كتاب كراء الدور والأرضين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ينبغي له هو أن يكتفي بسؤال رجل واحد مخافة أن يكون بينه وبين الشاهد عداوة، وتعديل العلانية هو أن يقول القاضي للمشهود له: لا أعرف شهودك، فعدلهم عندي، فهذا لا يجوز فيه إلا شاهدان، ويلزم الإعذار فيهما إلى المشهود عليه، هذا معنى ما في المدونة والواضحة وغيرهما من الدواوين، ولا خلاف في شيء منه، والله الموفق.
مسألة: المولى عليه هل تجوز شهادته وهو عدل
مسألة وسئل عن المولى عليه، هل تجوز شهادته وهو عدل؟
فقال: إن كان عدلا فماله لم يدفع إليه ماله؟ قيل له: هو عدل وشهادته نزلت، فقال: إن كان عدلا جازت شهادته.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في كتاب ابن المواز لمالك من رواية ابن عبد الحكم عنه، وهو على قياس المعلوم من قول ابن القاسم في ترك الاعتبار بالولاية على اليتيم البالغ في جواز أفعاله وردها، والذي يأتي على المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك وأصحابه في أن المولى عليه لا تنفذ أفعاله وإن كان رشيدا في جميع أحواله ألا تجوز شهادته، وإن كان مثله لو طلب ماله أعطيه، وهو نص قول أشهب في المجموعة، ونحو قوله في سماع أصبغ من كتاب النكاح أنه لا يكون وليا في النكاح، وإن كان عدلا، وقد حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك وأصحابه أن القاضي إذا حكم بشهادة المولى عليه أو العبد ثم انكشف ذلك بعد الحكم ردت القضية، بخلاف إذا انكشف أنه مسخوط أو سفيه، وروى مثله أبو زيد عن ابن الماجشون، وقال أصبغ: إذا قضى بشهادته ثم تبين أنه مولى عليه مَارِقٌ فَاسِدٌ بَيِّنُ الفساد، أو مسخوط بين الفسق
والفساد ردت قضيته كما ترد إذا تبين أنه عبد، والله الموفق.
مسألة: الشاهد يعدله رجلان ويأتي المشهود عليه برجلين يجرحانه
مسألة وسئل: عن الشاهد يعدله رجلان، ويأتي المشهود عليه برجلين يجرحانه بأي ذلك يؤخذ؟ قال: ينظر في ذلك إلى الشهود أيهم أعدل، اللذان عدلاه أم اللذان جرحاه؟ قيل له: ألا ترى أن شهادة اللذين جرحاه أثبت؛ لأنهما علما ما لم يعلم الآخران؟ قال: لا، هذا رجل عدل أيقبل قولهما؟ ولكن يقال لهما: أي شيء تجرحانه به؟ فينظر في ذلك أمعروف مشهور ذلك؟ ولعل الذي يجرحانه به شيء قديم، وقال ابن نافع: إذا كان هذان اللذان يجرحانه عدلين فهما أولى ويسقط التعديل، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: قول ابن نافع وسحنون: هو دليل ما في كتاب السرقة من المدونة ورواية عيسى عن ابن القاسم عن مالك، وفي المسألة قول ثالث حكاه صاحب المبسوطة عن مطرف وابن وهب، وهو أن التعديل أولى من التجريح، والتزكية بالفضل أولى من القول بالشر، وهذا الاختلاف إنما هو إذا لم يبين المجرحون الجرحة وتعارضت الشهادة في الظاهر بأن يقول المعدلون: هو عدل جائز الشهادة، ويقول المجرحون: هو مسخوط غير جائز الشهادة، فأما إذا بين المجرحون الجرحة فلا اختلاف أن شهادتهم أعمل من شهادة المعدلين وإن كانوا أقل عدالة منهم، ولكل قول منها وجه، فوجه القول بأنه يؤخذ بأعدل البينتين هو أن الشاهد المجهول الحال ليس بمحمول على الجرحة ولا العدالة، إذ لو حمل على العدالة لجازت شهادته دون تعديل، ولو حمل على الجرحة لما جازت شهادته وإن
عدل؛ لأن المعدل لا يقطع أنه لا جرحة فيه، وإنما يشهد بما يظهر إليه من عدالته، وإن جرح ردت شهادته.
فوجب إذا قال قوم: إنه عدل، وقال آخرون: إنه مسخوط - أن ينظر إلى أعدل البينتين، فإن استوتا في العدالة سقطتا، وبقي على ما كان عليه قبل الشهادة من التوقيف في أمره.
ووجه القول أن شهادة المجرحين أعمل: هو أن المجرحين كأنهما قد زادا في شهادتهما؛ لأنهما علما منه ما لم يعلم المعدلون، وهذا هو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب، ووجه القول بأن شهادة المعدلين أعمل: هو أن شهادتهم توجب حكما وهو قبول الشهادة، وشهادة المجرحين لا توجب حكما؛ لأن شهادة الشاهد المجهول الحال غير مقبولة حتى يُعَدَّل، فوجب أن تكون شهادة من أوجب الحكم أعمل من شهادة من نفاه، وبالله التوفيق.
###: الشهادة بما في كتاب يزاد فيه شهود
ومن كتاب الأقضية الثاني قيل: أرأيت إن أُتيت بكتاب، فقيل لي: اشهد فيه، وذهب بالكتاب يزاد فيه شهود، ثم أقام عني يوما أو يومين، ثم أتيت به أشهد فيه؟ فقال: أليس تعرف الكتاب؟ قال: بلى، قال له: فاشهد فيه.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله؛ لأن الكتاب عرض من العروض يعرف بعينه إذا غيب عليه، فإذا عرف أنه هو بعينه شهد فيه، وإن شك لم يشهد، وإن كان إنما يعرفه بالخط فيدخل في ذلك من الخلاف ما دخل في الشهادة على خط المقر، وقد مضى بيان ذلك في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم، والله الموفق.
مسألة: كيف يوقف الذي يشهد في ذكر الحق
مسألة قال أشهب: وسئل مالك: كيف يوقف الذي يشهد في ذكر الحق؟ أيجزي عنه أن يقول هذه شهادتي أعرفها بخط يدي؟ فقال: يقال له: أتشهد أن حق هذا حق؟ فإما أن يقول إذا أشهد: إن هذه شهادتي بخط يدي، وإن هذا كتابي، فلا يقال له: إن كنت تحفظ شهادتك فاشهد أن حقه لحق، فإما أن تشهد أن هذا كتابه فلا، قال: مالك: وكان شريح القاضي إذا جاءه الشاهدان بشهادة، قال لهما: إني بشهادتكما أقضي أتشهدان الحق لهذا؟ فإذا قالا: نعم، أجاز شهادتهما.
قال محمد بن رشد: لم يجز مالك للشاهد في هذه الرواية أن يثبت الشهادة على الحق من جهة معرفته بالخط، ولا أجازها إن شهد على معرفة الخط ولم يثبت الشهادة، وهو الذي ذهب إليه شريح فيما حكى عنه مالك من قوله للشاهدين.
وقد اختلف في الوجهين جميعا، وقد مضى تحصيل القول في ذلك في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: شهدا في وصية أوصي لأحدهما فيها بستين دينارا وللآخر فيها بثوبين
مسألة قال مالك، عن رجلين شهدا في وصية أوصي لأحدهما فيها بستين دينارا وللآخر فيها بثوبين، قال: أما الذي أوصي له بالستين فلا تجوز شهادته، وأما الذي أوصي له بالثوبين فإن كانا ثوبين لهما بال مرتفعين لم تجز شهادته أيضا إذا كان الشيء الذي له
بال، وإن كان الشيء التافه اليسير فإنها جائزة، قيل له: فإن الذي أوصى له بالستين دينارا شهد في وصيته بعدما أحدثها الميت وأوصى فيها لناس ولم يوص فيها للشهداء بشيء، وقد أوصى لهم في الأولى، قال: ولا تجوز شهادتهما في الآخرة إذا كان قد أوصى لهم في الأولى، قيل له: إنه ليس لهما في الوصية الآخرة شيء، إنما وصيتهما في الأولى، فقال: لا تجوز شهادتهما في الآخرة كما لم تجز في الأولى، قيل له: إنه ليس لهما في الآخرة شيء، فقال: لكن في الأولى، فهو يقول أنا أشهد في أخرى، ثم في أخرى، قيل له: فإن الذي أوصى له بالثوبين معه شاهد عدل على تلك الوصية، فقال: إن كان الثوبان يسيري الثمن لا بال لهما، وكان الشاهد الذي معه عدلا فأرى الشهادة جائزة.
قال محمد بن رشد: قوله إن الذي أوصى له بالستين لا تجوز شهادته، وكذلك الذي أوصى له بالثوبين إن كانت قيمتهما مرتفعة يريد أنه لا تجوز شهادته لنفسه ولا لغيره، وهو المشهور من الأقوال، ويأتي على قياس قول أصبغ في نوازله في العبدين يشهدان بعد عتقهما أن الذي أعتقهما غصبهما من رجل مع مائة دينار، إن شهادتهما تجوز في المائة، ولا تجوز في غصب رقابهما؛ لأنهما يتهمان أن يريدا إرقاق أنفسهما أن تجوز شهادة الموصى له بالستين لغيره، ولا تجوز لنفسه.
وقوله: وإن كان الشيء التافه اليسير فإنها جائزة، يريد أن الوصية تثبت بشهادتهما ويأخذ هو ماله بغير يمين، فإن لم يكن على الوصية شاهد غيره حلف الموصى لهم مع شهادته أن ما شهد به من الوصية حق، فتثبت الوصية بشهادته مع أيمانهم، ويأخذ هو ماله فيها؛ لأنه يسير في حيز التبع لجملة الوصية، هذا معنى قوله، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، ورواية مطرف عن مالك
في الواضحة، أن شهادته تجوز له ولغيره، وقد قيل: إن شهادته تجوز لغيره ولا تجوز لنفسه، فإن كان وحده حلف الموصي لهم مع شهادته، واستحقوا وصاياهم ولم يكن له هو شيء، وإن كان معه غيره ممن أوصى له فيها أيضا بيسير تثبت الوصية بشهادتهما لمن سواهما، فأخذوا وصاياهم بغير يمين، وحلف كل واحد منهم مع شهادة صاحبه فاستحق وصيته، وإن كان معه من لم يوص له فيها بشيء تثبت الوصية بشهادتهما لمن سواه وحلف هو مع شهادة صاحبه واستحق وصيته، وهو قول ابن الماجشون في الواضحة، وقيل أيضا: إن شهادته تجوز له ولغيره إن كان معه شاهد غيره، ولا تجوز له، وتجوز لغيره إن لم يكن معه شاهد غيره، فإن كان معه شاهد غيره ثبتت الوصية بشهادتهما، وأخذ هو ماله فيها بغير يمين، فإن لم يكن معه شاهد غيره حلف غيره مع شهادته واستحق وصيته ولم يكن له هو شيء، وهو قول يحيى بن سعيد في المدنية.
وفي المسألة قول رابع: إن شهادته لا تجوز لنفسه ولا لغيره لأنه يتهم في اليسير كما يتهم في غير الوصية، وهي رواية ابن وهب عن مالك في المدونة، وهذا كله إذا كانت الشهادة على وصية مكتوبة في كتاب، وللشاهد فيها وصية، وأما إن كان الموصي أشهد على وصية لفظا بغير كتاب، فقال: لفلان كذا ولفلان كذا، ولفلان كذا، والشاهد أحدهم، فإن كان الذي شهد به لنفسه يسيرا لم تجز شهادته لنفسه وجازت لغيره، وقد يقال: إنه لا تجوز شهادته لنفسه ولا لغيره بتأويل ضعيف، وأما إذا كان الذي شهد به لنفسه كثيرا فلا تجوز شهادته لنفسه باتفاق، ولا لغيره على رواية أشهب هذه؛ لأنه قال فيها: إن الذي أوصى له بالستين لا تجوز شهادته في وصية بعدما أحدثها الميت، وهو قول ابن المواز: إنها لا تجوز في الثانية، إلا أن يشهد أنه نسخ الأولى، وتجوز لغيره على قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة.
وإذا جازت عندهما لغيره والوصية في مجلس واحد فأحرى أن تجوز لغيره في وصية أحدثها الميت بعد ذلك، وهو قول سحنون إن الشهادة إنما سقطت في الأولى بالظنة، فلا ينبغي أن تسقط في الثانية، خلاف رواية أشهب هذه، وبالله التوفيق.
مسألة: توهين الشهادة
مسألة وسئل: أترى إذا شهد القوم عند القاضي وعدلوا أن يقول للذي شهدوا عليه دونك فجرح، فقال: إن فيها لتوهينا للشهادة، ولا أرى إذا كان عدلا أو عدل عنده أن يفعل، قال ابن نافع: أرى أن يقول ذلك للمشهود عليه، ويمكنه من التجريح؛ لأن الرجل ربما كان عدلا، فلعله أن يكون بينه وبين المشهود عليه عداوة أو ما أشبه ذلك.
قال الإمام القاضي: لم ير مالك للإمام أن يقول للمشهود عليه: دونك فجرح، لما في ظاهر قوله هذا من إغرائه بتجريحهم، وإنما الواجب أن يبيح له ذلك، ويمكنه منه بأن يقول له: قد شهد عليك فلان وفلان، فإن كان عندك ما تدفع بشهادتهم عن نفسك فجئ به وإلا حكمت عليك، ويعلمه بأن له أن يجرحهم إن كان ممن يجهله على ما قاله في كتاب السرقة من المدونة، وهذا ما لا اختلاف فيه، ولم ير ابن نافع قول القاضي للمشهود عليه دونك فجرح إغراء له بتجريحهم، فرأى أن يقول ذلك له على سبيل الإعلام بما يجب له من تجريحهم إن شاء، والتمكن له من ذلك، فحصل الخلاف بينه وبينه في جواز نص القول المذكور لا في شيء من معنى المسألة، والله أعلم.
ومن الدليل على ذلك أن في المجموعة لمالك مثل قول ابن نافع، وإذا كان الشاهد مبرزا في العدالة فلا يباح للمشهود عليه أن يجرحه بالإسفاه إن دعا إلى ذلك وإنما يباح له تجريحه بالعداوة والهجرة إذ قد يكون ذلك في الصالح
البارز في الفضل والصلاح، قال ذلك أصبغ في الواضحة، وهو تفسير لقول من أجمل القول في ذلك كسحنون في نوازله وغيره من أصحاب مالك، وقد روي عن مالك: أنه لا يباح تجريح المبرز في العدالة بعداوة ولا غيرها وهو بعيد والله أعلم، ويجرح الشاهد بالعداوة من هو مثله وفوقه ودونه، واختلف في تجريحه بالإسفاه، فقال ابن الماجشون: لا يجرح به إلا من هو فوقه في العدالة، وهذا إذا نصوا في الجرحة على التجريح، وأما إن قالوا: هو غير عدل ولا جائز الشهادة فلا يجوز ذلك إلا للمبرزين في العدالة العارفين بوجوه التعديل والتجريح، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يشهد أيجرح شهادته رجل واحد
مسألة وسئل: عن الرجل يشهد أيجرح شهادته رجل واحد؟ قال: لا.
قال الإمام القاضي: هذا كما قال وهو مما لا اختلاف فيه أن الحاكم إذا أعذر إلى المشهود عليه في شهادة من شهد عليه فلا يجرحه إلا بشاهدين عدلين، وإنما يجرح بالواحد ويعدل به إذا كان الحاكم هو الذي يبتدئ بالسؤال فيسأل عن الشاهد من يثق به، قال ذلك ابن حبيب في الواضحة وحكاه أصبغ عن ابن القاسم وهو صحيح على أصولهم، واختلف إن أراد الشاهدان على الجرحة أن يشهدا سرا لما يجر ذلك من العداوة بينهما وبين المجرح، فقال ابن حبيب: لا تقبل الشهادة منهما إلا علانية لأنهما شاهدان، ولا بد من الإعذار في شهادتهما إلى المشهود له الأول، وحكى ابن عبدوس عن ابن القاسم أن الشهادة تقبل منهما في السر لعلة العداوة، وهو قول سحنون، قال: التزكية علانية والتجريح سرا ولا آمرهم أن يسبوا الناس، وبالله التوفيق.
###: امرأة حلفت بعتق رقيقها إن كلمت إنسانا سنة وكان عندها أربع نسوة
ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل: عن امرأة حلفت بعتق رقيقها إن كلمت إنسانا سنة، وكان عندها أربع نسوة، فقلن لها: إنك قد استثنيت في يمينك، فقالت: إلا أن أرى خيرا من رأيي هذا، أترى أن تكلمه؟ فقال: لا أدري ما قولهن لها، لا أرى لها أن تعمل بشهادتهن في ذلك، ولا أرى أن يقبل قولهن، ولا أرى أن تعمل بشهادتهن.
قال الإمام: قوله: لا أرى أن يقبل قولهن، ولا أن تعمل بشهادتهن إن كانت لا تخشى أن يحكم عليها بالعتق إن كلمته - استحسان، لا إيجاب؛ لأن قولهن لها قبل أن تكلمه إنما هو إخبار لا شهادة، فلها أن تعمل بما أخبرنها به إن كن عدولا، أو واحدة منهن، وإنما كان يكون قولهن شهادة لو قلن ذلك لها بعد أن كلمته ووجب عليها العتق بكلامه؛ لأن العتق إذا وجب لم يصح رده إلا بشهادة شاهدين عدلين، ويحتمل أن يريد بقوله: لا أرى أن يقبل قولهن ولا يعمل بشهادتهن مخافة أن تؤخذ بالعتق إن كلمته فلا تنتفع بشهادة النساء، وقد مضى في رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب النذور، وفي رسم العرية من سماع عيسى منه ما يشبه هذا المعنى ويؤيد تأويلنا في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يؤتى بخط يده على شهادة ولا يذكر منها شيئا
مسألة وسئل: عن الرجل يؤتى بخط يده على شهادة ولا يذكر منها شيئا.
قال: أرى أن يرفع شهادته إلى السلطان على وجهها، قيل له: يقول هذه شهادتي بخط يدي إلا أني لا أذكر من
الشهادة شيئا، قال: بل يقول أرى كتابا يشبه كتابي، وأظنه إياه ولست أذكر شهادتي ولا متى كتبتها فيرفع شهادته على وجهها.
قيل له: أرأيت إن كان جلدا أبيض لا محو فيه ولا شيء، وعرف خطه؟ قال: إنه ربما ضرب على الخط والكتاب، فأرى أن يرفع شهادته إلى السلطان على وجهها.
قال محمد بن رشد: يريد ولا يحكم بها إذا رفعها على هذه الصفة كذا قال في المدونة إنه لا يحكم بها إذا رفعها على هذه الصفة وقد مضى القول على هذه المسألة مستوفى، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: امرأة تشهد بشهادة أيقبل في تزكيتها النساء
مسألة وسئل: عن امرأة تشهد بشهادة، أيقبل في تزكيتها النساء؟ فقال: لا، في رأيي لا تقبل إلا تزكية الرجل.
قال القاضي مثل هذا في آخر سماع عيسى، وفي سماع سحنون، وفي كتاب الشفعة من المدونة أن النساء لا تقبل تزكيتهن في وجه من الوجوه لا فيما تجوز فيه شهادتهن، ولا فيما لا تجوز فيه، لا يزكين الرجال ولا النساء.
وإنما لم يجز أن يزكين الرجال فيما تجوز شهادتهن فيه على القول بأن شهادتهن جائزة فيما جر إلى المال، كالوكالة على المال وشبه ذلك؛ لأن الشاهد إذا زكي شهد في المال وغير المال فيئول ذلك إلى إجازة شهادتهن في غير المال، وقد قيل: إنهن يزكين الرجال إذا شهدوا فيما
تجوز شهادتهن فيه، وهو قول ابن الماجشون، وابن نافع في المبسوطة.
وأما تزكيتهن النساء فكان القياس أن تجوز على قياس قول مالك بأن شهادتهن تجوز في الوكالات على الأموال وما جر إليها؛ لأن النساء إذا زكين لا يشهدن على عتق ولا طلاق فلا تئول تزكيتهن النساء إلى إجازة شهادتهن فيما لا تجوز فيه شهادة النساء على حال، والفرق عنده بين الموضعين أن التزكية يشترط فيها التبريز في العدالة، وهي صفة تختص بالرجال لنقصان مرتبة النساء في الشهادة، إذ جعلت شهادة امرأتين كشهادة رجل واحد، ولم تجز في عتق، ولا طلاق، ولا نكاح، ولا حد، وبالله التوفيق.
مسألة: حكم شهادة النساء في الارتجاع
مسألة وسئل: عن شهادة النساء في الارتجاع، أتجوز؟ قال: لا.
قال القاضي: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن الارتجاع من ناحية النكاح، وشهادتهن في النكاح لا تجوز، وبالله التوفيق.
مسألة: امرأة أشهدت على رقيق لها أنهم صدقة على ابنتها
مسألة وسئل: فقيل له: إن امرأة دعتنا فشهدتنا على رقيق لها أنهم صدقة على ابنتها، وكتبنا شهادتنا على أنها أمانة عندنا بأمانة الله، لا نشهد بها أبدا ما دامت حية حتى تموت، فشهدنا على ذلك، وكتبنا شهادتنا على أنها أمانة فاحتاجت إلى تلك الشهادة ابنتها التي كانت الصدقة عليها.
أترى لنا أن نقوم بها؟ قال: أراها قد قالت لكم لا تشهدوا بها حتى أموت، وهذه الشهادة لا تنفع ابنتها، فقيل: لا تنفع ابنتها، قال: لا.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في كتاب الصدقات والهبات، والمعنى في بطلان هذه الشهادة بين؛ لأنها لما تصدقت بالرقيق
على ابنتها وأبت من الإشهاد لها إلا على هذا الشرط، دل على أنها لم ترد أن تبتلها لها في حياتها وإنما أرادت أن تصيرها إليها بعد موتها من رأس مالها: وذلك لا يحل لها ولا لابنتها، إذ ليس لها بعد موت أمها من مالها إلا ما فرضه الله لها من ميراثها، فلا يحل للشاهد أن يقوم بهذه الشهادة ولا يشهد بها في حياتها ولا بعد وفاتها، والله الموفق.
مسألة: الرجل يشهد له الرجل والمرأة على أنه وارث أيحلف مع الشهادة
مسألة وسئل: عن الرجل يشهد له الرجل والمرأة على أنه وارث فلان لرجل قد مات، أيحلف مع شهادتهما ويكون له الميراث؟ فقال: يستأني بمثل هذا حتى يأتي ببينة ويطلب، قيل له: فإذا طلب فلم يجد إلا هذين، أترى أن يحلف معهما ويكون ذلك له؟ قال: نعم، ذلك له أن يحلف ويكون ذلك له، قال أشهب: سمعت المسألة كلها، وجواب مالك إلا قول السائل يشهد أنه وارث فلان فإني لم أسمعه، فأخبرني السائل وغيره أنه هكذا سأل.
قال أشهب: وإنما يحلف الرجل في مثل هذا مع الشاهد الواحد، والشاهد والمرأة إذا كان نسبه قبل ذلك ثابتا لازما لهذا الهالك، فيكون هذا الشاهد يشهد أنه وارثه لا يعلم له وارثا غيره، فيحلف مع شهادته، ويكون ذلك له؛ لأنه إنما يشهد له على مال، ولم يشهد له على نسب، وأما لو شهد له على نسب لم يثبت له، ولم تجز له شهادته أبدا، ولو شهد مع الشاهد مائة امرأة؛ لأنه لا تجوز شهادة الرجل الواحد في الأنساب ولا شهادة النساء.
قال محمد بن رشد: قول مالك إنه يحلف مع شهادة الرجل والمرأة، ويستحق الميراث وإن لم يثبت له النسب بعد الاستيناء واليأس من أن يجد شاهدا آخر يثبت له به النسب هو مثل قوله في كتاب الشهادات من المدونة، وكتاب الولاء والمواريث منها في الميت يدعي رجل أنه مولاه ويأتي على ذلك بشاهدين على السماع، أو بشاهد واحد على أنه مولاه أعتقه - أنه يحلف مع الشاهد الواحد أنه أعتقه، أو مع الشاهدين على السماع، فَيُقْضَى له بالمال بعد الاستيناء، ولا يجر بذلك الولاء وذهب أشهب إلى أنه لا يقضي له بالمال إلا بعد ثبوت النسب أو الولاء وإلى أن الولاء يثبت بشهادة السماع، هذا قوله في كتاب الولاء والمواريث من المدونة، فقوله هاهنا وإنما يحلف الرجل في مثل هذا مع الشاهد الواحد، والشاهد والمرأة إلى آخر قوله هو على أصله، وقياس قوله خلاف لقول مالك المتقدم في هذه الرواية، وخلاف لقول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وبالله التوفيق.
###: كتب القضاة يقدم عليها بشهادة قوم يشهدون إنا لا نعلم لفلان وارثا إلا فلانا
ومن كتاب الأقضية لابن كنانة وسأل ابن كنانة مالكا: عن كتب القضاة يقدم عليها بشهادة قوم يشهدون إنا لا نعلم لفلان بأرض مصر وارثا إلا فلانا، وذلك الميت مات بإفريقية، قال: اكتب إليه لا تجوز شهادتهم إلا أن يقولوا: نشهد إنا لا نعلم لفلان وارثا من الناس في شيء من الأرض إلا فلانا وفلانا، فيدفع ذلك إليه نفسه ويستحلف، ولا أرى أن يدفع ذلك إلى وكيله إذا قدم عليهم بالمغرب.
قال محمد بن رشد: قوله إن شهادتهم لا تجوز إلا أن يقولوا نشهد أنا لا نعلم لفلان وارثا من الناس في شيء من الأرض إلا فلانا صحيح؛ لأن في قولهم لا نعلم له وارثا بأرض مصر إلا فلانا دليلا أنهم يعلمون له وارثا سوى فلان في غير أرض مصر، فإذا شهدوا أنهم لا يعلمون له وارثا من الناس في شيء من الأرض إلا فلانا، وأنهم لا يعلمون له وارثا إلا فلانا ولم يقولوا في شيء من الأرض صحت الشهادة، ووجب أن يدفع إليه ميراثه، قال في الرواية: ويستحلف، قيل: على البت في الموضع الذي شهد فيه الشهود على العلم، قياسا على يمين المستحق ما باع ولا وهب، من أجل أن الشهود إنما شهدوا بذلك على العلم، فيقول في يمينه: بالله الذي لا إله إلا هو ماله وارث غيري، أو ماله وارث غيري في شيء من الأرض، ولما وجب عليه اليمين على هذا لم ير أن يدفع المال إلى وكيله حتى يكتب إلى موكله، فيحلف في الموضع الذي هو فيه.
وفي نوازل عيسى من كتاب الوكالات بيان هذا، والذي أقول به: إنه لا يحلف إلا على العلم، فيقول: بالله الذي لا إله إلا هو ما نعلم له وارثا غيري، إذ لا يصح له القطع على أنه ليس له وارث غيره.
وقد قال ابن دحون: قوله: ويستحلف - حرف سوء حائل، كيف يستحلف من شهد له أكثر من واحد على ميراث، وقالوا في شهادتهم: لا نعلم له وارثا من الناس في شيء من الأرض إلا فلانا، لا اختلاف أنه لا يحلف مع بينته، وقوله لا يدفع ذلك إلى وكيله قول حائل، كيف لا يوكل من له مال غائب على قبض ماله، لا اختلاف في جواز ذلك إذا أثبت الوكالة على سنتها قبض الوكيل مال الموكل من ميراث كان أو غيره.
قال محمد بن رشد: وإنكار ابن دحون اليمين، وقوله لا اختلاف أنه لا يحلف مع بينته ليس ببين لأن لإيجاب اليمين عليه وجها ظاهرا وذلك
أنه لو ادعى أحد أنه وارثه، وادعى عليه أنه يعلم ذلك للزمته اليمين أنه ما يعلم أنه وارثه باتفاق، ولو لم يدع عليه العلم بذلك للزمته اليمين على اختلاف في لحوق يمين التهمة، فلما كانت اليمين تجب عليه لو ادعى ذلك أحد عليه كان من تمام الحكم إيجاب اليمين عليه بذلك كيمين الاستحقاق، ومن أثبت دينا على غائب أو مفلس لا يقضي له به إلا بعد اليمين يحلف في الاستحقاق أنه ما باع ولا وهب، وفي الدين أنه ما قبض ولا أحال ولا وهب، والذي جرى به العمل ألا يمين في ذلك، ولا وجه لما أنكر أيضا من قول مالك: لا يدفع ذلك إلى وكيله إذا قدم عليه بالمغرب؛ لأنه لم يرد أن الوكالة لا تصح في ذلك، ولا يجب له القبض بها، وإنما أراد أنه لا يدفع إليه المال حتى يحلف موكله بما وجب عليه به اليمين حسبما ذكرنا، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة الرجل على من لا يعرف
مسألة وسئل مالك: أترى أن يشهد الرجل على من لا يعرف؟ قال: إن أحب إلي ألا يفعل، وإن الناس يشهدون بكون بعضهم يعرفه وفي ذلك بعض السعة.
قال الإمام القاضي: أما إذا أشهد الرجل على نفسه جماعة يعرفه بعضهم، فلمن لا يعرفه منهم أن يضع شهادته عليه، وهو من ذلك في سعة إذ قد أمن بمعرفة بعضهم له أن يكون تسمى باسم غيره، وأما إذا لم يكن يعرفه أحد منهم فيكره لهم أن يضعوا شهادتهم عليه في الكتاب، مخافة أن يكون قد تسمى باسم رجل غيره، فيقر أنه قد باع داره من هذا، أو يقر له على نفسه بحق فيكتبون شهادتهم عليه، فيشهد على خطوطهم بعد موتهم فتجوز الشهادة، وتؤخذ الدار من صاحبها، أو الحق بغير حق، قال ذلك
مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ.
وذلك على مذهب من يجيز الشهادة على خط الشاهد، وقد مضى الاختلاف في ذلك في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم.
وقد قال ابن عبدوس: يخشى في ذلك أن يجد الرجل شهادته في كتاب على من لا يعرف ويكون الشاهد قليل المعرفة، فيقول: أشهد على ما في الكتاب، والعلة الأولى هي الصحيحة؛ لأنه وإن كان ممن لا يجهل أنه لا يجوز له أن يشهد على خطه، وهو لا يعرف عين الذي أشهده فلا يأمن أن يموت فيشهد على شهادته، وهو لا يعرف عينه، وإذا كتب الرجل شهادته على من لا يعرفه بالعين والاسم فلا يصح له أن يشهد بها بعد موته، ولا يؤدي إلا في حياته على عينه، وكذلك لا يشهد على شهادته بها إلا على عينه، وهذا كله مما لا اختلاف فيه، فإن علم أنه لا يقف على عين المشهود له إذا غاب عنه فهي شهادة لا منفعة فيها، وإنما تسامح العلماء والخيار في موضع شهادتهم على من لا يعرفونه بعين ولا اسم سياسة منهم في نفع العامة، ولئلا ينهوهم على وَهْنِ شهادةِ مَنْ أوقع شهادته على من لا يعرف، فيجترئون على جحد الحقوق المنعقدة عليهم، إذا علموا أن الشهادة عليهم لا تصح إذا أنكروا، ففي جهلهم بالحقيقة في ذلك صلاح عظيم، وتحصين للحقوق؛ لأن المشهود عليه يهاب الوثيقة ويسبق إليه أن كلهم يشهد عليه إن جحد فيقر ولا يجحد، قال ابن القاسم في المجموعة: وإذا دعا الرجل ليشهد على امرأة لا يعرفها ويشهد عنده رجلان أنها فلانة فلا يشهد، قال في سماع حسين بن عاصم في بعض الروايات: لا يشهد إلا على شهادتهما، وقال ابن نافع فيه: أن يشهد، وذكره عن مالك.
قال القاضي: والذي أقول به: إنه إن كان المشهود له أتى بالشاهدين ليشهد له عليها بشهادتهما عنده أنها فلانة فلا يشهد إلا على شهادتهما، وإن كان هو سأل الشاهدين فأخبراه أنها فلانة فليشهد عليها،
وكذلك لو سأل عن ذلك رجلا واحدا يثق به أو امرأة لجاز له أن يشهد، ولو أتاه المشهود عليه بجماعة من لفيف النساء فشهدن عنده أنها فلانة لجاز له أن يشهد إذا وقع له العلم بشهادتهن، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
مسألة: اجتماع الشهادتين
مسألة وسأله رجل، فقال: شهد لي شاهدان أني وارث فلان، فشهد أحدهما أنه لا وارث له غيري، وشهد الآخر أني وارثه ولا وارث له غيري وامرأته، فقد اجتمعت الشهادتان أني وارثه، فقال: أرى أحدهما يكذب الآخر، وما أرى أن تقبل شهادة من شهد هكذا بحتم، فقال: لا أشهد أن فلانا وارث فلان، لا وارث له غيره ما يدريه بهذا، ولربما كان ذلك في العبد الآبق، والجمل الشارد، فإذا وجد عند بعض من اشتراه جاء صاحبه الأول بمن شهد له أنه عبده أو جمله، ما باع ولا وهب ما يدريهم بهذا، فلا أرى شهادة من شهد هكذا تجوز، ولا أرى أن يشهد في مثل هذا إلا أنه لا يعلم له وارثا غيره، أو أنه جمله أو عبده لا نعلم أنه وهبه ولا باعه، فإذا شهدوا هكذا رأيت الشهادة جائزة جيدة، ومن القضاة من يكلف الناس البينة، ولا أرى ذلك جائزا ولا يقبل منهم هذا الأخذ، وهذا الذي أرى أنا جائزا.
قال: فإذا شهدوا هكذا على العلم كان جائزا.
قال: نعم، فقيل له: فإن شهد هذان الرجلان، فقال أحدهما: أشهد أنه وارثه ولا أعلم له وارثا غيره،
وقال الآخر: أشهد أنه وارثه ولا أعلم له وارثا غيره وزوجة له، قال: هذا جائز، وأرى أن يوقف المال حتى يتبين من ذلك أنه مع الوارث زوجة أم لا.
قيل له: إنما مات بمصر، قال: يكتب إلى ذلك البلد حتى يتبين ذلك، قلت: ولا يحبس حق الزوجة فقط، ويدفع إلى هذا حظه، قال: لا، ولكن يحبس المال كله حتى يتبين من ذلك، قال أشهب: أرى الوارث بالخيار، إن شاء حلف مع شهادة الذي شهد له أنه لا يعلم له وارثا غيره، وأخذ المال كله، فإن أبى اليمين عزل من المال ما كان ينوب الزوجة لو كانت ثبت لها أنها زوجته، وصار للوارث ما بقي من المال بغير يمين.
قال سحنون: سئل ابن القاسم: عن الشاهدين يشهدان أن فلانا وارث فلان لا يعلم له وارثا غيره، ويقول أحدهما أو كلاهما وزوجة بموضع كذا وكذا، فقال: إن شهدا على الزوجة كلاهما ثبتت شهادتهما، ولم يقسم شيء من المال حتى تحضر الزوجة أو توكل أو يقسم لها القاضي، وإن كان أحدهما قال ذلك لم يعجل في قسم شيء من المال حتى يتبين ما قال الشاهد، فإن طال ذلك أعطي الوارث المال كله.
قال محمد بن رشد: لم يجز في هذه الرواية شهادة الشهود إذا شهدوا أنه لا وارث لفلان إلا فلان، وذلك يقضي بصحة تأويل من حمل ما في كتاب الشهادات وكتاب العارية من المدونة على ظاهره، من
أن شهادة الشهود إذا شهدوا أنه ما باع ولا وهب شهادة لا تجوز، إذ قال فيها: إنها غموس وباطل، خلاف ما ذهب إليه ابن لبابة من أنها على مذهبه جائزة، وإن سماها غموسا وباطلا بدليل قوله عقب ذلك: وأرى أن يحلف.
والأظهر أن قوله: وأرى أن يحلف - إنما يعود على ما قبل ذلك من الشهادة الصحيحة، فوقع في الكلام تقديم وتأخير.
وابن الماجشون من أصحاب مالك لا يجيز الشهادة في ذلك على العلم بأن يقولوا في الاستحقاق ما نعلمه باع ولا وهب، وفي الوراثة ما نعلم له وارثا غيره، ولا يرى الحكم بها حتى يشهدوا أنه ما باع ولا وهب ولا وارث له غيره، وهو مذهب أهل العراق؛ لأنهم يقولون: العلم كيفما وصل وكيفما أمكن وصوله من معرفة أو غلبة ظن يؤدي إلى اليقين، والقولان محتملان، وذلك أنه لا يصح للشاهد في الوراثة أن يشهد أن فلانا وارث فلان لا يعلم له وارثا غيره، إلا أن يكون قد تيقن أنه لا وارث له سواه (يقينا) لا يدخله فيه شك ولا ارتياب، فإن دخله في ذلك شك أو ارتياب من وجه من الوجوه، أو لم يداخله فيه شك ولا يحصل فيه عنده يقين لم يصح له أن يشهد أنه لا يعلم له وارثا سواه، وإن كان صادقا في قوله إنه لا يعلم له وارثا غيره، فخشي ابن الماجشون إذا شهد أنه ما يعلم له وارثا غيره ألا يكون عنده بذلك يقين، ولذلك لم يجز شهادته حتى يشهد أنه لا وارث له سواه، ولم يجز له مالك أن يشهد أنه لا وارث له سواه، إذ لا يصح له القطع على ذلك، لاحتمال أن يكون له وارث لم يعلم به، واكتفى منه بهذه العلة
أن يشهد أنه ما يعلم له وارثا سواه.
وقول ابن الماجشون أظهر؛ لأن اليقين يقرب من العلم، وإن لم يكن حقيقته علما، ولا حرج على من قال فيما يتيقنه ولا يصح أن يعلمه علما يصح له به القطع عليه أعرف كذا وكذا، مثال ذلك: أن الرجل يشهد في الرجل المسلم الظاهر الخير والصلاح أنه مؤمن عدل رَضِيٌّ، فلا يكون كاذبا في قوله بحصول اليقين عنده بإيمانه وعدله، وإن كان لا يقطع على حقيقة أمره، لاحتمال أن يبطن خلاف ما يظهر، ولا يعلم ما يبطن سواه إلا الله عز وجل المطلع على ما في القلوب من الاعتقادات.
ولو قيل في هذه المسألة: إن الشهود إن كانوا ممن يعلم أن الشهادة على العلم لا تصح إلا مع اليقين قبلت منهم على العلم، وإن كانوا ممن يجهل ذلك لم يقبل منهم إلا على البت؛ لأن الجاهل يظن ما يتيقنه ويعتقد صحته بغالب ظنه علما لكان قولا، فبهذا أقول، وإذا شهد أحد الشاهدين في الميت أنه لا يعلم له وارثا غير فلان، وشهد الآخر أنه لا يعلم له وارثا غيره وغير امرأته، فاتفقت رواية أشهب عن مالك وسحنون عن ابن القاسم أن المال كله يوقف حتى يتبين أمر الزوجة، فإن طال ذلك أعطى الوارث المال كله على ما قاله ابن القاسم، وهو مفسر لقول مالك، يريد بعد أن يحلف أنه ما يعلم له زوجة، واليمين هاهنا لا ينبغي أن يختلف فيها من أجل الشاهد بالزوجة، سواء لم توجد المرأة حتى طال الأمد أو وجدت ولم تجد شاهدا آخر يشهد لها حتى طال الأمد لأن الوارث قد ثبت نسبه بشهادة الشاهدين فوجب أن يعطى جميع المال إذا طال الأمد.
ولو لم يكن للميت وارث ثابت النسب فادعت امرأة أنها زوجته، وشهد لها بذلك شاهد واحد لحلفت مع شاهدها وأعطيت ميراثها بعد الاستيناء على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وما مضى في آخر الرسم الذي قبل هذا من قول مالك خلاف قول أشهب، وإنما لم ير أن يوقف حق الزوجة خاصة ويدفع إلى الوارث حقه مخافة أن يتلف ما وقف لها فتجد شاهدا آخر وقد استهلك الوارث ما قبضه وهو عديم فيذهب حقها، ويكون هو قد ورث دونها.
وأما قول أشهب: إن الوارث بالخيار بين أن يحلف مع شاهده الذي شهد له أنه لا يعلم له وارثا غيره، ويأخذ المال
كله، وبين أن يأخذ منه ما سوى حق الزوجة بغير يمين، فالوجه فيه: أن الذي شهد له أنه لا يعلم له وارثا غيره شهد له بجميع المال، والذي شهد أنه يعلم له زوجة، شهادته بالزوجة لا تجوز؛ لانفراده بالشهادة لها بحصول شهادته أنه شهد له بثلاثة أرباع المال، أو بسبعة أثمانه إن كان ابْنًا، فَأَشْبَهَ ذلك الرجل يشهد له شاهد بمائة وشاهد بخمسين أنه إن شاء حلف مع شاهده بالمائة ويأخذها، وإن شاء أخذ الخمسين بغير يمين، وقوله: إنه إن شاء أن يأخذ ما سوى حق الزوجة بغير يمين، خلاف قول مالك في أول الرسم لابن كنانة أنه يستحلف، وقد مضى القول على ذلك، وقول مالك وابن القاسم أصح من قول أشهب وأولى بالصواب؛ لأن الذي شهد بالزوجية علم ما لم يعلم الشاهد الآخر فيبعد أن يحلف الوارث مع الشاهد الآخر، وأن يقاس ذلك على الذي شهد له شاهد بمائة وشاهد بخمسين؛ لأن الذي شهد بالمائة بت له الشهادة بها، وزاد في شهادته على الذي شهد بالخمسين، والذي شهد أنه لا يعلم له وارثا غيره لم يبت له الشهادة بجميع المال، ولا زاد في شهادته على الآخر بل نقص، إذ لم يعلم من أمر الزوجة ما علم هو، وبالله التوفيق.
مسألة: حكم شهادة الرجل المرضي ولكنه يشرب النبيذ
مسألة وسئل: عن الرجل المرضي في كل حالة لا تعرف له زلة إلا أنه يشرب نبيذ التين، قال: إن كان مسكرا فأرى أن ترد شهادته.
قال محمد بن رشد: قوله فأرى أن ترد شهادته إن كان يسكر، يريد: إن كان النبيذ يسكر، فأرى أن ترد شهادته وإن شرب منه قليلا لا
يسكر، وهذا بين على ما قال، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وهذا إذا شربه غير متأول ولا متمذهب بمذهب من أباح منه ما دون السكر، وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، فأما إذا شربه متمذهبا بمذهبهم معلوم بالصلاح والفضل، غير متهم باستباحة ما لا يحل له، فلا ترد شهادته إلا أن يسكر منه، وهكذا قرأناه إن كان يسكر بضم الياء وكسر الكاف، ويحتمل أن يقرأ يسكر بفتح الياء والكاف، أي: كان هذا الرجل الذي يشرب النبيذ المسكر فيسكر، فأرى أن ترد شهادته، وإن كان على الصفة التي وصفت من الرضا في جميع أحواله، إذ لا اختلاف بين الأمة في أن السكر من جميع الأنبذة حرام كالسكر من خمر العنب والتمر، وبالله التوفيق.
الرجل يأتي على الرجل بشاهد واحد هل يحلف معه
ومن كتاب القضاء لأشهب وسئل: عن الرجل يأتي على الرجل بشاهد واحد أنه شتمه أيكون له أن يحلف مع شاهده ويستحق ذلك عليه؟ أم يستحلف المدعى عليه ويبرأ؟ فقال: ما أرى أن يحلف في مثل هذا مع الشاهد، وليس في هذا يمين مع الشاهد، ولكن أرى إن كان الشاتم معروفا بالشتم والسفه أن يعزر، ولا يكون على المدعي يمين مع شاهده، ولا أرى أن يحلف مع الشاهد في مثل هذا، قلت: إنك لا ترى في مثل هذا يمينا مع الشاهد، أفترى على المدعى عليه يمينا؟ قال: نعم، ولعسى به أن أكون أرى عليه
اليمين، ولعساني أن أكون أراه، ولكن ليس كلما أُرِيَ المرء أراد أن يجعلوه سنة يذهب به إلى الأمصار.
قال محمد بن رشد: تفسير قول مالك في هذه الرواية هو أن الرجل إذا ادعى على الرجل أنه شتمه، وأقام على ذلك شاهدا واحدا لم يحلف مع شاهده، ونظر في المدعى عليه فإن كان معروفا بالشتم والسفه عزر ولم يستحلف، وإن لم يكن معروفا بذلك استحلف، إلا أنه ضعف اليمين، فقال: ولعساني أن أكون أرى اليمين ولكن ليس كلما أُرِيَ المرء أراد أن يكون سنة يذهب بها إلى الأمصار.
والأظهر على أصولهم إيجاب اليمين، فتضعيفها ضعيف، وقد قيل: إن المدعى عليه يستحلف إذا كان للمدعي شاهد على دعواه، كان معروفا بالشتم والسفه أو لم يكن، وهو ظاهر ما في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الحدود، وما في رسم الحدود من سماع أصبغ منه، فإن حلف برئ، وإن نكل ففي سماع ابن القاسم المذكور أنه يسجن أبدا حتى يحلف، وفي سماع أصبغ المذكور: أنه إن طال سجنه جدا ولم يحلف خلي سبيله ولم يؤدب.
وقال أصبغ: إن كان معروفا بالأذى والفحش أدب، وإلا فأدبه حبسه الذي حبس، فهذه الرواية موافقة لما في السماعين المذكورين من كتاب الحدود في أن المدعي لا يحلف مع شاهده مخالفة لما فيهما من إيجاب اليمين على المدعى عليه على ضعف في حال دون حال، وقد قيل: إنه يحلف مع شاهده ويحد له، وروي ذلك عن مطرف، وهو شذوذ أن يحد في الفرية بالشاهد مع اليمين.
ويتخرج في المسألة قول ثالث: إنه لا يحلف مع شاهده في الفرية، ويحلف معه فيما دون الفرية من الشتم الذي يجب به الأدب.
وكذلك اختلف في القصاص من الجراح العمد بالشاهد مع اليمين، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقتص بالشاهد مع اليمين، وهو قول مالك في كتاب الأقضية من المدونة، والثاني: أنه لا يقتص بالشاهد مع اليمين،
وهو قول ابن القاسم في كتاب الشهادات منها، والثالث: أنه يقتص بالشاهد مع اليمين فيما صغر من الجراح ولا يقتص بذلك فيما عظم منها، مثل قطع اليد وشبهه، وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك واختيار سحنون.
وكذلك اختلف أيضا إن لم يأت المدعي بشاهد ولا سبب على دعواه في الشتم أو في جراح العمد على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يمين على المدعى عليه، وهو قول مالك في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الحدود، قاله في دعوى الفرية.
والثاني: أن عليه اليمين، وهو قول مالك في رسم العقول والجنائز من كتاب الجنايات.
والثالث: أنه لا يمين عليه إلا أن يكون مشهورا بذلك، وهو قول ابن القاسم في أول سماع أصبغ من كتاب الجنايات.
فإن حلف على رواية أشهب، أو على رواية أصبغ إذ كان مشهورا بذلك برئ، وإن نكل عن اليمين سجن حتى يحلف ما لم يطل ذلك، فإن طال خلي سبيله ولم يؤدب، وقال أصبغ: إنه يؤدب إن كان معروفا بالأذى على أصله المتقدم، قال: وإن كان مبرزا في ذلك أي مشتهرا به مبرزا فيه خلد في السجن، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة وتلخيصه، وبالله التوفيق.
مسألة: كتب إليها زوجها بطلاقها مع من لا شهادة له هل تشهد على الخط
مسألة وسئل مالك: عن امرأة كتب إليها زوجها بطلاقها مع من لا شهادة له، فوجدت المرأة من يشهد أن هذا خط يد زوجها، فقال: إن وجدت من يشهد لها على ذلك نفعها ذلك.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في مختصر ابن عبد الحكم، وحكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ: أن الشهادة على الخط لا تجوز في طلاق، ولا عتاق، ولا نكاح، ولا حد من
الحدود، ولا في كتاب القاضي إلى القاضي، ولا في كتاب القاضي بالحكم، ولا تجوز إلا فيما كان مالا من الأموال كلها خاصة، ووقعت الشاهدة عليها بعينها، وحيث لا تجوز شهادة النساء ولا اليمين مع الشاهد فثم لا تجوز الشهادة على الخط، وحيث يجوز هذا، يجوز هذا، فكان يمضي لنا عند من أدركنا من الشيوخ أن ما حكى ابن حبيب من هذا عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ فهو مذهب مالك لا خلاف فيه، وإن صح معنى قوله في هذه الرواية، وفي مختصر ابن عبد الحكم بمعنى ذلك، أي: يكون لها شبهة توجب لها اليمين على الزوج أنه ما طلق.
والذي أقول به: إن معنى ما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ إنما هو أن الشهادة لا تجوز على خط الشاهد في طلاق ولا عتاق ولا نكاح، لا أنها لا تجوز على خط الرجل أنه طلق أو أعتق أو نكح، بل هي جائزة على خطه بذلك، كما تجوز على خطه بالإقرار بالمال، وذلك بين من قوله: ولا تجوز إلا فيما كان مالا من الأموال ووقعت الشهادة عليها بعينها إلى آخر قوله.
فالصواب أن يحمل قول مالك: نفعها ذلك - على ظاهره من الحكم لها بالطلاق عليه إذا شهد على خطه به شاهدان عدلان، وذلك إذا كان الخط بإقراره على نفسه بأنه قد طلق زوجته، مثل أن يكتب إلى رجل يعلمه أنه قد طلق زوجته، أو يكتب لزوجته بذلك على هذا الوجه فيشهد لها فيه على خطه.
وأما إن كان الكتاب إنما هو بطلاقه إياها ابتداء فلا يحكم عليه به إلا أن يقر أنه كتبه مجمعا على الطلاق.
وفي قبول قوله: إنه كتبه غير مجمع على الطلاق بعد أن أنكر أن يكون كتبه - اختلاف، والله الموفق.
مسألة: رجل شهد على رجل أنه حلف بطلاق زوجته في حق عليه فحنث
مسألة وسئل: عن رجل شهد على رجل أنه حلف بطلاق زوجته في حق له عليه ليرفعنه إليه فحنث، فقال: ما هو بجائز الشهادة عليه.
قال محمد بن رشد: ليس إسقاط شهادته في هذا ببين، وكان الأظهر أن تجوز شهادته عليه إذا شك عليه أنه قد حنث؛ لأن وقوع الطلاق عليه لا يدعوه إلى أن يعجل له حقه، وإنما يدعوه إلى ذلك اليمين بالطلاق ليقضينه إلى أجل مخافة أن يقع عليه الطلاق إن لم يقضه قبل الأجل، لكنه لما كان لو شهد عليه بذلك قبل أن يحنث والحق عليه لم يدفعه لم تجز شهادته، لاتهامه أن يكون إنما شهد عليه ليعجل له القضاء فلا يحنث، لم تجز شهادته عليه إذا شهد عليه أنه قد حنث، لاحتمال أن يكون قد ادعى ذلك عليه قبل الحنث فأراد أن يحقق دعواه عليه قبل الحنث بشهادته عليه بعد الحنث، وهو ضعيف، والله الموفق.
مسألة: شهادة الصبيان المماليك بعضهم على بعض في الجراح
مسألة وسئل: عن شهادة الصبيان المماليك، وشهادة الصبيان الجواري بعضهم على بعض في الجراح، أتجوز شهادتهم فيما بينهم كما تجوز شهادة الصبيان الأحرار بعضهم على بعض في الجراح فيما بينهم؟ فقال: لا تجوز شهادة بعضهم على بعض، ولا الصبيان من الجواري، ولا تجوز إلا شهادة الغلمان الأحرار بعضهم على بعض.
قال محمد بن رشد: أما الصبيان المماليك فلا أحفظ في المذهب اختلافا في أن شهادتهم لا تجوز، وكذلك الصبيان من أهل الذمة، وإنما تجوز شهادة الغلمان الأحرار من المسلمين.
قيل: في الجراح دون القتل، وهو دليل هذه الرواية، وقول غير واحد من كبار أصحاب مالك في المدونة.
وقيل: في الجراح والقتل وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، ولا يجوز على مذهبه وروايته عن مالك في ذلك
شهادة صبي واحد، ولا شهادة الإناث، وقد قيل: إنه تجوز شهادة صبي واحد مع يمين المشهود له، قيل: إذا بلغ، وقيل: يحلف والده عنه ويستحق له ما شهد له به الشاهد من ذلك، وقع ذلك لابن الماجشون وابن نافع في المبسوطة.
وقيل أيضا في شهادة الإناث: إنها جائزة في الجراح دون القتل، وقيل: بل في القتل والجراح، وهو قول المخزومي في المدونة على أحد التأويلين في قوله، قيل: وحدهن دون صبي، كما تجوز شهادة امرأتين دون رجل فيما لا يحضره الرجال، وهو قول ابن الماجشون، وقيل: لا تجوز منهن شهادة اثنتين إلا مع صبي وهو قول مطرف، وقول سحنون في نوازله بعد هذا من هذا الكتاب.
فوجه من لم يجز شهادتهن بحال هو أن السنة إنما جاءت عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير في شهادة الصبيان، وهم الذين يقع بينهم الجراح في غالب الأحوال، ونفي الصبايا على الأصل في المنع من قبول شهادتهن.
ووجه من أجاز شهادتهن دون صبي هو أن العادة عنده أنهن لا يختلطن مع الصبيان في لعبهن، فوجب أن تجوز شهادة اثنتين منهن دون صبي، إذ ليس موضعا يحضره الصبيان في الغالب.
ووجه من لم يجز شهادتهن إلا مع صبي هو أن العادة عنده أنهن يختلطن مع الصبيان في اللعب، فوجب أن تقام الصبيتان مقام صبي فلا تجوز إلا مع صبي، وإنما تجوز شهادة الصبيان الذكور دون الإناث، وكل واحد منهما دون صاحبه، أو الإناث مع الذكر الواحد ما لم يتفرقوا أو يخببوا، فإن تفرقوا فلا تجوز شهادتهم إلا أن يكون قد أشهد العدول على شهادتهم قبل أن يتفرقوا، وهذا ما لا اختلاف فيه.
واختلف هل من شرط جواز شهادتهم ألا يحضره غيرهم من الرجال العدول؟ فذهب ابن حبيب إلى أن ذلك من شرط جواز شهادتهم، وهو مذهب ابن سحنون في نوازله، خلاف ما يقوم من قول أصبغ في نوازله،
وخلاف ما في ظاهر المدونة عندي، ولا تجوز شهادة الصبيان عند من أجازها الكبير على كبير، وتجوز الصغير على صغير، واختلف في إجازتها لكبير على صغير، ولصغير على كبير، فلم يجز ذلك ابن القاسم، وأجازه ابن الماجشون، وقد وقع لمطرف في المبسوطة أن الصبيان لا تجوز شهادتهم بحال لا على صغير ولا على كبير في جرح ولا قتل؛ تعلقا بظاهر قول الله عز وجل ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، إذ ليس الصبي يرضى في شهادته، وذلك خلاف المشهور في المذهب المعلوم فيه.
ووجه إجازتها على المعلوم في المذهب: الإتباع لما جاء في ذلك عن السلف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، مع أن له حظا من النظر، وهو أن الشهادة لما كان طريقها اليقين لغالب الظن بصحتها، دون العلم بمغيبها جاز أن يكتفي فيها بشهادة الصبيان في الموضع الذي لا يحضره إلا الصبيان، كما يكتفي بشهادة النساء في الموضع الذي لا يحضره إلا النساء، وإن شهد الصبيان على الصبي أنه جرح صبيا فَنُزِيَ فِي جرحه فمات لم يكن في ذلك قسامة عند ابن القاسم، خلاف قول ابن نافع في المدونة.
واختلف إن شهد رجل على صبي أنه قتل رجلا أو صبيا، فقيل: لا قسامة في ذلك، وهو ظاهر ما في المدونة ونص ما في الأسدية، وقيل: فيه القسامة، وهو قوله
في كتاب ابن المواز، وأما إن شهد رجل على كبير أنه قتل صبيا أو كبيرا فلا اختلاف في وجوب القسامة في ذلك، وبالله التوفيق والحمد لله رب العالمين وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم.
###: كتاب الشهادات الثاني
مسألة: شهدا على رجل بمائة دينار فحكم عليه القاضي ثم رجع أحدهما
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم قال: سألت ابن القاسم عن الرجلين شهدا على رجل بمائة دينار فحكم عليه بها القاضي وقبضت منه، ثم رجع أحدهما فقال: وهمت أو قال: قد كان قبضها، فقال: إن قال: كان قد قبضها ولكن وهمت فلا شيء عليه، ولا يرد القضاء، وإن قال: إني شهدت بزور فعليه نصف الحق، قال ابن القاسم: وإنما يغرم الشاهد فيما تعمد إلا في الديات، قلت: ففي القتل إذا ادعى الشهود الوهم أو الشبه أيكون ذلك على العاقلة؟ قال: لا يكون من ذلك على العاقلة شيء.
قال محمد بن رشد: قوله: إنما يغرم الشاهد فيما تعمد إلا في الديات فإنه يغرم في العمد والخطأ؛ لأنه استثناء منقطع، وتقديره على الاتصال وإنما يغرم الشاهد فيما تعمد ولا يغرم فيما لم يتعمد إلا في الديات، وقوله: إنه لا يغرم فيما عدا الديات إلا أن يتعمد الشهادة بزور هو خلاف ظاهر ما في كتاب السرقة من المدونة؛ لأن الظاهر من قول ابن القاسم فيه أن الشاهد يضمن ما أتلف بشهادته من المال، ويكون في الديات الدية في ماله إذا رجع عن شهادته بعد الحكم، وإن زعم أنه شبه عليه ولم يتعمد الزور، وهو ظاهر ما مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم ونص
ما حكاه ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن القاسم وأصبغ خلاف رواية عيسى هذه في الأموال وموافق لها في الحدود، وتفرقته في الأموال بين أن يتعمد الزور أو يشبه عليه هو قول ابن الماجشون، حكى ذلك ابن حبيب عنه، وأنه قال: وهو قول جميع أصحابنا المغيرة وابن دينار وابن أبي حازم وغيرهم.
وأما الديات ففيها أربعة أقوال؛ أحدها: أن الدية في مال الشاهدين إذا رجعا عن شهادتهما بعد الحكم تعمدا الزور أو شبه عليهما، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وفي الواضحة وقول مطرف وأصبغ فيها، وظاهر ما في كتاب السرقة من المدونة.
والثاني: أنه إن تعمدا كان عليهما القصاص، وإن شبه عليهما كانت الدية في أموالهما، وهو قول ابن نافع وأشهب، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
والثالث: أنهما إن تعمدا كانت الدية من أموالهما، وإن شبه عليهما كانت على عواقلهما، وهو قول أصبغ في سماعه من كتاب الديات.
والرابع: أنهما إن تعمدا كانت الدية في أموالهما، وإن شبه عليهما كان هدرا، وهو قول ابن الماجشون والمغيرة وابن دينار وابن أبي حازم وغيرهم، فيتحصل في التعمد قولان؛ أحدهما: القصاص، والثاني: الدية في المال، وفي التشبيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن الدية في المال، والثاني: أنها على العاقلة، والثالث: أنها هدر، وإذا رجع أحد الشاهدين بعد الحكم فوجب عليه الغرم غرم نصف المال أو نصف الدية، فإن كان الشهود ثلاثة فرجع أحدهم لم يلزمه شيء، واختلف إن رجع بعد ذلك أحد، فقيل: يكون عليه وعلى الراجع قبله نصف المال، وهو قول ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وأصبغ، وقيل: يكون عليهما ثلثا المال، وهو قول ابن وهب وأشهب، فإن رجعوا ثلاثتهم كان المال عليهم أثلاثا، فلا خلاف إذا رجع الشهود كلهم في أن المال يكون عليهم على عددهم، ولا اختلاف أيضا في أنه لا شيء على من رجع إذا بقي من الشهود شاهدان فأكثر، وإنما الاختلاف إذا كان الشهود أكثر من اثنين مثل أن يكونوا عشرة فيرجع منهم تسعة فقيل: إنه يكون عليهم نصف المال، فإن رجع العاشر كان جميع المال على جميعهم بالسواء، وقيل: بل يكون عليهم تسعة أعشاره، فإن رجع العاشر كان عليه العشر الباقي على
حسب ما ذكرناه، واختلف أيضا فيما استحق بشاهد ويمين فرجع الشاهد بعد الحكم وأقر أنه شهد بزور فقيل: عليه نصف الحق؛ لأن اليمين مقام الشاهد الآخر، وهو قول ابن الماجشون، وقيل: عليه جميع الحق، وهو قول ابن القاسم وابن وهب واختيار ابن حبيب.
وإذا رجع الشاهد عن شهادته وكان قد شهد بزور ولم يشبه عليه فلا تجوز شهادته فيما يستقبل كان رجوعه قبل الحكم أو بعده، وأما إن كان شبه عليه ولم يتعمد الزور فلا ترد شهادته فيما يستقبل كان رجوعه قبل الحكم أو بعده، هذا قول ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ وهو قول سحنون في سماع يحيى من هذا الكتاب، وظاهر ما في كتاب الأقضية من المدونة أن شهادته لا تجوز فيما يستقبل إذا كان رجوعه بعد الحكم، وإن كان قد شبه عليه ولم يتعمد الزور، وبالله التوفيق.
مسألة: قولهما إنا رأينا فلانا يزني ومعنا فلان وفلان
مسألة وعن رجلين شهدا على رجل بالزنى، وقالا: معنا شاهدان آخران فلان وفلان وهما في البلد هل يمكنا أن يأتيا بهما أم يحدان إذا لم يأتوا جميعا، قال: أرى أن يحدا، وذلك أن قولهما: إنا رأينا فلانا يزني ومعنا فلان وفلان إنما يقولان: سلوا فلانا وفلانا يصدقان ما قلنا فإن قالا: نعم ثبتت شهادتهما، وإن قالا لا كانا قاذفين، فليس هذا وجه الشهادة إلا أن يأتوا جميعا، وقد بلغني ذلك عن مالك.
قال القاضي: علل ابن القاسم في هذه المسألة ضعف الشهادة وإيجاب الحد على الشاهدين بعلتين؛ إحداهما: تفرق الشهود في الشهادة فقال: ليس وجه الشهادة إلا أن يأتوا جميعا، والثانية: قول الشاهدين اللذين شهدا معنا فلان وفلان؛ لأنهما حصلا بقولهما هذا في معنى من قام على رجل بالزنى وشهد عليه به فلا يجزئه أن يأتي بثلاثة شهود سواه، ويحد إلا أن يأتي بأربعة شهداء، فكذلك هذان يحدان إن لم يأتيا على تصديق
شهادتهما عليه إلا بشاهدين، وقوله: فإن قالا: نعم ثبتت شهادتهما، وإن قالا: لا كانا قاذفين هو من قول ابن القاسم على سبيل الإنكار بعد تمام ما حكي من معنى قولهما، كأنه قال: أثبتت شهادتهما إذا قالا نعم، وإلا كانا قاذفين هذا ما لا يصح، بل هما قاذفان على كل حال يحدان، وقد قيل: إن الشهادة على الزنى جائزة وإن تفرق الشهود ولم يأتوا معا، وعلى هذا القول يأتي ما وقع لابن القاسم في أول رسم المكاتب من سماع يحيى بعد هذا، وهو قول ابن الماجشون، واختلف أيضا إن كان الشهود في الزنى هم القائمون على المشهود عليه به، فقال ابن القاسم في رسم أوصى من هذا السماع: إن شهادتهم لا تجوز، وحكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ أن شهادتهم جائزة، وإن كانوا هم القائمين بذلك مجتمعين جاءوا أو مفترقين إذا كان افتراقهم قريبا بعضهم من بعض، وبالله التوفيق.
مسألة: طلق امرأته وأشهد رجلين فأمسكا عن ذلك زمانا ثم أرادا أن يشهدا
مسألة وعن الرجل يطلق امرأته ويشهد على ذلك رجلين فأمسك الشاهدان عن ذلك زمانا وكانا مسخوطين أو غير ذلك، ثم أرادا: أن يشهدا فقالا: إن أعلمنا الحاكم أنه طلق منذ كذا وكذا لم تقبل شهادتنا، ولكننا نثبت الشهادة عليه الساعة؛ لأنا نشك أنه طلق ألبتة، قال: لا أرى أن يشهدا إلا على ما شهدا يسوقان ذلك على وجهه.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم خلاف ما في سماع سحنون ونوازله، والذي يأتي على ما في سماع سحنون ونوازله، وهو أصح القولين إن أثبتوا الشهادة عليه بالطلاق ولا يجبروا فيها بما يسقطها ويؤدي إلى إبطالها فيستباح بذلك وطء الحرام ووجه القول الآخر: أنه لا ينبغي للشاهد أن يقر الحكم بإعمال شهادة من لا تجوز شهادته، وهو ضعيف، وبالله التوفيق.
مسألة: يشهد عليه فيقول المشهود عليه للقاضي سله عن الوضوء
مسألة وعن الرجل يشهد على الرجل فيقول المشهود عليه للحكم سله لي عن الوضوء والتيمم فهل يسأله؟ قال: لا، وإنما هذا من كلام أهل الأهواء.
قال محمد بن رشد: يريد سله عن الوضوء والتيمم والصلاة هل ذلك واجب أم لا؟ فهل ترى أن يسأل الشاهد عن ذلك إذ لا يقول: إن ذلك غير واجب إلا أهل الأهواء، يريد المرجئة منهم، ولا يتهم من ظهر منه الخير والصلاح باعتقاد البدعة إلا أن يظهر منه ما يوجب اتهامه بذلك أو يذكر عنه أنه من أهل الأهواء في دينه مثل الإباضية والمرجئة فلا تقبل شهادته إذا توطأ الكلام عليه بذلك، وإن لم يتحقق ذلك بشهادة العدول إلا أن تأتي منه توبة ونزوع ظاهر بيِّن، حكى ذلك ابن حبيب في الواضحة وحكاه عن مطرف وابن القاسم وأصبغ، وبالله التوفيق.
مسألة: يستفتي العالم فيذكر له من أمره ما يوجب عليه طلاقا
مسألة وعن الرجل يأتي مستفتيا في أمر ينوّى فيه ولو أقر بذلك عند الحاكم أو قامت عليه بينة فرق بينه وبين امرأته فيفتى أن لا شيء عليه، ومن كتاب كراء الدور والمزارع من سماع يحيى بن يحيى عن ابن القاسم قال يحيى: وسألته: عن المفتي يأتيه الرجل مستفتيا فيخبره أنه ابتلي بيمين يسأله عنها فيرى عليه حنثا أو يسأله عن أمر ارتكب أو عامل فيه أحدا يجب عليه فيما ساق من قضيته التي زعم أنه صاحبها حق لبعض الناس ثم يناكر صاحبه فيستشهد صاحبه بالمفتي أيلزمه أن يشهد عليه أم لا؟ فقال: نعم، ذلك واجب عليه، قال يحيى: وقلت له: وعلى من حضره حين سأل؟ قال: نعم إذا سمعوا القصة كلها حتى لا يخفى عليهم منها ما إن
تركوه خافوا أن يكون في ذلك ما يفسد الشهادة، فربما سمع الرجل آخر كلام الرجل وفيه مقطع حق، ولو سمع الأول كان الأول يسقط الآخر فلا أرى لأحد أن يشهد عليه حتى يسمع الكلام كله أو يستشهد على شيء بعينه فيقوم به.
قال القاضي: أما الذي استفتى العالم في أمر ينوى فيه إذا أتى مستفتيا ولا ينوى إذا حضرته البينة فلا اختلاف في أنه لا يجوز له ولا لمن حضر استفتاءه إياه أن يشهد عليه أنه حلف بكذا، فإن شهدا عليه أو أحدهما باء بالإثم وكانا قد شهدا بزور إذا لم يؤديا الشهادة على وجهها بأن يقول العالم: استفتاني فلان في كذا وكذا ويقول الذي حضر سمعت فلانا يستفتي فلانا في كذا وكذا فلا يقطع شهادتهما عليه على هذا الوجه ما يجب من تنويته في يمينه، وأما الذي يستفتي العالم فيذكر له من أمره ما يوجب عليه طلاقا أو عتاقا أو حدا أو حقا لأحد من الناس فقال في رواية يحيى: إن العالم يلزمه أن يشهد عليه بما أقر به عنده إذا دعي إلى الشهادة عليه، وكذلك من حضره إذا سمع القصة كلها واستوعبها ولم يفته منها ما يخشى أن يكون فيه إبطالا للشهادة فليس رواية يحيى بخلاف لرواية عيسى؛ لأنهما مسألتان: مسألة رواية عيسى لا يجوز له أن يشهد فيها باتفاق، ومسألة رواية يحيى يلزمه أن يشهد فيها، وكل من سمع القصة واستوعبها، وذلك على مذهب ابن القاسم في المدونة، وأحد قولي مالك فيها؛ لأن مالكا لا يجيز في قوله الآخر للشاهد أن يشهد على الرجل بما سمع منه، وإن استوعب كلامه حتى يشهده على نفسه، وهي رواية ابن الماجشون عن مالك وقوله وقول ابن أبي حازم [وقع] في الثمانية، قال عبد المالك:
كان رجل من قريش صديقا لي، وكانت بينه وبين وكيله محاسبة، وأجلسني مع رجل من أصحابنا لها ثم قال للوكيل: تكلم، فقال: قبضت منك كذا وكذا، ودفعت أيضا كذا وكذا، فقال القرشي: ما دفعت إلي شيئا، ثم قام وقال لي ولصاحبي: اشهدا لي بما سمعتما منه، فإنه كان جحدني حقي، فقلت له: لا والله ما لك عندنا شهادة ولا جلسنا لها ولا نشهدها، قال: فاذهب بنا إلى مالك، فإن أمرك أن تشهد فاشهد وإلا فدع، فقلت: لو أمرني أن أشهد ما شهدت؛ لأني لم أقعد للشهادة، فقمت معه إلى مالك، فلقيني عبد العزيز بن أبي حازم فقال له: يا أبا تمام، إن عبد الملك يكره أن يشهد لي وقص عليه القصة، فقال: ليس لك عنده شهادة، ثم دخلنا على مالك فقص عليه القصة فقلت: أمتع الله بك يا أبا عبد الله، الأمر على ما ذكر، فقال لي: يا عبد الملك، لا تشهد له، قال أصبغ: قال ابن القاسم: قال مالك: لا يعجلا بالشهادة حتى يريا صاحبه فيعلماه [أنه] إن لم يفعل شهدا عليه، فإن أضرم ولم ينصف شهدا عليه، وبالله التوفيق.
مسألة: قالا سمعنا فلانا يذكر أنه شاهد لفلان في كذا وكذا وقد مات
مسألة قال عيسى: قال ابن القاسم في رجلين قالا: سمعنا فلانا يذكر أنه شاهد لفلان في كذا وكذا، وقد مات، أيشهدان على ذلك؟ قال: ما أحب أن يشهدا.
قيل: فإن شهدا أتقبل شهادتهما؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة، وهو أمر متفق عليه، لا اختلاف في أنه لا يجوز لأحد أن يشهد على شهادة أحد بما سمع منه دون أن يشهده، وإنما اختلف إذا سمعه يشهد غيره على شهادته،
[فقيل: إنه يجوز له أن يشهد على شهادته إذا سمعه يشهد على شهادته بها، وقيل: إنه لا يجوز أن يشهد على شهادته] حتى يشهده هو، وقد مضى القول على هذا المعنى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
مسألة: شهد رجلان على كتاب رجل
مسألة وقال: إذا شهد رجلان على كتاب رجل جاز، وحلف مع ذلك، وإن شهدا على كتاب اثنين جاز وكانا بمنزلة الشاهدين، قال: فإن شهد رجل على كتاب ذكر حق أنه كتاب الذي عليه الحق بيده حلف صاحب الحق مع ذلك، وإن شهد على ذلك اثنان جاز وسقطت اليمين عنه، كذلك قال مالك.
قال القاضي: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفًى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
###: يشهدعليه أنه طلق في رمضان ويشهد آخر أنه طلق في شوال
ومن كتاب العرية وسئل: عن رجل شهد على رجل أنه صالح امرأته وشهد آخر أنه طلقها واحدة، قال: لا شهادة لهما؛ لأن شهادتهما قد افترقت، وليس هذا مثل الذي يشهد عليه أنه طلق في رمضان ويشهد آخر أنه طلق في شوال؛ لأن شهادة هؤلاء على الطلاق نفسه وشهادة هذين في أمرين مختلفين مثل أن يقول أحدهما: إنه حلف بالطلاق إن دخل دار فلان، وشهد آخر أنه حلف بالطلاق ألا يكلم رجلا فكلمه، فشهادتهما باطلة؛ لأنهما شهدا على أمرين مختلفين، قال:
ويحلف مع شهادة كل واحد منهما على تكذيبه.
قال أصبغ عن ابن القاسم: وكذلك لو شهد شاهد أنه طلقها ألبتة وشهد آخر أنه صالحها، قال ابن القاسم: لا تجوز شهادتهما في ذلك كله ولا شيء منه؛ لأنه قد اختلف، وقال أصبغ مثله.
قال الإمام القاضي: هذه المسائل وما كان في معناها من الشهادة على الأقوال تنقسم على أربعة أقسام: قسم تلفق فيه الشهادة باتفاق، وهو أن يختلف اللفظ ويتفق المعنى، وقسم لا تلفق فيه الشهادة باتفاق، وهو أن يختلف اللفظ والمعنى وما يوجبه الحكم، وقسم المشهور فيه [أن الشهادة] تلفق، وقيل: إنها لا تلفق، وهو أن يتفق اللفظ والمعنى، وتختلف الأيام والمجالس، وقسم المشهور فيه أن الشهادة لا تلفق، وقيل: إنها تلفق، وهو أن يختلف اللفظ والمعنى ويتفق ما يوجبه الحكم، فقوله في الرجلين يشهد أحدهما على رجل أنه صالح امرأته ويشهد الآخر أنه طلقها واحدة أنه لا شهادة لهما صحيح لا اختلاف فيه؛ لأنه من القسم الذي يختلف فيه اللفظ والمعنى وما يوجبه الحكم، والحكم في ذلك أن يحلف على تكذيب كل واحد منهما، فإن نكل عن اليمين حبس حتى يحلف، وقيل: تطلق عليه طلقة بائنة، وذلك على اختلاف قول مالك في المدونة، وقوله: وليس هذا مثل الذي يشهد عليه أنه طلق في رمضان، ويشهد هذا أنه طلق في شوال يريد أنه ليس مثله على المشهور من أن الشهادة تلفق في ذلك، إذ قد قيل: إنها لا تلفق على ما ذكرناه، وهو قول ربيعة في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة، ويقوم ذلك من قول ابن القاسم في رسم حمل صبيا من سماع عيسى بعد هذا أنه إذا شهد عليه شاهدان أنه طلق في يوم كذا وشاهدان أنه طلق في كذا لزمته ثلاث تطليقات ولم ينو، وقوله: وشهادة هذين في أمرين مختلفين مثل أن يقول أحدهما: إنه حلف بالطلاق إن دخل دار فلان وشهد
آخر أنه حلف بالطلاق أن لا يكلم فلانا فكلمه إلى آخر قوله يريد أنه مثله على المشهور من أن الشهادة لا تلفق في ذلك، إذ قد قيل: إنها تلفق على ما ذكرناه؛ لأنه من القسم الذي يختلف فيه اللفظ والمعنى ويتفق ما يوجبه الحكم، فعلى القول المشهور إنها لا تلفق يحلف المشهود عليه مع شهادة كل واحد منهما على تكذيبه حسبما قاله فيكون عليه يمينان وقوله من رواية أصبغ عن ابن القاسم: وكذلك لو شهد شاهد أنه طلقها البتة وشهد آخر أنه صالحها لم تجز شهادتهما يريد أيضا على المشهور من أن الشهادة لا تلفق في ذلك، إذ قد قيل: إنها تلفق على ما ذكرناه؛ لأنها من القسم الذي يختلف فيه اللفظ والمعنى ويتفق ما يوجبه الحكم؛ لأن شهادتهما متفقة على وجوب التفرقة بينهما فيفرق بينهما بشهادتهما على هذا القول، ويحلف على رواية أصبغ أنه صالحها وأنه ما طلقها، فإن نكل طلقت عليه بالبتات، وقيل: يحبس حتى يحلف، فإن طال سجنه خلي سبيله ولم يكن عليه شيء، اختلف في ذلك قول مالك، ومثله مسألة سماع سحنون ومحمد بن خالد في الصبي يموت أبوه فيقوم له شاهد عدل أن أباه تصدق عليه بعبد وقبضه له، وشهد له شاهد آخر أنه نحله إياه؛ لأن شهادتهما متفقة على وجوب العبد له مختلفة في اللفظ والمعنى، فيقضى له به دون يمين على القول بأن الشهادة تلفق، وهو قول ابن الماجشون على قياس قوله في سماع محمد ابن خالد في الشاهدين يشهدان لرجل بمائة دينار فيقول أحدهما: هي من بيع، ويقول الآخر: هي من سلف أن الشهادة تامة؛ لأنهما قد اجتمعا على إخراجها من يد المشهود عليه، ولا يقضى له به حتى يبلغ فيحلف مع أي الشاهدين شاء على القول بأن الشهادة لا تلفق، وهو قول ابن القاسم في سماع محمد بن خالد؛ لأن معنى قوله فيه يحلف مع شاهده على الصدقة إنما هو إذا ادعى أن الشاهد على الصدقة هو المحق منهما مخافة أن يكون أبوه قد أشهد في صحته على اعتصاره، فإذا حلف على الصدقة بطل إشهاد أبيه به على الاعتصار، ومثله مسألة سماع أبي زيد وفي رسم القضاء المحض