البيان والتحصيلصفحات 180-219
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب كراء الدور والأرضين

صفحات 180-219
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن من حق المرأة أن تدخل على نفسها رجالا تشهدهم على نفسها بغير إذن زوجها، بما تريد أن تشهد به مما يجب عليها، أو يستحب لها؛ لأنها والرجل في ذلك سواء، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135]، وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282]، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما حق امرئ مسلم يكون له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة» وليس للزوج أن يمنع زوجته من شيء من ذلك، فإذا كان من حقها ذلك كان لها أن تفعله في مغيبه، والاختيار كما قال: أن لا تدخل الشهود على نفسها بغير محضر زوجها، إلا مع ذي محرم منها؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة، إلا مع ذي محرم منها» فإن لم يكن لها ذو محرم منها، قام أهل الصلاح والفضل في ذلك مقامهم، وبالله التوفيق.

مسألة: شهادة الصبيان فيما بينهم

مسألة وسئل سحنون ما الذي يؤخذ به في شهادة الصبيان فيما بينهم، أتراها جائزة في الجراح والقتل، أم لا تجوز إلا في الجراحات وحدها؟ فقال: قد اختلف أصحابنا فيها بالروايات عن مالك، واختلف فيها آراؤهم، فمنهم من يقول: شهادتهم في الجراح

جائزة، ولا تجوز في القتل، ومنهم من يقول: شهادتهم جائزة في القتل والجراح، وكل رواية عن مالك، والذي آخذ به من ذلك، وأراه حسنا، وهو أعدل عندي، ولا توفيق إلا بالله، أن تجوز شهادتهم صغارا حيث تجوز كبارا، قيل له: فلم لا تجوز شهادة الواحد منهم، ويحلف مع شهادته كما تجوز شهادة الكبير، ويحلف معه صاحب الحق ويستحق حقه؟ فقال: إن شهادة الصبيان لا تجوز على العدالة، وإنما تجوز على الاضطرار إذا لم يكن معهم كبير، ألا ترى أنهم إذا خالطوا الناس، وخيف عليهم أن يخببوا، فلا تجوز شهادتهم؛ لأنها لم تكن على أصل عدالة، ولو كانت على أصل عدالة لم يضرهم مخالطة الناس؛ لأن مخالطة الناس لا تزيل العدالة حيث كانت بعد ثبتها، ولا يزيلها بعد أن تثبت إلا حدث ينقضها، قيل له: فالصبايا هل ترى أن تجوز شهادتهن في الجراحات صغارا كما تجوز كبارا؟ قال: نعم؛ إذا كان معهن ذكر جازت شهادتهن، فإنما يعتبر ذلك فيهن صغارا بشهادتهن كبارا، فشهادتهن في الجراحات والقتل جائزة إذا كان ذلك خطأ؛ لأنه يصير مالا، فشهادتهن في الأموال جائزة، فحيث تجوز شهادتهن كبارا جازت شهادتهن فيه صغارا، وهذا في الجراحات خطأ والقتل خطأ، ولا تجوز في غير هذا، قيل له: لم لمْ تقبل شهادة الصغار من الذكور والإناث في الحقوق كما قبلتها في الجراحات، وأنت تقول: شهادتهن صغارا جائزة، حيث تجوز

شهادتهن كبارا؟ فقال: قد أخبرتك أن شهادتهن لم تجز إلا على الاضطرار، فإذا زال الاضطرار لم تجز شهادتهن، والحقوق غير الجراحات؛ لأن الحقوق قد يحضرها الرجال والنساء ويشهدون عليها، والجراحات والقتل بين الصبيان لا يحضرها غيرهم؛ لأن الكبار لا يكون معهم الصبيان حيث كانوا، ألا ترى أن الصغار إذا شهدوا على الكبار أن شهادتهم غير جائزة؛ لأنها مواضع يحضرها الكبار، فلا تجوز شهادة الصبيان فيها، وإنما تجوز شهادة الصبيان حيث لا يحضرهم غيرهم، أولا ترى لو أن رجلا صغيرا وكبيرا شهدا على جرح خطأ أو قتل خطأ لم تجز شهادة الصغير؛ لأن الكبير قد حضره، فليس مع الكبير شهادة للصغير، ويقال لصاحب الحق: احلف مع شاهدك الكبير، واستحق حقك، وإلا بطل ما ادعيت.
قال أصبغ: لا تجوز شهادة الإناث من الصبيان في الجراح فيما بينهم، وهو قول ابن القاسم أيضا، قيل: فالعبيد الصغار، لمَ لم تجز شهادتهم في الجراحات والقتل إذا لم يكن معهم غيرهم على الاضطرار، كما جوزت شهادة الأحرار الصغار؟ فقال: لأن شهادتهم كبارا غير جائزة، وإذا كانوا صغارا كانت أحرى ألا تجوز.
قلت: أرأيت الصبيتين إذا شهدتا على الجراح الخطأ، هل يحلف مع شهادتهما كما يحلف مع الكبار في الحقوق؟ فقال: لا يحلف مع شهادتهما؛ لأن شهادتهما ليست على أصل العدالة، ألا ترى أن الغلام الصغير إذا شهد وليس معه غيره أنه لا يحلف مع شهادته؛ لأنه ليس بعدل، فموقف الصبيتين والثلاث والأربع، وأكثر من ذلك بموقف الصبي، ولا يكن أمثل منه حالا، ولا تجوز شهادته، وكما لا تجوز شهادته وحده، ولا يحلف

الرجل معه، فكذلك لا تجوز شهادة الصبيات، ولا يحلف معهن، وإنما جاءت الآثار عن علي بن أبي طالب أنه كان يحكم بشهادة الصبيان فيما بينهم، والصبيان لا يكونون إلا اثنين فصاعدا، واسم الصبيان بجمع الذكور والإناث، والإناث وإن كثرن مقامهن مقام صبي واحد، والصبي لا يحلف مع شهادته، فكذلك ما سألت عنه، ولا تجوز شهادة الصبيان إذا حضر معهم رجل كبير واحد، فإذا شهد الصبيان في الجراح، وشهد معهم رجل لم تجز شهادة الصبيان؛ لأنه إنما تجوز شهادة الصبيان في الضرورة، فإذا كان رجل فقد ذهبت الضرورة، ولا تجوز شهادة الصبي؛ لأن الحديث إنما جاء بجواز شهادة الصبيان، والصبي لا يقال له صبيان، وسئل عن شهادة الصبيان إذا قيدت قبل أن يفترقوا ويخببوا، فأشهد عليه العدول، ثم بلغ منهم من هو عدل رضا قبل أن يحكم بها، فرجع عما كان شهد به؛ إذ قد كان صبيا، أتكون شهادته باطلا؟ فقال: هي شهادة لم يحكم بها، فإذا رجع عنها بعد بلوغه سقطت، وكان في رجعته عنها كشهود عدول شهدوا أن الذي شهد به الصبيان لم يكن، وشهادة الصبيان إنما الجرحة فيها أن يشهد العدول أنها لم تكن؛ لأن جرحتهم، لم تكن بالأحداث ولا خلاف العدول في حالهم؛ لأنهم لم يؤخذوا على العدل والرضا، ولم تجز شهادتهم بالعدالة، فجرحتهم إنما هي أن يشهد العدول أن الذي شهدوا به لم يكن، ولو كانت شهادتهم بالعدل ثبتت ومضت، وعلى ذلك... ما سقطت إلا بالجرحة أنهم غير عدول؛ لأن

الشاهد العدل الكبير لا يجرح بأن الذي شهد به لم يكن، ولا يجرح إلا بما يكون به غير عدل فيما شهد به من الظنون والأسفاه، قيل له: فإن سئل الذي شهد، وهو صبي عن شهادته بعد بلوغه وعدله، وقبل الحكم بها، فشك فيها هل يضرها ذلك؟ فقال: لا يسأل عنها، ولو شك ما ضرها ذلك؛ لأنه لا يحتاج منه فيها يوم يشك إلى شيء، ولأن الشك منه ليس بشهادة منه على نفسه بأنه شهد بباطل، وإنما جعلت رجعته عنها كمثل شهادة الكبير بأن الذي شهد به الصبي لم يكن، فهو حين شك لم يشهد بباطل ما كان قيد من شهادته وهو صغير، قال: ولو كان قيدت شهادتهم على أمر، ثم شهد قبل الحكم، وبعد البلوغ والعدل منهم اثنان، أن الذي شهدنا نحن وهم به من ذلك الأمر باطل أسقطت شهادتهما، الشهادات كلها منها ومن غيرها؛ لأن شهادة الصبيان إذا شهد كبير أو عدلان أنها لم تكن تسقط.
قيل له: فإن كان صبيان جميعا اختلفوا، فشهد اثنان بأن صبيا قتل صبيا، وشهد آخران ليس منهما القاتل أن دابة أصابته جبارا؟ فقال: تمضي شهادة الصبيين اللذين شهدا على الصبي بالقتل؛ لأنهم إذا كانوا صبيانا جميعا في حال شهادتهم كانوا كالكبار، لا يبطل ما شهد به الكبير بأن يشهد كبير مثله أن الذي شهد به لم يكن قبل، فشهادة الصبيين اللذين شهدا في صغرهما أنه أصابته دابة جبارا لو شهدا أيضا بعدما بلغا أن الذي شهد به الصبيان اللذان شهدا أن صبيا قتله باطل أن دابة أصابته فقتلته، كما كانا شهدا، وهما صبيان، فلم يؤخذ بقولهما، وأخذ بقول غيرهما، قال: لا تكون شهادتهما اليوم جائزة؛ لأنه من شهد فلم تؤخذ شهادته في حال، ثم حدث له حال غيرها، فشهد بما لم يكن أخذ من شهادته مثل عبد شهد، فلم يقبل فيعتق فجاء بها لا تؤخذ منه، ومثل من شهد وهو غير عدل، فلم يقبل فحسنت حاله

فشهد بذلك فلا يقبل، ولا من كل من شهد لما يحسن من حال نفسه يوم يشهد بالشهادة الآخرة، قال: ولا شهادة للصبيان في موضع يحضره الكبار؛ لأنهم إنما جازت شهادتهم بحال الضرورة إليها.
قال محمد بن رشد: قد مضى تحصيل القول في هذه المسألة، في آخر سماع أشهب مستوفى، فليس لإعادته معنى، وهو قول سحنون في صدر هذه المسألة، في شهادة الصبايا أن ذلك يعتبر فيهن صغارا بشهادتهن كبارا، فشهادتهن في الجراح والقتل جائزة، إذا كان ذلك خطأ؛ لأنه يصير مالا، فشهادتهن في الأموال جائزة، فحيث تجوز شهادتهن كبارا، جازت شهادتهن فيه صغارا خلاف ما تقدم له في أول سماعه، من أن شهادة النساء في جراح العمد جائزة، وحيث يكون اليمين مع الشاهد، وقد مضى هنالك من تحصيل مذهبه في ذلك، ومذهب ابن القاسم، ما لا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
وقوله بعد ذلك: ولا تجوز شهادة الصبيان إذا حضر معهم رجل كبير واحد معناه إذا كان عدلا، وكذا في الواضحة لابن الماجشون، وهو مذهب سحنون؛ لأنه متبع له فيه في جميع وجوهه، من ذلك قوله: إن شهادة الصبيان بجرح بأن يشهد العدول، بأنها لم تكن خلاف قول أصبغ في نوازله بعد هذا، وبالله التوفيق.

مسألة: شهد أخوها وزوجها معه أنها كانت حلفت في شيء بعتق لتفعلنه

مسألة وسئل المغيرة عن المرأة تتوفى، وليس لها وارث إلا بنات، فشهد أخوها وزوجها معه أنها كانت حلفت في شيء بعتق لتفعلنه، وأنها لم تفعله حتى ماتت، أتجوز شهادة أخيها، وزوجها معه أو ترد لجره الولاء إلى نفسه بشهادته؟ قال: لا تجوز شهادته، قلت: فهل يعتق عليهما حصتهما في الرقيق؟ فقال: نعم، يعتق عليهما، قيل: فهل يقوم عليهما ما بقي؟ قال: لا، وكان مالك لا يرى أن يعتق عليهما.

قال محمد بن رشد: قول المغيرة هذا مثل قول عبد العزيز بن أبي سلمة، في آخر أول رسم من سماع ابن القاسم، خلاف مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك فيه، وفي المدونة وغيرها، وقد مضى في السماع المذكور تحصيل القول في هذه المسألة، وتوجيه الاختلاف فيها، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: شهادة الغني إذا مطل

مسألة وسئل سحنون عن قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مطل الغني ظلم» أترى أن تجوز شهادة الغني إذا مطل، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن مطله ظلم؟ " فقال: لا أرى أن تجوز شهادته إذا مطل؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى مطل الغني ظلما، فمن كان ظالما، فلا ينبغي أن تجوز شهادته.
قال الإمام القاضي: هذا بين على ما قاله من أن المعروف بالمطل من غير ضرورة، لا ينبغي أن تجاز شهادته؛ لأن مطل الرجل بحقه إذاية له في ماله، ولا يحل إذاية الرجل المسلم في ماله، كما لا يحل إذايته في دمه، ولا في عرضه، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في خطبته بعرفة: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]، وبالله التوفيق.

مسألة: عبد وحر شهدا على رجل بقتل فقتل ولم يعلم السلطان ثم تبين له بعد ذلك

مسألة وقال في عبد وحر شهدا على رجل بقتل فقتل، ولم يعلم السلطان ثم تبين له بعد ذلك، فقال: الذي قام بالدم فعليه الدية.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الذي قام بالدم فعليه الدية معناه عندي، إن كان علم أنه عبد، ولم يعلم الشاهد الحر، ولو علم الشاهد الحر أيضا؛ لوجب أن تكون الدية عليهما، وإن لم يعلم القائم بالدم، وعلم الشاهد الحر كانت الدية عليه، وإن لم يعلم واحد منهما كانت الدية على عاقلة الحاكم؛ لأن ذلك من خطئه، هذا الذي يأتي في هذه المسألة على ما لمالك في كتاب الرجم من المدونة في الإمام، يقيم الحد على المرجوم، ثم يعلم أن أحد الشهود كان عبدا، والذي يوجبه النظر أن تكون الدية إذا لم يعلم واحد منهم على جميعهم: القائم بالدم، والشاهد الحر، والإمام لأنهم متشاركون في قتله خطأ؛ لأن شهادته لم ترد أولا فيستوجب الرد اليوم، ولكنها كانت جائزة.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما يأتي في سماع أبي زيد من أن الحق يرد ولا يقطع، ووجه قول سحنون أن شهادة العبد لما لم ترد أولا، لم يتهمه في إعادتها، وقول ابن القاسم في سماع أبي زيد أظهر؛ لأن الحكم بشهادة العبد حكم مردود، فإن أعاد العبد شهادته بعد عتقه اتهم في أن يريد إجازة شهادته التي قد وجب ردها، ونقض الحكم الذي وقع بها، وبالله التوفيق.

مسألة: الحدود تدرأ بالشبهات

مسألة وعن أربعة شهدوا على رجل أنه زنى، وهو صحيح العقل، وشهد رجلان من غير الأربعة أنه زنى في ذلك اليوم الذي شهد فيه الشهود في ذلك الموضع، أنه قد كان ذاهب العقل، ليس معه عقله؟ قال سحنون: إن كانوا قاموا به إلى الحاكم وهو صحيح

العقل، فالشهادة ماضية عليه بالحد، إذا صححوا الشهادة بما يثبت به الحد، وقول الشاهدين ليس ذلك بالذي يزيل ما ثبت من الحدود، وإن كان الرفع إلى الحاكم والرجل مجنون ذاهب العقل، فقد قال بعض أصحابنا: إنه يصرف عنه الحد؛ لأن الحد لله، وليس ذلك كحقوق الناس إذا رفع وبه الجنون.
قال محمد بن رشد: تفرقته بين أن يقام إلى الحاكم وهو صحيح، أو مجنون استحسان على غير قياس ولا أصل، والذي يأتي على الأصول أن يصرف عنه الحد، قاموا به إلى الحاكم، وهو صحيح أو مجنون؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وأي شبهة أقوى من أن يشهد له شاهدان عدلان أنه كان في وقت زناه مجنونا ذاهب العقل، وأما الحقوق، فالقياس فيها أن شهادة الصحة أعمل؛ لأنها أثبتت الحكم، وعلمت ما جهلته البينة الأخرى على ما في سماع أبي زيد في القوم، يشهدون أن المرأة أوصت في مرضها بكذا وكذا، وهي صحيحة العقل، ويقول آخرون: إنها كانت موسوسة، وما لأصبغ في سماعه من كتاب العتق، وقد قيل: إنه ينظر إلى أعدل البينتين، فإن استوتا في العدالة بطلت الوصية؛ لأن تكافؤهما يوجب سقوطهما جميعا، وإذا سقطتا حصل الشك في صحة عقله في حين إشهاده، وعلى هذا يأتي قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، من كتاب الوصايا، وفي سماع أصبغ من كتاب العتق في الذي يقول: إن مت من مرضي فغلامي فلان حر، وإن صححت منه فغلامي فلان حر لآخر، فشهد شاهدان له أنه صح من مرضه، وشهد آخران أنه لم يصح منه، معناه وتكافئوا في العدالة، أنه يعتق من كل واحد منهما نصفه؛ لأنه رأى الشك في صحته من مرضه حاصلا بتكافؤ البينتين، فأعتق من كل واحد منهما نصفه؛ إذ لا يدري من هو الذي وجب له العتق منهما، ويتخرج في المسألة قول ثالث: إن شهادة المرض أعمل؛ لأنهم قالوا: رأينا منه اختلاطا في ذمته حين أشهدنا.
وقال الآخر: لم نر منه اختلاطا؛ فوجب أن تكون شهادة من أوجب الاختلاط أولى من شهادة من نفاه، وبالله التوفيق.

مسألة: شهادة الذي يطأ الجارية يشتريها قبل أن يستبرئها

مسألة وسئل سحنون عن الرجل يشتري الجارية فيطؤها قبل أن يستبرئها، أترى تقبل شهادته؟ فقال: لا، قال: وأرى أن يؤدب مع طرح الشهادة أدبا موجعا إذا كان عالما بمكروه ذلك، قيل له: فإن كانت صبية لم تبلغ المحيض فوطئها قبل أن يستبرئها؟ فقال: إذا كان مثلها يوطأ، فلم يستبرئها، فسبيلها سبيل التي قد حاضت من طرح الشهادة والعقوبة.
قال محمد بن رشد: أما سقوط شهادة الذي يطأ الجارية يشتريها قبل أن يستبرئها، وهي ممن يحمل مثلها، ووجوب الأدب عليه إذا كان ممن لا يجهل فبين؛ لأن ذلك أمر متفق على تحريمه بوجهين؛ أحدهما: نص النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من المنع من ذلك بقوله: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض»؛ والثاني: القياس على ما أوجبه الله تعالى على الحرة من عدة الطلاق والوفاة بقوله: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] فنهى عن العقد لما كان سببا إلى الوطء، فكيف بالوطء؛ لأن المعنى في ذلك في الحرة والأمة سواء، وهو ما يخشى من اختلاط الأنساب، وأما الصبية التي لم تبلغ المحيض ومثلها يوطأ، فإن كان الحمل مأمونا عليها، فلا تسقط شهادة من وطئها قبل أن يستبرئها؛ إذ قد قيل: إنه لا استبراء فيها، روى ذلك علي بن زياد، عن مالك، قال: وهو الأمر عندنا، وهو أحسن ما سمعت، ومعنى ما ذهب إليه سحنون أن التي لم تبلغ المحيض إذا كان مثلها يوطأ، فلا يؤمن أن يكون ذلك الوقت حد بلوغها، ومحيضها، فتحمل قبل أن تحيض، والله أعلم.

مسألة: كتاب قاض إلى قاض في الزنا

مسألة قال سحنون: لا يثبت كتاب قاض إلى قاض في الزنا إلا بأربعة شهداء على أنه كتابه، كما أنه لا تقبل شهادة على الزنا إلا بأربعة، فكذلك لا يثبت فيه كتاب قاض إلا بأربعة، قلت له: من يقول هذا؟ قال: أنا أقوله من قبل أنه لا يجوز للقاضي المكتوب إليه أن ينفذ كتاب القاضي الكاتب إليه إلا بشهادة من يجوز على أصل الحق، ولا بينة عنده بأقل من ذلك.
قال محمد بن رشد: قول سحنون هذا يأتي على رواية مطرف عن مالك في أن الشهادة على الشهادة في الزنا لا تجوز فيها إلا أربعة على كل واحد من الأربعة، اجتمعوا على الشهادة على جميعهم، أو افترقوا مثل أن يشهد ثلاثة على الرؤية، ويغيب واحد، فلا تثبت شهادته إلا بأربعة، وابن القاسم يقول: يجوز أن يشهد على شهادته اثنان، وهو مذهب ابن الماجشون، فيأتي على قولهما أنه يجوز أن يشهد على كتاب القاضي في الزنا شاهدان، وهو الذي يوجبه القياس والنظر؛ لأن الشهادة قد تمت على الزنا بأربعة شهداء، فلا يحتاج إلى إثبات قول القاضي بكتابه ينبغي أن يثبت في الزنا بما يثبت في غير الزنا؛ إذ لا فرق ببن الموضعين فيما يلزم الشاهد في تحمل نقله؛ لأنه قول في الوجهين، وبالله التوفيق.

مسألة: الفقيه يخرج إلى الصيد منتزها هل يجرح مثل هذا شهادته

مسألة قال سحنون: وسألته عن الرجل الفقيه الفاضل الصالح يخرج إلى الصيد منتزها، هل يجرح مثل هذا شهادته؟ فقال: لا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ذلك ليس بحرام، إنما هو مكروه، فتركه أحسن، ومن أهل العلم من أجازه ولم ير فيه كراهة، وبالله التوفيق.

مسألة: يتداعيان في الشيء لا يعرفانه فقالا جميعا قد رضينا بشهادة فلان

مسألة قال في رجلين يتداعيان في الشيء لا يعرفانه، فقالا جميعا: قد رضينا بشهادة فلان، قال سحنون: يلزمهما ما شهد به فلان عليهما.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم الشجرة، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.

مسألة: شهادة من ثبت عليه حد من الحدود

مسألة وسئل سحنون عن المحدودين في القذف أو الزنا هل تجوز شهادتهما في القذف والزنا؟ والمحدود في شرب الخمر والسرقة هل تجوز شهادته في شرب الخمر والسرقة إن تابوا؟ قال: لا تجوز شهادة من ثبت عليه حد من الحدود، كائن ما كان وأقيم عليه في مثله الحد، وهو يجري مجرى شهادة ولد الزنا أنه لا تجوز، وهو كان أبعد في الغيرة، وإنما ترد فيه بالتهمة أن يكون الناس له أسوة، وقاله أصبغ، قلت: فرجل جنى على رجل جناية فاقتص لتلك الجناية، هل تجوز شهادته في مثل الجرح الذي اقتص به منه؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: قول سحنون: إنه لا تجوز شهادة أحد فيما حد فيه من الحدود، وإن تاب هو أحد قولي مالك، روى عنه مطرف وابن الماجشون أنها لا تجوز، وروى عنه ابن نافع وابن عبد الحكم أنها جائزة، وهو قول ابن كنانة وظاهر ما في الديات من المدونة، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما، واختلف في ذلك أيضا قول أصبغ، فله في الواضحة مثل قول سحنون، ورواية مطرف، وابن الماجشون، وفي الثمانية مثل قول ابن كنانة، ورواية ابن نافع وابن عبد الحكم، وشهادة ولد الزنا في الزنا، وفي

نفي الرجل عن أبيه جارية على هذا الاختلاف، والمشهور من قول ابن القاسم أنها لا تجوز، فهو قوله في سماع أبي زيد من هذا الكتاب، وفي سماع عيسى، من كتاب الحدود، وظاهر ما في الديات من المدونة أنها جائزة، واختلف إذا شهد أربعة على الزنا أحدهم ولد زنا، فقيل: إنهم يحدون كما لو كان أحدهم عبدا، وهو قول أصبغ ومذهب ابن القاسم في المدونة؛ لأنه قال فيها إذا شهد على المرأة أربعة شهود بالزنا؛ أحدهم زوجها جلد الثلاثة، ولاعن الزوج، ولا فرق بين المسألتين، وقيل: إنهم لا يحدون بخلاف إذا كان أحدهم عبدا، وهو قول ابن أبي حازم في المبسوطة واستحسان ابن القاسم فيها، وأما إن لم يعثر على أنه زوجها، أو على أنه ولد زنا حتى أقيم الحد، فيدرأ الحد عن الثلاثة، ويحد ولد الزنا والزوج إلا أن يلاعن، واختلف هل يرثها إن كانت رجمت؟ فقال ابن القاسم: إنه يرثها إلا أن يعلم أنه تعمد الزور، أو يقر بذلك على نفسه له قتلها.
قال غيره: لأن الله فرض له الميراث، فلا يمنع منه بظن، وقال أصبغ: لا يرثها؛ لأن عليه اللعان وهو يجرحه من أن يكون شاهدا، وأرى فيه تهمة العامد لقتل وارثه، والسنة ألا يرث عامد من دية من قتل شيئا، ولا من ماله، وهذا الاختلاف يدخل بالمعنى في إجازة شهادة الأب على ابنه الموسر بقتل عمدا أو زنا، وهو محصن، وقد مضى القول على ذلك في أول سماع سحنون.
وأما قول سحنون في أن شهادة الرجل لا تجوز في جرح اقتص منه في مثله، فهو شذوذ أغرق فيه في القياس، وبالله التوفيق.

مسألة: شهادة الصبيان في القتل

من سماع محمد بن خالد من ابن القاسم قال محمد بن خالد: سمعت ابن القاسم يقول: إن شهادة الصبيان تجوز في القتل كما تجوز في الجراحات.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في آخر سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وإنما تجوز شهادتهم في القتل إذا

شهد العدول على رؤية البدن مقتولا، روى ذلك ابن القاسم عن مالك، وقاله غير واحد من أصحابه، ولا يدخل في هذا عندي الاختلاف الذي ذكرناه في رسم أوصى، من سماع عيسى، في شهادة المرأتين في الاستهلال وقتل الخطأ لضعف شهادة الصبيان، وبالله التوفيق.

مسألة: شهدا لرجل بمائة دينارأحدهما أنها له من بيع باعه إياه والآخر من سلف

مسألة قال ابن القاسم في رجل توفي وترك ولدا صغيرا وورثة معه، فقام لولده الصغير شاهدان على غلام من غلمان أبيه، فقال أحدهما: إن أباه تصدق عليه به في حياته، وشهد آخر أنه نحله إياه في صحة منه، إن كان الغلام قد بلغ الحلم حلف مع شاهده على الصدقة ثم يستحقها، وإن كان صغيرا لم يبلغ، وخيف على الغلام بيع ووقف المال حتى يبلغ الحلم، فإن حلف استحق ثمنه، وإن نكل عن اليمين كان ميراثا، قال: فكلمت ابن القاسم في ذلك وقلت له: إنهما قد اجتمعا له، وإن كان قد اختلفا في بعض الشهادة على قطع الحق، فقال: لا أرى أن تثبت له الصدقة إلا بيمين، وقال: أرأيت لو أن شهيدين شهدا لرجل بمائة دينار، فشهد أحدهما أنها له من بيع باعه إياه، وشهد الآخر أنها له قبله من سلف أسلفها إياه؟ قال ابن الماجشون: الشهادة تامة، وذلك أنهما قد اجتمعا على إخراجها من يديه بغير شيء يجب على المدعي.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد تقدمت في سماع سحنون،

ووقعت أيضا في رسم الدور والمزارع من سماع يحيى دون جواب، ومضى القول عليها مستوفى في رسم العرية، من سماع عيسى، لما اقتضاه من القول فيها، فذلك يغني عن إعادته، وإنما يكون له على قول ابن الماجشون أخذ المائة دون يمين، إذا ادعى ما قاله أحدهما، وأما إن ادعى المائتين جميعا، فقد أكذبهما إذا قالا: إنها شهادة واحدة، وقد مضى القول على هذا مستوفى في نوازل سحنون، وبالله التوفيق.

مسألة: شهادة الغائب الواحد

مسألة قال محمد بن خالد: سمعت ابن القاسم يقول: شهادة الغائب الواحد مقبولة إذا كان عدلا.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة، في أول نوازل سحنون، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

###: شهد كل واحد منهما لصاحبه أن الميت أوصى له

نوازل سئل عنها أصبغ بن الفرج قال: سئل أصبغ عن رجلين شهدا على وصية، فشهد أحدهما: أن الميت أوصى لصاحبه بوصية مال بكذا وكذا، وشهد الموصى له أيضا أن الميت أوصى للشاهد بوصية مال أيضا، فشهد كل واحد منهما لصاحبه أن الميت أوصى له، قال: إن كانا شهدا على كتاب واحد، وفيه هذه الوصايا لهما جميعا، فشهادتهما باطلة؛ لأن كل واحد منهما شهد لنفسه ولغيره، والوصية لها بال؛ لأنهما يشهدان على جميع ما في الكتاب ويثبتان الوصية بشهادتهما، وفيها وصية لكل واحد منهما لها بال وقدر، فهما متهمان في شهادتهما، فشهادتهما ساقطة في جميع الوصية يسقط ما كان فيها من وصاياهما وغير وصاياهما، قال: وأما لو شهدا على غير

كتاب ولا وصية مكتوبة فيها هذه الوصايا، ولكن أتى هذا فشهد أن الميت أوصى لفلان بكذا وكذا، ثم قام المشهود له بالوصية، فشهد عند ذلك القاضي أن الميت أوصى لفلان الذي شهد له بالوصية بكذا وكذا، رأيت شهادتهما جائزة، شهادة كل واحد منهما لصاحبه لا تهمة على واحد منهما فيها؛ لأنهما لم يشهدا على كتاب تجتمع فيه الوصايا، فيتهمان بأن يثبتا وصاياهما ووصايا غيرهما، وإنما شهد كل واحد منهما منفردا بالشهادة لغيره ليس لنفسه فيها شيء، فأرى أن يحلف كل واحد منهما مع صاحبه الذي شهد له، ويستحق حقه ووصيته.
قال محمد بن رشد: أما إذا شهد كل واحد من الشاهدين لصاحبه أن الميت أوصى له بوصية لها قدر وبال، والوصية لهما بكتاب واحد، فما قاله من أن شهادتهما باطلة لا تجوز وتسقط لهما ولغيرهما هو المشهور في المذهب، وقد قيل: إن شهادتهما تجوز لغيرهما، وهو الذي يأتي على قياس قول أصبغ بعد هذا في هذه النوازل في العبدين، يشهدان بعد عتقهما أن الذي أعتقهما غصبهما من رجل مع مائة دينار إن شهادتهما تجوز في المائة، ولا تجوز في غصب رقابهما؛ لأنهما يتهمان أن يريدا إرقاق أنفسهما، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة، في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب.
وأما إذا شهد كل واحد منهما لصاحبه أن الميت أوصى له بكذا وكذا بغير كتاب، أو كانت وصية كل واحد منهما في كتاب على حدة، ففي ذلك ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن شهادة كل واحد منهما لصاحبه جائزة، يحلف معه، ويستحق وصيته، وإن كانت شهادة كل واحد منهما لصاحبه في مجلس واحد، وهو ظاهر قول أصبغ هذا، وظاهر قول سحنون في نوازله.
والثاني: أنها لا تجوز وإن كانت في مجالس شتى، وهو أحد قولي سحنون حكاه ابنه عنه.
والثالث: الفرق بين أن تكون شهادتهما في

مجلسين، أو في مجلس واحد، وهو قول مطرف وابن الماجشون، وقد مضى هذا في نوازل سحنون، وبالله التوفيق.

مسألة: هلك وترك ابنته وأخوين له فأسلم الأخوان ميراثهما لابنته

مسألة وسئل أصبغ عن رجل هلك وترك ابنته وأخوين له، فأسلم الأخوان ميراثهما لابنته، وخرجا عنه إليها في مرض أبيها، وقبل موته، وبعد أن حجب ماله عنه، وذلك أن الابنة طلبت ذلك إليهما وسألتهما أن يسلما إليها مالهما في ميراث أبيها ففعلا ذلك بها وأسلما ذلك إليها كل ما تصير إليهما من ميراث أخيهما، فلما مات الأب وجدت الابنة ذكر حق لأبيها على رجل بشهادة الأخوين اللذين أسلما الميراث إليها.
هل تجوز شهادتهما لها، وقد كان هذا الذكر الحق مما خرجا منه إليها مع ما بقي من ميراثه؟ قال: نعم، شهادتهما جائزة لا تهمة عليهما فيها؛ لأنهما لا يجران إلى أنفسهما بذلك شيئا؛ لأنهما قد خرجا من جميع ذلك، وذلك قبل أن يصير إليهما بالملك التام؛ لأنه إنما كان محجوبا عن ماله لهما إن مات ليس أنهما أولى بماله منه، ولو كان المال وجب لهما وجوب ملك كما يملك الرجل ماله، ثم وهباه لرجل لم يكن لهما فيه شهادة.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة قد مضى معناها في رسم العتق، من سماع عيسى، والكلام عليها مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: شهد لامرأة بشهادة وأثبتها القاضي ولم يحكم بها حتى تزوج الشاهد تلك المرأة

مسألة وسألته عن رجل شهد لامرأة بشهادة، وأثبتها القاضي، ولم يحكم بها حتى تزوج الشاهد تلك المرأة، أترى أن يحكم القاضي بها؟ قال أصبغ: نعم، وليس هذا مثل الذي يوصي لرجل بوصية

وليس هو وارثه، ثم يكون وارثه بعد ذلك، فلا تجوز تلك الوصية... على هذا فرق بين ذلك أن الشاهد إنما كانت ترد شهادته بالظنة، والظنة هاهنا إنما حدثت بعد الشهادة، ألا ترى لو أن رجلا شهد على رجل بشهادة، ولم يقض بها حتى كانت بينه وبين المشهود عليه خصومة ودعوى لم يبطل ذلك شهادته، وجازت عليه إذا كان قد شهد بها قبل الخصومة والظنة والتهمة، وإن كانت لم تنفذ فهي الآن تنفذ، ولا ترد لما ذكرت إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: شهادة الشاهد تسقط بوجهين؛ أحدهما: التهمة في الشهادة بالعداوة وبالظنة؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، ولا جار إلى نفسه».
والثاني: الجرحة في الدين؛ لقول الله عز وجل: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]. فإذا شهد الرجل بشهادة وهو مجرح في دينه، أو متهم في شهادته؛ لم تجز شهادته، وأما إن شهد بشهادة وهو عدل غير متهم في ظاهر أمره، فقبلت شهادته، ثم حدث بعد قبولها، وقبل الحكم بها ما لو علم قبل قبولها لم يقبل، ففي ذلك تفصيل، أما التهمة بالعداوة تحدث، والظنة تقع، فلا يؤثر ذلك في إجازة الشهادة إلا أن يعلم لذلك سبب قبل أدائها مثل أن يشهد الرجل للمرأة، ثم يتزوجها، فيشهد عليه أنه كان يخطبها قبل أن يشهد لها وما أشبه ذلك، فإن شهادته تبطل بدليل قول ابن القاسم في سماع حسين بن عاصم في الرجل يشهد على الرجل أنه حلف بطلاق امرأته البتة إن تزوجها قبل أن يتزوجها، فأتى

المشهود عليه ببينة تشهد له أن الشاهد كان يخطب هذه المرأة قبل أن يتزوجها، هو أن شهادته تبطل، ولأصبغ في ثمانية أبي زيد أن الشاهد إذا خاصم المشهود عليه بعد الشهادة لم تبطل شهادته، إلا أن يقر أن الذي يطالبه به من ذلك كان قبل إيقاع الشهادة، وأما الجرحة بالأحداث يظهر منه مثل أن يقتل، أو يجرح، أو يزني، أو يسرق، أو يشرب خمرا، أو يقذف حرا، وما أشبه ذلك؛ ففيه اختلاف، قيل: إن ذلك كله يبطل الشهادة، وهو قول مطرف وأصبغ، وروايته عن ابن القاسم، وقيل: إنه ما كان من ذلك يستسر به كالزنا والسرقة والشرب وما أشبه ذلك؛ بطلت به الشهادة؛ إذ لا يؤمن أن يكون قديما قبلها، وما كان منه لا يستسر به، ويعلم أنه كان خلوا منه يوم شهد كالقتل والجراح والقذف وما أشبه ذلك، لم تبطل به الشهادة كما لا تبطل بالخصومة والتزويج، وهو قول ابن الماجشون، وظاهر قول أصبغ هذا أن مجرد الخصومة في القليل والكثير توجب العداوة بين المتخاصمين، وتسقط شهادة أحدهما على صاحبه، وهو ظاهر ما في أول سماع أشهب أيضا، وفي ذلك اختلاف قد مضى تحصيله هناك، وبالله التوفيق.

مسألة: شهد أن هذه الدار لأبيه مات وأوصى بها لفلان

مسألة وسئل عن رجل شهد أن هذه الدار لأبيه، مات وأوصى بها لفلان، والدار في يد رجل ينكر ذلك، أترى أن تجوز شهادته، والدار تخرج من الثلث؟ قال أصبغ: لا، أرى أن تجوز شهادته مخافة أن يطرأ على أبيه دين، فيرجع في الدار، فيكون قد انتفع بذلك، ولقد كان وقع في قلبي منها شيء ثم تبين لي بعد ذلك أنه لا تجوز شهادته في هذا.
قال الإمام القاضي: هذا بين على ما قاله؛ لأن الموصى له إنما يأخذ وصيته على ملك الميت الموصي إن قبلها، وإن لم يقبل كانت لجميع الورثة، فهو بشهادته جار إلى نفسه، وبالله التوفيق.

مسألة: يقول الرجل في تعديل الرجل هو عدل

مسألة قال أصبغ: لا أحب أن يقول الرجل في تعديل الرجل: هو عدل، وليقل: أراه عدلا.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في أول نوازل سحنون، فلا معنى لإعادته.

مسألة: شهد عند القاضي بشهادة لرجل على رجل

مسألة وسئل عن رجل شهد عند القاضي بشهادة لرجل على رجل، والمشهود عليه قائم يسمع، فلما فرغ من شهادته تحول إلى المشهود عليه فقال له والقاضي يسمع: إنك تشتمني وتشبهني بالمجانين، وتهددني، وما أشبه ذلك من الكلام، ألا ترى أن يطرح القاضي بهذا الكلام شهادته عنه؟ فقال: لا أرى أن يطرح شهادته عنه بهذا الكلام وما أشبهه، إلا أن يثبت بينهما عداوة قديمة بينة، فتطرح شهادته عليه، وأما مثل هذا الكلام فما أراه شيئا.
قال محمد بن رشد: لأصبغ في الثمانية أن قوله هذا إن كان على وجه الشكوى والاستنهاء من الأذى، ولم يكن على وجه مطلب خصومة، ولا سمى السمة، فلا أراه شيئا، وإن سمى السمة، وهي مما إن قام بها كان في مثلها خصومة ومطالبة، أو كان ذلك منه على وجه الطلب له بالخصومة، وإن لم يسم السمة ساعته، فأرى شهادته ساقطة، وهو مفسر لقوله هاهنا، ولابن الماجشون في الثمانية أن شهادته تبطل بهذا القول، ولا تجوز؛ لأنه قد أخبر أنه عدوه، فكيف تجوز شهادته عليه؟ قال: فلو قال ما هو أدنى من

هذا؛ لكان فيه طرح شهادته، وقول ابن الماجشون أظهر وأولى بالصواب، والله أعلم.

مسألة: ليس لحر أن يرق نفسه

مسألة وعن رجل هلك ولم يترك وارثا غير ابن عم له فيما يرى الناس، فأعتق ابن العم غلامين مما ورث عن الهالك، فشهدا بعد عتقهما أن سيدهما أشهدهما في حياته أن جاريته فلانة حامل منه، ثم ولدت الجارية، قال أصبغ: لا شهادة لهما؛ لأن شهادتهما ترقهما، وليس لحر أن يرق نفسه، وليس هذا من الشهادة التي يقال لا يتهمان فيها فتجوز، ولا من الأشياء التي يؤخذ فيها بإقرارهما بالعبدية.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إلا أن في إجازة شهادتهما إبطال عتقهما، وفي إبطال عتقهما رد شهادتهما، فإذا كانت الإجازة توجب الرد، وجب أن تكون مردودة، وبالله التوفيق.

مسألة: اشتريا من رجل عبدا ثم ادعى أحدهما أن البائع كان أعتقه

مسألة وقال أصبغ في رجلين اشتريا من رجل عبدا، ثم ادعى أحدهما: أن البائع كان أعتقه، قال: لا تجوز شهادته على البائع، وأرى أن يعتق عليه نصابه منه بشهادته، ثم أرى أن يقوم عليه ما بقي من العبد؛ لأني أتخوف أن يكون إنما أقر بهذا احتيالا؛ لئلا يقوم عليه ما بقي من العبد، قال: والولاء للمشهود عليه أنه كان أعتقه.

قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها: أن الشاهد لا يعتق عليه نصيبه للضرر الداخل على أشراكه، وعبد العزيز بن أبي سلمة يقولان: إنه يعتق عليه نصيبه، ولا يقوم عليه نصيب شريكه، وقول أصبغ هذا قول ثالث في المسألة، وقد مضى ذكر هذا في آخر أول رسم من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

مسألة: بينة شهدت على رجل أنه زنى بمصر وأخرى بالعراق

مسألة وسئل أصبغ عن بينة شهدت على رجل أنه زنى بمصر في المحرم يوم عاشوراء، وشهدت بينة أخرى أنه كان يومئذ بالعراق، قال أصبغ: هذا حد قد ثبت لا تزيله هذه البينة التي شهدت أنه كان بالعراق؛ لأنها لم تشهد على فعل آخر، إنما شهدت أن الذي قالت البينة الأولى لم يكن، فذلك غير مقبول، قيل له: فلو شهدت بينة أنه زنى بمصر يوم عاشوراء، وشهدت بينة أنه سرق ذلك اليوم بالعراق، أتوجب عليه الحدين جميعا؟ قال: لا، بل تطرح كلتا الشهادتين؛ لأنهم شهدوا على أمر مختلف وفعلين لا يمكنان جميعا، فإن قلنا: إن إحدى البينتين قد شهدت بحق، فإنا لا ندري أيهما هي، فسقطت الشهادة بالشك، قيل: وكذلك لو قالت هذه البينة: إنه زنى بمصر يوم عاشوراء، وقالت الأخرى: إنه قتل إنسانا بالعراق؟ قال: أطرحهما جميعا، قلت: فشهدت إحدى البينتين أنه زنى بمصر يوم عاشوراء، وشهدت بينة أخرى أنه زنى ذلك اليوم بعينه بالعراق، أتطرح هذه أيضا؟ قال: لا، بل أثبت عليه حدا واحدا؛ لأن كلتا البينتين إنما شهدت بالزنى، فحد الزنى حد واحد؛ لأني أعلم أن إحدى البينتين صادقة، فقد وجب عليه الحد إما بهذه وإما بهذه؛ فلا بد من إقامة الحد عليه بأحد الزنائين، قال: وكذلك لو شهدت أيضا بينة أنه قتل فلانا بمصر، وشهدت أخرى أنه قتل

فلانا بالعراق، وقام أولياء المقتولين جميعا قتلته بهما؛ لأن إحدى البينتين صادقة.
قال محمد بن رشد: تفرقة أصبغ هذه في اختلاف البينتين، إذا شهدت إحداهما على رجل أنه زنى بمصر في المحرم يوم عاشوراء، بين أن تقول البينة الأخرى: إنه كان ذلك اليوم بالعراق، أو إنه سرق أو قتل ذلك اليوم بالعراق، أو... إنه زنى ذلك اليوم بالعراق، أيضا فإن قالت: إنه كان بالعراق، وإنه زنى بالعراق؛ أقيم عليه حد الزنى، وإن قالت: إنه زنى أو قتل بالعراق، سقط عنه الحدان جميعا، هو على قياس المشهور من مذهب ابن القاسم في أن البينتين إذا اختلفتا بالزيادة كانت التي زادت أعمل، وإن اختلفتا في الأنواع سقطتا جميعا، إلا أن تكون إحداهما أعدل من الأخرى، فيقضى بالأعدل، وقد قال ابن القاسم: إن البينتين إذا اختلفتا بالزيادة سقطتا، إلا أن تكون إحداهما أعدل؛ فيقضى بالأعدل كاختلافهما في الأنواع، فيلزم على قياس هذا إذا قالت إحدى البينتين: إنه زنى بمصر في المحرم يوم عاشوراء، وقالت البينة الأخرى: إنه كان ذلك اليوم بالعراق، أو إنه زنى ذلك اليوم بالعراق؛ أن تسقط البينتان جميعا، إلا أن تكون إحداهما أعدل من الأخرى، فيقضى بها، كما لو قالت: إنه سرق ذلك اليوم بالعراق أو قتل، وهو الذي يوجبه القياس والنظر؛ لأن كل بينة منهما مكذبة لصاحبتها في الوجوه كلها؛ إذ لا يمكن أن يكونا جميعا صادقين، فإذا لم يمكن ذلك وجب أن يسقطا جميعا، إلا أن تكون إحداهما أعدل من الأخرى، فيقضى بالأعدل؛ لأن الظن يغلب أنها هي الصادقة، وقول أصبغ: إنه يقام عليه حد الزنى إذا قالت إحدى البينتين: إنه زنى بمصر في المحرم يوم عاشوراء، وقالت البينة الأخرى: إنه زنى في ذلك اليوم بالعراق، وإنه يقتل إذا قالت إحدى البينتين: إنه قتل فلانا بمصر في المحرم يوم عاشوراء، وقالت البينة الأخرى: إنه قتل فلانا لرجل آخر ذلك اليوم بالعراق، وقام أولياء القتيلين جميعا بعيد، لا سيما في الزنى؛ لما جاء من أن الحدود تدرأ بالشبهات.
وتعليله لإقامة الحد والقتل عليه بما قال

من أنه يعلم أن إحدى البينتين صادقة غير صحيح؛ لأنه إذا علم أن إحداهما كاذبة، واحتمل أن تكون كل واحدة منهما هي الكاذبة، احتمل أن تكونا جميعا كاذبتين، وإذا احتمل أن تكونا جميعا كاذبتين، وأن تكون إحداهما صادقة، والثانية كاذبة، لم يصح أن يحكم بأن إحداهما صادقة إلا أن تكون هي أعدل، فيغلب على الظن صدقها، وإلى هذا نحا محمد بن عبد الحكم على ما قد ذكرناه عنه، في نوازل سحنون، ويأتي على قياس قول مطرف وابن الماجشون عن مالك في أن البينتين إذا شهدت إحداهما، بخلاف ما شهدت به البينة الأخرى، واستوتا في العدالة أنه يقضي بما شهدتا به جميعا، أنه يحد حد الزنى، ويقطع في السرقة إذا شهدت إحدى البينتين أنه زنى بمصر يوم عاشوراء، وقالت البينة الأخرى: إنه سرق في ذلك اليوم بالعراق، وهو بعيد جدا، والله الموفق.

مسألة: صبيين شهدا على صبي أنه قتل هذا الصبي الساعة وشهد رجلان أنه لم يقتله

مسألة وسئل أصبغ عن صبيين شهدا على صبي أنه قتل هذا الصبي الساعة، وشهد رجلان أنه لم يقتله، وأنهما كانا حاضرين حتى سقط الصبي فمات، وأن الصبي الذي شهد عليه الصبيان لم يضربه ولم يقتله، قال أصبغ: أرى شهادة الصبيين تامة، ولا يلتفت إلى شهادة الكبيرين، وإنما ذلك عندي بمنزلة أن لو شهد كبيران أنه قتله، وشهد كبيران آخران أنه لم يقتله على نحو مسألتك، فشهادة من شهد بالقتل أولى، قيل له: أو لا ينظر إلى العدالة في هذا؟ قال: اعلم أن الدماء والجراح والعتاق والطلاق والحدود، كلها لا ينظر فيها إلى العدالة بعد أن يكون من شهد عليه عدلا مرضيا في شهادته، فهي أولى من شهادة من تعرض لها بالرد، وإن كانوا أعدل.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ هذا إغراق في القياس على أصل

غير مسلم الصحة، فقد ذكرنا في المسألة التي قبل هذه، أن الذي يوجبه القياس والنظر أن ينظر إلى أعدل البينتين إذا اختلفتا، وإن كانت الواحدة موجبة والثانية نافية، فكيف إذا كانت إحداهما صبيانا، فقول سحنون في نوازله: إن شهادة الصبيان تسقط بتكذيب الكبار لهم، هو أولى بالصواب، والله أعلم.

مسألة: شهد على شهادة أبيه

مسألة وسئل عمن شهد على شهادة أبيه وأبوه عدل مرضي مشهور العدالة، لا يحتاج إلى تزكية، فيأتي الابن فيشهد على شهادة أبيه، قال: لا تجوز شهادة الابن على شهادة أبيه، ولا شهادة الأب على شهادة ابنه، انظر أبدا كل من لا يجوز لك أن تعدله، فلا يجوز لك أن تشهد على شهادته، وإن كان المشهود على شهادته عدلا.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ هذا: إنه لا تجوز شهادة أحدهما على شهادة صاحبه، بخلاف ما مضى لسحنون في نوازله من إجازة شهادة الابن على قضاء أبيه؛ لأنه إذا جاز أن يشهد الابن على ما قضى به أبوه، والأب لو شهد في ذلك، لم تجز شهادته، كان أحرى أن تجوز شهادته على شهادة أبيه؛ إذ لو شهد الأب في ذلك لقبلت شهادته، وقد مضى في نوازل سحنون من كتاب الأقضية تحصيل القول في هاتين المسألتين، وفيما هو في معناهما من شهادة كل واحد منهما عند صاحبه ومعه، فلا معنى لإعادته.

مسألة: أعتق عبدين ثم إن العبدين شهدا أن هذا المعتق غصبهما من هذا الرجل

مسألة وسمعته سئل عن رجل أعتق عبدين، ثم إن العبدين شهدا أن هذا المعتق غصبهما من هذا الرجل، وغصب معهما مائة دينار، قال: لا يرجعان في الرق للذي شهدا أن هذا المعتق غصبهما منه بشهادتهما؛ لأنه لا يجوز لحر أن يرق نفسه، وتجوز شهادتهما في

المائة التي يزعمان أنه غصبها معهما، قلت: وكيف يجوز بعض الشهادة ويبطل بعض؟ قال: هو بمنزلة امرأتين شهدتا في وصية رجل بوصايا وعتق، فأجيز شهادتهما في الوصية، وأبطلها في العتق.
قال الإمام القاضي: لسحنون في كتاب ابنه أنه لا تجوز شهادتهما في المائة ولا لأنفسهما، وهو الأظهر؛ لأن شهادتهما على غصب المعتق لهما إنما لم تجز من أجل أنهما يتهمان على أنهما أرادا إرقاق أنفسهما، والشهادة إذا رد بعضهما للتهمة ردت كلها بخلاف إذا رد بعضها للسنة، فساوى أصبغ في هذا بين أن يرد بعضها للتهمة، أو للسنة في أنه يجوز من الشهادة التي فيها التهمة ما لا تهمة فيه، كما يجوز من الشهادة التي فيها ما لا يجوز في السنة ما يجوز فيها، وقد قيل: إن الشهادة إذا رد بعضها للسنة ردت كلها، فالمشهور إذا رد بعض الشهادة للتهمة أن ترد كلها، وقد قيل: إنه يرد منها ما لا تهمة فيه، وهو قول أصبغ هذا، والمشهور إذا رد بعض الشهادة للسنة أن يجوز منها ما أجازته السنة، وقد قيل: إنها ترد كلها، وذلك قائم من المدونة، من قوله في شهادة النساء للوصي: إن الميت أوصى إليه أن شهادتهن لا تجوز إن كان فيها عتق وأبضاع النساء، وكذلك المشهور في المذهب أيضا أن الشهادة إذا رد بعضها لانفراد الشاهد بها دون غيره؛ أنها تجوز فيما تصح فيه شهادة الشاهد الواحد، وتبطل فيما لا يصح إلا بشهادة شاهدين، مثال ذلك: أن يشهد الرجل على وصية رجل وفيها عتق ووصايا لقوم، فإن الموصى لهم بالمال يحلفون مع شهادة الشاهد، وتكون وصاياهم فيما بعد قيمة المعتق، وقد قيل: إن الشهادة كلها مردودة، حكى ذلك السدي عن أشهب وجميع جلسائه، وأما إذا لم يأت الشاهد بالشهادة على وجهها، وسقط عن حفظ بعضها؛ فإنها تسقط كلها بإجماع، وبالله التوفيق.

مسألة: شهد لابنه ولأجنبي بحق على رجل فدفع الغريم الحق حين شهد الأب

مسألة وسئل عن رجل شهد لابنه ولأجنبي بحق على رجل، فدفع

الغريم الحق حين شهد الأب، وظن أن ذلك يلزمه، أو دفع إلى الأجنبي حصته، وحكم عليه بذلك، فلما اقتسماه هو والابن، وبان به الأجنبي، طلب الغريم نقض ذلك، وتكلم في شهادة الأب، قال أصبغ: ذلك له، يرد ذلك الحكم؛ لأنه حكم خطأ وخلاف السنة وظلم؛ لأن شهادته لابنه كشهادته لنفسه، وشهادته للأجنبي كشهادته لابنه؛ لأن أمرهما واحد، لا يكون للأجنبي شيء إلا كان لابنه فيه نصيب، فهو مردود كله، وهذا إنما قلنا إذا سقط بعض الشهادة سقطت كلها، فإذا نقض، فإن كان مع الأب شاهد غيره حلف مع شهادته واستحقا، وإلا فلا، قلت: فإن كان الغريم دفع من غير قاض ولا سلطان حكم عليه، ولكنه دفع من قبل نفسه، وقال: ظننت أن شهادة الأب جائزة، إذا شهد لأجنبي مع ابنه فدفعت إليه، ولم أرد أن ألجئهم إلى السلطان، ثم أخبرت أن شهادة الأب لا تجوز، فأنا أريد الرجوع.
قال: ليس له رجوع، ولا كلام في هذا، وأراه بمنزلة الذي ينفق على المطلقة قبل أن يستبين بها حمل، أو يقول: ظننت أنه كان يلزمني، فليس له رجوع عليها إن انفش حملها، وقبل أن ينفش لما قد تقدم، وإنما له لما يستقبل، فأما إذا دفع ومضى، فليس له فيه رجوع، قلت: وكذلك إن شهد شاهد لرجل بحق على رجل، فدفع إليه بغير يمين، ثم أتى بعد ذلك يتعقبه بيمين وقال: لم أظن أن لي عليه يمينا، فأنا أريد أن أستحلفه أيكون ذلك له؟ فإن لم يحلف رد ما أخذ أو كيف؟ فقال لي: هذا أبعد وأبعد، لا يكون له قول ولا رجوع.
قال محمد بن رشد: إنما لم يكن له رجوع إذا دفع بشهادة الأب؛ لأنه حمل عليه أنه علم أن ذلك لا يلزمه، ولم يصدقه فيما ادعى من أن ظن أن ذلك يلزمه، وقد قيل: إنه يصدق في ذلك إذا كان ممن يشبه أن يجهل مثل هذا، وهذا الذي يأتي على ما في كتاب الصلح، في الذي يصالح عن

دم الخطأ، وهو يظن أن الدية تلزمه، وفي كتاب الشفعة في الذي يثيب على الصدقة، وهو يظن أن الثواب يلزمه، وكذلك اليمين إذا تطوع بتركها، فليس له فيها رجوع؛ لأنه لا يصدق فيما ادعى من أنه ظن أنه لم يكن عليه يمين، ويدخل في ذلك من الاختلاف ما دخل في الذي دفع بشهادة الأب، ولو حكم عليه بالدفع بشهادة الأب؛ لوجب أن يرجع بماله؛ لأنه حكم خطأ يجب فسخه، وكذلك لو حكم عليه بالدفع بالشاهد الواحد دون يمين؛ لكان من حقه أن يستحلفه، فإن نكل عن اليمين حلف واسترجع ماله، ولا خلاف في ذلك أعلمه.
وأما الذي ينفق على المطلقة قبل أن يستبين حملها، ثم يتبين أنه لم يكن بها حمل، فقد قيل: إنه لا رجوع له عليها، وإن أنفق عليها بقضاء، وهو قول مالك في كتاب النكاح لابن المواز، ومعنى ذلك عندي إذا لم تقر الزوجة أنه لم يكن بها حمل، وادعت أنها أسقطته، وفي مسألة الذي ينفق على المطلقة، ثم يتبين أنه ليس بها حمل أربعة أقوال؛ الرجوع من غير تفصيل، وأن لا رجوع من غير تفصيل، والفرق بين أن ينفق بقضاء أو بغير قضاء على وجهين، وقد مضى القول على هذه المسألة في سماع ابن القاسم، من كتاب طلاق السنة، وفي أول سماع أصبغ، ورسم المكاتب منه من كتاب النكاح، وبالله التوفيق.

مسألة: يشهدان أن رجلا طلق امرأته البتة وأنهما رأياه بعد ذلك يزني بها

مسألة قال أصبغ في الشاهدين يشهدان أن رجلا طلق امرأته البتة، وأنهما رأياه بعد ذلك يزني بها كالمرود في المكحلة، فقال: تسقط شهادتهما في الطلاق؛ لأنهما قاذفان حين رمياه بالزنا، وعليهما له الحد بقذفهما إياه، قلت: ولم حملت عليهما الحد، وإنما شهدا أنه وطئ امرأته التي أثبتها أنت تحته، ولم تقض بطلاقها؟ قال: ألا ترى أنهما يزعمان أنها ليست بامرأته، وأنه وطئها زانيا بها، وهما على ذلك، وأنها ليست له بامرأة، فلذلك رأيت عليهما الحد قائما لا يزول، قال ابن الماجشون: الحد ساقط

عنهما لسقوط شهادتهما في الطلاق؛ لأنه إذا سقط في الطلاق، فإنما شهدا أنه وطء امرأته، وهي امرأته كما هي لم تزل، قال أصبغ وعبد الملك: ولو شهدا عليه بطلاق امرأته البتة، وشهدا أنهما رأياه على بطنها أو في لحاف عريانين جميعا فيما دون ما يحق الزنا، فالطلاق لازم، يفرق بينهما، ويؤدبان فيما فعلا من ذلك.
وسئل سحنون عنها فقال: الشهادة ساقطة، ولا حد عليهما؛ لأنهما لما سقطت شهادتهما في الطلاق، ولم تجز فيه لم يجب عليهما الحد، ونظيرتها الرجل يهلك، ويترك أخاه، وأمة حاملا، وعبدين، فأعتقهما الأخ، فشهد العبدان أن الأمة حامل من سيدها، وأن الأمة ولدت غلاما أن الشهادة ساقطة؛ لأنها لو ثبتت رد عتقهما، وصارا رقيقين، فلما بطلت الشهادة لم يلزمهما من إقرارهما بالرق شيء، وقاله أصبغ.
قيل لأصبغ: فلو بتل عتقهما في مرضه، وله مال مأمون، أو كان ذلك لهما من الهالك بوصية عتقا بعد موته، فشهدا بهذه الشهادة بعد تنفيذ الوصية لهما، أو قبل تنفيذها لهما بالعتق؟ فقال: أما الذي بتل عتقهم قبل موته، أو كان ذا مال مأمون، وأوصى لهم بالعتق، وحملهما الثلث، فشهادتهما جائزة، يرد بها الأمر كله إلى سبيل ما شهدوا به، ولا يضرهما ذلك؛ لأن عتقهما تام ماض، كان هذا، أو لم يكن، والموصى بعتقهم إذا كان في ثلث الميت ما يحملهم فهم كالمبتلين قبل موته، وشهادتهما جائزة لا يرقون هاهنا بشهادتهم شيئا من أنفسهم، قلت: فلو كان الثلث لا يحملهم فأتمه الوارث عن نفسه وأمضاه لهما؟ قال: لا تجوز شهادتهما، وكان مثل أول المسألة؛ لأن الشهادة إن أجيزت رجع الرق عليهما فيما فضل عن الثلث، فسقطت شهادتهما، وصارا بمنزلة ما لو ابتدئ عتقهما.

قال الإمام القاضي: قد قيل: يلزمه الطلاق ويحد الشاهدان، وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وعلى مذهب أكثر أصحاب مالك، في أن شهادة القاذف لا تجوز قبل الحد ولا بعده، وقال: هو قبل الحد هو شر منه بعد الحد؛ لأن الحدود كفارات لأهلها، فكيف تقبل شهادته في شر حاليه، وليس قوله بصحيح؛ لأن الله تعالى إنما نهى عن قبول شهادته بعد الحدود، لا على قبولها قبل الحد بقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4]؛ إذ من حقه أن يعذر إليه ليأتي بما يصدق قوله، وقول ابن الماجشون وأصبغ وسحنون في هذه المسألة على ما ذهب إليه الشافعي من سقوط شهادة القاذف بنفس القذف قبل إقامة الحد عليه، وهو قول أصبغ في إيجاب الحد على الشهيدين، وإن سقطت شهادتهما في الطلاق أظهر من قول ابن الماجشون وسحنون، وإن كان محمد قد تابعهما على قولهما فقال: إن الحد لا يلزمهما إلا بعد القضاء عليه بالطلاق؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
والإذاية قد حصلت بما رمياه به من وطئه إياها بعد طلاقها البتة، والمسألة التي نظرها سحنون بها فقال: إنها نظيرة لها، لا تشبهها؛ لأن الشهادة فيها لما ردت من أجل أن الشاهدين يتهمان على أنهما أرادا إرقاق أنفسهما، وجب أن يبقيا على حالهما من الحرية، ولا يلزمهما إقرارهما بالرق؛ إذ لا يجوز لحر أن يرق نفسه، والطلاق لما ردت الشهادة فيه من أجل أن الشاهدين يجرحان بما شهدا به من أنهما رأياه يزني بها بعد الطلاق، لم يمنع أن يلزمهما الحد؛ لأنه حق عليهما يجب أن يؤخذا به بخلاف الرق الذي لا يجوز للحر أن يلحقه بنفسه، فالحد في مسألة الطلاق مختلف في وجوبه، والرق في المسألة التي نظرها بها متفق على سقوطه، وذهب ابن

كنانة فيهما إلى أن ينفذ حريتهما على الأخ؛ لأنه أعتقهما بشبهة الميراث، وتجوز شهادتهما للأمة، ويلحق نسب ابنها، ويغرم له الأخ القيمة، ويكون الولاء له، قال: لأني إن أجزت شهادتهما في الرق، كنت قد حكمت بشهادة العبيد، وإن لم أجز شهادتهما، ونفذت عتقها قالت الأمة: لمَ لم تحكم لي بشهادتهما وهما حران، فهي مهملة، والجواب فيها ما قلت لك، وكذلك قال فيها القاضي ابن كنانة في رجل ورثه بنو عم له، فورثوا معهم أختا لهم جهالة، فصار لها في حظها عبد فأعتقته، ثم تبين لهم أنهم أخطئوا على أنفسهم، وأنها ليست بعصبة؛ أن العتق ينفذ عليها لشبهة الميراث، وتغرم القيمة لإخوتها، ويكون الولاء لها، وقال يحيى: يرد عتقها؛ لأنها أعتقت ما لم تملك، وهو الصحيح، والله أعلم.

###: شهادة غير العدول

من سماع عبد الملك بن الحسن من ابن القاسم قال عبد الملك: سئل ابن القاسم عن الرجل يحبس في الدم، فيأتي المدعي ببينة ليسوا بعدول، ويكون الشهود جماعة، فيقولون: قد كان هذا الأمر عندنا فاشيا مشهورا، فحبس هذا في الحبس إلى متى يكون حبسه؟ فقال ابن القاسم: شهادة غير العدول بمنزلة من لم تقم القاضي له بينة، فإن كان من أهل الريب فليحبسه الشهر ونحوه، وإن كان بريئا، فلا يحبس إلا أن يكون الذي ادعى عليه قريبا اليوم واليومين ونحوه.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة في المدعى عليه الدم إذا شهد عليه غير العدول، وهو من أهل التهم: إنه يحبس الشهر ونحوه هو مثل ما في سماع عبد الملك من كتاب الديات، خلاف ظاهر ما في سماع ابن القاسم من كتاب الديات، وخلاف نص ما في الواضحة لمالك، من أن

من ألطخ القاضي بالدم، ووقعت التهمة عليه، ولم يتحقق من ذلك ما تجب به القسامة أنه يحبس الحبس الطويل، ولا يعجل بإخراجه منه، حتى تتبين براءته، أو يأتي عليه السنون الكثيرة، قال مالك: ولقد كان الرجل يحبس في الدم باللطخ والشبهة، حتى إن أهله ليتمنون له الموت من طول حبسه، ولا يطلق إذا سرح بعد الشهر، أو بعد الطول حتى يستحلف خمسين يمينا، قاله في سماع ابن القاسم من كتاب الديات.
وقوله: وإن كان بريئا؛ يريد وإن كان غير متهم، فلا يحبس إلا أن يكون الذي ادعى عليه قريبا اليوم واليومين ونحوه، هو مثل ما في سماع عبد الملك من كتاب الديات، خلاف ظاهر ما في سماع ابن القاسم منه، وبالله التوفيق.

مسألة: لشاهد يشهد عند القاضي فيكلفه العدالة لجهالته به

مسألة وسئل عن الشاهد يشهد عند القاضي فيكلفه العدالة لجهالته به، فيقول الشاهد: لست أعرف هاهنا، وأنا معروف في بلدي، فاكتب إلى قاضي بلدي، فأعدل عنده هل ترى أن يكتب في عدالته إلى قاض معروف بتجويز البينة والعدالة، وأنه يقبل كل من شهد عنده ويعدل، فإن بعض القضاة غير موثوق بهم؟ قال ابن القاسم: لا ينبغي للقاضي أن يكتب في مثل هذا، ولا يحل له إلا أن يكون قاضيا عدلا موثوقا بناحيته، ولا يجيز كتاب جائر إذا ثبت ذلك عنده، ولا يحل له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى، في رسم الكبش، من سماع يحيى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: العامل ورب المال شهادة كل واحد منهما لصاحبه

مسألة قال: وسألت ابن وهب عن الشاهد يشهد للرجل والذي شهد

له في يد الشاهد مال قراض أو سلف، هل ترد لذلك شهادته مليا كان أو معدما؟ فقال: إن كان الشاهد مليا جازت شهادته أسلفه أو قارضه؛ لأن العدم عندي من أعظم التهمة، وقال أشهب: إذا كان عدلا جازت شهادته مليا كان أو معدما، قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في العامل ورب المال: إن شهادة كل واحد منهما لصاحبه جائزة، وسئل عنها سحنون فقال: إذا شهد العامل لرب المال، والمال قائم بيد العامل، لم يشتر به شيئا، فلا تجوز شهادته؛ لأنا نتهمه أن يكون إنما شهد له ليقر المال بيده، فإن كان المال قد صرفه في سلع، فشهادته له جائزة.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى، في آخر سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: شهدتا على امرأة أنها ضربت بطن امرأة فألقت مضغة

مسألة قال عبد الملك: سئل أشهب وأنا أسمع عن امرأتين شهدتا على امرأة أنها ضربت بطن امرأة فألقت مضغة، قال: تحلف مع شهادتهما، وتستحق دية جنينها.
قلت: فهل عليها كفارة؟ قال: لا كفارة عليها.
قال محمد بن رشد: قوله: وتستحق دية جنينها؛ معناه وتستحق حقها من دية جنينها، وقد قال ابن دحون: إنما أتى بهذه المسألة على أنه ليس للجنين وارث غير أمه، ولو كان له ورثة غيرها حلفوا كلهم، واقتسموا الغرة على كتاب الله؛ لأنها ليست قسامة، وهو كلام غير معتدل؛ لأنها لا

تستحق دية الجنين على قول من يرى أنها موروثة على فرائض الله، وإن انفردت بها، وإنما تستحق منها بيمينها الثلث، ويكون سائرها لبيت المال، وإنما تستحق جميع دية الجنين بيمينها على مذهب من يرى أنها لها خاصة، ليس للأب فيها شيء ولا لغيره؛ لأن الجنين عضو من أعضائها، وهو قول ربيعة، أو على مذهب من يرى أنها للأبوين على الثلث والثلثين، وأيهما انفرد بها فهو أحق بها، وبذلك كان مالك يقول: ثم رجع عنه، وهو قول المغيرة وابن دينار وابن أبي سلمة، وقال ابن الماجشون بقول مالك الذي رجع إليه: إن دية الجنين موروثة على فرائض الله تعالى، وبالله التوفيق.

مسألة: هل يعدل الرجل أخاه

مسألة وسألت أشهب هل يعدل الرجل أخاه؟ فقال: لا يعدله.
قلت: فهل تجوز شهادته له في الجراحات خطأ كان أو عمدا؟ فقال: نعم.
قال الإمام القاضي: قول أشهب هذا: إن الرجل لا يعدل أخاه؛ خلاف قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وفي المبسوطة لابن نافع وابن الماجشون: أنه لا تجوز تزكية الأب لابنه، ولا الابن لأبيه، ولا الزوج لزوجه، ولا الأخ لأخيه، واحتج ابن الماجشون في رد تزكية الأب لابنه بقول الله عز وجل: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: 15]، فجعل صلاح ذريته من صلاحه وصلاحه من صلاحهم، وقال

مطرف بن عبد الله: ليس ذلك على ما قالا، وشهادة الأخ لأخيه إذا كان منقطع العدالة في كل شيء جائزة إلا في الولاء، وقال أبو المصعب الزهري: تجوز شهادته إلا في ولاء أو مال يجره إليه إذا كان فقيرا، وتجوز تزكيته له إذا كان منقطع العدالة، إلا فيما يدفع به عنه عارا، وقال مالك: تجوز تزكية الرجل إذا كان عدلا غير متهم لابنه وأبيه وأخيه ولامرأته إذا زكاهم، روى ذلك عنه ابن نافع وزياد بن عبد الرحمن، والمشهور أنه لا تجوز تزكية الرجل إلا لمن تجوز شهادته له، وبالله التوفيق.

###: يشهد لعمه في حق له على رجل وليس للعم وارث غيره

من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم قال أصبغ: وسئل ابن القاسم عن الرجل يشهد لعمه في حق له على رجل، وليس للعم وارث غيره، هل تجوز شهادته؟ قال: نعم؛ إذا كان عدلا منقطعا في الشهادة، ولم يكن محتاجا إلى ما في يديه، وليس هو ممن يمونه، ولا يحمل نفقته، قال: ولا تجوز شهادته له في فرية، أو حد جر إليه مما يجمعه، وإياه عصبية أو محمية.
قال الإمام القاضي: وهذا كما قال: إن شهادة الرجل لعمه بالمال وإن لم يكن له وارث سواه جائزة؛ لأن التهمة بالميراث ضعيفة، فلا يتهم فيها المبرز بالعدالة، وأما شهادته له في الفرية والحدود، وما تكون فيه العصبية والحمية، فبين أنه لا تجوز شهادته له فيه كالأخ، وبالله التوفيق.

###: ابني عم شهدا لابن عم لهما على مال

ومن كتاب الوصايا قال أصبغ: سمعت ابن القاسم سئل عن رجل أوصى لفقراء أقاربه بحائط يغتلونه، فلم يشهد على تلك الوصية إلا أغنياء

بني عمه، فقال: لا تجوز شهادتهم خوفا من أن يحتاجوا إلى ذلك يوما ما، إلا أن يكون شيئا تافها يسيرا، لا خطب له، ولا يتهمون في مثله لغناهم، ولعله لا يدركون ذلك، فإذا كان الأمر الخفيف الذي لا يتهمون على جر ذلك لأنفسهم رأيت ذلك لهم، وذلك أني سمعت مالكا سئل عن ابني عم شهدا لابن عم لهما على مال ولأموال، قال: إن كانا قريبي القرابة يتهمان في جر الولاء إليهما، فلا يجوز، وإن كانا من الفخر من الأباعد لا يتهمان على جر ذلك لأنفسهما، رأيت شهادتهما جائزة، وإن كان الولاء يرجع إليهما يوما ما، قال ابن القاسم: وهذه المسألة تشبه مسألتك.
قال ابن القاسم: ولأنه لو استغنى بعض فقرائهم، وافتقر بعض أغنيائهم، أخرج من استغنى منهم، ودخل من افتقر، وإنما تقسم على من يكون فقيرا يوم يقع القسم في كل عام، وقاله أصبغ كله إلا أن يتباعد جدا، أو تتباعد التهمة فيما يرى.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى، فلا وجه للقول فيها، والله الموفق.

###: يبعث مع الرجلين بمال يدفعانه إلى رجل ويقول اشهدا أنتما عليه

ومن كتاب الكراء والأقضية قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في الذي يبعث مع الرجلين بمال يدفعانه إلى رجل، ويقول: اشهدا أنتما عليه، فيفعلان ويذكر الذي بعث بالمال إليه أنه لا تجوز شهادتهما عليه؛ لأنهما

يدفعان عن أنفسهما غير الغرم من العيب والتهمة وما أشبه ذلك، قال: ولا يكون عليهما غرم؛ لأنه بذلك أمرهما وبعثهما يشهدان عليه، وقاله أصبغ.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال من أن شهادتهما على المبعوث إليه لا تجوز لما يلحقهما في ذلك من الظنة، وأنه لا غرم عليهما؛ لأنه قد أذن لهما في الدفع إليه دون إشهاد، فيحلف المبعوث إليه أنهما ما دفعا إليه شيئا، ويغرم الباعث، ولا شيء على المبعوث معهما، وبالله التوفيق.

مسألة: يأتي بشاهد على حقه وهو كبير سفيه مولى عليه قد احتلم

مسألة وسمعت ابن القاسم يقول في الذي يأتي بشاهد على حقه وهو كبير سفيه مولى عليه قد احتلم، أنه يحلف مع شاهده، وإن كان سفيها، وليس هذا مثل الصبي هاهنا، فإن أبى أن يحلف حلف الآخر وبرئ، فإن نكل غرم، وإن حلف برئ، ولم يستأن به كما يستأنى بالصغير، وقاله أصبغ كله، والسفيه في اليمين بمنزلة العبد والنصراني، وهما يحلفان في حقوقهما، والحقوق تقع عليهما، هذه السنة الثابتة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أن الكبير السفيه المولى عليه يحلف مع شاهده، وهذا فيما لم يل وليه المبايعة فيه عليه، وأما ما ولي فيه المبايعة عليه مثل أن يبيع له سلعة، فينكر المبتاع، ويجحد الثمن، فإن كان دفع السلعة حلف هو مع الشاهد باتفاق، فإن نكل عن اليمين حلف المبتاع، وغرم هو؛ إذ لم يشهد، قيل: القيمة؛ على القول بأن الإشهاد لا يلزمه إلا عند دفع السلعة، وقيل: الأكثر من القيمة، أو الثمن؛ على القول بأنه يلزمه الإشهاد على الثمن، وإن لم يدفع السلعة، وإن كان لم يدفع السلعة فقيل: إنه لا يمين عليه مع الشاهد، ويحلف المولى عليه معه، وقيل: إنه هو الذي يحلف، فإن نكل عن اليمين غرم بعد يمين المشتري،

وهذا على الاختلاف في وجوب الإشهاد عليه بالثمن، وإن لم يدفع السلعة، فإن نكل السفيه عن اليمين مع الشاهد في الموضع الذي يحلف فيه معه حلف المطلوب وبرئ، ولم يكن للسفيه أن يحلف إذا رشد كالكبير المالك لأمر نفسه، وقال ابن كنانة: إن نكل عن اليمين حلف المطلوب، وبرئ إلى أن يرشد السفيه، فيحلف ويستحق حقه كالصغير، وبه قال مطرف، وهو أظهر من قول ابن القاسم، وأما الصغير فلا يحلف مع شاهده، ويؤخر عنه اليمين إلى أن يبلغ بعد أن يحلف المطلوب، ولا يحلف مع شاهده، ولا الولي عنه، وقد روي عن مالك أنه يحلف مع شاهده، وهو بعيد شاذ، وعن ابن كنانة أن الأب يحلف عنه.
وهذا كله فيما لم يل وليه المعاملة فيه، وأما ما ولي المعاملة فيه فيحلف؛ لأنه إن نكل غرم بما صنع من الإشهاد، وأما العبد المأذون له في التجارة والنصراني، فهما كالكبير كما قال: يحلفان في حقوقهما يريد مع شاهدهما، وفي الحقوق تقع عليهما يريد بالدعوى، وبالله التوفيق.

مسألة: شهد عليه رجلان بجرحة فقالا رأيناه سكران

مسألة قال: وسمعت ابن القاسم يقول فيمن شهد عليه رجلان بجرحة فقالا: رأيناه سكران، أو رأيناه يسرق؛ فجرحاه بذلك في شهادة شهداها أنه يقام عليه الحد إذا قطعا عند الحاكم بمعاينة، فهو علم ودياه يومئذ، فهي شهادة يؤديانها، ولا يضرهما تركهما قبل ذلك؛ لأن ذلك ستر سترا به عليه.
قال محمد بن رشد: في المدنية لمالك من رواية محمد بن صدقة، مثل رواية أصبغ هذه: إنه يقام عليه الحد، وقال عيسى عن ابن القاسم: لا أرى أن يقطع ولا يحد، وقال عيسى: أحب إلي أن يقطع ويحد، وهو الذي يوجبه النظر للعلة التي ذكرها من أن الشاهد لا يضره ترك القيام بشهادته على السارق والزاني؛ لما أمر به من الستر، وبالله التوفيق.

مسألة: الشاهد تجوز شهادته للمشهود له إذا كان موسرا بماله عليه من الدين مليا به

مسألة قال أصبغ: قال لي ابن القاسم في رجل أقام على ميت بينة بألف دينار، فجاء أولياء المقتول بشهيدين يشهدان أنه أبرأه، فجاء المدعي بشهيدين على هذين الشهيدين أن للميت عليهما دينا، أو له عندهما مالا قراضا أو وديعة؛ أنهما إن كانا موسرين بذلك جازت شهادتهما على ما شهدا، وإن كانا غير موسرين بذلك لم تجز شهادتهما؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما الطلب، وما أشبه ذلك، وإنهما إن أقرا بالدين إلا أنهما معسران، لم ينفعهما ذلك، ولم تجز شهادتهما، وإن قالا في الوديعة والقراض قد ضاع ذلك، فأما الوديعة فأرى شهادتهما جائزة، ولا يستحلفهما إن لم يكونا متهمين، وإن كانا متهمين استحلفا، وسكت عن الجواب في القراض هاهنا، ولم يجب بشيء، قال أصبغ: وأرى أنهما سواء، وذلك إذا كان ذهابهما طريا، مما لا يجري عليهما فيه خصومة ولا حجة، وإن ذكرا ذهابا قديما مما تدخل فيه التهمة والخصومة، لم تجز شهادتهما.
قال الإمام القاضي: قوله: إنهما إن كانا موسرين بذلك، جازت شهادتهما على ما شهدا به صحيح لا اختلاف في أن الشاهد تجوز شهادته للمشهود له إذا كان موسرا بماله عليه من الدين مليا به، لا مشقة عليه في إحضاره، كما أنه لا اختلاف عندي في أن شهادته له لا تجوز إذا كان مليا بماله عليه من الدين، إلا أنه لا يمكنه إحضاره إلا ببيع ما يشق عليه من عقاره وعروضه؛ لأنه يتهم أن يكون إنما شهد له ليؤخره إلى أن تأتي فائدته،

فلا يبيع عقاره وعروضه، واختلف إذا كان معدما، فلم ير ابن القاسم شهادته له جائزة، وإن كان الحكم يوجب تأخيره؛ لأنه اتهمه أن يكون إنما شهد له ليترك طلبه وتحليفه، وذلك بين من قوله في هذه الرواية؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما الطلب وما أشبه ذلك، ورأى أشهب شهادته له جائزة على ما مضى له في سماع زونان؛ لأن الحكم يوجب له التأخير، فلم يتهمه في أنه شهد له ليسقط عنه اليمين، ورأى ذلك خفيفا، لا يتهم العدل في مثله، فهذا تحصيل هذه المسألة عندي: وجه تجوز فيه شهادته باتفاق، ووجه لا تجوز فيه باتفاق، ووجه يختلف في جوازها فيه.
وقوله: وإن قالا في الوديعة والقراض قد ضاع ذلك، فأما الوديعة فأرى شهادتهما جائزة، ولا يستحلفهما، بين لا إشكال فيه؛ لأنه إذا لم يجب عليهما غرم ولا يمين فلا وجه لإسقاط شهادتهما، وقال: إنهما إن كان متهمين استحلفا، يريد وبطلت شهادتهما؛ إذ لا يتهم بجحد الودائع إلا من ليس بعدل، فإذا ادعى الذي عنده الوديعة أو القراض أنه ضاع منذ مدة لزمته اليمين عند ابن القاسم، وإن كان عدلا، ولم تجز شهادته؛ لأنه يتهم أن يكون إنما شهد ليسقط عنه اليمين، ولزمه الغرم عند أصبغ، قاله في سماعه، من كتاب الوديعة، وعليه يدل قوله هاهنا، وإن كان ذهابها قديما مما تدخل فيه التهمة والخصومة لم تجز شهادتهما؛ لأن وجه الخصومة في ذلك على مذهبه أن يكلف إقامة البينة على أنه قد سمع منه التشكي بتلفها، فإن لم يأت على ذلك ببينة لزمه الغرم، وإن كان التلف قريبا لم تلزمه يمين، وجازت شهادته، ويأتي على قياس رواية ابن نافع عن مالك في إيجاب اليمين عليه، وإن لم يتهم ألا تجوز شهادته، وأشهب يخفف أمر اليمين، فيرى شهادته جائزة، إلا في الموضع الذي يجب عليه فيه الضمان، وبالله التوفيق.

###: له عليه حق فيلزمه فيطلب من آخر أن يعطيه دنانيره ويشهد على ذلك

ومن كتاب القضاء المحض قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في رجل له على

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
مسألة: شهادة الصبيان فيما بينهممسألة: شهد أخوها وزوجها معه أنها كانت حلفت في شيء بعتق لتفعلنهمسألة: شهادة الغني إذا مطلمسألة: عبد وحر شهدا على رجل بقتل فقتل ولم يعلم السلطان ثم تبين له بعد ذلكمسألة: الحدود تدرأ بالشبهاتمسألة: شهادة الذي يطأ الجارية يشتريها قبل أن يستبرئهامسألة: كتاب قاض إلى قاض في الزنامسألة: الفقيه يخرج إلى الصيد منتزها هل يجرح مثل هذا شهادتهمسألة: يتداعيان في الشيء لا يعرفانه فقالا جميعا قد رضينا بشهادة فلانمسألة: شهادة من ثبت عليه حد من الحدودمسألة: شهادة الصبيان في القتلمسألة: شهدا لرجل بمائة دينارأحدهما أنها له من بيع باعه إياه والآخر من سلفمسألة: شهادة الغائب الواحدمسألة: هلك وترك ابنته وأخوين له فأسلم الأخوان ميراثهما لابنتهمسألة: شهد لامرأة بشهادة وأثبتها القاضي ولم يحكم بها حتى تزوج الشاهد تلك المرأةمسألة: شهد أن هذه الدار لأبيه مات وأوصى بها لفلانمسألة: يقول الرجل في تعديل الرجل هو عدلمسألة: شهد عند القاضي بشهادة لرجل على رجلمسألة: ليس لحر أن يرق نفسهمسألة: اشتريا من رجل عبدا ثم ادعى أحدهما أن البائع كان أعتقهمسألة: بينة شهدت على رجل أنه زنى بمصر وأخرى بالعراقمسألة: صبيين شهدا على صبي أنه قتل هذا الصبي الساعة وشهد رجلان أنه لم يقتلهمسألة: شهد على شهادة أبيهمسألة: أعتق عبدين ثم إن العبدين شهدا أن هذا المعتق غصبهما من هذا الرجلمسألة: شهد لابنه ولأجنبي بحق على رجل فدفع الغريم الحق حين شهد الأبمسألة: يشهدان أن رجلا طلق امرأته البتة وأنهما رأياه بعد ذلك يزني بهامسألة: لشاهد يشهد عند القاضي فيكلفه العدالة لجهالته بهمسألة: العامل ورب المال شهادة كل واحد منهما لصاحبهمسألة: شهدتا على امرأة أنها ضربت بطن امرأة فألقت مضغةمسألة: هل يعدل الرجل أخاهمسألة: يأتي بشاهد على حقه وهو كبير سفيه مولى عليه قد احتلممسألة: شهد عليه رجلان بجرحة فقالا رأيناه سكرانمسألة: الشاهد تجوز شهادته للمشهود له إذا كان موسرا بماله عليه من الدين مليا به
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل