البيان والتحصيلصفحات 79-119
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الاستبراء

صفحات 79-119
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ابتاع أمة ولم يذكر هو ولا البائع استبراء

كتاب الاستبراء

من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب القبلة قال سحنون: وقال ابن القاسم: سمعت مالكا قال فيمن ابتاع أمة ولم يذكر هو ولا البائع استبراء، فلما وجب البيع طلب البائع النقد، وقال المشتري: حتى نستبرئ رحمها بحيضة، قال: قال مالك: إن كانت الجارية مما يراد بها الوطء فلا ينقد حتى توضع على يدي عدل حتى يستبري رحمها بحيضة، وأما ما اشتري من الجواري للخدمة فأرى البيع يجوز وينقد الثمن، فإن كان بها حمل ردها على البائع، قال ابن القاسم: قال لي مالك: وإن كان البائع مسافرا لزمته المواضعة في الجارية التي مثلها يراد للوطء.
قال محمد بن رشد: مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن المواضعة واجب في الجواري المرتفعات، وإن لم يطأها سيدها البائع إلا أن تكون ظاهرة الحمل أو زانية أو ذات زوج أو في عدة منه، لم يختلف قوله في ذلك كما اختلف في العهدة فيحكم بها عنده على المقيم والغريب، ولا يرخص في تركها للمسافر والمجتاز، وهي أن توضع الجارية على يدي أمين أو رجل له أهل حتى يعرف براءة

رحمها من الحمل بحيضة إن كانت من ذوات الحيض وبثلاثة أشهر إن كانت يائسة من الحيض بكبر أو صغر إذا كانت ممن توطأ بكرا كانت أو ثيبا أمن منها الحمل أو لم يؤمن، وقد قيل: إذا أمن الحمل منها فلا مواضعة فيها، والضمان في ذلك من البائع، والنفقة عليه، فلا يجوز أن يتلذذ بشيء منها وإن كان الضمان عليه والنفقة عليه من أجل أنه قد أوجبها لغيره، ولا يجوز للمشتري ذلك أيضا من أجل أن الضمان من غيره، وإن اشتراها في أول دمها أو في عظمه كان ذلك براءة لرحمها ولم يكن فيها مواضعة، وقد كان روي عن مالك أنها تستأنف حيضة أخرى ثم رجع عنه، ولا يجوز النقد في ذلك بشرط، وليست المواضعة بواجبة إجماعا إلا في التي وطئها سيدها وإن كانت من الوخش.
وقد قال أصبغ: بيوع البلدان كلها ما عدا المدينة، وهي بيوعنا بمصر أيضا في الجواري المرتفعات، ترك المواضعة وتعجيل النقد، فلا يفسد البيع بترك المواضعة إلا أن يشترط تركها وتعجيل النقد والبراءة من الحمل، وفي ذلك اختلاف كثير سنذكره في الرسم الذي بعد هذا، وقد مضى في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب من كتاب العيوب سبب وجوبها والفرق بين ما تنعى به الحمل في المرتفعات من الجواري وبين سائر ما يوجد بها من العيوب لمن أحب الوقوف عليه، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يشتري الجارية فيواضعه للاستبراء

مسألة وقال سحنون: سئل مالك عن الرجل يشتري الجارية فيواضعه للاستبراء، فيقول البائع: هلم الثمن فواضعه على يد رجل، فقال مالك: ليس له ذلك عليه، وإنما يدفع الثمن إذا وجبت له الجارية.

قال محمد بن رشد: ابن المواز يرى أن يوضع الثمن على يدي عدل ويحكم بذلك على المبتاع، وهو قول مالك في الواضحة، وفي كتاب ابن عبدوس، وظاهر ما في كتاب الاستبراء والبيوع الفاسدة من المدونة.
واختلف إذا وضع بيد عدل فتلف قبل خروجها من الاستبراء، فقيل مصيبته ممن كان يصير إليه، وهو قول مالك في كتاب الاستبراء من المدونة، وقيل: إنه من المبتاع، روي ذلك عن مالك، وعلى قوله هذا إن خرجت الجارية صحيحة من المواضعة لزمه ثمن آخر، وقيل: إنه يسقط ذلك عنه تلف الثمن، بفسخ البيع، ومعنى ذلك عندي إن لم يرد أن يؤدي ثمنا آخر من عنده، واختلف أيضا إن خرجت معيبة من المواضعة والثمن قد تلف، هل يأخذها بالثمن التالف أم لا؟ ففي نوازل سحنون بعد هذا عن أشهب وابن القاسم أن له أن يأخذها بالثمن التالف، وعن غيرهما أن ذلك ليس له إلا أن يغرم ثمنا آخر، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، فقال: لو كان له أن يأخذها بالثمن التالف لوجب إذا تلف الثمن أن يعطي السلعة والجارية، إذ لا يشك أحد أنه يختار أن يأخذها إذا لم يؤد فيها ثمنا آخر.
وفرّق ابن الماجشون في ديوانه على ما فسره ابن عبدوس بين أن يحدث العيب قبل تلف الثمن أو بعده، فقال: إن حدث العيب قبل تلف الثمن كان له أن يأخذها معيبة بذلك الثمن التالف؛ لأن الخيار قد كان وجب له قبل تلف الثمن، فليس يسقط ذلك عنه تلف الثمن، وإن تلف الثمن قبل حدوث العيب لم يكن له أن يأخذها بذلك الثمن التالف إلا بثمن يدفعه، وبالله التوفيق.

وصي رجل باع رقيقا له في ميراث باعه ونادى فيه إنه بيع ميراث فلان

ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل مالك: عن رجل وصي رجل باع رقيقا له في ميراث باعه ونادى فيه إنه بيع ميراث فلان، فباع فيه جارية بمائة دينار، فلما

وجب البيع للبائع قال له: تدفع الثمن إلي، فقال له المبتاع: لا حتى أوضعك الجارية، فإني أخشى أن تكون حاملا، فقال له البائع: إنها جارية فلان ابن فلان، وهي ممن لم تكن توطأ، وقد بعناك بيع ميراث، قال مالك: أرى له أن يواضعه إياه ولا يعطيه الثمن حتى تخرج من الحيضة، فإن ألفيت حاملا ردها المبتاع ولم ينفعه شرطه عليه أنها بيع ميراث.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف فيه أعلمه في المذهب أن الحكم بالمواضعة واجب في بيع الميراث وبيع السلطان كما هو في بيع الناس بعضهم من بعض، لا يفسد البيع بتركها وإن قصدوا فيه إلى ذلك بعادة جروا عليها ما لم يشترطوا تركها نصا، فإن اشترطوا ذلك نصا ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن البيع جائز والشرط جائز، وهو قول ابن عبد الحكم، والثاني: أن البيع فاسد، قاله أبو بكر الأبهري، ومثله في كتاب ابن المواز [في قول،] وقاله ابن حبيب إذا اشترط ترك المواضعة وتعجيل النقد، ومثله في رسم العتق بعد هذا من سماع عيسى، [والثالث:] أن البيع جائز والشرط باطل ويخرج إلى المواضعة، وهو قول مالك في المدونة، وفي رسم تأخير صلاة العشاء بعد هذا.
فإن ماتت على هذا القول قبل أن تخرج من المواضعة، فقيل: إن مصيبتها من المشتري إن ماتت عنده، حكى ذلك إسماعيل القاضي في المبسوط عن مالك، وقيل: إنها إن ماتت في مقدار ما يكون فيه استبراء لها فمصيبتها من المشتري، وإن ماتت قبل أن يمضي لها من المدة ما يكون فيه استبراء لها، وهو الشهر فمصيبتها من البائع، وهو قوله في المدونة.
وأما إذا باعها بشرط

البراءة من الحمل فالمشهور من قول مالك وأصحابه أن البيع فاسد والمصيبة من المشتري إن بلغت قبل قبضه على حكم البيوع الفاسدة، وقيل: البيع جائز والشرط باطل، وقع هذا القول في كتاب محمد، وقيل: البيع جائز والشرط جائز، وهو قول ابن عبد الحكم، وبالله التوفيق.

الأمة يبتاعها الرجل فتبيت عنده ثم يدعي أنها حامل

ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسئل مالك: عن الأمة يبتاعها الرجل فتبيت عنده ثم يدعي أنها حامل، قال مالك: فيستأني بها حتى يتبين أنها حامل، [فإذا يتبين أنها حامل] وشهد النساء ردت بشهادة النساء، فإذا وجد الحمل بعد ذلك باطلا لم ترد إلى المشتري، ولا ينبغي أن يستأنى بها حتى تضع؛ لأن الضمان منه، ولكن إذا شهد النساء أنه حمل وتبين ذلك ردت على بائعها ولم يستأني بها للوضع.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الحمل عيب، وشهادة النساء فيه جائزة؛ لأنه مما لا يطلع عليه إلا هن، فتجوز فيه شهادة امرأتين منهن، وهو لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، ولا يتحرك تحركا بينا يصح القطع على تحركه في أقل من أربعة أشهر وعشر، فإذا شهد النساء أن بها حملا بينا لا يشكنّ فيه من غير تحريك ردت فيما دون ثلاثة أشهر، ولم ترد فيما زاد على ذلك لاحتمال أن يكون حادثا عند المشتري، وإذا شهدن أن بها حملا يتحرك ردت فيما دون أربعة أشهر وعشر، ولم ترد فيما فوق ذلك لاحتمال أن يكون حادثا عند المشتري، فإن ردت ثم وجد المشتري ذلك الحمل باطلا لم ترد إلى المشتري كما

قال، إذ لعلها قد أسقطته فكتمت ذلك، وقد روي عن مالك أن النفقة لا تجب للمطلقة البائن بظهور الحمل بها حتى تضعه، وأن اللعان لا يكون عليه إلا بعد وضعه، وأن الأمة الحامل [من سيدها] لا يحكم [لها بحكم] الحرة بظهور الحمل بها بعد موته حتى تضع، فعلى قياس هذا لا يجب رد الأمة بحمل يظهر بها عند المشتري لم يكن ظاهرا بها حين البيع، ويستأنى بها حتى تضع، فإن وضعته حيا لأقل من ستة أشهر كان له ردها بعيب الولد والولادة، وإن مات الولد ردها بعيب الولادة إن كانت قد نقصتها، وإن وضعته لأكثر من ستة أشهر لم ترد لاحتمال أن يكون أصل الحمل عند المشتري، وبالله التوفيق لا شريك له.

ابتاع أمة وهي في عدتها من وفاة أو طلاق

ومن كتاب سعد في الطلاق وقال مالك: من ابتاع أمة وهي في عدتها من وفاة أو طلاق فلا تجرد لينظر منها عند البيع، ولا يلتذ منها بشيء إذا ابتاعها حتى تنقضي عدتها.
قال سحنون: روى ابن وهب عن مالك مثله.
وقال سحنون: ليس على من ابتاع جارية وهي في عدة من طلاق أو وفاة مواضعة الاستبراء إلا أن المبتاع يستبري لنفسه؛ لأن الحمل بها ليس بعيب، إنما هو من زوج قد علم بذلك

ورضي به، فإن جاءت بولد فإنما هو من زوج قد علم أنها في عدة منه.
وقال مالك: من كانت له أمة حامل من غيره فلا يحل له وطؤها كان حملها ذلك عنده أو عند غيره من زوج أو زنا، فلا أرى أن يقبلها أو يباشرها ولا يغمزها تلذذا حتى تضع حملها.
قال محمد بن رشد: قول مالك إن من ابتاع أمة وهي في عدتها من وفاة أو طلاق: إنه لا يجوز له أن يتلذذ بشيء منها في حال عدتها - صحيح؛ لأنه وإن كان الضمان منه، إذ لا مواضعة فيها، فالنسب لاحق بالزوج الذي هي في عدة منه، كمن زوج أمته فدخل بها زوجها ثم مات عنها أو طلقها، فإنه لا يحل له أن يتلذذ بشيء من أمرها في حال عدتها، وإنما يختلف فيمن اشترى أمة من الوخش أو حاملا ظاهرة الحمل أو في المقاسم وهي حامل أو غير حامل لأن بيع المقاسم بيع براءة، وإن ظهر بها حمل لم يردها؛ فمالك: يرى أنه لا يجوز أن يتلذذ منها بما دون الوطء في حال حملها ولا في حال استبرائها، إذ لا يجوز له الوطء في تلك الحال، وغيره: يبيح له أن يتلذذ منها بما شاء من قبلة أو مباشرة، روي ذلك عن عبد الله بن عمر وغيره من السلف، وذهب إليه ابن حبيب، وقول سحنون: إنه لا مواضعة في الجارية التي تشترى وهي في عدة من وفاة أو طلاق صحيح، لا اختلاف فيه؛ لأن المشتري إنما وقع شراؤه على أنها مشغولة الرحم بماء زوجها، وإن ظهر بها حمل لم ينقص ذلك من ثمنها كثيرا، وكذلك لو اشتراها وهي في استبرائها من زنا لم يكن فيها مواضعة من أجل أن الحمل إذا ظهر بها لم ينقص من ثمنها كثيرا، والمواضعة إنما هي من أجل نقصان كثرة الثمن لحمل إن ظهر [بها،] وقول مالك أخيرا: إن من كانت له أمة حامل من غيره فلا يطأها، كان الحمل من زوج أو زنا

  • صحيح لا اختلاف فيه؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض» فإن فعل أدب إلا أن يعذر بجهل، ولم يعتق عليه هي ولا ما في بطنها، وقد روي عن الليث بن سعد: أنها تعتق عليه هي وما في بطنها، وقضى بذلك عبد الملك بن مروان، ذكر ذلك ابن حبيب.
    وأما قوله: إنه لا يقبلها ولا يباشرها ولا يغمزها تلذذا حتى تضع حملها - فهو مذهبه: أنه لا يجوز له أن يقبل ويباشر إلا ما يجوز له أن يطأ.
    وعلى ما ذكرناه من مذهب ابن حبيب يجوز له أن يقبل ويباشر إن كان الحمل ظاهرا من زنا، ولم يكن من زوج، وبالله التوفيق.

الرجل يشتري الجارية فيدفعها البائع إلى المشتري فينقلب بها

ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء من الحرس وسئل مالك: عن الرجل يشتري الجارية فيدفعها البائع إلى المشتري فينقلب بها ثم يأتي البائع بعد ذلك بيوم أو يومين، فيقول: ادفع إلي الثمن، فيقول المشترى: لا أدفع إليك شيئا حتى تحيض وأستبريها، فيقول البائع: قد أغلقت عليها بابك وقد قبضتها مني، قال: قد ائتمنه عليها حين دفعها إليه، فأرى للمشتري ألا يدفع إليه الثمن حتى تحيض، فأرى أن يتواضعاها على يدي امرأة للحيضة، واحتج فقال: يمكنه منها ويأمنه عليها، ثم يقول: ادفع إلي الثمن، ما أرى ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن من حق المشتري أن لا يدفع إليه الثمن حتى تحيض؛ لأن النقد في الجارية التي يتواضع مثلها لا يجوز

بشرط حتى تخرج من الحيضة، ولو زاد البائع في هذه المسألة أن يوقف له الثمن بيدي عدل إلى أن تخرج من الحيضة لم يكن ذلك له من أجل أنه قد دفع إليه الجارية، ولو دعا إلى ذلك قبل أن يدفع إليه الجارية لكانت المسألة التي قد مضى الخلاف فيها في أول رسم من السماع، وأما قوله: فأرى أن يتواضعاها على يدي امرأة فهو قول مالك في المدونة: إن البيع لا يفسد بترك المواضعة ويحكم بها بينهما ما لم يشترط البراءة من الحمل، وقد مضى هذا الاختلاف فيما يفسد به البيع من هذا المعنى في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة، فلا وجه لإعادته، وبالله تعالى التوفيق.

يبيع جارية له بالبراءة بيع السلطان فوجد بها حملا

ومن كتاب صلى نهارا ثلاث ركعات وسئل مالك: عن الرجل يبيع جارية له بالبراءة بيع السلطان فوجد بها حملا، قال مالك: إن كانت جارية رائعة من جواري الوطء لم أر البراءة تنفعه في الحمل، فقيل [له] : ثمنها خمسون دينارا، قال: هذه رائعة، لا أرى البراءة تنفعه في الحمل إلا أن تكون جارية من الوخش للخدمة، فإني أرى البراءة في ذلك تنفعه.
قال محمد بن رشد: إنما لم ير أن يبرأ في بيع البراءة من الحمل في الجارية الرائعة من أجل أن البراءة من الحمل فيها لا تجوز، فلما كانت البراءة منه لا تجوز، ويفسخ البيع بينهما، وكان لفظ البراءة لفظا عاما يحتمل أن يحمل على عمومه في الحمل وغيره، وأن يحمل على ما سواه مما لا يفسد

البيع به.
وحمله على ما سواه مما لا يفسد به البيع لم يفسخ إلا بيقين، وإنما لم تجز البراءة من الحمل في المرتفعات من أجل أن الحمل يهدم جل ثمنها، فيلزم على قياس ذلك لو اشترط البراءة من عيب يذهب بجل الثمن كالجذام ونحوه، ونص على ذلك أن يكون البيع فاسدا، إلا أن يفرق بينهما بأن الحمل غالب والجذام وشبهه من الأدواء نادر.
وإلى أن لا فرق بينهما - ذهب ابن عبد الحكم، فقال: إن من باع شاة واشترط البراءة من الحمل في المرتفعات فالبيع جائز والشرط عامل قياسا على ما رجع إليه مالك من إجازة البراءة في الجنون والجذام والبرص الذي يكون قبل العقد ولم يعلم به البائع بعد أن كان يقول: لا تجوز البراءة فيما يعظم من الأشياء، وأما ما حدث في السمت من الجنون والجذام والبرص فهو يبرأ منه في بيع البراءة قولا واحدا، والله أعلم.

مسألة: أوصى عند موته لأم ولده بحليها وكسوتها إن قامت على ولدها

مسألة وسئل: عن رجل كانت له أم ولد، وكان لها حلي وكسوة، فأوصى عند الموت إن هي قامت على ولدها فدعوا لها، ما كان لها، وإن هي لم تقم وتزوجت فخذوا ما كان في يديها من كسوة وحلي.
قال مالك: ليس ذلك له، وأراه لها حين مات، وليس له أن ينتزع منها مالها مما أعطاه في مرضه، وأراها بمنزلة المدبرة.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا تجوز وصية الرجل في انتزاع كسوة أم ولده وحليها صحيح؛ لأن الحرية تجب لها بموته، فهو لا يجوز له أن ينتزع

مالها في مرضه لقربها في تلك الحال من العتق كالمعتق إلى أجل إذا قرب أجل عتقه والمدبر، فإذا لم يجز له أن ينتزعه منها في مرضه فأحرى أن لا تجوز له الوصية بأن ينتزع منها بعد موته، وما كان لها من الحلي والثياب والمتاع الذي يشبه حالها فهو لها، وإن لم يعلم عطية سيدها ذلك لها، وأما الشيء المستنكر الذي لا يشبه أن يكون من هيئتها ولباسها فلا يكون لها بدعواها أنه لها إلا أن تكون لها بينة على أنها أعطيت ذلك أو وهبته أو اكتسبته، وهي في هذا بخلاف الزوجة؛ لأن القول قول الزوجة فيما كان من متاع النساء أنه لها وإن كثر إلا أن يكون للزوج بينة على أنه له أو على أنه اشتراه فيكون له بعد يمينه أنه إنما اشتراه بماله لنفسه لا لها، وهذا كله بين في الرسوم الباقية من هذا السماع، وفي رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، وبالله التوفيق.

أم الولد إذا هلك عنها سيدها ولها حلي ومتاع

ومن كتاب شك في طوافه قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول في أم الولد: إذا هلك عنها سيدها ولها حلي ومتاع، أتراه لها؟ قال: نعم إلا أن يكون الشيء المستنكر.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم قبل هذا مما لا اختلاف فيه.

أم الولد إن لم يكن لها شهود على عطية سيدها إياها

ومن كتاب أوله باع غلاما بعشرين دينارا إلى أجل وقال مالك في أم الولد في ثيابها إذا كانت تستمتع بها وإن لم يكن لها شهود على عطية سيدها إياها وهو معروف أنها كانت تلبسه فأراها لها.
قال محمد بن رشد: وهذا أيضا مثل ما تقدم، فلا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.

الرجل يهلك ويترك أم ولد لها ثياب وحلي

ومن كتاب أوله مساجد القبائل وسئل مالك: عن الرجل يهلك ويترك أم ولد لها ثياب وحلي، أتراه لها؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا مثل ما تقدم أيضا، ومثل القول فيه، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

رجل توفي وترك جارية حاملا منه أتتم حرمتها

من سماع أشهب وابن نافع من مالك من كتاب الأقضية الثالث قالا: وسئل مالك: عن رجل توفي وترك جارية حاملا منه أتتم حرمتها؟ فقال: إذا كان حملها بينا فقد ثبتت حرمتها، قيل: إذا كان حملا بينا معروفا تمت حرمتها؟ قال: نعم، فقيل له: إذا مات الرجل وله جارية ولها منه حمل تمت حرمتها حتى تقتل من قتلها وترث وتورث؟ فقال: أما إذا مات عنها سيدها وهي لم تتم حرمتها ولم تجز شهادتها ولم تقتل من قتلها ولم ترث ولم تورث حتى يتبين حملها، فإذا تبين حملها وظهر وعرف تمت حرمتها وجازت شهادتها وقتل من قتلها وورثت وأخذ لها الحدود إذا بان حملها، قيل لها: إن المرأة ربما نظر إليها النساء فيقلن هي حامل وكبر بطنها ثم ينفش ذلك فلا يكون في بطنها شيء، فكيف ترث وتورث ويقتل بها من قتلها وهي لعلها ألا يكون لها حمل؟ قال: كذلك هذه، يوقف ذلك منها حتى يتبين حملها، فإذا تبين تمت حرمتها وورثت ورثتها وقتل من قتلها.
قال محمد بن رشد: مثل هذا لمالك في الواضحة من رواية مطرف

عنه.
وفي كتاب ابن سحنون من رواية ابن القاسم عنه، قال: وتعجب من قول من يقول: لا تتم حرمتها حتى تضع، وقال المغيرة: توقف أحكامها حتى تضع، وهو قول ابن الماجشون في الثمانية، وعليه يأتي قوله في الواضحة: إن للأمة الحامل من سيدها إذا مات النفقة في ماله حتى تضع حملها إن كان من مذهبه أن أم الولد إذا توفي عنها سيدها وهي حامل فلا نفقة لها على المشهور في المذهب، إذ قد اختلف في ذلك حسبما قد ذكرناه في رسم سعد من سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة.
وقال ابن نافع في المدنية: لا يقتل من قتلها، ويستأنى بمن قذفها، فإن ولدت حد لها، وفيها -أعني في المدنية - قال عيسى: قال ابن القاسم: سألت مالكا عن القذف، وكان فيها اختلاف بالمدنية، فقال: أرى أن يضرب من قذفها الحد ثمانين إذا تبين حملها، قيل له: إن قوما يقولون: لو استؤني بها فلعل ذلك ينفش، فأنكر ذلك من قولهم وتعجب منه.
وقد مضى في رسم من سماع ابن القاسم ذِكْرُ اختلاف قول مالك في وجوب الحكم للحمل بظهوره قبل وضعه، وبالله التوفيق.

له أم ولد فيزوجها غلاما له فتلد منه أولادا فيهب جارية منهن لابنه

ومن كتاب الأقضية وسئل مالك: عن الرجل تكون له أم ولد، فيزوجها غلاما له، فتلد منه أولادا فيهب جارية منهن لابنه، أيطؤها؟ فقال: نعم، لا بأس بذلك، الرجل يتزوج المرأة ويتزوج ابنه ابنتها، فقيل له: أليس ولد أم ولد بمنزلتها؟ فقال: بلى، ولد كل ذات رحم بمنزلتها، فقيل له: أفليس ولدها معها معتق إلى أجل؟ فكيف يجوز له أن يهب معتقة إلى أجل فيطؤها؟ فسكت.
قال أشهب: والذي لا شك فيه عندي أن كل جارية فيها طرف

من عتق فليس يجوز لسيدها أن يوطئها أحدا من الخلق، لا عبده ولا ولده ولا غيرهما بملك يمين ولا غيره، إلا بتزوج، فلا بأس بذلك، ومما يشبهه المدبرة، لا يجوز لسيدها أن يوطئها أحدا من الخلق بهبة، وله أن يزوجها.

الرجل يزوج أم ولد رجلا فتلد له أولادا ثم يريد أن يهب بعض بناتها لولده

ومن سماع ابن دينار من ابن القاسم من كتاب استأذن سيده قال: وسألت ابن القاسم: عن الرجل يزوج أم ولد رجلا فتلد له أولادا ثم يريد أن يهب بعض بناتها لولده أو لأجنبي، هل يجوز له أن يطأها؟ قال: قال مالك: لا يطؤها بملك يمين ولا يطؤها إلا بتزويج.
قلت: وكذلك بنات المدبرة لا يطؤهن غير سيدهن، قال: نعم، كذلك بنات المدبرة لا يطؤهن أحد سواه إلا بالتزويج.
وقال محمد بن رشد: رأى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه لا حرمة بين الرجل وبين ما ولدت أم ولد أبيه من غيره بعده ولا قبله، يحرم بها نكاحها، وأغفل النظر في صحة الهبة إذ سبق إلى ظنه أن القصد بالسؤال إنما هو إلى: هل بينهما حرمة أم لا؟ من أجل أنه قد اختلف في ذلك، فكان طاووس يكره للرجل أن يتزوج ما ولدت امرأة أبيه بعد أبيه من غير أبيه، وروى أبو زيد عن ابن القاسم في كتاب النكاح: أن ذلك لا يحل له، ولذلك قال: لا بأس أن يطأها، يريد من جهة أنه لا حرمة بينه وبينها.
وقوله: إنه لا حرمة بينه وبينها - هو الصحيح.
وقول من قال: إنها لا تحل له، بعيد.
وقد مضى في سماع أبي زيد من كتاب النكاح وجه الكراهية عند من كره ذلك لمن أحب الوقوف عليه، وأما هبة الرجل رقبة ولد أم ولده من غيره فلا يصح، إذ لا يملكها،

وإنما له خدمتها طول حياته، فالهبة إنما تصح فيما يملك من اختدامها، ولا يصح بذلك للموهوب [له] وطؤها، كما قال أشهب ومالك في رواية عيسى عن ابن القاسم عنه، وقد كان الفقيه شيخنا أبو جعفر - رَحِمَهُ اللَّهُ - يحكي لنا عن الفقيه أبي عمر بن القطان أنه كان يقول: لا أقول إن مالكا وهم في إغفال النظر في صحة الهبة فأخطأ في الجواب، بل أقول: إنه أعمل الهبة في الرقبة مراعاة للاختلاف في جواز بيع أم الولد، فأجاز للابن وطأها بالهبة، وبالله التوفيق.

رجل توفي وترك أم ولد له فادعت متاع البيت

ومن كتاب الأقضية الثاني، قال أشهب وابن نافع: وسئل مالك: عن رجل توفي وترك أم ولد له، فادعت متاع البيت، قال: أرى أن تكلف البينة على أن ذلك لها، وإن كان ذلك من متاع النساء؛ لأنها ليست بحرة، إنما هي أم ولد، ثم يكون ذلك لها، قلت: أرأيت ما أعطاها سيدها من الحلي والثياب؟ فقال: ذلك لها إذا مات سيدها.
قلت: أرأيت ما كان من متاع [البيت] دني؟ فقال: أما الفراش والحلي واللحاف والثياب التي على ظهرها فأرى ذلك لها من كتاب العتق.
وسمعته سئل: عن أم الولد يتوفى عنها سيدها وفي يدها متاع، فيريد الورثة أخذه منها، أذلك لهم؟ فقال: إن كان وهبه لها فلا.
قال محمد بن رشد: إنما وجب أن تكلف أم الولد البينة فيما ادعته من

متاع النساء أنه لها سوى ثيابها التي تلبسها والحلي الذي يشبهها إذا نازعها في ذلك ورثة سيدها من أجل أنه لا يد لها مع سيدها، إذ لم تتم حريتها إلا بموته، فهي في هذا بخلاف الحرة، وقد مضى في رسم الصلاة من سماع يحيى من كتاب طلاق السنة القول في اختلاف الزوجين في متاع البيت موعبا لمن أحب الوقوف عليه، ومضى في رسم صلى نهارا من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب القول في مال [أم] الولد وما يصح منه بالدعوى مما لا يصح، فلا معنى لإعادته، والله الموفق.

الصبية الصغيرة تشترى أعلى من ابتاعها استبراؤها

ومن كتاب البيوع الأول وسئل مالك: عن الصبية الصغيرة تشترى، أعلى من ابتاعها استبراؤها؟ قال: نعم، إذا كان مثلها يوطأ، واستبراؤها ثلاثة أشهر، وإن كانت صغيرة ليس مثلها يوطأ فليس عليها استبراء.
قال محمد بن رشد: أما الصغيرة التي لا يوطأ مثلها فلا اختلاف في أنه لا مواضعة فيها ولا استبراء، وإنما اختلف في الصغيرة التي يوطأ مثلها ويؤمن الحمل منها، فمذهب مالك وعامة أصحابه وجوب الاستبراء فيها والمواضعة إن كانت من ذوات الأثمان بثلاثة أشهر؛ لأن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، وقيل: شهران، وقيل: شهر ونصف، وقيل: شهر، وذهب مطرف وابن الماجشون إلى أنه لا يجب فيها استبراء ولا مواضعة.
وجاء ذلك عن جماعة من السلف، منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وابن شهاب، وأبو الزناد، وربيعة، وابن هرمز، وغيرهم، وكذلك الكبيرة التي يؤمن الحمل منها، وبالله التوفيق.

امرأة توفيت وتركت خادما وتركت من الورثة زوجها وولدها

من سماع عيسى بن دينار من كتاب نقدها نقدها قال عيسى: سئل ابن القاسم عن امرأة توفيت وتركت خادما

وتركت من الورثة زوجها وولدها وهم صغار في حجر أبيهم يليهم، فحضرته الوفاة فقال: إن فلانة للخادم التي بعضها له ولولده الصغار بعضها: قد ولد مني، فأنكر ذلك الورثة بعد موته، فقال: القول قوله، والولد يلحقه، وتعتق الجارية، وتخرج حرة، وتقوم عليه في ماله، ويعطون نصيبهم منها، فإن لم يكن له مال فهي حرة، وهي مصيبة دخلت عليهم.
قال محمد بن رشد: أما إذا كان لها ولد أقر أنه منه فلا اختلاف في أنه يلحق به وتعتق هي، وتخرج حرة، وتقوم عليه في ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال فهي مصيبة دخلت عليهم؛ لأن النسب يثبت منهم، والحد يسقط عنه، فوجب أن يصدق على ورثته من كانوا كما يصدق في أمته أن ولدها هذا منه، وأن حملها منه، وإن كان ذلك في مرضه الذي مات منه؛ لأن النسب يسقط التهمة عنه، وإنما يختلف إذا أقر لها في مرضه الذي مات منه أنها قد ولدت منه، ولا ولد معها، فقيل: إنه لا يقبل قوله، وإن كان ورثه ولده، وقيل: إنه يقبل قوله إن كان ورثته ولدا فتعتق من رأس ماله، ولا يقبل قوله إن كان ورثته كلالة، وقيل له: إن كان ورثته ولدا عتقت من رأس المال، وإن كان ورثته كلالة عتقت من ثلثه، والثلاثة الأقوال كلها في المدونة وغيرها، وبالله تعالى التوفيق.

الأمة يموت عنها زوجها وهي من اللائي قد يئسن من المحيض كم عدتها

ومن كتاب استأذن سيده في تدبير جاريته قال عيسى: وسألته: عن الأمة يموت عنها زوجها وهي من

اللائي قد] يئسن من المحيض كم عدتها؟ قال: شهران وخمس ليال.
قلت: فإن باعها سيدها في العدة؟ قال: لا يطؤها مشتريها حتى يستبريها بثلاثة أشهر من يوم هلك عنها زوجها، ولا ينقلها مشتريها من بيتها التي كانت تبيت فيه حتى تعتد فيه شهرين وخمس ليال من يوم مات عنها زوجها، فإذا مضى لها شهران وخمس ليال انتقلها مشتريها ولكن لا يمسها حتى يستبريها بثلاثة أشهر بالشهرين والخمس ليال من يوم مات عنها زوجها.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الأمة الآيسة من المحيض تعتد من وفاة زوجها شهرين وخمس ليال، ثم ينقلها مشتريها من بيتها إن شاء ولا يطؤها حتى تتم ثلاثة أشهر، معناه: في الأمة اليائسة من المحيض لصغر أو لكبر، والحمل غير مأمون منها، وقد دخل بها؛ لأن التي لم يدخل بها والتي يؤمن الحمل منها وإن كان يوطأ مثلها لا اختلاف في أن عدتها تنقضي بالشهرين والخمس ليال كما ينقضي بها إذا كانت في سن من تحيض، فحاضت، فيكون لسيدها أن يطأها وأن يزوجها، وليس عليه أن ينتظر بها تمام ثلاثة أشهر،

ولم يحكم لها بحكم المعتدة بعد انقضاء الشهرين وخمس ليال إلى تمام الثلاثة الأشهر، إذ قال: إن لسيدها أن ينقلها عن بيتها، فعلى قوله: لا إحداد عليها، وذلك خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون: من أن على المتوفى عنها زوجها الإحداد إذا استرابت حتى تنقضي الريبة، مثل قول سحنون: إنه لا إحداد عليها إلا في الأربعة أشهر وعشر، وظاهر ما في المدونة: أن عدتها تنقضي بالشهرين والخمس ليال، فيكون لسيدها أن يطأها ولمشتريها وإن كانت ممن لا يؤمن الحمل منها، إذا لم يكن بها ريبة؛ لأنه قال في كتاب الاستبراء منها: إنها إذا لم تحض في الشهرين وخمس ليال فلا يطأها إن أحست من نفسها؛ لأن في قوله "إن أحست من نفسها" دليل على أنها [إن] لم تحس من نفسها شيئا، يطؤها إذا انقضت الشهران وخمس ليال.
وإن لم تحض فيها، وذلك بين أيضا من قول سحنون في تفرقته بين أن يكون بين المدتين أقل من شهرين وخمس ليال أو أكثر في أم الولد التي يتوفى زوجها وسيدها، ولا يدري أيهما مات قبل صاحبه.
والريبة في ذلك تكون بوجهين: أحدهما: بامتلاء تحسه في البطن، والثاني: بتأخير الحيض عن وقته، إن كانت ممن تحيض، فأتى عليها في الشهرين وخمس ليال وقت حيضتها فلم تحض، فأما الريبة بامتلاء تحسه في البطن فلا بد من استبرائها إلى تمام تسعة أشهر، فإن لم تزد على ما كان عليه حلت، وإن زاد انتظرت إلى أقصى أمد الحمل، وأما الريبة بتأخر الحيض عن وقته [إن كانت،] فيستبريها إلى تمام ثلاثة أشهر، فإن لم يظهر بها حمل ولا أحست بشيء حلت.

فيتحصل على هذا الذي قلناه في اليائسة من المحيض التي لا يؤمن الحمل منها، وفي التي هي ممن تحيض إذا لم تحض في الشهرين وخمس ليال ولا مر بها فيها وقت حيضتها - ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تحل بتمام الشهرين وخمس ليال فيكون لسيدها أن ينقلها عن بيتها وأن يطأها ويزوجها.
والثاني: أنها تبقى على إحدادها ولا ينقلها عن بيتها ولا يطأها ولا يزوجها حتى تنقضي ثلاثة أشهر، والثالث: أنه ينقلها عن بيتها ويسقط عنها الإحداد، ولا يطؤها ولا يزوجها حتى تنقضي ثلاثة أشهر.
وإنما كانت عدة الأمة في الوفاة شهرين وخمس ليال؛ لأن العدة حد من الحدود، والعبيد في الحدود على النصف من الأحرار؛ لقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] . فكان على الأمة ومن فيها بقية رق في الطلاق - حيضتان؛ إذ لا تنقسم الحيضة الثانية، وفي الوفاة شهران وخمس ليال؛ لانقسام الشهور والأيام، والله أعلم.

مسألة: الأمة المستحاضة والتي ترتفع عنها حيضتها يبيعها سيدها

مسألة قال ابن القاسم، في الأمة المستحاضة والتي ترتفع عنها حيضتها: يبيعها سيدها استبراؤها ثلاثة أشهر إلا أن ترتاب فتنتهي تسعة أشهر.
قلت له: فالأمة التي لا تحيض في ستة أشهر إلا مرة، تباع، هل ينتظر بها إلى حين حيضتها؟ قال: ثلاثة أشهر تبريها إذا لم ترتب، والتي لا تحيض في ستة أشهر إلا مرة واحدة إذا لم ترتب أقوى في الاستبراء؛ لأنه يعرف أنه لم يمنعها من الحيض شيء يخاف عليها، ألا ترى أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت ممن تحيض فلم تحض في عدتها أمرت أن تقيم حتى تحيض أو تبلغ من الأجل ما لا يشك فيه أن فيه استبراء رحمها، وذلك تسعة أشهر إذا لم تحس شيئا، والتي

حيضتها في ستة أشهر مرة أو في السنة مرة أو تكون ترضع، تجزيها العدة إذا لم ترتب بشيء؛ لأنه يعلم أنه لا تحتبس عنها حيضتها لريبة خيفت عليها، وإنما احتبست بحيضتها التي كانت من شأنها، فكذلك البيع لا تكون التي تحيض أعجل في الاستبراء في الريبة من التي لا تحيض، وهو فرق بين، ورواه أصبغ عن ابن القاسم في كتاب النكاح الأول من سماعه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المستحاضة والتي ترتفع عنها حيضتها تستبرأ في البيع بثلاثة أشهر - هو أحد قولي مالك في المدونة من رواية ابن غانم عنه، واختيار أشهب خلاف قوله الآخر فيها: أنهما يستبريان جميعا بتسعة أشهر، وقد قيل: إن المستحاضة تستبري بثلاثة أشهر، والتي ترتفع عنها حيضتها بتسعة أشهر، وهذا يأتي على ما روي عن مالك أن المستحاضة تعتد في الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وتحل، بخلاف التي ترتفع عنها حيضتها.
وأما التي لا تحيض في ستة أشهر إلا مرة، فقوله: إنها تستبري بثلاثة أشهر - صحيح على قياس قوله: إن المتوفى عنها زوجها تحل بأربعة أشهر وعشر، إذا لم يمر بها فيها وقت حيضتها.
وتأتي على رواية ابن كنانة عن مالك في سماع أشهب من كتاب طلاق السنة في المتوفى عنها زوجها، تعتد أربعة أشهر وعشرا، ولا يأتيها فيها وقت حيضتها: أنها لا تتزوج حتى تحيض وتبرأ من الريبة: أنها لا يجزيها في الاستبراء الثلاثة الأشهر، ولا بد لها من انتظار حيضتها، وهو قول ابن القاسم في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى بعد هذا، ورواية عيسى أصح في النص؛ لأن المعنى في الاستبراء معرفة براء الرحم من الحمل، وقد حصل ذلك بالثلاثة الأشهر، فلا يلزم انتظار الحيضة، إذ ليست الحيضة في الاستبراء عبادة، فيلزم انتظارها وإن حصلت البراءة بما دونها كما أن الصحيح أن تحل الحرة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر إذ لم يمر بها فيها وقت حيضتها، ورواية ابن كنانة عن مالك شذوذ من القول؛ لأنها قد أكملت العدة التي

فرضها الله عليها ولا ريبة فيها فوجب أن تحل، وقد حكى ابن المواز: أن مالكا رجع عنه، وقد قال أبو إسحاق في رواية عيسى هذه: إنها غلط ومخالفة للقرآن، وإن رواية يحيى هي الصحيحة، وقوله هو الغلط، إذ ليس في القرآن وجوب استبراء الأمة في البيع بحيضة، فيلزم أن يقال: إن الاستبراء لا يحصل بما دونها، إذ قد علم وقتها كما يقال في الأقراء في عدة الطلاق، ولو قال: إنها مخالفة لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض» لكان أشبه وإن لم يكن ذلك صحيحا إذ ليس الحديث على عمومه؛ لأنه إنما خرج على الأغلب من أن ذوات الحيض من النساء يحضن فيما دون الثلاثة الأشهر التي يعلم بها براءة الرحم.

مسألة: اشترى عبدا وجارية في صفقة واحدة والجارية مما مثلها توضع للاستبراء

مسألة قال عيسى: وسألت عن رجل اشترى عبدا وجارية في صفقة واحدة، والجارية مما مثلها توضع للاستبراء، فوضعت للاستبراء، فماتت قبل أن تخرج من الاستبراء والجارية أكثر ثمنا من العبد أو أدق ثمنا، والعبد قائم بعينه، أو مات العبد والجارية قائمة بعينها لم تخرج من الاستبراء.
قال ابن القاسم: إن كان العبد وغدا وإنما اشترى لمكان الجارية، وفيها النماء والفضل وكثرة الثمن فيما يرى الناس كان موقوفا ولم ينبغي له أن ينفذ، فإن ماتت الجارية ولم تخرج من حيضتها انتقض البيع، وإن أصيب العبد في ذلك فمصيبته من البائع، إلا أن تخرج الجارية من الحيضة، فإن خرجت من الحيضة فمصيبته من المبتاع؛ لأنه لو لم يتم بيع الجارية لم يكن فيه

بيع، ولو رضي أن يأخذه بالذي يصيبه من الثمن من قيمتها لم تحل، وإن كان العبد من أجله اشتريت الجارية وفيه النماء والفضل فيما يرى الناس قبض المشتري العبد ووقفت الجارية للحيضة، فإن هلكت الجارية أو لم تخرج من الحيضة لزمه العبد بما يصيبه من الثمن بمنزلة ما لو استحقت أو وجد بها عيب فردت، فإن هلك العبد في ذلك قبل أن تخرج الجارية من الاستبراء كانت مصيبته من المشتري ويستأنى بالجارية، فإن خرجت من الحيضة لزمه الثمن كله، وإن ألفيت حاملا أو ماتت قبل أن تخرج من الحيضة كان عليه من الثمن بقدر ثمن العبد من الجارية، ينظر كم قيمته وقيمة الجارية فيفض الثمن عليهما فيتبعه بقدر ذلك من حصة الثمن.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة جيدة بينة المعنى، قوله فيها: إن الجارية إذا كانت وجه الصفقة يوقف العبد بتوقيف الجارية للمواضعة، وتكون مصيبته من البائع إن لم تخرج الجارية من المواضعة، ومن المبتاع إن خرجت من المواضعة، ولا يجوز نقد الثمن في ذلك بشرط صحيح؛ لأن البيع لما كان لا يتم فيه دونها وجب أن يكون تبعا لها في التوقيف والضمان، وفي أن النقد فيه لا يجوز، وقد قيل: [إن] له أن يأخذه بما ينوبه من الثمن إن لم تخرج الجارية من المواضعة هو أحد قولي ابن القاسم في غَيْرِمَا كتاب من المدونة، فعلى هذا القول تكون مصيبته أيضا إن مات ولم تخرج الجارية من المواضعة من البائع، ولا يجوز فيه النقد كحكم العبد المشترى بالخيار، وأما إذا كان العبد وجه الصفقة فيقبضه ويدفع ما ينوبه من الثمن؛ لأن الشراء له فيه لازم بما ينوبه من الثمن إن لم تخرج الجارية من المواضعة، ولا ينقد ما

ينوب الجارية بشرط، وقد اختلف في وجوب توقيفه إن دعا إلى ذلك البائع حسبما مضى القول فيه في أول رسم من سماع ابن القاسم، فإن طاع بدفع جميع الثمن ولم تخرج الجارية من المواضعة ماتت أو ألفيت حاملا فلم يرد المبتاع أخذها رد البائع من الثمن ما ينوبها، وإن لم يدفع من الثمن شيئا ولم تخرج الجارية أيضا من المواضعة لزم المبتاع من الثمن ما ينوب العبد منه بأن ينظر ما قيمته من قيمته وقيمة الجارية، فيكون عليه من الثمن ذلك الجزء، مثال ذلك: أن تكون قيمته مائتين وقيمة الجارية مائة، فيكون عليه ثلثا الثمن ما كان، وقوله في الرواية كان عليه من الثمن بقدر ثمن العبد من الجارية لفظ وقع على غير تحصيل، ومراده كان عليه من الثمن بقدر ثمن العبد من ثمن العبد والجارية حسبما بيناه، والحمد لله.

إذا باع الرجل الجارية بالجاريتين فإنهن يوضعن للاستبراء

ومن كتاب الفصاحة قال عيسى: قال ابن القاسم: إذا باع الرجل الجارية بالجاريتين فإنهن يوضعن للاستبراء، فإن ماتت الجارية التي هي ثمن الجاريتين أو أصابها عيب قبل أن تخرج من الاستبراء فإن ذلك من بائعها، إن كان موت فالمصيبة منه، وإن كان عيبا ردت عليه وانفسخ البيع في الجاريتين، قال ابن القاسم: إلا أن يشاء المشتري حبسها معيبة فيتم البيع، وإن سلمت مما ذكرنا، فأصاب الجارية الفاره من الجاريتين مثل ما وصفنا في هذا من قبل أن تخرج من الاستبراء انفسخ البيع أيضا وردت الجارية الفاره التي كانت ثمنا للجاريتين إلى صاحبها واسترجع جاريته، وإن سلمت الجاريتان الفارهتان مما ذكرنا وأصاب الدنية من الجاريتين موت أو عيب قبل

أن تخرج من الاستبراء انتظر بالجاريتين الفارهتين، فإن خرجتا من الاستبراء صحيحتين تم البيع فيهن ورجع مشتري الجاريتين بثمن الدنية على صاحبه فينظر ما اسم قيمتها من قيمة صاحبتها فيرجع بذلك الاسم على بائعها في قيمة الجارية الفارهة التي يأخذ، وذلك أن تكون قيمة الجارية الفارهة التي هي ثمن الجاريتين ثلاثمائة دينار، وتكون قيمة الجارية ثلاثمائة دينار أيضا، فتكون قيمة المرتفعة منهما مائتين، وقيمة الدنية مائة، فيرجع بثلث قيمة المرتفعة، وذلك مائة دينار، وإن خرجت الدنية من الاستبراء صحيحة قبل أن تخرج صاحبتها ثم ماتت، فإنه ينتظر بصاحبتها، فإن خرجت صحيحة من الاستبراء كانت المصيبة من المشتري، وإن لم تخرج صحيحة أو ماتت كانت المصيبة من بائعها، وإن وجد بأحد الجاريتين عيب بعد الاستبراء فإنه إن كانت العلية أدناهما ليس من أجلها اشتريت صاحبتها ردها ونظر ما اسم قيمتها من قيمة صاحبتها، فيرجع بذلك الاسم على البائع في قيمة الجارية المرتفعة كما فسرت لك، وإن كانت المعيبة هي وجه ما اشترى وفيها يرجو ردهما جميعا ونظر، فإن كانت المرتفعة لم تفت بنماء ولا نقصان ولا اختلاف أسواق ولا بيع ولا بشيء من وجوه الفوت، قبضها ورد الجاريتين جميعا، وإن كانت قد فاتت بشيء مما ذكرنا أو طال أمرها كان [له] عليه قيمتها يوم قبضها، وإن كانت المرتفعة التي هي ثمن الجاريتين هي التي وجد بها العيب ردها ونظر إلى الجاريتين، فإن كانت المرتفعة منهما والدنية

لم يفوتا ردها وقبض الجاريتين، وإن كانت الدنية قد فاتت والمرتفعة منهما لم تفت ردها أيضا وأخذ المرتفعة ورجع عليه بقيمة الدنية، وإن فاتت المرتفعة ولم تفت الدنية منهما لم يردها ولزمه البيع فيهما وغرم قيمة الجاريتين.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة جيدة إلا أنه لم يستوف جميع وجوهها ولا بين ما فيه الخلاف منها، وأنا استوفي ما قصر عنه من وجوهها وأنبه على ما فيه الخلاف منها إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال أولا: إن البيع ينفسخ في الجاريتين إن ماتت الجارية التي هي ثمن لهما أو أصابها عيب قبل أن تخرج من الاستبراء، ومعنى ذلك إن كانت الجاريتان لم تخرجا بعد من الاستبراء أو كانتا قد خرجتا منه ولم تفوتا عند المبتاع لهما بوجه من وجوه الفوت، فأما إن كانتا قد فاتتا عنده بحوالة سوق فما فوقه فيلزمه قيمتهما يوم خروجهما من الاستبراء ولا ينفسخ البيع بردهما إلى بائعهما، كمن باع عبدا بعبد، فاستحق أحدهما وقد فات الآخر: إنه لا يرد بعد فوات ويلزم مشتريه قيمته يوم اشتراه، وكذلك إن فاتت الأرفع منهما ولم تفت الأدنى، وأما إن فاتت الأدنى ولم تفت الأرفع فيردها وقيمة التي فاتت، وفيما يأتي بعد هذا في بقية المسألة بيانه.
وقول ابن القاسم إلا أن يشاء المشتري حبس المعيبة فيتم البيع، وقع في بعض الروايات وهو صحيح مبين لما تقدم من قوله.
وقوله وإن سلمت مما ذكرنا فأصاب الجارية الفاره من الجاريتين مثل ما وصفنا في هذا قبل أن تخرج من الاستبراء انفسخ البيع أيضا وردت الجارية الفاره التي كانت ثمنا للجاريتين إلى صاحبها واسترجع جاريته، معناه أيضا إذا كانت الجارية الفاره التي كانت ثمنا للجاريتين قائمة لم تفت بوجه من الوجوه، فإن كانت قد فاتت بحوالة سوق [فما فوقه لم ترد، ولزم مشتريها قيمتها يوم خروجها من الاستبراء، وأما الجارية الدنية من الجاريتين فترد وإن فاتت بحوالة

الأسواق] ، مما لم تفت بالعيوب المفسدة.
وقوله: إن سلمت الجاريتان الفارهتان وأصاب الدنية من الجاريتين موت أو عيب قبل أن تخرج من الاستبراء تم البيع فيهن ورجع مشتري الجاريتين بثمن الدنية على صاحبها، فينظر ما اسم قيمتها من قيمة صاحبتها، فيرجع بذلك الاسم على بائعها في قيمة الجارية الفارهة، معناه: فينظر ما اسم قيمتها من قيمتها وقيمة صاحبتها جميعا، وتمثيله الذي مثل بقوله، وذلك أن تكون قيمة الجارية إلى آخر قوله يدل على ذلك، وسواء كانت الجارية الفارهة قائمة أو فائتة؛ وقد قيل: إنها إن كانت قائمة كان شريكا معه فيها بقدر قيمتها من قيمتها وقيمة صاحبتها، وهو قول أشهب.
وقيل أيضا: إنه يكون شريكا معه فيها بذلك الجزء إلا أن يأبى ذلك مشتري الجارية الفاره لضرر الشركة عليه، فينفسخ البيع في الجميع.
وهو قول ابن القاسم في رسم الصلاة من سماع يحيى من كتاب الشفعة.
وقوله: وإن خرجت الدنية من الاستبراء صحيحة قبل أن تخرج صاحبتها ثم ماتت، فإنه ينتظر صاحبتها، فإن خرجت صحيحة من الاستبراء كانت المصيبة من المشتري، وإن لم تخرج صحيحة أو ماتت كانت المصيبة من بائعها صحيح؛ لأنها تبع لصاحبتها، إذ لا يتم البيع فيها دونها، وقد مضى هذا المعنى في المسألة التي قبل هذه.
وقوله: وإذا وجد بإحدى الجاريتين عيب بعد الاستبراء، فإنه إن كانت المعيبة أدناهما ليس من أجلها اشتريت صاحبتها ردها ونظر ما اسم قيمتها من قيمة صاحبتها فيرجع بذلك الاسم على البائع في قيمة الجارية المرتفعة كما فسرت لك، قد مضى القول فيه وبينا أن فيه ثلاثة أقوال، وكذلك قد مضى القول في معنى بقية ما ذكر من وجوه المسألة، فلا معنى لإعادة ذكره، ولا يجوز النقد في هذه المسألة حتى تخرج الجاريتان الفارهتان من المواضعة، فإذا خرجتا من المواضعة تقابضا، وإن لم تخرج الدنية بعد من المواضعة؛ لأن ظهور الحمل بها أو موتها لا ينقض البيع بينهما،

فسهل انتقاد ثمنها مع إمكان الرجوع فيه بعينه على ما حكيناه من مذهب أشهب الذي لا يراعي ضرر الشركة أو في قيمته على ما مضى من مذهب ابن القاسم، وعلى هذا يأتي ما في أول كتاب الجعل والإجارة من المدونة من أنه يجوز أن يبيع الرجل نصف ثوبه من رجل على أن يبيع له النصف الآخر إلى شهر؛ لأنه إن باع في نصف الشهر كان له أن يرجع في عين الثوب أو في قيمته على ما ذكرناه من الاختلاف في هذا المعنى، وبالله التوفيق.

مسألة: ابتاع رجل وليدة كان لها زوج وهي في عدة ولم يبين ذلك لمشتريها

مسألة وإذا ابتاع رجل وليدة كان لها زوج وهي في عدة من طلاق زوجها أو وفاته ولم يبين ذلك لمشتريها، فوطئها المشتري فحملت ثم علم بما كتمه البائع من ذلك، فإنه إن كان مشتريها وطئها وقد حاضت في عدتها حيضة فإن الولد لاحق بالمبتاع، وأراها أم ولد بذلك الولد إذا جاءت به لتمام ستة أشهر غير أنه لا يحل له وطؤها أبدا لوطئه إياها في عدتها، فمن الناس من يقول: إنها تعتق عليه ساعة حملت، إذ لا يجد سبيلا إلى وطئها.
ومنهم من يقول: يستخدمها بالمعروف حتى يموت، فإذا مات عتقت من رأس المال ولم يلحقها دين، وكان سبيلها سبيل أمهات الأولاد، ويرجع المبتاع على البائع بقيمة عيب ما كتمه، فيأخذه منه، وإن كان وطئها ولها زوج ولم يطلقها فكان الزوج غائبا عنها أو معزولا عنها ما يكون في مثله استبراء لرحمها فوطئها المبتاع فحملت، فإن الولد لاحق بالمبتاع أيضا، وترد إلى زوجها إذا وضعت، وتكون بذلك الولد أم ولد للمبتاع إن طلقها زوجها يوما ما أو مات عنها حل له وطؤها وأعتقت من رأس مال سيدها إذا مات، كان زوجها حيا أو مات عنها أو طلقها، فإن سبيلها سبيل أمهات الأولاد، ويرجع المشتري على بائعها منه بقيمة عيب ما كتمه من أن لها زوجا، قال: وإن لم يكن الزوج غائبا ولا

معزولا عنها كما ذكرنا، فالولد للزوج، وترد الأمة على بائعها بعيب ما كتمه من غير غرم يكون عليه لوطئها، قال: وإن وطئها في هذا كله، وهي حامل من زوجها أو من غير زوجها أو ليست بحامل، فهو يردها بعيب ما كتمه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها؛ لأن المشتري وطئ بشبهة الشراء، فوجب أن يلحق به الولد إذا وطئها في العدة بعد حيضة، وجاءت بالولد لتمام ستة أشهر من يوم وطئ كمن تزوج في العدة ودخل بعد حيضة، وكذلك إذا وطئها وهي في ملك الزوج وهو غائب أو معزول مدة تكون فيها استبراء لرحمها، فجاءت بالولد لتمام ستة أشهر من يوم وطئها، وإذا لحق به الولد وجب أن تكون به أم ولد، وإذا صارت أم ولد فات ردها بالعيب ووجب له الرجوع بقيمته، وإذا لم يلحق به الولد ولحق بالزوج إما بأن يكون وطؤه في طهر واحد، وإما بأن يكون وطئها في طهر آخر فاتت بالولد لأقل من ستة أشهر، وإما بأن يكون وطؤه وهي حامل فإنه يردها بالعيب ولا يكون عليه في وطئه شيء، كما اشترى أمة فوطئها ثم وجد بها عيبا، فإنه يردها ولا شيء عليه في الوطء إلا أن تكون بكرا، فيرد بما نقص الافتضاض منها إن أراد ردها، وإن لم يرد أخذ قيمة العيب وحبسها، وقد قيل: إن الوطء فيها فوت، ذكر ذلك ابن حبيب عن جماعة من الصحابة والتابعين وأخذ به وحكاه عن ابن وهب وابن نافع وأصبغ.

اشترى جارية وقبضها من غير مواضعة ودفع الثمن ثم استبريت الجارية

ومن كتاب العتق وسئل: عن رجل اشترى جارية وقبضها من غير مواضعة ودفع الثمن ثم استبريت الجارية وخيف عليها الحمل، فقال: إن كان باعها على أن ينقده الثمن بشرط فسخ البيع، ردت إلى صاحبها،

وإن كان إنما تطوع بذلك من غير شرط يكون في البيع لم ينزع منه الثمن حتى ينظر إلى ما تصير إليه الجارية، فإن استمر بها حمل رد الثمن، وإن حاضت نفذ البيع.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة والاختلاف فيها في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم لمن أحب الوقوف عليه، فلا معنى لإعادته، والله الموفق.

مسألة: الاستبراء في كل ما يوطأ من الجواري رفيعة كانت أو وضيعة

مسألة قال ابن القاسم: الاستبراء في كل ما يوطأ من الجواري رفيعة كانت أو وضيعة، وما يراد للوطء مما لم يكن يوطأ، فأما وخش الرقيق وما لا تراد للوطء وما لم يكن يوطأ فليس فيه مواضعة استبراء.
قال محمد بن رشد: قوله "الاستبراء في كل ما يوطأ" يريد المواضعة في كل ما يطؤه البائع من الجواري رفيعة كانت أو وضيعة.
وقوله: "وما يراد للوطء مما لم يكن يوطأ" يريد به وفي الجواري المرتفعات اللاتي يتخذن للوطء، وإن كان البائع لهن لا يطؤهن، وقوله: فأما وخش الرقيق وما لا يراد للوطء وما لم يكن يوطأ فليس فيه مواضعة استبراء، فليس على ظاهره، والمعنى فيه: فأما وخش الرقيق الذي لا يتخذ للوطء ولم يكن البائع يطؤه، فليس فيه مواضعة استبراء، يريد: ولا يجوز للمبتاع أن يطأها حتى يستبري لنفسه، وهذا كله مما لا اختلاف فيه، والله الموفق للصواب.

الرجل يبيع الجارية وهي حامل ثم يقر أن الحمل منه

من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: سألت ابن القاسم: عن الرجل يبيع الجارية وهي

حامل ثم يقر أن الحمل منه، قال: إن اتهم أن يكون متعشقا بها نادما على بيعها ألحق به الولد وغرم قيمته يوم أقر به ولم ترد عليه الأمة، وإن كان معدما ألحق به الولد، وكانت قيمته دينا عليه يتبع به، قال: وإن لم يتهم في استرجاع الأمة بتعشق ولا رغبة في صلاح حال الجارية لزيادتها في بدنها وكان مليا، فإنها ترد إليه ويفسخ البيع ويغرم الثمن الذي كان أخذ ويلحق به ولدها، وليس عليه في الولد إذا سقطت عنه التهمة وكان مليا، وإن كان غير متهم وهو معدم ألحق به الولد، واتبع بقيمته يوم يقر به ولا ترد إليه الأمة لعدمه؛ لأنه يتهم في أخذها لعدمه، ولا يتهم في استلحاق ابنها؛ لأنه يغرم قيمته ولا يرق له منه شيء، والأمة لو ردت إليه وهو معدم رقت له فاستمتع واستخدم، فهو متهم فيها لعدمه، وإن أقر بهذا وقد أعتق الولد والأمة وهو ملي لم ترد إليه الأمة ومضى عتقها للمعتق، وثبت له ولاؤها، ومضى عتق الولد أيضا وثبت ولاؤه لمعتقه، ولكنه يوارث أباه المقر به بالنسب، ويلحق به ولا يغير ذلك ولاءه ويقضى عليه بإقراره بأنه باع أم ولد بغرم الثمن الذي أخذ؛ لأنه لا يحل له أكله، ويقال لمعتق الأمة وابنها: إن شئت فخذ الثمن الذي أخذ منك هذا المقر، وإن شئت فدع.
قال محمد بن رشد: أما الولد فلا اختلاف في أنه يرد إليه إذا اتهم في الأم فلم ترد إليه ويلحق به نسبه ويتبع بقيمته يوم أقر به دينا في ذمته إن لم يكن له مال على ما قاله في هذه الرواية، قيل: بقيمته يوم ولد، وقيل: بما ينوبه من الثمن بأن ينظر إليه اليوم أن لو كان معها يوم عقد البيع فيفض

الثمن عليهما، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي، وقال: إنه لا يشبهه.
وقال بعض شيوخ القرويين: إنه يقوم مع أمه يوم عقد البيع على حاله التي هو عليها [الآن] اليوم، ثم تقوم الأم دونه، فيرد من الثمن حصاص الولد، وهو يرجع بالمعنى إلى ما قاله أبو إسحاق التونسي، والقياس أن لا يكون عليه للمبتاع إلا ما زاد في ثمنها بسبب الحمل إن كان اشتراها ظاهرة الحمل، ولم يكن عليه في الولد شيء إن لم تكن ظاهرة الحمل، وإنما اختلف قول ابن القاسم في انتقاض العتق إن كان قد أعتقه المشتري، فمرة قال ابن القاسم: ينتقض العتق إذا ثبت به نسبه ولا يكون للمعتق ولاؤه، ومرة قال: ينقض العتق ويلحق به النسب ويكون الولاء للمعتق، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، والقولان قائمان من المدونة.
وأما الأم ففي ردها إليه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترد إلا أن يكون عديما أو يتهم فيها بميل إليها أو رغبة فيها لصلاح حالها، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية وقول مالك وغيره في المدونة.
والقول الثاني: أنها ترد إليه إلا أن يتهم بميل إليها ورغبة فيها لصلاح حالها، فإن لم يتهم فيها بشيء من ذلك ردت إليه، وإن كان معدما واتبع بثمنها دينا في ذمته، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والقول الثالث: أنها ترد إليه إلا أن يكون معدما، فإن كان مليا ردت إليه، وإن اتهم بميل إليها ورغبة فيها لصلاح حالها، وهو ظاهر قول ابن نافع في المبسوطة، وهذا كله ما لم يعتقها المشتري، واختلف قول ابن القاسم إذا كان المشتري قد أعتقها، [فمرة قال: إنه إذا أعتقها فلا ينتقض العتق، ولا ترد إليه على حال، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وأحد قوليه في المدونة.
ومرة قال: إنه لا تأثير لعتق المشتري لها.
فيما يجب من ردها للبائع وتصديقه في قوله إن لم يتهم فيها، فإذا صدق وردت إليه نقض العتق إن كان المشتري قد أعتقها،] وسواء في هذا

كله من لحوق نسبه ورد أمه إليه أم ولد باع الأمة وهي حامل فولدت عند المشتري فادعى ولدها، أو باعها وولدها ثم ادعى أن الولد منه، أو باعها وحبس ولدها ثم ادعى أن ولدها الذي عنده منه، أو باعها فولدت عند المشتري إلى ما يلحق فيه الأنساب ولم يطأ المشتري ولا زوج، غير أنه إن باعها مع ولدها ثم ادعى أنه ولده واتهم في الأم فلم ترد إليه يكون عليه من الثمن ما ناب الولد منه، ولو باعها ولا ولد معها ثم ادعى بعد البيع أنها قد كانت ولدت منه لم يصدق ولم ترد إليه في المشهور في المذهب خلاف ما في بعض الروايات من كتاب اللقطة من المدونة من أنها ترد إليه إذ لا يتهم وهو بعيد، طرحها سحنون، وقال: إن إجازته عن ابن القاسم وصمة في الدين، وأما إذا ادعى أنه لا يلحق به أنه ملك أمه أو تزوجها، فاختلف في ذلك قول ابن القاسم، مرة قال: إنه لا يلحق به على حال، ومرة قال: يلحق به إذا لم يكن للولد نسب ثابت ما لم يتبين كذبه، وإن لم يشبه قوله، ومرة قال: إنه إنما يلحق به إذا لم يكن للولد نسب ثابت إذا أشبه قوله، وهذا الاختلاف كله قائم من المدونة، وبالله التوفيق.

الشريكين في الأمة يطؤها أحدهما فتحمل وتلد

ومن كتاب أوله يشتري الدور والمزارع قال يحيى: وسألته: عن الشريكين في الأمة يطؤها أحدهما فتحمل وتلد، ثم يتعدى الآخر ويطؤها وتحمل، ما الأمر فيها؟ فقال: إن كان للأول مال قومت عليه وكانت أم ولد له وأدب، ونكل الثاني نكالا موجعا ودرئ عنه الحد للشبهة وألحق به ولده، وإن لم يكن له مال لم تقوم على الأول ولا على الثاني ونكلا جميعا، والثاني أحق بأشد النكال، وألحق بهما أبناؤهما وعتقت عليهما، ولم تترك في يد واحد منهما.

قال محمد بن رشد: قال: إن الأول إن كان له مال قومت عليه الأمة وكانت أم ولد له، وقال: إن الثاني ينكل ويدرأ عنه الحد ويلحق به الولد، وسكت عما يجب عليه للأول، ويجب عليه له قيمة ولده، على أنه ولد أم ولد [له؛ لأنه إنما وطئها وأولدها بعد أن صارت أم ولد للأول] ويترادان فيما بينهما، فمن كان له منهما فضل على صاحبه رجع به عليه على ما يأتي لسحنون في نوازله بعد هذا، وقيل: إنه إن لم يكن للأول مال لم تقوم على الأول، ولا على الثاني، ونكلا وألحق بهما أبناؤهما، وأعتقت عليهما، وذلك كله بين على ما قال؛ لأن القيمة سقطت عن الأول لعدمه، وعن الثاني إذ قد فات نصيب الأول بالإيلاد ووجب أن تعتق عليه، إذ لا يقدر على وطئها من أجل نصيب الثاني الذي قد صارت أم ولد له، ووجب النكال عليهما، إذ لا يجوز وطء أمة فيها شرك، ولحق بهما أبناؤهما للشبهة التي أسقطت الحد عنهما وأعتقت عليهما؛ لأن نصيب كل واحد منهما قد صار أم ولد له بالإيلاد، ولا سبيل له إلى الوطء؛ لأن نصفها أم ولد له، ونصفها أم ولد لصاحبه.
وسكت: هل يجب على الأول قيمة نصف ولد للثاني؟ فروي عن ابن القاسم أن ذلك يجب عليه، وهو الصحيح في النظر والقياس؛ لأن الأمة لما لم تقوم عليه لعدمه، وبقي نصفها ملكا لشريكه، وجب عليه نصف قيمة ولده.
وفي كتاب ابن المواز: أنه لا شيء عليه من نصف قيمة ولده، إذ قد أفات شريكه نصيبه من الأمة بإيلاده إياها.
وأما الثاني فلا يجب عليه للأول في ولده شيء؛ لأنه وطئ، وبعض الأمة ملك له وبعضها قد وجب عتقه على شريكه، وهذا على مذهب ابن القاسم الذي يرى أنه يعجل عليه عتق نصيبه.
وأما على قول غيره الذي يرى أنه لا يعجل عليه عتق نصيبه حتى يعتق نصيب شريكه، فيكون عليه قيمة نصف ولده على أنه ولد أم ولد.

مسألة: الأمة تشترى وهي ممن تحيض في كل أربعة أشهر حيضة بكم تستبرأ

مسألة وعن الأمة تشترى وهي ممن تحيض في كل أربعة أشهر حيضة بكم تستبرأ؟ قال: أما التي قد عرفت حيضتها فإن كانت إنما تحيض من أربعة أشهر إلى أربعة أشهر ومن خمسة إلى خمسة أو إلى ستة ونحو ذلك، فإنه لا يبريها إلا الحيضة، فإن استبرأت من حيضتها فأقصى ما تستبرأ به تسعة أشهر، قال: وأما التي يتأخر حيضها فوق التسعة الأشهر أو السنة أو ما قاربها فإن ثلاثة أشهر تجزيها في الاستبراء إلا أن ترتاب فتقيم تسعة أشهر.
[قال:] وأما التي تحيض في أقل من ثلاثة أشهر فإن رفعتها حيضتها كان استبراؤها ثلاثة أشهر إلا أن تستريب فتنتظر استكمال التسعة الأشهر أجل الحمل.
قلت: فإن كانت ترضع فخيف عليها أن تستأخر حيضتها للرضاع، قال: استبراؤها ثلاثة أشهر، فإن ارتابت فتسعة أشهر.
قلت: وفي جميع ما تبلغ فيه التسعة الأشهر عند الريبة ضمانها من البائع؟ قال: نعم، ولا يحل وطؤها دون ذلك.
قال محمد بن رشد: لا فرق في القياس بين التي تحيض من ستة أشهر إلى ستة أشهر أو من أربعة أشهر إلى أربعة أشهر، أو مما فوق ذلك، التسعة إلى السنة إلى مثلها أو التي تتأخر حيضتها للرضاع، فإنها تبرأ بثلاثة أشهر إذا لم يمر بها فيها وقت حيضتها، فارتفعت عنها لغير سبب،

فيكون ذلك ريبة يلزم من أجلها أن تزيد على الثلاثة الأشهر حتى تبلغ إلى التسعة الأشهر أو تحيض دون ذلك، وإذا كانت التي تحيض في أقل من ثلاثة أشهر فارتفعت حيضتها تبرأ بثلاثة أشهر فأحرى أن تبرأ بثلاثة أشهر التي لم يمر بها فيها وقت حيضتها أو التي يعلم أنها لم تحض فيها من أجل أنها ترضع، فرواية عيسى عن ابن القاسم التي تقدمت في أن التي تحيض في ستة أشهر تبرأ بثلاثة أشهر أصح في القياس والنظر من هذه الرواية، وقد مضى القول على ذلك هناك.
وقوله في التي تتأخر حيضتها فوق التسعة الأشهر أو السنة، فإن ثلاثة أشهر تجزيها في الاستبراء إلا أن ترتاب فتقيم التسعة الأشهر، الريبة هاهنا إنما هي بحس تجده في بطنها، وإنما تبرأ بتسعة أشهر كما قال إذا كانت تلك الريبة التي وجدت من الحس بقيت على حالها ولم ترد إلى التسعة الأشهر، فأما إن زادت فلا بد من استبرائها إلى أقصى أمد الحمل، وكذلك القول في قوله: إن التي تستأخر حيضتها للرضاع إن ارتابت تستبرئ بتسعة أشهر، وبالله التوفيق.

النصراني يبيع أم ولده النصرانية أيجوز للمسلم اشتراؤها

ومن كتاب المكاتب قال: وسألته: عن النصراني يبيع أم ولده النصرانية، أيجوز للمسلم اشتراؤها؟ فقال: لا بأس بذلك إذا كان من دينهم استجازة بيع أمهات الأولاد، قيل له: أرأيت إن باعها من نصراني، فأسلمت؟ قال: إذا لم يكن إسلامها إلا بعد بيعه إياها فهي أمة؛ لأنها قد رقت لمشتريها حين كان بيعها جائزا له في دينه يوم باعها.
قال محمد بن رشد: إنما شرط في إجازته للمسلم شراء أم ولد النصرانية من النصراني، وفي أنها تباع على النصراني الذي اشتراها منه إذا أسلمت كما تباع عليه أمته إذا أسلمت، ولا يكون حكمها حكم أم ولد

النصراني تسلم أن يكون من دينهم استجازة بيع أمهات الأولاد؛ لأن ذلك إذا لم يكن من دينهم فهو متعد عليها في بيعها وظالم لها في ذلك، وواجب على الإمام أن يمنعهم من التظالم فيما بينهم، فإذا أقر على نفسه ببيعها، وذلك غير جائز له في دينه، وقال ذلك أساقفتهم - وجب على الإمام أن يحول بينه وبين ذلك، ولم يجز لأحد من المسلمين أن يشتريها منه، فينبغي أن يحمل هذا على التفسير لما في كتاب الجنايات من المدونة من أن الذمي لو باع أم ولده لم يمنع من ذلك.
وإجازته للمسلم شراءها منه إذا كان من دينهم استجازة ذلك إنما يأتي على القول بأنهم غير مخاطبين بشرائع الإسلام، وقد اختلف في ذلك، وبالله التوفيق.

زعم أنه وطئ جاريته وأنه يعزلها فجاءت بولد

ومن سماع موسى بن معونة من ابن القاسم قال موسى بن معونة: قال ابن القاسم: من زعم أنه وطئ جاريته وأنه يعزلها، فجاءت بولد، فإنها أم ولده إلا أن يدعي استبراء، قال ابن القاسم: ومن ادعى أنه كان يطأ جاريته ولا ينزل، فجاءت بولد فإنه لا يلحقه ولا تكون أم ولد؛ لأنه إنما زعم أنه كان يفضي ويعزل، فالعزل قد يخطئ ويصيب، ولذلك لزمه الولد، وإذا قال كنت أطأ ولا أنزل فإنه ليس هاهنا موضع خوف في أن يكون قد أفضى فيها، فلذلك لم يلزمه الولد.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن الولد إنما يكون من الماء الدافق، قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: 5] ... الآية، وقال:

﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: 7] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: 8] ، فإذا لم ينزل أصلا علم أنه لم يكن منه ما يكون عنه الولد، فوجب أن لا يلزمه، وإذا وطئ فأنزل فعزل الماء عن الموطوءة وأنزله خارجا منها احتمل أن يكون لم يعزله بجملته وسبقه شيء منه كان عنه الولد، فوجب أن يلزمه؛ لأن الأمة قد صارت فراشا له بوطئه إياها فوجب أن يلحق به الولد حتى يوقن أنه ليس منه، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الولد للفراش، والحجر للعاهر» ، ولا يقين في أن الولد ليس منه للاحتمال الذي ذكرناه، وقد دل على ذلك قول النبي لأصحابه حين سألوه عن العزل: «ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة» ، فأخبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن الولد قد يكون مع العزل إذا شاء الله بأن يكون معه بأن ينقلب الوكاء، كما قال عمرو بن العاص صاحب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فسبقه من الماء شيء يكون منه الولد لا يظن به، وقد قال في آخر كتاب الاستبراء من المدونة: من قال كنت أطأ أمتي ولا أنزل فيها فإن الولد يلحقه ولا ينفعه أن يقول كنت أعزل عنها.
فذهب بعض الناس إلى أن ذلك خلاف لرواية موسى هذه في قوله فيها إنه من قال كنت أطأ ولا أنزل - أن الولد لا يلحقه.
ومنهم من قال: سأله عمن قال لا أنزل، فأجاب عمن قال كنت أعزل، وليس شيء من ذلك كله بصحيح؛ لأن قوله ولا أنزل فيها دليل على أنه كان ينزل خارجا عنها،

وهذا هو العزل بعينه، فعنه سأله، وعليه أجابه، فلا خلاف في رواية موسى لما في المدونة، بل هي مفسرة لها، وبالله التوفيق.

يشتري الجارية فتوضع للاستبراء فيعتقها المبتاع من قبل أن تستبرأ

من سماع محمد بن خالد من ابن القاسم قال محمد: سألت ابن القاسم عن الرجل يشتري الجارية، فتوضع للاستبراء، فيعتقها المبتاع وهي في المواضعة من قبل أن تستبرأ.
قال ابن القاسم: إذا كان الذي باعها لا يدعي حملها، إن جاء حمل مضى عتقه عليه فيها، ولم يكن له فيها رد ولو جاء حمل؛ لأنه قد قطع ذلك من نفسه بعتقه إياها، ورضي بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح من قول ابن القاسم على أصله في أن للمشتري أن يسقط المواضعة عن البائع ويقبلها بعيب الحمل إن ظهر بها إذا لم يقع البيع على ذلك، ويأتي على قول سحنون أنه لا يجوز أن يقبلها قبل ظهور الحمل بها ويسقط المواضعة فيها عن البائع؛ لأنه يتهم في إسقاط الضمان عن البائع وتعجيل النقد له، على أن يتعجل الانتفاع بالجارية فيدخله ابتياع الضمان وسلف جر منفعة - أن عتقه فيها لا يلزمه وأن له أن يردها إن ظهر بها حمل، ويبطل العتق.
وقد وقع في سماع أبي زيد من كتاب العتق في رجل اشترى أمة فوضعها للاستبراء فحلف بعتقها لرجل ليقضينه حقه فحنث، ثم ظهر بها حمل ليس هو من البائع، قال: يردها بالحمل ويأخذ الثمن ولا عتق له، وقاله ابن المواز أيضا في كتاب العيوب من ديوانه، فقال بعض الناس فيها: إنها مسألة حائلة لابن القاسم ليست على أصله، ورواية محمد بن خالد هذه عنه تردها، وليس ذلك بصحيح عندي؛ لأنه إذا بتل عتقها فقد رضي بعيب الحمل إن ظهر، وأسقط التبعة فيه عن البائع بقصده إلى تفويتها

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
ابتاع أمة ولم يذكر هو ولا البائع استبراءمسألة: الرجل يشتري الجارية فيواضعه للاستبراءوصي رجل باع رقيقا له في ميراث باعه ونادى فيه إنه بيع ميراث فلانالأمة يبتاعها الرجل فتبيت عنده ثم يدعي أنها حاملابتاع أمة وهي في عدتها من وفاة أو طلاقالرجل يشتري الجارية فيدفعها البائع إلى المشتري فينقلب بهايبيع جارية له بالبراءة بيع السلطان فوجد بها حملامسألة: أوصى عند موته لأم ولده بحليها وكسوتها إن قامت على ولدهاأم الولد إذا هلك عنها سيدها ولها حلي ومتاعأم الولد إن لم يكن لها شهود على عطية سيدها إياهاالرجل يهلك ويترك أم ولد لها ثياب وحليرجل توفي وترك جارية حاملا منه أتتم حرمتهاله أم ولد فيزوجها غلاما له فتلد منه أولادا فيهب جارية منهن لابنهالرجل يزوج أم ولد رجلا فتلد له أولادا ثم يريد أن يهب بعض بناتها لولدهرجل توفي وترك أم ولد له فادعت متاع البيتالصبية الصغيرة تشترى أعلى من ابتاعها استبراؤهاامرأة توفيت وتركت خادما وتركت من الورثة زوجها وولدهاالأمة يموت عنها زوجها وهي من اللائي قد يئسن من المحيض كم عدتهامسألة: الأمة المستحاضة والتي ترتفع عنها حيضتها يبيعها سيدهامسألة: اشترى عبدا وجارية في صفقة واحدة والجارية مما مثلها توضع للاستبراءإذا باع الرجل الجارية بالجاريتين فإنهن يوضعن للاستبراءمسألة: ابتاع رجل وليدة كان لها زوج وهي في عدة ولم يبين ذلك لمشتريهااشترى جارية وقبضها من غير مواضعة ودفع الثمن ثم استبريت الجاريةمسألة: الاستبراء في كل ما يوطأ من الجواري رفيعة كانت أو وضيعةالرجل يبيع الجارية وهي حامل ثم يقر أن الحمل منهالشريكين في الأمة يطؤها أحدهما فتحمل وتلدمسألة: الأمة تشترى وهي ممن تحيض في كل أربعة أشهر حيضة بكم تستبرأالنصراني يبيع أم ولده النصرانية أيجوز للمسلم اشتراؤهازعم أنه وطئ جاريته وأنه يعزلها فجاءت بولديشتري الجارية فتوضع للاستبراء فيعتقها المبتاع من قبل أن تستبرأ
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل