البيان والتحصيلصفحات 290-330
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحوالة والكفالة

صفحات 290-330
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ميراث، لأن الرجل قد يقول أخي، أخي- للرجل الذي لا قرابة بينه وبينه- يقر به بذلك إلا أن تطول المدة السنين بأن يدعو كل واحد منهما (صاحبه) باسم الأخوة أو العمومة، فيكون ذلك حيازة للنسب، ويتوارثان بذلك، ويشبه- على قول سحنون الذي تقدم له في نوازله- ألا يكون له الميراث بقوله فلان أخي، أو فلان وارثي- حتى يفسر، إذ قد قال- وهو المشهور من مذهبه - أنه لا ميراث له وإن فسر، لأن بيت المال كالنسب القائم، وبالله التوفيق.

مسألة: استلحق ولد ولد فقال هذا ابن ابني وابنه ميت

مسألة قلت فإن استلحق ولد ولد فقال: هذا ابن ابني- وابنه ميت، هل يلحق به إذا كان له وارث معروف، كما يلحق به ابنه لصلبه؛ قال: لا، ولد الولد في هذا بمنزلة الأخ، والعصبة، والمولى، لا يجوز له استلحاقه إذا كان له وارث معروف، مثل ما أخبرتك في الأخ وغيره، وذلك أن ابنه الذي زعم أن هذا ولده لو كان حيا فأنكر أن يكون ابنه، لم يكن للجد أن يستلحقه، ولا يلحق بولده ولدا هو له منكر، ولا يلحق بالجد إلا أن يقر به الأب؛ فلهذا لم يكن للجد أن يستلحق ابن ابنه، كما يستلحق ابنه بصلبه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا يجوز للرجل أن يلحق بولده ولدا هو له منكر، وقد قيل: إن الجد إذا استلحق ولد ولده لحق به، لأنه مقر بنسب بنوة لحقت به، حكى ذلك أبو إسحاق التونسي في كتابه، وليس

ذلك بصحيح إلا على الوجه الذي نذكره، وذلك أن استلحاق الجد على وجهين، فإن قال: هذا ابن ولدي، أو ولد ابني، لم يصدق؛ وإن قال: أبو هذا ابني، أو والد هذا ابني صدق؛ والأصل في هذا أن الرجل إنما يصدق في إلحاق ولد فراشه، لا في إلحاق ولد فراش غيره، وهذا ما لا ينبغي أن يختلف فيه، وقد مضى في نوازل سحنون ما فيه بيان هذا، وبالله التوفيق.

مسألة: كان له ورثة موالي أو غير ذلك من الأوراث

مسألة قلت له: فإن كان له ورثة موالي، أو غير ذلك من الأوراث، فقال لرجل من الناس: هذا أخي- وهو صحيح أو مريض؛ هل يثبت نسبه؟ قال: نعم، إذا كان الذي زعم أنه أبوه- مقرا له بذلك، فإن نسبه ثابت منه، وذلك أن الأب هو الذي استلحقه- وهو مقر له بأنه ابنه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال من أنه لا يثبت نسبه إلا بإقرار الأب له بذلك وهو مما لا اختلاف فيه، إذ لا يجوز للرجل أن يلحق بغيره ولدا هو له منكر باتفاق، وقد مضى بيان ذلك في المسألة التي قبلها، وبالله التوفيق.

: هلك وترك ابنة وأختا وادعت الابنة أنه هلك مسلما وهي مسلمة

ومن نوازل أصبغ قيل لأصبغ: رجل هلك وترك ابنة وأختا وادعت الابنة أنه هلك مسلما وهي مسلمة، وادعت الأخت أنه هلك نصرانيا- والأخت نصرانية، ولا يعرف في أصل على كفر؛ فقال أصبغ: إن هاتين كلتاهما إنما تدعيان النصف، ولأن الأخت لا ترث إلا النصف،

والنصف الآخر على أي ذلك كان للميت، فهو لغيرهما؛ فهما يدعيان في النصف فأراه بينهما بعد أن يتحالفا، ويكون النصف الآخر لجميع المسلمين.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن كانت الأخت لا تدعي إلا النصف، وأما إن ادعت الكل- وقالت من ديننا أن ترث الأخت الجميع وصدقها في ذلك أهل دينها من الأساقفة، فيكون ذلك حكم المال يدعي أحد الرجلين أو المرأتين نصفه، والثاني جميعه، فيكون لمدعي النصف الربع، ولمدعي الكل الثلاثة الأرباع- على المشهور من مذهب ابن القاسم، ولمدعي النصف الثلث، ولمدعي الكل الثلثان- على المشهور من مذهب مالك، إذ قد روي عن كل واحد منها مثل قول الآخر، والله الموفق.

مسألة: هلك وترك ابنا وابنة فادعى الولد أنه هلك مسلما

مسألة قلت: فلو هلك وترك ابنا وابنة، فادعى الولد أنه هلك مسلما، وادعت البنت أنه هلك نصرانيا، فقال: يكون لابنه الربع لأنها تدعي النصف وقد أسلمت النصف الآخر ولم تدع فيه، ويكون للابن ثلاثة أرباع، لأنه يدعي المال كله.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة على قياس قوله في المسألة التي قبلها من أن الابنة تدعي نصف المال وعلى المشهور من مذهب ابن القاسم؛ وعلى المشهور من مذهب مالك، يكون المال بينهما أثلاثا، للابن الثلثان، وللابنة الثلث، وذلك بعد أيمانهما جميعا في هذه المسألة، وفي التي قبلها؛ فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان للحالف منهما ما ادعاه، فإن نكلا جميعا، كان ذلك كحلفهما جميعا؛ ولو ادعت الابنة الكل على ما ذكرناه في المسألة التي قبلها، لكان المال بينهما بشطرين بعد أيمانهما قولا واحدا، وبالله التوفيق.

مسألة: هلك وترك ولدين قد بلغا وابنا صغيرا فقال أحدهما هلك أبونا مسلما

مسألة قلت: فلو هلك وترك ولدين قد بلغا وابنا صغيرا، فقال أحدهما: هلك أبونا مسلما، وقال الآخر: نصرانيا؛ فقال أصبغ: كلاهما مقر للصغير بالنصف، فالنصف له كاملا ويجيز على الإسلام، ولهما جميعا النصف، قال سحنون: فإن مات الصبي قبل البلوغ، حلفا جميعا واقتسما ميراثه؛ وإن مات أحدهما قبل بلوغ الصبي، فإن كان للميت ورثة معروفون، كانوا أحق بميراثه، وإن لم يكن له ورثة أخر، فإذا كبر الصبي يوما ما فادعاه كان له.
قال محمد بن رشد: قول سحنون: فإن مات الصبي قبل البلوغ حلفا جميعا واقتسما ميراثه، مفسر لقول أصبغ في أن ميراث الصبي إذا مات قبل البلوغ، يقتسم أخواه المسلم والنصراني ميراثه بينهما بنصفين، ولا اختلاف بينهما في هذا؛ لأن كل واحد منهما يدعي أنه على دينه، فهو أولى بميراثه، ومخالف له في وجهين، أحدهما ما يكون له معهما من ميراث أبيهم، والثاني هل يجبر على الإسلام بعد بلوغه، أو يكون له أن يختار أي دين شاء، فلسحنون في كتاب ابنه أنهما يحلفان جميعا، ويوقف للصغير ثلث ما بيد كل واحد منهما حتى يكبر فيدعي مثل دعوى أحدهما، فيأخذ ما وقف له من سهمه، وهو ثلثه، يريد ويأخذ مما بيده تمام نصفه، لاستوائهما جميعا في الدعوى بعد يمينه، ويرد إلى الآخر ما وقف له من سهمه؛ فإن ادعى إذا كبر أن أباه كان على دين ثالث، أخذ ما وقف له من نصيب كل واحد منهما بعد يمينه أيضا، ووجه هذا القول، أنه لما كان الصغير

لا يعرب عن نفسه، وقفنا له ثلث المال، لاحتمال أن يدعي جميعه بدين ثالث يدعي أنه كان عليه أبوه، ولأخويه الكبيرين ثلثان، ثلث لكل واحد منهما لتساويهما في الدعوى، ثم يقول كل واحد منهما لصاحبه: تخل لنا عن ثلثك، إذ لا حق لك في الميراث إذ مات أبونا على خلاف دينك، وليس أحدهما بالسعد من صاحبه في هذه الدعوى، فيبقى ثلث كل واحد منهما بيده؛ وقد بين أصبغ وجه قوله في الرواية بما لا مزيد عليه، فإن مات الصغير قبل البلوغ، حلفا جميعا واقتسما الثلث بينهما بنصفين على ما قاله سحنون في الرواية، إذ لا يختلفان في هذا، وقول سحنون في الرواية إذا مات أحد الكبيرين، أنه إن كان له ورثة كانوا أحق بميراثه، وإن لم يكن له ورثة، وقف ميراثه إلى أن يكبر؛ فإن ادعاه، كان له؛ ليريد أنه إن اختار دين الميت منهما، كان له ميراثه الذي وقف له- استحسان على غير حقيقة القياس، وكان القياس أن يوقف له قدر حظه من الميراث إذا كان له ورثة، كما يوقف له جميعه إذا لم يكن له ورثة، والذي يأتي في هذا على مذهب أصبغ الذي يرى أن يجبر على الإسلام، ألا يوقف له الميراث؛ ويتخرج الحكم له به على قولين، أحدهما: أنه يحكم له بحكم الإسلام من أجل أنه يجبر عليه، ولا يترك على النصرانية، فيرث المسلم ولا يرث النصراني، والثاني: أنه لا يحكم له بحكم الإسلام حتى يبلغ ويجيب إليه، أو يجبر عليه، فلا يرث واحد منهما، إذ لا يدري هل هو مسلم أو نصراني من أجل أنه تبع لأبيه في الدين، ولا يعرف دين أبيه، وبالله التوفيق.

مسألة: توفي وترك أخوين وترك امرأته حبلى

مسألة قيل لأصبغ: رجل توفي وترك أخوين، وترك امرأته حبلى، فولدت غلاما؛ فقال أحد الأخوين: ولدته ميتا ولم يستهل؛ وقال الآخر: بل ولدته حيا وقد استهل صارخا، وقالت المرأة: ولدته حيا واستهل؛ فقال: ابدأ بالإقرار فأعطهم عليه على أنه استهل، فللمرأة

إذا استهل ثمن الميراث وهو ثلاثة من أربعة وعشرين، ويبقى من المال أحد وعشرون قيراطا لابنها، فلها من ميراث ابنها ثلثه، وهو سبعة من أحد وعشرين، فصار لها عشرة، ويبقى من المال أربعة عشر بين الأخوين لكل واحد منهما سبعة، سبعة، وعلى الإنكار، لها ربع ميراث زوجها إذا خرج الصبي ميتا، وهو ستة من أربعة وعشرين، ويبقى من المال ثمانية عشر بين الأخوين، لكل واحد منهما تسعة، تسعة، على الإنكار؛ فقد أخذ الأخ الذي أنكر سبعة في الإقرار، ويبقى له سهمان يرجع لهما على المرأة، فيصير له تسعة، ويبقى للمرأة ثمانية؛ لأنه مرة يصير لها ربع الميراث- وهو ستة من أربعة وعشرين، ومرة يصير لها ثمن من أربعة وعشرين، وهو ثلثه، وثلث أحد وعشرين، وهو سبعة وذلك عشرة، فلها نصف ما بين هذا وهذا؛ فصار لها ثمانية، وللأخ الذي أقر سبعة، فاستقامت على أربعة وعشرين.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لأن الزوجة التي ادعت أن ابنها استهل تقول: لي ميراثي في زوجي الثمن ثلاثة أسهم من أربعة وعشرين، وميراثي في ابني الذي استهل وهو ثلث ما بقي بعد ثمني وذلك سبعة أسهم، فجميع مالي عشرة أسهم، وليس لواحد منكما إلا ميراثه في ابن أخيه وهو ولدي الذي استهل- وذلك سبعة أسهم، سبعة أسهم- لكل واحد منكما، فيقول المنكر منهما لاستهلال الولد بل ليس لك إلا الربع وهو ستة أسهم من أربعة وعشرين لي نصف الباقي-

وهو تسعة أسهم، فيأخذ المنكر لاستهلال الابن من الأخوين تسعة أسهم، ويقال للمقر منهما باستهلال (الابن) ليس لك إلا سبعة أسهم ميراثك في الابن، فادفع السهمين إلى الزوجة إلى الستة الأسهم التي لها في ميراث زوجها، إذا لم يستهل الولد يكون بيدها ثمانية أسهم؛ ولو أقر الأخ الآخر لدفع إليها أيضا سهمين، فاستوفت بهما جميع حقها الواجب لها على استهلال الولد- وذلك عشرة أسهم؛ وأقل ما تنقسم منه هذه الفريضة أربعة وعشرون كما ذكر، لأنه يحتاج فيها إلى إقامة ثلاث فرائض: فريضة على إنكار الاستهلال من أربعة، من أجل أن للزوجة الربع- إذا لم يستهل الولد، وفريضة على الإقرار بالاستهلال من ثمانية من أجل أن للزوجة الثمن- إذا استهل المولود، وفريضة ميراث الولد من ثلاثة، من أجل أن للأم الثلث، فيستغنى عن الأربعة بالثمانية، ويضرب ثلاثة في ثمانية يكون أربعة وعشرين، منقسمة على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.

مسألة: يقر في صحته بأخ ثم يقر بعد زمان بولاء لرجل

مسألة قيل لأصبغ: ما تقول في الرجل يقر في صحته بأخ ثم يقر) بعد زمان بولاء لرجل ثم يموت؛ وكيف إن كان أقر بالولاء قبل إقراره بالأخ، وكيف إن كان أقر بالأخ أولا ثم ثبت الولاء بعد ذلك ببينة؛ قال: أرى النسب أولى على كل حال، كان هو الأول أو الثاني.
قال محمد بن رشد: قوله أرى النسب أولى على كل حال، لا يعود

على قوله في السؤال: وكيف إن أقر بالأخ أولا ثم ثبت الولاء بعد ذلك ببينة؟ إذ لا اختلاف في أنه لا يجوز الإقرار بوارث إلا إذا لم يكن للميت وارث معروف بنسب وولاء، وإنما يعود على الإقرار بالولاء وبالنسب، فرأى النسب أولى على كل حال، تقدم أو تأخر، ومعنى ذلك عندي إذا قال: فلان مولاي ولم يقل أعتقني، لأنه إذا قال: أعتقني ثبت له بذلك الولاء والميراث، فوجب أن يكون أولى من الإقرار بالنسب؛ وإذا لم يقل أعتقني، فلا يكون له بإقراره بأنه مولاه إلا الميراث- قاله سحنون؛ فهاهنا يصح أن يكون الإقرار بالنسب أولى من الإقرار بالولاء تقدم أو تأخر؛ وكذلك على قياس هذا لو قال: فلان ابن عمي، وفلان أخي؛ لوجب أن يكون الأخ أولى بالميراث تقدم أو تأخر، لأن الإقرار بهذا وهو بمنزلة إقامة البينة على هذا وهذا؛ وقرر ابن الماجشون الإقرار بالولاء أولى من الإقرار بالنسب، من أجل أن الولاء ثبت بالإقرار، كما يثبت به نسب الولد الملحق، ولم يشترط ابن الماجشون أن يقول في إقراره به، أعتقني، فظاهر قوله أن الولاء يثبت بالإقرار- قال أعتقني أو لم يقل، وسنزيد هذه المسألة بيانا في نوازل سحنون من كتاب الولاء إذا وصلنا إليها إن شاء الله، وبه التوفيق.
تم كتاب الاستلحاق بحمد الله وحسن عونه، والصلاة الكاملة على سيدنا مولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

: كتاب الولاة

المولود يتنفس ولم يستهل صارخا وهلك وهلكت أمه قبله فهل يرثها

(كتاب الولاة) من سماع ابن القاسم من كتاب مرض وله أم ولد وسئل مالك عن المولود يمكث يوما وليلة وهو حي فيما يرون يتنفس- وأكثر من ذلك- ولم يستهل صارخا، وإن عطس، وإن رضع، وهلك وهلكت أمه قبله، فهل يرثها؟ وإن لم يستهل أو لم يتحرك، فهل يرث؟ قال مالك: لا يرث ولا يورث، ولا يصلى عليه، حتى يستهل صارخا؛ قال سحنون: الرضاع يدل على حياة الصبي، ولا يمكن أن يرضع إلا بعد الاستهلال؛ قلت: فلو بال؟ قال: قد يبول الميت يخرج منه، وكذلك تحريكه لا يعد حياة، ألا ترى أن تحريكه في بطن أمه لا يعد شيئا.
قال محمد بن رشد: اتفق أهل العلم على أن المولود لا يرث ولا يورث ولا يصلى عليه، إلا أن يولد حيا، وعلامة حياته الاستهلال بالصراخ؛ بدليل الحديث: «ما من مولود إلا طعن الشيطان في خاصرته، ألا تسمعون إلى صراخه، إلا عيسى ابن مريم، فإنه لما جاء طعن في الحجاب» أو كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فإذا استهل المولود صارخا علمت حياته) ، وإذا لم يستهل صارخا لم يعتبر بحركته، لأن المقتول من بني آدم يتحرك بعد القتل، وقد كان يتحرك في بطن أمه، فلم يعتد بتلك الحركة؛ وكذلك بوله إن بال لا يعتد به، ولا يعد ذلك حياة له، لأن الميت قد يبول، فليس بوله على عادة الأحياء، وإنما يخرج البول منه باسترخاء المواسك بالموت، وأما إن رضع وعطس) فقول سحنون: إن الرضاع يدل على حياته، ولا يمكن أن يرضع إلا بعد أن يستهل صحيح، وعبد العزيز بن أبي سلمة يقول ذلك في العطاس، فقيل: إن سحنون فرق بين الرضاع والعطاس، لاحتمال أن يكون ما سمع من عطاسه ريح خرجت منه؛ والصحيح ألا فرق بينهما، إذ لا يشبه العطاس خروج الريح منه، وكذلك التنفس أيضا يدل على الحياة، ولا يمكن أن يكون إلا بعد الاستهلال، بدليل الحديث الذي ذكرناه، فوجب ألا يحمل قول مالك في هذه الرواية على ظاهره من أنه لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث إذا كان لم يستهل، وإن تنفس وعطس ورضع، لأن نفسه وعطاسه ورضاعه (دون أن يستهل) خرق للعادة التي أجراها الله بما أخبر به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من خرق هذه العادة في عيسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وإنما المعنى في ذلك أنه لما سئل عن المولود يولد فيمكث يوما وليلة وأكثر من ذلك يتنفس ويعطس ويرضع ولم يستهل؛ رأى

ذلك من المحال الممتنع فقال إنكارا على السائل وردا لقوله: لا يرث ولا يورث، ولا يصلى عليه حتى يستهل؛ بمعنى أن ذلك لا يصح أن يكون إلا بعد الاستهلال، وقد قال بعض العلماء على طريق الإنكار لهذا السؤال الذي إنما يقصد به إلى تلبيس وإبطال الحديث، لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل وإن طعن بالرمح وضرب بالسيف وقاد الجيوش، فإذا شهد من تقبل شهادته بأن المولود أقام يوما وليلة وأكثر من ذلك يتنفس ويعطس، ويرضع، ولم يستهل، أجيزت شهادتهم وحمل أمرهم على أنهم لم يسمعوا استهلاله بالصراخ الذي هو علامة حياته، وجاءت السنة بأنه لا يصلى عليه حتى يستهل صارخا بعد أن يولد؛ فقد يكون خفيفا لا يسمعه من لَهَا واشتغل، وقد قال عبد الوهاب في المعونة: وعلامة الحياة هي الصياح أو ما يقوم مقامه من طول المكث إذا طال به مدة يعلم أنه لو لم يكن حيا لم يبق إليها، ومعنى قوله: إنه إذا شهد على ذلك كان كالشهادة على استهلاله، للعلم بأن ذلك لا يكون منه إلا بعد أن يستهل، قال: ولا يصلى عليه إلا أن يستهل صارخا، تحرك أو لم يتحرك، خلافا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن الصلاة إنما هي على من عرفت حياته قبل موته، وبالله التوفيق.

: رجل من مصر يغيب إلى المدينة فيموت بها

ومن سماع أشهب من كتاب الأقضية وسئل مالك عن رجل من أهل مصر يغيب إلى المدينة فيموت

بها، أترى أن يقسم ورثته بمصر ماله إذا علموا بموته، أم يؤخروا ذلك حتى يعلموا أتزوج في غيبته أم لا؟ فقال: إن شك في أمره لم يقسم ورثته ميراثه حتى يعلم ذلك، وإن استوقن ولم يشك فيه، قسم ميراثه بين ورثته.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إن شك في أمره بسبب أدخل عليهم الشك في ذلك، لم يقسم ميراثه حتى يبحث عن ذلك، ويوقف على الحقيقة فيه بالكتاب إلى ذلك البلد وهو محمول على أنه لم يتزوج فيه حتى يعلم أنه قد تزوج فيه فيؤخر قسم ميراثه حتى تحضر أو توكل، أو يقسم لها القاضي ويوقف لها حظها، وقد مضت هذه المسألة في سماع أشهب من كتاب العتق وتكررت ها هنا، وبالله التوفيق.

: يقول عند موته فلان مولاي ولا يقول أعتقني ولا ولد له

ومن نوازل سحنون وسئل سحنون عن الذي يقول عند موته: فلان مولاي ولا يقول أعتقني ولا ولد له، فهذا يكون له الميراث ولا يكون له الولاء، إلا أن يقول أعتقني، قيل لسحنون: فلو كان في الصحة فقال: فلان مولاي لم يزل بذلك مقرا حتى مات ولا يذكر أنه أعتقه؛ فقال: إقراره في الصحة والمرض سواء، له الميراث ولا يكون له الولاء؛ قيل لسحنون فلو أن رجلا كان مقرا في حياته أن فلانا مولاه، فلما مرض قال: فلان ابن عمي لرجل آخر- ولا وارث له، أو قال: ابن عمي ولم يقل

لأب وأم، ثم مات؟ قال: لا يكون له شيء ولا يرثه بالشك والميراث للمولى، لأنه قد انعقد له الولاء؛ قيل له: فإن قال: فلان مولاي في مرضه ثم قال بعد ذلك: فلان ابن عمي ولا وارث لي غيره- ثم مات، قال: يؤخذ بإقراره الأول ولا يكون للذي أقر به أنه ابن عمه شيء؛ قيل: فأقر بذلك في صحته ولا يعرف ذلك إلا بقوله، وهل يفترق إن كان إقراره بالولاء قبل إقراره بالأخ؟ قال: إذا لم يعلم ذلك إلا بقوله، فالنسب أولى من الولاء؛ وإذا كانت البينة على الولاء وأقر بالنسب، كان الولاء أقرب من النسب.
قال محمد بن رشد: هذه مسائل ملتبسة غير بينة المعاني، فأنا أذكر أصلها الذي تبنى عليه وترد بالتأويل إليه، الأصل في ذلك عنده على مذهبه، أنه إذا أقر فقال: فلان مولاي أعتقني، ثبت له بذلك الولاء، وكان بمنزلة إذا قامت عليه البينة، يكون إقراره له بذلك أولى من الإقرار بالنسب تقدم أو تأخر، كان في الصحة أو المرض؛ وإن قال: فلان مولاي ولم يقل أعتقني، وجب له بذلك الميراث، ولم يجب له به الولاء؛ كان ذلك من إقراره أيضا في الصحة أو في المرض، فإن أقر مع هذا بنسب لرجل آخر، كان النسب أولى من الولاء- تقدم أو تأخر؛ كان في الصحة أو في المرض.
فقوله: قيل لسحنون فلو أن رجلا كان مقرا في حياته أن فلانا مولاه، معناه أنه كان مقرا في حياته أن فلانا أعتقه؛ فلذلك قال: إنه أحق من الذي أقر له في مرضه، بأنه ابن عمه؛ وأن الميراث له؛ لأنه قد انعقد له الولاء.
وقوله بعد ذلك: فإن قال: فلان مولاي في مرضه، ثم قال بعد ذلك: فلان ابن عمي لا وارث لي غيره، ثم مات؛ أنه يؤخذ بإقراره الأول، ولا يكون للذي أقر به أنه ابن عمه شيء، معناه أيضا أنه قال في مرضه: فلان مولاي أعتقني.
فقوله: إنه

يؤخذ بإقراره الأول، إنما قاله من أجل أنه قد انعقد له الولاء بقوله: أعتقني ليس من أجل أنه أقر بذلك أولا.
وقوله: قيل له فأقر بذلك في صحته ولا يعرف ذلك إلا بقوله لم يقع له جواب، والجواب في ذلك على ما أصلناه من مذهبه وبيناه، أنه إن كان لم يقل أعتقني، فإقراره بالنسب أولى على كل حال- وإن كان إقراره بالولاء متقدما في صحته؛ وإن كان قال: أعتقني، فهو أولى من إقراره بالنسب- تقدم أو تأخر.
وقوله لما سأله هل يفترق- إن كان إقراره بالولاء قبل إقراره بالأخ، أنه إذا لم يعلم ذلك إلا بقوله، فالنسب أولى من الولاء؛ معناه إذا لم يقل أعتقني.
وقوله: إنه إذا كانت البينة على الولاء وأقر بالنسب، كان الولاء أقرب من النسب- صحيح؛ وكذلك على ما أصلناه وبيناه من مذهبه: لو لم يكن على الولاء بينة، وقال في إقراره به: أعتقني؛ لكان الولاء أولى من النسب المقر به، فهذا بيان مذهب سحنون في هذه المسألة، وابن الماجشون يرى الإقرار بالولاء أولى من الإقرار بالنسب، من أجل أن الولاء يثبت بالإقرار، كما يثبت به نسب الولد المستلحق؛ ولم يشترط ابن الماجشون أن يقول في إقراره به: أعتقني، فظاهر قوله أن الولاء يثبت بالإقرار- وإن لم يقل أعتقني؛ وظاهر قول أصبغ في نوازله من كتاب الاستلحاق، أن الولاء لا يثبت بالإقرار، وإن قال: أعتقني، فرددناه هناك بالتأويل إلى مذهب سحنون ها هنا؛ وإن حملناه على ظاهره تحصل فيمن أقر بولاء لرجل وبنسب لآخر- ثلاثة أقوال، أحدها: أن النسب أولى من الولاء تقدم الإقرار به أو تأخر، كان في الصحة أو في المرض.
والثاني: أن الإقرار بالولد أولى من النسب -تقدم الإقرار به أو تأخر، كان في الصحة أو

في المرض.
والثالث: أنه إن قال: أعتقني، كان أولى من النسب؛ وإن لم يقل أعتقني، كان النسب أولى منه -تقدم أو تأخر أيضا، وبالله التوفيق.

مسألة: العبد يكون بين الرجلين فيعتق أحدهما نصيبه

مسألة قيل لسحنون: أرأيت العبد يكون بين الرجلين فيعتق أحدهما نصيبه من العبد) بإذن شريكه- والشريك لا مال له، أو له مال؛ فقال: أما من له المال، فإن العبد يعتق جميعه عليه، وإن لم يكن له مال، أعتق عليه نصيبه من العبد، ولم يعتق نصيب صاحبه؛ قلت: فإن مات العبد وترك مالا؟ قال: يرثه المتماسك بالرق دون صاحبه، فإن أعتق هذا العبد عبدا آخر بإذن هذا المتمسك بالرق، فمات هذا المعتق وترك مالا، قال: يرثه الرجلان جميعا الذي تمسك بالرق، ومولى العبد المعتق ولا مال له.
قال محمد بن رشد: قوله: إن ميراث ما أعتقه هذا العبد المعتق نصفه بإذن المتمسك بالرق (بين الذي تمسك بالرق وبين مولى العبد المعتق) لنصفه ولا ماله، هو قول ابن القاسم في سماع عيسى عنه، خلاف قوله في رواية يحيى عنه- حسبما وقع من الروايتين جميعا في رسم الصلاة من سماع يحيى من كتاب العتق، وقد مضى القول على ذلك (هنالك) فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: توفي وترك ابنا خنثى وابن ابن خنثى أيضا

مسألة وسئل عمن توفي وترك ابنا خنثى، وابن ابن خنثى أيضا، قال: فللأول ثلاثة أرباع المال، أصلها من أربعة وعشرين، فيقال لابن الابن: إن كنت ذكرا كان لك الربع الباقي كله، فخذ نصفه- وهو ثلاثة أسهم، ثم يقال له: لو كنت أنثى كان لك السدس فخذ نصفه وهو سهمان فيصير له خمسة ويفضل سهم من أربعة وعشرين للعصبة.
قال محمد بن رشد: بنى سحنون جوابه هذا على مذهب ابن القاسم في التداعي فأخطأ في بنائه عليه، وتفسير ما ذهب إليه: أن الابن يدعي جميع المال، لأنه يقول بأنه ذكر، وأن ابن الابن أنثى، وابن ابن الابن يدعي نصف المال لأنه يقول بأنه ذكر- وأن الابن أنثى؛ فيقال لابن الابن قد أقررت للابن بالنصف، فادفعه إليه، والنصف الثاني يقسم بينكما بنصفين لتداعيكما فيه؛ فيحصل للابن ثلاثة أرباع المال، ولابن الابن الربع؛ ثم يقول العصبة لابن الابن إنما لك من هذا الربع السدس، لأنكما جميعا أنثيان فيقول: بل هو لي كله، لأني ذكر فيحصل التداعي بينها في نصف السدس فيقسم بينهما فيحصل للعصبة ربع السدس، وهو سهم من أربعة وعشرين كما قال؛ وموضع الخطأ في هذا البناء تقديره فيه: أن العصبة

تقول لابن الابن إنما لك من هذه الربع السدس، لأنها لم تقر لابن الابن بالسدس من الربع الباقي بيده؛ وإنما أقرت له بالسدس من النصف تكملة الثلثين، على أنهما جميعا أنثيان، والسدس الذي أقرت له به قد أخذ منه الابن نصفه بدعواه أنه ذكر، وهذا بين؛ والصحيح في بناء المسألة على مذهب ابن القاسم في التداعي أن الابن يقول لابن الابن وللعصبة أنتما مقران لي بالنصف غير منازعين لي فيه، لأني إن كنت أنثى فلي النصف، كنت أنت ذكرا على ما تدعي أو أنثى على ما تدعيه العصبة، فأسلماه إلي، فيأخذ النصف ستة من اثني عشر، ثم يقول ابن الابن للعصبة أنتم مقرون لي من هذا النصف بالسدس تكملة الثلثين لأنكم تدعون أني أنثى فأسلموه لي، فيأخذ منه السدس سهمين، ويبقى بأيدي العصبة الثلث أربعة أسهم، ثم يرجع الابن فيقول لابن الابن هذا السدس الذي بيدك هو لي لأني ذكر، فيقول له بل هو لي، لأنك أنثى فيقسم بينهما، فيأخذ منه سهما ويبقى بيده سهم، ثم يرجع إلى العصبة فيقول لهم هذا الثلث الذي بأيديكم هو لي لأني ذكر، فيقول له العصبة بل هو لنا، لأنكما جميعا أنثيان، فيقسم بينهما فيأخذ منهم سهمين من الأربعة الأسهم فيكمل له ثلاثة أرباع المال، لأنه كان بيده النصف ستة أسهم، وأخذ من ابن الابن سهما واحدا، ومن العصبة سهمين فذلك تسعة أسهم من اثني عشر سهما، ثم يرجع ابن الابن على العصبة فيقول لهم هذان السهمان اللذان بأيديكما هما لي لأني ذكر، فتقول له العصبة بل هما لنا لأنكما جميعا أنثيان فيقسم بينه وبينهم بنصفين، فيأخذ منهم ابن الابن سهما واحدا، فيصير بيده سهمان وهو السدس، ويبقى بيد العصبة سهم واحد وهو نصف السدس، وكذلك يجب لهم نصف السدس والسدس لابن الابن، والثلاثة الأرباع للابن

على ما رتبه أهل الفرائض في عمل الفريضة من إقامة أربع فرائض، فريضة على أنهما ذكران، وفريضة على أنهما أنثيان، وفريضة على أن الابن ذكر- وابن الابن أنثى، وفريضة على أن الابن أنثى وابن الابن ذكر، وضرب الفرائض بعضها في بعض إلا أن تتداخل وأضعافها أربع مرات، وقسمتها على الفرائض وأعطي كل واحد منهم ربع ما اجتمع له، لأن عملهم في مسائل الخنثى كلها إنما يخرج على مذهب ابن القاسم في التداعي؛ ويأتي في هذه على مذهب مالك في التداعي الذي يرى القسمة فيه على حساب عول الفرائض، أن يقسم المال بينهم أجزاء من أحد عشر، لأن الابن يدعي الكل، وابن الابن يدعي النصف، والعصبة تدعي الثلث؛ وعلى هذا القول قال ابن حبيب في ابن ذكر وابن خنثى: إن المال يقسم بينهما أسباعا، فلا يصح في المسألة إلا هذان القولان، أحدهما على مذهب مالك.
والثاني على مذهب ابن القاسم وما سواهما خطأ، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف بحرية كل جارية يشتريها إلا وطئها

مسألة وقال: في رجل حلف بحرية كل جارية يشتريها إلا وطئها، فاشترى جارية من ذوات المحارم، وهو عالم أنها تحرم عليه أو جاهل، هل تعتق عليه في الأمرين جميعا؟ قال أصبغ: لا أرى عليه شيئا، ولا أرى مخرج يمينه في مثل هذا إلا فيمن يجوز له الوطء، فأما من لا يجوز وليس هذا الذي أراد، إلا أن يكون أغلق على نفسه بكل معنى، سحنون يقول إذا اشترى أما وابنتها صفقة واحدة- وقد حلف بهذه اليمين، فإنه إذا وطئ واحدة أعتقت الأخرى.

قال محمد بن رشد: قول أصبغ في هذه المسألة صحيح على القول بمراعاة المقصد المظنون في الأيمان وحملها عليه، لا على ما تقتضيه الألفاظ وهو المشهور في المذهب، إلا أنه أصل مختلف فيه- أعني في المذهب؛ واختلف فيه قول ابن القاسم في المدونة من ذلك أنه قال فيمن حلف ألا يدخل على فلان بيتا فدخل عليه المسجد، أنه لا حنث عليه والمسجد بيت من البيوت، لأن الله عز وجل قد سمى المساجد بيوتا، فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] وقال فيمن حلف ألا يأكل لحما.
فأكل لحم الحوت، أو ألا يأكل بيضا فأكل بيض السمك، أنه حانث، إلا أن تكون له نية- وإن كان لحم الحوت وبيض السمك ليس بلحم ولا بيض عند الناس في عرف كلامهم، واختلف في ذلك أيضا قول أصبغ، لأن قوله في هذه المسألة خلاف ما حكى عنه ابن حبيب من أنه من حلف أن يطأ امرأته الليلة فألفاها حائضا، ولم يعلم حين حلف أنها حائض؛ أنه حانث، ولا يبرأ إن وطئها، لأنه وطء فاسد، وهذا الاختلاف داخل في مسألة سحنون، فتفرقته بين المسألتين قول ثالث في المسألة؛ ووجهه أنه قد كان له أن يطأ التي لم يطأ منهما لو شاء، فصار قد قصد إلى ترك وطئها بوطء الأخرى، فهي استحسان، خارجة عن القياس على كل واحد من الأصلين، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لغلامه إن جئتني بدينار كل شهر فأنت حر

مسألة وسئل سحنون عن رجل قال لغلامه: إن جئتني بدينار كل شهر، فأنت حر، قال: ما أعرفه، وما هذا بشيء وهو عبد.

قال محمد بن رشد: لما عم الشهور بقوله كل شهر، احتمل أن يريد حياة السيد، فيكون قوله وصية له بالعتق على هذا الشرط، وأن يريد حياة العبد؛ فلا يصح بذلك عتق، لأنه إنما أعتقه بعد موته؛ وعلى هذا حمل سحنون قوله، ولذلك قال: إنه عبد؛ والذي يأتي على أصولهم في هذه المسألة أن يسأل السيد ما أراد بذلك فيوقف عند قوله فيه، فإن لم يسأل حتى مات، لم يكن له وصية بعتق، لأن الوصايا لا تكون بالشك، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لجارية له إن ولدت غلاما فأنت حرة

مسألة وسئل عن رجل قال لجارية له: إن ولدت غلاما فأنت حرة، وإن ولدت جارية فأختك حرة، فولدت غلاما وجارية، قال: إن كان ولد الغلام أولا، فالأم حرة، وابنتها؛ وإن كانت الجارية أولا، فالأخت حرة، وإن لم يعلم أيهما ولد قبل، فالأم والأخت حرة، لأنا قد علمنا أن العتق قد وقع على واحد منهما، واعتقنا الابنة أيضا بالشك.
قال محمد بن رشد: قوله إن كان ولد الغلام قبل فالأم حرة وبنتها صحيح، لأنها عتقت بولادتها الغلام وهي حامل بالابنة، فوجب لها العتق بعتق أمها، إذ لا تلد حرة مملوكة، لقول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل ذات رحم، فولدها بمنزلتها» . فلا يخرج من رحم الحرة إلا حر، وقد يخرج من رحم الأمة حر- يريد وتعتق الأخت أيضا بولادتها الابنة بعد الابن، وقوله: وإن كانت الجارية أولا فالأخت حرة- يريد وهي أيضا حرة بولادتها الابن

بعد الابنة وقوله: وإن لم يعلم أيهما ولد قبل، فالأم والأخت حرة، لأنا قد علمنا أن العتق وقع على كل واحدة منهما يبين ما قلناه، وقد وقع في بعض الكتب: لأنا قد علمنا أن العتق وقع على واحد منهما بإسقاط كل، وهو خطأ في النقل والله أعلم، إذ لا يصح ألا يكون لوضعها الثاني منها حكم، إلا لو قال: أول ولد تلدينه، فإن كان ذكرا فأنت حرة، وإن كان أنثى فأختك حرة؛ وفي كتاب ابن حبيب وما حكاه الفضل بيان ما تأولنا عليه قول سحنون هذا.
وقوله: واعتقنا الابنة أيضا بالشك، وهو على القول بالعتق في الشك، والاختلاف في ذلك في المدونة، وبالله التوفيق.

مسألة: المكاتب يمرض وله ولد معه في الكتابة فيعتقه سيده

مسألة وسئل سحنون عن المكاتب يمرض وله ولد معه في الكتابة، فيعتقه سيده لئلا يرث أباه، قال: عتقه إياه جائز، قيل له: فإن مات أبوه من مرضه؟ قال: لا يرث.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول سحنون هذا خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة في أن المكاتبين كتابة واحدة لا يجوز للسيد عتق أحدهما إلا برضى أصحابه الذين معه في الكتابة، لأن كل واحد منهم حميل بما على أصحابه، وكذلك من دخل على المكاتب في كتابته من ولده، ويحتمل أن يتأول قوله على ما في المدونة، فيقال: معناه إذا رضي بذلك الأب، فيجوز كما قال ويخرج عن الكتابة، فلا يرث أباه إن مات من مرضه، لخروجه عن كتابته، ويوضع عنه ما نابه منها، وهذا أولى من حمل قوله على ظاهره من الخلاف، وبالله التوفيق.

مسألة: مكاتبة ولدت من زنى ووطئها سيدها فأحبلها

مسألة وسئل عن مكاتبة ولدت من زنى ووطئها سيدها فأحبلها، قال: لا يكون لها الخيار في أن تكون أم ولد، لأنها حينئذ تعتق على رق ولدها، وولدها لما ولدوا في الكتابة، صاروا مثلها.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح بين مثل ما في المدونة أن ذلك ليس لها إذا كان غيرها معها في كتابتها إلا برضاهم، قال سحنون فيها: ويكون معها ممن يجوز رضاه وولدها الذي ولدته من زنى في هذه المسألة ممن لا يجوز رضاه- لصغره فقوله هذا مثل قوله في المدونة ولو كان وطؤه إياها وإحباله لها بعد أن كبر ولدها من الزنى، لكان ذلك لها برضاه، وبالله التوفيق.

مسألة: يقول لأمته كل ولد تلدينه فهو حر

مسألة وسئل عن الرجل يقول لأمته كل ولد تلدينه فهو حر، هل يتسلط عليها البيع؟ فقال: أما من قال في الرجل يقول لغلامه أنت حر إذا قدم فلان، أنه يبيعه إذا شاء؛ فإنه يقول في مسألتك أنه يبيعها إذا شاء، وأما من قال في الغلام يكون موقوفا، فإنه يقول في هذه: إنه لا يبيعها حتى تيئس من الولد، ولا يحمل مثلها، وقد اختلف فيه.
قال محمد بن رشد: تنظيره للمسألة التي سئل عنها بالمسألة التي نظرها بها صحيح، لأن فلانا قد يقدم وقد لا يقدم، فليس بأجل آت على كل حال، فتلزم فيه الحرية باتفاق؛ وكذلك الجارية التي أعتق ما يكون لها من

ولد قد يكون لها ولد وقد لا يكون، ولو سمى أجلا فقال لها: ما ولدت من كذا وكذا فهو حر، لما كان له أن يبيعها حتى يحل الأجل- كالمعتق إلى أجل، وأما إذا لم يضرب أجلا فلكلا القولين وجه من النظر، فوجه القول بأنه ليس له أن يبيع الأمة ولا العبد اتباع ظاهر اللفظ، ووجه القول بأن له أن يبيع كل واحد منهما الاعتبار بالمعنى وألا يحجر على أحد بيع عبده ولا أمته إلا بيقين، وبالله التوفيق.

مسألة: غلام لرجل دخل في غلمان لرجل ثلاثة فأعتق صاحب الغلام غلامه

مسألة وسئل عن غلام لرجل دخل في غلمان لرجل ثلاثة، فأعتق صاحب الغلام غلامه، أو كان قد أعتقه قبل أن يدخل بينهم، فيقال لصاحب الثلاثة: إن كنت تعلم غلمانك فأخرجهم، وإلا عتقوا كلهم، وليس له أن يقول لصاحبه أدخلت علي ضررا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لأن صاحب العبد لم يتعد فيما صنع من عتق عبده، لأنه تمحى منه بعتقه لما اختلط بعبد غيره، ووجب على صاحب الأعبد الثلاثة عتقهم، إذ لا يدري من هو الحر منهم، ولو مات واحد منهم، أو أعتقه، لما أعتق عليه الباقي منهم إلا على الاختلاف في العتق بالشك، وقد مضى هذا المعنى في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب العتق، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لغلامه أنت حر إن لم أعتقك

مسألة وسئل عن رجل قال لغلامه: أنت حر إن لم أعتقك، قال: يوقف عليه حتى يموت، فيعتق من ثلثه إن لم يعتقه حتى مات.

قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو على المشهور في المذهب من أن الحالف ليفعلن فعلا ولا يضرب له أجلا، لا يحنث إلا بالموت، أو بفوات الفعل الذي حلف ليفعلنه بعد أن مضت من المدة ما كان يمكنه فيه فعله فلم يفعله، وقد مضى بيان هذا وذكر الاختلاف فيه في سماع أبي زيد من كتاب العتق، وفي غيره من المواضع، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لأربع جوار له كلما وطئت منكن واحدة فواحدة حرة

مسألة وسئل سحنون عن رجل قال لأربع جوار له كلما وطئت منكن واحدة، فواحدة حرة؛ فوطئ واحدة، قال: يختار من الثلاثة واحدة للعتق، فإن لم يختر حتى وطئ أخرى، أعتق الباقيتين ولم يكن له خيار.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، أن له أن يختار واحدة من الثلاث البواقي إذا وطئ واحدة، ولا اختلاف في ذلك؛ وإنما يختلف إذا لم يختر شيئا حتى مات حسبما مضى من الاختلاف في ذلك، والكلام عليه في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب العتق؛ وأما قوله: إنه إذا لم يختر حتى وطئ أخرى، فإنه يعتق الباقيتين ولا يكون له خيار، ففيه نظر؛ والصواب: أن يختار أيضا اثنتين من الثلاث، لأن التي وطئ أولا باقية لم تعتق؛ فإن لم يختر أيضا حتى وطئ أخرى، فههنا يعتق الثلاث كلهن، لأنه قد وجب عليه عتق ثلاث ولم يبق له سوى التي وطئ آخرا غير الثلاث؛ ووجه ما ذهب إليه، أنه لم ير لمن وطئ منهن حقا في العتق، فقال: إنه إذا وطئ واحدة، ثم وطئ أخرى، لم يبق ممن له حق في العتق إلا اثنان، فوجب أن

يعتقا جميعا، لأن عليه عتق واحدة منهما بوطء الأولى، وعتق الأخرى بوطء الثانية، وهو بعيد والله أعلم.

مسألة: قال لسيد أبيه أعتقه وأنا أخدمك ما عشت

مسألة وسئل عن رجل قال لسيد أبيه: أعتقه وأنا أخدمك ما عشت، فأعتقه على ذلك فخدمه الابن ثم عثر على مكروه ذلك؛ قال سحنون: العتق ماض والخدمة ساقطة، وليس عليه من قيمة أبيه شيء، وقال أبو زيد وأصبغ: يضمن الابن قيمة أبيه ويقاصه بما خدم في القيمة.
قال محمد بن رشد: قول أبي زيد وأصبغ هو الصواب، لأنه شراء فاسد، كما لو اشتراه منه بخدمته إياه حياته، فأعتق عليه ثم عثر على مكروه ذلك بعد أن خدمه الابن، لكان الحكم في ذلك ما قالاه من وجوب قيمة أبيه عليه إذ قد فات بالعتق، ويقاص في ذلك بما خدم، ولا وجه لقول سحنون - عندي، ولو كان العتق ماضيا كما قال والخدمة ساقطة، لوجب أن يرجع عليه بقيمة ما خدمه، فيذهب حق السيد في عتق عبده- وهو لم يعتقه- إلا على عوض، وبالله التوفيق.

مسألة: أعتق أمة واشترط عليها رضاع صبي

مسألة قال سحنون: من أعتق أمة واشترط عليها رضاع صبي كانت حرة وسقط الشرط، لأنه لا يجوز أن يعتق عبدا ويشترط خدمته، ولكن يعتقها ويشترط عليها دنانير، ثم يستأجرها ليس بها، فإذا انقضت إجارتها قاصها.

قال محمد بن رشد: هذا كما قال أنه لا يجوز للرجل أن يعتق عبده ويشترط عليه خدمة بعد العتق - قاله في المدونة وغيرها، ويجوز أن يعتقه على أن يشترط عليه دنانير بعد العتق؛ واختلف هل له أن يلزم ذلك العبد وإن كره، فقال مالك: ذلك له- وهو قوله في المدونة في الذي يقول- لعبده أنت حر بتلا وعليك كذا وكذا، أن ذلك يلزمه؛ واختلف في ذلك قول ابن القاسم في المدونة، فإذا أعتق أمته واشترط عليها دنانير برضاها، أو ألزمها إياها على القول بأن ذلك له؛ جاز ما قال سحنون من أن يستأجرها على الرضاع بإجارة ثابتة في ذمته، فإذا وجبت لها الأجرة بانقضاء أمد الرضاع، قاصها بذلك فيما له عليها من الدنانير التي اشترطها عليها، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لغلامه إن تركت شرب الخمر فأنت حر

مسألة قال: ومن قال لغلامه: إن تركت شرب الخمر فأنت حر، فقال له بعد أيام: قد تركت شرب الخمر، أن ذلك ليس له حتى تعرف للعبد توبة عن شرب الخمر وحال حسنة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لأن العبد مدع لما يوجب الحرية له، فلا يصدق في ذلك حتى يعرف صدقه، بظهور صلاح حاله، وبالله التوفيق.

مسألة: قال في وصيته لغلامين له أطولكما عمرا فهو حر

مسألة وعمن قال في وصيته لغلامين له: أطولكما عمرا فهو حر، قال: يحبس خراج أكثر الغلامين خراجا ويتقاضى الورثة خراج الآخر حتى يموت أحدهما فيكون للباقي في خراجه من مقر الخراج الموقوف، وإذا لم يحملهما الثلث عتق من كل واحد منهما ما يحمل الثلث، وما بقي يصير رقيقا للورثة.

قال محمد بن رشد: هذا كما قال: من أنه إذا حمل الثلث العبدين جميعا، وجب أن تنفذ وصية الميت في أن تنفذ الحرية لأطولهما عمرا بأن يوقفا جميعا على الورثة، ويباح لهم أخذ خراج أقلهما خراجا، ويوقف خراج أكبرهما حتى يعلم موت أحدهما، أن الحرية تجب للآخر منهما؛ وأما إن لم يحملهما الثلث، فتحول الوصية ويرجع إلى أن يعتق من كل واحد منهما بقدر ما يحمل الثلث على ما قال؛ مثل أن يكون الثلث عشرين، وقيمة أحدهما عشرة، والثاني عشرون؛ فيعتق من كل واحد منهما ثلثاه، إلا أن يجيز الورثة الوصية، فيصنع في ذلك ما قاله إذا حملهما الثلث، وبالله التوفيق.

مسألة: قال في مرضه غلامي حر فلم يزد على هذا

مسألة وقال فيمن قال في مرضه: غلامي حر- فلم يزد على هذا فهو وصية، إلا أن يقول بتل، وكذلك ما وهب في مرضه إذا رجع فيه بعد أن صح، إلا أن يبتله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لأن المرض حال الوصية، فوجب أن يحمل قوله على أنه وصية، ويصدق إن صح وأراد الرجوع فيها، إلا أن ينص على التبتيل؛ وإنما يختلف إذا قال في صحته: عبدي حر بعد موتي، ولم يكن ذلك منه عند سفر، ولا على وجه يظهر منه قصده إلى الوصية؛ هل يصدق أنه أراد به الوصية فيكون له أن يبيعه، أو لا يصدق في ذلك ويحمل على التدبير، والقولان في المدبر من المدونة، ولا يدخل هذا الاختلاف في مسألتنا هذه، لما ذكرناه من أن المرض حال الوصية، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لرجل ضربت غلامي فقال إن كنت ضربته فغلامي حر

مسألة وفي رجل قال لرجل: ضربت غلامي، فقال: إن كنت ضربته فغلامي حر، فلم يكن ضربه إلا أنه خنقه، قال: هو حانث.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه حانث يريد فيما يحكم به عليه، ولا يصدق إن ادعى أنه نوى ذلك، ولو أتى مستفتيا غير مطلوب باليمين وادعى هذه النية، لصدق فيها.

مسألة: واجر عبده ثم أعتقه

مسألة ومن واجر عبده ثم أعتقه، فإن الكراء للعبد يرجع على السيد فيأخذه منه إذا عتق.
قال محمد بن رشد: قول سحنون هذا خلاف ظاهر ما في كتاب العتق الثاني من المدونة وغيره- إن العتق إنما يقع بعد انقضاء أمد الإجارة، كالمعتق إلى أجل، والإجارة للسيد؛ وقال أشهب: يحلف بالله ما أراد عتقه إلا بعد انقضاء أمد الإجارة، فإن نكل عن اليمين، كانت الإجارة للعبد؛ وعلى هذا يختلف فيمن أكرى داره للعام، ثم باعها قبل تمام العام؛ فقيل: إن البيع ينعقد فيها من يوم عقداه، ويجب للمشتري من حينئذ، ويأخذ كراء بقية العام وقيل: إن (البيع فاسد، إلا كون يستثني البائع بقية المدة- وهذا إذا علم المبتاع بالكراء؛ وأما إذا لم يعلم، فالكراء له، وهو عيب- إن شاء أخذ الدار على ذلك، وإن شاء ردها.
وقيل: إن الدار لا تجب له ولا بعد انقضاء أمد الكراء ولا شيء له في الكراء، إلا أن يشترطه فيجوز في قول، ويكون البيع فاسدا) وأما إن لم يعلم المبتاع بالكراء على هذا القول، فهو عيب إن

شاء أن يلتزم الدار على أنه لا شيء له في الكراء، وإن شاء ردها، وبالله التوفيق.

مسألة: يقول اعتقوا كل عبد لي قديم

مسألة وعن الرجل يقول: اعتقوا كل عبد لي قديم، فإنه يعتق من عبيده كل عبد تقادم مكثه عنده على ما يرى، ولا ينظر في هذا إلى سنة.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله: ولا ينظر في هذا إلى سنة، خلاف ما في سماع أبي زيد من كتاب الوصايا أنه إن كان من عبيده من له عنده سنة وأكثر من سنة، ومن له عنده أقل من سنة، فلا عتق لمن كان له عنده منهم أقل من سنة، وإن لم يكن منهم من له عنده سنة فأكثر، فيعتق من له منهم عنده الستة أشهر، والخمسة، والأربعة، وأقل، وأكثر، ويحتمل أن يكون سحنون إنما تكلم على هذا الوجه، فلا يكون قوله مخالفا لقول ابن القاسم في سماع أبي زيد، وبالله التوفيق.

مسألة: قال في وصيته أقدم رقيقي عندي أحرار

مسألة قال أصبغ عن ابن وهب عمن قال: في وصيته أقدم رقيقي عندي أحرار، وعنده رقيق ولدوا عنده صغار، وقد اشترى بعد ذلك رقيقا؛ فقال: أقدم رقيقه عنده في المملكة يعتقون، لأنه لم يقل أكبر.

قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لا إشكال فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: سافر بعبد لامرأته فباعه في سفره

مسألة وقال سحنون في رجل سافر بعبد لامرأته، فباعه في سفره ثم رجع فوجد امرأته قد ماتت وأوصت بعتق ذلك الغلام- والثلث يحمله، ولا يعلم موضع الغلام ولا حي هو أو ميت، فإن المال يكون موقوفا أبدا إلى يوم الحساب، لأنه لا يدري لمن يكون حين لم يدر هل أدركه العتق أم قد كان مات قبل موتها؟ وكذلك لو استوفى أنه أدركه العتق قبل موتها، لوقف المال أبدا؛ وللسلطان أن يجتهد في ذلك رأيه، فإن رأى أن يضمن الزوج قيمته على أقرب عهدهم بالغلام وما كانت قيمته يومئذ، فعلى أن رآه أفضل؛ وكذلك قال أصحابنا في الذي يوصي بعتق غلام فلا يعلم موضع الغلام، أنه يقوم الغلام قيمة أقرب عهدهم به، فيحسب في ثلث مال الميت.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المال يكون موقوفا أبدا، يريد الثمن الذي باعه به الزوج، لأنه هو الذي يجب صرفه على المشتري إن وجد العبد فأعتق.
وقوله: إلى يوم الحساب- يريد أن يؤيس من وجود العبد قبل ذلك، فإذا أيس من وجوده، فلا معنى لتوقيفه؛ فإن علم أنه مات قبلها، كان الثمن للورثة، وإن علم أنها ماتت قبله، جعل الثمن في عتق؛ وكذلك أن جهل ذلك، لأنه محمول على الحياة حتى يعلم موته، أو يمضي له من السنين ما لا يحيا إلى مثلها.
وقوله: إن للسلطان أن يضمن الزوج قيمته على أقرب عهدهم بالغلام، وما كانت قيمته يومئذ، معناه أن رأى أن يضمن الزوج قيمته يوم باعه على ما عرف من صفته في أقرب عهدهم به، لأنه محمول على تلك الصفة التي عرف عليها حتى يعلم تغيره عنها؛ ومعنى ذلك إن كانت قيمته

على هذه الصفة أكثر من الثمن الذي باعه له، فتكون الزيادة على الثمن الذي باعه به ميراثا للورثة؛ وأما الثمن الذي باعه به، فقد مضى ما يكون الحكم فيه من توقيفه، وهذا إذا لم يجعل الزوج كالوكيل لها، وحمل بيعه إياه على العداء منه عليها، وفي ذلك اختلاف؛ قال مالك في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات: هو سفيرها، فدل ذلك من قوله على أنه يحكم له بحكم الوكيل فيما باع لامرأته واشترى لها، ومثله من الدليل في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب المديان والتفليس، ووقع في سماع زونان من كتاب الدعوى والصلح ما يدل على أنه محمول في ذلك على غير الوكالة (حتى تعلم الوكالة) وصرف سحنون الأمر في القضاء بهذا إلى اجتهاد السلطان، يدل على أن مذهبه القول بتصويب المجتهدين وهو الصواب، وفي ذلك اختلاف معلوم، وبالله التوفيق.

مسألة: قال في صحته لغلامين له نصفكما حر

مسألة وسئل عن رجل قال في صحته لغلامين له: نصفكما حر، أنه يعتق من شاء منهما، ولو قال: أنصافكما حر، عتقا جميعا.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يقول في صحته لغلامين له: نصفكما حر، أنه يعتق من شاء منهما؛ بعيد في النظر، وشذوذ في القول؛ أنه إنما يكون له أن يعتق من شاء منهما إذا قال لهما: أحدكما حر، وأما إذا قال: نصفكما حر، فالواجب في ذلك على أصولهم، أن يعتق نصفهما بالسهم، كان ذلك في الصحة أو في المرض، أو في الوصية بعد الموت، غير أن ذلك إن كان في الصحة فخرجت القرعة على عبد قيمته أكثر من نصف قيمتهما، عتق عليه جميعه؛ إذ لا يصح التبعيض في عتق الصحيح إن خرجت القرعة على عبد قيمته أقل من نصف قيمتهما، عتقا جميعا.
وقد قيل: إن قوله:

نصفكما حر بمنزلة قوله: أنصافكما حر يعتقان جميعا، حكى ذلك ابن حبيب عن أصبغ، وأما إذا قال: أنصافكما حر في صحته، فلا اختلاف في أنهما يعتقان عليه جميعا؛ وقد مضى هذا في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب العتق، وبالله التوفيق.

مسألة: قالت إن فعلت كذا وكذا فغلامي الذي لي على زوجي حر

مسألة وسئل سحنون عن امرأة قالت: إن فعلت كذا وكذا فغلامي الذي لي على زوجي حر، فحنثت؛ قال: يعتق عليها إذا قبضته إن كان يحمله ثلث مالها.
قال أصبغ في رجل حنث بعتق رقيقه وله رقيق قد أسلم فيها مضمونة، أو كانت امرأة لها على زوجها رقيق مضمونة، لا حنث عليها فيها؛ لأنها ليست (لها) بملك بعد ولاء له، ولم يقع حنثه على شيء بعينه، والضامن لها يأتي من حيث شاء، ولا أرى لها في الحرية نصيبا.
قال محمد بن رشد: في المدنية لابن القاسم من رواية عيسى عنه مثل قول سحنون، وزاد أنه للحالف يبيعه، ولا يهبه ولا يصالح عنه؛ فإذا قبضه، أعتق عليه؛ وقال ابن كنانة: إن قبضه أعتق عليه، وإن باعه ولم يقبضه سقط عنه الحنث فيه؛ ونص ما في المدونة: قال عثمان بن كنانة في امرأة تزوجت رجلا بنقد مسمى انتقدته، وبرأس موصوف- كالئا عليه، ثم حلف بالحرية؛ قال: إن قبضت ذلك الرأس من زوجها وقع الحنث عليها فيه، وعتق ساعة تأخذه، لأن ذلك قد كان وجب لها يوم حلفت؛ قال: وإن صالحت زوجها على عرض أو عين تأخذه منه في ذلك الرأس، لم يقع عليها فيه حنث، ولم تجبر على أخذ الرأس؛ قال عيسى بن دينار، قال ابن القاسم: أرى أن

تجبر على أخذه ويعتق عليها؛ ولو كان لا يكون عليها عتق (إذا لم تأخذه ما كان عليها عتق) إذا أخذته، لأنه قد كان لها عليه ملك يجب عليها اليمين فيه- وإن كان مضمونا، فقد جرى فيه العتق وليس لها أن تبيعه، وكذلك الذي يسلف في عبد فيحلف بالحرية، ثم يحنث، أنه ليس أن يبيع ويجبر على أخذه ويعتق عليه، وقول أصبغ هو الذي يوجبه القياس والنظر، لأن العبد المسلم فيه ليس المسلم فيه مالكا له حتى يقبضه، ولو حلف قبل أن يقبضه أنه ما يملك عبدا، لما كان عليه حنث؛ فوجب ألا يحنث فيه إذا حلف بالحرية؛ وتفرقة ابن كنانة استحسان، وقول ابن القاسم إغراق فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لغلامه اذهب بهذا الكتاب فاجعله في يد فلان وأنت حر

مسألة وقال سحنون في رجل قال لغلامه: اذهب بهذا الكتاب فاجعله في يد فلان- وأنت حر، فذهب فألفاه قد مات، فوضعه في يده وهو ميت، قال: هو حر.
قال محمد بن رشد: إنما وجبت له الحرية بوصوله بالكتاب إليه دون توان ولا تفريط لا يجعله في يده، إذ ليس الغرض جعله في يده، إذ لو وجده حيا فوصل الكتاب إليه- ولم يجعله في يديه، لوجبت له الحرية؛ وكذلك إذا وجده قد مات، الحرية له واجبة- وإن وجده قد دفن فلم يجعله في يده، إذ لا معنى لجعله في يده وهو ميت، إلا أن يكون قد فرط في الوصول حتى مات- ولو لم يفرط لأدركه حيا، فلا تجب له الحرية إن قال الحالف: إنما أردت توصيل الكتاب إليه بعينه لغرض لي في ذلك، ولو كان غرضه في الكتاب يتم له بتوصيله إلى ورثته، لوجبت له الحرية، وبالله التوفيق.

: نذر عتق رقبة لله فأراد أن يعتق عبدا له في نذره

من نوازل أصبغ سئل أصبغ عمن نذر عتق رقبة لله، فأراد أن يعتق عبدا له في نذره، فقال له: إذا سافرت لي سفرتين إلى موضع كذا، فأنت حر عن نذري، أو إذا أخدمتني سنة فأنت حر عن نذري الذي جعلت لله علي؛ قال: لا أراها مجزية، وأراها ناقصة؛ قال: ولو كان قال له: أنت حر إلى يومين أو ثلاثة عن نذري، وما يشبهه مما ليس فيه كبير خدمة ولا مؤنة، رأيتها مجزية، لأن هذا كالبتل، وقال أصبغ: أرى الشهر كثيرا في العتق إلى أجل - يريد سيده انتزاع ماله إذا تدانا حلول عتقه بالشهر ينتزعه إن شاء، وذلك أن الشهر في هذا ليس بمشرف على العتق، والشهر يكون حدا من الحدود، فضلا في أنواع العلم؛ من ذلك الذي يحلف لينتقلن، فينتقل فيؤمر ألا يرجع حتى يقيم شهرا، ومن ذلك الزكاة لا تقدم قبل الحول بشهر، فكذلك هذا- عندي- له الانتزاع في الشهر، وأراه كثيرا؛ وقد يجرح في مثل هذا فيكون جرحه للسيد ولا يكون له، ويكون ذلك أمرا بينا لا ريبة فيه من ظلم من قضاء، ولو تقارب عتقه اليوم واليومين بجرح لا يشكل على أحد أن يكون جرحه له، ويقضى له به؛ لأنه قد أوفى وأشرف على العتق كشروف المدبر بمرض سيده المرض المقرب للموت، فاستدل بهذا وأشباهه، والأول غير مشكوك، والورثة مقام السيد لما يكون له وعليه.

قال محمد بن رشد: هذا كله بين على ما قاله؛ لأنه إذا أعتقه بعد أن يسافر له سفرتين، أو بعد أن يخدمه سنة، فهو عتق مؤجل؛ لا يجزئه عما نذر من العتق البتل؛ وأما إذا أعتقه إلى أيام يسيرة، أو ما أشبه ذلك من السفر إلى الموضع القريب، فهو يجزئه كما قال، لأنه في معنى البتل؛ إذ لا كبير مؤنة على العبد في ذلك، ورأى الشهر في ذلك كثيرا على قياس ما ذكره من انتزاع مال العبد المعتق إلى أجل من تقديم الزكاة قبل حلول حولها، وما أشبه ذلك من الأشياء التي ذكرها؛ وفي ذلك اختلاف، ففي كتاب ابن المواز أن الشهر قليل إذا توافى حلول أجل عتق المعتق إلى أجل بالشهر ونحوه، فليس له أن ينتزع ماله مثله في كتاب ابن عبد الحكم؛ وفي جواز تقديم الزكاة قبل حلول حولها اختلاف كثير، قيل: إنها لا تجزئ قبل الحول كالصلاة، وقيل: إنها لا تجزئ إلا قبل الحول باليوم واليومين، وقيل بالعشرة الأيام ونحوها؛ وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وقيل بالشهر، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى عنه من كتاب الزكاة، وقيل الشهر والشهران، وهو قول مالك في رواية زياد عنه، وبالله التوفيق.

مسألة: مريض دخل عليه غلامان له فقال لهما أحدكما حر

مسألة وسئل عن مريض دخل عليه غلامان له، فقال لهما: أحدكما حر، فخرجا ثم دخل أيضا أحدهما مع غلام له آخر، فقال لهما: أحدكما حر، فمات الرجل؛ قال أصبغ: الورثة بمثابته كما يكون له في حياته إن كان قوله هذا (في حياته) يوقعوا بين الأولين العتق على من شاءوا، فإن أوقعوه على الذي لم يدخل ثانية، جمع الآخر مع الذي دخل ثانية فأوقعوا العتق على من شاءوا منهما أيضا ورق الآخر؛ وإن أوقعوا في أول على الداخل ثانية، بطل عتق الذي

كان معه أولا، وعتق الذي كان معه آخرا، لأن التوقيع دار إليه وحده.
قال محمد بن رشد: سأله عن الذي يقول ذلك وهو مريض ثم يموت فلم يجب عليه، وأجاب على من قال ذلك في حياته- أي في صحته- ثم مات على القول بأن الورثة يتنزلون منزلته في الاختيار إذا قال في صحته: عبد من عبيدي حر، وقد اختلف في ذلك على أربعة أقوال حسبما بيناه في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب العتق؛ والذي يأتي في هذه المسألة على قياس القول بأن العتق يجري فيهم بالحصص: أن يعتق من كل واحد من الثلاثة إلا عبد نصفه، والذي يأتي فيهما على قياس القول بأن يعتق ثلثهم بالقرعة إن كانوا ثلاثة، أو ربعهم إن كانوا أربعة؟ أو نصفهما إن كانا اثنين، أن يعرف قيمة كل واحد منهم، فإن كان في التمثيل قيمة الذي دخل أولا مع الذي تكرر دخوله عشرة، وقيمة الذي دخل معه عشرون، وقيمة الثالث الذي دخل آخرا مع الذي كان دخل مع الأول ثلاثون، أسهم بين اللذين دخلا أولا، وقيمة أحدهما عشرة، والثاني عشرون، على ما نزلناه؛ فإن خرج السهم منهما على الذي قيمته عشرون، أعتق منه ثلاثة أرباعه بخمسة عشر، لأنها هي نصف قيمتهما، وإن خرج السهم منهما على الذي قيمته عشرة، عتق كله، وعتق من الآخر ربعه بخمسة تتمة نصف قيمتهما التي هي خمسة عشر، ثم يرجع إلى الذي دخل آخرا وقيمته ثلاثون مع الذي كان دخل مع الأول وقيمته عشرون، فيسهم بينهما أيضا، فإن خرج السهم على الذي قيمته عشرون، وهو الذي دخل ثانية، عتق باقيه، وعتق من الآخر سدسه- بخمسة تمام نصف قيمتهما، وإن خرج السهم على الذي دخل آخرا- وقيمته ثلاثون، عتق منه خمسة أسداسه بخمسة وعشرين التي هي نصف

قيمتهما؛ والذي يأتي فيها على قياس القول بأنه يعتق واحد منهم بالقرعة- قل عددهم أو كثر، أن يقرع بين الأولين؛ فيعتق من خرج السهم عليه منهما ثم يقرع على الذي دخل ثانية مع الذي دخل معه آخرا، فإن خرجت القرعة على الثالث الذي لم يقرع عليه بعد، أعتق، وإن خرجت على الآخر الذي قد أقرع عليه، أعتق إن كانت القرعة لم تخرج عليه أولا، وبقي الثالث وحده رقيقا؛ وإن كانت القرعة قد كانت خرجت عليه أولا فأعتق، لم يعتق سواه؛ لأن القرعة خرجت عليه في المرتين جميعا؛ وهذا هو الحكم في الذي قال ذلك- وهو مريض ثم مات ولم يجب عليه، لأن القرعة هو وجه الحكم في هذا في المرض والوصية بعد الموت، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لغلامه إن جرحت فلانا فأنت حر فيجرحه

مسألة وسئل عمن قال لغلامه: إن جرحت فلانا فأنت حر فيجرحه، فقام المجروح يطلبه بجرحه؛ قال: يخير سيده، فإن فداه بدية الجرح، وإلا بيع فأخذ عقل جرحه؛ فإن كان فيه فضل عن جرحه، عتق ثم رجع، فقال: الأرش على السيد والعبد حر؛ لأنه كان أمره بذلك على أن يحمل عنه الأرش.
قال محمد بن رشد: قوله: فإن فداه بدية الجرح وإلا بيع، معناه فإن فداه بدية الجرح أعتق، وإلا بيع إلى آخر قوله، والقول الذي رجع إليه من أن الأرش على السيد- والعبد حر مكانه، هو الأظهر أنه لا يباع منه بقدر الجرح إلا أن لا يكون للسيد مال، وبالله التوفيق.

مسألة: المعتقة إلى أجل

مسألة وقال أصبغ: الحجة في المعتقة إلى أجل لا توطأ؛ لأن سيدها لا يقدر على أن يحدث فيها ما ينقص عتقها قبل الأجل، وكذلك الكتابة، وليس كذلك المدبرة؛ لأنه يدخل على المدبرة من الدين ما ينقض عتقها بعد موته؛ وأما أم الولد فإنه يعتقها وطؤه إياها وماؤه فيها، فذلك لا يزول عنه إلا بموته.
قال محمد بن رشد: هذه تفاريق بينة بين هذه الوجوه لا إشكال فيها، وبالله التوفيق.

مسألة: قيل له أعرض علينا جاريتك فقال يا فلان ادع فلانة هي حرة

مسألة وفيمن قيل له: أعرض علينا جاريتك، فقال: يا فلان ادع فلانة هي حرة، فلم تخرج وقال: إنما أردت إن جاءت؛ قال: هو حانث ولا يقبل قوله إذا كانت عليه بينة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة، قوله: إنه لا يقبل قوله، صحيح إذا كانت عليه بينة، وبالله التوفيق.

مسألة: له عبدان فقال أحدكما حر ولا خيار لي فيكما

مسألة وعن رجل له عبدان، فقال: أحدكما حر ولا خيار لي فيكما، على هذا أعتق أحدكما؛ قال أصبغ: هما حران جميعا، وأرى قوله لا خيار لي فيهما قطعا للعبودية، إلا أن تكون له نية تخرج إلى وجه.

قال محمد بن رشد: قوله إلا أن تكون له نية تخرج إلى وجه، مثل أن يقول له: إنما أردت أني لا أختار وإنما أعتق من خرج السهم عليه منكما، إلى مثل أن يقول: إنما لا أختار أحدكما وإنما أعتق نصف كل واحد منكما؛ وادعاؤه الوجه الأول أظهر، وهو مصدق فيما يدعيه من ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: يأذن لامرأته أن تحلف بحرية رقيقها في أمر

مسألة وقال أصبغ في الرجل يأذن لامرأته أن تحلف بحرية رقيقها في أمر- وحريتها أكثر من الثلث فتحلف، ثم يريد أن يرد عليها؛ قال أصبغ ذلك له، وكذلك لو أن امرأة خطبها خاطب، فحلفت بعتق رقيقها ألا تتزوجه فعلم ذلك، ثم أجابته وتزوجها على علم، كان له الرد أيضا إذا جاوز ذلك ما يجوز لها، وليس تقدمه عليها بعد علمه حجة عليه، وكذلك يقول أهل العلم.
قال محمد بن رشد: أما إذا أذن لها زوجها بالحلف، فإنما قال: إن له أن يرد عليها إذا حنث، لأن من حجته أن يقول: إنما أذنت لها أن تحلف لتبر في يمينها ولا تحنث، ولو علمت أنها تحنث، لما أذنت لها أن تحلف، وأما التي حلفت بعتق رقيقها ألا تتزوج رجلا ثم تزوجته، فهي مسألة قد مضت في رسم أسلم من سماع عيسى، والكلام عليها مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يبيع أم ولده على أن يعتقها المشتري

مسألة وسئل أصبغ عن الرجل يبيع أم ولده على أن يعتقها المشتري عتقا يبتدئه بعد الاشتراء، فاشتراها وأعتقها، ثم علم السلطان بذلك؛ قال: يمضي عتق المشتري فيها، ويكون ولاؤها لسيدها الذي باعها؛ ولا أرى أن يرجع عليه المشتري من الثمن بشيء، ولو

باعها منه بيعا لم يشترط عليه فيها عتقا، فأعتقها المشتري من قبل نفسه، فإن السلطان يردها إلى سيدها أم ولد، وينفسخ عتق المشتري ويرجع بالثمن.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لأنه إذا اشتراها منه على أن يعتقها فليس بشراء، وإنما أعطاه ما أعطاه على عتقها بمنزلة ما لو قال له: خذ مني كذا وكذا وأعتق أم ولدك، وأما إذا اشتراها منه بغير شرط العتق فأعتقها، فهو شراء فاسد يجب فسخه وردها أم ولد إلى سيدها- وإن كان المشتري قد أعتقها، إذ لا يصح له فيما عتق، لوجوب حريتها بولادتها من سيدها الذي باعها، وبالله التوفيق.

مسألة: قتل وليه عمدا وهو وارثه وللمقتول موال

مسألة وسئل عن رجل قتل وليه عمدا- وهو وارثه- وللمقتول موال، فقال: لا أرى أن يرث ولاءهم، لأنه في الولاء والميراث متهم بتهمة واحدة، وولاؤهم لأقعد الناس فيه بعده، لأن الولاء ليس بنسب فلا يزول.
قال محمد بن رشد: لا أذكر لأحد من أصحاب مالك نص خلاف في هذا، وفيه- عندي- نظر؛ لأنه إنما يصح على قياس القول بأن الولاء يورث على المعتق، كما يورث عنه ماله؛ فيكون أحق بميراث مواليه- إذا ماتوا، من ورث عنه ماله على ما قضى به ابن الزبير في أبي عمرو ذكوان مولى عائشة، لأنه جعله لطلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ورآه أحق به من القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، من أجل أن أباه عبد الله ورث عائشة دون القاسم، لأن أباه عبد الرحمن كان أخا عائشة لأبيها وأمها، وكان والد القاسم: محمد أخاها لأبيها دون أمها؛ والذي يأتي في هذه المسألة على قياس ما عليه الجمهور وجماعة الفقهاء الأمصار، أن

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
مسألة: استلحق ولد ولد فقال هذا ابن ابني وابنه ميتمسألة: كان له ورثة موالي أو غير ذلك من الأوراث: هلك وترك ابنة وأختا وادعت الابنة أنه هلك مسلما وهي مسلمةمسألة: هلك وترك ابنا وابنة فادعى الولد أنه هلك مسلمامسألة: هلك وترك ولدين قد بلغا وابنا صغيرا فقال أحدهما هلك أبونا مسلمامسألة: توفي وترك أخوين وترك امرأته حبلىمسألة: يقر في صحته بأخ ثم يقر بعد زمان بولاء لرجل: كتاب الولاةالمولود يتنفس ولم يستهل صارخا وهلك وهلكت أمه قبله فهل يرثها: رجل من مصر يغيب إلى المدينة فيموت بها: يقول عند موته فلان مولاي ولا يقول أعتقني ولا ولد لهمسألة: العبد يكون بين الرجلين فيعتق أحدهما نصيبهمسألة: توفي وترك ابنا خنثى وابن ابن خنثى أيضامسألة: حلف بحرية كل جارية يشتريها إلا وطئهامسألة: قال لغلامه إن جئتني بدينار كل شهر فأنت حرمسألة: قال لجارية له إن ولدت غلاما فأنت حرةمسألة: المكاتب يمرض وله ولد معه في الكتابة فيعتقه سيدهمسألة: مكاتبة ولدت من زنى ووطئها سيدها فأحبلهامسألة: يقول لأمته كل ولد تلدينه فهو حرمسألة: غلام لرجل دخل في غلمان لرجل ثلاثة فأعتق صاحب الغلام غلامهمسألة: قال لغلامه أنت حر إن لم أعتقكمسألة: قال لأربع جوار له كلما وطئت منكن واحدة فواحدة حرةمسألة: قال لسيد أبيه أعتقه وأنا أخدمك ما عشتمسألة: أعتق أمة واشترط عليها رضاع صبيمسألة: قال لغلامه إن تركت شرب الخمر فأنت حرمسألة: قال في وصيته لغلامين له أطولكما عمرا فهو حرمسألة: قال في مرضه غلامي حر فلم يزد على هذامسألة: قال لرجل ضربت غلامي فقال إن كنت ضربته فغلامي حرمسألة: واجر عبده ثم أعتقهمسألة: يقول اعتقوا كل عبد لي قديممسألة: قال في وصيته أقدم رقيقي عندي أحرارمسألة: سافر بعبد لامرأته فباعه في سفرهمسألة: قال في صحته لغلامين له نصفكما حرمسألة: قالت إن فعلت كذا وكذا فغلامي الذي لي على زوجي حرمسألة: قال لغلامه اذهب بهذا الكتاب فاجعله في يد فلان وأنت حر: نذر عتق رقبة لله فأراد أن يعتق عبدا له في نذرهمسألة: مريض دخل عليه غلامان له فقال لهما أحدكما حرمسألة: قال لغلامه إن جرحت فلانا فأنت حر فيجرحهمسألة: المعتقة إلى أجلمسألة: قيل له أعرض علينا جاريتك فقال يا فلان ادع فلانة هي حرةمسألة: له عبدان فقال أحدكما حر ولا خيار لي فيكمامسألة: يأذن لامرأته أن تحلف بحرية رقيقها في أمرمسألة: يبيع أم ولده على أن يعتقها المشتريمسألة: قتل وليه عمدا وهو وارثه وللمقتول موال
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل