كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة: جهل فوطئ مدبرة امرأته فحملت
مسألة وسئل المغيرة عن رجل جهل فوطئ مدبرة امرأته فحملت، فلم تزل المرأة مقرة بإذنها له حتى ماتت.
قال المغيرة أرى إن كان لها وفاء بعتق المدبرة فيه عتقت في ثلثها، ولم أنتظر الذي وطئ بالخطأ أن تكون له أم ولد، وأرى ولدها عليه بالقيمة، وأرى القيمة لورثة سيدتها أو الدين إن كان عليها دين.
قال محمد بن رشد: إذنها له بوطئها شبهة تسقط عنه الحد وتوجب لحوق الولد به، ولم ير ذلك بمنزلة من اشترى مدبرة فوطئها فحملت في أن تكون أم ولد له وينفسخ التدبير من أجل أنه وطء فاسد وإن كانت القيمة تلزمه به لو كانت أمة، وهو معنى قوله: ولم أنتظر الذي وطئ بالخطأ أي بالخطيئة أن تكون له أم ولد، ولم يتكلم إذا لم يكن له وفاء تعتق فيه فأعتق بعضها أو كان عليها دين يغترق قيمتها.
فأما إذا لم يكن لها وفاء تعتق به فأعتق بعضها فيلزمه على قياس قوله من قيمتها لورثة سيدتها بقدر ما رق منها، ويكون ما رق منها رقيقا له بما لزمه من قيمته، ويلزمه من قيمة ولدها لورثة سيدتها بقدر ما رق منها.
وأما إذا كان عليها دين يغترقها فيلزمه قيمتها يوم وطئها ولا يكون عليه شيء من قيمة ولده منها، وبالله التوفيق.
: تموت عن مدبرة
من سماع موسى بن معاوية من ابن القاسم قال موسى: قال ابن القاسم في المرأة تموت عن مدبرة
ووارثها زوج وأخ ولم تترك مالا غيرها إلا مهرا على زوجها، وذلك المهر خمسون ومائة دينار، والزوج معدم وقيمتها خمسون دينارا فإنه يعتق منها ثلثها وهو ثلث خمسين، وذلك قيمتها، ويكون الثلث لزوجها والثلث لأخيها، ثم ينظر إلى الثلث الذي صار لزوجها فتأخذه الجارية والأخ فيقسمانه بينهما بنصفين؛ لأن الذي بقي لهما على الزوج سواء فيما لهما عليه، ثم ينظر إلى ما بقي على الزوج من الدين فيكون بين الجارية والأخ بعد سهم الزوج، ويقال للأخ: إن أحببت أن تبيع نصيبك فبعه، وإلا فأبيعه دينا، ثم ينظر إلى الذي يصيب الخادم من ذلك وهو نصف خمسين ومائة، فيباع بعرض ويتعجل ويدفع ذلك إلى الأخ، ويعتق من الجارية بقدر ما خرج لها من ذلك، وهو أحب إلي من أن يؤجل ذلك على الزوج وينتظر به يسره؛ لأن الأخ يموت فيورث نصيبه ويباع ويدخله المواريث ويفلس ويعجل لها عتق حتى لا يبقى لها حق على الزوج إلا أدخل فيها، ولا يستأني به فيباع ذلك الشقص منها ثم يتقاصا يوما ما فعل من يعتق إذا خرجت من يد الأخ فقد فسرت ذلك وجه الذي أرى.
وإن كان الزوج غائبا بعيد الغيبة بموضع لا يعرف فيه حاله ولا ماله لم يبع للجارية شيء مما عليه حتى يكون بموضع يجوز بيع ما عليه لها، فيكون على ما فسرت لك، وذلك بموضع يعرف فيه ملؤه من عدمه.
قال محمد بن رشد: إنما يكون ما قال من أن يعتق من المدبرة ثلثها، ويكون الثلث الذي للزوج بينها وبين الأخ إلى آخر قوله إذا لم يجيزا الوصية وقطعا للمدبرة بثلث جميع المال.
وقوله: ثم ينظر إلى الثلث الذي صار لزوجها فتأخذه الجارية والأخ
فيقتسمانه بينهما بنصفين لأن الذي بقي لهما على الزوج سواء فيما لهما عليه، لا يصح إلا إذا كان الدين الذي على الزوج مائة وقيمة المدبرة خمسين، ولا مال للمرأة سوى ذلك، وقد مضى بيان ذلك في نوازل سحنون فلا معنى لإعادته.
وإجازة سحنون وابن القاسم في هذه الرواية بيع ما على الزوج من الدين إذا كان قريب الغيبة بموضع يعرف فيه ملؤه من عدمه خلاف المعروف من قوله في المدونة وغيرها: إن ذلك لا يجوز إلا أن يكون حاضرا مقرا، وقال في السلم الثاني من المدونة في اشتراء الكفيل ما على المتكفل به: إن ذلك لا يجوز إلا أن يكون حاضرا ولم يقل مقرا، فقيل: معناه مقرا، وقيل: هو خلاف من قول ابن القاسم في إجازة شراء الدين إن كان الذي عليه حاضرا وإن لم يكن مقرا، وقيل: إن ذلك ليس اختلافا من قوله وإنما فرق بين المسألتين، ولأصبغ في نوازله من جامع البيوع مثل قول ابن القاسم ها هنا، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك مستوفى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: دبّر عبدا له في صحته فلما مرض قال قد كنت أعتقت فلانا]
مسألة قال ابن القاسم في رجل دبّر عبدا له في صحته، فلما مرض قال: قد كنت أعتقت فلانا لغلام له آخر.
قال: يعتق المدبر وتكون قيمة الذي ذكر أنه أعتقه في الصحة في جملة المال للمدبر يعتق بها، ولا يعتق الذي ذكر أنه أعتقه في الصحة إلا أن تقوم بينة أو يقول أعتقوه، فإن قال ذلك عتق في الثلث بعد التدبير.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بيّنة صحيحة في المعنى على
أصولهم، وإنما قال: إن المدبر يعتق وتكون قيمة الذي ذكر أنه أعتقه في الصحة في جملة المال للمدبر يعتق بها لأنه يهتم على أنه أراد إبطال التدبير بما أقر به من أنه أعتق عبده الآخر في صحته، فوجب أن يدخل فيه، بخلاف الوصايا لا اختلاف في أن الوصايا لا تدخل في الذي أقر أنه كان أعتقه في صحته.
وقوله: إنه لا يعتق الذي ذكر أنه أعتقه في الصحة إلا أن تقوم له بينة هو نص ما في المدونة وغيرها، ويتخرج في ذلك قول آخر أنه يعتق في الثلث بعد المدبر وإن لم يقل أعتقوه، وأما إن قال: أعتقوه فلا اختلاف في أنه يعتق في الثلث بعد المدبر، ولا يدخل في هذه المسألة الاختلاف الذي ذكرناه في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب الوصايا في الذي يقول في مرضه: قد كنت أعتقت عبدي في صحتي؛ لأنه يتهم مع المدبر كما يتهم مع الورثة إذا كان ورثته كلالة، وبالله التوفيق.
: المدبر يباع فيفوت ببيعه فلا يدرى أين وقع ولا ما صار إليه
من سماع أصبغ
[من كتاب المدبر]
قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في المدبر يباع فيفوت ببيعه فلا يدرى أين وقع ولا ما صار إليه.
قال: أرى أن يجعل ثمنه كله الذي باعه به في مدبر، وليس ذلك بمنزلة فواته بالعتق والموت، هذا تكون له قيمته على الرجاء والخوف في الموت خاصة إذا مات فيصنع بها السيد ما شاء ويجعل الفضل في مدبر أو يعين به في عتق إن لم يبلغ تدبيرا، وفواته بالعتق ليس عليه قليل ولا كثير، يصنع بجميع الثمن ما شاء؛ لأنه قد صار
إلى خير مما كان فيه ومما يرد إليه، وقاله أصبغ، وذلك في الذي قد عمي أمره لا يدرى ما حاله؟ حياة أو موت أو عتق احتياطا عليه، وليس بالواجب عليه عندي ولا القياس والقياس أنه إذا استبرئ أمره وآيس منه إياسا منقطعا فهو بمنزلة الموت ولا يكون الموت أحسن حالا وإنما هو بين أمرين عتق أو موت، فالعتق ليس فيه شيء، والموت له فيه القيمة على التدبير، فهو مثله لأنه أوكد الوجهين كامرأة المفقود حين عمي أمره أنزل أمرها في عمايته في عدتها بمنزلة الموت فاعتدت عدة وفاة ولم تعتد عدة فرقة.
قال محمد بن رشد: قوله في المدبر يباع فلا يدرى أين وقع ولا ما صار إليه إنما يجعل ثمنه كله الذي باعه به في مدبر بخلاف فواته بالعتق أو الموت صحيح بين في المعنى لأنه يخشى أن يكون حيا لم يمت ولا أعتق، فوجب نقض البيع فيه ورده إلى سيده على ما كان عليه من التدبير، فلما لم يكن ذلك وجب أن يجعل جميع الثمن في مدبر مثله.
فقول أصبغ: إن القياس إذا عمي أمره أن ينزل بمنزلة الموت ولا يكون أحسن حالا منه غلط بين، وكذلك قال محمد بن المواز: قوله غلط، قال: وقد طلب عمر رد المدبرة التي باعت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فلما لم يجدها أخذ الثمن فجعله في مكانها.
وتفرقة ابن القاسم بين الموت والعتق هو نص قوله في المدونة، وعلمه في العتق أنه قد صار إلى خير مما كان فيه ومما يرد إليه ليس بعلة بينة في أنه يسوغ له جميع الثمن ولا يلزمه أن يتمخى منه شيئا لأنه وإن كان أعتق فإنما أعتقه المشتري وثواب عتقه له، فالقياس أن يلزمه أن يتمخى مما قبض زائدا
على قيمته على الرجاء والخوف كما يفعل في الموت، وقد قال أبو إسحاق التونسي: القياس أن يكون لسيده البائع ثمنه كله إذا عند المشتري، كما يكون له جميع ثمنه إذا أعتقه المشتري؛ لأن التدبير يبطل بموته عند المشتري كما يبطل بعتقه أيضا، ولو أمكن أن يعلم أن المدبر يموت قبل سيده لجوزنا بيعه؛ إذ العتق إنما يجب له بعد موت سيده من الثلث، هذا معنى قول أبي إسحاق، قال وقد كان القياس أن يشتري بالثمن كله مدبرا مكان الأول فيكون له منه خدمته حياته كما كان له من الأول؛ لأنه إذا أخذ من ثمن الأول قيمته على الرجاء والخوف ناجزا وخدمه المدبر الذي يشترى بالفضل حياته فقد حصل له أكثر مما كان له في الأول إذ لم يكن له فيه سوى خدمته حياته، هذا معنى قول أبي إسحاق دون لفظه.
وهذا الذي قاله هو قول ابن كنانة في المدنية، قيل له: ما تقول في الذي يبيع المدبر فيموت بعتق أو غيره؟ قال: يؤمر أن يمخي من ثمنه، قال عيسى: قال ابن القاسم: هو له حلال يصنع به ما شاء، ورواية عيسى عن ابن القاسم هذه في المدنية أن الثمن له حلال في الموت والعتق يصنع به ما شاء، هو الذي ذهب إليه أبو إسحاق من أنه لا فرق بين الموت والعتق لبطلان التدبير في الوجهين جميعا، والذي اخترت أنا وبينت وجهه أنه يجب عليه أن يتمخى من الزائد على قيمته على الرجاء والخوف فيجعله في مدبر.
فيتحصل على هذا في المسألة أربعة أقوال، أحدها: أنه لا يجب عليه أن يتمخى من شيء من ثمنه في الوجهين جميعا، والثاني: أنه يجب عليه أن يتمخى من جميع ثمنه في الوجهين جميعا، والثالث: أنه يجب عليه أن يتمخى مما زاد على قيمته على الرجاء والخوف جميعا، والرابع: الفرق بين الموت والعتق، ورواية ابن كنانة عن ابن القاسم في المدنية نحو قول ابن نافع، واختيار محمد بن خالد في سماعه من كتاب الولاء على ما حمله عليه بعض أهل النظر، وهو صحيح على ما ذكرناه هنالك، وبالله التوفيق.
مسألة: مدبر عجل له سيده بالعتق
مسألة وسئل عن مدبر عجل له سيده بالعتق على أن يعطيه عشرة دنانير إلى شهر ثم مات السيد وترك مالا أيعتق المدبر في ثلثه وتسقط العشرة؟ قال: لا، وهي له لازمة.
قيل له: فإن أفلس العبد؟ قال: لا يحاص السيد بالعشرة، والغرماء يبدؤون عليه، وقاله أصبغ كله والعطية بتعجيل الحرية وقد تم له واتبع به ولو طرقه دين.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الحرية قد وجبت للمدبر قبل موت سيده بما قاطعه عليه من العشرة إلى أجل، فلا تسقط عنه بموت سيده وإن كان ثلثه يحمله، ولا محاصة للسيد بها، إذ ليست بدين ثابت عليه، وإنما هي كالقطاعة ليس للسيد أن يقاص بها غرماء المكاتب، وبالله التوفيق.
مسألة: المولى عليه يدبر عبده
مسألة قال أصبغ وسمعت ابن القاسم وسئل عن المولى عليه يدبر عبده.
قال: لا يجوز تدبيره وإن حسنت حاله، ولا يلزمه، كان ذلك المال واسعا أو غير واسع، وإنما هو بمنزلة العتق، وكذلك قال مالك في العتق، قال ابن القاسم: والعتق لا يجوز منه قليل ولا كثير كان ماله واسعا أم لا.
قال محمد بن رشد: في المدونة لابن القاسم مثل قوله في هذه
الرواية إن تدبيره بمنزلة عتقه، لا يجوز منه القليل ولا الكثير، كان ماله واسعا أو غير واسع، وقال ابن كنانة فيها: إن، كان ليس له غير ذلك العبد الذي دبر لم يجز تدبيره، وإن كان ماله واسعا ليس ذلك العبد بالذي يجحف بماله كان ذلك له وجاز، قال: وإن دبر عبدا هو وجه رقيقه أو أكثرهم ثمنا أو جارية مرتفعة هي جل ماله فإن ذلك لا يجوز، ولو كان ذلك جائزا عليه كان إذا بلغ حال الرضى قد حبس عليه من ماله بما صنع في حال الشحطة مالا يقدر أن ينتفع به إذا بلغ حال الرضى فليس يجوز له من ذلك إلا ما وصفنا.
وقول ابن القاسم هو القياس، وما ذهب إليه ابن كنانة استحسان، وبالله التوفيق.
مسألة: يدبر عبده في الصحة ويستثني ماله
مسألة قال أصبغ وسمعته يقول في الرجل يدبر عبده في الصحة ويستثني ماله: لا بأس بذلك، وكذلك رويت عن مالك أن له أن يستثنيه ولا بأس بذلك، وقاله أصبغ، وتفسيره أن يستثنيه لبعد الموت إذا أعتق ليس استثناء انتزاع عن التدبير، وبعده ذلك يكون له استثناه أو لم يستثنه ولكن لبعد الموت وهو مقر في يديه مع ما يفيد إلى ذلك على ذلك دبر واستثنى فذلك جائز وذلك له، قال أصبغ: قال ابن القاسم: فإذا مات السيد قوم في الثلث بغير ماله ببدنه خالصا وأخذ منه كل ما كان بيديه، وكان مالا من مال الميت تقوم فيه رقبته مع غيره من مال الميت، وقاله أصبغ: قال أصبغ: قال لي ابن القاسم: وهذا مما لا شك وإنما هو رجل أوصى فقال: إذا مت فعبدي فلان حر وخذوا منه ماله، ألا ترى لو أن مريضا قال في مرضه: غلامي مدبر وخذوا منه ماله أخذ منه، فما استثنى في الصحة بمنزلة ما استثنى في المرض، ولأنه حين اشترط ذلك عليه حين دبره
في الصحة وكأنه انتزاع منه له في موضع يجوز له فيه انتزاع.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والكلام عليها في أول سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.
مسألة: مكاتب اشترى مدبرة فحملت
مسألة قال أصبغ: سئل ابن القاسم عن مكاتب اشترى مدبرة فحملت قال: أرى أن يوقف عنها، فإن أعتق المكاتب كانت أم ولد له، وإن عجز ردت إلى التدبير ورد الثمن إلى صاحبه، وكانت هي وولدها مدبرين لسيدهما، وأرى الثمن يوقف إلا أن يكون البائع مليئا.
قال محمد بن رشد: هذا على القول بأن أمة المكاتب تكون أم ولد له إذا أفضى إلى الحرية بما ولدت له في حال الكتابة قبل إفضائه إلى الحرية أو بما حملت به منه في حال الكتابة فوضعته قبل إفضائه إلى الحرية وبعد إفضائه إلى الحرية وأما على القول بأنه لا حرمة بإيلاده إياها ولا تكون بشيء من ذلك كله أم ولد، فإن البيع يتنقض فيها وترد إلى سيدها البائع لها على ما كانت عليه من التدبير.
وقد اختلف قول مالك في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا تكون له أم ولد بشيء من ذلك، والثاني: أنها تكون له أم ولد وإن كان الحمل قبل الشراء إذا كان الوضع بعده في حال الكتابة، والثالث: أنه لا تكون له أم ولد إلا أن يكون أصل الحمل بعد الشراء في حال الكتابة، وأما ما ولد له قبل الشراء فلا تكون له أم ولد إلا على مذهب أبي حنيفة، وبالله التوفيق.
مسألة: يهب مدبره جاهلا ويقبضه الموهوب له ويحوزه ثم يموت السيد ولا مال له
مسألة وسئل أشهب عن الرجل يهب مدبره جاهلا ويقبضه الموهوب له ويحوزه ثم يموت السيد ولا مال له غيره.
قال: يعتق ثلثه، قلت فالثلثان الباقيان لمن هما؟ قال: للموهوب اللذان هما في يديه، قال أصبغ: وكذلك قال لي ابن القاسم فيها.
قال محمد بن رشد: قد تقدم مثل هذا من قول ابن القاسم في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات في الصدقة، ومعناه إذا لم يعثر على ذلك حتى مات المتصدق، وأما لو عثر على ذلك في حياته لفسخت الهبة أو الصدقة، رد المدبر إلى الذي دبره؛ لأن المدبر لا يجوز بيعه ولا هبته ولا صدقته.
ولو وهبه ما رق منه إن لم يحمله الثلث وخدمته من الآن فقبضه وجازه من الآن لجاز ذلك ولم يرد، وكان للمتصدق عليه بعد موته ما رق منه؛ لأن هبة المجهول جائزة كما يجوز رهنه لجواز رهن الغرر ويكون المرتهن إذا حازه أحق به من الغرماء بعد الموت يباع له دونهم على ما قاله في المدبر من المدونة، والله الموفق.
مسألة: يشتري المدبر وهو لا يعلم فيموت عنده
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في الذي يشتري المدبر وهو لا يعلم فيموت عنده: إن مصيبته منه ولا يرجع على البائع بشيء لا بالثمن ولا بما بين القيمتين، وكذلك قال مالك، وقاله أصبغ وقاله ابن وهب عن مالك.
قال محمد بن رشد: لابن القاسم في سماع محمد بن خالد من
كتاب الولاء أنه يرجع على البائع بما بين قيمته مدبرا وقيمته غير مدبر، وهو الذي يأتي على أصله في المدونة؛ لأنه قال فيها: إذا حدث عند المبتاع به عيب فرده وما نقص العيب عنده على حكم البيع المردود بالعيب خلاف ظاهر هذه الرواية قول ابن نافع واختيار محمد بن خالد في سماعه فيما لم يعلم به من المال على القول بأن المدبر في المرض يدخل فيما علم به الميت من المال وفيما لم يعلم، ولا يكون له حكم التدبير في اللزوم له، ويصدق إن رجع عنه في أنه أراد به الوصية، وفي إعمال شهادة الشهود بما ظهر إليهم من قصد المشهود عليه اختلاف، أعملها في هذه الرواية وفي رسم الطلاق من سماع أشهب من كتاب التخيير والتمليك، ولم يعملها في رسم الكبش من سماع يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق، وبالله التوفيق.
مسألة: دبر عبدا فأبق العبد ومات السيد وأوصى بوصايا
ومن كتاب الوصايا قال: وسئل ابن القاسم عن رجل دبر عبدا فأبق العبد ومات السيد وأوصى بوصايا.
قال: يوقف من الثلث قدر قيمته حتى ينظر في شأنه، فإن مات في إباقه ذلك ردت تلك الدنانير على أصحاب الوصايا إن كان بقي لهم شيء أو الورثة.
قيل له: إلى متى يوقف ذلك؟ قال: ينظر إلى قدر ما أتى عليه من السنين وما يعيش مثله، قال أصبغ: مسألة جيدة دقيقة من المسائل في بعض وجوهها جامعة.
قال محمد بن رشد: قوله يوقف من الثلث قدر قيمته حتى ينظر في شأنه فيه نظر، وإنما ينبغي أن ينظر، فإن كان يخرج المدبر وجميع الوصايا
من الثلث بعد عتق المدبر ودفع إلى أهل الوصايا وصاياهم وأخذ الورثة بقية المال ولم يوقف شيء فإن كان المدبر حيا فقد أنفذت [له] الوصية وإن كان ميتا فقد سقطت فيه الوصية، والوصايا قد حملها الثلث فأنفذت وأما إن كان الثلث لا يحمل إلا الوصايا أو المدبر وتمثيل ذلك أن يكون الموصي قد ترك من المال مائتي دينار والمدبر الآبق وقيمته مائة دينار وأوصى بمائة دينار فإن كان المدبر حيا فقد عتقه وسقطت الوصايا لأن ثلث الميت قد استغرقه المدبر وكانت المائتان للورثة ميراثا وإن كان المدبر ميتا وجب لأهل الوصايا ثلث المائتين وذلك ستة وستون وثلثان؛ لأن المدبر إذا مات فكأنه لم يكن، فالواجب أن يوقف على هذا التنزيل ثلث المائتين، فإن انكشف أن المدبر حي كان الثلث الموقف للورثة، وإن كان ميتا كان لأهل الوصايا، وأما قوله إنه يوقف قيمة المدبر فليس ببين ولا صحيح، وبالله التوفيق.
مسألة: السكوت هل يعد إذنا في الشيء وإقرارا به
مسألة وسئل عن مكاتب دبر عبدا له فعلم السيد بذلك فلم ينكر عليه حتى عجز.
قال: لا تدبير له إلا أن يكون أمره بتدبيره، وليس السكوت والعلم شيئا.
قال محمد بن رشد: اختلف في السكوت هل يعد إذنا في الشيء وإقرارا به أم لا؟ على قولين مشهورين في المذهب منصوص عليهما لابن القاسم في غير ما وضع من كتابه أحدهما قوله في هذه الرواية وفي سماع عيسى من كتاب النكاح والصلح أنه ليس بإذن والثاني أنه إذن، وهو قوله في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب المديان والتفليس، ورسم أسلم من سماع
عيسى من كتاب النكاح، وأظهر القولين أنه ليس بإذن؛ لأن في قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «والبكر تستأذن وإذنها صماتها» دليلا على أن غير البكر خلاف البكر في الصمت، وقد أجمعوا على ذلك في النكاح، فوجب أن يقاس ما عداه عليه إلا ما يعلم بمستقر العادة أن أحدا لا يسكت عليه إلا راضيا به، فلا يختلف في أن السكوت عليه إقرار به كالذي يرى حمل امرأته فيسكت ولا ينكر ثم ينكره بعد ذلك وما أشبه ذلك، وقد مضى هذا المعنى في المواضع المذكورة وفي غيرما موضع من كتابنا هذا، وبالله التوفيق.
: دبر عبده فمات السيد فجهل الورثة فباعوه
من سماع أبي زيد
ابن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: وسئل ابن القاسم عن رجل دبر عبده فمات السيد فجهل الورثة فباعوه ثم مات في يد المشتري أو هو قائم بعينه وكان الذي اشتراه به غنما فتوالدت وكثرت.
قال ابن القاسم: أما العبد فإن كان قائما بعينه رد فإن كان للميت مال يعتق فيه أخرج في ثلثه عتيقا، وإن كان ليس له مال يخرج من ثلثه عتق منه ما حمل الثلث ورق ما بقي، وكان المشتري بالخيار فيما رق منه إن شاء تمسك بما رق منه إن كان نصفه دفع إلى الورثة نصفه وأخذ نصف قيمة الغنم يوم قبضت منه، وأما الغنم فهي للورثة ليس له منها شيء، إنما يرجع عليهم بقيمتها يوم قبضت منه إن لم يخرج العبد كله كان بالخيار في ما بقي منه على ما بينت لك.
وإن مات العبد ولسيده أموال، المذكور من كتاب الولاء أنه لا
يرجع على البائع بشيء، فيحتمل أن يكون معنى قوله في هذه الرواية: وهو لا يعلم، أن لا يعلم بأن بيع المدبر لا يجوز، لا أنه لم يعلم أنه مدبر، فلا يكون على هذا اختلاف من قول ابن القاسم في أن المبتاع يرجع على البائع، وقد مضى في أول الرسم تحصيل القول فيما يلزم البائع في الثمن، وقد كان القياس على المذهب إذا اشتراه وهو يعلم أنه مدبر ففات عنده بموت أن تكون عليه قيمته؛ لأنه بيع فاسد لعقده فات الرد فيه بالموت على القول بأن البيع الفاسد لعقده إذا فات يرد إلى القيمة ولا يمضي، بالثمن، وإن حملت هذه الرواية على ظاهرها من أنه لا رجوع للمشتري على البائع بشيء إذا مات المدبر عنده وإن كان اشتراه وهو لا يعلم بتدبيره فيأتي مثل قول ابن نافع في كتاب الولاء وخلاف مذهبه في المدونة وخلاف ما في المدونة أيضا في أن البائع يلزمه أن يتمخى مما أخذ زائدا على قيمته على الرجاء.
والخوف؛ لأنه إذا لم يجب للمبتاع عليه رجوع إذا دلس له بالتدبير فمات عنده لا يجب عليه هو أن يتمخى من شيء من الثمن، وبالله التوفيق.
مسألة: المدبر في المرض أيدخل في المال الغائب الذي لم يعلم به الميت
مسألة قال أصبغ: سئل ابن القاسم عن المدبر في المرض أيدخل في المال الغائب الذي لم يعلم به الميت؟ قال: نعم، قلت فالعتق بتلا؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: قوله إن المدبر في المرض يدخل فيما علم الميت من المال وفيما لم يعلم هو ظاهر ما في رسم جاع من سماع عيسى من
كتاب الديات، ومثل نص قوله في المدنية من رواية عيسى عنه خلاف مذهبه في المدونة من أنه لا يدخل فيما لم يعلم به الميت من المال إلا المدبر في الصحة، فعلى هذه الرواية إذا اجتمعا بدئ المدبر في المرض على المبتول فيه، وقد قيل إنهما يتحاصان وقيل أيضا إنه يبدأ المبتول في المرض، فعلى هذا القول يدخل المبتول في المرض فيما لم يعلم به الميت من المال، فإن اجتمعا جميعا على القول بأنه لا يدخل المبتل في المرض في المال الذي لم يعلم به الميت، وللميت مال قد علم به ومال لم يعلم به فثلث المال الذي علم به يقصر عن قيمتهما قوما جميعا في ثلث المال الذي علم به، ثم أكمل عتق المدبر منهما في ثلث المال الذي لم يعلم به أو ما حمل منه زائدا إلى ما أعتق منه مع المبتل في ثلث المال الذي علم به، مثال ذلك أن يترك المتوفى ثلاثين دينارا ومدبرا في المرض قيمته ثلاثون دينارا أو مبتلا فيه قيمته ثلاثون دينارا أيضا ويطرأ له ثلاثون دينارا لم يعلم بها الميت، فجميع مال الميت الذي علم به على هذا تسعون، الثلث من ذلك ثلاثون فيعتق من حل واحد منهما نصفه بخمسة عشر، ثم يرجع المدبر فيقول لي ثلث الثلاثين التي طرأت للميت، فيعتق منه بعشرة زائدا إلى ما أعتق منه مع المبتل، فيكمل فيه من الحرية خمسة أسداسه.
ولو كان المال الذي طرأ للميت خمسة وأربعون فأكثر لعتق باقيه في ثلث ذلك، ولو كان المال الذي علم به الميت ستين، والمال الذي طرأ له ثلاثون لعتق من كل واحد منهما في ثلث ما علم به الميت من المال ثلثاه؛ لأن جميع المال الذي علم به الميت مع قيمة المدبرين مائة وعشرون، الثلث من ذلك أربعون، فيعتق من كل واحد منهما بعشرين، ثم يرجع المدبر فيستتم باقيه في ثلث المال الطارئ، وبالله التوفيق.
: قال في مرضه إن مت من مرضي هذا فغلامي مدبر
ومن كتاب الوصايا قال ابن القاسم في رجل قال في مرضه: إن مت من مرضي هذا فغلامي مدبر.
قال: إن مات فيه فهي وصية وليس تدبيرا وإن عاش فهو أيضا وصية يصنع بها ما شاء إلا أن يكون أراد بذلك تدبيرا واجبا ساعته مثل أن يكون تعمد التدبير عند الوصية وأخطأ وجه الكتاب والوصية فظن أن ذلك وجه الصواب والمأخذ وأنه التدبير، قال أصبغ: فهو تدبير حينئذ، أو يرى الشهود أنه إنما أراد التدبير ويقطعون ذلك فيما يرون، أو يوقف قبل موته ويسأل عن ذلك فيذكر أنه أراد التدبير، والقول قوله لما يذكر من إرادته.
قال محمد بن رشد: قوله إن مات فهي وصية يريد أن له حكم الوصايا في التبدئة وفيما لا يدخل فيما لم يعلم به من المال، وفي أن له أن يرجع عنه في مرضه ذلك إن شاء.
وقوله: إن عاش فهي وصية يريد إن كان كتب ذلك في كتاب ووضعه عند غيره أو أبقاه عند نفسه على اختلاف قول مالك في ذلك، وأما إن لم يكتب ذلك في الكتاب فالوصية باطلة إن لم يمت من مرضه ذلك حسبما مضى من تحصيل ذلك في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الوصايا، وقد قيل: إنه تدبير لازم لا رجوع له، حكى ذلك ابن المواز عن ابن القاسم، ومثله في كتاب ابن سحنون لابن القاسم ولابن كنانة، وقال أصبغ: إن أراد به التدبير مثل قوله بلفظ وقول ابن القاسم في هذه الرواية، ولكلا القولين وجه؛ لأنه لفظ بلفظ التدبير وعلقه بموته من مرضه ذلك.
والذي أقول به في هذا أنه إن مات من مرضه ذلك كان مدبرا على ما قال، يكون له حكم التدبير من التبدئة.
والدخول مأمونة من دور وأرضين فهو حر ويلزمه رد قيمة الغنم إلى المشتري، وإن كان لا يخرج إلا بعضه رد بقدر ما يخرج منه، وما بقي كانت مصيبته من المشتري، وإن كان موته بعد زمان واقتسمت الأموال على أمانة لو كان بأيديهم كان حرا رأيت للمشتري أن يرجع فيما يأخذ قيمة الغنم من الورثة وتكون مصيبته منهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة على ما قال؛ لأن العتق قد وجب للمدبر بموت سيده إن حمله الثلث أو ما حمل منه، فإذا باعه الورثة وعثر عليه قبل أن يموت وجب أن يرد ويعتق في ثلث الميت إن حمله الثلث، ويأخذ المبتاع غنمه إن كانت قائمة أو قيمتها إن كانت قد فاتت، والولادة فيها فوت لأنها تفوت في هذا بما يفوت به البيع الفاسد من حوالة الأسواق فما فوق ذلك، وإن لم يحمل الثلث عتق منه ما حمل الثلث ورجع بقدر ذلك من قيمة الغنم إن كانت فاتت، وكان بالخيار فيما رق منه إن شاء تمسك به وإن شاء رده ورجع بجميع قيمة الغنم يوم وقع البيع فيها.
وإن مات العبد عند المشتري ولسيده أموال مأمونة كانت مصيبته من الورثة، ورجع المشتري عليهم بجميع قيمة الغنم لفواتها بالولادة؛ لأن الحرية تجب له بموت سيده إن كانت له أموال مأمونة، وإن لم تكن له أموال مأمونة وكان موته بحدثان بيعه قبل النظر في مال الميت فمصيبته من المشتري وينفذ بيعه، قاله ابن المواز، وهو مفسر لقول ابن القاسم، وإن كان موته بعد طول فمصيبته من الورثة إن علم أنه كان يخرج من الثلث ويرجع المبتاع عليهم بجميع قيمة الغنم، وإن علم أنه كان لا يخرج منه في الثلث إلا بعضه رجع على الورثة من قيمة الغنم بقدر ما كان يحمل الثلث منه، وكانت مصيبته باقية من المبتاع، هذا معنى قول ابن القاسم في هذه الرواية، وبالله التوفيق.
مسألة: قال في مرضه جاريتي مدبرة عن ولدي إن حدث بي حدث فصح
مسألة وسئل عن رجل قال في مرضه جاريتي مدبرة عن ولدي إن حدث بي حدث فصح.
قال فلا شيء عليه، ولا تكون مدبرة عن ولده، ولو قال في مرضه جاريتي مدبرة ولم يستثن شيئا ولم يقل إن مات من مرضه إلا قال مدبرة فقط، قال فهي مدبرة وإن صح من مرضه ذلك.
قال محمد بن رشد: أما الذي قال في مرضه جاريتي حرة إن حدث بي حدث فصح من مرضه فبين أنه لا شيء عليه كما قال؛ لأنها وصية بتقييده إياها بذلك المرض، فيبطل إذا صح منه إلا أن يكون كتب بذلك كتابا ووضعه عند غيره أو أمسكه عند نفسه على اختلاف في ذلك حسبما بيناه في رسم الوصايا من سماع أصبغ قبل هذا، وسواء قال في ذلك عن ولده أو لم يقل، الأمر في ذلك سواء إذا صح من مرضه ذلك، وإنما يفترق ذلك إن مات منه، فإن لم يقل عن ولدي أعتق بعد موته من ثلثه، قيل على حكم الوصية، وقيل على حكم التدبير حسبما مضى من الاختلاف في ذلك في رسم الوصايا من سماع أصبغ، وإن قال: عن ولدي فقيل: تعتق بموته من ثلثه، وقيل: تعتق بموت ابنه من رأس المال، والولاء للابن على كل حال حسبما مضى بيانه في رسم المحرم من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لغلامه أنت مدبر عن أبي
مسألة وقال في رجل قال لغلامه أنت مدبر عن أبي: فإنه سواء كان أبوه حيا أو قد مات أبوه حين قال ذلك لا يعتق إلا بعد موت سيده الذي دبره عن أبيه ولا يعتق عند موت أبيه إلا أن يقول العبد عن دبر من
أبي، فإن كان أبوه قد مات كان حرا الساعة قال وإن كان أبوه حيا فإنما يعتق إذا مات أبوه، وولاؤه لأبيه.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه الرواية خلاف ما تقدم من قوله في رسم المحرم من سماع ابن القاسم، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك وبالله التوفيق لا شريك له.
تم كتاب المدبر بحمد الله تعالى وحسن عونه
: كتاب المكاتب
: قطاعة المكاتب على أن يضع عنه ويعجل له
كتاب المكاتب
من سماع ابن القاسم من مالك
من كتاب قطع الشجر قال: أخبرنا سحنون قال ابن القاسم: قال مالك فيمن قاطع عبده: إنه إن جاء به إلى الأجل أو ما أشبهه فذلك له، وإلا أخر العبد شهرا ونحوه كما يؤخر الغريم، فإن جاء به وإلا فلا قطاعة له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مثل ما في المدونة وغيرها أنه يتلوم له في القطاعة كما يتلوم له في الكتابة إذا عجز عن أدائها، وسواء كان المقاطع عبدا على ظاهر هذه الرواية أو مكاتبا؛ لأن قطاعة المكاتب على أن يضع عنه ويعجل له جائزة لأنه يتعجل العتق بذلك، وليست الكتابة بدين ثابت فيدخله ضع وتعجل.
وأما مقاطعته على أن يؤخره بالكتابة ويزيده فيها فاختلف في ذلك إذا لم يعجل عتقه، والقولان في المدونة، أجاز ذلك في كتاب المكاتب، ولم يجزه في آخر كتاب الحوالة.
وقوله فإن جاء به وإلا فلا قطاعة عليه معناه لا قطاعة له لأن حرف الجر قد تبدل بعضها من بعض، قال تعالى ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] أي عليها، فإذا بطلت قطاعته بالحكم بتعجيزه بعد التلوم له
بقي على ما كان عليه من الكتابة إن كان مكاتبا حتى يعجز عن أداء كتابته عند حلولها، وعلى ما كان عليه من الرق إن كان عبدا، وقيل: إنه إن كان مكاتبا فعجز عن المقاطعة التي قوطع عليها رجع رقيقا، وهو الأظهر؛ لأن القطاعة في الكتابة إنما معناها فسخ الكتابة والانتقال عنها إلى القطاعة، وفي قوله وإلا أخر شهرا أو نحوه كما يؤخر الغريم نص منه على لزوم الحكم بتأخير الغريم إذا أعسر بالدين بعد حلول الأجل على ما مضى عليه الحكم عندنا بفتوى جميع الشيوخ من أن يؤجل الغريم بعد حلول الأجل إذا أعسر بالدين ولم يكن عنده ناض إلا أن يبيع عروضه بالاجتهاد على قدر قلة المال وكثرته بحميل يقيمه في ذلك، ولا يوكلون عليه في بيع عروضه وعقاره في الحال إذا لم يعامله الغريم على ذلك خلاف ما كان يفتي به سائر فقهاء الأمصار بالأندلس من التوكيل عليه في بيع ماله وتعجيل إنصافه، وبالله التوفيق.
مسألة: يشتري كتابة المكاتب أيقاطعه بالذهب كما يقاطعه سيده
مسألة وسئل مالك عن الذي يشتري كتابة المكاتب أيقاطعه بالذهب كما يقاطعه سيده؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال لأن مشتري الكتابة بما يجوز اشتراؤها به مما يصح اشتراء الديون به يحل محل البائع في أنه يرثه إن مات، وتكون له رقبته إن عجز، فكذلك يحل محله في جواز مقاطعته إياه وإن مات وعليه دين أو فلس لم يحاص الغرماء بما قاطعه به، قال ذلك مالك في كتاب ابن المواز لأنه ينزل في ذلك منزلة سيده الذي كاتبه.
وجواز شراء كتابة المكاتب عند مالك وأصحابه أمر متبع لا يحمله القياس؛ لأنه غرر، وقد روي عن ابن القاسم أنه قال: بلغني أن ربيعة وعبد العزيز قالا: بيع كتابة المكاتب غرر لا يجوز؛ لأنه إن عجز كانت له رقبته، وإن أدى كان ولاؤه للبائع الذي كاتبه، ووقع قول ربيعة في رسم شك من سماع ابن القاسم
من كتاب الجامع من رواية ابن القاسم عن مالك عنه، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة أن بيع كتابة المكاتب لا يجوز، وبالله التوفيق.
مسألة: مكاتب وضع عنه سيده ثلث ما عليه من كتابته في مرضه
مسألة وسئل مالك عن مكاتب وضع عنه سيده ثلث ما عليه من كتابته في مرضه، ثم إن المكاتب عجز عن أداء الكتابة، قال: قد عتق ثلثه.
قال محمد بن رشد: معناه أنه مات من مرضه ذلك فعجز بعد موته؛ لأن وضع ثلث كتابته عنه في مرضه كالوصية له بعتق ثلثه، وهذا ما لا اختلاف فيه أعلمه، وأما لو صح من مرضه فعجز في حياته لم يعتق عليه منه شيء، وكذلك لو أعتق ثلثه في صحته ثم عجز لم يعتق عليه منه شيء؛ لأن عتقه لما أعتق منه إنما هو وضع لما عليه من الكتابة وليس بعتق إذ ليس بمالك لرقبته، وإنما يملك منه كتابته، وكذلك إن كان المكاتب بين اثنين فأعتق أحدهما حظه منه، ثم عجز في نصيب صاحبه لم يعتق على المعتق حظه منه في قول مالك وجميع أصحابه، وفي ذلك اختلاف بين السلف ذكره في المدونة عن الليث بن سعد أنه سمع يحيى بن سعيد يقول: إن الناس قد اختلفوا في حظ المعتق منه إذا عجز، فقال ناس: يكون له حظه منه إذا عجز؛ لأنه لم يعتق له رقا وإنما ترك له مالا، وبالله التوفيق.
: العبد بين الرجلين لا يجوز لأحدهما أن يكاتب نصيبه منه بإذن شريكه
ومن كتاب الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل مالك عن عبد كان بين ثلاثة إخوة فكاتبه اثنان منهما بإذن أخيهما شريكهما فيه، وكان على كتابته، ثم إن اللذين كاتباه
قاطعاه بإذن شريكهما الذي له فيه الرق وعتق نصيبهما، ثم إن الذي بقي له فيه الرق مات ورثه ورثته وخدمهم في نصيبه سنين، ثم قيل له ذلك تقوم على الذين قاطعاك.
قال مالك: أراه رقيقا ولا ينفعه ما كاتباه به بإذن شريكهما ولا مقاطعتهما إياه دون شريكهما.
قيل له: إنه قد أذن لهما؟ قال: لا ينفعه ذلك وأراه رقيقا، قال لي قبل ذلك: ويردان ما أخذا منه فيكون بينهم.
قال محمد بن رشد: هذا بين على مذهبه في أن العبد بين الرجلين لا يجوز لأحدهما أن يكاتب نصيبه منه بإذن شريكه ولا بغير إذن شريكه، فإن فعل فسخ ولم يجز، وإن لم يعثر عليه حتى أدى ما كوتب عليه كان ما قبض بينهما، وكان العبد رقيقا لهما، وقد قال في موطأه: إنه الأمر المجتمع عليه عندهم؛ لأنه خلاف لما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: «من أعتق شركا له في عبد قوم عليه قيمة العدل» الحديث، ولا فرق في هذا بين أن يقبض الشريك ما كاتبه عليه أو يقاطعه على ذلك فيقبض ما قاطعه عليه، ولا فرق أيضا بينهم وبين ورثتهم فيما يجب من فسخ الكتابة، فالمسألة بينة لا إشكال فيها، وبالله التوفيق.
: المكاتب يضع عنه سيده ما عليه عند موته وله ولد
ومن كتاب ليرفعن أمرا قال ابن القاسم سئل مالك عن المكاتب يضع عنه سيده ما عليه عند موته وله ولد قد ولدوا في كتابته أيقام بولده أم برقبته وحده؟ قال: بل يقام وولده معه، فإن كانوا أقل من القيمة من قيمة الكتابة عتقوا، وإن كانت قيمة الكتابة أقل من القيمة عتقوا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن ولده الذين ولدوا في الكتابة بمنزلته، فإذا أوصى بعتق مكاتبه أو بوضع ما عليه من كتابته فيوضع في الثلث الأقل من قيمته على ما هو عليه من ملاءة وقيمة ولده أو الأقل من قيمة الكتابة، هذا قول ابن القاسم في المدونة وروايته عن مالك، وقال غيره: إنما ينظر إلى الأقل من قيمة الرقبة وعدد الكتابة، ومثله لمالك في كتاب الجنايات من المدونة في موضع واحد منه.
وكذلك إذا قتل المكاتب يغرم قاتله لسيده قيمته على الحالة التي كان عليها، قاله في كتاب الجنايات من المدونة، وطرح سحنون منها قوله على الحال التي كان عليها، وقال: إنما يقوم في المثل بغير ماله؛ لأن ماله يبقى إلى سيده، ولم يرد مالك أن يقوم في القتل بماله، وإنما أراد أن يقوم بغير ماله على الحال التي كان عليها من قدرته على اكتساب المال وبصره في ذلك، والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: قول العبد في تعجيل الوضيعة من أول النجوم
مسألة وسئل مالك عن مكاتب كاتبه سيد على أربعمائة دينار وخمسين دينارا على أن يدفع له في أول سنة سبعة عشر دينارا والنجم الآخر أدنى من ذلك، ونجم آخر مثله، فأوصى إن أدى هذه الأربع نجوم وضع عنه من كتابته خمسين دينارا فتكاملت عليه أربع نجوم سوى الأول، فقال العبد: قاصوني بها فيما وضع عني سيدي من الخمسين.
قال مالك: لا أرى له شرطا في أول ولا آخر، وأرى أن تقسم تلك الخمسون الدينار على النجوم فيوضع عنه بقدر كل نجم ما يصيبه من الخمسين، وكانت وصيته وقد تداركت على العبد أربع
نجوم لم يؤدها، قال أرى أن يقسم ذلك على ما حل وما لم يحل، ولا ينظر في ذلك إلى قول العبد لأن يعجل له، ليس ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لا إشكال فيه.
من أن وجه الحكم في ذلك الفض على جميع النجوم إذ لم يخص الموصى الأول منها من الآخر، فلا ينظر إلى قول العبد في تعجيل الوضيعة من أول النجوم، ولا إلى قول الورثة في تأخيرها إلى آخر النجوم، وبالله التوفيق.
مسألة: أعتقت نصف عبد لها بعد الموت وأمرت أن يكاتب نصفه الآخر
مسألة وسئل عن امرأة أعتقت نصف عبد لها بعد الموت، وأمرت أن يكاتب نصفه الآخر كيف يكاتب النصف؟ قال: على قدر حاله وقوته في ذلك وجرائه عدى قدر تأديته.
قال محمد بن رشد: قوله أعتقت نصف عبد لها بعد الموت معناه أوصت بعتقه بعد موتها فالمسألة بينة على ما قال؛ لأنها إذا أوصت بعتق نصفها فلا يجب أن يعتق عليها النصف الآخر في ثلثها باتفاق في المذهب، وإذا لم يجب ذلك وجب أن تنفذ وصيتها بأن يكاتب النصف الآخر على ما قال من قدر حاله وقوته على الأداء وجرائه، ونقل ابن أبي زيد هذه المسألة في النوادر فقال فيها: أعتقت نصف عبد لها عند موتها والحكم في ذلك سواء؛ لأنها إذا أعتقت نصفها في مرضها فلم يعثر على ذلك حتى ماتت لا يعتق النصف الآخر عليها في ثلثها إلا أن يكون الموت قد عافصها على اختلاف في ذلك قد مضى تحصيله في رسم العتق من سماع أشهب من كتاب العتق، ولو أعتقت نصف عبد لها في مرضها فأوصت بأن يكاتب النصف الآخر فعثر على ذلك قبل موتها لعتق عليها باقيها في ثلثها وبطلت الوصية في ذلك بعتقها، وبالله التوفيق.
مسألة: يعطى المكاتب من الزكاة ما يعتق به
مسألة وسئل عن قوم يقسمون من الصدقة وجدوا مكاتبا قد بقيت عليه بقية من كتابته أترى أن يعطى منها ما يعتق به؟ قال: ما أرى بأسا وغيره أحب إلي يعني تركه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها ثلاثة أقوال أحدها هذا أنه يجوز أن يعطى المكاتب من الزكاة ما يعتق به وإن كان ولاؤه للذي كاتبه، وكذلك يجوز على هذا القول أن يعطي الرجل من زكاة ماله الرجل على أن يعتق عبده وإن كان ولاؤه للمعتق، وكذلك الرقبة يكون بعضها حرا وبعضها رقيقا يجوز أن يشتري ما رق منها من الزكاة فيتم ذلك عتاقتها، وقد حكى ذلك ابن حبيب في الواضحة عن مالك والقول الثاني أنه لا يجوز أن يعطى من الزكاة المكاتب وإن تمت ذلك عتاقتة من أجل أن ولاءه للذي كاتبه، وهو نص قول ابن القاسم في الواضحة أنه لا يجوز أن تجعل زكاته إلا في رقبته يكون ولاؤه لجميع المسلمين وظاهر روايته عن مالك في المدونة، والقول الثالث أنه يجوز أن يعان بذلك المكاتبون الذين لا يقدرون على أداء كتابتهم فيودوا عتقهم بقدر قله المال وكثرته من غير أن يشترط في ذلك كمال حريتهم، هذا ظاهر قول المغيرة في تأويل قول الله تعالى وفي الرقاب وظاهر ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف أنه قال: وقد أشار على مالك وعلى بن أبي حازم أن يجعل من الصدقات في المكاتبين وفي الرقاب، والقول الأول استحسان، والثاني هو القياس، وقول المغيرة ضعيف، ووجهه إتباع ظاهر قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي سَبِيلِ﴾ [التوبة: 60] قال ابن حبيب: وكان أصبغ لا يرى أن يفك أسرى المسلمين من الزكاة، ومن فعل ذلك ضمنها، وأنا لا أرى ذلك؛ لأنها رقاب قد جرى عليها الرق لأهل الشرك، فإنما يفك من رق إلى عتق، وبالله التوفيق.
مسألة: أعانوا المكاتب على وجه الفكاك لرقبته
مسألة قال مالك: كان زياد قد أعانه الناس في فكاك رقبته وأسر الناس في ذلك، وفضل ما قوطع عليه مال كثير، فرده إلى من أعطاه بالحصص، وكتبهم زياد عنده فلم يزل يدعو لهم حتى مات.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك وقوله في المدونة أنهم إن كانوا أعانوا المكاتب على وجه الفكاك لرقبته ولم يكن ذلك منهم على وجه الصدقة عليه، كان عليه أن يستحل من ذلك أو يرده عليهم بالحصص كما فعل زياد مولى ابن عباس.
: أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد
ومن كتاب البز قال مالك في الذين يرون الاستسعاء وخطأ ما يقولون، كيف يصنعون بالصبي الصغير؟ يريد الذي ليس فيه عمل، والجارية التي تستسعى ولا تقوم على عمل؟.
قال محمد بن رشد: لم يأخذ مالك بحديث الاستسعاء وهو ما رواه أبو هريرة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: «من أعتق نصيبا أو شركا في مملوك فعليه خلاصه كله في ماله، فإن لم يكن مال استسعي العبد غير مشفوق عليه» وإنما أخذ بحديث ابن عمر الذي رواه عن نافع عنه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل فأعطي شركاؤه حصصهم وأعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه منه ما عتق» إما لأنه لم يصح عنده حديث أبي هريرة في
الاستسعاء، يكون العبد ممن لا تصح السعاية منه على ما قاله في هذه الرواية وتابعه جميع أصحابه على قوله فلم يوجبوا للشريك على المعتق لحظه من العبد إذا كان معسرا قيمة، ولا على العبد سعاية، وقالوا: هو بالخيار إن شاء أعتق حظه، وإن شاء تمسك به رقيقا، وقد قيل: إن من حقه أن يضمنه القيمة فيتبعه بها في ذمته ويعتق العبد عليه، وقد مضى ذلك في رسم الصلاة من سماع يحيى من كتاب العتق.
ومن أهل العلم خارج المذهب من رأى المعتق ضامنا لقيمة نصيبه موسرا كان أو معسرا، وقالوا: هي جناية منه عليه في نصيبه فيلزمه قيمته في اليسر والعدم ويكون له ولاؤه شاء شريكه أو أبى، وحجتهم على ما روي عن أبي الملح عن أبيه «أن رجلا أعتق شقصا له في مملوك فأعتقه النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وقال ليس لله شريك» .
ومنهم من قال: إن الشريك مخير إن شاء أعتق نصيبه وفك له نصف ولائه وإن شاء ضمن المعتق فعتق عليه جميعه وكان له ولاؤه كما يقول أصحاب مالك في الموسر.
ومنهنم من يقول: إن العبد يعتق كله على الذي أعتق حظه منه، ويكون ولاؤه له موسرا كان أو معسرا، فإن كان موسرا ضمن القيمة لشريكه، وإن كان معسرا استسعى العبد فيها، وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن.
ومنهم من قال: إن الشريك مخير إذا كان المعتق لحظه معسرا بين أن يعتق حظه فيكون له نصف ولائه، وبين أن يستسعى العبد في نصف قيمته، فإذا أداها إليه عتق، وهو قول أبي حنيفة، ومن قوله أيضا في الموسر أن الشريك بالخيار إن شاء أعتق كما أعتق وكان الولاء بينهما، وإن شاء استسعى العبد في نصف القيمة، فإذا أداها عتق وكان الولاء بينهما، وإن شاء ضمن المعتق نصف القيمة فإذا أداها عتق ورجع بها المضمن على العبد استسعاه فيها وكان ولاؤه للعتق، وبالله التوفيق.
مسألة: القول قول المكاتب مع يمينه
مسألة وسئل مالك عن مكاتب كوتب على كذا وكذا درهما في نجوم وزعها عليه فجاء بنجومه عددا ولم يكن في شرطه عدد ولا كيل فأبى أهله أن يأخذوا إلا كيلا وفيها زيادة في وزنها، فقال مالك: إذا أعطاهم دراهم وازنة فرادى فليس لهم غير ذلك.
قال محمد بن رشد: معنى هذا إذا كان البلد يجري فيه الفرادى والكيل ولم يكن بينهما شرط ولا ادعى أحدهما نية، وأما إن كان البلد يجيء فيه الفرادى والكيل ولم يكن بينهما شرط فقال المكاتب: إنما أردت الفرادى، وقال السيد إنما أردت الكيل، فالقول قول المكاتب مع يمينه، فإن نكل كان القول قول السيد مع يمينه، وكذلك إذا اختلفا فقال المكاتب: كان الشرط بيننا على الفرادى، وقال السيد بل كان الشرط بيننا على الكيل، فالقول قول المكاتب مع يمينه على ما يدعي من الشرط، فإن نكل كان القول قول السيد على ما يدعي منه أيضا، هذا الذي يأتي في هذه المسألة على أصولهم، وبالله التوفيق.
: الوكلاء مؤتمنون
ومن كتاب باع غلاما
بعشرين دينارا قال مالك في مكاتب كان يبيع لسيده في ماله، كان رجل قد دفع إلى سيده سلعة يبيعها له، فزعم المكاتب أنه قد باعها وحاسبه سيد بثمنها وقبضه منه.
قال: ما أرى أن يلزم المكاتب ما أقر به من أمر تلك السلعة بشيء من ثمنها.
قال محمد بن رشد: معنى قوله: إنه لا يلزمه غرم ثمن السلعة ويصدق مع يمينه في أنه قد حاسب سيده به وقبضه منه على أصولهم في أن الوكلاء مؤتمنون مصدقون مع أيمانهم في دفع أثمان ما وكلوا على بيعه، وفي ذلك تفصيل واختلاف قد مضى تحصيله في رسم حلف أن لا يبيع سلعه سماها من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات، وفي غير ما موضع سواه، وبالله التوفيق.
: مكاتب بين رجلين فيريد أحدهما بيع نصيبه منه
ومن كتاب نذر سنة يصومها وسئل عن مكاتب بين رجلين فيريد أحدهما بيع نصيبه منه.
قال: ما أعلم أن المكاتب يباع بعضه، قلت أفتكره ذلك؟ قال: نعم، إما أن يباع كله وإما أن يترك.
قال سحنون: إنما يكره بيع نجم من نجوم المكاتب، فأما ثلث ما عليه أو ربعه أو نصفه فليس به بأس، قال أصبغ مثله، وإنما يكره بيع نجم من نجومه إذا كان بعينه فإذا لم يكن بعينه لم يكن به بأس؛ لأن ذلك يرجع إلى أن يكون جزءا من الأجزاء، وقال سحنون مثله، وقال إذا اشترى نجما من عشرة أنجم واشتراه مسجلا ليس بعينه فهو جائز، وهو كأنه اشترى عشر الكتابة.
قيل له: فإن عجز المكاتب عن أداء كتابته؟ قال: يكون عشر رقبته رقيقا لهذا الذي اشترى نجما من عشرة أنجم.
قال محمد بن رشد: لم يجز مالك في هذه الرواية لأحد الشريكين في كتابة المكاتب أن يبيع حصته منها، وله مثل ذلك في سماع يحيى وفي سماع سحنون، خلاف ما له في موطأه من إجازة ذلك، ولم يختلف قوله في
أنه لا يجوز للرجل، إذا كانت الكتابة كلها له أن يبيع جزءا منها، وأجاز ذلك ابن القاسم في سماع أصبغ مثل قول سحنون وأصبغ ها هنا في إجازة بيع جزء من أجزاء الكتابة وبيع نجم منها إذا لم يكن معينا؛ لأنه يرجع إلى جزء معلوم، وسواء اتفقت النجم في العدد أو اختلفت إذا عرف عددها وعدد كل نجم منها، جاز شراء نجم منها إذا لم يكن بعينه لأنه يرجع إلى جزء معلوم، وقد وقع في العشرة ليحيى.
قلت لم كره لأحد الشريكين بيع نصيبه من الكتابة ولو اجتمعا جميعا على بيعها لم يكن بذلك بأس؟ قال: إنما بيع الشريك نصيبه بمنزلة الذي يملكه كله فيبيع نصفه.
قلت له: فإذا كان كله لرجل فلأي شيء يمنع من بيع نصفه وقد يجوز له بيع الجميع؟ فقال: لم يختلف في هذا قول مالك، وبه مضى الأمر عندهم في المكاتب أن لا يبعض، وإنما يجوز بيعه كله وبيعه كله فيه مغمز،.
وإنما يجوز إتباعا لمالك فكيف يجوز بيع بعضه؟ فهذا من قول ابن القاسم خلاف قوله من سماع أصبغ عنه، وخلاف قول سحنون وأصبغ ها هنا مثل قول مالك في هذه الرواية ومثل ما وقع له أيضا في سماع يحيى وفي سماع سحنون.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال، أحدها: أنه لا يجوز بيع جزء من الكتابة كلها لرجل واحد فباع بعضها أو كانت بين رجلين فباع أحدهما حصته منها، وهو قول مالك في هذه الرواية، وما وقع من قوله في سماع يحيى وسماع سحنون؛ لأنه إذا لم يجز لأحد الشريكين بيع نصيبه فأحرى أن لا يجيز للذي له الكتابة كلها بيع بعضها، وقول ابن القاسم في العشرة أيضا، والثاني أن ذلك جائز في الوجهين جميعا، وهو قول سحنون وأصبغ ها هنا، وقول ابن القاسم في سماع أصبغ بعد هذا؛ لأنهم إذا أجازوا للرجل الواحد أن يبيع بعض كتابته أو نجما غير معين منها فأحرى أن يجيزوا لأحد الشريكين في الكتابة بيع حصته
منها، والثالث الفرق بين الوجهين، وهو قول مالك في موطأه؛ لأنه أجاز فيه لأحد الشريكين في الكتابة بيع نصيبه منها.، ولم يختلف قوله في أنه لا يجوز إذا كانت الكتابة لرجل واحد أن يبيع جزءا منها، وإنما يجوز لأحد الشريكين في الكتابة بيع حصته منها على مذهب من يجيز ذلك إذا باع حصته من أجنبي، فأما إن باعها من المكاتب فلا يجوز؛ لأن ذلك كالقطاعة، ولا يجوز لأحد الشريكين أن يقاطع المكاتب على نصيبه من الكتابه دون إذن شريكه، قال ذلك ابن الماجشون في كتاب ابن المواز، وقاله محمد بن المواز أيضا، وهو قائم من قول مالك في موطأه؛ لأنه قال فيه: إنه إذا باع أحد الشريكين في الكتابة نصيبه في الكتابة لم يكن للمكاتب في ذلك شفعة؛ لأنه يصير بمنزلة القطاعة، وليست له بذلك حرمة.
قال: وأما إذا بيعت الكتابة كلها فأحسن ما سمعت أنه أحق باشتراء كتابته ممن اشتراها إذا قوي أن يؤدي إلى سيده الثمن الذي باعه به نقدا، وذلك أن اشتراءه نفسه عتاقة، ومعنى ذلك عندي أنه أحق بها بما يعطي فيها ما لم ينفذ البيع فيها على ما قاله في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب العتق في الرجل تكون تحته المرأة ثلثها حر وثلثاها رقيق، وله منها ولد أنه أحق بهم بالثمن الذي أعطى سيدهم به إن أراد بيعهم، ومثله أيضا لمالك في رسم نقدها من سماع عيسى من كتاب النكاح، وسيأتي في سماع أشهب بعد هذا ما ظاهره أن المكاتب أحق بكتابته إذا بيعت بعد نفوذ البيع فيها مثل ما حكى ابن حبيب عنه من رواية مطرف وعن ابن الماجشون وأشهب وابن عبد الحكم وأصبغ خلاف ما حكي عن مالك من رواية ابن القاسم عنه من أنه كان يرى ذلك حسنا ولا يرى القضاء به، وقال أبو بكر الأبهري: إنما كره لأحد الشريكين في الكتابة بيع حصته منها لأن ذلك بمنزلة مقاطعته على مال يأخذه دون شريكه، وذلك غير جائز، ووجه إجازته أنه إذا جاز بيع كتابته كلها حالة بيع بعضها كرقبة العبد يجوز بيع جميعها وبيع بعضها، وبالله التوفيق.
: قاطع سيده فيما بقي عليه من كتابته
من سماع أشهب وابن نافع من
مالك
قال أشهب سمعت مالكا سئل عن مكاتب قاطع سيده فيما بقي عليه من كتابته بعبد دفعه إليه فاعترف في يديه بسرقة فأخذ منه، قال: يرجع على المكاتب بقيمة ما أخذ منه ما كان، وكذلك المكاتب يقاطعه سيده بحلي استرفعه أو ثياب استودعها ثم يعترف ذلك في يدي سيده فيؤخذ منه، أيعتق المكاتب هكذا بباطل؟ لا يؤخذ الحق بالباطل!!!
قال محمد بن رشد: قال في الذي قاطع سيده فيما بقي عليه من كتابته بعبد دفعه إليه فاعترف في يديه بسرقة فأخذ منه: إنه يرجع على المكاتب بقيمة ما أخذ منه ما كان، يريد فإن لم يكن له مال اتبع به دينا ولم يرد إلى الكتابة؛ لأن حريته قد تمت بالقطاعة، قاله أشهب في المدونة، وهو يحمل على التفسير لروايته عن مالك هذه، وفي المدونة وهو أحد قولي ابن القاسم في المدونة، وقد قيل: إنه إن لم يكن له مال رد مكاتبا كما كان حتى يؤدي القيمة، وهو قول ابن نافع في المدونة، وقيل: إنه إذا استحق العبد من يده رجع مكاتبا كما كان حتى يؤدي قيمته، وهو أحد قولي ابن القاسم في المدونة، قاله في المكاتب يؤدي كتابته إلى سيده من أموال غرمائه فيأخذون ذلك منه، ولا فرق بين المسألتين؛ لأن له شبهة فيما بيديه من أموال غرمائه.
فيتحصل في المكاتب يقاطع سيده من كتابته على شيء بعينه له فيه شبهة المالك فيستحق من يد سيده ثلاثة أقوال، أحدها: أنه يرجع في الكتابة حتى يؤدي إلى سيده قيمة ذلك مليئا كله أو معدما، وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم في المدونة في الذي يؤدي كتابته إلى سيده مما بيده من أموال
غرمائه، والثاني: أنه لا يرجع في الكتابة إلا أن يكون معدما، وهو قول ابن نافع في المدونة، والثالث: أنه لا يرجع في الكتابة مليئا كان أو معدما، ويتبع بذلك إن كان معدما في ذمته، وهو حر بالقطاعة، وهو قول أشهب في المدونة مفسرا لروايته هذه عن مالك.
واختلف قول ابن القاسم إذا قاطع عبده القن على عبد بعينه فاستحق من يده، فمرة قال: إنه كالمكاتب يرجع عليه بقيمته، ومرة قال: إنه لا يرجع عليه بشيء لأن ذلك كالانتزاع إذا كان بعينه، حكي القولين عنه ابن المواز، ولا اختلاف إذا قاطع سيده على عبد موصوف فاستحق من يده أنه يرجع عليه بقيمته ولا يرد في الكتابة.
وأما إذا قاطع سيده على شيء بعينه لا شبهة له في ملكه اعترفه مولاه كالحلي يسترفعه أو الثياب يستودعها وما أشبه ذلك، فلا اختلاف في أن ذلك لا يجوز له، ويرجع في الكتابة على ما كان عليه حتى يؤدي قيمة ما قطع به.
قوله في هذه الرواية وكذلك المكاتب يقاطع سيده بحلي استرفعه أو ثياب استودعها ليس يريد أن ذلك مثل المسألة التي تقدمت في جميع الوجوه، وإنما يريد أنها مثلها عنده في أن للسيد الرجوع عليه وإن افترق الحكم في ذلك؛ لأنه لا يرجع إلى الرق في المسألة الأولى، على قوله، ويرجع إليه في الثانية، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
مسألة: المكاتب يشتري أخاه أيدخل معه في الكتابة
مسألة وسئل عن المكاتب يشتري أخاه أيدخل معه في الكتابة؟ فقال: ما سمعت ذلك، فقيل له: لا يدخل معه إلا الولد؟ فقال: برأسه نعم.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة؛ لأنه قال فيها: إن كان من يعتق على الرجل إذا ملكه
يدخل في كتابة المكاتب إذا اشتراهم بإذن سيده أو وهبوا له فقبلهم بإذنه، وقال ابن نافع وغيره: لا يدخل في كتابته إلا الابن خاصة إذا اشتراه بإذن سيده لأن له أن يستحدثه.
فهي ثلاثة أقوال في المسألة لكل قول منها وجه، فوجه القول الأول: أنه لما كان إذن السيد لمكاتبه في أن يشتري من يعتق عليه إذنا له منه له في أن يدخله معه في الكتابة، إذ لا وجه في إذنه له في شرائه إلا ذلك، إذ لو أراد أن يمنعه من شرائه على أن لا يدخله معه في كتابته لم يكن ذلك له، إذ لا ضرر عليه في ذلك لأنه يبيعهم إن خشي العجز ويعتقون بعتقه إن أدوا لما أذنه له في شرائهم على أن يدخلوا معه في كتابته قد يؤدي إلى عجزه؛ لأن أثمانهم التي اشتراهم بها كان يتقوى بها على سعايته لم ير أن يدخل في كتابته إذا اشتراهم بإذنه إلا الولد والأب الذي اتفق أهل العلم أنهم يعتقون على من ملكهم ووجه القول الثاني وهو مثل قول ابن القاسم وروايته عن مالك في أنه يدخل في كتابة المكاتب كل من يعتق عليه إذا اشتراهم بإذن السيد.
فقوله إذا اشتراهم بإذنه على أن يدخلهم في كتابته فكأنه قد كاتبهم معه ولا يراعى ما يخشى من أن يؤدي ذلك إلى عجزه فيمن يعتق عليه مما سوى الأبوين والولد كما لا يراعى ذلك في الأبوين والولد، وهذا القول هو القياس على المذهب؛ لأن مراعاة الخلاف إنما هو استحسان، ووجه القول الثالث وهو قول ابن نافع أنه لا يدخل في كتابته إذا اشتراه بإذن السيد إلا الابن وحده.
مسألة: المكاتب إذا باع سيده كتابته أهو أولى بذلك
مسألة وسئل عن المكاتب إذا باع سيده كتابته أهو أولى بذلك؟ قال: هو أولى بكتابته إذا كان ما اشترى منها يعتق به، وإن كان لا يعتق به فليس ذلك له.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية عن مالك أن المكاتب أحق بكتابته إذا بيعت بعد نفوذ البيع فيها كالشفعة مثل ما في كتاب المكاتب من المدونة لعمر بن عبد العزيز وعطاء وسعيد بن المسيب، ومثل ما في كتاب أمهات الأولاد من المدونة في باب الرجل يطأ أمة مكاتبه فتحمل لغير ابن القاسم، ومثل ما حكى ابن حبيب عن مالك من رواية مطرف في أن الشفعة واجبة في الكتابة والدين خلاف ما حكي عن مالك من رواية ابن القاسم عنه من أنه لا يرى القضاء بذلك، وهو مذهبه في المدونة لأنه قال فيها: ولا شفعة في دين ولا حيوان، فيحتمل أن تتأول هذه الرواية على ذلك بأن يقال: معناها أنه يريد أنه أولى بكتابته إذا أراد سيده بيعها يأخذها بما يعطى فيها ما لم ينفذ البيع، فإن نفذ البيع فيها لم يكن له من الحق أن يأخذها من المبتاع كالشفعة إذ لا شفعة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة في شيء من الديون ولا العروض بعد نفوذ البيع فيها.
وأما إذا كان الذي بيع من كتابته حظ أحد الشريكين فليس هو أولى بذلك لوجهين: أحدهما: أن ذلك كالقطاعة لا تجوز إلا بإذن الشريك الآخر، والثاني: أنه لا حرمة له بذلك، قال ذلك في الموطأ وقد تقدم ذكره في سماع رسم نذر من سماع ابن القاسم.
مسألة: كاتب عبده واشترط أن ما ولد له من ولد فهم عبيد
مسألة وسمعته يسال عمن كاتب عبده واشترط أن ما ولد له من ولد فهم عبيد، فقال: لا يجوز هذا الشرط قد كاتب المسلمون.
قلت: أفتمضي الكتابة؟ قال: لا بل تفسخ الكتابة.
قيل له: أرأيت إذا قال السيد أنا أضع عنك ما اشترطت عليك من رق ولدك وأثبت على كتابتك؟ قال: إذا يكون ذلك له.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الكتابة تفسخ بهذا الشرط إلا أن يشاء السيد وضعه فيجوز خلاف مذهبة في المدونة من أن الشرط باطل والكتابة جائزة في هذا وفي اشتراط جنين المكاتبة في كتابتها أو وطئها طول كتابتها، وكذلك يأتي في هاتين المسألتين على رواية أشهب هذه الكتابة تفسخ إلا أن يرضى السيد بترك الشرط، وقد وقع ذلك من قول أشهب وروايته عن مالك في النوادر منصوصا عليه فيهما، وإنما يخير السيد في ذلك على هذه الرواية ما لم تفت الكتابة باستيفاء جميعها وإن لم يبق منها إلا درهم واحد وأما إذا فات باستيفاء جميعها فيبطل الشرط ويدخل الولد في الكتابة، وقال محمد بن المواز من رأيه: إنما يخير السيد في ذلك ما لم يقبض من الكتابة شيئا وأما إذا قبض منها ولو نجما واحدا فيسقط الشرط وتمضي الكتابة.
وكذلك يأتي على القياس قول مالك في هذه الرواية إذا اشترط على المكاتب أن لا يخرج من خدمته حتى يؤدي أن يكون السيد بالخيار بين أن يترك الشرط ويفسخ الكتابة، وقد قيل إن اشتراط وطء المكاتبة بخلاف هذه الشروط؛ لأنه شرط حرام فيبطل وتجوز الكتابة، وهو مذهب ابن القاسم على ما روى عنه أصبغ في سماعه بعد هذا أن اشتراط السيد على مكاتبه أن لا يخرج من خدمته حتى يؤدي يلزم وتجوز الكتابة بخلاف هذه الشروط، وأصبغ يساوي بين هذه الشروط كلها ويرى الحكم فيها أن تبطل الشروط وتجوز الكتابة.
فالشروط تنقسم على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك قسمان، أحدهما: شرط حرام كاشتراط الوطء على المكاتبة في كتابتها، وشرط فيه غرر كاشتراط كون جنين المكاتبة عبدا وكون ما ولد للمكاتب من أمته عبدا وما أشبه ذلك، فهذا القسم الحكم فيه عنده أن يبطل الشرط وتجوز الكتابة، والقسم الثاني: أن يكون الشرط لا حرام فيه ولا غرر إلا أنه مخالف لما مضى من سنة الكتابة، مثل أن يشترط عليه أن لا يخرج من خدمته وما أشبه ذلك
فهذا يلزم فيه عنده الشرط، وتجوز الكتابة، وفي سماع عبد المالك بن الحسن عن ابن وهب من كتاب الصدقات والهبات في هذا الشرط أن الكتابة منفسخة، وإذا قال ذلك في هذا الشرط الذي لا حرام فيه ولا غرر فأحرى أن يقوله فيما سواه من الشروط التي لا تجوز لحرمتها أو لغررها.
ويتحصل على هذا في جملة المسألة خمسة أقوال، أحدها: أن الشروط التي لا تجوز كلها سواء والحكم فيها أن تفسخ الكتابة بها إلا أن يرضى السيد بترك الشرط فيجوز الكتابة، وهو قول مالك في هذه الرواية، والقول الثاني: أنها كلها سواء والحكم فيها أن تبطل الشروط وتجوز الكتابة، وهو قول أصبغ، والقول الثالث: أنها كلها سواء والحكم فيها أن تبطل الكتابة بها، وهو الذي يأتي على قول ابن وهب في سماع عبد المالك من كتاب الصدقات والهبات، والقول الرابع: تفرقة ابن القاسم التي ذكرناها بين الشرط الحرام والغرر، وبين الشرط الذي لا حرام فيه ولا غرر إلا أنه مخالف لما مضى من سنة الكتابة، والقول الخامس: الفرق بين الشرط الحرام والشرط الغرر والذي هو مخالف لما مضى عليه العمل في الكتابة، فيبطل الشرط الحرام وتجوز الكتابة، وتفسخ الكتابة فيما سوى ذلك من الشروط إلا أن يرضى السيد بتركها، وهذا القول هو تأويل بعض أهل النظر على رواية أشهب عن مالك هذه، ولو اشترط المكاتب على سيده في كتابته إياه أن يدخل فيها ما يولد له من زوجة له أمة لسيده لجاز ذلك باتفاق، وابن الماجشون يقول في شرط السيد على مكاتبه في كتابته إياه أن لا يخرج من عمله أنه يجعل له أياما من الجمعة يسعى فيها لنفسه على ما يؤدي إليه الاجتهاد ولا تفسخ الكتابة، وبالله التوفيق.
مسألة: كاتب عبدا له واشترط عليه خدمة ثم جاء العبد بكتابته كلها
مسألة وسئل وأنا أسمع عمن كاتب عبدا له واشترط عليه خدمة أو سفرا أو ضحية ثم جاء العبد بكتابته كلها فقال: يوضع عنه كل ما كان
من شرط في حسر العبد من خدمة أو سفر أو غير ذلك وكل ما كان مثل الرقيق والكسوة والضحية فإنه يقوم ذلك عليه فيغرم قيمته مع كتابته.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا كاتبه واشترط عليه خدمة أو سفرا في كتابته مثل أن يكاتبه بكتابة منجمة أو غير منجمة إلى خمسة أعوام أو ستة ويشترط عليه خدمة أيام من كل جمعة وضحية وكسوة كل سنة إنه إن عجل الكتابة سقط عنه كل ما كان في بدنه من خدمة وسفر إذ لا تتم عتاقة أحد وعليه بقية من رق، ولم يسقط عنه ما كان في ماله من ضحية وكسوة، فلا يعتق حتى يؤدي قيمة ذلك حالا في كتابته، وأصل ذلك أن ما كان يسقط عنه بالمرض يسقط عنه بتعجيل الأداء وهو ما كان في يديه، وما لا يسقط عنه بالمرض لا يسقط عنه بتعجيل الأداء.
وكذلك لو اشترط عليه خدمة أو سفرا بعد أداء كتابته أو ضحية في كل سنة طول حياته لسقطت عنه الخدمة والسفر بأداء الكتابة ولم تسقط عنه الضحية التي شرط عليه في كل سنة طول حياته وكان الحكم في ذلك أن يعمر ثم ينظر إلى قيمة عدد الضحايا في تعميره، فيقال له: أد قيمتها الساعة وأنت حر، وإن لم يكن له مال لم يعتق حتى يؤدي قيمتها ساعتئذ وليس إلى أجلها، قال ذلك ابن القاسم في كتاب ابن حبيب، ورواه عن مالك.
وإنما تسقط عنه الخدمة بأداء الكتابة إذا كانت الخدمة مشترطة في الكتابة وكان إنما يعتق بأداء الكتابة، مثال ذلك أن يقول له كاتبتك على أن تؤدي إلي كذا وكذا وأنت حر على أن تخدمني في كل شهر كذا وكذا وما أشبه ذلك، وأما إن كانت الكتابة مشترطة في الخدمة وكان إنما يعتق بتمام الخدمة فلا تسقط عنه الخدمة بأداء الكتابة، مثال ذلك: أن يقول له: أكاتبك على أن تخدمني كذا وكذا ثم أنت حر على أن تؤدي إلي فيها كذا وكذا، فهذا إن أدى المال قبل تمام أمد الخدمة لم يعتق إلا بانقضاء أمد الخدمة، وإن انقضى أمد
الخدمة قبل أن تؤدي المال أعتق في أمد الخدمة وكان ما بقي من المال المشترط عليه بعد انقضاء أمد الخدمة دينا عليه يؤديه وهو حر، إذ قد بتلت حريته بانقضاء أمد الخدمة، هذا معنى ما حكاه ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ فيما سأله عنه من تفسير قول مالك، وبالله التوفيق.
مسألة: الكتابة على إحياء عدد من الغرس
مسألة وسمعته يقول «كاتب سلمان الفارسي أهله على مائة ودية يحييها لهم فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذا غرستها فأذني، فلما غرسها أذن رسول الله فدعا له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها فلم تمت منها ودية واحدة» . قال محمد بن رشد: في هذا الحديث إجازة الكتابة على هذا النحو من الغرر في حق المكاتب؛ لأنه لا يدري إذا اغترس من النخل هل يحيى أم لا؟ ففيه حجة على ما أجازوه من الكتابة على عبد فلان وهولا يدري هل يقدر على أن يتخلصه من صاحبه أم لا من أجل أنه عبده يجوز له فيما بينه وبينه عن الغرر ما لا يجوز له فيما بينه وبين غيره، والكتابة على هذا من ناحية الجعل الذي أجازه أهل العلم لما شهد بجوازه من صحيح الآثار مع ما دل عليه من حكم القرآن في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] فالكتابة على إحياء عدد من الغرس أو على عبد فلان يشبه قول الرجل لعبده إن جئتني بعبدي الآبق أو بجملي الشارد فأنت حر فالقياس على هذا إن لم يقدر على إحياء الغرس أو تخلص العبد إلى الأجل الذي يضرب له في ذلك أن يرجع في الرق، وقد قال سحنون: إنه إن لم يقدر عليه كانت عليه قيمته، وقاله أيضا محمد بن المواز، وليس ذلك على الأصول، وبالله التوفيق.