مذهب ابن القاسم خلاف قول سحنون في المسألة التي قبل هذه وبالله التوفيق.

مسألة: يسد في خليج بحر للصيد

ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار مسألة قال ابن القاسم: ليس لأحد أن يسد في خليج بحر، ولا واد، أن يسد سد الصيد أن يمنع الناس من الصيد فيه، وهو والناس والصيد فيه سواء.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن النهر لجميع المسلمين، فليس أحد أحق فيه بالصيد من أحد، وإن كان يليه بأرضه من جانبيه، ولا له أن يسد فيه سدا للصيد، ولا أن يعمل فيه منصبا للصيد ينفرد فيه دون غيره، فإن فعل كان أحق بالصيد فيه حتى يأخذ قدر حاجته، ثم يشترك جميع الناس معه

فيه، قال ذلك مطرف، وابن الماجشون في الواضحة، وذلك عندي بعد أن يستغل منه قدر نفقته فيه وبالله التوفيق.
.

مسألة: خلص الصيد من الكلب فبدر إلى شفرة فمات الصيد ولم يخرجها

ومن كتاب التمرة مسألة قال ابن القاسم، وابن وهب: إذا خلص الرجل الصيد من الكلب فبدر إلى شفرة فبينما يخرجها وهي في حزامه مات الصيد، فلا بأس بأكله قال ابن القاسم: وهذا إذا كانت الشفرة معه، وأما إن كانت في خرج فمات فلا تؤكل.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء، والمعنى في ذلك بين؛ لأن الشفرة إذا كانت معه في حزامه ولم يفرط وصار ذلك بمنزلة ما لو لم يدركها حتى قتلها الكلب، وأما إن لم تكن الشفرة معه، وكانت في خرجه أو مع رجل ينتظره حتى يلحق أو ما أشبه ذلك مما يكون فيه بعد فلا يؤكل؛ لأنه عسى لو كانت الشفرة معه لأدرك ذكاته، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل ينصب الحبالة للصيد فيصطاد بها القوم هل لصاحب الحبالة شيء

ومن كتاب أوله جاع فباع امرأته مسألة وسألت ابن القاسم: عن الرجل ينصب الحبالة للصيد، أو الفخ أو يعمل الحفرة ليقع فيها الصيد، فيخرج قوم فيطردون الصيد إلى ذلك المنصب فيه هل ترى لصاحب الحفرة أو الفخ أو الحبالة شيئا من الصيد؟ قال: نعم أرى أن يكون شريكا معهم في ذلك الصيد

بقدر ما يرى له، قال أصبغ: أراه للذي طرد الصيد إلى الحبالة أو الحفرة واضطره إليها، وإلى الوقوع فيها، وعليه قيمة ما انتفع بالحبالة أو الحفرة، وإنما مثل الحبالة مثل ما لو تعدى على قوس رجل فرمى به صيدا فصاده أو خرج بأكلبه أو بزاته متعديا فصاد بها فالصيد له، وعليه قيمة ما انتفع به من قوسه ونبله وكلابه وبزاته، قال عيسى: قلت لابن القاسم: فلو لم يكونوا طردوا الصيد إلى ذلك المنصب، ولا أرادوه إلا أنهم طردوا صيدا، فاتبعوه حتى وقع فيه فقال: إن كان الصيد قد انقطع من الذين طردوه وهم منهم حيث شاء فسقط في ذلك المنصب فهو لصاحب المنصب دون الذين طردوه، وإن كانوا قد أعيوه، وأشرفوا منه على الرجاء والأخذ وكان كالشيء الذي قد حازوه لقدرتهم عليه حتى أسقطوه، فوقع في ذلك المنصب فهو للذين طردوه دون صاحب المنصب وليس لصاحب المنصب فيه قليل ولا كثير إذا كان على ما وصفت لك، وقال أصبغ مثله، قلت له: من حفر حفرة للصيد أو نصب حباله أو فخاخه، فوقع فيه الصيد فهو له، وإن وجد غيره قد وقع فيه الصيد لم يكن له أن يأخذه؟ قال: نعم ذلك له دون جميع الناس، وليس للذي وجده فيه قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة على معنى ما في المدونة في مسألة الصيد يطرده القوم حتى يدخل دار رجل وهم على بعد منه أو قرب، فيأخذه فيه، وعلى ما حكى ابن حبيب في الواضحة، ولا إشكال على مذهبه إذا طردوه إلى المنصب وقصدوا إيقاعه فيه فوقع فيه

وهو متبوعون له على قرب منه أو بعد ما لم ينقطع عنهم أنهم فيه شركاء بقدر ما يرى له ولهم، وكذلك لا إشكال على مذهبه إذا كانوا على بعد منه ويئس من أخذه فمشى باختياره، وقد انقطع عنهم حتى وقع فيه أنه لصاحبه ولا حق لهم فيه، وكذلك لا إشكال على مذهبه لو طردوا صيدا ليأخذوه وهم لا يريدون إيقاعه في المنصب، فلما أعيوه وأشرفوا على أخذه، وكان كالشيء الذي قد ملكوه وحازوه لقدرتهم عليه وقع في المنصب دون أن يقصدوا إيقاعه فيه أنه لهم، ولا شيء لصاحب المنصب فيه، وانظر لو كانوا إنما طردوه وأعيوه وأكلوه وهم لا يريدون إيقاعه في المنصب فلما أشرفوا على أخذه قصدوا إيقاعه في المنصب ليخف عنهم في أخذه بعض النصب، فلم يقع في ذلك من قوله في هذه الرواية ولا في الواضحة بيان، والذي ينبغي في ذلك على مذهبهم أن يكون لهم، ويكون عليهم لصاحب المنصب قيمة انتفاعهم بمنصبه، وكذلك ينبغي أن يكون الجواب لو طردوا صيدا إلى دار رجل فأخذوه فيه، وقد حكى عبد الحق في ذلك عن شيوخه قولين؛ أحدهما: أنه لا- حق لصاحب الدار في ذلك إذ لم يتخذ الدار للصيد، والثاني: أن يكون معهم شريكا فيه كالمنصب سواء وكلا القولين عندي بعيد، والذي قلته أشبه وأولى، ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم في هذه المسألة أنه لما كان المنصب هو الذي أمسك الصيد على الطارد حتى أخذه صار معاونا له على الصيد ومشاركا له فيه، فوجب أن يكون بينه وبين صاحب المنصب كما لو تعدى رجل على عبد رجل فخرج به وصاد معه صيدا أنه يكون بينهما، ووجه قول أصبغ أنه جعل المنصب والحبالة كقوس الرجل أو كفرسه يتعدى عليه الرجل فيصطاد به عند الجميع أو كبازه وكلبه على مذهبه، ولو قيل: إن الصيد يكون لصاحب المنصب، ويكون عليه للذين طردوا الصيد إليه أجرة مثلهم إلا أن يشاء

أن يسلم الصيد إليهم قياسا على قول ابن القاسم في الذي يتعدى على كلب رجل أو بازه فيصيد به صيدا لكان قولا وبالله التوفيق.

مسألة: طير يصاد بالخمر يوضع لها الحياض فتأتي فتشرب فتسكر

ومن كتاب العتق مسألة وقال ابن القاسم في طير يصاد بالخمر يوضع لها الحياض، فتأتي فتشرب فتسكر، قال: لا بأس بأكلها وقد بلغني عن ابن القاسم بن محمد أنه قال في جدي رضع لبن الخنزيرة: لا بأس بأكله، ولا أرى أيضا بأكله بأسا، ولا بأكل الطير الذي يأكل الجيفة قبل حدثان ذلك أو بعد حدثانه، قال: نعم ذلك سواء لا بأس به، قال: وحدثني عن مالك عن ابن عمر أن ناقة له سقيت خمرا أو شحم خنزير فكره ركوبها.
قال محمد بن رشد: كراهية ابن عمر لركوب الناقة التي سقيت الخمر أو لحم الخنزير نهاية في التوقي ومبالغة في الورع، والأمر في ذلك خفيف، ووجه ما خافه من ذلك والله أعلم أن يصيبه شيء من عرقها أو بولها؛ لأن ذلك ينجس بنجاسة ما سقيت إياه من ذلك، وكذلك يستحب أن لا يذبح شيئا مما أكل النجس حتى يذهب ما في جوفه منها، وقد مضى القول على بقية المسألة في رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب الضحايا.

مسألة: امرأة ترضع جديا بلبنها هل يؤكل

مسألة قيل لسحنون: فالمرأة ترضع جديا بلبنها هل يؤكل؟ قال: نعم، قيل لسحنون: فأكل الخطاطيف هل يكره؟ قال: أما أنا فلا، وقد

أخبرني علي بن زياد عن مالك أنه كان يكره أكلها، وكان ابن القاسم لا يكره أكلها.
قال محمد بن رشد: قد مضت هاتان المسألتان والقول فيهما في نوازل سحنون من كتاب الضحايا، فلا معنى لإعادته وهي ساقطة أيضا في بعض الروايات.

مسألة: الكلب يصيد ما أرسل عليه فيتوارى به فيوجد على صيده قد قتله

من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الصلاة مسألة قال يحيى: قال ابن القاسم في الكلب يصيد ما أرسل عليه فيتوارى به فيوجد على صيده قد قتله: أنه لم ير منه قريبا صيدا فشككه في أن يكون غير الذي أرسله عليه فأكله حلال، وإن خفت أن يكون وقع غير الذي أرسلته عليه، فلا تأكله، قال: وكذلك الذي تقتله برميك إذا توارى عنك إن عرفت سهمك ورمحك بعينه فكله، وإن لم تجده فيه فخفت أن يكون غير صيدك الذي رميت، فلا تأكله بالشك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى؛ لأن هذا صيد وجده مقتولا، فلا يجوز له أن يأكله حتى يعلم أنه هو الذي رماه أو أرسل كلبه عليه.

مسألة: النصراني يخرج في طلب صيد مع المسلمين فيسبق إليه فيذكيه

ومن كتاب أوله أول عبد ابتاعه فهو حر مسألة قال: وسألته عن النصراني يخرج في طلب صيد مع المسلمين فيسبق إليه فيذكيه أتراه بمنزلة ما يتعمده به المسلم من ذبيحته، أم تراه من طعام النصراني الذي يحل لنا أكله؟ فقال: أما إذا كان بادر إلى ذبحه خوفا من فواته وعلى حال الضرورة، فهو حلال لمن أكله، وإن كان الذي معه من المسلمين قد تمكنوا بذبحه فقدموه بذلك وبدءوه بالذبح فلا أحب أكله.
قال محمد بن رشد: ها هنا في ذبحه النصراني بتقديم المسلم إياه لذلك لا أحب أن يؤكل، وقد مضى من قول ابن أبي حازم في سماع أشهب لا بأس بأكله وبئس ما صنعت، وقد روى ابن أبي أويس عن مالك أنه قال: إنما يحل لنا أن نأكل ما ذبحوا لأنفسهم، وأما ما نوليهم ذبحه فلا، فظاهر هذا تحريم أكله إلا أن يتأول أنه أراد إنما يحل لنا أن نأكل دون كراهية ما ذبحوا لأنفسهم، وأما ما نوليهم ذبحه فلا يحل لنا أن نأكله إلا بكراهية، وقد مضى وجه الكراهية في ذلك في سماع أشهب من كتاب الضحايا ومضت المسألة أيضا في رسم حلف بطلاق امرأته من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب.

مسألة: يرمي الصيد قريبا من الحرم فيصيبه بسهمه إصابة لم تبلغ مقاتله

من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم وأشهب مسألة قال سحنون: سئل أشهب: عن الذي يرمي الصيد قريبا

من الحرم فيصيبه بسهمه إصابة لم تبلغ مقاتله، ثم يتحامل فيدخل الحرم ثم يموت في الحرم أيؤكل؟ قال:.
نعم.
قال محمد بن رشد: فهذا كما قال إنه يؤكل ولا جزاء عليه فيه؛ لأنه فعل ما يجوز له من إصابته في الحل وبالله التوفيق.

مسألة: تعدى على باز رجل فاصطاد به صيدا

من نوازل سئل عنها سحنون بن سعيد مسألة وسئل: عن الذي يتعدى على فرس رجل فيركبه فيعقر عليه صيدا لمن يكون هذا الصيد؟ فقال: الصيد لمن صاده ولرب الفرس أجر مثله، قيل له: فإن تعدى على باز رجل فاصطاد به صيدا، فقال: هو للذي صاده ولرب الباز أجر بازه.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب أصبغ خلاف مذهب ابن القاسم في تفرقته بين الفرس والبازي، وستأتي هذه المسألة في سماع أصبغ بكمالها، والقول عليها إن شاء الله.

مسألة: الذبيحة يقطع منها شيء قبل أن تزهق نفسها

مسألة وسئل سحنون: عن الصيد يعقره الناس في المغازي، فيقطعونه قبل أن يموت، وقد أنفذت الرماح مقاتله، قال: لا ينبغي لأحد أن يفعله ولا أحرمه.
قال محمد بن رشد: أما قطعه قبل أن يموت على سبيل الاقتسام له من غير انتهاب، فذلك مكروه كما يكره أن تنخع الذبيحة أو يقطع منها شيء قبل أن تزهق نفسها من غير أن يحرم ما قطع منها بعد كمال ذكاتها، وأما اقتطاعها على سبيل الانتهاب، فذلك حرام؛ لأن من صاده فيه شركاء بالسوية

فلا يحل لأحد منهم أن يأخذ أكثر من حقه منه إلا برضا شركائه، وقد جاء أن النهبة حرام، وذلك فيما لم يأذن فيه صاحبه والله أعلم وسيأتي هذا المعنى في رسم سن من كتاب العقيقة وبالله التوفيق.

مسألة: شاة غرقت فغطس عليها صاحبها بسكين فذكاها في داخل الماء

مسألة وسئل سحنون: عن شاة أو بقرة وقعت في ماء فغرقت فغطس عليها صاحبها بسكين فذكاها في داخل الماء وهو يعرف أنها حية مجتمعة الحياة وهو يذبح، قال: لا بأس بأكلها.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، والقول فيها في أول سماع ابن القاسم من هذا الكتاب فلا معنى لإعادته.

مسألة: فرخ نحل يضرب في شجرة ثم يخرج فرخ لرجل آخر فيضرب عليه

مسألة وسئل سحنون: عن النحل يفرخ فيخرج الفرخ يضرب في شجرة، ثم يخرج فرخ لرجل آخر فيضرب عليه، قال: هو للأول، ولو ضرب فرخ في بيت نحل لرجل آخر، قال: فهو كذلك أيضا هو لصاحب العامر.
قال محمد بن رشد: قال أبو إسحاق التونسي في هذه المسألة: لعله أراد أن الفرخين دخلا في جبح الأول، وأما لو دخلا في جبح الثاني لكان له ولو بقيا في الشجرة، فعاشا فيها وأفرخا لوجب أن يكونا وما أحدثا من عسل بينهما؛ لأن أحدهما لا مزية له على الآخر، وكلام أبي إسحاق التونسي تفسير، وله تفسير وذلك إنما يصح أن يكون الفرخان جميعا لمن دخلا في جبحه إذا لم يعلم ذلك بحدثانه حتى فات إخراج الفرخ من الجبح وقسمه

بينهما؛ لأن حكم النحل في هذا حكم الأبرجة إذا دخلت حمام برج في برج آخر، فإن استُطيع ردها إلى برجها وإلا فهي لمن ثبتت في برجه، فكذلك فرخ النحل إذا لم يستطع أن يرد فرخ كل واحد منهما إلى صاحبه، فهو لمن ثبت في جبحه.

مسألة: يسقط بعير أو شاة في بئر فلا يستطاع نحر البعير ولا ذبح الشاة

مسألة قال سحنون: قال عبد العزيز بن أبي سلمة: يؤكل ما أصله الذبح بالنحر، ويؤكل ما أصله النحر بالذبح، وإن لم تكن ضرورة.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف قول مالك في أنه لا يؤكل ما أصله النحر بالذبح، ولا ما أصله الذبح بالنحر إلا من ضرورة، والضرورة مثل أن يسقط بعير أو شاة في بئر، فلا يستطاع نحر البعير ولا ذبح الشاة، وقد قيل: إن عدم ما ينحر به ضرورة تجيز ذبحه، وإن عدم ما يذبح به ضرورة تجيز نحره، وقد قيل: إن الحبل في ذلك ضرورة، وذهب ابن بكير: أنه إن ذبح ما ينحر أكل، وإن نحر ما يذبح لم يؤكل، وأما البقر التي جاء فيها الذبح والنحر فالاختيار فيها عند مالك أن تذبح لقوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] ، فإن نحرت من غير ضرورة أكلت، ولا اختلاف في هذا أحفظه.

مسألة: وجد أحدهم عشا فقال هو لي أنا رأيته قبلكم فبادره إليه رجل فأخذه

مسألة قلت: أرأيت لو أن قوما كانوا سائرين في طريق، فوجد أحدهم عشا، فقال: هذا العش لي أنا رأيته قبلكم، فلا تأخذوه، فبادره إليه رجل فأخذه، فقال: هو لمن أخذه وليس قوله: هو لي قبض منه له ولا حيازة، قلت: فلو وجدوه كلهم فبادرهم إليه أحدهم فأخذه؟ قال:

هو لمن أخذه، قلت: فلو وجدوه كلهم فأراده كل واحد منهم لنفسه وتدافعوا عليه ولم يترك بعضهم بعضا يصل إليه؟ قال: إذا أقضي به بينهم خوفا أن يقتتلوا عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها، وهي أصل لما يختلف فيه من النفر المتيممين يجدون من الماء في الصحراء قدر ما يتوضأ به واحد منهم يسلمونه لأحدهم ليتوضأ به هل ينتقض تيمم جميعهم أو ينتقض تيمم الذي أسلم إليه وحده؟ وقد مضت هذه المسألة، والقول فيها مستوفا في سماع سحنون ونوازله من كتاب الوضوء، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يجتمعون فيخرجون للصيد ويشتركون في كل ما يصيبون

من سماع محمد بن خالد من ابن القاسم مسألة قال محمد بن خالد: سألت ابن القاسم عن القوم يجتمعون فيخرجون للصيد، ويشتركون في كل ما يصيبون من ذلك الصيد على أن يكون بينهم شرعا سواء، فقال ابن القاسم: إذا كانوا لا يفترقون فيه وكانوا يتعاونون عليه فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب الشركة من المدونة من أن شركة الأعمال بالأبدان لا تجوز إلا أن يكونا في موضع آخر ويتعاونان، والمعنى في ذلك بين؛ لأنهما إذا لم يتعاونا كان غررا؛ لأن كل واحد منهما يصير قد باع من صاحبه نصف ما صاد بنصف ما صاد هو، قال في المدونة: ولو اشتركا على أن ما صادا ببازيهما أو بكلبيهما فذلك بينهما بنصفين لم يجز إلا أن يتعاون الكلبان والبازيان أو يكونا بينهما، وقد قيل: إن الشركة جائزة،

وإن لم يتعاون البازيان والكلبان إذا تعاونا هما؛ لأن عملهما أكثر من عمل الكلبين والبازيين.

مسألة: تعدى على كلب رجل فاصطاد به

من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب الزكاة والصيام مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في من تعدى على كلب رجل فاصطاد به: إن الصيد لصاحب الكلب إلا أنه بالخيار إن شاء دفع إلى المعتدي أجر مثله في عنائه وصيده وأخذ الصيد، وإن شاء أسلم الصيد، وإنما كان الصيد لصاحب الكلب؛ لأن كلبه هو الذي أخذه وصاده بمنزلة عبد الرجل يتعدى عليه الرجل فيبعثه يصيد له الحيتان، فما صاد فهو لسيده؛ لأن عبده الذي صاد، وضمان العبد والكلب إن عطبا من الرجل الذي صاد بالكلب وتعدى على العبد، والبازي مثل ذلك، ولكن لو تعدى على فرس رجل فصاد عليه لكان الصيد للرجل المتعدي؛ لأنه هو الصائد، وليس الفرس الصائد، وكان عليه في اصطياده أجرة مثله، قال أصبغ: بئس ما قال في الكلب، وليس الكلب كالعبد، العبد عامل بيديه مستغن بذاته، والكلب لا يصيد إلا بالإشلاء والزجر والتعليم والتوجيه، ولا يفعل ذلك إلا بصاحبه، والرجل ها هنا الصائد، فالصيد له، وعليه أجرة الكلب لصاحبه كالدابة يعمل عليها أو الجمل وما أشبه ذلك، قال سحنون: الكلب والفرس سواء، والصيد للصائد ويعطى صاحب الكلب والفرس أجرة كلبه وفرسه.
قال محمد بن رشد: لا يختلفون في الذي يتعدى على فرس الرجل

أو قوسه أو نبله فذلك أن الصيد للمتعدي وعليه أجر المثيل في الفرس والقوس والنبل، ولا يختلفون أيضا في الذي يتعدى على العبد، فيبعثه يصيد له أن الصيد لصاحب العبد، واختلفوا في الذي يتعدى على كلب رجل أو بازه فيصيد به فحمله أصبغ وسحنون محمل الذي يتعدى على فرس رجل أو قوسه للعلة التي ذكر أصبغ من أن الكلب والباز لا يصيدان بذاتهما دون مرسل ومحرض فجعلا جل العمل للصائد المتعدي، وحمله ابن القاسم محمل الذي يتعدى على العبد فيرسله يصيد له، وقوله أظهر من قولهما؛ لأن جل العمل إنما هو للكلب والباز؛ لأنهما هما اتبعا الصيد وهما أخذاه، وإنما للمتعدي في ذلك الإرسال والإشلاء خاصة، فوجب أن يكون صاحب الكلب والباز أحق بالصيد؛ لأن له في صيده شيئين الإتباع والأخذ، وليس للمتعدي فيه إلا التحريض على ذلك على ما تأول من مذهب ابن القاسم في المزارعة الفاسدة أن الزرع يكون فيها لمن أخرج شيئين أرضا وبذرا، أو أرضا وعملا، أو بذرا وعملا، لمن أخرج شيئا واحدا أرضا أو عملا أو بذرا، وقد مضى في رسم جاع فباع امرأته من سماع عيسى اختلافهم في من طرد صيدا إلى فخ رجل فأوقعه فيه وأخذه، وتوجيه قول ابن القاسم: أنهما فيه شريكان خلاف قول أصبغ وسحنون: أنه للطارد وعليه قيمة ما انتفع فيه من فخ الرجل، ومن الدليل على صحة قوله في ذلك أيضا أنهما لو اشتركا في الصيد على أن يعمل أحدهما المنصب ويطرد الآخر الصيد إليه لكانت شركة صحيحة.

مسألة: شرب الدم والخمر للمضطر

مسألة قال أصبغ: قال ابن القاسم: يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر، قال ابن القاسم في الميتة وضوال الإبل يأكل الميتة

ولا يقرب ضوال الإبل، وقال لي ابن وهب مثل ذلك كله، وقال: الحجة في ضوال الإبل أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عنها، وقد أرخص الله في الميتة والدم ولحم الخنزير للمضطر، ولم يرخص في الخمر، فذلك كله أحل من الخمر.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد تكلمنا عليها كلاما شافيا في رسم تأخير صلاة العشاء في الحرس من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك.

مسألة: الدابة التي لا يؤكل لحمها يطول بها المرض أو تعيى على صاحبها

مسألة وسئل ابن القاسم: عن الدابة التي لا يؤكل لحمها يطول بها المرض أو تعيى على صاحبها في أرض لا علف فيها، وما أشبهه أفيذبحها أفضل؟ قال: بل يدعها ولا يذبحها، قال ابن القاسم: ولو كانت لرجل دابة مريضة زمنة قد يئس من المنتفع بها على كل وجه ولا يريد علفها لم أر بأسا بذبحها وذبح هذه أحب إلي من تركها.
قال محمد بن أحمد: قال في الدابة التي يطول بها المرض أو تعيا على صاحبها في أرض لا علف فيها: أنه يدعها ولا يذبحها رجاء أن يجدها من يقوم عليها حتى تصح ويعلفها حتى تستريح، وقد اختلف إن وجدها صاحبها قد صحت عند الذي قام عليها هل يكون أحق بها أم لا؟ فروى ابن القاسم عن مالك في سماعه من كتاب اللقطة: أنه يكون أحق بها بعد أن يدفع إلى الذي قام عليها ما أنفق عليها، وقد قيل: إنها لمن قام عليها حتى حييت كمن أحيا أرضا مواتا، ولا سبيل لصاحبها إليها إلا أن يكون أسلمها في ماء ومرعى، وقال الليث بن سعد وغيره: صاحبها أحق بها بعد يمينه أنه كان على الرجوع فيها، واستحب في الزمنة التي قد يئس من المنتفع بها على كل حال

أن يذبحها؛ لأن في ذلك إراحتها، وقد قيل: إنها تعقر ولا تذبح لئلا يشكك ذلك الناس في جواز أكلها، وهو الذي يأتي على قوله في سماع أشهب في الدابة التي تحيا بعد خروجها من البحر، وعلى ما في سماع ابن القاسم من كتاب الجهاد في الدابة التي تقف على صاحبها في أرض العدو، وقد قيل: إنها لا تعقر ولا تذبح ولا يصنع بها شيء من ذلك لنهي النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، عن المثلة، وقول أبي بكر الصديق: ولا يعقرون شاة أو بعيرا إلا لمأكلة، وهو قول ابن وهب وما ها هنا من إجازة ذبحها فهو على ما في كتاب الجهاد من المدونة.

مسألة: رجل طبخ بإناء فلما غلى الدهن وجد فيه فأرة ميتة

مسألة قال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه قال في رجل طبخ بإناء في المدينة، فلما غلى الدهن وجد فيه فأرة ميتة لم تنفسخ أو قد انفسخت وهي من ماء البئر حين صبه فيه، وقد عجنه به وطبخه بعد، فأمر مالك أن يتم طبخه ويأخذ الدهن الأعلى الذي عجن به فيطبخه بماء طيب.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة ها هنا في بعض الروايات، وهي في هذا السماع من كتاب الوضوء ثابتة في كل رواية، وزاد في القليل أنه يهراق، وقد مضى القول عليها هناك مستوفى فلا معنى لإعادته.

مسألة: دخل الصيد في ولجة لا يستطيع الخلاص منها فغشيه الكلب

مسألة قلت لأصبغ: فلو خرجت طالبا فأثرت صيدا فأرسلت كلابي عليه فبينما هي طالبة إذ وقع في حفرة لا يستطيع الخروج منها ولا الخلاص، أو دخل في ولجة لا يستطيع الخلاص منها، فغشيه

الكلب فيها فدخل عليه فقتله أيطيب لي أكله؟ فقال: أما ما كان مثل ما وصفت، وكل موضع لا يستطيع الخلاص منه ولا النجاة أدركه الكلب فيه فقتله، فإنه لا يؤكل؛ لأنه قد صار أسيرا لك، وهو مثل ما أنك لو أخذته وأثبته وأمكنك ذبحه، ثم أرسلت عليه كلبك فقتله فإنك لا تأكله وهي ميتة؛ لأنه قد صار في ذلك كالأنسية لا تؤكل إلا ذبحا أو نحرا، قلت له: فلو أدركه الكلب في غايضة فقتله فيها، أو دخل غارا فدخل عليه فيه فقتله أيطيب لي أكله؟ قال: نعم، هو طيب وهو خلاف الأول؛ لأن هذا يجوز له فعله ابتداء؛ لأنه إذا جاء إلى الغار ولا يستطيع الدخول فيه، وإلى الغايضة جاز له أن يرسل فيها كلابه تطلب الصيد فيها ويشليها ويحضها فما قتلت فيهما من شيء جاز له أكله وهكذا يبتغى الصيد.
قال محمد بن رشد: أجاز في هذه الرواية أن يرسل كلبه في الغار والغايضة يطلب الصيد فيهما، ويأكل ما قتل، ومثل هذا في كتاب محمد بن المواز، وقد روي عن ابن القاسم أنه أجاز ذلك في الغار، ولم يجزه في الغايضة مخافة أن يكون دخل في الغايضة بعد أن أرسل كلبه فيها ما كان خارجا عنها مما لم ينوه؛ لأنه إنما نوى ما كان في الغايضة ولا يخشى مثل هذا في الغار، وقد مضى لسحنون في رسم لم يدرك من سماع عيسى أن ذلك لا يجوز في الغار ولا في الغايضة؛ لأن مذهبه أنه لا يصح له أن ينوي من الصيد إلا ما رأى، وهو أحد قولي أشهب فهي ثلاثة أقوال.

مسألة: يرسل بازه على فراخ الطير في شاهقة الجبل فيصيدها

مسألة قلت لأصبغ: فالوكر يكون في شاهقة جبل أو على شجرة

يكون فيها فراخ الطير فيرسل بازه عليها، فيصيدها أيأكلها أم لا؟ فقال: أما إن كانت بموضع عال مثل ما وصفت مما لم يوصل إلى الرقي عليها، ولا يوجد سبيل إلى صرعها ولا إنزالها على حال أو لعله يطاق ذلك إلا أنه يخاف في ذلك العطب والعنت، فإني لا أرى بأسا أن يرسل عليها بازه ويأكلها وإن قتلها، وهو مثل الغائضة والغار الذي لا ينال ما فيها إلا بمثل هذا، قال: وأما إن كانت بموضع قريب ينال بالطلوع إليها أو بأن يصرع بالرمح أو نحو ذلك، أو الاحتيال إليها فيقع إلى الأرض فيؤخذ فمثل هذا إن أرسل بازه عليها، فقتلها لم يأكلها وهذه لا تؤكل إلا بذكاة وهذه مأسورة مملوكة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها ولا إشكال ولا موضع للكلام، وبالله التوفيق.

مسألة: بقرة أزلقت ولدها

من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم مسألة قال أبو زيد: قال ابن القاسم في بقرة أزلقت ولدها إنه ينظر، فإن كان مثل ذلك يحيى ويعيش لم يكن بأكله بأس، وإن كان مثله لا يعيش لم يؤكل وإن ذكي، وإن شك في أمره فقالوا: مثله يعيش ومثله لا يعيش، لم يؤكل وإن ذكي.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا أعرف فيها نص خلاف، والفرق بين الجنين الذي أزلقته البهيمة وبين المريضة في جواز تذكيتها، وإن علم أنها لا تعيش إذا تحققت حياتها عند الذبح بوجود علامات الحياة فيها بعد الذبح، هو أن المريضة قد علمت حياتها بطول مدة إقامها حية إلى أن ذبحت، والجنين الذي أزلقته البهيمة لم يتحقق حياته؛ لأن حياته في بطن أمه

لا يعتبر بها؛ لأنه كعضو من أعضائها بدليل كون ذكاته في ذكاتها، وقد قال ابن حبيب: إنما لم يذك إذا شك هل يعيش أم لا خيفة أن يكون الذي سبق إليه من إزلاق أمه هو الذي ألقاه في الموت، وليس ذلك بعلة صحيحة إذا لو اعتبرت حياته في بطن أمه فكان إنما لم يذك إذا شك هل يعيش أم لا مخافة أن يكون إزلاق أمه هو الذي ألقاه في الموت لوجب أن يكون حكمه حكم المنخنقة وأخواتها في جواز تذكيته وإن علم أنه لا يعيش على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وهو بين، وبالله التوفيق.

مسألة: رمى صيدا فأصاب مقاتله ثم والى عليه بالرمي بعد حتى قتله

مسألة وعن رجل رمى صيدا فأصاب مقاتله، ثم والى عليه بالرمي بعد حتى قتله ولو شاء أن يذكيه ذكاه، قال: يأكله.
قال محمد بن رشد: وهذا بين؛ لأنه قد فرغ من ذكاته بإنفاذ مقاتله، فهو بمنزلة من ذبح ذبيحة، ثم نخعها أو قطعها أو بقر بطنها قبل أن تزهق نفسها فلا يحرم شيء من ذلك عليه أكلها، وبالله التوفيق.

مسألة: شاة أدركها أمر الله فوجدت وهي تضطرب فيدرك ذكاتها

مسألة وقال ابن كنانة وابن القاسم في شاة أدركها أمر الله، فوجدت وهي تضطرب فيدرك ذكاتها فيذكيها ولم يخرج من الدم شيء، قال: إذا ذبحها وهي تضطرب فلا يضره، وإن لم يخرج من الدم شيء.
قال محمد بن رشد: يريد بقوله: تضطرب تتحرك تحركا يعلم به حياتها، وأدنى ذلك أن تطرف بعينها أو تحرك ذنبها أو تركض برجلها أو يوجد منها ما يقوم مقام التحريك مما يعلم به حياتها، وهو استفاضة نفسها في حلقها، وأما إن لم يكن اضطرابها إلا إرتعاشا وارتعادا أو شبه ذلك من مد يد أو رجل أو قبضة، فلا يلتفت إلى ذلك ولا يعد لها به حياة، وكذلك لو لم يكن

منها إلا سيلان الدم خاصة لم يحكم لها به بالحياة ولم تؤكل، وهذا كله مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم في المريضة إذا وجدت العلامات المذكورة التي يستدل بها على حياتها بعد ذبحها، واختلفوا إذا لم توجد بعد الذبح، ووجدت في حال الذبح وإجراء الشفرة على الحلق، فظاهر قول ابن حبيب في الواضحة أنها تؤكل، ووقع في موطأ ابن وهب عن مالك: أنها كانت قبل أن تذبح تعرف حياتها ويجري نفسها، فلا بأس بها، ظاهره وإن لم يوجد شيء من العلامات في حال الذبح ولا بعده وهو بعيد، وأما الصحيحة التي لا مرض فيها، فلا اختلاف بينهم أنها تؤكل وإن لم يتحرك منها شيء بعد ذبحها إذا سال دمها، ولو لم يسل دمها لجرى جواز أكلها على الاختلاف في المنخنقة وأخواتها إذا بلغ بها ما أصابها مبلغا يعلم أنها لا تعيش منه دون أن يصيب ذلك لها مقتلا؛ لأنه إذا لم يجر دمها يعلم بذلك أنها لو تركت لم تعش إذ لا يكون ذلك إلا من انقطاع بعضها من بعض، وقد مضى الاختلاف في ذلك أعني في المنخنقة وأخواتها في سماع أشهب من هذا الكتاب ومن كتاب الضحايا، وقد اختلف في ذلك أيضا أصحاب النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فقال أبو هريرة: لا بأس بها، وقال زيد بن ثابت: إن الميتة لتتحرك ونهى عن أكلها، ذكر ذلك عنه مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، في موطأه؛ لأنها إنما كانت شاة تردت على ما جاء مبينا في غير الموطأ والأظهر قول من قال: إنها تؤكل قياسا على ما أجمعوا عليه في المريضة.

مسألة: رمى صيدا فأصاب مقاتله وأدركه وقد افترسه سبع وسهمه في مقاتله

مسألة وفيمن رمى صيدا، فأصاب مقاتله وأدركه وقد افترسه سبع وسهمه في مقاتله، أو وقع في بئر أو تردى من جبل، قال: إذا علم أنه قد أصاب مقاتله، فلا بأس بأكله، وإن لم يعلم أنه أصاب مقاتله فلا يقربه إلا أن يذكيه.

قال محمد بن رشد: هذا بين إن كان ما أصابه بعد إنفاذ المقاتل فلا يضره إذ قد فرغ من ذكاته، وهو مثل من ذبح ذبيحة، فسقطت في ماء فماتت فيه أو تردت من جبل أنها تؤكل، قال: ذلك في المدونة وفي سماع أشهب وفي غير ما موضع، وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

: كتاب الضحايا والعقيقة

مسألة: يضحي بالضحية بينه وبين اليتيم في حجره

من سماع ابن القاسم من مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية سحنون من كتاب القبلة مسألة قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سمعت مالكا يقول: لا ينبغي لأحد أن يضحي بالضحية بينه وبين اليتيم في حجره.
قال محمد بن رشد: يريد أنه لا يجعل بعض ثمنها من ماله وبعضه من مال يتيمه فيشاركه فيها، ولا يدخله أيضا في أضحيته، وإن اشتراها من ماله، وكان في عيال إلا أن يكون من قرابته فيكون حينئذ من أهل بيته، وهذا مثل ما في المدونة وغيرها أنه لا يشترك في الضحايا، وقد روى ابن وهب عن مالك إجازة الاشتراك في الهدي التطوع، فيلزم ذلك في الضحية على القول: بأنها غير واجبة، وتحصيل الاختلاف في هذه المسألة أن فيها قولين؛ أحدهما: أن الاشتراك فيها جائز.
والثاني: أن ذلك لا يجوز، فإذا قلت: إن الاشتراك فيها جائز ففي صفته ثلاثة أقوال؛ أحدها: جواز الاشتراك في الشاة والبقرة والبدنة، وإن كانوا أكثر من سبعة أنفس.
والثاني: أنه يشترك في البدنة والبقرة سبعة أنفس فدون.
والثالث: أنه يشترك في البدنة عشرة أنفس وفي البقرة سبعة نفس، وإذا قلت: إن الاشتراك فيها لا يجوز، ففي ذلك ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه لا يجوز لأحد أن يدخل في أضحيته غيره.
والثاني: أن له أن يذبح أضحيته عنه وعن أهل بيته وهو مذهب مالك.
والثالث: أن له أن يذبحها عنه وعمن سواه وإن كانوا أهل أبيات شتى وأهل بيت الرجل الذي يجوز له أن يدخلهم

في أضحيته على مذهب مالك أزواجه ومن في عياله من ذوي رحمه كانوا ممن يلزمه نفقتهم أو ممن لا يلزمه نفقتهم غير أن من كان منهم ممن تلزمه نفقته لزمه أن يضحي عنه إن لم يدخلهم في أضحيته حاشى الزوجة، وقد قيل: إنه يلزمه أن يضحي عنها إن لم يدخلها في أضحيته، وهو قول ابن دينار، ومن كان منهم لا يلزمه نفقته لم يلزمه أن يضحي عنه إن لم يدخله في أضحيته ولزمه هو أن يضحي عن نفسه إن كان له مال، وأما من في عياله من الأجنبيين، فلا يجوز له أن يدخلهم في أضحيته.

مسألة: الضحية إن شح عليها أهل الميراث

مسألة قال مالك في الضحية: إن شح عليها أهل الميراث باعوها وذلك قبل أن يضحى بها، وإذا مات وقد ذبحها كانت لأهله يأكلونها ولم تبع، وهو قول مالك، وإن كان قد أفرز منها شيئا لأحد من أهله، فهي له إذا أشهد عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن لأهل الميراث أن يبيعوا الضحية إذ مات عنها الميت قبل أن يذبحها صحيح؛ لأنها لا تجب إلا بالذبح خلاف الهدي الذي يجب بالتقليد والإشعار، وقوله: إذا مات وقد ذبحها أنها تكون لأهله يأكلونها يريد لأهل بيته يأكلونها على ما كانوا يأكلونها لو لم يمت ورثة كانوا أو غير ورثة، وهو أظهر مما يأتي في رسم سن من هذا السماع، وفي رسم العتق من سماع عيسى من أن الورثة إنما يقسمونها بينهم على الميراث؛ لأن الورثة إنما يقسمون على الميراث ما تكون فيه الوصية والذين قال الله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] . وقوله: إذا مات وقد أفرز شيئا منها لأهله كان له إذا أشهد عليه صحيح؛ لأن ذلك كالهبة لا تصح مع التنازع إلا بالبينة.

مسألة: جز الضحية بعد أن تسمى قبل أن يذبحها

مسألة قال: وسمعت مالكا قال: لا تجز الضحية بعد أن تسمى قبل أن يذبحها؛ لأن ذلك ينقص من ثمنها، ولكن إذا ذبحت فيجزها إن شاء لنفسه، فإنما هي بمنزلة اللحم، قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول: فإن جزها، ثم ذبحها لم يعد لغيرها وبئس ما صنع ولينتفع بصوفها ولا يبعه، قال سحنون: ولو باع الصوف لم أر بأسا أن يأكل ثمنه إذا كان جزه قبل الذبح، فإن جزه بعد الذبح فلا يأكله.
قال محمد بن رشد: الضحية عند مالك لا تجب أضحية وتصير نسكا إلا بالذبح، وإن اشتراها ليضحي بها وسماها أضحية، فلا يجب عليه بذلك ذبحها، وله أن يبدلها بخير منها، فكراهيته لها أن يجز صوفها من نحو كراهيته له أن يبدلها بدونها، ويستفضل من الثمن، وذلك بين من قوله: لأن ذلك ينقص من ثمنها، وقوله: إن جزها فلينتفع بصوفها ولا يبعه، يريد أنه يؤمر بذلك استحبابا كما يؤمر أن يتصدق بما استفضل من ثمنها إذا باعها واشترى غيرها؛ لأن ذلك عليه واجب، وإنما يستحب له ذلك لئلا يرجع عما نوى من الخير، قال إسماعيل القاضي: ولو اشترى الرجل أضحية، فقال: قد أوجبتها أضحية لوجب عليه ذبحها ولم يكن له بيعها، قال غيره: وتكون بذلك كما أشعر وقلد من الهدي في جميع الأمور إن تعدى عليه أحد فذبحه أجزأ عن صاحبه، وإن أصابه عيب لم يضره، وهو بعيد؛ لأنه يلزم عليه إن مات قبل أن يذبحه أن يجزيه ولا يكون عليه أن يعيد بأضحية أخرى على القول: بأن الضحية غير واجبة، وأما التسمية من غير إيجاب فلا يحرم عليه بيعها ولا بدلها، فقول سحنون: ولو باع الصوف لم أر بأسا بأكل ثمنه يريد أنه لا حرج عليه في ذلك إن فعل، فهو تفسير لقول مالك والله أعلم.

مسألة: تلقي السلع

ومن كتاب أوله حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها مسألة وسئل مالك: عن الرجل يخرج يوم الأضحى إلى مثل الاصطبل وهو نحو من ميل ليشتري ضحايا، وهو موضع يجتمع فيه الغنم والناس يخرجون إلى السوق ليشتروا منها، قال: ما يعجبني ذلك، وقد «نهى عن تلقي السلع» ، فلا أرى أن يشتري حتى يهبط إلى السوق، والضحايا أفضل ما احتيط فيها؛ لأنه يتقرب إلى الله بذلك فلا أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن تلقي السلع حتى يهبط بها إلى السوق» ، فلا يجوز للرجل أن يخرج من الحاضرة إلى الجلائب التي تساق إليها، فيشتري منها ضحايا ولا ما يأكل ولا التجارة، وكذلك إن مرت به على بابه في الحاضرة، فلا يجوز له أن يشتري منها شيئا حتى يهبط بها إلى الأسواق، إذ لا مؤنة عليه في النهوض إلى السوق لقربه، وأما إن مرت به على قريته على أميال من الحاضرة، فيجوز له أن يشتري منها ما يحتاج إليه لا لتجارة لمشقة النهوض عليه إلى الحاضرة، يبين هذا ما وقع بعد هذا في رسم تأخير صلاة العشاء، وفي رسم أوله عبد استأذن سيده من سماع عيسى، فإن ضحى بما اشترى في التلقي فروي عن عيسى بن دينار أنه قال: عليه البدل في أيام النحر ولا يبيع لحم الأولى، وهذا عندي على الاستحباب ليس على الوجوب؛ لأنه إنما ضحى بما دخل في ضمانه بالابتياع على قول من لا يوجب فسخ البيع، وعلى قول من يوجب فسخه لمطابقته النهي؛ لأنه بالذبح يمضي بالثمن أو يلزمه فيه القيمة يوم القبض، فإنما ضحى بما قد ملكه قبل الذبح ملكا صحيحا أو بشبهة ارتفعت بالذبح، ووجه استحسان البدل مراعاة قول من يقول: إن البيع الفاسد كلا بيع، ولا ينتقل به ملك البائع وتكون المصيبة منه إن

تلفت ببينة، فيكون على هذا القول كأنه قد تعدى على كبش رجل فضحى به، وفي ذلك اختلاف من القول سيأتي القول عليه في رسم أوصى أن ينفق على أمهات أولاده من سماع عيسى وبالله التوفيق.

مسألة: يشتري الضحية ثم يبدو له أن يعطيها أمه

ومن كتاب أوله شك في طوافه مسألة وسئل مالك: عن الرجل يشتري الضحية، ثم يبدو له أن يعطيها أمه، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: يريد ويشتري هو لنفسه غيرها مثلها أو أفضل فيضحي بها ضحت أمه بالتي أعطاها أو لم تضح بها، ولو اشترى شاتين ليضحي بهما، ثم بدا له أن يعطي أمه إحداهما، فإن كان أعطاها إياها لتضحي بها، فذلك جائز ولا شيء عليه إذ لم تخرج الشاة عن كونها متقربا بها كمن اشترى شاة ليضحي بها، ثم بدا له أن يشرك فيها أهل بيته عنه وعنهم، وأما إن كان أعطاها إياها لتملكها ولا تضحي بها، فلا يجوز له ذلك إلا أن يشتري ضحية فيضحي بها مثلها أو أفضل منها.

مسألة: مكان ذبح أضحية الإمام

مسألة وسئل مالك: عن الإمام أترى أن يأتي بأضحيته إلى المصلى فيذبحها فيه؟ قال: نعم أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في الصلاة الثاني من المدونة وهو مما يستحب للإمام أن يفعله ليقتدي الناس به، فيذبحوا بعد ذبحه لما جاء من «أن أبا بردة بن دينار ذبح أضحيته قبل أن يذبح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمره أن يعود بأضحية أخرى» ، الحديث، فإن لم يفعل ذلك الإمام وجب على الناس أن يؤخروا ذبح ضحاياهم إلى قدر ما يبلغ الإمام فيذبح عند وصوله، وليس لهم انتظاره إن تراخى في الذبح بعد وصوله لغير عذر، فإن أخر الذبح لعذر من

اشتغال بقتال العدو أو غيره انتظروه ما لم يذهب وقت الصلاة بزوال الشمس، وقال أبو المصعب: إذا لم يخرج الإمام أضحية إلى المصلى، فليس على الناس أن ينتظروه حتى يرجع إلى منزله، ومن ذبح بعد القدر الذي كان يذبح فيه بالمصلى فأضحيته في ذلك جائزة، والمراعى في ذلك الإمام الذي يصلي صلاة العيد بالناس إذا كان مستخلفا على ذلك، ومن أهل العلم من يرى أن من ذبح قبل ذبح الإمام فأضحيته جائزة إذا ذبح بعد الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة، وحجتهم ما جاء من «أن عويمر بن الأشقر ذبح أضحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى، وأنه ذكر ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأمره أن يعود بأضحية أخرى» ، وما روي من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى ثم خطب فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد» ، ومن طريق النظر أنه لما كان الإمام وغيره سواء في الذبح قبل الصلاة لا يجزي وجب أن يكون هو وغيره سواء في الذبح بعد الصلاة جائز، قالوا: ومما يدل أن الذبح مرتبط بالصلاة لا بنحر الإمام أن الإمام لو لم يضح لم يسقط عنهم الذبح، وأما أهل البوادي الذين لا يصلون صلاة العيد، فينحرون صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه، فإن تحروا فأخطأوا أجزاهم، قاله ابن القاسم، ورواه عن مالك، وإن لم يتحروا وذبحوا قبل أن يذبح الإمام أعادوا، قاله أشهب، ورواه عن مالك، وقال ربيعة: يجزيهم ما لم يذبحوا قبل طلوع الشمس.

مسألة: ضحي بمكسورة القرن

ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة مسألة وسئل مالك: عن الرجل يضحي بالمكسورة القرن، قال: لا بأس بذلك إنما هي مثل الجلما إلا أن يكون يدمي، فلا يعجبني ذلك، قال: وما يحتاج إلى القرن؟ فأما الأذن، فإني أكرهه، فقيل له: والتي قد سقطت أسنانها، فقال: أما ما كان من ذلك من الكبر والهرم

مثل أن يسقط من الكبر وحفاء الأسنان، فلا أرى بذلك بأسا، وأما لو لم يكن بها كبر وسقط أسنانها لكان ذلك عيبا فلا أرى أن يضحى بها.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز أن يضحى بالمكسورة القرن إذا كان يدمى؛ لأنه رأى ذلك مرضا من الأمراض، وفي الحديث والمريضة البين مرضها، ولأشهب في كتاب ابن المواز أنه إن ضحى بها أجزأته، وإن كان يدمي فلم ير ذلك من المرض البين ورآه خفيفا، وقد قيل: إنه يضحى بها، وإن كانت لا تدمى إذا كان القرن الداخل مكسورا لما روي عن النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، من أنه «نهى أن يضحى بالأعصب القرن والأذن» ، وهو قول النخعي وإليه نهى ابن حبيب، وذهب ابن حبيب أيضا إلى التي ذهبت أسنانها من الكبر لا يجوز أن يضحى بها كالتي كسرت أسنانها بخلاف التي سقطت أسنانها من إثغار، فالتي كسرت أسنانها لا يجوز باتفاق، والتي سقطت أسنانها من إثغار تجزئ باتفاق، والتي ذهبت أسنانها من الكبر تجزئ على اختلاف، فقف على ذلك وبالله التوفيق.

مسألة: يهلك وعنده لحم من لحوم الأضاحي

ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسألة وسئل مالك: عن الرجل يهلك وعنده لحم من لحوم الأضاحي، قال: لا تباع؛ لأنه نسكه وإن كان عليه دين لأنه نسك، ولكني أرى أن يقتسمه ورثته ومعنى قوله: كراهية البيع.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الورثة يقتسمونه خلاف ما تقدم في أول السماع، ولم يقل: كيف يقسمونه بأن كان على الميراث كما قال في رسم العتق من سماع عيسى، أو على قدر ما يأكلون على ظاهر ما في الواضحة لابن حبيب، والأظهر إذا خص الورثة له وأنزلهم فيه منزلة الميت ألا يقتسموه

على الميراث وأن يقتسموه على قدر ما يأكلون فيكونون كأنهم لم يقتسموه إذ قيل: إن القسمة بيع من البيوع.
.

مسألة: النصرانية ظئرا للرجل تأتيه يوم النحر لتأخذ فروة أضحية ابنها

مسألة وسئل مالك: عن النصرانية تكون الظئر للرجل فيضحي فتأتيه يوم النحر فتريد أن تأخذ فروة أضحية ابنها، قال: لا بأس بذلك أن توهب لها الفروة وتطعم من اللحم، قال ابن القاسم رجع مالك، فقال: لا خير فيه، والأول أحب قوليه إلي.
قال محمد بن رشد: اختلاف قول مالك هذا إنما معناه إذا لم تكن في عياله، فأعطيت من اللحم ما تذهب به على ما يأتي في رسم اغتسل، فأما لو كانت في عياله أو غشيتهم وهم يأكلون لم يكن بأس أن تطعم منه دون خلاف، وهذا يرد تأويل ابن حبيب إذ لم يجعل ذلك اختلافا من قول مالك، وقال: معناه إنه كره البعثة إليهم إذا لم يكونوا في عياله وأجاز أن يطعموا منه إذا كانوا في عياله.

مسألة: يجلب الغنم فيمر بها في بعض النواحي هل للرجل أن يشتري منها ضحايا

ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء في الحرس مسألة وسئل مالك: عن الرجل يجلب الغنم فيمر بها في بعض نواحي الفسطاط أترى للرجل أن يشتري منها ضحايا أو حاجة إن كانت له؟ قال: إنه ليكره أن يشتري حتى يهبط بها إلى السوق، فقيل: أفرأيت إن مر بها على قرية من الفسطاط على ستة أميال؟ فقال: أما ما يحتاج إليه من ضحايا أو غير ذلك مما يحتاج إليه، فلا أرى بذلك بأسا وأما ما يريد به تجارة فلا يفعل

قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم حلف فلا معنى لإعادته.

مسألة: الأضحية الشاة الهرمة

مسألة وسئل مالك: عن الشاة الهرمة أيضحى بها؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: يريد ما لم يكن هرما بينا، قاله أصبغ أو ما لم تسقط أسنانها من الهرم فيجري ذلك على الاختلاف الذي تقدم في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة.

مسألة: يشتري الضحايا يسميها ثم يريد أن يبدل ضحيته لغيره

ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق مسألة وسئل مالك: عن الرجل يشتري الضحايا له أو لغيره يسميها ثم يريد أن يبدل ضحيته لغيره، ويذبح عنه ما سمى لغيره، قال: أرى إن أبدلها بخير منها فما أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: أما ذبحه عن نفسه ما كان سمي لغيره أفضل من التي سمى لنفسه، فلا بأس بذلك، وأما ذبحه عن غيره ما كان سمى لنفسه، وهي أدنى من التي كان سمى له فذلك مكروه؛ لأنه قد وعده أن يذبح عنه سمينا فيكره له أن يذبح عنه أدنى مما كان وعده به، فالاختيار له إذا ذبح عن نفسه ما كان سمى لغيره أن يشتري لغيره مثله أو أفضل وهذا بين.

مسألة: إعطاء أهل الذمة من الضحايا

ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية مسألة وسئل مالك: عن أهل الإسلام أيهدون من ضحاياهم لأهل

الذمة من جيرانهم؟ فقال: لا بأس بذلك، ورجع عنه بعد ذلك، وقال: لا خير فيه غير مرة.

مسألة: البدنة والبقرة تجزئ في التطوع عن السبعة في الضحايا

ومن كتاب أوله باع غلاما بعشرين دينارا مسألة قال: وقال مالك: أرى البدنة والبقرة تجزئ في التطوع عن السبعة في الضحايا أو أكثر من ذلك، كل واحد منهما، والكبش يذبحه الرجل عن أهل البيت، وأحب ذلك إلي إذا كان موسرا أن يذبح كل إنسان منهم شاة شاة يريد بذلك الضحايا، ولا يشترك في شيء من البدن تطوعا ولا غيره في الهدي، وإن كان أهل بيت واحد.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة من استحبابه أن يذبح عن كل نفس شاة شاة، وروى حديث ابن عمر أنه لم يكن يضحي عما في البطن إذ فيه دليل على أنه كان يضحي عن المولود إذا ولد أحب إليه من حديث أبي أيوب الأنصاري «كان الرجل يضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعد فصارت مباهاة» .

مسألة: توسم الغنم في وجوهها

مسألة قال مالك: أكره أن توسم الغنم في وجوهها، ولا أرى بآذانها بأسا أن توسم، وذلك أن الشعر والصوف يغشي جسدها كله فيغيب السمت، وأما البقر والإبل فتوسم في غير ذلك من جسدها؛ لأنها ليست في أوبارها وأشعارها مثل الضان والمعز.
قال محمد بن رشد: إنما كره أن توسم الغنم في وجوهها لنهي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن المثلة، ولم يكن سبيل إلى أن توسم في أجسادها من أجل أن

الشعر يغشاها، فيغيب السمت أجاز أن توسم في آذانها للحاجة إلى سمتها، والمعنى في هذا بين.

مسألة: الضحية أيطعم منها النصراني

ومن كتاب أوله مساجد القبائل مسألة وسئل مالك: عن الضحية أيطعم منها النصراني؟ قال: غيره أحب إلي منه، قال ابن القاسم: ما يعجبني.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، والقول فيها في رسم سن وفي رسم اغتسل فلا معنى لإعادته.

مسألة: أهل منى هل عليهم أضاحي

ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات مسألة قال مالك: ليس على أهل منى أضاحي من حج منهم، وإن كان من أهلها ولم يحج فعليه، وحدثني عن عبد الله بن أبي بكر كان لأبيه غنم كثيرة بمنى، فما كان يضحي منها بشيء.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها: أن الحاج سنتهم الهدايا دون الضحايا كانوا من أهل منى أو غيرهم، وأن سائر الناس سنتهم الضحايا دون الهدايا كانوا من أهل منى أو غيرهم؛ لأن الله ذكر الهدايا في الحج، وأهدى رسول الله في الحج، وضحى في غير الحج، فصار ذلك منهاج الإسلام وشرعته، وفي المبسوطة لابن كنانة أنه لا يضحي أحد بمنى ظاهره، وإن لم يكن من الحاج وهو شذوذ، وروي عن عائشة أنها كانت لا تنكر على من ضحى ممن حج ولا على من لم يضح.

مسألة: أفضل الضحايا

ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت مسألة قال مالك: في الضحايا الضأن أعجب إلي من المعز، والمعز أعجب إلي من البقر، وإناث الضأن أعجب إلي من فحول الضأن المعز.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في المذهب أن الغنم في الضحايا أفضل من الإبل والبقر، بخلاف الهدايا، وظاهر هذه الرواية أن البقر أفضل من الإبل، فأفضل الضحايا فحول الضأن، ثم خصيانها، ثم إناثها ثم فحول المعز، ثم خصيانها ثم إناثها ثم ذكور البقر، ثم إناثها ثم ذكور الإبل ثم إناثها، وقال ابن شعبان: بعد إناث المعز ذكور الإبل، ثم إناثها ثم ذكور البقر ثم إناثها، وجه قول مالك أن المقصود في الضحايا طيب اللحم لا كثرته؛ لأنه لأهل البيت فالأفضل فيها الأطيب لحما، وإن كانت أقل، كما أن الضأن أفضل من البقر؛ لأنها أطيب لحما، وإن كانت أقل منها، فكذلك البقر أفضل من الإبل؛ لأنها أطيب لحما وإن كانت أقل منها ووجهه كما ذهب إليه ابن شعبان: أن الغنم إنما كانت أفضل في الضحايا من أجل أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما ضحى بالغنم اتباعا لملة إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إذ فدى الله تعالى ابنه، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، بكبش فضحى به مكان ابنه، وقال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107] ، فإذا لم يضح بالغنم المرغب في التضحية بها للتأسي بفعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبيه خليل الرحمن فالإبل أفضل من البقر؛ لأنها أعلى ثمنا وأكثر لحما، وقد «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أي رقاب أفضل؟ فقال: أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها» ، والشافعي يذهب إلى أن الضحايا كالهدايا الإبل، ثم البقر ثم الغنم ومن حجته الحديث من اغتسل، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، الحديث إلى قوله: «فكأنما قرب كبشا أقرن» ، وهذا لا حجة فيه لاحتمال أن يريد الهدي، وكذلك في بعض الآثار «من اغتسل ثم راح في الساعة الأولى، فكأنما أهدى بدنة» فسقطت حجته

بالحديث، وقال أشهب في ديوانه: الضحية بالغنم أحب إلي بالأمصار وبالإبل والبقر أحب إلي بمنى، ولا ضحية على الحاج بمنى، وبالله التوفيق.

مسألة: يهب لجاريته جلد أضحيته أترى أن تبيعه

ومن كتاب نذر سنة مسألة وسئل مالك: عن الرجل يهب لجاريته جلد أضحيته أترى أن تبيعه؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز لها أن تبيعه؛ لأنها أمته وله انتزاع مالها والتحجير عليها فيه، فإذا باعته فكأنه هو البائع له، ولو وهب الجلد لمسكين لجاز للمسكين أن يبيعه لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة» ، الحديث، ولقوله في اللحم الذي تصدق به على بريرة «هو عليها صدقة ولنا هدية» .

مسألة: تغالي الناس في الضحايا

من سماع أشهب وابن نافع من مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - من كتاب الجنائز والذبائح والنذور مسألة قال سحنون: قال أشهب وابن نافع: سئل مالك عن تغالي الناس في الضحايا، قال: إني أكرهه، وخير الهدي هدي محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأصحابه ليشتر كما يشتري الناس وإن غلت، وربما غلت الأشياء فتنوولت على ذلك، وأما الذي يجد بعشرة دراهم فيذهب فيشتري بمائة درهم، فأنا أكرهه، هذا يدخل على الناس مشقة إذا كان هكذا.
قال محمد بن رشد: هذا مكروه كما قال؛ لأن العمل به يدخل على الناس ضررا في أموالهم وفسادا في نياتهم وأعمالهم؛ لأن ذلك يتراقى في الناس حتى يفعلوه مباهاة وسمعة لا ابتغاء قربه، وقد قال أبو أيوب الأنصاري:

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
مسألة: الحوت أيطرح في النار حيامسألة: الذكاة في الحلق واللبةمسألة: ذبح ذبيحة فأخطأ بالغلصمة أن تكون بالرأسمسألة: النمس وصيدهمسألة: أكل ما بات من الصيدمسألة: يرسل كلبه فيعينه عليه كلب آخرمسألة: يضرب فخذي الصيد بالسيف فيطيرهما هل يحل أكلهمامسألة: أصاب الصيد بسلاحه فأطار رجله فماتمسألة: الرجل يأتي إلى الغار فيدخل كلبه فيه هل يحل أكل ما قتلمسألة: يسرح كلبه على صيد بعينه فتتبعه صيود فيجد كلبه قد قتل صيدامسألة: يسد في خليج بحر للصيدمسألة: خلص الصيد من الكلب فبدر إلى شفرة فمات الصيد ولم يخرجهامسألة: الرجل ينصب الحبالة للصيد فيصطاد بها القوم هل لصاحب الحبالة شيءمسألة: طير يصاد بالخمر يوضع لها الحياض فتأتي فتشرب فتسكرمسألة: امرأة ترضع جديا بلبنها هل يؤكلمسألة: الكلب يصيد ما أرسل عليه فيتوارى به فيوجد على صيده قد قتلهمسألة: النصراني يخرج في طلب صيد مع المسلمين فيسبق إليه فيذكيهمسألة: يرمي الصيد قريبا من الحرم فيصيبه بسهمه إصابة لم تبلغ مقاتلهمسألة: تعدى على باز رجل فاصطاد به صيدامسألة: الذبيحة يقطع منها شيء قبل أن تزهق نفسهامسألة: شاة غرقت فغطس عليها صاحبها بسكين فذكاها في داخل الماءمسألة: فرخ نحل يضرب في شجرة ثم يخرج فرخ لرجل آخر فيضرب عليهمسألة: يسقط بعير أو شاة في بئر فلا يستطاع نحر البعير ولا ذبح الشاةمسألة: وجد أحدهم عشا فقال هو لي أنا رأيته قبلكم فبادره إليه رجل فأخذهمسألة: يجتمعون فيخرجون للصيد ويشتركون في كل ما يصيبونمسألة: تعدى على كلب رجل فاصطاد بهمسألة: شرب الدم والخمر للمضطرمسألة: الدابة التي لا يؤكل لحمها يطول بها المرض أو تعيى على صاحبهامسألة: رجل طبخ بإناء فلما غلى الدهن وجد فيه فأرة ميتةمسألة: دخل الصيد في ولجة لا يستطيع الخلاص منها فغشيه الكلبمسألة: يرسل بازه على فراخ الطير في شاهقة الجبل فيصيدهامسألة: بقرة أزلقت ولدهامسألة: رمى صيدا فأصاب مقاتله ثم والى عليه بالرمي بعد حتى قتلهمسألة: شاة أدركها أمر الله فوجدت وهي تضطرب فيدرك ذكاتهامسألة: رمى صيدا فأصاب مقاتله وأدركه وقد افترسه سبع وسهمه في مقاتله: كتاب الضحايا والعقيقةمسألة: يضحي بالضحية بينه وبين اليتيم في حجرهمسألة: الضحية إن شح عليها أهل الميراثمسألة: جز الضحية بعد أن تسمى قبل أن يذبحهامسألة: تلقي السلعمسألة: يشتري الضحية ثم يبدو له أن يعطيها أمهمسألة: مكان ذبح أضحية الإماممسألة: ضحي بمكسورة القرنمسألة: يهلك وعنده لحم من لحوم الأضاحيمسألة: النصرانية ظئرا للرجل تأتيه يوم النحر لتأخذ فروة أضحية ابنهامسألة: يجلب الغنم فيمر بها في بعض النواحي هل للرجل أن يشتري منها ضحايامسألة: الأضحية الشاة الهرمةمسألة: يشتري الضحايا يسميها ثم يريد أن يبدل ضحيته لغيرهمسألة: إعطاء أهل الذمة من الضحايامسألة: البدنة والبقرة تجزئ في التطوع عن السبعة في الضحايامسألة: توسم الغنم في وجوههامسألة: الضحية أيطعم منها النصرانيمسألة: أهل منى هل عليهم أضاحيمسألة: أفضل الضحايامسألة: يهب لجاريته جلد أضحيته أترى أن تبيعهمسألة: تغالي الناس في الضحايا
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل