البيان والتحصيلصفحات 355-395
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحوالة والكفالة

صفحات 355-395
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أقعد معه أتحدث ومثل ذلك من العذر، وإن زوجها جاء به يوما فصعد به إلى السطح فذهبت.. ما يصنع؟ فوجدته على الصبي فذهبت به إلى الأمير فرفعت ذلك إليه وأعلمته بالقصة، فاستشار الأمير فيها فقهاء المدينة المغيرة وغيرهم، فكلهم قال: أرى أنها قد رمته بحد فنرى عليها الحد ولا نرى عليه شيئا إذ لم يكن إلا قولها واستشار فيها مالكا وبعث إليه بالمرأة فأخبرته بالخبر، فأشار عليه مالك أن يخلي سبيلها وأن يضرب زوجها خمسة وسبعين سوطا، قال: فخلاها وضربه خمسة وسبعين سوطا، وقال أصبغ مثل قول مالك، وقال: هو الحق والصواب إن شاء الله، وإنما أسقط الحد عنها المغيرة وقد جاء عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إن الغيرة ألا تدري أين أعلى الوادي من أسفله» ، قال أصبغ: الغيرة شبه الجنون، ولا أظن ضربه مالك إلا بأمر قد أقر به على نفسه، قال أصبغ: فالغيرة شبهتها التي سقط عنها بها الحد، ولو كانت غير زوجة كان عليها الحد، وبهذا المعنى أسقط ابن القاسم الحد عن التي قالت لزوجها زنيت - بجاريتها أو بجارية فلان - ثم نزعت.
والله الموفق.

مسألة: قال رأيت امرأتي في لحاف واحد مع رجل

مسألة قال في رجل قال رأيت امرأتي في لحاف واحد مع رجل: إنه يؤدب وكذلك الرجل يقول لامرأته رأيت على بطنها رجلا: إنه يؤدب أدبا شديدا ولا يبلغ به الحد.
قال محمد بن رشد: أما إذا قال رأيت امرأتي في لحاف واحد مع رجل أو رأيت امرأة أجنبية مع فلان في بيت فبين أنه لا حد عليه، وأما إذا قال رأيت رجلا على بطن امرأتي أو على بطن فلانة - لأجنبية - فإنه يشبه أن يكون ذلك من التعريض الذي يجب فيه الحد، فقد قال في المدونة في الذي قال

جامعت فلانة بين فخديها أو في أعكانها: إنه من التعريض الذي يجب فيه الحد، فالذي يجيء على أصله في المدونة، إذا قال رأيت فلانا على بطن امرأتي أو على بطن فلانة - لأجنبية - ألا يؤدب إلا بعد أن يحلف أنه ما أراد بذلك تزنيتها، وإن نكل عن اليمين أدب أدبا شديدا لا يبلغ به الحد وعلى أصل أشهب: يحد إذا نكل عن اليمين، وقد مضى هذا المعنى في رسم الحدود من سماع أصبغ.

مسألة: قال أنا أقذفك بالزنا إن كنت في عيال زوج أمي

مسألة وقال في رجل قال لرجل ألا تستحي وأنت في عيال زوج أمك؟ فقال أنا أقذفك بالزنا إن كنت في عيال زوج أمي، قال ابن القاسم: إن وجد بينة أنه في عيال زوج أمه ضرب الحد، وإن لم تكن له بينة أدب.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن من قال: إن كان كذا وكذا لشيء يعلم أن ذلك الشيء كذلك ففلان زان أو ولد زنا فعليه الحد فكذلك هذا إذا أثبت المقول له أن القائل في عيال زوج أمه حد له حد القذف لأنه قد حصل قاذفا له بوجود الشرط الذي شرط قذفه به، وبالله التوفيق.

مسألة: لا يضرب السكران الحد حتى يفيق

مسألة قال ابن القاسم: لا يضرب السكران الحد حتى يفيق، قيل له: فإن خشي الإمام أن تأتيه شفاعة فيبطل حدا من حدود الله، أترى أن يضربه وهو سكران؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال وهو لا اختلاف فيه؛ لأن السكران إذا لم يكن معه عقله لا يجد ألم الضرب، ولم يقل إن فعل هل يجزئه من الحد أم لا؟ والذي أقول به: إن كان مستغرقا في السكر قد بلغ منه

إلى حد لا يعرف فيه الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة فلا يجزئه، ويحد إذا أفاق، وإن كان ممن يخطئ ويصيب ويميز بعض الميز فلا يعاد عليه الضرب إذا أفاق، وبالله التوفيق.

مسألة: حكم دردي النبيذ الذي يسكر

مسألة وسئل عن عجين عجن بدردي، وذلك أنه لم توجد خميرة تجعل فيه، أترى أن يؤكل؟ قال: يطرح ولا يؤكل، والدردي: الخاتر الذي يكون في قاع القلة من النبيذ.
قال محمد بن رشد: يريد دردي النبيذ الذي يسكر؛ لأن حكم دردي النبيذ الذي يسكر حكم النبيذ المسكر، كما أن حكم دردي الخمر حكم الخمر، فكما لا يجوز أن يعجن العجين بالخمر ولا بدرديه ويطرح إن عجن بذلك، فكذلك يطرح على مذهبه إذا عجن بدردي النبيذ المسكر أو بالنبيذ المسكر، وإنما يخالف في هذا أهل العراق الذين يقولون: إن ما دون المسكر من الأنبذة المسكرة حلال، ويرد قولهم السنة الثابتة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - المنقولة نقل التواتر «ما أسكر كثيره فقليله حرام» ولو لم ترد في ذلك سنة لوجب تحريم قليل الأنبذة المسكرة وكثيرها بالقياس على الخمر لوجود علة التحريم فيها وهي الإسكار الذي يوجب العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله والصلاة، وقد نص الله تعالى على هذه العلة في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 91] الآية، وبالله التوفيق.
تم كتاب الحدود والقذف بحمد الله.

: كتاب المرتدين والمحاربين

مسألة: اقتتلت طائفتان من المؤمنين

من سماع ابن القاسم من مالك بن أنس قال: وحدثني محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عمرة عن عائشة أنها قالت: ما رأيت ما ترك الناس في هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا﴾ [الحجرات: 9] الآية.
قال محمد بن رشد: روي عن عبد الله بن عباس أنه قال في تأويل هذه الآية: إن الله تعالى أمر نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا ما اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم بينهم بكتاب الله حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم فهو باغ وحق على الإمام أن يجاهدهم ويقاسمهم حتى يفوا إلى أمر الله ويقروا بحكم الله، وروي أن الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ما تنازعتا فيه وروي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقبل على حمار حتى وقف في مجلس من مجالس الأنصار فكره بعضهم موقفه وهو عبد الله بن أبي بن سلول، فقال له: خل لنا سبيل الريح من نتن هذا الحمار وأمسك بأنفه، فمضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وغضب له بعض القوم وهو عبد الله بن رواحة، فقال له: قلت هذا القول؟ فوالله لحماره أطيب ريحا منك، فاستبا، ثم اقتتلت عشائرهما، فبلغ ذلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأقبل يصلح بينهم فكأنهم كرهوا ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ [الحجرات: 9] إلى آخر الآية» فأرادت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بقولها، والله أعلم: ما رأيت ما ترك الناس في هذه الآية نسبة التقصير إلى من أمسك من الصحابة عن الدخول في الحرب التي وقعت بينهم واعتزلهم وكف عنهم ولم يكن مع بعضهم على بعض، ورأت أن الحظ لهم والواجب عليهم إنما كان أن يروموا الإصلاح بينهم، فإن لم يقدروا عليه، كانوا مع من رأوا أنه على الحق منهم على ما تقضيه الآية، وإنما أمسك من أمسك منهم عن نصرة بعضهم على بعض طلبا للخلاص والنجاة مما شجر بينهم إذ لم يبن لهم من كان على الحق منهم والله أعلم، فكان فرضهم ما فعلوه من الإمساك، إذ لا يحل قتال مسلم بشك، كما كان فرض كل من قاتل منهم ما فعلوه من القتال لاعتقاد أنه مصيب به باجتهاده، فكلهم محمود على ما فعله، القاتل منهم والمقتول في الجنة، فهذا الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده فيما شجر بينهم لأن الله تعالى قد أثنى عليهم في كتابه وعلى لسان رسوله فقال عز من قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143] ، أي خيارا عدولا، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: 29] ، الآية، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ، وقال: «عشرة من قريش في الجنة» فسمى فيهم عليا وطلحة والزبير والذي يقول أئمة أهل السنة والحق أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومن اتبعه كان على الصواب والحق، وأن طلحة والزبير كانا على الخطأ إلا أنهما رأيا ذلك باجتهادهما فكان فرضهما ما فعلاه، إذ هما من أهل الاجتهاد، ومن الناس من يجعل هذه المسألة من مسائل الاجتهاد، ويقول: إن كل مجتهد فيها مصيب كسائر مسائل الأحكام، وليس ذلك بصحيح، ومن أئمة المعتزلة من يقف في علي وطلحة والزبير وعائشة فيقول: لا يدرى من المصيب منهم من المخطئ؟ ومن الناس من يقول: إن من خالف عليا كان على الخطأ والعصيان إلا أنهم تابوا ورجعوا إلى موالاة علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قبل أن يموتوا، واستدلوا على ذلك برجوع الزبير وندم عائشة وبكائها إذ ذكر لها يوم الجمل، وقول طلحة لشاب من عسكر علي وهو يجود بنفسه: امدد يدك أبايعك لأمير المؤمنين.
والذي قلناه من أنهم اجتهدوا فأصاب علي وأخطأ طلحة والزبير هو الصحيح الذي يلزم اعتقاده، فلعلي أجران لموافقته الحق باجتهاده ولطلحة والزبير أجر واحد لاجتهادهما، وبالله التوفيق.

مسألة: طاعة ولى الأمر

مسألة قال مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن ابن شهاب: إن شداد بن أوس غطى رأسه فبكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: إنما أخاف عليكم من قبل رؤسائكم الذين إذا أمروا بطاعة الله أطيعوا، وإذا أمروا بمعصيته أطيعوا، إنما مثل المنافق كالجمل المختنق فمات في ريفه لا يعدو شره ريقه، قال عيسى: قال ابن القاسم: الريق الذي يجعل للخروف يمنع به الرضاع.
قال محمد بن رشد: شداد بن أوس هذا من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الأنصار ابن أخي حسان بن ثابت الأنصاري قال فيه عبادة بن الصامت: كان شداد بن أوس ممن أوتي العلم والحلم، وقال أبو الدرداء: يؤتي الرجل العلم ولا يؤتيه الحلم ويؤتيه الحلم ولا يؤتيه العلم وإن أبا يعلى شداد بن أوس ممن آتاه الله العلم والحلم، وبكاؤه من حذره على الناس طاعتهم لرؤسائهم في الطاعة والمعصية من الحلم الذي آتاه الله إياه، وتمثيله للمنافق بالجمل الذي يختنق في ريقه فيموت فيه من العلم الذي قد آتاه إياه لأنه تمثيل صحيح؛ لأن المنافق يهلك باعتقاده فلا يتأذى به سواه إذ لا يظهره كالخروف يموت بريقه إذا اختنق به فلا يتأذى به سواه وبالله تعالى التوفيق.

مسألة: التكذيب برسول الله مضاد للإيمان

مسألة قال مالك: قال آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] ويقول الله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: 106] الآية، قال مالك: فأي كلام

أبين من هذا؟ قال ابن القاسم وروايته تأولها على أهل الأهواء قال ابن القاسم: قال مالك: إنما هذه الآية.
لأهل القبلة، قال مالك: كان هاهنا رجل يقول والله ما بقي دين إلا وقد دخلت فيه، يعني الأهواء فلم أر شيئا مستقيما، يعني بذلك فرق الإسلام فقال له رجل: أنا أخبرك، ما شأنك لا تعرف المستقيم لأنك رجل لا تتقي الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2] قال سحنون: بلغني أن الذي قال له ذلك القاسم بن محمد.
قال محمد بن رشد: تأويل مالك لهذه الآية في أهل القبلة يدل على أنه رآهم كفارا بما يؤول إليه قولهم وذلك في مثل القدرية الذين يقولون إنهم خالقون لأفعالهم قادرون عليها بمشيئتهم وإرادتهم دون مشيئة الله، لم يرد الكفر والعصيان من عباده ولا شاءه ولا قدره عليهم، ففعلوه هم بمشيئتهم وقدرتهم وإرادتهم، وفي مثل المعتزلة الذين ينكرون صفات ذات البارئ عز وجل من علمه وكلامه وإرادته وحياته إلى ما سوى ذلك من الأشياء التي تسد عليهم طريق المعرفة بالله تعالى وأشباههم من الروافض والخوارج والمرجئة لأن هؤلاء ونحوهم هم الذين يختلف في تكفيرهم بما لقولهم فيرى من يكفرهم بما لقولهم على من صلى خلفهم إعادة الصلاة في الوقت وبعده ويستتيبهم أسروا بدعتهم أو أعلنوها على ما قاله في رسم يدبر من سماع عيسى، فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بالمرتد، ولا يرى من لا يكفرهم بما لقولهم إعادة الصلاة على من صلى خلفهم ولا استتابهم وإنما يفعل بهم كما فعل عمر بن الخطاب بصبيغ من ضربه أبدا حتى يتوب، ومنهم من يستحب له إعادة الصلاة في الوقت، ومنهم من يفرق بين أن يكون الإمام الذي تؤدى إليه الطاعة أو غيره من الناس حسبما مضى القول فيه في رسم الصلاة الثاني من

سماع أشهب من كتاب الصلاة، ومن أهل الأهواء ما هو اعتقادهم كفر فلا يختلف في تكفيرهم، ومنه ما هو خفيف لا يؤدي بمعتقديه إلى الكفر إلا بالتركيب، وهو أن يلزم على قوله ما هو أغلظ منه وعلى ذلك الأغلظ ما هو أغلظ حتى يؤول به ذلك الأغلظ إلى الكفر فهذا لا يكفر به بإجماع، والكفر بالله الذي هو التكذيب برسول الله أو بشيء مما جاء به عن الله مضاد للإيمان الذي هو المعرفة بالله والتصديق به وبكل ما جاء به رسوله من عنده، فلا يجتمع الكفر والإيمان في محل واحد لتضادهما، وهما من أفعال القلوب، فلا يعلم أحد كفر واحد ولا إيمانه قطعا لاحتمال أن يظن خلاف ما يظهر كالمنافقين والزنادقة وشبههم إلا بالنص من صاحب الشرع على كفر أحد أو إيمانه أو بأن يظهر منه عند المناظرة والمجادلة والمباحثة لمن ناظره أو باحثه ما يقع له به العلم الضروري لأنه معتقد لما يجادل عليه من كفر أو ما يدل عليه من مذهب يعتقده إلا أن أحكامه تجري على الظاهر من حاله، فمن ظهر منه ما يدل على الكفر حكم له بأحكام الكفر، ومن ظهر منه ما يدل على الإيمان حكم له بأحكام الإيمان.
ويدل على الكفر وجهان باتفاق، أحدهما أن يقر على نفسه بالكفر، والثاني أن يفعل فعلا أو يقول قولا قد ورد السمع والتوقيف بأنه لا يقع إلا من كافر فيصير ذلك علما على الكفر، وإن لم يكن كفرا في نفسه، وذلك نحو استحلال شرب الخمر وغصب الأموال واستباحة القتل والزنا والسرقة وعبادة شيء من دون الله والاستخفاف بالرسل وجحد سورة من كتاب الله وأمثال ذلك مما ورد التوقيف فيه أنه لا يكون إلا من كافر، ووجه ثالث على اختلاف وهو أن يقر - على نفسه باعتقاد - مذهبا يسد عليه طريق المعرفة بالله كنحو ما يعتقده القدرية والمعتزلة والخوارج والروافض، فقيل إنهم يكفرون بذلك، وهو الذي يدل عليه قول مالك في هذه الرواية حسبما ذكرناه، وقوله في آخر كتاب الجهاد في المدونة: إنهم يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا لأن هذا هو حكم المرتد، وقيل إنهم لا يكفرون بذلك وهو الأظهر لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وسلم في الخوارج ويتمارى في الفرق لأنه يدل على الشك في خروجهم عن الإيمان وإذا شك في خروجهم منه وجب ألا يخرجوا إلا بيقين، وبالله التوفيق.

مسألة: يبيع السلاح لمن يناوئ به أهل الإسلام

مسألة وقال مالك في الذي يسافر إلى أرض البربر فيدخل بلاد أهل الأهواء فيكون معه السيف والسرج فيريد أن يبيع منهم وهم أصحاب بدع وأصحاب أهواء يقاتل بعضهم بعضا، قال: لا أحب أن يبيع السلاح لمن يناوئ به أهل الإسلام.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أحب، معناه: لا يجوز أن يفعل ذلك، وقد اختلف إن فعل ذلك ومضى وفات ولم يعلم من باعه منه ولا قدر على رده فيما يلزمه فيما بينه وبين ربه في التوبة من ذلك على ثلاثة أقوال، أحدها أنه يلزم أن يتصدق بجميع الثمن وهذا على القول بأن البيع فيها غير منعقد وأنها باقية على ملكه لوجوب رد الثمن على هذا القول إلى المبتاع إن علمه والصدقة عنه به إن جهله كالربا والثاني أنه لا يلزم أن يتصدق إلا بالزائد على قيمته لو بيع على وجه جائز، وهذا على القول بوجوب فسخ البيع في القيام وتصحيحه بالقيمة في الفوات، والثالث أنه لا يجب عليه أن يتصدق بشيء منه إلا على وجه الاستحباب مراعاة للاختلاف، وهذا على القول بأن البيع إن عثر عليه لم يفسخ ويباع على المبتاع، وقد مضى هذا المعنى في رسم البيوع الأول من سماع أشهب من كتاب التجارة إلى أرض الحرب.

: الرد على أهل القدر

ومن كتاب الحرب وسمعت مالكا يقول لرجل: سألتني أمس عن القدر؟ فقال له

الرجل: نعم، قال: يقول الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13] حقت كلمته ليملأن جهنم منهم، فلا بد من أن يكون ما قال.
قال محمد بن رشد: هذه الآية بينة في الرد على أهل القدر كما قال، وذلك أنهم يقولون إن الله تعالى أمر عباده بالطاعة وأرادها منهم ونهاهم عن المعصية ولم يردها منهم، فلم يكن ما أراد من الطاعة وكان ما لم يرد من المعصية؛ لأن العباد عندهم خالقون لأفعالهم بمشيئتهم وإرادتهم، دون إرادة ربهم وخالقهم، وذلك ضلال بين وكفر صريح عند أكثر العلماء؛ لأنهم يلحقون العجز بالله تعالى في أن يكون ما لا يريد، ويريد ما لا يكون، والجهل به أيضا؛ لأنهم إذا كانوا هم الخالقون لأفعالهم بمشيئتهم فلا يعلم وقوعها منهم على قولهم حتى يفعلوها، وهذا كفر صريح، وتكذيب لِقَوْلِهِ تَعَالَى في غير ما آية من كتابه، وذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: 99] وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: 125] وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30] وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: 16] وقال: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96] وقال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: 14] والآيات في

الرد عليهم أكثر من أن تحصى وأبين من أن تخفى، وقد قال عون بن معمر: سمعت سعيد بن أبي عروبة - وكان يترهب بمذهب أهل القدر - يقول: ما في القرآن آية أشد علي من قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: 155] قال: فقلت القرآن يشق عليك؟ والله لا أكلمك أبدا، فما كلمته حتى مات، فرحم الله عون بن معمر، والآثار في ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - متواترة، لا تحصى، من ذلك قوله: «كل شيء بقدر» وقوله: «لا تسأل المرأة طلاق أختها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها» وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: ففيم العمل؟ فقال رسول الله: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار» «وقول آدم لموسى في حديث محاجته: أفتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق» وبالله التوفيق.

مسألة: الرحمن على العرش استوى كيف كان استواؤه

مسألة قال سحنون: وأخبرني بعض أصحاب مالك، أنه كان قاعدا عند مالك، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله: مسألة، فسكت عنه، ثم قال له مسألة، فسكت عنه، ثم عاد عليه، فرفع إليه مالك رأسه

كالمجيب له، فقال له السائل: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] كيف كان استواؤه؟ قال: فطأطأ مالك رأسه ساعة ثم رفعه، فقال: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول، ولا أراك إلا امرأ سوء، أخرجوه.
قال محمد بن رشد: قد روي عن مالك أنه أجاب هذا بأن قال: استواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، وأراك صاحب بدعة، وأمر بإخراجه، وهذه الرواية تبين معنى قوله: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول؛ لأن التكييف هو الذي لا يعقل، إذ لا يصح في صفات الباري عز وجل لما يوجبه من التشبيه بخلقه تعالى عن ذلك، وأما الاستواء فهو معلوم غير مجهول كما قال؛ لأن الله وصف به نفسه فقال في محكم كتابه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: 6] وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 59] فوجب الإيمان بذلك، وأن يوصف بما وصف به نفسه من ذلك، ويعتقد أنها صفة من صفات ذاته، وهي العلو؛ لأن معنى قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] على العرش علا، كما يقال: استوى فلان على العرش، علا عليه، واستوت الشمس في كبد السماء، علت، ولما كان العرش أشرف المخلوقات وأعلاها وأرفعها مرتبة ومكانا، أعلم الله تعالى عباده بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] أي: علا، فإنه أعلى منه، وإذا كان أعلى منه فهو أعلى من كل شيء، إذ كل شيء من المخلوقات دون العرش في الشرف والعلو والرفعة، فالمعنى في وصف الله عز وجل نفسه بأنه استوى على العرش، أنه أعلى منه ومن كل مخلوق، لا أنه استوى عليه بمعنى الجلوس عليه والتحيز فيه

والممارسة؛ لأنه مستحيل في صفات الله تعالى؛ لأنه من التكييف الذي هو من صفات المخلوق، ولذلك قال فيه مالك في الرواية: إنه غير معقول، ولا أنه استوى عليه بمعنى أنه استولى عليه لوجهين، أحدهما: أن الاستيلاء إنما هو بعد المدافعة والمقالبة، والرب تبارك وتعالى منزه عن ذلك، والوجه الثاني: أن الاستيلاء هو القهر والقدرة، والله تعالى لم يزل قادرا قاهرا عزيزا مقتدرا، قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54] يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، ولا يمتنع أن يكون استواء الله على عرشه من صفات ذاته، وإن لم يصح وصفه بها إلا بعد وجود العرش، كما لا يوصف بأنه غير لما غايره إلا بعد وجود سواه، وقد قيل: إن استواء الله تعالى على عرشه من صفات فعله، بمعنى أنه فعل في العرش فعلا سمى نفسه به مستويا على العرش، أو بمعنى أنه قصد إلى إيجاده أو إحداثه؛ لأن الاستواء يكون بمعنى الإيجاد والإحداث، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: 11] قصد إلى إيجادها وإحداثها.
وحمل الاستواء فيما وصف الله به نفسه من استوائه على عرشه على أنها صفة ذات من العلو والارتفاع أولى ما قيل في ذلك، والله أعلم.

: من جعل دينه غرضا للخصومات

ومن كتاب مرض وله أم ولد قال ابن القاسم: قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر للتنقل، قال مالك: أراه يعني أصحاب الأهواء.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لأن من خاصم أهل الأهواء والبدع وجادلهم، يوشك أن يسمع من شبههم ما لا يظهر له إبطاله

فينتقل عن اعتقاده إلى ذلك، فلا ينبغي للرجل أن يمكن زائغا من أذنه، ولا ينعمه عينا بالمجادلة في بدعته، وبالله التوفيق.

مسألة: اصطحبا في سفر فقتل أحدهما صاحبه

مسألة وقال مالك في رجلين اصطحبا في سفر فقتل أحدهما صاحبه فقال: إن كان قتله على وجه الحرابة أو أخذ متاعه فإني أرى أن يقتل، وإن كان قتله على وجه العداوة أو نائرة، فذلك إلى أوليائه، إن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا عفوا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن القتل على أربعة أوجه خطأ وعمد وشبه عمد وغيلة، فالخطأ فيه الدية على العاقلة، والعمد فيه القصاص للأولياء إلا أن يعفوا على الدية أو بغير دية، وهو أن يقتل قاصدا للقتل على وجه النائرة والعداوة، وشبه العمد قيل فيه الدية ولا قصاص، وقيل فيه القصاص، وهو أن يعمد للضرب فيقتل به غير قاصد للقتل، والقولان لمالك، والمشهور عنه أن فيه القصاص، وقتل الغيلة وهو أن يقتله على ماله، فهذا يجب عليه القتل حدا من حدود الله عز وجل، لا عفو للأولياء فيه، قياسا على المحارب في قوله عز وجل ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ﴾ [المائدة: 33] الآية.

: نادى رجلا باسمه فقال لبيك اللهم لبيك

ومن كتاب صلى نهارا وسئل مالك عن رجل نادى رجلا باسمه فقال: لبيك اللهم لبيك أعليه شيء؟ قال مالك: إن كان جاهلا أو على وجه السفه فلا شيء عليه.

قال محمد بن رشد: أما الجاهل فبين أنه لا شيء عليه؛ لأنه لا يدري ما معنى الكلام، وإنما هو شيء حفظه من تلبية الملبين فجرى على لسانه، وأما الذي قاله على وجه السفه فلم ير عليه مالك في ذلك شيئا، فمعناه الذي يقوله على وجه الاستخفاف بالداعي له لإرادته بإجابته إياه بهذا الكلام ضد هذا الكلام الذي لا يليق به معناه، فعرض له بذلك أنه لا شرف له ولا حق ولا كرامة يستوجب بها الإجابة، وأما لو قال ذلك على وجه السفه استخفافا بالتلبية في الحج لوجب عليه الأدب المؤلم، وهو محمول على أنه قاله على وجه الاستخفاف بالداعي، حتى يعلم أنه أراد بذلك الاستخفاف بالتلبية؛ لأن هذا معلوم في كلام الناس أن يراد بالكلام ضد موجبه، فمعناه فيقال لابن الأسود ابن الأبيض، ومنه تسمية الأعمى أبو بصير، والمهلكة الفائزة، ومثل هذا كثير، ولا يحمل على أحد أنه قال لأحد مجدا معتقدا أنه إلهه إلا أن يقر بذلك على نفسه وهو عاقل غير مجنون ولا سكران، وبالله تعالى التوفيق.

: توعد قرة بن هبيرة لعمرو بن العاص بعد وفاة النبي

ومن كتاب طلق بن حبيب قال مالك: بلغني أن رجلا قال لعمرو بن العاص - وكان عمرو عاملا على البحرين في زمان النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وأنه قال له: إن النبي قد توفي فالحق ببلدك، فالحق ببلدك، وإلا فعلنا وفعلنا - يتواعده - فقال له عمرو بن العاص: لو كنت في حفش أمك لدخلنا عليك فيه.
قال محمد بن رشد: القائل لعمرو قرة بن هبيرة بن سلمة، كان ارتد وأتي به موثقا إلى أبي بكر مع عيينة، وشهد عليه بذلك عمرو بن العاص، فأراد بقوله هذا: أنه لا يفلته ولا ينجو منه حتى يقيم حد الله عليه، وبالله التوفيق.

: حراسة القليل من المسلمين

ومن كتاب ليرفعن أمرا قال: وسئل مالك عن طريق بخراسان وبه قوم من أهل الكفر قريبا منهم يخرجون إلى تلك الطريق فيقطعون على المضعفين من المسلمين مثل الرجل والقافلة الضعيفة، وإن كانت جماعة لهم قوة لم يقدموا عليهم، وهم ليست لهم من القوة أن يظهروا على ما حاز المسلمون، إلا أنهم يقطعون على هؤلاء، أترى هذا مرابطا؟ قال: نعم، إذا كانوا يقطعون، فإنما مثل هؤلاء مثل اللصوص، فأرى أن يحرس ذلك الموضع، وكأنه رآه مرابطا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه يجب حراسة القليل من المسلمين كما يجب حراسة الكثير، وقد قال تعالى: ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا﴾ [المائدة: 32] الآية.
فملازمة حراسة هذه الطريق رباط، والأجر في الرباط على قدر الخوف على أهل ذلك الموضع، وقد قال عبد الله بن عمر: فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحقن دماء المسلمين، فكان يقول: حقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين، يريد والله أعلم: أن الرباط أحب إليه من الجهاد على غير إصابة السنة، فقد قيل: إنه إنما قال ذلك حين دخل الجهاد ما دخل؛ لأن الرباط إنما هو شعبة من شعب الجهاد، والأجر فيه على قدر الخوف في ذلك الموضع، وبالله التوفيق.

مسألة: يكونون على السفر فيلقاهم اللصوص

مسألة وقال مالك في القوم يكونون على السفر فيلقاهم اللصوص، قال: يناشدونهم بالله، فإن أبوا فيقاتلونهم، وسئل عنها سحنون فقال:

أرى أن يقاتلوا ولا يدعوا؛ لأن الدعوة لا تزيد إلا شدة واستئسادا وجرأة، فلا يرى أن يدعوا، ويقاتلوا بلا دعوة.
قال محمد بن رشد: تكلم سحنون على ما يعرف من غالب أمرهم، وتكلم مالك على قدر ما يرجى في النادر منهم، وذلك يرجع إلى أنه إن رجي إن دعوا أو نشدوا أن يكفوا استحب دعاؤهم وترك معاجلتهم بالقتال، وإن تيقن ذلك وجب أن يدعوا، وإن خيف إن دعوا أن يستأسدوا ويعالجوا المسلمين، وجب أن لا يدعوا كما قال سحنون، وأما دعاء أهل الحرب قبل القتال فقد مضى القول فيه مستوفى في أول نوازل أصبغ من كتاب الجهاد، وبالله التوفيق.

: المراد بالمحارب وحكمه

ومن كتاب سن في الطلاق قال مالك: أما المحارب فرجل حمل على قوم بالسلاح على غير نائرة، ولا دخل ولا عداوة، أو قطع طريقا، أو أخاف المسلمين، فهذا إذا أخذ قتل ولا ينتظر به، والإمام يلي قتله، ولا يجوز فيه عفو، وأما المغتال فرجل عرض لرجل أو صبي فخدعه حتى أدخله بيتا فقتله، ثم أخذ متاعه ومالا، إن كان معه المال، إنما يقتله على ذلك، فهذه الغيلة، وهو يعد بمنزلة المحارب، وأما ذو النائرة والعداوة فرجل دخل عليه رجل في حريمه مكابرا له حتى جرحه أو قتله أو ضربه، ثم خرج مكانه ولم ينتهب متاعا، إنما كان ضربه إياه لنائرة كانت بينهما، فهذه النائرة لا يشك فيها أحد، فإذا أخذ هذا فعليه القصاص، والعفو يجوز فيه من أولياء المقتول، فإن عفوا جلد مائة وحبس عاما.

قال محمد بن رشد: هذا تقسيم صحيح في قتل العمد على " المشهور في المذهب من أن شبه العمد باطل؛ لأن القتل عمدا ينقسم على ثلاثة أقسام عند من لا يرى القود في شبه العمد، وقد مضى ذلك في رسم مرض وله أم ولد.
وقوله: حتى جرحه أو ضربه، يريد فمات في الحين من ضربه لمن جرحه، وأما إن حيي بعد ذلك حياة بينة فلا يقسم إلا بقسامة أولياء المقتول، وقد مضى بيان ذلك في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب الديات وفي غير ما موضع منه، وبالله التوفيق.

: القتل لا يجب إلا بكفر بعد إيمان

من سماع أشهب وابن نافع من مالك من مسائل القراض قال أشهب وابن نافع: سئل مالك عن جارية أطمعت إنسانا في بلع شيئا أذهبت عقله فمرة يفيق ومرة يذهب عقله فيصيح ويرعد، وقد اعترفت بذلك على نفسها وزعمت أنها لا تقدر على حل ذلك عنه؛ لأن ذلك دخل في بطنه، أفتراها بذلك ساحرة تقتل؟ فقال: أراها قد أتت عظيما، فأرى أن لا تترك وأن يرجع أمرها إلى السلطان، وإني لأراها محقونة بكل شر، قيل لمالك: أفترى عليها القتل؟ فقال: لا أدري ما القتل، ولكني أراها قد أتت عظيما، وأنها محقونة بكل شر، فأرى أن يرجع أمرها إلى السلطان، أفعلت هذا الفعل بغيره من الناس قبله؟ فقال السائل: نعم، قال: أرى أن يرفع أمرها إلى السلطان، وأراها محقونة بكل شر، فأما القتل فلا أدري.
قال محمد بن رشد: توقف مالك عن إيجاب القتل على من فعل هذا الفعل بأحد، بقوله: فأما القتل فلا أدري صحيح؛ لأن القتل لا يجب إلا بكفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق على ما قاله في

الحديث، أو فساد في الأرض على ما نصه الله في محكم التنزيل، وإنما توقف مالك في هذه المسألة لما خشي أن يكون هذا الفعل من السحر الذي يحكم على فاعله بالكفر، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102] وليس هذا من السحر بسبيل، إنما السحر ما يفعله الساحر في غير المسحور فيتأذى به المسحور بما يصيبه به من ذهاب عقله، حتى يخيل إليه بأنه يفعل الشيء ولا يفعله، ويتوهم رؤية المستحيلات من الأمور، وإنما هذا من ناحية ما يسقاه الرجل أو يطعم إياه من الأشياء المسمومة، التي تأتي على نفسه أو يصيبه بلاء في جسمه أو اختلال في عقله، فإن أتت على النفس وجب على الفاعل في ذلك القتل، فإن لم تأت على النفس لم يجب عليه في ذلك إلا الضرب والسجن، إلا أن يكون أراد بما سقاه من ذلك ذهاب عقله لأخذ ماله، فيكون ذلك من الغيلة الموجبة للقتل، فيحتمل أن يكون ظن مالك هذا بهذه المرأة ولم يتحققه، ولذلك توقف في قتلها ولم يوجبه.

مسألة: أخذ المال على سبيل المحاربة

مسألة وسئل عن رجلين لقيا رجلا نحو عين القسري وفي ثوبه رطب، فسألاه من الرطب فأبى، فأخذاه وكتفاه ونزعا منه الرطب وثوبه، ثم وجد فقال: سألني الأمير عن ذلك، قيل له فما قلت له فيهما؟ فقال: إنه ليقول قاتل حارب، قيل أفترى ذلك؟ قال: إنهما ليشبهان ذلك، وما أرى من أمر بين في القتل والصلب والقطع، قيل لمالك: إن رجلين بالأندلس أخذا ومعهما دابتان فسئلا عنهما، فقالا: أما إحداهما فوجدناها ترعى في فحص فلان فأخذناها، وأما هذه الأخرى فوجدنا عليها رجلا فأنزلناه عنها وأخذناها منه، فقال: هذه مثل الأخرى الذي نزعا منه الثوب والرطب.

قال محمد بن رشد: إنما لم ير مالك في هذا القتل والصلب والقطع وذهب إلى أن يؤخذ فيه بأيسر عقوبات المحارب، وهو الضرب والسجن؛ لأنه لم يخرج محاربا، ولكنه أخذ مالا على سبيل الحرابة فأشبه المحارب، فهو عند مالك في الحكم بمنزلة الذي يخرج محاربا فيؤخذ في أول خروجه قبل أن يقتل أو يأخذ مالا أو يخيف سبيلا، ووجه الشبه بينهما أن هذا تحققت عليه الحرابة بخروجه محاربا ولم يكن منه شيء من معناها ولا أخذ مال ولا إخافة سبيل، والأول وجد منه معنى الحرابة، وهو أخذ المال على سبيل المحاربة، وليس بما فعل اسم المحارب إذا لم يقصد الحرابة ولا خرج إليها، فسقط عنه بذلك ما يجب على المحارب إذا أخاف السبيل وأخذ المال، فهذا وجه القول في هذه المسألة، والله أعلم.

مسألة: حدود الله يجب البدار إلى إقامتها

مسألة قال لنا مالك: أرسل الأمير فسألني عن رجل صحب قوما، فلما حضر غداؤهم جاءهم بسويق معه فصبه مع سويقهم فأكلوا منه وهم أربعة ولم يأكل هو، فلم يلبث رجلان من القوم أن ماتا ولبط بصاحبهما فلم يدر أحيين هما أم ميتين، حتى مثلهما من الغد وأخذ منهم خمسة دنانير، ثم أخذ فسئل عن ذلك فقال: قد فعلت، وإنما هو سويق أعطانيه إنسان، فأخبر أنه يسكر من أكله فأطعمتهم إياه ليسكروا، ولم أرد قتلهم، وإنما أردت أن أخدرهم فآخذ ما معهم، فلما طعموه فمات هذان ولبط بهذين حللت من أكمامهم خمسة دنانير فذهبت بها، ولم أظن أن ذلك يقتل، ولم يكن ذلك الذي أردت، فاعترف على نفسه بهذا بغير ضرب ولا امتحان، فما ترى؟ فقلت لمالك: فهل رأيت فيه يا أبا عبد الله؟ فقال لي: رأيت عليه القتل،

فقلت له: أرأيت عليه القتل؟ قال: نعم، رأيت عليه القتل، فقلت له: أرأيت ذلك عليه للحرابة؟ فقال لي: نعم للحرابة، ولما أراد من قتلهم، أرأيت الذي سمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه في الشاة فمات بعضهم، ألم يكن ذلك على هذه القتل؟ فقلت له: إن تلك اليهودية التي سمت لرسول الله أرادت القتل، وهذا لم يرد القتل، فقال لي: ومن يقبل ذلك منه أنه لم يرد القتل؟ فلا يقبل منه ولا يغني ذلك عنه، قد سحرت تلك الجارية سيدتها فأمرت بها فقتلت، وهذا لم يعتذر بعذر فيقول أخطأت وإنه لعظيم أن يفعل هذا بابن السبيل ثم يسلم فاعله هذا مع أخذه أموالهم وأنهما ماتا مكانهما، إني قد كنت قلت للرسول: قل للأمير لا يعجل به، ثم نظرت في ذلك بعد ذهابه فأرسلت إليه فجاءني فقلت له قل للأمير يقتله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة، وقد استدل مالك لما ذهب إليه من إيجاب القتل عليه بما ذكر مما لا مزيد عليه، وأما قوله: قد سحرت تلك الجارية سيدتها فأمرت بها فقتلت بها، فلم يقله على سبيل الحجة لإيجابه القتل على الذي أطعم لأصحابه السويق المسموم فمات بعضهم وأخذ منهم الدنانير واعترف بذلك على نفسه، إذ ليس منه بسبيل، وإنما ذكره على سبيل الاغتباط بالفتوى بقتل من وجب عليه القتل؛ لأن حدود الله يجب البدار إلى إقامتها وترك التأني في ذلك، فقال: أمرت بقتل هذا بما وجب عليه من القتل بالحرابة، كما أمرت بقتل تلك بما وجب عليها من القتل بالسحر، فقد كان إذا سئل في شيء من الحدود أسرع الجواب وأظهر السرور بإقامة الحدود، وقد بلغني أنه يقال:

لحد يقام بأرض خير له من مطر أربعين صباحا، ولو قال هذا الرجل: ما أردت قتلهم ولا أخذ أموالهم، وإنما هو سويق.
لا شيء فيه إلا أنه لما ماتوا أخذت أموالهم لم يكن عليه شيء غير رد المال، قاله في كتاب ابن المواز، وبالله التوفيق.

: يرتد عن الإسلام فيعرض عليه الإسلام فيسلم

ومن كتاب الأقضية الثاني وسئل مالك عن المسلم يرتد عن الإسلام فيعرض عليه الإسلام فيسلم، أترى عليه حدا فيما صنع من ارتداده عن الإسلام إلى الكفر؟ فقال: لا أرى عليه حدا إن رجع إلى الإسلام، إنما كان عليه القتل لو ثبت على النصرانية، فأما إذ رجع إلى الإسلام فلا شيء عليه، واحتج في ذلك بآية من كتاب الله، قال سحنون: وكذا لو رجع عن شهادته قبل أن يقضى بها، وإنه يقال: ولا عقوبة عليه وإن كان غير مأمون؛ لأنه لو عوقب الناس بالرجوع عن شهادتهم لم يرجع أحد عن شهادة شهد بها على باطل إذا تاب خوفا من العقوبة قياسا على المرتد.
قال محمد بن رشد: أما المرتد فإنما لم يجب عليه حد فيما صنع من ارتداده إذا رجع إلى الإسلام لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وهذه الآية التي ذكر أنه احتج بها من كتاب الله، والله أعلم، وأما قول سحنون في الراجع عن شهادة شهد بها قبل الحكم وهو غير مأمون: إنه لا يعاقب، فهو خلاف مذهب ابن القاسم؛ لأنه قال في المدونة: ولو ردت لكان لذلك أهلا، واعتلال سحنون لإسقاط العقوبة عنه بما ذكره من

أن الشهود لو عوقبوا بالرجوع عن شهادتهم لم يرجع أحد عن شهادة شهد بها على باطل بين، وأما قياسه ذلك على المرتدين فليس بصحيح؛ لأن المرتد إنما سقطت عنه العقوبة بالآية المذكورة، لا من أجل أن معاقبته لو عوقب لم يجترئ أحد على الرجوع إلى الإسلام خوفا من العقوبة؛ لأن القتل يجب عليه بالتمادي على الكفر، فهو أشد من العقوبة التي يخشاها إن رجع إلى الإسلام، فلا تشتبه المسألتان، ولا يصلح قياس إحداهما على الأخرى.

مسألة: المرتد إلى الإسلام هل له حد يترك إليه

مسألة وسئل عن المرتد إلى الإسلام هل له حد يترك إليه؟ فقال: إنه ليقال ثلاثة أيام، وأرى ذلك حسنا، وإنه ليعجبني، ولا يأتي من الاستظهار الأخير، وسئل عن قول عمر بن الخطاب: أفلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا، هل ترى أن يتربص بالذي يكفر بعد إسلامه كذلك أو يستتاب ساعتئذ؟ قال: ما أرى بهذا بأسا، وليس على هذا أمر جماعة الناس.
قال محمد بن رشد: قوله: وليس على هذا أمر جماعة الناس، يريد في الإيقاف ثلاثا، قاله ابن أبي زيد في النوادر متصلا بقوله، هذا الظاهر من الرواية، ويحتمل أن يريد أنه ليس أمر جماعة الناس على استتابة المرتد، إذ من أهل العلم من يرى أنه يقتل ولا يستتاب على ظاهر قول النبي عليه السلام: «من بدل دينه فاقتلوه» وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة في رسم الصلاة من سماع يحيى بعد هذا، واحتج بما روي من أن أبا موسى الأشعري وقف على معاذ بن جبل وأمامه مسلم تهود، فقال له معاذ: انزل يا أبا موسى، فقال: لا والله لا نزلت حتى يقتل هذا، فقال: فلو رأى عليه استتابة ما قاله،

وقد قال بعض الرواة عن أبي موسى في هذا الحديث: إنه قد كان استتابه قبل ذلك أياما، وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأنه لم يحفظ عن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - اختلاف في استتابة المرتد، وإنما اختلفوا في حدها، فمنهم من قال: يستتاب مرة واحدة، ومنهم من قال: شهرا، ومنهم من قال: ثلاثة أيام، وهو الذي عليه أكثر أهل العلم، والأصل في ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 65] وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» .. الحديث، فبان بهذا أن الثلاثة أيام في حيز اليسير، فمن ذلك أخذ استظهار الحائض بثلاثة أيام إذا استمر بها الدم، ومنه أخذ الحاكم التلوم في الإعذار ثلاثة أيام، ومنه أخذ تأخير الشفيع بالنقد ثلاثة أيام، ومنه أخذ جواز تأخير رأس مال السلم اليومين والثلاثة، وما أشبه ذلك في غير موضع من العلم كثير، وقد مضى في نوازل سحنون من كتاب الديات القول فيمن قتل مرتدا عمدا قبل أن يستتاب وتوجيه الاختلاف في ذلك، وبالله التوفيق.

: المراد بالقدرية وحكمهم

ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل مالك عن القدرية فقال: قوم سوء فلا تجالسوهم، قيل: ولا نصلي وراءهم؟ قال: نعم، وقال سحنون: كان ابن غانم يقول في كراهية مجالسة أهل الأهواء: أرأيت لو أن أحدكم قعد إلى سارق في كمه بضاعة أما كان يختزنها منه خوفا أن يغتاله فيها فلا يجد بدا أن يقول نعم، قال: فدينكم أولى بأن تحرزوه وتتحفظوا به، وسئل

عن الرجل يكون بينه وبين الرجل من أهل القدر في ذلك منازعة حتى يبقى يأتيه القدري فيأخذ بيده ونتصل إليه، فقال إن كان جاء نازعا تاركا لذلك فليقبل منه ذلك وليكلمه، وإن لم يكن جاء لذلك فإني أراه في سعة من ترك كلامه، قيل له: إنه قد يتشبث ويتعلق ويأخذ بيدي ويسألني الكلام؟ فقال: لا أرى بأسا أن يترك كلامه.
قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه الرواية في أهل القدر إنهم قوم سوء فلا يجالسوا ولا يصلى وراءهم، نص منه على أنهم لا يكفروا باعتقادهم خلاف ظاهر قوله في أول رسم من سماع ابن القاسم آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] الآية، قال: فأي كلام أبين من هذا، قال ابن القاسم: ورأيته تأولها على أهل الأهواء، فالقدرية عند عامة العلماء كفار؛ لأنهم نسبوا إلى الله تعالى العجز والجهل في قولهم: إن الله لم يقدر المعاصي ولا الشر، وإن ذلك جار في خلقه وسلطانه بغير قدرته ولا إرادته، فنفوا القدرة والإرادة في ذلك عن الله تعالى، ونسبوها لأنفسهم، حتى قال بعض طواغيتهم: إنه لو كان طفل على حاجز بين الجنة والنار لكان الله تعالى موصوفا بالقدرة على طرحه إلى الجنة، وإبليس موصوفا بالقدرة على طرحه في النار، وإن الله لا يوصف بالقدرة على ذلك، وزعموا أن خلاف هذا كفر وشرك، وعند بعضهم قوم سوء ضلال لأنهم خالفوا أهل السنة والجماعة في عقود الدين؛ لأن الله تعالى أضلهم وأغواهم ولم يرد هداهم وعمى بصائرهم عن الحق ولم يرد شرح صدورهم له، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ [الأنعام: 125] الآية، وقد تواترت الآثار بإخراجهم عن الإسلام وإضافتهم إلى أصناف الكفر، من ذلك

قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «القدرية مجوس هذه الأمة» «والقدرية نصارى هذه الأمة» وقوله: «صنفان من أمتي ليس لهم نصيب في الإسلام، المرجئة والقدرية،» وقوله: «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة القدرية، لا تعودوهم إذا مرضوا، ولا تصلوا عليهم إذا ماتوا» وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اتقوا هذه القدرية، فإنها شعبة من النصرانية» ومن مثل هذا ونحوه كثير، وقد نهى مالك عن مجالستهم، وإن لم يرهم كفارا بما لقولهم على هذه الرواية لوجوه ثلاثة، أحدها أنهم إن لم يكونوا كفارا فهم زائغون ضلال يجب التبرؤ منهم وبغضهم في الله؛ لأن البغض في الله والحب فيه من الإيمان، وقد قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ [المجادلة: 22] الآية، وهم ممن حاد الله ورسوله باعتقادهم الفاسد الذي خرجوا به عن الملة في قول كافة الأمة، والوجه الثاني: مخافة أن يعرض بنفسه سوء الظن بمجالستهم فيظن به أنه يميل إلى هواهم، والثالث: مخافة أن يستمع كلامهم فيدخل عليه شك في اعتقاده بشبههم، وكفى من التحرير عن ذلك المثل الصحيح الذي ضربه مالك في رواية ابن غانم عنه، ونهى عن الصلاة خلفهم على مقتضى هذه الرواية من أنهم كفار؛ لأنهم وإن لم يكونوا كفارا هم زائغون ضلال، وقد قال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أئمتكم شفعاؤكم، فانظروا بمن تستشفعون» فإن صلى خلفهم على هذه الرواية أعاد في الوقت، وهو مذهب ابن القاسم، وقيل: لا إعادة عليه، وهو مذهب سحنون وكبار أهل مذهب مالك، وأما على القول بأنهم يكفرون بما لقولهم فيعيد من صلى خلفهم في

الوقت وبعده، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وقد فرق في ذلك بين أن يكون هو الوالي الذي تؤدى إليه الطاعة أو غيره، وقد مضى هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم، وقوله في الذي غايظه القدري في منازعته إياه ثم جاءه متنصلا إليه: إنه لا يكلمه حتى يعلم صحة متنصله مما قال وتوبته عنه، وأنه إنما يريد بكلامه معه التثبت في اعتقاد أهل السنة، وأما إن لم يعلم صحة ذلك فله سعة في ترك كلامه كما قال، مخافة أن يظهر له التنصل والتوبة وغرضه أن يسمعه شبهة رجاء أن يشككه في اعتقاده، فمن الحظ له أن لا ينعمه عينا بذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: يعذبون الناس في الدنيا

مسألة وسئل مالك عن عذاب اللصوص بالرهزة بهذه الخنافس التي تحمل على بطونهم، فقال: لا يحل هذا، إنما هو السوط والسجن، وإن لم يجد في ظهره مضربا فالسجن، قيل: أرأيت إن لم يجد في ظهره مضربا أترى أن يسطح فيضربه في أليتيه؟ فقال: لا والله، لا أرى ذلك، إنما عليك ما عليك، وإنما هو الضرب في الظهر بالسوط أو السجن، أرأيت إن مات؟ قال: فقيل له: أرأيت إن مات أيضا بالسوط؟ قال: فإنما عليك ما عليك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه لا يصلح أن يعاقب أحد فيما يلزمه فيه العقوبة إلا بالجلد والسجن الذي جاء به القرآن، وأما تعذيب أحد بما سوى ذلك من العذاب فلا يحل ولا يجوز، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله ليعذب في الآخرة الذين يعذبون الناس في الدنيا» .

: المحارب إذا تاب

ومن كتاب أوله قراض ثم مساقات وسئل عن المحارب إذا تاب ونزع وظهر لجيرانه وجاء إلى

المسجد أترى عليه شيئا أو أحب إليك أن يأتي السلطان؟ قال: بل أحب إلي أن يأتي السلطان.
قال محمد بن رشد: قوله أحب إلي أن يأتي السلطان يدل على أنه ليس بواجب عليه، وأنه إن ترك ما هو عليه ونزع منه وظهر بجيرانه وجاء إلى المسجد فهي توبة شرعية من إقامة حد الحرابة عليه، وإن لم يأت الإمام، وقد اختلف في صفة التوبة التي تقبل منه وتسقط عنه حد الحرابة على ثلاثة أقوال، أحدها: أنها تصح بأحد الوجهين، إما بأن يترك ما هو عليه ويظهر لجيرانه ويأتي إلى المسجد معهم، وإما بأن يلقي سلاحه ويأتي الإمام، وهو مذهب ابن القاسم، والقول الثاني: أن توبته لا تقبل منه إلا بالإتيان إلى السلطان، فإن لم يأت السلطان وترك ما هو عليه وظهر لجيرانه وشاهد الصلوات معهم لم ينتفع بذلك، وأقام الإمام عليه الحد، وهو قول ابن الماجشون، والقول الثالث: عكس هذا القول، أن توبته لا تقبل منه إلا بترك ما هو عليه، ويظهر لجيرانه ويشاهد الصلوات معهم، فإن لم يفعل ذلك وألقى سلاحه وأتى الإمام أقام عليه الحد، فإن نزع وترك ما هو عليه وظهر لجيرانه وجاء المسجد ثم أتى الإمام بعد ذلك قبل أن يظهر عليه برئ من الحد بإجماع، وقد اختلف فيما تسقط عنه التوبة من الأحكام على أربعة أقوال، أحدها: أنه لا يسقط عنه إلا حد الحرابة خاصة، ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله وحقوق الناس من الدماء والأموال، فيضمن الأموال ويكون لأولياء المقتول القصاص منه إن أحبوا، والثاني: أنها تسقط عنه حقوق الحرابة وحقوق الله تعالى من الزنا والسرقة وشرب الخمر، ولا يسقط عنه ما سوى ذلك من الدماء والأموال، والثالث: أنها تسقط عنه حد الحرابة وحقوق الله والأموال، إلا أن يوجد من ذلك شيء بعينه فيرد إلى أهله، ولا تسقط عنه الدماء، فيكون لأولياء المقتول القصاص، والرابع: أنها تسقط عنه كل شيء من الحدود والدماء والأموال، إلا أن يوجد منها شيء بعينه فيرد إلى أهله، وبالله التوفيق.

: يأخذ الرجل في الليل فيكابره على ثوبه فينتزعه إياه

ومن كتاب الحدود وسئل عن الرجل يلقى الرجل بعد العشاء، أو في السحر في الخلوة، فيبتزه ثوبه حتى ينتزعه منه، أترى عليه قطعا؟ قال: لا أرى عليه قطعا حتى يكون محاربا أو لصا، فأما الذي يأخذ الرجل في الليل فيكابره على ثوبه فينتزعه إياه، فلا أرى عليه قطعا قد كان عندك حديثا هاهنا، ربما اتبع الرجل في المسجد، فانتزع ثوبه عن ظهره.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن هذا إنما هو مختلس ليس بسارق فيقطع، ولا محارب فيحد حد الحرابة؛ لأن السارق هو الذي يأخذ المتاع من حرزه، والمحارب هو الذي يخرج على الناس ليقطع عليهم الطريق، ويأخذ منهم أموالهم بسلاح، أو بغير سلاح خارج المصر باتفاق، أو داخل المصر على اختلاف.

: به لمم فقيل له إن شئت أن نقتل صاحبك قتلناه

ومن كتاب الأقضية وسئل عن رجل به لمم، فقيل له: إن شئت أن نقتل صاحبك قتلناه، فقال له بعض من عندنا: لا تفعل، اصبر واتق الله، وقال له بعضهم: اقتله فإنما هو مثل اللص يعرض يريد مالك فاقتله، فقال: إن أعظمهم عندي جرما الذي مثله باللص، قيل: فما رأيك؟ قال: لا علم لي بهذا، هذا من الطب.
من سماع موسى من ابن القاسم قال العتبي: حدثنا موسى بن معاوية الصمادحي، قال:

حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر، عن أبيه علي بن حسين قال: وجدنا صحيفة مقرونة مع قائم سيف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أشد الناس عذابا القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن جحد نعمة مولاه، فقد كفر بما أنزل الله، ومن آوى محدثا فعليه لعنة الله وغضبه لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل.
قال محمد بن رشد: قوله: به لمم، أي خبل وصرع، وبه جنون من مس الشيطان، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] ، لا يقوم أكلة الربا في الآخرة إلا كما يقوم في الدنيا الذي يصيبه الخبل والصرع من الجنون، وقوله: وقيل له: إن شئت أن تقتل صاحبك قتلناه هو من كذب الذين يعالجون المجانين ومخاريقهم الذين يزعمون أنهم يقتلون بكلامهم وعزائمهم الشيطان الذي يصرع المجنون ويسجنونه إذا شاءوا ويعاقبونه بما شاءوا، وذلك من خرق العادة الذي خص الله به سليمان - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، بإجابته دعوته في قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ﴾ [ص: 35] الآية.
وقد جاء في الصحيح عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «اعترض لي الشيطان في مصلاي هذا، فأخذته بحلقه فخنقته حتى إني لأحد برد لسانه على ظهر كفي، ولولا دعوة لأخي سليمان قبلي لأصبح مربوطا تنظرون إليه» فإذا لم يقدر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على ربطه من أجل دعوة أخيه سليمان ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: 35] فأحرى

أن لا يقدر الذي يعالج المجانين على قتل الشيطان بالكلام دون أن يراه، أو يباشر قتله بما أجرى الله العادة من أنه يقتل به الأحياء، فإذا كان قتله إياه من المستحيل المحتم الذي لا يدخل تحت قدرته، لم يصح أن يقال ذلك جائز كما قاله الذي مثله باللص، فأنكر عليه قوله مالك إلا أن ذلك لا يجوز، كما ذهب إليه العتبي بدليل إدخاله على ذلك الحديث الذي ذكره من سماع موسى.
والخبل والصرع والتخبط الذي يعتري المجنون مرض من الأمراض يصيبه من وسوسة الشيطان إياه وتفزيعه له، وترويعه إياه بما يسوله له، ويلقيه في نفسه؛ إذ لا يقدر له على أكثر من الوسوسة التي أمر الله بالاستعاذة منها في سورة الناس، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الحمد لله الذي لم يقدر منكم إلا على الوسوسة» وقال: «إن الشيطان لا يفتح غلقا، ولا يحل وكأ ولا يكشف أما» ولكون ما يصيب المجنون من الصرع من الأمراض، قال مالك في هذه الرواية: لا أعلم في هذا من الطب، يريد أن الطبيب هو الذي يداوي الأمراض، ويعالج الأدواء بما أنزل الله لها من الدواء، لا هؤلاء الذين يكذبون فيما يزعمون من قتلهم الشيطان، وبالله التوفيق.

: اشترى جارية مسلمة ولما وجدت معه قال أنا مسلم ثم علم أنه نصراني

ومن سماع ابن دينار من ابن القاسم وسئل عن نصراني اشترى جارية مسلمة، ولما وجدت معه قال: أنا مسلم، ثم علم أنه نصراني، وقال: أنا نصراني، وإنما قلت: أنا مسلم لمكانها، قال: يؤدب، قيل له: أيبلغ به السبعين؟ قال: الأدب في هذا دون ذلك.

قال محمد بن رشد: إنما رأى عليه الأدب في تملكه المسلمة، وعذره في قوله: أنا مسلم، لما خاف العقوبة على اشترائه المسلمة بصدقه في ذلك، ولم يجعل قوله: أنا مسلم، إسلاما يراه بالرجوع عنه مرتدا، وهذا مثل ما في رسم الأقضية، من سماع يحيى بعد هذا، من قول ابن القاسم خلاف قول أشهب: إنه لا عذر له في مثل هذا، ويقتل إن لم يرجع إلى الإيمان، وبالله التوفيق.

: النصراني واليهودي يتزندق

ومن كتاب بع ولا نقصان عليك قال في النصراني يوجد على الزندقة قال: شرك وزندقته.
قال محمد بن رشد: قد قيل في النصراني واليهودي يتزندق: إنه يقتل؛ لأنه خرج من ذمة إلى غير ذمة، وأنه إن أسلم يقتل كالمسلم يتزندق ثم يتوب؛ أنه يقتل ولا تقبل توبته، روي ذلك عن ابن الماجشون وبعض الأندلسيين على ما حكى أبو بكري بن محمد، وذلك ظاهر في المعنى؛ إذ ليس للزنديق ذمة، إذ لا يصح أن تؤخذ منهم الجزية؛ لأنها إنما تؤخذ من أهل الكتاب بالقرآن، ومن المجوس بالسنة، وفي سماع أصبغ بعد هذا في الساحر من أهل الذمة، إذا عثر عليه أنه يقتل إن لم يسلم، والسحر بمنزلة الزندقة، فيتحصل في النصراني يتزندق ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه يترك وزندقته.
والثاني: أنه يقتل وإن أسلم.
والثالث: أنه يقتل إلا أن يسلم، وأما الزنادقة من المسلمين فالحكم فيهم أن يقتلوا من غير استتابة، بخلاف المرتدين، واختلف في ميراث من تزندق من المسلمين يقتل على زندقته، هل يكون ميراثه لجماعة المسلمين، أو لورثته من المسلمين؟ وكذلك يختلف في ميراث من تزندق من النصارى واليهود، فقتل على زندقته على قول من يوجب عليه القتل، هل يكون ميراثه لجماعة المسلمين، أو لورثته من أهل الدين الذي كان عليه.

: المرتد يجرح أو يقتل في ارتداده ثم يسلم

ومن كتاب لم يدرك وسئل عن المرتد يقتل في ارتداده نصرانيا أو يجرحه، قال: إن أسلم لم يقتل به، ولم يستقد منه في جرح؛ لأنه ليس على دين يقر عليه، وحاله في ارتداده في القتل والجراح إن أسلم حال المسلم إن جرح مسلما اقتص منه، وإن قتل نصرانيا لم يقتل به، ولم يستقد منه، قال عيسى: إن ثبت على ارتداده حتى قتل، فالقتل يأتي على ذلك كله.
قال محمد بن رشد: اختلف قول ابن القاسم في المرتد يجرح أو يقتل في ارتداده ثم يسلم، فمرة نظر إلى حاله يوم الحكم في القود والدية، ومرة نظر إلى حاله فيهما يوم الجناية، ومرة فرق بين الدية والقود، فنظر إلى القود يوم الفعل، وإلى الدية يوم الحكم، فعلى قوله الذي نظر إلى حاله يوم الحكم في القود والدية قال: إن قتل مسلما قتل به، وإن جرحه اقتص منه، وإن قتل نصرانيا أو جرحه، لم يقد منه في القتل، ولا اقتص منه في الجرح؛ إذ لا يقتل المسلم بالكافر، ولا يقتص له منه في الجرح، وكانت الدية في ذلك في ماله، وإن كان القتل خطأ كانت الدية على العاقلة؛ لأنه مسلم يوم الحكم له عاقلة تعقل عنه جناياته، وهو قوله في هذه الرواية، وفي رسم العتق بعد هذا من هذا السماع، وعلى القول الذي نظر إلى حاله يوم الفعل في القود والدية يقاد منه إن قتل مسلما أو كافرا؛ لأنه كان كافرا يوم الفعل، والكافر يقتل بالكافر والمسلم، وإن جرح نصرانيا عمدا اقتص منه، وإن جرح مسلما عمدا جرى ذلك على الاختلاف في النصراني يجرح المسلم حسبما مضى القول فيه في أول سماع أشهب، من كتاب الجنايات.
وإن قتل مسلما أو نصرانيا خطأ كانت الدية على المسلمين؛ لأنهم ورثته يوم الجناية، ولا عاقلة له يومئذ، وهو قول ابن القاسم، في رسم الصلاة، من

سماع يحيى بعد هذا أنه إن قتل هو خطأ، ودي عنه من بيت مال المسلمين، وعلى هذا القياس يجري حكم جناياته على القول الثالث الذي فرق فيه بين القود والدية، ولا اختلاف فيما قاله عيسى من أن القتل يأتي على ذلك كله إن ثبت على ارتداده حتى يقتل، وبالله التوفيق.
ومن كتاب أسلم وله بنون صغار قال ابن القاسم في المرتد إذا تزوج في ارتداده، ثم قتل، وقد دخل بها، فإني أرى أن تعاظ بمسيسه إياها، وليس لها صداق ولا ميراث.
قال محمد بن رشد: إنما لم يوجب لها الصداق، وإن دخل بها؛ لأنه رأى المال، والله أعلم، قد وجب لجماعة المسلمين بارتداده إن قتل على ردته، فهو على ظاهر الرواية محجور عليه في ماله بنفس ارتداده، وإن لم يحجر عليه فيه بعد، فلا يجوز له إذا قتل على ردته بيع ولا شراء، ولا يلحقه فيه المدانية، ولا تجوز له فيه المحاباة، وهو ظاهر ما في النكاح الثالث من المدونة، ونص قول سحنون قال: ما أعرف فيه الحجر وردته حجر، ويصير بالردة ممنوعا من ماله، إلا أن يبايعه أحد في ذمته، وكذلك يجوز له إن تزوج يهودية أو نصرانية في ذمته، كما يجوز مبايعة المفلس ونكاحه في ذمته، قال: وإذا باع المرتد شيئا نظر فيه الإمام، فإن رأى بيع غبطة أمضاه، وإن كان فيه محاباة أوقفه، فإن تاب كان عليه، وإن قتل أبطله، وكذلك إن تزوج وبنى، فإن قتل فلا شيء لها، وإن تاب فلها الصداق، والمعلوم من مذهب ابن القاسم المنصوص له في كتاب ابن المواز، وكتاب ابن سحنون وغيرهما أن ما باع المرتد أو اشترى أو أقر به قبل تحجير السلطان لازم له ما خلا نكاحه، وإن أقام سنين يبيع ويشتري قبل أن يعلم

بردته، وما أقر به، أو بايع بعد الحجر عليه لم يدخل في ماله إلا أن يتوب، وروي مثل ذلك عن مالك، وعلى هذا يأتي ما في كتاب ابن المواز من أن المرتد إذا تزوج في ردته، ودخل بها فلها الصداق في ماله إن كان صداق مثلها؛ لأن المعنى في ذلك إذا كان ذلك قبل أن يعلم الإمام بارتداده، فيحبسه للقتل، ويحجر عليه؛ إذ لا اختلاف في أنه ليس لها صداق في ماله إن قتل على ردته أو مات فيها إذا كان تزوجه بعد أن حجر عليه فيه وإن دخل، وإنما الاختلاف إذا تزوج قبل أن يحجر عليه ودخل، فقتل على ردته أو مات فيها، فقيل: إن لها صداقها، إلا أن يكون أكثر من صداق مثلها، وهو المنصوص عليه لابن القاسم، وقيل: إنه لا صداق لها، وهو مذهب سحنون، وظاهر هذه الرواية، وقد ذكرت لأصبغ فردها بالتأويل إلى المعلوم من مذهبه، فقال: ذلك إذا تزوج بعد الحجر عليه، وهو تأويل محتمل ينتفي به الخلاف عن ابن القاسم، وبالله التوفيق.

مسألة: إذا أخفى الرجل دينا فأتى تائبا منه

مسألة قال ابن القاسم: إذا أخفى الرجل دينا، فأتى تائبا منه قبلت منه توبته ولم يقتل، قال: وإن أخذ على دين أخفاه مثل الزندقة أو اليهودية أو النصرانية، وكان دينا يخفيه قتل ولم يستتب؛ لأن توبته لا تعرف، وإن أنكر ما شهد عليه به لم يقبل إنكاره، وقتل ولم يستتب، وإن ادعى التوبة أيضا لم تقبل توبته.
قال محمد بن رشد: هذا أمر متفق عليه في المذهب، أن المرتد المظهر الكفر يستتاب، وأن الزنديق والذي يسر اليهودية أو النصرانية أو ملة من الملل سوى ملة الإسلام يقتل ولا يستتاب، والشافعي يرى أنهما يستتابان جميعا الذي يعلن الكفر والذي يسره إذا ظهر عليه وحضرته البينة فيه، وعبد العزيز بن أبي سلمة يرى أنهما يقتلان جميعا، ولا يستتاب واحد منهما على ظاهر قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من بدل دينه فاقتلوه» وقد مضى هذا في رسم الأقضية الثاني، من سماع أشهب.

: من غير دينه فاقتلوه

ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار وحدثني ابن القاسم، عن الليث بن سعد، عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي: أن أبا بكر الصديق استتاب امرأة من بني فزارة، من قيس يقال لها: أم قرفة، ارتدت عن الإسلام، فلم تتب فضرب عنقها.
قال محمد بن رشد: إنما جاء هذا الحديث حجة على أهل العراق في قولهم المرأة: إن ارتدت تحبس وتكره على الإسلام ولا تقتل.
وروي ذلك عن ابن العباس والحسن، وقالوا: إنها إن أسلمت لم تسترق كالرجل يرتد ثم يتوب.
وقال الحسن: إن أسلمت كانت أمة للمسلمين، مثل الحرة تسبى.
والصحيح أنها تقتل إن لم تسلم؛ لأن قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من غير دينه فاقتلوه» عام يتناول الرجال والنساء، وقد روي عنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الاستتابة في امرأة ارتدت، واستدل أهل العراق لما ذهبوا إليه من أن المرتدة لا تقتل بنهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن النساء من كفار أهل الحرب، وهذا لا حجة فيه؛ لأنهن إنما لم يقتلن لأجل أنهن لا يقاتلن، بدليل قوله في الحديث؛ إذ وقف على المرأة المقتولة ما كانت هذه تقاتل، فالمرأة إذا لم تقاتل لم تقتل، وإذا قاتلت قتلت، وكذلك الرجل أيضا إذا علم أنه ممن لا يقاتل كالرهبان وشبههم لم يقتل، فلا فرق في هذا بين الرجال والنساء إلا أن الرجل محمول على أنه يقاتل حتى يعلم أنه ممن لا يقاتل والمرأة، محمولة على أنها لا تقاتل

حتى يعلم أنها تقاتل، وقد ساوى الله عز وجل في القتل بين الرجال والنساء في الزنا مع الإحصان، فلذلك يجب أن يساوي بينهم في الكفر الذي هو أعظم من الزنا وأغلظ منه، وقد مضى الكلام في سبي ذراري المرتدين وأموالهم إذا بانوا بدارهم، في سماع سحنون، من كتاب الجهاد، فلا معنى لإعادته.

: قال لا أتوضأ وأنا أصلي

وفي كتاب حمل صبيا قال ابن القاسم: قال مالك: من قال لا يصلي استتيب، فإما صلى، وإما قتل، ومن قال: لا أتوضأ وأنا أصلي، فإما أن يتوضأ وإما قتل، ومن قال: لا أؤدي زكاة مالي، فإنه يؤخذ منه على ما أحب أو كره، ومن قال: لا أحج فأبعده الله، ولا يجبر على الحج.

: من جحد فرض الوضوء والصلاة والزكاة أو الصيام أو الحج

ومن مسائل نوازل سئل عنه أصبغ قال أصبغ في الذي يدع الصلاة فيقال له: صل، فيقول: لا أصلي فيقال له: أتجحد؟ أنها ليست عليك مفروضة من الله؟ فيقول: لست بجاحد لها، وأعلم أنها الحق غير أني لا أصلي، قال: أرى أن يقتل إذا قال: لا أصلي، وإن كان غير جاحد لها، فتركه إياها أو إصراره على أنه لا يصلي جحد لها؛ فإن أقام على قوله: لا أصلي قتل، وإن زعم أنه غير جاحد لها، وبلغني عن ابن شهاب أنه قال: إن فات وقتها، ولم يصل ضربت عنقه، وبلغني عن عبد الملك بن عبد العزيز أيضا أنه كان يقول: إذا قال: لا أصلي قتل كما قال أصبغ، قال أصبغ: وأما الزكاة فإن جحدها أيضا قتل، وإن أقر أنها حق عليه، وقال: لا أؤديها أخذت منه إن شاء أو أبى، ولا يقتل بقوله: لا أؤدي؛ لأنه يقدر على

أخذها منه صاغرا، وإن دفع من يريد أخذها منه، فإن كان ليس به قوة يدفع بها مثل أن يدفع هو بنفسه ضرب، وأخذت منه كارها، إلا أن يدفع في جماعة، ويمنع بقوة، فإنه يجاهد ويقتل، ومن دفع معه كما فعل أبو بكر - رَحِمَهُ اللَّهُ - حين منع الزكاة، فقال: والله، لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه، قال: ولو جحد الوضوء والغسل من الجنابة قتل، وإن لم يجحد الوضوء والغسل من الجنابة إلا أنه قال: أنا أؤمن بالوضوء والغسل، ولا أتوضأ ولا أغتسل قتل أيضا؛ لأن تركه ذلك جحد له، وكذلك لو قال: لا أصوم رمضان، وأصر على ذلك قتل، وإن لم يجحد؛ لأن تركه الصوم الذي فرضه الله عليه جحد له.
قيل: فإن قال: لا أوتر قال: أؤدبه على صلاة الوتر أدبا موجعا، وأضربه حتى يصلي الوتر، قيل: فركعتا الفجر؟ قال: لا، ركعتا الفجر هما أخف شأنا من الوتر، الوتر سنة.
قال محمد بن رشد: أما من جحد فرض الوضوء والصلاة والزكاة أو الصيام أو الحج، أو استحل شرب الخمر، أو الزنا، أو غصب الأموال، أو جحد سورة، أو آية من القرآن، أو ما أشبه ذلك، فلا اختلاف في أنه كافر، وإن قال: إنه مؤمن فيعلم أنه في ذلك كاذب للإجماع المنعقد على أن ذلك لا يكون إلا من كافر، وإن لم يكن شيء من ذلك في نفسه كفرا على الحقيقة، وأما من أقر بفرض الصلاة والصيام والوضوء، وأبى من فعل ذلك، وهو قادر عليه، فقول مالك في هذه الرواية: إنه يستتاب في ذلك كله، فإن أبى في شيء منه أن يفعله قتل، يدل على أنه يقتل على الكفر، فيكون ماله لجماعة المسلمين كالمرتد إذا فتل على ردته؛ لأنه وإن لم يكن نفس الترك لشيء من ذلك كله كفرا على الحقيقة، فإنه يدل على الكفر، ولا يصدق من قال في شيء من ذلك كله: إنه مؤمن بوجوبه عليه إذا أبى أن يفعله، فحكمه حكم الزنديق الذي يقتل على الكفر،

ولا يصدق فيما يدعيه من الإيمان.
وإلى هذا ذهب أصبغ في قوله: فإصراره على أن لا يصلي جحد لها، وقد قيل: إنه يقتل على ذنب من الذنوب لا على الكفر، فيرثه ورثته من المسلمين، وهو أظهر الأقوال في هذه المسألة، ومن أهل العلم من رأى نفس الترك للصلاة عمدا كفرا على ظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من ترك الصلاة فقد كفر» ومن ترك الصلاة فقد حبط عمله، وهو ظاهر قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وذهب ابن حبيب إلى أن من ترك الصلاة وهو متعمد لتركها، أو مضيعا لها، أو متهاونا بها، فهو كافر على ظواهر الآثار الواردة في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وقاله أيضا في أخوات الصلاة من الزكاة والصيام، واحتج بالمساواة بينها وبينهن بقول أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة وبين الزكاة، وهو قول شاذ بعيد في النظر خطأ عند أهل التحصيل من العلماء، لأن الدلالة تمنع من حمل الأحاديث على ظاهرها، فالقياس عليها لا يصح، وما قاله أصبغ من التفرقة فيمن منع زكاة ماله بين أن يكون وحده، وبين أن يكون في جماعة، فيمنع من ذلك، ويدفع عنه بقوة صحيح مفسر لقول مالك، لا اختلاف فيه.
وإنما لم يستتب من أبى أن يؤدي زكاة ماله طوعا؛ لأن الواجب أن تؤخذ

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
مسألة: قال رأيت امرأتي في لحاف واحد مع رجلمسألة: قال أنا أقذفك بالزنا إن كنت في عيال زوج أميمسألة: لا يضرب السكران الحد حتى يفيقمسألة: حكم دردي النبيذ الذي يسكر: كتاب المرتدين والمحاربينمسألة: اقتتلت طائفتان من المؤمنينمسألة: طاعة ولى الأمرمسألة: التكذيب برسول الله مضاد للإيمانمسألة: يبيع السلاح لمن يناوئ به أهل الإسلام: الرد على أهل القدرمسألة: الرحمن على العرش استوى كيف كان استواؤه: من جعل دينه غرضا للخصوماتمسألة: اصطحبا في سفر فقتل أحدهما صاحبه: نادى رجلا باسمه فقال لبيك اللهم لبيك: توعد قرة بن هبيرة لعمرو بن العاص بعد وفاة النبي: حراسة القليل من المسلمينمسألة: يكونون على السفر فيلقاهم اللصوص: المراد بالمحارب وحكمه: القتل لا يجب إلا بكفر بعد إيمانمسألة: أخذ المال على سبيل المحاربةمسألة: حدود الله يجب البدار إلى إقامتها: يرتد عن الإسلام فيعرض عليه الإسلام فيسلممسألة: المرتد إلى الإسلام هل له حد يترك إليه: المراد بالقدرية وحكمهممسألة: يعذبون الناس في الدنيا: المحارب إذا تاب: يأخذ الرجل في الليل فيكابره على ثوبه فينتزعه إياه: به لمم فقيل له إن شئت أن نقتل صاحبك قتلناه: اشترى جارية مسلمة ولما وجدت معه قال أنا مسلم ثم علم أنه نصراني: النصراني واليهودي يتزندق: المرتد يجرح أو يقتل في ارتداده ثم يسلممسألة: إذا أخفى الرجل دينا فأتى تائبا منه: من غير دينه فاقتلوه: قال لا أتوضأ وأنا أصلي: من جحد فرض الوضوء والصلاة والزكاة أو الصيام أو الحج
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل