كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المساكين على الرجل فأعطاهم درهما بين رجلين؟ فقال: ما أرى عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: المعنى فيما قاله في الطعام بين في الاستحسان وذلك أنه لما أوصى بالطعام الذي يشترى بالدينار كان سبيلُ ذلك في قدر ما يعطي منه لكل مسكين سبيلَ الكفارات التي ذكر الله فيها الإطعام الكثير أن يعطي بمد هشام ككفارة الظهار، وفي الطعام اليسير بمد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ككفارة اليمين، ولو أوصى أن يشتري به قمحا فيتصدق به على المساكين ولم يكن الطعام لما حد فيه أن يعطي بمد هشام ولا بمد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ولكان له أن يتصدق بجميعه على المسكين والمسكينين وأقل وأكثر على ما يراه بوجه اجتهاده.
وأما الذي أعطى درهما بين مسكينين وقد كان أوصى الميتُ أن يعطي درهم درهم لكل مسكين فقد أخطأ في مخالفته حَدّ المُوصِي في ذلك، إلا أنه لم يره خطأ يلزمه به الضمان فقال: ما أرى عليه شيئا أي لا أرى عليه غرما؛ لأن الذي فعل كان سائغا له أن يفعله والله أعلم.
مسألة: يأكل الرجل من مال ابنه الصغير
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يكون لابنه المالُ قد ورثه من أمه الضيعة يكون له، فيأتيها أبوه يأكل منها، قال: لا بأس بذلك أن يأكل الرجل من مال ابنه الصغير من الضيعة يكون له يأتيها فينزل بها ويأكل منها، وإنما كان ورثها من أمه فلا بأس أن يأكل منها.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، والأصل في ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: 61] إلى قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: 61] فإذا جاز للرجل أن يأكل من مال أبيه وأمه وأخيه وعمه وخاله
وصديقه بغير إذنهم الشيء اليسير الذي لا يقع التشاح في مثله ويعْلَمُ بمستقر العادة أنهم لا يكرهون ذلك فأحرى أن يجوز ذلك للوالد في مال ولده الذي ورثه عن أمه؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ» ألا ترى أنه قد جاز له فيما تصدق به على ابنه لهذا الحديث ما لا يجوز له فيما تصدق به على غيره، وقد مضى القولُ على ذلك مستوفى في رسم حلف ألّا يبيع رجلا سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
والحمد لله رب العالمين وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، والحمد لله رب العالمين.
: كتاب الوصايا الثاني
نعي له عبد أبق ثم مرض فأوصى بثلث ماله ثم مات وجاء العبد الآبق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كتاب الوصايا الثاني
من سماع أشهب وابن نافع من مالك
من كتاب البيوع الأول قال سحنون أخبرني أشهب وابن نافع قال: سئل مالك عمن نعي له عبد أبق أو ذكر له غرق سفينته، ثم مرض فأوصى بثلث ماله، ثم مات، وجاء العبد الآبق، وسلمت السفينة، أيدخل ذلك في ثلثه؟ فقال نعم، ليس يشبه هذا الذي يكون له مال لم يعلم به، قد ينعى للرجل العبد وهو يرجوه وهو يائس منه، فهذا يدخل في الثلث.
وفي كتاب الوصية للصغير، من سماع أشهب وابن نافع قال: فأما الذي له العبد الآبق، والجمل الشارد، والذي قد كان له أصله وعمله، فإنه إذا رجع، رجع في الثلث، فقيل له: أرأيت الذي يكون له المال الغائب مثل السفينة والعبد، فيقال: قد غرقت السفينة أو مات العبد حتى يتقين ذلك؟ فقال: إذا علم [أنه] لم يرده فلا يدخل في الثلث، فقيل له: مثل السفينة يقال له قد غرقت؟ فقال إذا كان هكذا فنعم، ولم ير أن ذلك يرجع في الثلث إذا جاءت سلامته، من أجل أنه كان منه يائسا.
وفي رواية
عيسى من كتاب المكاتب من سماعه: قال ابن القاسم: إذا كانت قامت عنده البينة، وشهد عنده قوم قبل الوصية أو بعدها أن العبد مات، والسفينة غرقت، والفرس مات، أو بلغه ذلك فطال زمانه، ويئس هذه، ثم جاء خبر ذلك من بعد موته أنه لم يذهب منه شيء، فلا يدخل فيه شيء من الوصايا وهو كمال طارئ لم يعلم به، وإن كان ذلك شيئا بلغه فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات، ولم يشهد عنده أحد بهلاكه، إلا خبر بلغه، فإن الوصايا تدخل فيه.
ولم يذكر في أول المسألة إباق العبد، وإنما ذكر هلاكه.
قلت: فالعبد يأبق؟ قال تدخل فيه الوصية متى ما رجع.
قال محمد بن رشد: في ظواهر ألفاظ هذه المسألة الروايات اضطراب، ولا ينبغي أن يحمل شيء منها على التعارض والاختلاف؛ لأنها ترجع كلها عند التحصيل إلى أن ما كان أصله قد علمه، فإن الوصايا تدخل فيه، وإن غاب عنه فطال زمانه وبلغه هلاكه حتى كان الغالب عليه اليأس منه، من أجل ما بقي له فيه من الرجاء، حتى إذا تحقق عنده هلاكه بالشهادة أو الاستفاضة، حتى تحقق ذلك وتيقنه، فلم يبق له فيه رجاء، فلا تدخل فيه الوصايا إن جاء بعد ذلك، وإن كانت المدة لم تطل.
ولا فرق في شيء من هذا كله بين المال الغائب، والعبد الآبق، والسفينة الغائبة، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى أن امرأته أولى بولدها ما لم تنكح فأرادت أن تخرج إلى العراق
مسألة قال أشهب: وسئل عمن توفي بالمدينة وأوصى إلى رجل، وأوصى أن امرأته أولى بولدها ما لم تنكح، فأرادت امرأته أن تخرج إلى العراق بولدها منه، وهناك أصلها.
قال: فليس لها ذلك.
فقيل له: إن لولده ثم ديوان، قال ما أرى ذلك لها.
قيل: إذا يهلك ديوانهم يغيبون وهم صغار، قال: هاه! إن كان هكذا فلينظر في ذلك لليتامى، فإن رأى والي اليتيم أن أرفق بهم المقام أقاموا، وإن رأى أن أرفق بهم السير ساروا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه ليس للأم أن تدخل بولدها الذي في حضانتها عن بلد الوصي عليهم وإن كان الأب قد أوصى أنها أولى بولدها ما لم تنكح؛ لأن ذلك من حقها وإن لم يوص لها به الأب مع ألا تغيب بهم إلى بلد آخر عن الوصي، إلا أن يرى ذلك الوصي أو السلطان نظرا للأيتام لئلا يزول بمغيبهم اسمهم عن الديوان الذي كان يرتزق عليه أبوهم فتدركهم الضيعة.
[وبالله التوفيق] .
مسألة: السيد يوصي لأم الولد بنفقتها ما لم تتزوج فيصالحها الورثة على شيء معلوم
مسألة وسئل مالك عن أم الولد يوصي لها سيدها بنفقتها ما لم تتزوج، فصالحها الورثة على شيء معلوم، فيدفعونه إليها نقدا ثم تتزوج، أيرجعون عليها بشيء؟ [قال: لا يرجعون عليها بشيء] . وقد صالحوها، إنما ذلك لو تركوها على ما أوصى به سيدها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إنه إذا لم يمض الورثة الوصية لها على حالها وصالحوها عنها على شيء دفعوه معجلا إليها، فلا رجوع لهم عليها إن تزوجت قبل أن تستنفد في الإنفاق على نفسها [ما دفعوا إليها، كما أنها إذا استنفدت ذلك في الإنفاق على نفسها] ، فلا شيء لها عليهم وإن لم تتزوج؛ لأن الصلح لما كان على إسقاط الشرط في النفقة، فلا رجوع لهم عليها إن تزوجت.
قال عيسى بن دينار في رسم أوصى بعد هذا من سماعه: وكذلك إن ماتت بعد ذلك بيوم أو يومين، ولا لها عليهم إن لم تتزوج بعد فناء ما قبضت منهم.
وكذلك لو أوصى لها بوصية على ألا تتزوج، فقالت: على الثلث فردت إلى الثلث، ثم تزوجت، فلا ينتزع منها شيء؛ لأن الوصية لم تنفذ لها على وجهها، حكاه ابن المواز فيما أظن عن ابن القاسم، وهو قول ابن القاسم في رسم العرية من سماع عيسى في الذي يوصي أن ينفق على رجل ما عاش، فلم يحمل الثلث نفقة تعميره أنه إن لم يجز الورثة كان ما صار له من الثلث بتلا يدفع إليه، وليس للورثة أن يرجعوا عليه بشيء، وإن مات بعد ذلك بيوم؛ لأنهم قد خيروا في أن ينفذوا وصية صاحبهم، وفي أن يقطعوا له بالثلث بتلا، فاختاروا القطع له بالثلث بتلا، ولا فرق بين المسألتين في المعنى، وبالله التوفيق.
: أوصى لنفر خمسة بنفقتهم ما عاشوا
ومن كتاب الأقضية الثاني قال: وسألته عمن أوصى بوصايا، فأوصى لنفر خمسة بنفقتهم ما عاشوا.
ونزلت بالمدينة، فقال: أرى أن يعمر الخمسة النفر سبعين سبعين سنة كان له منهم عشرون سنة، حرص له بنفقة خمسين سنة تمام السبعين، ومن كان له منهم أقل من ذلك أو أكثر، فعلى
هذا؛ لأني أرى السبعين من أعمار الناس اليوم، وما هو بالأمر الثابت، ثم يجمع لهم ما صار لهم جميعا في المصلحة، فيوضع على يدي عدل، فينفق منه عليهم ما عاشوا، فكلما مات منهم إنسان، رد ذلك على أهل الوصايا حتى يموتوا من آخرهم، فإذا مات الخمسة من آخرهم ثم رجع ما فضل إلى أهل الميراث، لا يرجع إلى أحد من أهل الميراث شيء حتى لا يبقى أحد من الخمسة، حتى إذا ماتوا رجع ما فضل إلى أهل الميراث، إلا أن يكون كانت معهم وصايا قصر عنهما الثلث، فيحاصونه فأرى إذا مات الخمسة أن يتم لأهل الوصايا وصاياهم، فما فضل كان لأهل الميراث.
قال: وإن استنفدوا ذلك قبل أن يموت، فلا شيء لهم، لا يرجعون بشيء مما أوصى لهم به على أهل الوصايا حتى لا يبقى من الخمسة أحد.
قال: والسبعون من أعمار الناس، وإنما جرأني على أني قررت لهم سبعين، أني قد علمت أن منهم من لا يستكمل السبعين، فصار في المال فضل يستنفقونه ما عاشوا، حتى يستوفوا وصاياهم قال: وأنا أرى أن يكون لهم فيما يعرض لهم من النفقة، الماء والحطب والدهن والثياب، لا أدري ما الصوف؟ وأرى ذلك للمرأة على زوجها وللموصى لهم بالنفقة مثله:
قال محمد بن رشد: قد قال بعض الناس في هذه المسألة: إن مذهب ابن القاسم في المفقود أن يعمر سبعين سنة؛ لأنهم جماعة، ولا يمكن في غالب الحال، أن يعيشوا كلهم أكثر من سبعين سنة، وأنه إن كان منهم من يعيش أكثر من سبعين سنة، فسيكون من يموت منهم قبل السبعين، فرأى السبعين عدلا في ذلك؛ لكونهم جماعة، وذلك نص قوله وإنما جرأني على أني قدرت لهم سبعين، أني قد علمت أن منهم من لا يستكمل سبعين، معناه: قد تيقنت ذلك بغلبة ظني؛ إذ لا يصح العلم في ذلك، فإن كان
واحدا لما عمره إلا أكثر من سبعين، على قوله في هذه الرواية، وكذلك يلزم على قوله في المفقود، وقد روي عن مالك أنه يعمر سبعين سنة، وإليه ذهب عبد الوهاب، واحتج بقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» ؛ إذ لا معنى لقوله إلا الإخبار بما يتعلق به الحكم، والله أعلم.
وقد روي عن مالك ثمانون سنة، وروي عنه تسعون سنة.
وقال أشهب: مائة سنة.
وقال محمد بن عبد الحكم: مائة وعشرون.
والذي جرى به العمل ثمانون سنة، وهو أعدل الأقوال إن شاء الله.
وليس هذا موضع التكلم على المفقود وما يلزم في تأجيله.
وقد قيل في هذه المسألة قياسا على المفقود: إنه يعمر كل واحد منهم ثمانون سنة، ثمانون سنة، روى ذلك ابن كنانة عن مالك.
قال: ولو كانت واحدة لعمرها أكثر، قاله فيمن أوصى أن ينفق على أمهات أولاده.
قال: والصواب في مثل هؤلاء أن يعمرن أكثر ما يظن أن يعشن؛ لأنهن إن متن قبل ذلك، رجع الباقي إلى الورثة، وإن تجاوزن التعمير، هل كن دون نفقة؟ وقيل: تسعون تسعون، وقول ابن القاسم أعدل؛ لكونهم جماعة على ما ذكره.
وقوله: إنهم إذا عمروا سبعين سبعين فتحاصوا مع أهل الوصايا في الثلث إذا لم يحمل جميع ذلك الثلث: إنه يوقف ما صار لهم في المحاصة، فإن ماتوا قبل أن يستنفدوه، رجع الفضل إلى أهل الوصايا، فاستكملوا منه وصاياهم، وكان الفضل للورثة، وإذا استنفدوا ما وقف لهم قبل أن يموتوا، لم يرجعوا على أهل
الوصايا، هو قول ابن القاسم أيضا في آخر الرسم الأول من سماع أصبغ.
قال: والقياس أن يرجعوا على أهل الوصايا إذا استنفدوا ما صار لهم في المحاصة قبل أن يموتوا فيعمروا ثانية، ويرجعوا على كل واحد منهم بقدر ما صار له في نصيبه، وهو اختيار أشهب، كما يرجع أهل الوصايا فيما فضل مما وقف لهم إن ماتوا قبل أن يستنفدوه.
واختار أصبغ استحسانا أن يكون ما صار في المحاصة لكل واحد منهم بتلا، فلا يرجعون على أهل الوصايا إن استنفدوا ما صار لهم في المحاصة قبل أن يموتوا، ولا يكون لأهل الوصايا شيء مما صار لهم في المحاصة إن ماتوا قبل أن يستنفدوه.
قال: ولا أعلم ابن القاسم إلا قد رجع إليه وقاله.
وكذلك إن لم يكن معهم أهل وصايا، فلم يحمل الثلث نفقة تعميرهم فأبى الورثة أن يجيزوا لهم الوصية، وقطعوا لهم بالثلث إن ماتوا قبل أن يستنفدوا الثلث، رجع الفضل إلى الورثة على هذه الرواية، وعلى ما اختاره أصبغ، وحكى أنه لا يعلم ابن القاسم إلا وقد رجع إليه، وقاله ابن القاسم أيضا في رسم العرية من سماع عيسى لا يرجع الفضل إليهم وإن ماتوا بعد ذلك اليوم، ويكون الثلث الذي قطع لهم الورثة مبتولا لم يورث باقيه عنهم، ولا يرجع شيء منه إلى الورثة، وأما إن حمل الثلث نفقة تعميرهم والوصايا، أو نفقة تعميرهم إن لم يكن معهم أهل وصايا، فلا اختلاف في أنهم إن ماتوا قبل أن يستنفدوا نفقة تعميرهم، يرجع الفضل إلى الورثة، وإن عاشوا أكثر مما عمروا رجعوا على الورثة فيما كان بقي لهم من الثلث، وإن ناب الموصى نصف وصاياهم، لم يعطوا من ذلك في كل شهر إلا نفقتهم كاملة، لا نصف نفقة أي نفقة كل شهر، قاله المغيرة وابن كنانة.
وفي قول ابن القاسم في هذه المسألة: إنه يكون لهم فيما يفرض لهم من النفقة الماء، والحطب والدهن والثياب، لا أدري ما الصوف؟ أي الثياب التي تصاف لمثل جمعة وغيرها، دليل على أن من التزم نفقة رجل يلزمه كسوته؛ لأنها من النفقة، وهذه مسألة كان الشيوخ يختلفون فيها.
ويتخرج فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن الكسوة داخلة تحت لفظ النفقة بظاهر اللفظ،
وهو دليل قوله في هذه الرواية، والحجة لذلك قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] لإجماع أهل العلم أن لهن النفقة والكسوة.
فعلى هذا القول، إن قال ملتزم النفقة لم أرد بما التزمت إلا الطعام دون الكسوة، لم يصدق.
والثاني: أن الكسوة غير داخلة تحت لفظ النفقة بدليل ما وقع في كتاب الرواحل والدواب من المدونة من إجازة استئجار الأجير بنفقته.
وقوله: إنه إن اشترط الكسوة، فلا بأس بذلك، إذ لو كانت الكسوة داخلة في النفقة عنده لما احتاج إلى اشتراطها، فعلى هذا لا يلزم من التزم النفقة الكسوة، إلا أن يتطوع بها أو يقر على نفسه أنه أرادها.
والثالث: أن دخول الكسوة تحت لفظ النفقة ليس بظاهر من اللفظ، وإنما هو محتمل له احتمالا ظاهرا، فإن قال الملتزم على هذا القول: لم أرد الكسوة صدق دون يمين، أو بيمين على الاختلاف في لحوق يمين التهمة، وإن قال: لم تكن لي نية، ألزم إياهما جميعا.
وقال عبد الملك لا يفرض للموصى له بالنفقة الخدمة ولا يكون ذلك له إلا بوصية من النوادر، وهو ظاهر ما يأتي في رسم أوصى من سماع عيسى والذي أقول به: إذا كان الموصى له بالنفقة لا يستغني عن الخدمة فيدخلها من الخلاف ما دخل الكسوة، وبالله التوفيق.
مسألة: لا يجوز للوصي أن يدفع إلى اليتيم من من ماله
مسألة وسئل فقيل له: إن عندي يتيما قد أخذ بوجهه، والذي له عندي ستون دينارا، وقد سألني أن أعطيه خمسة عشر دينارا يتجه بها إلى خاله بمصر، يرجو صلته ونفعه، أفترى أن أعطيه؟ فقال: ما أرى ذلك يجوز، وما أرى أن تعطيه إلا بأمر السلطان، وما لك تدعه يخرج إلى مصر؟، فقال: إنه رجل قد أخذ بوجهه، وهو يغلبني ولو
أطاعني لم يخرج، فقال: إذا أعطيته قوي على الخروج، فقال: أرأيت أن يحمل لي رجل بها يضمنها إن طلبت مني؟، فقال: لا أرى أن تدفعها إلا بأمر السلطان.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال أنه لا يجوز للوصي أن يدفع إلى اليتيم من ماله إلا ما لا بد له منه في نفقته وكسوته، فلا ينبغي له أن يساعده فيما يذهب إليه من التجهز إلى خاله بخمسة عشر دينارا يدفعها إليه من ماله؛ إذ ليس ذلك بوجه نظر له؛ لأن ما يرجوه من خاله، ليس على يقين منه، ولعله يتلف ما يصله له إن وصله، فيذهب ما دفع إليه من ماله في غير وجه منفعة، فلذلك لم ير له أن يدفعها إليه إلا بأمر السلطان؛ لأنه إن دفعها إليه بغير أمره ضمن، وإذا أمره السلطان أن يدفعها إليه بأمره برئ هو من ضمانها، والسلطان لا يأمر بذلك، إلا أن يثبت عنده ما يوجبه وبالله التوفيق.
مسألة: كاتبه سيده وأوصى إليه فسأله بعض مواليه عما ربح فيه
مسألة وسئل فقيل له: إن سيدي كاتبني وأوصى إلي، فسألني بعض موالي، وهو ولد سيدي عما ربحت فيه، وأنا عند الناس كما أحب، أفذلك علي؟ قال له: لا أرى ذلك عليك.
أليس ما في يديك مالا معروفا؟ قال: بلى، ولكنه يريد أن يعلمه ويعلم ما ربحت فيه، فقال: ما أرى ذلك عليك، فقال له: إنني غلام مولد ولدت باليمن، قد علم ذلك الذي اشتراني منها، فأنا إذا انتسبت في كتابي قلت: فلان بن فلان مكاتب فلان وذلك نسبتي قال: لا بأس بذلك.
قال الإمام القاضي: قوله: إن سيدي كاتبني وأوصى إلي، يريد أنه أوصى إليه بالنظر على بنيه، فلم ير عليه أن يخبر بما ربح في مال الميت الذي هو ناظر فيه لولده؛ لأن الوصي لا يلزم أن يكشف عما بيده، ولا يخبر به إلا أن
يخاف عليه أن يكون قد أتلفه، وهو محمول على الأمن في ذلك حتى يثبت خلاف ذلك من حاله، فإذا كان ما في يديه من المال معروفا، فلا يلزم له أن يكشف عنه ولا أن يخبر بما ربح فيه؛ لأن في ذلك غضاضة عليه؛ إذ لا يفعل ذلك إلا بمن لا يوثق به، وسيده ائتمنه ووثق به، فهو محمول على ذلك.
وقد قال في رسم حلف في المرأة الموصى إليها بولدها إذا تزوجت: إنها لا يُكشف عما بيدها إلا إذا خيف على المال عندها.
وقد مضى الكلام عليها فلا معنى لإعادته.
وقوله: إنه يكتب إذا انتسب في كتابه أي في كتابة شهادته وفيما يشهد به على نفسه في إذكار الحقوق وشبه ذلك، فلان بن فلان يريد ما دام مكاتبا، فإذا أدى كتابته قال في انتسابه: فلان بن فلان مولى فلان.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى في ثلاث أمهات أولاده أن ينفق عليهن ثلاث سنين
مسألة وسئل عمن أوصى في ثلاث أمهات أولاده أن ينفق عليهن ثلاث سنين، وبخادم تخدمهن حياتهن، ثم هي حرة، على من نفقة الخادم؟ أعلى الموصي أم على أمهات الأولاد؟ فقال: أما الثلاث سنين، فأرى أن ينفق عليهن وعليها سوى نفقتهن من مال الميت، فإذا مضت الثلاث سنون فلينفقن عليها من عندهن، وليس على الميت نفقتهن، وإن كان سمى لهن في الثلاث سنين نفقة معلومة فليس لهن غير ذلك، ونفقة الخادم عليهن.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما يأتي في رسم أوصى من سماع عيسى سواء، وإنما قال في نفقة الخادم في الثلاث سنين التي أوصى فيها بالنفقة على أمهات أولاده: إنها من مال الميت؛ لأنها من جملة النفقة عليهن، فعلى هذا لو لم يوص لهن بخدمة الخادم لكانت الخدمة عليه لهن في الثلاث سنين من جملة النفقة، كالكسوة، قال فيها في أول مسألة من
الرسم: إنها تفرض للموصى لهم بالنفقة في جملة النفقة.
وقد مضى الكلام على ذلك في تكلمنا عليها.
وأما قوله في النفقة عليها بعد الثلاث سنين: إنها عليهن، لا في مال الميت، فهو المشهور في المذهب، فإن نفقة المخدم على الذي أخدم إياه، لا على سيده الذي أخدمه، وقد قيل: إنها على السيد المخدم، وقيل: إنها إن كانت الخدمة يسيرة فالنفقة على السيد، وإن كانت كثيرة أو حياة المخدم، فالنفقة على المخدم، وقيل: إن الاختلاف إنما هو في الخدمة الكثيرة، ولا اختلاف في الخدمة اليسيرة أنها على رب العبد الذي أخدمه، ذهب إلى هذا سحنون.
والأول أصح.
إن في المسألة ثلاثة أقوال.
وأما إذا سمى لهن في السنين الثلاثة نفقة معلومة فلا يزاد على ذلك وتكون نفقة الخادم عليهن في الثلاث سنين وغيرها وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لرجل في وصيته بثلاثمائة دينار وبمسكن سرائه على أهل الوصايا
مسألة وسئل عمن أوصى لرجل في وصيته بثلاثمائة دينار وبمسكن سرائه على أهل الوصايا، ثم أقام الموصي ثمان سنين، ثم أوصى بوصية أخرى، فأوصى فيها أن لفلان كذا، ولفلان كذا بوصايا غير واحدة ولفلان ألف دينار، وهو الذي كان أوصى له في الوصية الأولى بالثلاث مائة دينار وبالمسكن، ثم ذكر وصايا، فقال: لفلان كذا وكذا، ولفلان كذا لغيره، ثم قال: وقد زدت فلانا مع ألف مائة دينار، قال مالك أما المسكن الذي أوصى له به في الوصية الأولى فهو له مبدأ على الوصايا، وأرى أن ينظر في الألف والمائة التي أوصى له بها في الآخر، ولم يجعلها مبدأة
فيعاول بها أهل الوصايا فإن صار له أكثر من الثلاثمائة التي أوصى له بها في الأولى مبدأة كانت له، ولم يكن له الثلاثمائة؛ لأنها دنانير كلها، أيهما كان أكثر كان له، إن كان ما صار له في العول أكثر من الثلاثمائة التي أوصى له أن يبدأ بها، كان ذلك له، ولم تكن له الثلاثمائة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، أن الموصى له بوصيتين من نوع واحد وصفة واحدة، دنانير أو دراهم أو طعام أو حيوان أو عروض، يكون له الأكثر من الوصيتين، كانتا الأولى أو الأخيرة.
وإن كانت الوصيتان من نوعين أو على صفتين، كانت له جميعا.
وقد روي عن ابن القاسم أن الدراهم والدنانير في هذا النوع واحد، يكون له الأكثر منهما خلاف ما ذهب إليه مطرف وابن الماجشون وروياه عن مالك، من أنه إن كانت الوصية الثانية أقل، أو كانتا سواء، كانتا له جميعا؛ لأن أمره يحمل على أنه إنما أراد بالثانية الزيادة على الأولى، وإن كانت الثانية أكثر، كانت له دون الأولى.
قال ابن الماجشون: وذلك إذا كان ذلك في كتاب واحد بينهما وصايا لغيره، وأما إن كان بينهما كلام من غير الوصية، فإنه يكون له الوصيتان جميعا، وإن كانت الثانية أكثر من الأولى، بمنزلة إذا عطف الوصية الثانية على الأولى، فقال: لفلان عشرة، ولفلان ذلك بعينه، عشرون، قال: ولو قال: لفلان عشرة، لفلان عشرون بغير واو، لم يكن له إلا العشرون.
وأما إن كان ذلك في كتابين، فإنما له الأكثر من الوصيتين.
وقال مطرف: سمعت مالكا فرق بين أن تكون الوصيتان في كتاب واحد، أو في كتابين، وذلك عندي سواء والدينار والدرهم عند مطرف وابن الماجشون في الوصية نوع واحد، على التفصيل الذي ذكره من الفرق بين أن تكون الوصية الآخرة هي الأقل أو الأكثر وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى إلى رجل بوصية ليس فيها إلا شاهد واحد
مسألة وسئل عمن أوصى إلى رجل بوصية ليس فيها إلا شاهد واحد، أيحلف الوصي مع الشاهد ويثبت ذلك له؟ فقال: لا يحلف، ولا يثبت ذلك له، إلا أن يرى ذلك السلطان في رضاه، أو من ينظر في ذلك فيوليه إياه، وليس يحلف الذي أوصي إليه مع الشاهد، وليس ذلك مثل الذي يوصي له بالشيء له عليه شاهد واحد؛ لأن هذا يحلف على شيء هو له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أن من أوصى إلى رجل فلا يستحق الموصى إليه الإيصاء باليمين مع الشاهد، إذ ليس بمال يحلف عليه مع شاهده ويأخذه، كما أن الوكالة لا تثبت باليمين مع الشاهد، ولا شهادة الشاهد، لو شهد لرجل شاهد على شهادته شاهد، لم يصح للمشهود له أن يحلف مع الشاهد على شهادة الشاهد، فيستحق بذلك شهادته، ويثبت الإيصاء على تنفيذ الوصية بالمال بشاهد وامرأتين، كما تثبت بذلك الوكالة على المال، وكذلك إذ شهد شاهد وامرأتان على شهادة شاهد بمال، جاز ذلك على مذهب ابن القاسم، فهذه الثلاثة أشياء، تجوز فيها شهادة النساء، ولا يجوز فيها اليمين مع الشاهد، إذ ليس كل موضع تجور فيه شهادة النساء يجوز فيه اليمين مع الشاهد، وأما كل موضع يجوز فيه اليمين مع الشاهد، فإنه يجوز فيه شهادة النساء.
وسحنون يقول.
إن كل موضع يجوز فيه شهادة النساء، يجوز فيه شاهد ويمين؛ لأن من أصله، أن شهادة النساء لا تجوز إلا فيما يجوز فيه شاهد ويمين، خلاف مذهب ابن القاسم، ولو شهد الوصي الصغير أن الميت أوصى له بدنانير لم تقبل شهادته؛ لأنه يتهم على توقيعهما له بيده حتى يبلغ فيحلف، قاله محمد بن المواز.
فإن خفي له الأمر، فليدفعها إليه.
قاله أشهب.
وهو صحيح وبالله التوفيق.
مسألة: دخل عليه قوم فدعا بوصية قد كتبها فقال اشهدوا على ما فيها
مسألة وسئل عمن دخل عليه قوم فدعا بوصية قد كتبها قبل ذلك بأيام من عند أهله، فقال: اشهدوا أن ما فيها حق وأنها وصيتي، أيقولون: اقرأها فإنها قد كانت بيد أهلك؟ فخاف أن يكونوا زادوا فيها.
قال: ليس ذلك عليهم، وعليهم أن يشهدوا، من الناس من ليس له في البيت أحد، ومنهم من يكون له صندوق يحمل فيه كتبه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو بين، إذ هو أعرف بصحة ما يشهد به على نفسه، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لرجل بثلاثين دينارا ولرجل بثلث ثلثه وللآخر بما بقي من الثلث
مسألة وسئل عمن أوصى لرجل بثلاثين دينارا ولرجل بثلث ثلثه، وللآخر بما بقي من الثلث، فكان مال المتوفى دينا على الناس، فاستأجر الموصى إليه على تقاضي ذلك الدين بعشرة دنانير فأراد أن يأخذ من وصايا أهل الوصايا بقدر الذي يصيب الذين أوصى لهم به من إجازة التقاضي.
قال: إن كان في الثلث فضل، فإنما تلك الأجرة من ذلك الفضل، وليس على الموصى لهم شيء، قال سحنون قال ابن نافع: وإن لم يكن في ذلك فضل كان ذلك عليهم في حظوظهم.
وسئل عمن أوصى لرجل بثلاثين دينارا، ولرجل بثلث الثلث، ولرجل بما بقي من الثلث، وترك مالا يكون ثلثه تسعين دينارا، والمال دين على الناس، فاستؤجر على تقاضيه بعشرة دنانير،
أيدخل على أهل الوصايا من العشرة شيء أو لا شيء عليه؟ فقال يخرج العشرة التي استؤجر بها من رأس المال، ثم تكون وصية الميت فيما بقي من ماله بعد العشرة، يعطى الذي أوصى له الميت بالثلاثين الثلاثين، ويعطى الذي أوصى له بثلث ثلث، ثلث المال بعد إخراج العشرة التي استؤجر بها على تقاضيه، ويعطى الذي أوصى له بما بقي له من الثلث ما بقي من الثلث، إنما يدخل نقصان تلك العشرة على الذي أوصى له بثلث الثلث، وعلى الذي أوصى له بما بقي من الثلث: إن ارتفع المال كثر الثلث، وإن انخفض المال قل الثلث.
قال سحنون: وقال ابن نافع: العشرة تدخل عليهم كلهم في حظوظهم، على صاحب الثلاثين "وعلى الموصى له بثلث الثلث، وهما سواء في ذلك بمنزلة واحدة، وإنما هذا الذي ذكر قول مالك قديم، حين كان يقول: أرى أن تبدأ التسمية على الأجزاء، وقول مالك إن كان من أوصى لرجل بثلث ولآخر بثلث الثلث، ولآخر بعشرة فإن هؤلاء كلهم يتعاولون.
قال محمد بن رشد: قوله في المسألة الأولى: إن كان فيه فضل فإنما تلك الأجرة من ذلك الفضل، وليس على الموصى لهم شيء، معناه عندي: إن كان لم يوص ببقية الثلث لأحد، وكان فيه فضل عن الوصايا، مثل أن يوصي الرجل بعشرة دنانير، ولآخر بثلث الثلث، ويترك المتوفى تسعين دينارا دينا فيستأجر على تقاضيها بتسعة دنانير بالثلث ثلاثون، يكون منه للموصى له ثلث الثلث، عشرة دنانير، وللموصى له بالعشرة دنانير، عشرة دنانير، وتكون الأجرة من العشرة الفاضلة من الثلث، ولا خلاف عندي في هذا الوجه بين مالك وابن نافع.
وأما إن لم يكن في الثلث فضل، مثل أن يكون المال خمسة وأربعين؛ لأنه إذا أخذ الموصى له بالعشرة عشرة، والموصى له بثلث الثلث خمسة، نفذ جميع الثلث، فهنا يدخل الخلاف
الذي ذكره بين مالك وابن نافع، فذهب مالك إلى أنه يخرج الأجرة من رأس المال، فإن كانت في التمثيل خمسة عشر، يبقى منه ثلاثون، ثلثه عشرة يكون للموصى بالعشرة على القول بأنه تبدأ التسمية على الجزء، ويتحاصان فيها على القول بأنه لا تبدأ التسمية على الجزء، فتكون العشرة بينهما بنصفين؛ لأن ثلث الثلث عشرة أيضا.
وذهب ابن نافع إلى أن تكون مفضوضة على المال كله، فيكون على كل واحد من الموصى لهم ما ينوبه منها، فيأخذ الموصى له بثلث الثلث، خمسة دنانير، والموصى له بالعشرة عشرة فإن كانت الأجرة في التمثيل تسعة دنانير، على الورثة ثلثها، ثلاثة دنانير، وعلى الموصى لهما على قدر وصاياهما فيكون منها على الموصى له بعشرة دنانير ديناران، وعلى الموصى له بثلث الثلث دينار، فيبقى للموصى له بثلث الثلث أربعة دنانير، وللموصى له بالعشرة دنانير، ثمانية دنانير، وللورثة أربعة وعشرون.
وكذلك يختلف مالك وابن نافع أيضا إذا أوصى لرجل بعدد مسمى، ولآخر بجزء من الثلث، ولآخر بما بقي من الثلث، والمال دين، فاستأجر على تقاضيه، فذهب ابن نافع إلى أن الأجرة تكون مفضوضة على جميع المال، فيكون على كل واحد من الموصى لهم ما يجب عليه منها، وذهب مالك إلى أنها تسقط من رأس المال فتكون الوصايا على حالها في ثلث ما بقي منه.
مثال ذلك، أن يكون الميت أوصى لرجل بعشرين دينارا ولرجل بثلث الثلث، ولآخر بما بقي من الثلث، والمال مائة وخمسون دينارا، فاستؤجر على تقاضيه بخمسة عشر دينارا فذهب مالك إلى أنه يخرج الأجرة من جميع المال، يبقى مائة وخمسة وثلاثون، الثلث من ذلك خمسة وأربعون، يكون للموصى له بعشرين عشرون، وللموصى له بثلث الثلث خمسة عشر، وللموصى له ببقية الثلث ما بقي، وذلك عشرة.
وذهب ابن نافع، إلى أن الأجرة تكون مفضوضة على جميع المال، فيكون على الورثة ثلثاها عشرة، وعلى الموصى لهم ثلثها خمسة مفضوضة عليهم، على قدر وصاياهم وهي عشرون للموصى له بعشرين، سبعة عشر إلا ثلثا للموصى له
بثلث الثلث، وثلاثة عشر وثلث، للموصى له ببقية الثلث؛ لأن جميع المال على ما نزلناه مائة وخمسون، ثلثه خمسون، فلا يأتي قول مالك وابن نافع في هذه المسألة على اختلاف قول مالك في تبدئة التسمية على الجزء؛ لأنه خارج عن ذلك الأصل، وإنما يأتي قول كل واحد منهما على أصله الذي ذكرته عنه بقوله أراه سحنون، وإنما هذا الذي ذكر قول مالك قديم، حين كان يقول: أرى أن تبدأ التسمية على الأجزاء إلى آخر قوله لا يصح بوجه.
ألا ترى أن الخلاف في المسألة بينهما على أصليهما ضاق الثلث عن التسمية والجزء، أو لم يضق عنهما، وهو إذا لا اختلاف في أن كل واحد منهما يأخذ وصيته كاملة، وإذا ضاق عنهما جميعا يدخل اختلاف قول مالك في تبدئة التسمية على الجزء في قول كل واحد منهما.
وقد رأيت لابن دحون أنه قال: معنى قوله: إن كان في الثلث فضل، أي إن بقي للموصى له ببقية الثلث فضل، كان ذلك منه.
قال: فالضرر يدخل عليه وحده في هذا القول، مثل آن يكون الثلث ستين، فيكون لصاحب ثلث الثلث عشرون ولصاحب الثلاثين ثلاثون وتذهب العشرة الباقية في أجرة من يقاضي إن كان لزم الثلث من الأجرة عشرة، وإن كان لزمه منها أقل من عشرة، كان الباقي للموصى له ببقية الثلث، وإن كان لزمه منها أكثر من عشرة، كان الزائد على العشرة على الموصى له بثلاثين وعلى الموصى له بثلث الثلث على قدر وصاياهم بالمحاصة، فينقض كل واحد منهما على قدر ما له.
هذا معنى قوله باختصار كثير من لفظه، فيأتي في المسألة على ما حمل المسألة عليه إذا كان في الثلث فضل للموصى له ببقية الثلث ثلاثة أقوال: أحدها: أن الضرر يدخل عليه وحده.
والثاني: أن الضرر يدخل عليه وعلى الموصى له بالجزء، دون الموصى له بالتسمية، وهو قول مالك.
والثالث: أن الضرر يدخل على جميعهم، وهو قول ابن نافع، والصواب على ما تأولنا عليه المسألة، وهو تأويل ظاهر في المعنى، يدل عليه قوله: وليس على الموصى لهم شيء، إذ لم يقل: وليس على الموصى لهم سواه شيء؛ لأنه منهم، فلو أراد أن
ذلك يكون عليهم دونهم لاستثناه، أنه ليس في ذلك إلا قولان: أحدهما: أن الضرر على الموصى له بالجزء من الثلث، وعلى الموصى له بباقيه، وهو قول مالك، والثاني: أن الضرر يدخل على جميعهم، وهو قول ابن نافع، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال رقيقي وثيابي لفلان ثم مات وقد هلك بعض رقيقه
مسألة وسئل عمن أوصى فقال رقيقي وثيابي لفلان، ثم مات وقد هلك بعض رقيقه، وخلق بعض ثيابه، واستفاد رقيقا غير رقيقه، وثيابا غير ثيابه، فقال: للموصى له رقيقه الذين استفادهم وثيابه وما يشبه أن يوصى بسدس ماله، فله سدس ماله يوم يموت.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في أول الرسم الذي بعده، وفي آخر رسم الوصايا الثاني، وفي رسم باع شاة من سماع يحيى في غيرما موضع، أنه إذا عم في وصيته، فقال ثيابي أو رقيقي أو غنمي أو دوابي وما أشبه ذلك لفلان، أو صدقة على المساكين، أو أحرار في الرقيق وما أشبه ذلك، فاستبدل بهم، أو استفاد غيرهم إليهم، أن وصيته تنفذ فيمن كان من ملكه يوم مات مما سمى، كانوا هم الذين كانوا في ملكه يوم أوصى أو غيرهم، أو هم وغيرهم؛ بخلاف إذا عينهم أو عين واحدا منهم، فإن وصيته لا تتعداهم إن عينهم أو عين واحدا منهم.
والعبد وما أشبهه من العروض والحيوان تتعين بالإشارة إليه باتفاق، فإذا قال الرجل.
إن مت فهذا العبد لفلان، أو هذا الدرع لفلان وما أشبهه، فهلك واستفاد غيره مكانه، أو استبدل به سواه، فلا تنتقل الوصية إليه باتفاق، فإن قال: عبدي لفلان، ولا عبد له سواه، أو درعي لفلان، ولا درع له سواه، أو سيفي لفلان، ولا سيف له سواه، يتخرج ذلك على قولين: أحدهما: أنه تعين بإضافته إليه، ولا تنتقل الوصية إلى غيره إن استبدل به سواه، والثاني: أنه لا يتعين بذلك، وتتنقل الوصية إلى غيره إن استبدل سواه، على اختلافهم فيمن حلف أن لا يستخدم عبد فلان،
فاستخدمه بعد أن أعتق، أو بعد أن خرج عن ملك فلان، وما أشبه ذلك.
ومما يبين دخول الاختلاف في ذلك، أن ابن أبي زيد قد حكى في النوادر من رواية أشهب عن مالك فيمن أوصى لأخيه بسيفه، أو بدرعه، فيهلك ذلك ثم يخلفه، فهو للموصى له، كما لو أوصى له بحائط فتنكسر منه النخلات ويغرس فيه رديا أو نبت فيه رديئي أو يزرع فيه زرعا فذلك له.
قال: وهذا الذي أراد الميت، فأما لو أوصى له بعبد فمات العبد، فأخلف غيره، فبخلاف ذلك، وظاهر هذه الرواية، أنه فرق في ذلك بين العبد وبين السيف والدرع، ولا فرق في القياس بين ذلك، فيتحصل في ذلك على هذا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يتعين بذلك العبد والدرع، والثاني: أنه لا يتعين بذلك واحد منهما.
والثالث: أنه يتعين به العبد، ولا يتعين به الدرع والسيف، وما أشبهه، وكذلك اختلف أيضا هل يتعين العبد في هذا بالتسمية والصفة أم لا؟ فذهب ابن القاسم إلى أنه يتعين بذلك.
قال في رسم باع شاة من سماع عيسى بعد هذا: أما من قال: رقيقي أحرار، فباعهم واشترى غيرهم، فإنهم يعتقون، ومن قال: عبدي النوبي حر أو الصقلبي فباع ذلك كله، واشترى عبدا نوبيا أو عبدا صقلبيا، لم يعتق واحد منهم.
ومما بيّن ذلك لك في الذي قال: رقيقي أحرار أنهم يعتقون إذا باعهم واشترى غيرهم أنه لو لم يبعهم واشترى غيرهم معهم عتقوا كلهم، وإن الذي قال: عبدي النوبي أو عبدي الصقلبي أو عبدي ثم اشترى عبدا غير عبده، أو عبدا نوبيا أو صقلبيا لم يعتق أولئك الذين أراد، وكذلك إذا باعهم، فإنما العتق فيهم.
وقال أشهب: يلزمه العتق في جميع هذا، وكذلك لو قال: عبدي ميمون حر، ثم باعه واشترى عبدا اسمه فرج لم يجب عليه عتقه، فإن سماه ميمونا كاسمه الأول، وجب عليه عتقه.
ولو قال عبدي الأسود حر فباعه واشترى أبيض، لم يعتق عليه، فإن اشترى أسود مثل الأول، أعتق.
هذا مذهب أشهب.
ولو قال: أعبدي المسلمون أحرار بعد موتي، فأسلموا لم يعتقوا لأنه لم يردهم، ولو اشترى مسلمين، عتق من كان عنده.
وبالله التوفيق.
: امرأة أوصت بثيابها لإنسان فذهب بعض ثيابها
وله من كتاب الوصايا قال أشهب: وسمعته يسأل عن امرأة أوصت بثيابها لإنسان، فذهب بعض ثيابها، واستخلفت ثيابا غيرها، ثم ماتت، فقال: أما ما استخلفت فهو للذي أوصت له، فثيابها كلها له، وكذلك لو قالت: متاع بيتي لفلان، فتنكسر الصحفة، ويذهب الشيء، ويخلف مكانه، فأرى ذلك كله له، أو تقول: ثيابي لفلان، فما أخلقت فهو له، وذلك الذي أرادت الميتة.
وعسى أن يكون إنما كرهت أن تفتش ثيابها أو يتناولها عدوها.
وكذلك الذي يقول: سلاحي لابني، فيذهب سيفه ودرعه، ويشتري بسيفه آخر، ودرعا آخر، فذلك له.
ومثل ذلك الذي يقول: حائطي لفلان، فتكسر النخلات، وتموت، ويغرس فيه رديا وينبت فيه قصب، ويزرع فيه زرعا فذلك له.
وهو الذي أراد الميت، فقيل له: أرأيت الذي يقول: غلامي لفلان، فيموت الغلام، ويستخلف غيره؟ فقال: العبيد ليسوا مثل هذا.
قال محمد بن رشد: قوله: وكذلك الذي يقول: سلاحي لابني فيذهب سيفه ودرعه، ويشتري سيفا آخر ودرعا آخر فذلك له، معناه: فذلك له بالوصية إن أجازه الورثة؛ لأن الوصية لوارث لا تجوز، إلا أن يجوزها الورثة.
وقد مضى الكلام على هذه المسألة فوق هذا في آخر الرسم الذي قبل هذا فلا معنى لإعادته.
وبالله التوفيق.
مسألة: امرأة كانت أوصت أن تباع وصيفة لها صبية ممن أحبت وللصبية أم
مسألة وسئل عن امرأة كانت أوصت أن تباع وصيفة لها صبية ممن أحبت، وللصبية أم، فقال: لا يفرق بينها وبين أمها، فقيل له: إن أمها قد أحبت ذلك، قال: إن كانت أحبت ذلك أمها، فإن ذلك جائز إذا كان على وجه النظر للصبية، يضعها عند من وقعت رحمته عليها ومن نظر أنه يرفق بها ويرحمها، فهذا يجوز إذا كان على هداه.
قال محمد بن رشد: اختلف في المنع من التفرقة، هل هي من حق الأم أو من حق الولد؟ فذهب ابن القاسم إلى أن ذلك من حق الولد، فلا يفرق بينهما وإن رضيت الأم بالتفرقة، وهو معنى ما في المدونة وقول ابن نافع في المجموعة، قال: لا يفرق بينهما وإن رضيت الأم، ويباع معها، ولا يوضع من ثمنها، كما يوضع من ثمن الأمة على ظواهر الأثر في النهي عن التفرقة مجملا.
وقال ابن عبد الحكم في كتابه: إن التفرقة بينهما جائزة إذا رضيت الأم، وهو قول مالك في هذه الرواية وقد قيل: إن ذلك دليل ما في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة فانظر في ذلك، واختلف أيضا في حد التفرقة، فذهب ابن القاسم في روايته عن مالك، أن حدها الإثغار.
روى ابن غانم عن مالك، أن حدها الاحتلام في الرجال، والمحيض في النساء.
وقال ابن عبد الحكم وغيره: لا يفرق بينهما أبدا وإن ضرب على اللحية على ظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا توله والدة على ولدها، ولا يفرق بين الوالدة وولدها» . وبالله التوفيق.
مسألة: أوصت فقالت ما في بيتي لمولاتي فلانة فقالت المولاة ثياب ظهرها لي
مسألة قال وسمعته يسأل عن امرأة أوصت فقالت: ما في بيتي لمولاتي فلانة، فقالت المولاة ثياب ظهرها لي، فقال: إذا كانت المرأة لا ولد لها وكانت مولاتها نفيسة عندها، ولم تكن ثيابها الثياب الرائعة التي يظن بها أنها تصونها عن مثلها، ولم تقل: متاع بيتي، إنما قالت: ما في بيتي رأيت ذلك لها، وعسى أن تكون أرادت أن تكف ثيابها.
فقيل له: أرأيت إن كان لها ثياب مرهونة؟ فقال: إنما قالت: ما في بيتي فأما أن يكون لها ثياب عند أخت لها أو مرهونة، فلا.
فقيل له: أرأيت ما ماتت وهو عليها من ثيابها، وماتت في البيت، أتراها مع ثيابها التي في البيت؟ فقال: أرى لها، وإني لأحسب الثياب التي عنها ورثتها دنية، وأن الثياب التي في البيت أجود منها، وما أراها كانت تعطيها ثيابا وتمنعها هذه.
وقد ذكر في غير هذه المسألة ما يشبه هذا القول، ولم تذكر نفيسة ولا غيرها، ولم تذكر دناءة الثياب ولا رفعتها، ولكن هذا مرسل إلا أنه سأل فقال: من ورثتها؟ فقيل: لم يرثها ولد.
قال محمد بن رشد: هذا كله بيِّن على ما قاله؛ لأن ما لم ينص الموصي عليه نصا جليا وإنما يرجع فيه إلى الظاهر، فيستدل فيه على إرادة الموصي بالأشياء التي سأل عنها وشبهها مما يغلب على الظن بها إرادة الموصي؛ لأن الأصل في الأحكام الظاهرة غلبة الظنون، إذ لا يقطع على مغيبها.
ولذلك قال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» . وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لرجل بمائة درهم فقال أعطوه إياه وخذوا منه خمسة دنانير لي عليه
مسألة قال وسمعته يسأل عمن أوصى لرجل بمائة درهم، فقال: أعطوه إياه وخذوا منه خمسة دنانير لي عليه، فقال الموصى له: ما له علي شيء، فأطرق فيها ثم قال: ما أراه إعطاه المائة الدرهم إلا على هذا، فلينظر، فإن كان في المائة الدرهم فضل عن الخمسة الدنانير أعطاها الموصى له في رأي، وإن كانت الخمسة أكثر من المائة الدرهم، أحلف فيما فضل في رأي، وإن لم يحلف غرمها، فقيل له: يحلف وإن لم تكن بينهما مخالطة، قال: وإن لم تكن بينهما مخالطة ليس المخالطة ها هنا شيئا.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المدعى عليه يحلف من غير مخالطة، صحيح؛ لأن الورثة لا يعلمون من يشهد لهم بالخلطة، وهذه المسألة هي إحدى الخمسة المسائل التي يجب اليمين فيها دون خلطة.
وقد مضى القول فيها في سماع أصبغ من كتاب الأقضية، وسواء ادعى الورثة معرفة الدين قبله، أو قالوا لا ندري إلا ما ادعاه موروثنا.
وأما قوله: فإن لم يحلف غرمها، فمعناه، بعد أيمان الورثة إن ادعوا معرفة الدين قبله باتفاق، وإن لم يدعوا معرفتهم إياه قبله، فعلى اختلاف، والمسألة متكررة في هذا السماع من كتاب المديان والتفليس.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصت في مرضها إن حدث به حدث قبل أن أغير وصيتي فلولد فلان عشرة دنانير
مسألة قال وسمعته يسأل عن امرأة أوصت في مرض لها إن حدث به حدث قبل أن أغير وصيتي، فلولد فلان عشرة دنانير، لكل إنسان منهم، فولد لذلك الرجل قبل موتها ولد، ومات ابنان من الذين كانوا له يوم أوصت، فقال: أما اللذان ماتا فليس لهما شيء، وأما من ولد له قبل أن تموت فلهم عشره عشرة، ممن ولد قبل موتها ومن كان مولودا يوم أوصت لهم.
قال محمد بن رشد: حكم لولد فلان الموصى لهم في هذه المسألة بحكم معينين، فقال: إن الوصية تجب لكل من كان منهم حيا يوم ماتت الموصية، وإن كان ولد بعد الوصية إذا كان مولودا قبل موت "الموصية؛ لأن الوصية إنما تجب لهم بموتها، وذلك بين في هذه المسألة، لمساواتها بينهم فيما أوصت به لكل واحد منهم، فليست بمعارضة لمسألة رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، ولا يدخل فيها الاختلاف منها، ولا من مسألة الوصايا من المدونة في الذي يوصي لأخواله وأولاده.
قال أشهب في النوادر: وسواء عرفت عددهم أو لم تعرفهم قال: ولو سمتهم لم يكن لمن ولد قبل موتها شيء.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى بجميع ماله
مسألة وسمعته يقول لما توفي إسماعيل بن عبيد الله المقري تصدق بكل شيء هلك عنه، فرفع ذلك إلى هشام بن عبد الملك، فأجاز ثلثه ورد ثلثيه.
قال محمد بن رشد: إنه لم يكن له وارث، ولذلك أوصى بجميع ماله.
ولقد أجاز ذلك له جماعة من العلماء إذا لم يكن له وارث، وهو مذهب أهل العراق، ولا يجوز ذلك على مذهب مالك وأصحابه.
فما قضى به هشام
من إجازة الثلث ورد الثلثين صحيح على مذهب مالك.
وقد راعى مالك هذا الاختلاف فيمن أقر بوارث، فقال: إنه بإقراره أنه وارثه، وإن لم يثبت له نسب بإقراره له.
وسحنون يرى بيت المال كالسبب القائم، فلا يجوز له إقراره بوارث، وإن لم يكن له وارث معروف.
وهو القياس على مذهب مالك في أن وصيته لا تجوز بأكثر من ثلث ماله.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى إلى رجل بوصايا فأراد الورثة أن يكشفوه عنه
مسألة وسمعته يسأل عمن أوصى إلى رجل بوصايا من عتق وصدقة وعين وغير ذلك، فأراد الورثة أن يكشفوه عنه، وأن يطلعهم عليه، فقال: أما الصدقة فليس لهم أن يكشفوه عنها إذا كان غير وارث، إلا أن يكون سفيها معلنا مارقا، فيكشف عن ذلك، ولهم أن يكشفوه، وإن كان غير وارث ولا سفيه كشف عن العتق؛ لأن ذلك يعقد لهم الولاء، فأما إذا كان الموصى إليه سفيها معلنا، فأرى أن يكشف عن ذلك كله، فإن من له الأوصياء من يتقبض على الوصية فلا ينفذ منها شيئا، قال: ولا أرى إن كان الموصى إليه محتاجا أن يأخذ من ذلك شيئا.
قال محمد بن رشد: هذا من بين قوله: إن الموصى يكشف عما جعل إليه من تنفيذ الوصية بالصدقة وغير ذلك مما لا يبقى فيه منفعة للورثة إذا كان سفيها معلنا مارقا يبين ما تقدم من قوله في أول سماع ابن القاسم في أنه ليس للوارث أن يقوم معه في تنفيذ الوصية، إلا أن يكون فيما بقي له منفعة كالعتق وشبهه.
وقوله: إنه يكشف عن ذلك إذا كان سفيها معلنا مارقا، معناه: أنه يكلف إقامة البينة على تنفيذ الوصية، فإن لم يأت بينة على ذلك
وتبين تقبضه عليها واستهضامه لها، ضمن إياها، وإن لم يكن بهذه الصفة من الاشتهار بالسفه والمروق، واتهم، استحلف، فإن نكل عن اليمين ضمن، وإن كان من أهل العدل والثقة لم تلحقه يمين، وهو محمول على الثقة والعدالة حتى يعرف خلاف ذلك من حاله, وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يوصي للرجل من ثمر أرض له بعينها
مسألة وسألته عن الرجل يوصي للرجل من ثمر أرض له بعينها بثلاثة آصع له في كل سنة ثلاث سنين، فلم تخرج في سنة من ذلك شيئا، أو لم يخرج إلا أقل من ثلاثة آصع، أترى أن بعض ما خسر تلك السنة من غلة السنة الثانية؟ فقال لي: إن أوصى أن يعطي رجل من غلة أرض له بعينها ثلاثة آصع في كل سنة، فأعطي في سنة ثلاثة آصع، فلما كانت السنة الثانية لم تخرج الأرض إلا صاعين، أو لم تخرج شيئا فأرى في السنة التي تأتي بعد أن يقضي ما نقص من الثلاثة آصع في السنة الماضية، إن كان في ثمر السنة التي بعد أكثر من الثلاثة آصع التي أوصى له بها، يعطى الثلاثة آصع من تلك السنة، ويعطى مما فضل من ثمرها ما خسر عليه من الثلاثة آصع التي أوصى له بها في السنة التي قبل هذه، وكذلك إذا مضت سنة أو سنتان، لا تخرج الأرض شيئا فإنه يوفى من تلك السنة الثانية تسعة آصع، للستين اللتين لم يخرجا شيئا ستة آصع، ولتلك السنة ثلاثة آصع، إن كان في ثمر تلك السنة ما يوفيه، فإن مضت السنون كلها التي سمى له أنه يعطى من غلتها، ولم يأخذ شيئا ولم يخرج الثمر شيئا، أو أخذ وفضل لم أر له شيئا.
قلت له: أرأيت إن أخرجت الأرض أكثر مما أوصى له به الميت في تلك السنة، فيقول الذي أوصي له، أوفوني ما أوصى لي به في هذا العام، واحبسوا
لي بقية ثمره هذا العام؛ لأني أخاف ألا تخرج الأرض فيما أستقبل شيئا.
قال: أرى إذا أوصى في كل سنة بثلاثة آصع، أخرجت سنة واحدة عشرين صاعا أو مائة صاع، فقال: احبسوا لي المائة كلها حتى أستوفي وصيتي مخافة أن لا تثمر فيما بقي، فأرى ذلك يختلف في أن يكون أوصى له بثلاثة آصع، فأخرجت مائة، فيريد حبسها فتهلك، فلا أرى ذلك، ولكن يحبس له بقدر في قلة ما أوصى له به وكثرة ما أخرج الحائط، وفي كثرة ما أوصى له به وقلة ما أخرج الحائط، وذلك يختلف أيضا في الحوائط فيما يخاف منهما ولا يؤمن، وفيما لا يخاف منهما قد عرف وجه ثمرها، ولا ينقص ولا يخلف، فإن كان في الحائط المأمون الذي لا يكاد يخلف، فلا أرى أن يحبس له من ذلك شيء، وإنما ينظر في ذلك إلى قدر ما يوصى له به، وعلى قدر الخوف على الثمر والرجا له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا أوصى له بعدد مسمى من ثمر حائط في كل عام سنين مسماة أو حياته، إنه يجبر له ما نقص من عام من العام الذي يليه ما لم تنقص السنون التي سماها، بخلاف إذا أوصى له بالعدد المسمى من ثمرة كل سنة سنين مسماة أيضا أو حياته، فلا يجبر له مما نقص من العام الذي بعده.
ومثله في المدونة وفيما يأتي في هذا الرسم، وفي رسم الوصايا الذي فيه الحج والزكاة.
وقوله.
إذا أخرجت الأرض في سنة أكثر مما أوصى له به فيها، فسأل أن توقف له البقية مخافة النقصان، إن ذلك على الاجتهاد في كثرة ما أخرج الحائط وقلة ما أوصى له به، وفي قلة ما أخرج الحائط وكثرة ما أوصى له به، وفي أمن الحائط والخوف عليه، صحيح بين، ولا إشكال فيه، واختلف إن أراد الورثة أن يأخذوا الفضل ولا يوقفوه، ويضمنوا له النقصان، فقيل: ذلك لهم، وهو الذي يأتي على ظاهر ما في سماع سحنون لابن القاسم، وقيل.
ليس ذلك لهم إلا برضاه، وهو قول
مالك في رسم الوصية الذي فيه الحج والزكاة من سماع أشهب هذا.
ويحتمل أن لا يحمل ذلك على أنه اختلاف من القول، فيكون معنى قول ابن القاسم في سماع سحنون: إذا كانوا أملياء يؤمن العدم عليهم في غالب الحال.
ومعنى قول مالك في سماع أشهب: إذا لم يكونوا أملياء، أو كانوا أملياء يخاف عليهم العدم.
والصواب أن يفسر ما في سماع سحنون لقول مالك في هذه الرواية التي ذكرناها لأنه قال فيها: لا تريد ضمانكم ولا اتباعكم، فيقال: معنى ما في سماع سحنون إذا رضي الموصى لهم بضمانهم، ولم يتكلم في هذه الرواية التي ذكرناها على توقيف الحائط مدة الثلاثة أعوام، التي أوصى في كل عام منها بالآصع من ثمرها، وذلك من حق الموصى له إذا حمل الحائط الثلث، أو أجاز ذلك الورثة.
وهنا تكلم في سماع سحنون فقال: إن ضمن الورثة ذلك، وإلا أوفقوا العبد والحائط، ومعنى ذلك، إذا حمله الثلث، ورضي الموصى لهم بضمان الورثة.
وقد وقع في سماع سحنون أنه يجبر ما نقص في العام من العام الذي بعده، إذا أوصى له بالعدد المسمى من غلة كل سنة، وهو لفظ وقع على غير تحصيل، فلا يقال فيه: إنه اختلاف، من القول: وبالله التوفيق.
مسألة: يوصي بثلث ماله للفقراء والمساكين
مسألة قال وسمعته يسأل ابن غانم عن الرجل يوصي بثلث ماله للفقراء والمساكين، وله مال ودار ومنزل، فيقول أهل الميراث: نريد أن نقوم ذلك قيمة، فنحسب عليها ثمن الدار والمنزل، فإن لنا أعداء، وقد علموا ألا نترك دارنا ومنزلنا، فهم سيزيدون عليها ضررا بنا، فقال: اكتب إليه إنما أوصى لهم بثلث ماله، فانقطع لهم بثلث ماله ذلك كله ثلث الدار، وثلث المكان، وثلث كل شيء، ولا يباع ذلك عليهم ولا يقام، وزاد في الكتاب الذي فيه الوصايا والحج والزكاة، قال مالك: لأنهم نزلوا بمنزلة الشركاء في تلك الدار
والمنزل، وليس يكون بين الشركاء في الدور والأرضين أمد يجبرون عليه للاقتسام.
قال محمد بن رشد: أنزل مالك في هذه الرواية الموصى لهم بثلث من الفقراء والمساكين بمنزلة الأشراك في جميع مال الميت، فرأى من حقهم أن يقسموا ما ينقسم فيبيعوا نصيبهم منه مقسوما إن دعوا إلى ذلك، وزعموا أن ذلك أوفر لحظهم، وأن يباع ما لا يقسم، ولا يقوم شيء من ذلك إلا برضاهم.
قال ابن القاسم في رسم الجواب من سماع عيسى بعد هذا في الذي يوصي بعتق ووصايا وله مدبرون، فيدعون إلى البيع، ويريد الورثة التقويم، إن حق المدبرين وأهل الوصايا ما دعوا إليه من البيع، يريد: إلا أن يحب الورثة أخذه بما يعطى فيه من الثمن، فيكون ذلك لهم، أو لمن شاء منهم، ولا يكون بمنزلة الأشراك في قسمة ما لا ينقسم من ذلك إن دعوا إلى قسمه، فقالوا: إن بيع حظنا مقسوما أوفر لنا، وروى ذلك أيضا أصبغ عنه في الرسم بعينه وقال هو من رأيه: إن التقويم من حق الورثة إذا دعوا إليه وكرهوا البيع، كان ذلك مما ينقسم أو مما لا ينقسم، وهو قول ثالث في المسألة.
وروى علي بن زناد عن مالك أنه ينظر إلى الأرفق بالمساكين، من المقاسمة أو البيع في المزايدة فيفعل ذلك، وهو قول رابع في المسألة.
وقال محمد بن المواز: أما إن كانت وصيته فيما لا ينقسم مع غيره كالمدبر والوصية بالعتق أو بعبد أو بشيء بعينه، فالقيمة أعدل بينهم وبين الورثة، وإن كان ما قال ابن القاسم أقيس.
قال: وأما إن أوصى بثلثه، فالقسم أولى من القيمة ومن البيع، ويقسم ما ينقسم، وأما لا ينقسم فالبيع أولى إلا أن يتراضوا على التقويم.
وتفرقة ابن المواز هذه حسنة، وهو قول خامس في المسألة.
والاختلاف في أنه إذا أوصى بثلثه لرجل بعينه، أنه بمنزلة وارث من
الورثة، شريك منهم بالثلث في جميع مال الميت، يكون من حقه أن يقسم ما ينقسم، وأما ما لا ينقسم فمن شاء منهم أن يأخذه بما يعطى فيه، فإن تشاحوا ذلك تقاوموه فيما بينهم.
هذا تحصيل القول في هذه المسألة وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى بيتاماه إلى رجل وبأخواته إلى رجل
مسألة قال وسمعت مالكا يسأل عن رجل توفى وترك يتامى كان يليهم وترك ولدا له وأخوات، فأوصى بيتاماه إلى رجل وبأخواته إلى رجل، وسمى للولد إنسانا، وله بنت كبيرة، بنت أربعين سنة أو خمسين سنة، لم يسمها باسمها مع ولده حين سماهم ولم يذكر أموال ولده حين سماهم، حتى إذا كان في آخر الوصية قال: وأموال ولدي كلهم إلى فلان، يعني الرجل الذي أوصى إليه بولده الذين سماهم، فقالت البنت: أنا الآن في ولايته أم لا؟ فقال: إن كانت أهلا لأن تلي نفسها فذلك إليها، تعطى مالها ويكون بيدها، وإن كانت على غير ذلك، كان مالها بيد الموصى إليه ... ورب بنت خمسين سنة، لا تلي نفسها.
وأما وصيته بيتاماه إلى رجل، فذلك إذا أراد الخير.
قال محمد بن رشد: قوله: وترك يتامى كان يليهم، معناه: بإيصاء أبيهم بهم إليه، وكذلك قوله في أخواته، معناه: أنهن إلى نظره بإيصاء أبيهن بهن إليه، ولذلك أعمل إيصاؤه على يتاماه وأخواته؛ لأن للموصي أن يوصي بما أوصى به إليه في حياته وبعد وفاته، لا خلاف أحفظه في ذلك، ولم يبين في قوله: وله بنت كبيرة بنت أربعين سنة أو خمسين إن كانت بكرا معنسا لم تتزوج، أو قد تزوجت ودخل بها زوجها.
وجوابه محتمل
للوجهين جميعا؛ لأنه أعمل قول الأب: وأموال ولدي كلهم إلى فلان، فرآها بذلك ممن قصد الأب إلى الإيصاء عليها مع سائر إخوتها فقال: إنها إن كانت أهلا أن تلي نفسها، فلا ينفذ عليها إيصاء الأب، وإن لم تكن إهلا أن تلي نفسها، نفذ عليها ذلك.
هذا معنى قوله.
ولم يتكلم على ما يحمل عليه إن جعل مما لها فإن كان تكلم على أنها بكر معنس، فإرادته أنه إن جهل حالها لم ينفذ عليها إيصاء الأب بالتعنيس؛ لأنها محمولة على الرشد، ما لم يعلم سفهها على مذهب من رأى أنها تخرج بالتعنيس من ولاية أبيها، ولا يصح أن يكون جوابه على القول بأنها لا تخرج بالتعنيس من ولاية أبيها؛ لأنها على هذا القول في ولاية أبيها وإن علم رشدها، فكيف يصح أن القول إن كانت أهلا أن تلي نفسها لم ينفذ عليها إيصاء أبيها، وإن كان تكلم على أنها قد تزوجت ومضى لها مع زوجها مدة يحكم لها فيها بالرشد، وتكون محمولة عليه ما لم يعلم سفهها على الاختلاف في حد ذلك، فإرادته إن جهل حالها لم ينفذ عليها إيصاء الأب، ولا يصلح أن يكون تكلم على أنه لم يمض لها مع زوجها مدة يحكم لها فيها بالرشد؛ لأنها في هذا الحد في ولاية أبيها وإن علم رشدها فكيف يصح أن يقول: إنها إن كانت أهلا أن تلي نفسها لم ينفذ عليها إيصاء أبيها؟.
هذا بيان هذه المسألة وهي من المسائل المشكلة وبالله التوفيق.
مسألة: زوج ابنته ابن أخيه فولدت منه أولادا فلما حضرته الوفاة أوصى لولد بنته بوصية
مسألة وسئل عمن زوج ابنته ابن أخيه، فولدت منه أولادا، فلما حضرته الوفاة أوصى لولد بنته بوصية، وأوصى لهم بما أوصى به إلى امرأته، فأراد أبوهم أن يأخذ ذلك لهم وهو عدل، فقال: لا أرى ذلك له وأرى ذلك إلى من أوصى إليه به الميت؛ لأنه لما أراد أن يكون ذلك على يدها لتجمع ذلك لهم، وتنظر فيه لهم، فأرى ذلك إلى من أوصى به إليهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه ليس للأب أن يأخذ ما أوصى لهم به جدهم للأم؛ لأنه إنما أوصى لهم به على أن يكون لهم بيد امرأته، وهي أحق بماله وبالشرط فيه.
وأما إيصاؤه بهم إلى امرأة، فلا يجوز ذلك عليهم ولا على أبيهم؛ لأنهم في ولاية أبيهم، ولا حق للجد في الإيصاء بهم إلى غيره.
والله الموفق.
مسألة: أوصى بحوائط له على مواليه وأولادهم وأولاد أولادهم يأكلون ثمرتها
مسألة وسئل عن رجل أوصى بحوائط له على مواليه وأولادهم وأولاد أولادهم يأكلون ثمرتها، لكل إنسان منهم أربعون صاعا، وأوصى بذلك إلى رجل، فأراد الوصي أن يبتاع لهم من ثمر الحائط رقيقا للحائط يعملون فيه ويقومون، ليكون ذلك أعدل فيما بينهم وبين الورثة، فأبى ذلك الموالي وكرهوه، قال: ليس ذلك لهم، لكن أرى أن لا يشتري ذلك لهم في عام واحد، فيقطع بهم، وأرى أن يبدأ بذلك، فيشتري بعضهم في ثمرة، وبعضهم في ثمرة أخرى ولا يشتري لهم ذلك كله من ثمرة واحدة، فهذا الذي أرى.
محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله؛ لأن ذلك إذا كان من النظر لهم، فمن الرفق بهم ألا يشتري ذلك من فضلة عام واحد، فيضيق بذلك عليهم.
وبالله التوفيق:
مسألة: أوصى وهو بالمدينة بمال له في سبيل الله فهل يعطى منه الحجاج
مسألة وسئل عن رجل أوصى وهو بالمدينة بمال له في سبيل الله فقدم قوم من أهل المصيصة المدينة حجاجا منصرفهم من حجهم منقطعا بهم لا يقدرون على شيء يتحملون به، أيعطون من ذلك شيئا في سبيل الله؟ فقال: لا أرى أن يعطوا منه شيئا هم اليوم أبناء
سبيل، ولم يوص الميت لابن السبيل بشيء، وإنما أوصى به في سبيل الله فليسوا اليوم من أهل سبيل الله، وإنما هم أبناء سبيل فلا أرى لهم فيه شيئا ولا أرى أن يعطوا منه شيئا، ولكن أرى أن يعطى من أهل المدينة من يخرج غازيا، أو يبعث به إليهم، فيعطوا في سبيل الله، فقيل له: إن منازل هؤلاء القوم هناك، وهم من أهل الغزو، إلا أنهم قد انقطع بهم ها هنا، فليس في أيديهم ما يتحملون به، فقال: لا أرى أن يعطوا منه شيئا؛ لأنهم أبناء سبيل، وليسوا بغزاة، وإنما يحتملون به إلى أهلهم، ثم إن بدا لهم غزوا، وإن شاءوا لم يغزوا فلا أرى أن يعطوا منه شيئا؛ لأنهم أبناء سبيل، وليس لابن سبيل فيه حق، وإنما أوصى به في سبيل الله، فهؤلاء أبناء سبيل، فلا أرى فيه شيئا.
محمد بن رشد: هذا كله كما قال: إن أهل المصيصة وإن كانوا من أهل الغزو، فليسوا بغزاة في رجوعهم من حجهم، فلا يصح أن يعطوا من المال الذي يوصى به في سبيل الله، وإن انقطع بهم في ذلك؛ لأنهم أبناء سبيل، ولو كان انقطع بهم في رجوعهم من غزوهم لا من حجهم، لجاز أن يعطوا منه على ما حكى ابن حبيب في الواضحة من أن من أعطي شيئا في سبيل الله، فله أن ينفق منه في غزوه في مسيره وقفله، خلاف ما في رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب من كتاب الجهاد، إنه لا يعطى من المال المسبل في سبيل الله لمن انقضى رباطه، وانقطع به في قفوله إلى أهله، وأجاز في هذه الرواية أن يعطى المال المجعول في سبيل الله لمن يخرج به غازيا أن يبعث به إلى من يقسمه في الثغور خير في ذلك بين الأمرين، واستحب في سماع ابن القاسم من كتاب الجهاد أن يعطى بالبلد إن وجد من يغزو منه، ولا يبعث به إلى الثغور مخافة أن يبعث به إلى هناك فيضيع، على ما قاله في رسم طلب منه.
قال ابن المواز: إنما يعطيه لمن قد عزم، لا لمن
لا يخرج إلا بما يعطى.
وقوله يحمل على التفسير لقول مالك؛ لأن من لم يعزم على الخروج إذا أعطي على أن يخرج، لعله يأخذ المال ولا يخرج.
ومن معنى هذه المسألة ما في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والولاكات.
وقد مضى الكلام عليها وبالله التوفيق.
مسألة: يوصي لابن السبيل فيجد اليهودي والنصراني منقطعا بهما
مسألة وسئل عن الذي يوصي بالوصية لابن السبيل، فيجد اليهودي والنصراني منقطعا بهما، أيكون لهما في ذلك شيء؟ قال لا ليس لهما من ذلك شيء، إنما يراد بهذه الأشياء أهل الإسلام، وليس يراد بذلك النصارى ولا اليهود ولا عبدة الأوثان، ليس يراد بهذه الأمور إلا أهل الإسلام، أتراه أراد بهذا المجوس أو عبدة الأوثان؟ وإنما يكون مثل هذا للفقراء والمساكين وابن السبيل من أهل الإسلام، ليس من أهل الشرك والكفر.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الوصية لأهل الكفر مكروهة، حسبما ما مضى بيانه مستوفى في رسم ندرسه من سماع ابن القاسم، فلا يصح أن تحمل وصيته إلا على ما يستحب لا على ما يكره.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى إلى أخيه وإلى غلام له فأرادت امرأته بيع الغلام
مسألة وسئل عن رجل أوصى إلى أخيه وإلى غلام له، فأرادت امرأته بيع الغلام، وقالت: ثمنه ثلاثة آلاف دينار، أفترى الوصية إليه جائزة؟ فقال: نعم، الوصية إليه جائزة، وذلك على ما قال الميت، وليس الأمر على ما قالت المرأة، وأرى أن تخرج به إلى
السوق، فيقام قيمته، ثم يستخلص لمن يلي حق الورثة من ميراثهم، فيعطوا المرأة ثمنها منه بمنزلة ما لو أوصى بعتقه، إنما هو كمن اشترى لهم، فأرى هذا أولى ولا ينظر إلى ما تقول المرأة، ويعطى من أموال الذين يليهم ما يقام عليهم في السوق قيمة عدل، وتمضي وصيته، ويجوز ما أوصى به سيده.
قلت له: إنه قد وقعت فيه بعد ذلك مواريث غير واحدة، فقال: إن الوصية له ماضية على ما أوصى به الميت، وليس بأول عبد أوصى إليه سيده، فجاز ذلك، قد ارتضاه سيده وأوصى إليه، وقد أوصى غير واحد إلى عبده وغيره لم يجد في ذلك خيرا منهم، فأرى ذلك جائزا ويقام قيمته على من يلي، فتعطى المرأة من ذلك ثمنها، بمنزلة ما لو أعتقه، وكأنه اشتراه لهم.
قال أشهب: وسألت الليث عن ذلك فقال لي: وصية جائزة، ويقام قيمته على من يلي من الورثة، فيستخلص لهم، وتعطى المرأة من قيمته ومن كان بمنزلتها ممن لا ولاية للعبد عليه ووصيته جائزة.
قال محمد بن رشد: قول الليث بن سعد مثل قول مالك، وما قالاه جميعا صحيح على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، ومعنى ما فيها من إرادته أن وصية الرجل بولده إلى عبده جائزة، فإن كان فيهم أكابر، نظر للأصاغر في الأيام التي لهم، إلا أن يدعو الأكابر إلى البيع، فإن دعوا إليه قوم حظهم على الأصاغر، إلا أن يكون عليهم في ذلك ضرر ولا يكون لهم مال، فيبيع الكبار حظهم، ويبقى نصيب الصغار لهم، ينظر لهم في الأيام التي لهم، إلا أن يكون على الكبار في ذلك ضرر، فيلزم الأصاغر البيع مع إخوتهم الأكابر، وتنفسخ الوصية لأن الموصي إنما أراد أن يكون ناظرا لهم ما كان عندهم، واستحسن أصبغ إن كان المشتري في موضع اليتامى مقيما به أن يبقى على إبقائه، ومعنى ذلك عندي: إذا رضي بذلك
المشتري، وقال سحنون في المجموعة: إنما يكون العبد ناظرا للصغار، إذا كانوا كلهم سواء فيما يتكلف لهم العبد، فيكون على قدر مواريثهم منه، وقوله صحيح، إذ قد يكون لأحدهم دون إخوته المال الكثير، قد ورثه عن أمه، فيحتاج فيه إلى نظر زائد على إخوته.
قال سحنون: وإن كان فيهم كبير فهي وصية لوارث، فإن أجازها الكبار وإلا بطلت.
وقول عبد الملك أصح، إذا قلنا: إنه إنما ينظر للأصاغر في الأيام التي لهم.
وقال ابن كنانة: إن أجاز الكبار أن يلي، ولا يشغله عنها جاز ذلك، وإلا اشتري للأصاغر حظ الأكابر.
قال أشهب: وإذا استخلص الأصاغر لسعة مالهم، فكل من بلغ، يريد وملك أمره اشترى حظه لمن بقي، حتى يكون آخر ذلك لمن بقي مضرة بهم، لكثرة ثمنه، وقلة مالهم من منفعته، فلا يقوم عليهم، ويبقى بينهم.
فإذا شاء الكبار البيع، بيع كله، وأقام لهم الإمام غيره.
وقال أشهب: وإن أوصى إلى مكاتبه فذلك جائز، وليس فيه تقويم على من تولى إلا أن يعجز.
قال في المجموعة: وإن أوصى إلى أم ولده، أو مدبرة أو عبد له، أو معتق بعضه، أو معتق إلى أجل، فذلك جائز.
قال سحنون: أما المعتق إلى أجل، فلا يجوز، إلا أن يرضى الأكابر؛ لأنه يستقل عن خدمتهم.
وقال أشهب في المجموعة: وإذا أوصى إلى عبد غيره فذلك جائز إن أجازه السيد، ثم ليس له بعد رجوع إلا لعذر من بيع أو سفر، أو لعلة منه أو من العبد.
إلى غير الموضع الذي الورثة فيه، فيقيم لهم الإمام غيره.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لرجلين بعشرة دنانير
مسألة قال وسمعت مالكا يسأل عن رجل أوصى لرجلين بعشرة دنانير، لكل واحد منهما في كل سنة حياتهما من ثمر ما له، فلما كان عام الأول، أصاب الثمار الذي أصابها، فلم تبلغ الثمرة ما أوصى لهما به، وقد كان في وصيته فإن نقصا تحاصا، فلما كان
العام جاء الثمر بفضل كثير، فأراد أن يأخذ من غلة العام ما نقص من وصيتهما في غلة عام أول، فذلك لهما؟ فقال: نعم ذلك لهما.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في صدر الرسم، وقد تقدم الكلام عليه فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لرجل بعبد آبق فأتي به بجعل
مسألة قال: وسمعته يسأل عمن توفي وأوصى لرجل بعبد آبق، أو جمل شارد، فأتي به بجعل، على من ترى ذلك الجعل؟ قال: على الذي أوصي له بالعبد، وليس ذلك على ورثة الميت في مال الميت؛ لأن هذا عليه ليس على الورثة أن يطلبوه، وإنما ذلك بمنزلة أن يوصي له بوسق من غلته بخيبر، فيقول: احملوه إلى المدينة، فلا يكون ذلك له، وعليه أن يأخذ ذلك بموضعه الذي هو به يوم أوصى له به، فعليه أن يأخذ ذلك ... وأن يطلب الجمل الشارد، أو العبد الآبق.
وليس على الورثة أن يطلبوه، فقيل له: إن جاء به إلى المدينة وليس فيه جعل، أيكون ذلك على الورثة في مال الميت أم على الموصى له؟ فقال: بل على الموصي له.
فقيل له: أرأيت إن أوصى الرجل للرجل بعبده، على من ترى أن يأتي به؟ فقال: ذلك على الموصى له، يذهب يأخذه حيث هو، قيل له: إن الورثة يقولون: لا بد لنا أن نقومه ها هنا حتى يقيمه، فقال: أما إذا كان ذلك بالموضع الذي هو له فيه قيمة، يرغب به مثل رقيق المال، فإن ذلك إنما يقام بموضعه الذي هو به، وعلى الموصى له أن يذهب حيث يأخذه، وأما ما كان من ذلك بموضع لا
قيمة فيه، ثم أراد الورثة إقدامه ليقيموه، فأرى ذلك عليهم حتى يقيموه ثم يقبضه الموصى له به، وليس كل الوصية تقام، إنما يقام منها ما يخاف أن يكون أكثر من الثلث.
محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا أوصى لرجل بعبده الآبق، أو بجمله الشارد، فإن على الموصى له طلب العبد الآبق، والجمل الشارد، وأخذ العبد الغائب بموضعه الذي هو به، وليس على الورثة جلبه إلى الموصى له، إلا أن يحتاجوا إلى تقويمه ولا يكون له قيمة بموضعه الذي هو به، فعليهم أن يجلبوه ليقيموه، يريد: من بقية الثلث، فهو معنى قوله: فأرى ذلك عليهم حتى يقيموه، ثم يقبضه الموصى له، فإن لم يكن في الثلث فضل عن قيمة العبد، أخرج ما يلزم في ثلثه من رأس مال الميت، ثم يخير الورثة بين أن يجيزوا الوصية بالعبد للموصى له به، وبين أن يقطعوا له بثلث الميت في العبد أو شائعا في جميع مال الميت، على اختلاف قول مالك في هذا في كتاب الوصايا الثاني من المدونة.
فهذا الذي يأتي في هذه المسألة على ما بيناه من قول مالك في آخر رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب في الذي يوصي لرجل بثلاثين دينارا، ولرجل بثلث الثلث، والمال دين على الناس، فاستأجر الموصى عليه على تقاضي ذلك الدين بعشرة دنانير، إنما يكون فيها فضل من الثلث إن كان فيه فضل حسبما بيناه هناك، وكذلك لو أوصى الميت بجلب العبد الغائب، فيعطاه الموصى له به من موضعه الذي هو به، إذ ليس أكثر من ثلث، بخلاف الذي يقول: ثلث ما لي هو لي إن فعلت كذا وكذا، فيفعله، إن عليه النفقة من غير الثلث حتى يبلغه، كالذي يجب عليه صدقة شيء من ماله بنذر أو حنث ببلد ليس فيه مساكين، إنه يلزمه أن يحمله من ماله إلى موضع فيه المساكين، ولو وجبت عليه الصدقة من الزكاة في موضع ليس فيه مساكين، لم يجب عليه أن يحملها من ماله إلى موضع يجد فيه مساكين.