البيان والتحصيلصفحات 381-420
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجامع الرابع

صفحات 381-420
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

نظرالإمام في أمر قد قضى فيه من قبله من الأئمة العدول

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كتاب الجامع الرابع في إن الإمام لا ينظر في أمر قد قضى فيه من قبله من الأئمة العدول قال: وكان بين رجلين خصومة من أصحاب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خرجا من المدينة في أرض لهما حتى ارتفع الشأن بينهما فركب عثمان في ذلك وكانت خصومتهما في زمن عثمان، وركب معه رجال، فلما ساروا قال له رجل: إن عمر قد قضى فيه، فقال عثمان: لا أنظر في أمر قضى فيه عمر فرجع.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه الحكاية في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الأقضية، ووقعت أيضا في آخر الزكاة الأول من المدونة.
وفائدتها والذي فيها من الفقه أن القاضي يستحسن له أن يركب ويقف على الحقوق بنفسه وبمن معه من أهل العلم فيما التبس وأشكل، وقد يكون هذا كثيرا في الضرر وشبهه، ولو أمكنه أن يقف على جميع الأمور بنفسه لكان أحسن، ولكن هذا لا يمكنه فيستنيب من يوجهه مكانه لذلك في الحيازات وشبهها، والواحد يجزئ في ذلك كما قال في المدونة في الذي يرسله لتحليف المرأة، والاثنان أحسن، وإنما رجع عثمان، وترك ذلك لأن المحكوم عليه كان يريد فسخ قضاء عمر فيه، وذلك ما لا يجوز، ففي

الحديث من الفقه أن القاضي إذا بلغه أن قاضيا قضى في أمر لم يكن له أن ينظر فيه، وهذا ما لا اختلاف فيه إذا كان القاضي الذي قضى في ذلك الأمر عدلا.
والذي قال ذلك لعثمان هو معاوية، وكانت الخصومة بين علي بن أبي طالب وطلحة ابن الزبير في ضفير بين ضيعتهما كان علي يحب أن يثبت وطلحة يحب أن يزال، فوكل علي عبد الله بن جعفر فتنازعا الخصومة فيه بين يدي عثمان وهو خليفة، فقال لهما: إذا كان غد ركبت في الناس معكما حتى أقف على الضفير فأقضي فيه بينكما معاينة، فقال وهما يتنازعا الخصومة في الطريق: لو كان منكرا لأزاله عمر، فكان قوله سبب توجه الحكم لعبد الله على طلحة، فوقف عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والناس معه على الضفير فقال: يا هؤلاء أخبرونا أكان هذا أيام عمر؟ فقالوا: نعم، قال: فدعوه كما كان أيام عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقصصت عليه القصة حتى بلغت إلى كلام معاوية، فضحك ثم قال: أتدري لم أعانك معاوية؟ قال: قلت: لا، قال: أعانك بالمنافسة، قم الآن إلى طلحة فقل له: إن الضفير لك فاصنع به ما بدا لك، فأتيته فأخبرته فسر بذلك، ثم دعا بردائه ونعليه وقام معي حتى دخلنا على علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فرحب به وقال: الضفير لك فاصنع به ما شئت، فقال: قد قبلت وأنا جئت شاكرا ولي حاجة ولا بد من قضائها، فقال له علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اسأل حتى أقضيها لك، فقال طلحة: أحب أن تقبل الضيعة مع من فيها من الغلمان والدواب والآلة، فقال علي: قد قبلت، قال: ففرح طلحة وتعانقا وتفرقنا، وقال عبد الله: فوالله لا أدري أيهما أكرم في ذلك المجلس، أعلي إذ جاء بالضفير؟ أم طلحة إذ جاء بالضيعة بعرصته بمسناة.
روي عن الشعبي أنه قال: أول من جرى جريا أي وكل وكيلا من

الصحابة علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وكل عبد الله بن جعفر، فقيل له: لم وكلت عبد الله وأنت سيد من سادات الناطقين؟ فقال: إن للخصومات فحما، قال عبد الله: فنازعني طلحة في ضفير كان بين ضيعة لعلي وضيعة لطلحة، ثم ساق بقية الحكاية وإن كان فيها بعض الخلاف لحكاية مالك بالمعنى المقصود منها، وهو استحسان ركوب القاضي فيما أشكل، ووجوب إمضاء أحكام من قبله لا خلاف فيه، وبالله التوفيق.

دخول أهل الفضل الأسواق

في جواز دخول أهل الفضل الأسواق ومقاربتهم في البيع والشراء وسئل مالك عن الرجل له فضل وصلاح يحضر السوق يشتري لنفسه فيقارب لذلك لفضله أو لحاله، قال: لا بأس بذلك، وقد كان عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يدخل السوق، وسالم بن عبد الله إن كان ليقعد في سوق الليل ويجلس معه رجال وإن كان الحرس ليمرون بجلسائه فيقولون: يا أبا عمر أمن جلسائك؟ فقيل له: ما بال الحرس؟ قال: يطردون عنه أهل السفه والعبث.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال من أن مقاربة أهل الأسواق الرجل فيما يشتريه منهم لفضله وخيره سائغ له لا بأس به؛ لأن ذلك شيء كان منهم إليه دون سؤال منه، فهو رزق رزقه الله إياه على ما جاء في الحديث الذي مضى قبل هذا بيسير في هذا الرسم.
وأما جواز دخول الأسواق والمشي فيها فكفى من الحجة في جواز ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 20] ردا لقول المشركين: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 7] الآية.

ووقع في بعض الكتب أمن جلسائك، والمعنى في ذلك إعلامهم إياه أنهم يحفظونهم لمجالستهم إياه، فهم آمنون، ومعنى أمن؟ في داخل الكتاب الاستفهام في الرجل هل هو من جلسائك فيحفظونه من أهل السفه كما يحفظونه وجلساءه، وبالله التوفيق.

التورع عن العطاء

في التورع عن العطاء قال مالك: قد كان رجال ببلدنا هذا من أهل الفضل والعبادة يردون العطية يعطونها، حتى إن كان بعضهم ليؤامر نفسه، يعني بذلك إذا كان يرى أن له عنها غنى.
قال محمد بن رشد: يريد بالعطية العطية من بيت المال، والله أعلم.
وفي قوله: حتى إن كان بعضهم ليؤامر نفسه نظر؛ لأن الذي يرد العطية ولا يؤامر نفسه في ذلك أزهد فيها من الذي يؤامر نفسه في أخذها أو ردها، وحتى غاية تدل على أنه أراد أن منهم من يربي في الزهادة والعبادة على الذين يردونها ولا يقبلونها، فكان وجه الكلام أن يقول، حتى إن كان بعضهم لا يؤامر نفسه في قبولها فيردها، وإن كان يرى أنه لا غنى به عنها.
وردهم إياها يحتمل أن يكون زهادة فيها مع جواز أخذها لهم لا كراهة فيها إذا كان المجبى حلالا، وقسم بوجه الاجتهاد دون مأثرة ومحابات، وهذا نهاية في الزهد والفضل؛ لأنه يترك حقه الجائز له أخذه ويؤثر فيه غيره ممن يعطاه، وإن كانت به حاجة إليه، فمن فعل ذلك كان من الصنف الذين أثنى الله تبارك وتعالى عليهم بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] . وإن كان المجبى حلالا ولم يعدل في قسمته فمن أهل العلم من يكره

الأخذ منه، وأكثرهم يجيزه.
وأما إن كان المجبى يشوبه حلال وحرام فمن أهل العلم من يجيز الأخذ منه وأكثرهم يكرهه.
وأما إن كان المجبى حراما فمن أهل العلم من حرم الأخذ منه وروي ذلك عن مالك، ومنهم من أجازه ومنهم من كرهه وهم الأكثر، وقد مضى هذا كله في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصدقات والهبات لتكرر الحكاية هناك ومضى من هذا المعنى في رسم الشجرة قبل هذا من هذا الكتاب، ومضى في آخر سماع سحنون من كتاب الشهادات القول فيه مستوفى، ومضى في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات استحباب ترك الرجل قبول ما وصل به، وبالله التوفيق.

شدة خشية عمر

في شدة خشية عمر السؤال قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: لو مات جمل بشط الفرات ضياعا لخشيت أن يسألني الله عنه.
قال محمد بن رشد: هذا من عمر بن الخطاب نهاية في الخوف لله؛ لأن مثل هذا لو وقع لم يؤاخذه الله به، إذ لم يكن بتضييع منه ولا إهمال، ومن بلغ هذا الحد من الخشية فهو من الفائزين، قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52] ، وبالله تعالى التوفيق.

أول من استقضي

في أول من استقضي ومجلس القاضي للحكم قال: وسئل مالك: عن أول من استقضي، قال: معاوية بن

أبي سفيان، قيل له: أفرأيت شريحا؟ قال: كذلك يقول أهل العراق، ونحن ننكر ذلك، وإني لأنكر ذلك من قولهم.
قيل له: يا أبا عبد الله أفترى للقاضي أن يجلس في المسجد؟ قال: نعم، وذلك من أمر الناس القديم، ويستحسن ذلك، ولقد كان قاضي عمر بن عبد العزيز وابن خلدة وغيره يجلسون في المسجد يقضون فيه، وما زال ذلك شأن الناس، وإني لأرى فيه خيرا، وأفضل الناس يدخلون ولا يغلق دونهم باب، وهل للقاضي أن يرضى بالدون من المجلس؟ قال محمد بن رشد: إنكار مالك لما قاله أهل العراق من أن شريحا كان قاضيا لعمر بالعراق يدل على أنه أراد أن معاوية أول من استقضي بموضعه الذي هو فيه لاشتغاله بما سوى ذلك من أمور المسلمين كبعث البعوث وسد الثغور وفرض العطاء وقسم الفيء وما أشبه ذلك، فقد ولى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على ما ذكر قضاء البصرة أبا مريم الحنفي ثم عزله، وولي كعب بن سور اللقيطي فلم يزل قاضيا حتى قتل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وولي شريحا قضاء الكوفة.
وأما استحسانه أن يكون جلوس القاضي للحكم بين الناس في المسجد للمعاني التي ذكرها من التواضع بالرضا بالدون من المجلس، وأن يصل إليه القوي والضعيف ولا يحجب عنه أحد فهو قوله في المدونة وغيرها والماضي من فعل السلف الصالح المقتدى بهم، فقد جاء في بعض الآثار: أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بلغه أن أبا موسى الأشعري - رَحِمَهُ اللَّهُ - يقضي بالعراق في دار سكناه فبعث رسولا إليه من المدينة وأمره أن يضرمها نارا، فدخل الرسول العراق ووافي أبا موسى الأشعري في الدار يقضي، فنزل عن بعيره وأوقد النار في بابها فأخبر أبو موسى بذلك، فخرج فازعا، فقال له: ما بالك؟ فقال: أمرني أمير المؤمنين بأن أضرمها عليك نارا لالتزامك القضاء فيها، ثم

انصرف الرسول من فوره ذلك، ولم يعد أبو موسى إلى القضاء في داره، وبالله التوفيق.

قدوم الرجل على أهله عشاء

في قدوم الرجل على أهله عشاء وسئل مالك: عن الذي يقدم العشاء على أهله، أترى أن يأتيهم تلك الساعة؟ فقال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قد جاء عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من رواية جابر بن عبد الله، قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يطرق أهله ليلا» خرجه البخاري، وعن أنس بن مالك قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يطرق أهله، وكان لا يدخل إلا غدوة أو عشية» . وفي بعض الآثار: «نهى أن يأتي الرجل أهله طروقا حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة» . فمعنى قول مالك: لا بأس بذلك - أي: لا إثم عليه في ذلك ولا حرج، وإن كان قد أتى مكروها؛ لأنه رأى النهي الوارد في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نهي أدب وإرشاد، لا نهي تحريم، وبالله التوفيق.

إقامة الحدود في المسجد

في كراهية إقامة الحدود في المسجد وإجازة الأدب اليسير فيه وسئل مالك: عن القاضي يعاقب الرجل في المسجد بالأسواط، قال: لا أرى بذلك بأسا، وكره أن تضرب فيه الحدود وما كثر فيه الضرب من الأدب وإن لم يكن حدا.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة وغيرها، والذي قاله

مالك من أنه لا يضرب في المسجد الحد ولا ما كثر من الضرب هو نحو ما حكاه البخاري عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب في تبويبه، وأقامه من الحديث الذي خرجه فيه، وذلك أنه بوب: من حكم في المسجد حتى إذا أتى على حد أمر أن يخرج من المسجد فيقام، وقال عمر: أخرجاه من المسجد واضرباه، ويذكر عن علي نحوه، ثم ساق حديث أبي هريرة، قال: «أتى رَجَلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلما شهد على نفسه أربعا، قال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: اذهبوا به فارجموه» . وقد روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وبيعكم وشراءكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم، وجمروها أيام جمعكم واجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم» . فهذا كله مما يجب أن تنزه عنه المساجد لقول الله عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36] . ويكره رفع الصوت فيها حتى في العلم، وقد بنى عمر بن الخطاب رحبة في مؤخر المسجد تسمى البطيحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط أو يشعر، ينشد شعرا، أو يرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة، وبالله التوفيق.

حلق وسط الرأس والقفا

في حلق وسط الرأس والقفا واستئصال الشارب والأخذ من اللحية وسمعت مالكا: يكره حلق وسط الرأس للمحجمة، فقد ذكر مالك:

وجه الكراهية في ذلك وهو التشبه بالنصارى الذين يفحصون عن أوساط رءوسهم من الشعر على ما جاء في ما أوصى به أبو بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام، فقال له: إنك ستجد أقواما فحصوا عن أوساط رءوسهم من الشعر فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف.
وأما حلق القفا فكرهه مالك إذ لم يرد في حلقه أثر يتبع يراه مثله، وقربا عنده من فعل النصارى الذين يحلقون مؤخر رءوسهم.
وأما استئصال الشارب فاختلف أهل العلم فيه لما جاء من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بإحفاء الشارب وإعفاء اللحى» . والإحفاء الاستئصال بالحلق، فحمله جماعة من العلماء على ظاهره وعمومه، منهم أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما، فقالوا: إحفاء الشواب أفضل من قصها، وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل، فكان يحفي شاربه إحفاء شديدا، ويقول: السنة فيه أن يحفى؛ كما قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أحفوا الشوارب» . وذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى أن السنة أن يقص ويؤخذ منه حتى يبدو أطراف الشفة الإطار ولا يستأصل جميعه بالحلق، لأنه روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» ، وأنه قال: «خمس من الفطرة، فذكر منها قص الشارب» ، فجعل ذلك من قوله: "فينا" لأمره بإحفاء

الشوارب، فقال: معناه أن يقص حتى يحفي منه الإطار لا جميعه.
وقوله صحيح؛ لأن استعمال الأحاديث وحمل بعضها على التفسير لبعض أولى من الأخذ ببعضها والاطراح لسائرها، لا سيما وفي العمل المتصل من السلف بالمدينة بترك إحفاء الشوارب دليل واضح على أنهم فهموا عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه إنما أراد بإحفاء الشوارب قصها والأخذ منها وألا تعفى كما يفعل باللحى، وهو دليل واضح، ولذلك قال مالك: إن حلق الشارب مثله، وحكم له في رسم الجامع من سماع أشهب من كتاب السلطان بأنه بدعة، ورأى أن يؤدب من فعل ذلك؛ لما فيه من تقصير المتقدم في مخالفتهم ظاهر الحديث والجهل به، وهم ما جهلوه ولا خالفوه، لكنهم تأولوه على ما تأوله عليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ولا يصح أن يكون المتأخر أعلم بمراد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من السلف المتقدم، وقد قال بعض المتأخرين: إن الشارب لا يقع إلا على ما يباشر به شرب الماء وهو الإطار، فذلك هو الذي يحفى.
والصحيح أن الشارب ما عليه الشعر من الشفة العليا إلا أن المراد بإحفائها إحفاء بعضها وهو الإطار منها، لا إحفاء جميعها بدليل الحديثين الأخيرين، وقد روي عن ابن القاسم أنه كان يكره أن يؤخذ من أعلاه، ويقول: تفسير حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في إحفاء الشارب إنما هو الإطار، والأظهر أن ذلك ليس بمكروه، وأنه مستحسن، فيقص الشارب لما جاء في الحديث من أن قصه من السنة، ويحفى الإطار منه لما جاء في الحديث من الأمر بإحفاء الشوارب.

وما استحسنه مالك من أن يؤخذ من اللحى إذا طالت جدا حسن ليس فيه ما يخالف أمر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بإعفائها، بل فيه ما يدل على ذلك بالمعنى، لأنه إنما أمر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بإعفاء اللحى لأن حلقها أو قصها تشويه ومثله، وكذلك طولها نعما سماجة وشهرة، ولو ترك بعض الناس الأخذ من لحيته لانتهت إلى سرته أو إلى ما هو أسفل من ذلك، وذلك مما يستقبح، وبالله التوفيق.

صفة المؤمن

في صفة المؤمن قال مالك: المؤمن يسير المؤنة حسن المعونة.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أن هذه هي صفة المؤمن الممدوح إيمانه، ومنها أن يكون حسن السمت هينا لينا مكرما لجاره وضيفه لا ينطق إلا بخير ويسارع إلى فعل الخير، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" جائزته يوم وليلة» الحديث.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» ، إن المؤمن يزهد في الدنيا ولا يستكثر منها، ويطوي

بطنه عن جاره ويؤثر على نفسه، والكافر يرغب في الدنيا ويستكثر منها ولا يؤثر على نفسه فيها، وبالله التوفيق.

ما جاء في بلال رضي الله عنه

في ما جاء في بلال

  • رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وسمعت مالكا يذكر أنه بلغه: أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال لبلال: «يا بلال، إني دخلت الجنة فسمعت خشفا أمامي» ، وقال: الخشف الوطء، «فقلت: من هذا؟ فقالوا: بلال، فكان بلال إذا ذكر ذلك بكى» . قال محمد بن رشد: بلال هذا هو بلال بن رباح مولى أبي بكر الصديق، كان يعذب على دينه، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فكان له خازنا ولرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مؤذنا، فأذن له حتى توفي، ثم أذن لأبي بكر حياته، ولم يؤذن في زمن عمر، فقال له: ما منعك أن تؤذن؟ قال: إني أذنت لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى قبض، وأذنت لأبي بكر حتى قبض؛ لأنه كان ولي نعمتي، وقد سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «يا بلال، ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله» ، فخرج مجاهدا، ويقال: إنه أذن لعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذا دخل الشام مرة فبكى عمر وغيره من المسلمين، وروي: أنه كان يؤذن لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلما مات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أراد أن يخرج إلى الشام، فقال له أبو بكر: بل تكون عندي، فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله عز وجل، فقال: اذهب، فذهب إلى الشام، فكان بها حتى مات.

ورؤية النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إياه في الجنة شهادة منه له بها؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، وبكاؤه إذا ذكر ذلك كان شوقا لله وتوقا إلى لقائه، وبالله التوفيق.

فضل الفقه في الدين

في الفقه في الدين وسمعت مالكا يقول: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» . قال محمد بن رشد: يشهد لصحة معنى هذا الحديث قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269] جاء في التفسير أنه الفقه في دين الله، وهو تفسير يشهد بصحته قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» ، والفقه في الدين هو العلم به، وقد أثنى الله على العلماء بما أثنى ووعدهم بالدرجات العلى، فقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] ، وقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43] ، وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9] ، وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11] ، وطلب العلم أفضل أعمال البر، روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «ما أعمال البر كلها في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما أعمال البر كلها والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر» ، فنص في هذا

الحديث على أن طلب العلم أفضل من الجهاد، ومعناه في الموضع الذي يكون فيه الجهاد فرضا على الكفاية إذا كان قد قيم به لأنه حينئذ يكون له قافلة، وأما القيام بفرض الجهاد [والجهاد] في الموضع الذي يتعين فيه الجهاد على الأعيان فلا شك أنه أفضل من طلب العلم، والله أعلم.
وظاهر الحديث أن طلب العلم أفضل من الصلاة.
وما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه «سئل عن أفضل الأعمال فقال: " الصلاة لأول ميقاتها» - معناه في الفرائض، وأما النوافل فطلب العلم أفضل منها على ظاهر الحديث المذكور، والله تعالى أعلم.
وقد سئل مالك: عن القوم يتذاكرون الفقه، القعود في ذلك أحب إليك أم الصلاة؟ فقال: بل الصلاة، وروي عنه أن العناية بالعلم أفضل، وليس ذلك عندي اختلافا من قوله، ومعناه: أن طلب العلم أفضل من الصلاة لمن ترجى إمامته، والصلاة أفضل من طلب العلم لمن لا ترجى إمامته إذا كان عنده منه ما يلزمه في خاصة نفسه من صفة وضوئه وصلاته وزكاته إن كان ممن تجب عليه الزكاة، وقال سحنون: يلزم أثقلهما عليه.

[تفسير إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا]

في تفسير ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29] وسئل مالك: عن تفسير: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29] ، قال: مخرجا؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2] . قال محمد بن رشد: فسر مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - إحدى الآيتين بالأخرى، فقال: معنى فرقانا في الآية الواحدة معنى مخرجا في الآية الثانية، وقد قيل:

معنى فرقانا: نصر، وقيل: نجاة، وأحسن ما قيل في ذلك أن المعنى فيه فصلا بين الحق والباطل، حتى يعرفوا ذلك بقلوبهم ويهتدوا إليه؛ لأن الفرقان في لسان العرب مصدر من قولهم فرقت بين الشيء والشيء أفرق فرقا وفرقانا.
وأما قول الله عز وجل ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2] ، فمعناه: يجعل له من أمره مخرجا، وذلك أنه إذا اتقى الله فطلق كما أمره الله ولم يطلق ثلاثا كان له مخرجا بالارتجاع الذي يملكه في العدة وبالخطبة التي هي له مباح بعد العدة، وقد روي: أن الآية نزلت في رجل من أصحاب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يقال له عوف بن مالك الأشجعي كان له ابن أسره المشركون، فكان يأتي إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ليشكو إليه مكان ابنه وحالته التي هو بها أو حاجته، فكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمره بالصبر، ويقول له: إن الله سيجعل له مخرجا، فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا فانفلت من أيدي العدو فمر بأغنام لهم فاستاقها فجاء بها إلى أبيه وجاء معه بعثا قد أصابه من الغنم، فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 3] ، فمن اتقى الله عز وجل وهو في شدة من أمره جعل الله له منه مخرجا على ما في سورة الطلاق، وإن كان في حيرة جعل الله له فرقانا، أي: فصلا يبين له به الحق من الباطل، والصواب وفيما تحير فيه على ما في سورة الأنفال.
فتأويل من تأول لكل آية منها معنى غير معنى الأخرى أولى ممن صرفهما إلى معنى واحد على ما ذهب إليه مالك، والله تعالى أعلم.

القدوم على البلد الذي تقع فيه الأمراض

17 -

في القدوم على البلد الذي تقع فيه الأمراض فيكثر فيه الموت وسئل مالك: عن الأمراض تقع في بعض البلدان فيكثر فيهم الموت- وقد كان الرجل يريد الخروج إلى ذلك الموضع فلما بلغه كثرة ذلك المرض والموت كره أن يخرج إليه.
قال: ما أرى بأسا إن خرج أو أقام وذكر الحديث الذي جاء عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الطاعون، فقلت له: أفتراه يشبه ما جاء فيه الحديث من الطاعون؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: الحديث الذي جاء في الطاعون قول عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب إذ خرج إلى الشام، فلما بلغ سرغ، بلغه أن الوباء قد وقع فيه، فاستشار المهاجرين والأنصار في القدوم عن الوباء أو الرجوع عنه، فاختلفوا عليه في ذلك: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» ، فرجع عمر بن الخطاب، قيل: بحديث عبد الرحمن بن عوف، وقيل: بل إنما حدثه به بعد أن كان عزم على الرجوع بما أشار به عليه مشيخة الفتح إذ لم يختلفوا عليه في ذلك.
وقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه» - ليس بنهي تحريم، وإنما هو نهي أدب وإرشاد من ناحية قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل الممرض على المصح، وليحل المصح حيث شاء» ، لئلا يقع بنفسه إن قدم عليه فأصابه فيه قدر أنه لو لم يقدم عليه لنجا منه، ولا مجير

لأحد عن القدر، فلهذا قال مالك: ما أرى بأسا إن خرج أو أقام، أي: لا حرج عليه إن قدم على البلد في مخالفة النهي، إذ ليس بنهي تحريم، بل له الأجر إن شاء الله إذا قدم عليه موقنا بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فهو يؤجر إذا قدم عليه لهذا الوجه، ويؤجر إذا لم يقدم عليه لاتباع نهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن ذلك، فهذا وجه تخيير مالك إياه في ذلك.
وكذلك قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» - ليس بنهي تحريم وإنما هو أمر بالمقام الذي هو أفضل من أجل الاستسلام للقدر، فالمقام أفضل بوجهين: أحدهما: اتباع الحديث، والثاني: الاستسلام للقدر، والخروج جائز لا حرج فيه إن شاء الله إلا أنه مكروه لمخالفة الحديث.
وقد أمر به عمرو بن العاص فروي عن الطاعة، فقال: تفرقوا عنه فإنما هو بمنزلة نار، فقام معاذ بن جبل، فقال: لقد كنت فينا وأنت أضل من حمار أهلك، سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «هو رحمة لهذه الأمة» اللهم فاذكر معاذا فيمن تذكره في هذه الرحمة "، فمات في طاعون عمواس بالأردن من الشام سنة ثماني عشرة، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وروي عن شرحبيل بن حسنة أن عمرو بن العاص قال وقد وقع الطاعون بالشام: إنه رجس فتفرقوا عنه، فقال شرحبيل: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنها رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم فلا تفرقوا عنه» . قال ابن عبد البر في الاستذكار أظن قوله " ودعوة نبيكم " قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللهم فاجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون، قالت عائشة: يا رسول الله، الطعن عرفناه، فما الطاعون؟ قال: غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط» . ووجه ما ذهب إليه عمرو بن العاص من أن الخروج عن البلد الذي يقع فيه الطاعون أولى من المقام فيه، هو مخافة الفتنة في ذلك بأن يصيبه قدر في مقامه فيقول القائل لو خرج لنجا، فقد روي عن ابن مسعود أنه قال: الطاعون فتنة على المقيم وعلى الفار، أما الفار فيقول: فررت فنجوت، وأما المقيم فيقول: أقمت فهلكت، وكذبا جميعا، فر من لم يجئ أجله، وأقام فمات من جاء أجله، وقد قال المدائني: يقال: إنه قل ما فر أحد من الطاعون فسلم من الموت.
فيتحصل على هذا في الأفضل من القدوم على الوباء والخروج عنه أو ترك ذلك بعد الإجماع على أنه لا إثم ولا حرج في شيء من ذلك ثلاثة أقوال للسلف: أحدها: أن الأفضل أن يقدم عليه وأن لا يخرج عنه، وهو مذهب من أشار من المهاجرين والأنصار على عمر بن الخطاب أن يقدم عليه ولا يرجع عن وجهته؛ لأن ترك القدوم عليه أحب من الرجوع عنه، فإذا كره الرجوع عنه فأحرى أن يكره الخروج عنه.
والثاني: أن الأفضل أن لا يقدم عليه وأن يخرج، وهو الذي ذهب إليه عمرو بن العاص؛ لأنه إذا كره المقام فيه فأحرى أن يكره القدوم عليه.

والقول الثالث: أن الأفضل ألا يقدم عليه وألا يخرج عنه للنهي الوارد في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رواية عبد الرحمن بن عوف، وهذا القول أصح الأقوال؛ لأن السنة حجة على القولين الآخرين، وبالله التوفيق.

نتف الشيب وقرضه

في نتف الشيب وقرضه وسئل مالك: عن نتف الشيب؟ فقال: ما أعلم حراما، وتركه أحب إلي من نتفه، قال ابن القاسم: ولا أحب نتفه، قيل له: لو قرضه؟ فقال: أكره أن يقرضه من أصله، وهو عندي يشبه النتف.
قال محمد بن رشد: الكراهية في ذلك ما جاء من أن إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أول الناس ضيف الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه، وأول الناس رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟ فقال الله تبارك وتعالى: (وقارا يا إبراهيم، فقال: رب زدني وقارا) ، فما دعا إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - به الزيادة فيه لا ينبغي لأحد أن ينقصه من نفسه، وبالله التوفيق.

ماء غير متملك يجري على قوم إلى قوم دونهم

في سيل مهزور ومذينب وسئل مالك: عن سيل مهزور ومذينب حين قضى فيهما رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أكان فيهما يومئذ أصول نخل؟ فقال: نعم.
قال محمد بن رشد: مهزور ومذينب واديان معروفان من أودية المدينة يسيلان بالمطر يتنافس فيهما أهل المدينة فقضى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن

يمسك الأعلى إلى الكعبين ثم يرسل على الأسفل، وهذا هو الحكم في كل ماء غير متملك يجري على قوم إلى قوم دونهم أن من دخل الماء أرضه أولا فهو أحق بالسقي به حتى يبلغ الماء في أرضه إلى الكعبين.
ثم اختلف الناس إذا بلغ الماء إلى الكعبين هل يرسل جميع الماء إلى الأسفل أو لا يرسل إليه إلا ما زاد على الكعبين؟ وقال ابن القاسم: بل يرسل جميع الماء ولا يحبس منه شيئا، والأول أظهر، وروى زياد عن مالك: أن معنى الحديث أن يجري الأول الذي هو أقرب إلى الماء من الماء في ساقيته إلى حائطه بقدر ما يكون الماء في الساقية إلى حد كعبيه حتى يروى حائطه بقدر ما يكون الماء في الساقية، ثم يفعل الذي يليه كذلك ما بقي من الماء شيء، قال: وهذا السنة فيهما وفيما يشبههما مما لا حق فيه لأحد بعينه أن الأول أحق بالتبدئة ثم الذي يليه إلى آخرهم رجلا، وبالله التوفيق.

تغيير الشيب

في تغيير الشيب قال: وسمعته يذكر، قال مالك: كان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب وسعيد بن المسيب والسائب بن زيد لا يغيرون الشيب.
قال محمد بن رشد: أما صبغ الشعر وتغيير الشيب بالحناء والكتم والصفرة فلا اختلاف بين أهل العلم في أن ذلك جائز، وإنما اختلفوا هل الصبغ بذلك أحسن أو ترك الصبغ جملة أحسن، واختلف في ذلك قول مالك بدليل ما له في الموطأ أن الصبغ بذلك أحسن، ودليل ما تقدم من قوله قبل هذا في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها أن ترك الصبغ بذلك كله أحسن، وقد مضى الكلام على هذا هناك مستوفى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

قضاء الرجل الرجل الذهب في المسجد

في قضاء الرجل الرجل الذهب في المسجد وسئل مالك: عن الرجل يقضي الرجل ذهبا في المسجد، فقال: لا أرى به بأسا، وأما ما كان على وجه التجارة والصرف فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا متكررا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب السلطان، وكره في رسم شك في طوافه منه في كتاب ذكر الحق في المسجد إلا أن يكون شيئا خفيفا لا يطول، وهذا كله بين؛ لأن المساجد إنما وضعت لذكر الله والصلاة، قال الله عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: 36] ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37] ، فواجب أن ترفع وتنزه عن أن تتخذ لغير ما وضعت له، وقد اتخذ عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رحبة بناحية المسجد تسمى البطيحاء، فقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة، وكان عطاء إذا مر به بعض من يبيع في المسجد دعاه فسأله: ما معه وما يريد؟ فإذا أخبره أنه يريد أن يبيعه، قال: عليك بسوق الدنيا فإنما هذا سوق الآخرة، وبالله التوفيق.

ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام من قلة السعة

فيما كان عليه أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أول الإسلام من قلة السعة وسمعت مالكا يقول: كان عبد الله بن عمر يقول: ما شبعنا من الثمر حتى فتحت خيبر.
قال محمد بن رشد: قد مضى معنى هذا في رسم نذر سنة

وتكلمنا هناك على ما يتعلق به من التفضيل بين الفقر والغنى، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

ظهور أثر السجود بين عيني الرجل

في كراهية ظهور أثر السجود بين عيني الرجل وسمعته يقول: بلغني أن سعد بن أبي وقاص رأى رجلا بين عينيه سجدة، فقال: منذ كم أسلمت، فذكر الرجل أمدا كأنه تقربه، فقال سعد: أسلمت منذ كذا وكذا وما بين عيني شيء.
قال محمد بن رشد: كره له سعد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن يشد جبهته بالأرض حتى يؤثر فيها السجود فيبدو ذلك للناس؛ إذ ليس ذلك هو المعنى المراد بقول الله عز وجل: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29] ، وإنما هو ما يعتريهم من الصفرة والنحول بكثرة العبادة وسهر الليل، وقيل: إن ذلك في الآخرة لا في الدنيا، ولعله اتهمه أن يكون قصد إلى ذلك ليعرف به، فلذلك وبخه بما قرره عليه في الرواية، والله أعلم.
وقد روي أن عمر بن عبد العزيز استعمل عروة بن عياض على مكة فاستعداه عليه رجل ذكر أنه سجنه في حق فلم يخرجه منه حتى باع ماله منه بثلاثة آلاف، وقد كان أعطاه به ستة آلاف فأبى أن يبيعه منه، واستحلفه بالطلاق ألا يخاصمه في ذلك أبدا، فنظر عمر إلى عروة ونكت بالخيزران بين عينيه في سجدته، ثم قال: هذه غرتني منك، لسجدته، ولولا أني أخاف أن تكون سنة من بعدي لأمرت بموضع السجود فغور، ثم قال للرجل: اذهب فقد رددت عليه مالك ولا حنث عليك، وقد مضى هذا في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب من كتاب الصلاة لتكون الحكاية هناك، وبالله التوفيق.

شكل المصاحف

في شكل المصاحف وسئل مالك: عن شكل المصاحف أتشكل؟ فقال: أما أمهات المصاحف فإني أكره ذلك، وأما ما يشكل للتعليم فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: المعنى في كراهيته لشكل أمهات المصاحف هو أن الشكل مما قد اختلف القراء في كثير منه، إذ لم يجئ مجيئا متواترا فلا يحصل العلم بأي الشكلين أنزل، وقد يختلف المعنى باختلافه، فكره أن يثبت في أمهات المصاحف ما فيه اختلاف، وبالله التوفيق.

يأمر للسائل بشيء فيجده قد ذهب

في الذي يأمر للسائل بشيء فيجده قد ذهب وسئل مالك: عن السائل يقف بالباب فيأمر له بدرهم فيجده قد انصرف، أترى أن يسترجعه؟ فقال: لا، ولكن يتصدق به، قال له: فالكسوة؟ قال: كذلك يتصدق بها.
قال محمد بن رشد: زاد في هذه المسألة في هذا الرسم من كتاب العارية، وما رآه عليه بواجب، ووصل ابن أبي زيد بها في النوادر، وقال: ومن خرج إلى مسكين بشيء فلم يقبله فليعطه غيره، وهو أشد من الأول، وليس بينهما فرق بين، والمعنى الذي ذهب إليه ابن أبي زيد في الفرق بينهما والله أعلم هو أنه لما وجده فأبى أن يقبلها وقد كان له أن يقبلها فردها أشبه عنده ردها إليه بعد قبوله إياها، ولعله إنما ردها إليه ليعطيها لغيره، مثل أن يقول له أنا لا حاجة لي بها فادفعها لغيري، فيكون ذلك قبولا منه لها، ويكون بذلك راجعا في صدقته، وكذلك إذا سأله قريبه أو

أجنبي أن يعطيه شيئا فيعده بذلك فيأتي بما وعده به فلا تجده يستحب له أن يعطيه لغيره.
فآكدها في الاستحباب الذي يخرج بالشيء إلى السائل فيجده فلا يقبل، ويليها إذا لم يجده، ويليها الرجل الأجنبي يعده بالشيء فلا يجده، ويليها القريب يعده بالشيء فلا يجده، وهو أخفها كلها من أجل أنه إنما أراد عينه لقربه منه، وبالله تعالى التوفيق.

مقاتلة العصبية

في مقاتلة العصبية وسئل مالك: عن العصبية مثل ما كان في أهل الشام، قال: أرى للإمام أن يتدارك ذلك وأن يزجرهم، فإن طاعوا وإلا جوهدوا فيه، يعني أن يقاتلوا.
قال محمد بن رشد: هذا نص ما في كتاب الجهاد من المدونة، والأصل في ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] ، أي: حتى ترجع إلى الحق الذي أمر الله به، وبالله التوفيق.

حد المنجم

في المنجم وسئل مالك: عن الذي ينظر في النجوم فيقول الشمس تكسف غدا والرجل يقدم غدا، وما أشبه هذا.
قال: أرى أن يزجر عن ذلك، فإن لم يفعل أدب في ذلك، ثم قال: وإني لأرى هؤلاء الذين يعالجون المجانين

ويزعمون أنهم يعالجونهم بالقرآن وقد كذبوا ليس كما قالوا، ولو كانوا يعلمون ذلك لعلمته الأنبياء، قد صنع لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سحر فلم يعرفه حتى أخبرته الشاة.
وإني لأرى هذا ينظر في الغيب، وإنها عندي لمن حبائل الشيطان.
قال محمد بن رشد: ليس قول الرجل: الشمس تكسف غدا والقمر يكسف ليلة كذا - من جهة النظر في النجوم وعلم الحساب، بمنزلة قوله من هذا الوجه: فلان يقدم غدا، في جميع الوجوه؛ لأن الشمس والقمر مسخران لله تعالى في السماء يجريان في أفلاكهما من برج إلى برج على ترتيب وحساب وقدر لا يتعديانه، قال الله عز وجل: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39] وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5] وقال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40] . فالقمر سريع الذهاب يقطع جميع بروج السماء في شهر واحد ولا تقطعها الشمس إلا في اثني عشر شهرا، فهو يدرك الشمس في آخر كل شهر ويصير بإزائها من البروج الذي هي فيه، ثم يخلفها فإذا بعد وكلما زاد بعده منها زاد ضوءه إلى أن ينتهي في البعد ليلة أربعة عشر فتكمل استدارته وضوءه لمقابلة الشمس، ثم يأخذ في القرب منها، فلا يزال ضوءه ينقص إلى أن يدرك الشمس فيصير بإزائها على ما أحكمه خالق الليل والنهار، لا إله إلا هو.
فإذا قدر الله عز وجل على ما أحكمه من أمره وقدره من منازله في سيره أن يكون بإزاء الشمس في النهار فيما بين الأبصار وبين الشمس ستر جرمه عنا ضوء الشمس كله إن كان مقابلها أو بعضه إن كان منحرفا عنها، فكان ذلك هو

الكسوف للشمس، آية من آيات الله عز وجل يخوف بها عباده، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59] ، ولذلك أمر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بالدعاء عند ذلك، وسن له صلاة الكسوف.
فليس في معرفة وقت كون الكسوف بما ذكرناه من جهة النجوم وطريق الحساب ادعاء علم غيب ولا ضلالة وكفر على وجه من الوجوه، لكنه يكره الاشتغال به؛ لأنه مما لا يعني، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . وفي الإنذار به قبل أن يكون ضرر في الدين؛ لأن من سمعه من الجهال يظن أن ذلك من علم الغيب، وأن المنجمين يدركون علم الغيب من ناحية النظر في النجوم، فوجب أن يزجر عن ذلك قائله ويؤدب عليه كما قال؛ لأن ذلك من حبائل الشيطان، وقد روي: أن رجلا قال بالإسكندرية عند عمرو بن العاص: زعم حسطال هذه المدينة أنه يكسف بالقمر الليلة أو أن القمر ينكسف الليلة، فقال رجل: كذبوا هذا هو، علموا ما في الأرض فما علمهم بما في السماء؟ فقال عمرو بن العاص: إنما الغيب خمسة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34] وما سوى ذلك يعلمه قوم ويجهله آخرون.
وأما قوله فلان يقدم غدا فهو من التخرص في علم الغيوب والقضاء بالنجوم.

وقد اختلف في المنجم يقضي بتنجيمه، فيقول: إنه يعلم متى يقدم فلان، ويعلم وقت نزول الأمطار وما في الأرحام وما يستسر به الناس من الأخبار وما يحدث من الفتن والأهوال وما أشبه ذلك من المغيبات، فقيل: إن ذلك كفر يجب به القتل دون استتابة؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا﴾ [الفرقان: 50] ، ولقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «قال الله عز وجل: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» ، وقيل: إنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، روي ذلك عن أشهب، وقيل: إنه يزجر عن ذلك ويؤدب عليه، وهو قوله في هذه الرواية، والذي أقول به: إن هذا ليس باختلاف قول في موضع واحد، وإنما هو اختلاف في الأحكام بحسب اختلاف الأحوال، فإذا كان المنجم يزعم أن النجوم واختلافها في الطلوع والغروب هي الفاعلة لذلك كله وكان مستسرا بذلك فحضرته البينة قتل بلا استتابة؛ لأنه كافر زنديق، وإن كان معلنا بذلك غير مستسر به يظهره ويحاج عليه استتيب، فإن تاب وإلا قتل كالمرتد سواء، وإن كان مؤمنا بالله عز وجل مقرا بأن النجوم واختلافها في الطلوع والغروب لا تأثير لها في شيء مما يحدث في العالم، وأن الله هو الفاعل لذلك كله إلا أنه جعلها أدلة على ما يفعله، فهذا يزجر عن اعتقاده ويؤدب عليه أبدا حتى يكف عنه ويرجع عن اعتقاده ويتوب عنه؛ لأن ذلك بدعة يجرح بها، تسقط إمامته وشهادته على ما قاله سحنون في نوازله من كتاب الشهادات.
ولا يحل للمسلم أن يصدقه في شيء مما يقول، وأنى يصح أن يجتمع في قلب مسلم تصديقه مع قول الله عز وجل: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: 65]

وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 26] ﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: 27] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34] ، وروي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «من صدق كاهنا أو منجما أو عرافا فقد كفر بما أنزل الله على قلب محمد» ، ويمكن أن يصادف في بعض الجمل وذلك من حبائل الشيطان، فلا ينبغي أن يغتر أحد بذلك ويجعله على صدقه دليلا فيما يقول، كما لا ينبغي أن يصدق المعالجون الذين يعالجون المجانين فيما يزعمون من أنهم إنما يعالجون بالقرآن، فلا يعلم الأمور الغائبة على وجوهها وتفاصيلها إلا علام الغيوب أو من أطلع عليها علام الغيوب من الأنبياء ليكون ذلك دليلا على صحة نبوته، قال الله عز وجل في كتابه حاكيا عن عيسى ابن مريم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 49] ، فادعاء معرفة ذلك والإخبار به على الوجه الذي يعرف ذلك الأنبياء ويخبر به تكذيبا لدلالتهم.
وفي دون هذا كفاية لمن شرح الله صدره للإسلام وهداه ولم يرد إضلاله وإغواءه.
والذي ينبغي أن يعتقد فيما يخبرون به من الجمل فيصيبون مثل ما روي عن هرقل: أنه أخبر أنه نظر في النجوم فرأى ملك الختان قد ظهر، أن ذلك إنما هو على معنى التجربة التي قد تصدق في الغالب من نحو قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين الغديقة» ، وبالله التوفيق.

كراء الأفنية

في كراء الأفنية وسئل مالك: عن الأفنية التي تكون في الطريق يكريها أهلها، أترى ذلك لهم وهي طريق المسلمين؟ قال: إذا كان فناء ضيقا إذا وضع فيه شيء أضر ذلك بالمسلمين في طريقهم فلا أرى أن يمكن أحد من الانتفاع به وأن يمنعوا، وأما كل فناء إن انتفع به أهله لم يضيق على المسلمين في طريقهم شيئا لسعته لم أر بذلك بأسا، قال: وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا ضرار» ، فإذا وضع في طريق المسلمين ما يضيق عليهم به فقد أضر بهم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن لأرباب الأفنية أن يكروها ممن يضع فيها ما لا يضيق به في الطريق على المارة فيه، لأنه إذا كان لهم أن ينتفعوا بها على هذه الصفة وكانوا أحق بذلك من غيرهم كان لهم أن يكروها؛ لأن ما كان للرجل أن ينتفع به كان له أن يكريه، وهذا ما لا أعلم فيه خلافا.
وإنما الذي لا يباح لصاحب الفناء أن يقتطعه ويدخله في داره، فإن فعل وكان ذلك يضر بالطريق هدم عليه وأعيد إلى حاله.
واختلف إن كان لا يضر، فقيل: إنه يهدم عليه أيضا، وهو قول أشهب وابن وهب في سماع زونان من كتاب السلطان، وقيل: إنه لا يهدم عليه، وهو قول أصبغ وروايته عن أشهب في رسم الأقضية والحبس من سماع أصبغ من الكتاب المذكور، وقد مضى هذا كله في هذا الرسم من هذا السماع من الكتاب المذكور لتكرر المسألة هناك، وبالله التوفيق.

أول طعام أهل الجنة

في أول طعام أهل الجنة قال: وسمعت مالكا يحدث أنه يقال: أول ما ينزله أهل الجنة بلام ونون، قال: يلبث الثور نافشا في الجنة يأكل من ثمرة الجنة، فإذا أضحى ذكاه الحوت بذنبه فأكلوا منه، ويظل الحوت يسبح في أنهار الجنة يأكل من ثمار الجنة، فإذا أمسى نهره الثور بقرنه فأكلوا من لحمه.
قال محمد بن رشد: البلام الثور، والنون الحوت، قال الله عز وجل: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: 87] ، وقال في موضع آخر: ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: 48] ، فبان أن النون هو الحوت، والمعنى في هذا الحديث إن صح: أن الله يعيد الثور بعد أن ذكاه الحوت فأكلوا منه حيا كما كان، فينهر الحوت بقرنه فيأكلوا منه، ويحتمل أن يكون النون الذي ينهر الحوت غير الذي ذكاه الحوت فأكلوا منه، لا ذلك الثور بعينه؛ لأن الألف واللام في قوله "يلبث الثور" قد تكون للعهد وقد تكون للجنس، والنفش الرعي بالليل، قال الله عز وجل: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: 78] والجنة لا ظلام فيها ولا ليل ولا ضحى ولا مسى، روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الجنة بيضاء تتلألأ، وأهلها بيض، لا ينام أهلها وليس فيها شمس ولا ليل مظلم ولا حر ولا برد يؤذيهم» . وروي عن عبد الله بن أبي أوفى: «أن رجلا قال: يا رسول الله أفي الجنة ليل؟ فقال: "ليس في الجنة ظلمة، إن الليل ظلمة، إن شجرها نور وأنوارها نور وثمرتها نور وخدمها نور» .

فقوله "يلبث في الجنة الثور نافشا في الجنة" أي: آكلا من ثمرها مقدار ليل الدنيا.
وقوله "فإذا أضحى ذكاه الحوت بذنبه فأكلوا منه، فإذا أمسى نهره الثور بقرنه فأكلوا منه" - مثل قول الله عز وجل في كتابه العزيز: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 62] ، يريد: أنهم يؤتون به على قدر ما كانوا يشتهونه في الدنيا الغداء والعشاء، وقيل: إنه إذا مضى مقدار ثلاث ساعات من اثنتي عشرة ساعة من ساعات الدنيا التي هي مقدار النهار فيها أتوا بغدائهم، وإذا بقيت ثلاث ساعات أتوا بعشائهم، فيكون على هذا بين الأكل والأكل مقدار ست ساعات من ساعات الدنيا، ويروى: أنه يغدى على أدنى منزلة في الجنة كل يوم بسبعين ألف صحفة من ذهب، في كل واحدة منها لون ليس في الأخرى، يأكل منها من آخرها كما يأكل من أولها، ويراح عليه بمثلها، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما روي عنه حاكيا عن ربه عز وجل: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين نظرت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» ، وبالله التوفيق.

فساد الناس وقلة زعتهم

ومن كتاب البز في فساد الناس وقلة زعتهم قال مالك: وذكر فساد الناس وقلة زعتهم، وقال: لقد قال ذلك الرجل: لقد رأيتنا في الجاهلية وكأنا في ملك ضابط، يريد بذلك كف بعضهم عن بعض وأحلامهم فيما بينهم، وذكر عنه، قال ابن القاسم: إنه الزبير بن العوام.

قال محمد بن رشد: وإذا كان مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - قد أشفق في زمنه لما رأى من فساد الناس وقلة زعتهم.
فناهيك من زمننا هذا الوادركه، وقد قال عبد الله بن مسعود: ما من عام إلا والذي بعده شر منه، يريد في فساد الناس وقلة زعتهم وكثرة الشر فيهم، وبالله التوفيق.

معنى الحكمة والعقل

في الحكمة والعقل قال: وسمعت مالكا يقول: وسمعت زيد بن أسلم يقول: ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 79] ، إن الحكمة العقل، قال مالك: والذي يقع بقلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا ذا بصر، وتجد آخر ضعيفا في دنياه عالما في أمر دينه بصيرا به يؤتيه الله إياه ويحرم هذا، فهذه الحكمة، الفقه في دين الله.
قال محمد بن رشد: تأويل مالك أظهر؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269] ، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» ، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحمل على التفسير لقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269] ، وقد قيل: معنى "حكما وعلما" فهما وعقلا، وقيل: معناه: فهما وعلما، فيأتي في تأويل الحكم في هذه الآية ثلاثة أقوال، قيل: الفقه، وقيل: الفهم، وقيل: العقل، وفي رسم شك في طوافه بعد هذا أن الحكمة في قوله عز وجل:

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 269] التفكير في أمر الله والاتباع.
والتفكير في أمر الله لا يكون إلا بالعقل والفهم، والتأويلات كلها قريبة بعضها من بعض في المعنى؛ لأن الفقه لا يكون إلا بالفهم، والفهم لا يكون إلا بالعقل، وفي قوله عز وجل: ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 79] مع اختلافهما فيما حكما به يدل على أن كل مجتهد مصيب، وللقول في هذا مكان غير هذا، وبالله التوفيق.

تمني عمر بن عبد العزيز الموت

في تمني عمر بن عبد العزيز الموت قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي توفي فيه أنه حبا حتى توضأ، ثم أتى المسجد فركع ثم ذكر موت سهل أخيه وعبد المالك ابنه ومزاحم مولاه، فقال: ما ازددت إلا حبا، وما ازددت فيما عندك إلا رغبة، قال ابن القاسم: ولا أعلمه إلا قال: فاقبضني إليك.
قال محمد بن رشد: في تمني عمر رغبة فيما عند الله وحبا في لقاء الله - دليل على ما له عند الله، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قال الله تبارك وتعالى: إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه» ، ومن أحب الله لقاءه فهو من أهل الجنة؛ لأن معنى محبة الله لقاءه إرادته لتنعيمه، وبالله التوفيق.

حشف التمر

في حشف التمر لعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: وسمعت مالكا في حديث عمر بن الخطاب في الصاع من التمر، قال: يحشف له، قال: يريد يقشر له، فقيل له: تفسير يحشف؟ قال: ينزع له قشره والحشف.
قال محمد بن رشد: هذه الحكاية عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تدل على أنه ينتقى له التمر فيأكل طيبه، وذلك جائز لا بأس به بإجماع من العلماء، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] ، وهي خلاف لما ذكره مالك في موطئه عن أنس بن مالك أنه قال: رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين يطرح له صاع من تمر فيأكله حتى يأكل حشفه.
وهذا يدل على أنه كان يقتصر في أكله على التمر، وأنه كان لا يأكل حتى يجوع، وأنه كان لا ينقى له من حشفه فيأكله بحشفه، لأنه كان مخشوشنا في طعامه لا ينتقيه، والحشف الرديء من التمر المسوس من اليابس، وللعرب مثل تضربه فيمن باع شيئا رديا وكال كيل سوء، قالت: أحشفا وسوء كيله بكسر الكاف.
وقد روى عن حفصة بنت عمر، قالت لعمر: يا أمير المؤمنين، لو لبست ثوبا هو ألين من ثوبك، وأكلت طعاما هو أطيب من طعامك فقد وسع الله من الرزق وأكثر من الخير، قال: إني سأخاصمك إلى نفسك، ألا تذكرين ما كان يلقى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من شدة العيش؟ فما زال يذكرها حتى

أبكاها، ثم قال: والله لئن استطعت لأشاركنهما بمثل عيشهما لعلي أدرك معهما الرخاء.
وسيأتي في رسم طلق بن حبيب أنه كان يحشف له الصاع من التمر فيأكله كله، فقيل له: ما يحشف؟ قال: يأكله بحشفه، والمعنى في ذلك، والله أعلم: أنه كان يحشف له فيكره ذلك من فاعله لما كان عليه من الخشونة في مطعمه وملبسه، ويأكله بحشفه، وهو نحو ما في الموطأ، وبالله التوفيق.

يضعف عن حمل العلم على وجهه

في الذي يضعف عن حمل العلم على وجهه قال مالك: كنت أسمع ربيعة بن عبد الرحمن يقول: إن الرجل لتجده صالحا صائما مصليا رجل صدق وعابدا، وآخر ضعيفا ليس فيه محمل لهذه الأشياء، ويضعف عن العلم أن يحمله ويخاف أن يحمله على غير وجهه، فهو عندي خير من هذا الذي حمل الفقه، قال: ورأيت مالكا يعجبه قول ربيعة ويقول: صدق، يسمع الشيء فيضعف عن وجه حمله فيفتي به الناس ويحملهم عليه وقد أخطأ في ذلك؟ وقال: مثل فلان.
قال محمد بن رشد: ما قاله ربيعة واستحسنه مالك صحيح؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من القلوب، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» ، فمن نظر في العلم وضعف عن حمله على وجهه وأفتى الناس بتأويله إياه على غير وجهه يخشى ألا يقوم ما عليه من الوزر في ذلك بما له من الأجر والثواب في صلاته وصيامه وعبادته، وبالله التوفيق.

سن عمر بن عبد العزيز

17 -

في سن عمر بن عبد العزيز وسئل مالك: كم أتى على عمر بن عبد العزيز من السنين؟ قال: اثنان وأربعون سنة.
قال محمد بن رشد: من مات في هذا السن فلم يبلغ سن الشيخ وهو يعد في حد الشباب والكهولة بدليل ما روى عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «دخلت الجنة فإذا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لشاب من قريش فظننت أني هو، فقلت: من هو؟ فقالوا: عمر بن الخطاب، فيا أبا حفص لولا ما أعلم من غيرتك لدخلته، فقال عمر: من كنت أغار عليه يا رسول الله فإني لم أكن أغار عليك» . وما روى عنه من أنه قال في أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والأخيرين إلا النبيين والمرسلين» . وروى ذلك عنه علي بن أبي طالب، وأنه قال: «ولا تخبرهما بذلك يا علي،» فكل كهل شاب وليس كل شاب كهلا؛ لأن الرجل يولد طفلا فيقع عليه اسم الطفولة ما لم يحتلم، فإذا احتلم كان شابا ما لم يبلغ الأشد، وقيل فيه: إنه خمس وثلاثون سنة فإذا بلغ خمسا وثلاثين سنة فهو شاب إلى أن يبلغ حد الشيخوخة، فعمر بن عبد العزيز إمام عدل شاب نشأ في عبادة الله، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ... » الحديث، فجمع الله لعمر هاتين

الفضيلتين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وبالله التوفيق.

فضل الفتيان

في الفتيان قال مالك: كان محمد بن كعب القرظي إذا ذكر الفتيان، قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: 60] وقال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13] ويذكر فضلهم.
قال محمد بن رشد: الفتيان هم الشبان فإذا نشأ الشاب في عبادة الله فهو في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله على ما جاء في الحديث، وبالله التوفيق.

الركوب بصفة الأرجوان

في الركوب بصفة الأرجوان وسئل مالك: عن الركوب بصفة الأرجوان.
قال: ما أعلم بأسا، وغيره أحب إلي منه.
قال محمد بن رشد: الأرجوان أظنه الخز الأحمر، ويحتمل أن يكون الصوف الأحمر، فإن كان الخز الأحمر فإنما سئل عنه والله أعلم لما روي عن «علي بن أبي طالب أنه أتي ببغلة عليها سرج خز، فقال: "نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الخز وعن ركوب عليه وعن جلوس عليه» . فلم ير به مالك بأسا؛ لأنه لم يعرف النهي عن ذلك، والله أعلم، ورأى غيره أحب إليه منه لما فيه من الحرير؛ لأنه يكره لباس الخز لما فيه من الحرير، والركوب عليه إذا جعلت صفة السرج منه، يشبه اللباس له.
وإن كان الأرجوان هو الصوف الأحمر فإنما رأى غيره أحب إليه منه

والله أعلم لما في ذلك من التشبه بالعجم، ألا ترى أنه قد روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الميثرة» وهي جلود السباع.
«وعن معاوية: أنه دعا نفرا من الأنصار في الكعبة فقال: أنشدكم بالله عز وجل، ألم تسمعوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن صفف النمور؟ فقالوا: اللهم نعم، قال: وأنا أشهد» وعن المقدام بن معدي كرب أن «رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الركوب على جلود السبع» ولا وجه للنهي عن ذلك إلا التشبه بالعجم؛ إذ قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر، وذكاة كل أديم دباغه» ، وروي عن أبي أيوب الأنصاري: أنه أتي بدابة بسرج نمور فنزع الصفة، فقيل: الجديتان نمور، فقال: إنما ينهى عن الصفة، يريد

لاستعمال العجم إياها كما ذكرناه.
وقد أباح ذلك جماعة من التابعين من أجل أن النهي في ذلك إنما هو لهذه العلة لا نهي تحريم، فروى أن عروة بن الزبير كان له سرج نمور , وروي ذلك عن الحسن البصري وابن سيرين، ولهذه العلة فرق في حديث علي الذي ذكرناه عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الخز بين لباسه والركوب عليه والجلوس عليه، وبالله التوفيق.

الوضيعة على من باع تمر حائطه

في أن الوضيعة لا تجب على من باع تمر حائطه إذا لم تصبه جائحة قال مالك: باع عبد الله بن عمر حائطا له واشترط على الذي باعه شروطا، واستثنى عليه فيه شيئا، وكان فيما اشترط عليه ألا يخرج منه أشياء إلا بعلمه فعمل فيه الرجل ثم تبين له فيه وضيعة، فجاءه يستوضعه، فأبى، فسأله الإقالة فأبى، فذهب الرجل.
فقال له أبو الرجال: إن أمي عمرة حدثتني «أن رجلا ابتاع حائطا على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعمل فيه فتبين له الوضيعة، فجاءه فسأله الوضيعة، فتألى ألا يفعل، فجاءت أم المشتري إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرته، وقالت: يا رسول الله، ما أصبنا منه إلا تمرة أو رطبة رفعها أحدنا إلى فيه أو شيئا استطعمناه مسكينا، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " تألى ألا يفعل خيرا؟ " فسمع بذلك البائع فأتى إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله هو له» فلا أدري الوضيعة أم الإقالة رد إليه الثمن.

قال محمد بن رشد: قوله فقال أبو الرجال، يريد فقال لمالك أبو الرجال؛ لأنه حديث مالك عن أبي الرجال أدخله في موطئه في باب الجائحة في بيع الثمار والزروع ليبين أن الوضيعة إذا دخلت على المشتري من غير جائحة جرت عليه في الثمن لا رجوع له على البائع؛ لأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنما ندب البائع إلى الوضع ولم يوجب ذلك عليه.
ولا اختلاف في أن ذلك لا يجب عليه، ولذلك أبى عبد الله بن عمر أن يقيل الذي باع منه ثمر حائطه أو يضع عنه، وأما إذا جرت على الثمر جائحة قبل تناهي طيبها وإمكان جذاذها فمذهبه وجوب وضع الجائحة إذا بلغت الثلث فأكثر، لما جاء من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بوضع الجوائح بهذا بحديثه هذا، وقال: أدخله في موطئه في باب وضع الجائحة، وليس فيه الأمر بالوضع، وإنما فيه الندب إلى ذلك، ولم يدخله مالك فيه إلا ليبين أن الوضيعة إذا دخلت على المشتري بغلة الإصداق أو انحطاط الأسواق فلا حجة له بذلك على البائع، بخلاف إذا أجيحت الثمرة، وبالله التوفيق.

فضائل عمر بن عبد العزيز

في ما يحكى من فضائل عمر بن عبد العزيز قال مالك: قال ابن حبان، وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز على المدينة: ما جاءني رسول لعمر بن عبد العزيز إلا بخبر خير، قال مالك: بلغني أنه قال لعمر بن عبد العزيز: أوص، فقال: ما لي من مال أوصي فيه صغار ولدي إلى كبارهم.
قال محمد بن رشد: ليس في هذا إلا ما هو معلوم من فضائل عمر بن عبد العزيز، وبالله التوفيق.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل