كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال فيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المسلمون على شروطهم» . وعنى أنه في القرآن، فأجازه قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث بريرة: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل - وإن كان مائة شرط» ، لأن العبد لم يكن له على سيده حق في العتق إلى العشرة الأعوام، أبق فيها أو لم يأبق، فيكون بما اشترط عليه من أنه لا حرية له إن أبق في العشرة الأعوام، قد أبطل حقا واجبا له عليه في ذلك، وما شرطه أن عليه قضاء ما أبق، فإن كان أراد أن يقضيه بعد حريته، فلا يلزم الشرط بذلك، إذ لا تتم حرية عبد وعليه خدمة.
وإن كان أراد أنه لا يعتق إن أبق حتى يخدم الأيام التي أبق فيها زائدا على العشرة الأعوام، فالشرط بذلك جائز عامل، والسيد مصدق فيما يذكره من ذلك، ولا قضاء عليه فيما أبق إذا لم يشترط ذلك، لأن الحرية وجبت له بانقضاء العشرة الأعوام خدمها أو لم يخدمها- لمرض، أو تفرق أو إباق، وبالله التوفيق.
مسألة: أعطى عبدا يختدمه حياته
مسألة قال: وسألته عن رجل أعطى عبدا يختدمه حياته، فأعطاه هو بعض أقاربه يخدمه على مثل هذا؛ قال: لا بأس بذلك، وكذلك السكنى في الدور وغير ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا إشكال فيه، لأنه
حقه، فجاز أن يعطيه لمن شاء عطية، لأن هبة المجهول جائزة، وإنما الذي لا يجوز له أن يواجره حياته؛ ويجوز أن يواجره المدة القريبة، السنة والسنتين، والأمر المأمون بالنقد وغير النقد على ظاهر ما قاله في المدونة، وأما الأجل البعيد فلا يجوز بالنقد؛ واختلف فيه إذا لم ينقد؛ فلم يجزه في المدونة، وأجازه في رسم الأقضية الرابع من سماع أشهب من كتاب الصدقات والهبات؛ فإن وقع الكراء في السنين الكثيرة على القول بأن ذلك لا يجوز فعثر على ذلك، وقد مضى بعضها، فإن كان الذي بقي يسيرا لم يفسخ، وإن كان كثيرا فسخ قاله في كتاب محمد، وهو بين في المعنى، وبالله التوفيق.
مسألة: قال غلامي يخدم فلانا سنة ثم هو له وعليه دين
مسألة قال: وسألته عن رجل قال: غلامي يخدم فلانا سنة ثم هو له وعليه دين هل يكف عنه غرماؤه إلى أمد هذه الخدمة؟ قال: أرى ألا يعدى عليه غرماؤه ببيعه حتى يقضي السنة، ويجب له بتلا؛ لأن للغرماء إجازته إن أحبوا.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يعدى عليه غرماؤه ببيعه حتى تنقضي السنة، ويجب له بتلا؛ يدل على أنه لو مات، لكان ميراثه لسيده الذي أخدمه إياه، ولو قتل، لكان له قيمته؛ وذلك خلاف قوله في أول سماع يحيى بعد هذا، مثل قوله في رسم القضاء العاشر من سماع أصبغ من هذا الكتاب، ومثل قوله أيضا في رسم عتق من سماع عيسى من كتاب الجنايات؛
وهو أصل قد اختلف فيه قول مالك أيضا - على ما حكاه في سماع أصبغ من هذا الكتاب، وفي رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الجنايات، والذي يأتي في هذه المسألة على قياس رواية يحيى بعد هذا، وأحد قولي مالك، أن يباع للغرماء، ولا ينظر انقضاء أمد الخدمة، وهو قول مطرف؛ حكى ابن حبيب عنه أنه يباع ويتسلط الدين عليه، وإن كان في مدة الخدمة، لأنه صيرها ملكا له؛ قال: وهذا ما لا شك فيه ولا اختلاف عندنا، وقد مضى هذا المعنى أيضا في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس في الذي يحبس الحبس على الرجل، فيقول: هو لك حياتي، ثم هو في سبيل الله أو صدقة؛ لأن الاختلاف في ذلك هل يكون بعد موته في السبيل من ثلثه، أو من رأس ماله، على هذا الأصل، وبالله التوفيق.
: يخدم الرجل العبد إلى أجل ويبتله بعد الأجل صدقة على رجل
من سماع يحيى من ابن القاسم من كتاب يشتري الدور قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يخدم الرجل العبد إلى أجل، ويبتله بعد الأجل صدقة على رجل، ثم يقتل العبد، أو يموت؛ قال: يرث ما ملك عنه العبد، ويأخذ عقله إن قتل الذي تصدق به عليه بعد الخدمة؛ وذلك أن السيد قد كان تبرأ من جميع العبد ومنافعه، إذ جعل الخدمة إلى أجل لرجل والرقبة بعد الخدمة لآخر؛ فمن كان إليه مرجع العبد بعد أجل الخدمة، فهو
أحق بميراثه وعقله.
قلت: فإن لم يتصدق به بعد الخدمة على أحد فقتله السيد، قال: إن قتله خطأ فلا شيء عليه، وإن قتله عمدا غرم قيمته فاستؤجر بها للمخدم مثله إلى انقضاء أجل المخدمة؛ فإن بقي بعد انقضاء أجل الخدمة من قيمته شيء، رجع إلى سيده القاتل، وإن فنيت القيمة في إجارة من استؤجر للمخدم قبل انقضاء الأجل، فلا غرم على سيد العبد بعد إخراج جميع قيمة العبد المقتول.
قلت: وكذلك لو قتله السيد وقد كان بتله لرجل صدقة عليه بعد أجل الخدمة، أكنت تستأجر من قيمته التي يغرم للسيد - أجيرا للمخدم، فإن بقي من تلك القيمة شيء بعد انقضاء أجل الخدمة، كان للذي تصدق عليه برقبته، وإن لم يبق شيء فلا شيء له، ويكون المخدم أحق بالتبدئة في استئجار أجير - بقية العبد المقتول من الذي تصدق عليه بالرقبة؛ فقال: لا يكون هذا الذي وصفت لك إلا في أن يقتله السيد عمدا، ومرجعه إليه بعد الخدمة؛ فأما إذا بتله لرجل بعد الخدمة ثم قتله عمدا، فهو بمنزلة أجنبي قتله، لأن مرجعه إلى غيره، فهو يغرم قيمته، ويكون الذي بتلت له الرقبة أحق به.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يخدم الرجل العبد وبتله بعد الأجل صدقة على غيره، أنه إن مات العبد أو قتل، يأخذ إن مات ماله أو قيمته إن قتل الذي تصدق به عليه بعد الخدمة؛ خلاف نص قوله
في رسم القضاء العاشر من سماع أصبغ بعد هذا، وخلاف لأصله في مسألة رسم العتق من سماع عيسى قبل هذا- حسبما بيناه؛ وهو أصل قد اختلف فيه قول مالك أيضا حسبما قاله في سماع أصبغ من هذا الكتاب، وفي رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الجنايات، فسواء على قوله في هذه الرواية قتل العبد في خدمة السيد الذي أخدمه أو أجنبي من الناس عمدا أو خطأ، تبطل الخدمة وتكون القيمة للذي جعل له المرجع بعد الخدمة؛ وأما إن لم يتصدق به سيده بعد الخدمة على أحد ههنا إن قتله سيده خطأ، فلا شيء عليه كما قال، لأنه أخطأ على نفسه بالقتل، فبطلت الخدمة؛ وإن قتله عمدا، لزمته قيمته كما قال، ويستأجر منها للمخدم من يخدمه مكان العبد الذي قتله، لأنه قصد إلى إتلاف الخدمة عليه؛ فإن فنيت القيمة قبل أجل الخدمة، لم يلزمه أكثر من ذلك؛ وإن انقضى الأجل قبل تمام القيمة، رجع ما بقي منها إلى السيد؛ وقد قيل: إنه يأتي بعبد يخدم المخدم مكان العبد الذي قتل، فإذا انقضى أجل الخدمة، رجع إليه عبده؛ وإن مات قبل الأجل، لم يكن عليه في بقية الأجل شيء، والقولان في المدونة؛ وقد قيل: إنه يشتري بالقيمة عبد يخدم المخدم مكانه، وهو قول المخزومي؛ وأما إن قتله أجنبي، فتلزمه قيمته لسيده، وتبطل الخدمة- قتله عمدا أو خطأ، وبالله التوفيق.
: يقول يخدم فلان غلامي فلانا وفلانا ما عاشا ثم هو حر
ومن كتاب الأقضية قال: وأخبرني ابن القاسم أنه سمع مالكا يقول في الرجل يقول: يخدم فلان غلامي فلانا وفلانا ما عاشا- ثم هو حر، فيموت أحد الرجلين، إن الخدمة كلها للباقي، ولا عتاقة للعبد
حتى يموت الباقي؛ قال: قال مالك: فإن قال: يخدم فلانا يوما، وفلانا يوما، ثم هو حر بعد موتهما فمات أحدهما؛ رجع نصيبه من الخدمة إلى السيد، أو إلى ورثته إن مات.
قلت لابن القاسم: فإن قال أحدهما للعبد: حظي من خدمتك عليك صدقة، قال: لا يعتق منه بذلك شيء، ولكن يكون رقه موقوفا، ويخدم نفسه النصف، والمخدم الباقي النصف؛ قيل له: فإن ترك له الباقي نصيبه من الخدمة، قال: يعتق كله؛ قلت: فإن مات أحدهما فرجع نصيبه من الخدمة إلى السيد، ثم ترك الشريك نصيبه من الخدمة للعبد؛ قال: لا يعتق حتى يموت المخدم الذي ترك نصيبه، قلت: لم وقد مات أحدهما وترك الآخر نصيبه من الخدمة للعبد؟ قال: لأن السيد قد ورث خدمة الميت منهما وثبت ذلك له، فترك الباقي حظه من الخدمة لا يضر السيد، كما لم يضر أحدهما حين ترك شريكه الخدمة- وهما باقيان، ولكن يخدم نفسه النصف، ويخدم السيد النصف حتى يموت المخدم الثاني؛ قال: وقال مالك: لا يجوز لواحد منهما أن ينزع مال العبد المخدم إذا جعل حرا إلى أجل.
قال محمد بن رشد: قد قيل إن نصيب من مات منهما من الخدمة يرجع إلى السيد وإن لم تقسم الخدمة بينهما بأن يقول لهذا يوم، ولهذا يوم؛ وقيل أيضا: إن نصيب من مات منهما يرجع على صاحبه، وإن كان قد قسم الخدمة بينهما، وتفرقته ههنا بين أن يقسم الخدمة بينهما أو لا يقسمها، قول ثالث في المسألة؛ والثلاثة الأقوال كلها لمالك، وقد مضى بيان ذلك في أول سماع ابن القاسم من كتاب الحبس، وقوله: إنه إذا تصدق أحدهما على
العبد بحظه من خدمته، أنه لا يعتق بذلك منه شيء- يريد حتى يموت المخدم الثاني؛ فإذا مات المخدم الثاني، عتق جميعه، ويخدم ما دام المخدم الثاني حيا- نفسه يوما، والمخدم الثاني يوما، ويسقط على مذهبه حق السيد في رجوع حظه من خدمة العبد إليه إن مات قبل المخدم الثاني بالهبة؛ لأنه حكم لما يرجع إلى السيد من الخدمة بحكم الميراث الذي يسقط حق الوارث فيه بهبة الموروث إياه قبل وفاته؛ فرأى أن الخدمة إذا وهبها المخدم للعبد في حياته، استوجبه العبد ولم يكن للسيد فيها حق، فإذا وهب المخدم الثاني حظه من الخدمة أيضا، عتق كله كما قال- على أصله في أن حق السيد فيما يرجع إليه من خدمة العبد بموت أحدهما قبل صاحبه، يبطل بالهبة؛ وفي ذلك من قول ابن القاسم نظر، إذ ليس يرجع إلى السيد خدمة حظ من مات منهما قبل صاحبه على سبيل الميراث، وإنما يرجع إليه، لأنه أبقاه لنفسه على ما يوجبه الحكم إذا قسم الخدمة بينهما فكان القياس ألا يبطل حقه في رجوع خدمة حظ من مات منهما قبل صاحبه إليه بهبته إياه، وهب كل واحد منهما حظه من ذلك، أو وهب ذلك أحدهما؛ ألا ترى لو قال: رجل يخدم عبدي فلانا سنة، ثم فلانا سنة، ثم فلانا سنة، ثم هو حر؛ فوهب المخدم الأول خدمته للعبد، لم يسقط بذلك حق المخدم الثاني في خدمة السنة الثانية، إذ ليست ترجع إليه بميراث عن المخدم الأول، لوجب أن تكون للعبد خدمته السنة التي وهب إياها، وللمخدم الثاني خدمة السنة الثانية، ثم يعتق العبد؛ فكان القياس على هذا في مسألتنا، إذا تصدق أحدهما على العبد بحظه من خدمته، أن يخدم نفسه يوما، والمخدم الثاني يوما- حتى يموت أحدهما؛ فإذا مات المخدم الواهب لخدمته أولا، رجع حظه من خدمته للسيد، وخدم يوما للسيد أو لورثته إن كان قد مات، ويوما للمخدم الثاني حتى يموت فيعتق جميعه؛ وإن مات المخدم الذي لم
يهب خدمته أولا، رجع أيضا حظه من الخدمة إلى السيد فخدم نفسه يوما، والسيد وورثته إن كان قد مات يوما حتى يموت المخدم الأول الذي وهب حظه من الخدمة، فيعتق جميعه؛ وكذلك أيضا كان القياس على هذا إذا تركا جميعا الخدمة للعبد ألا يبطل بذلك حق السيد فيما يجب له من الحق في رجوع خدمة من مات منهما قبل صاحبه إليه، وأن يكون الحكم في ذلك أن يكون رق العبد موقوفا، فتكون خدمته لنفسه خاصة- خالصا- ما داما حيين حتى يموت أحدهما؛ فإذا مات أحدهما، رجع حظه من خدمة العبد إلى السيد، فخدم نفسه يوما، والسيد يوما، حتى يموت الثاني فيعتق جميعه؛ وأما إذا ما مات أحدهما قبل أن يهب حظه من خدمة العبد للعبد، فاستحق ذلك السيد، فلا إشكال فيما قاله في الرواية أن من حق السيد في اختدام حظه منه إلى أن يموت المخدم الثاني، لا يسقط بهبة المخدم الثاني لحظه من خدمة العبد ويكون السيد على حقه في خدمة نصفه، فيخدم له يوما، ولنفسه يوما، حتى يموت المخدم الثاني فيعتق جميعه؛ ولابن لبابة في المنتخب في هذه المسألة كلام مختل فاسد، قول ابن القاسم فيها ما لم يقله، وتأول عليه فيها ما لم يرده؛ وألزمه الاضطراب على ما قوله إياه، وتأوله عليه؛ ومعنى ما ذهب ابن لبابة في المسألة إليه- أن ابن القاسم لم يعجل عتق نصف العبد بشك إذا وهب أحدهما خدمة حظه، من أجل أن اليقين حاصل في رق النصف الآخر، وعجل عتقه بشك إذا وهبا جميعا خدمته من أجل أن اليقين حاصل في النصف الآخر، وطول الكلام في ذلك بتخليط لا يصح، إن لا يمكن تعجيل عتق بعض العبد بهبة أحدهما لحظه من الخدمة؛ لأن ما بقي فيه شعبة من الرق، فأحكامه أحكام عبد، ولا يصح لأحدهما فيه عتق، إذ لا يملك واحد منهما من رقبته شيئا وإنما يعتق بعتق السيد إياه على
الشرط الذي شرطه، فلم يضطرب ابن القاسم في قوله- كما زعم ابن لبابة، بل جرى فيه على أصل واحد- غير صحيح- حسبما بيناه وقررناه؛ وأما على القول بأن حظ من مات منهما يرجع إلى صاحبه، وأنَّ قسم الخدمة بينهما، فإن ترك أحدهما للعبد حظه من خدمته خدم نفسه يوما، وصاحبه يوما- حتى يموت فيعتق؛ وإن ترك كل واحد منهما له حظه من خدمته، عجلت حريته، ولا إشكال في هذا؛ وقد مضى في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، وفي أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس- الكلام على ما قاله مالك في آخر المسألة من أنه لا يجوز لواحد منهما أن ينتزع مال العبد المخدم إذا جعل حرا إلى أجل، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
: أخدم عبدا له رجلا فقبضه المخدم فخدمه أياما
من سماع سحنون قال سحنون في رجل أخدم عبدا له رجلا فقبضه المخدم فخدمه أياما، ثم إن السيد أعتقه؛ قال: عتقه جائز ويرجع المخدم على السيد بقيمة ما بقي له من الخدمة.
قال محمد بن رشد: قول سحنون هذا خلاف ما تقدم لابن القاسم في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى، وخلاف قوله في المدونة وغيرها من أنه لا عتق له فيه حتى تنقضي الخدمة، أو الإجارة- إن كان في الإجارة، وإنما يقول ابن القاسم: إنه يكون عليه قيمة الخدمة إذا قتل العبد، أو كانت أمة فأولدها، على ما مضى القول فيه في أول رسم من سماع يحيى من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
: المخدم يطأ الجارية التي اختدم فاعتذر فيها بالجهالة
من سماع محمد بن خالد وسؤاله
ابن القاسم قال: وسألته عن المخدم يطأ الجارية التي اختدم فاعتذر فيها بالجهالة، أيدر عنه الحد؟ فقال: نعم، ولو تعمد ذلك بمعرفة.
قال ابن القاسم: ولا يجوز للمخدم أن يتزوجها؛ قال مالك: لأنه فيها بمنزلة الشريكين في الجارية.
قلت: فإن وطئها المخدم فأحبلها، قال: تكون أم ولد ويغرم قيمتها، فيستأجر منها للمخدم.
قلت: فإن لم يكن له مال، قال: يأخذ ولده ويخدم الجارية إلى الأجل.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم البراءة من سماع عيسى، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
: العبد بين الرجلين يخدم أحدهما حصته رجلا
من سماع أصبغ من أشهب من كتاب البيوع والعيوب قال أصبغ: سمعت أشهب وسئل عن العبد بين الرجلين يخدم أحدهما حصته رجلا، قال: ذلك جائز، فإن قام صاحبه بالبيع، باع معه؛ فإذا باع انفسخت الخدمة وسقطت؛ قيل له: فإن علم صاحبه بإخدامه فأجاز، ثم أراد القيام بالبيع بعد ذلك؛ قال: ذلك له، قال أصبغ: ثم العمل في ذلك والأمر على القول الأول، قال أصبغ: قيل لأشهب: إن كان إنما رهن أحدهما حصته، قال: فالرهن جائز؛ فإن
قام صاحبه بالبيع بيع، فإذا بيع، فإن كان الحق دنانير عجلت للمرتهن، وإن كان عن رضى، وقف الثمن حتى الأجل؛ قيل له: فإن واجر أحدهما حصته؟ قال: فالإجارة أيضا جائزة، فإن قام صاحبه بالبيع، فذلك له؛ فإذا بيع انفسخت الإجارة؛ قال أصبغ: إنما البيع هاهنا كالقتل، لو قتل بطلت الخدمة، وكان العقل للمخدم فكذلك الثمن؛ قال أصبغ: قلت لأشهب: فينتقد في الأجرة إذا أجر حصته؟ قال: لا بأس؛ قال أصبغ: لا يعجبني الاشتراط، وأرى فيه مقاررة، وكالبيع والسلف؛ لأن البيع ينقض الإجارة ولا يدري متى يقوم بالبيع، ويباع إذا كان القيام به لغيره.
قال محمد بن رشد: قد مضى لابن القاسم في رسم العشور من سماع عيسى خلاف قول أشهب وأصبغ في هذا السماع في الإجارة والخدمة، ومضى الكلام على ذلك هنالك، فلا معنى لإعادته، وأما قوله في- الرهن إذا قام الشريك ببيعه بيع- وكان الحق دنانير، أن الثمن يعجل؛ معناه: إلا أن يأتي الراهن برهن مثله، وقد قيل: إنه لا يعجل ويوضع على يدي عدل، وهو الذي في المدونة في الرهن يبيعه الراهن بإذن المرتهن، وهو أيضا قول مالك في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب من كتاب الرهون، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
: أخدم رجلا سنة عبدا ثم هو لآخر بتلا
ومن كتاب القضاء العاشر وسئل عن رجل أخدم رجلا سنة) عبدا ثم هو لآخر
بتلا، فمات العبد قبل السنة وترك مالا، قال: هو لسيده- يعني المخدم؛ قال أصبغ: وذلك أنه مات قبل أن يجب لفلان ولا يجب له إلا ببلوغ الوقت الذي جعله له عنده- فلم يبلغه، وهو شبيه بالحرية، ولو جعله حرا بعد خدمة أحد فمات عن مال قبل ذلك، كان السيد أولى به، أو جرح- وقد اختلف قول مالك في البتل بعد الخدمة، وهذا أحب إلينا إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى القول عليها في الرسم الأول من سماع يحيى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
: أوصى الرجل بخدمة عبده لرجل ما عاش
ومن كتاب الوصايا وسمعت ابن القاسم يقول: إذا أوصى الرجل بخدمة عبده لرجل ما عاش، وأوصى لقوم بوصايا- ولا مال له غيره، فأمضى الورثة ما أوصى به صاحبهم من الخدمة فبيع ثلث العبد وعمر المخدم، وقومت خدمة العبد على قدر غررها، فحاص صاحبها أصحاب الثلث في ثمن ثلث رقبة العبد، فأخذها لنفسه وصنع بما شاء؛ واختدم أيضا ثلثي العبد حتى يموت، فإذا مات رجع الثلثان إلى الورثة (قاله أصبغ) . (قال محمد بن رشد: نقل أبو إسحاق التونسي هذه المسألة من كتاب ابن المواز بلفظ أبين من هذا فقال: يباع ثلث العبد، فيتحاص في ثمن ثلث رقبة العبد مع أصحاب الوصايا والمخدم بقيمة خدمته على غررها، فما صار له من ذلك أخذه بتلا، ثم يختدم مع ذلك أيضا ثلثي العبد حتى يموت، فإذا مات رجع الثلثان إلى الورثة) . قال أبو إسحاق: وفي هذا نظر؛ لأنه جعله يأخذ ما وقع له في المحاصة، ثم يأخذ ثلثي الخدمة وهو قد ضرب بها، فإنما ينبغي أن يدفع إلى الورثة ثلثي ما وقع له في المحاصة، لأنه عوض عن ثلثي الخدمة التي أسلموها له؛ وأما ثلث ما وقع في الحصاص فيأخذه، إذ لا يقرر الورثة إذا بيع ثلث العبد- أن يمضوا له خدمة ذلك، الجزء الذي يقع له في الحصاص فأخذ ثمنه عوضا منه، وكلام أبي إسحاق صحيح (بين) ، وبالله التوفيق.
مسألة: قال عبدي يخدم فلانا عشر سنين ثم هو حر
مسألة وسمعت ابن القاسم يقول: إذا أوصى رجل فقال: عبدي يخدم فلانا عشر سنين ثم هو حر، فلم يحمله الثلث، عتق منه ما حمل الثلث، وسقطت الخدمة والوصية؛ وإن أوصى فقال: عبدي يخدم فلانا شهرا ثم هو حر، وفلان يخدم سنة ثم هو حر، بدئ بصاحب الشهر إذا كان الشيء القريب من الأمر- هكذا، ولو أوصى فقال فلانا يخدم سنة ثم هو حر، وفلانا سنتين ثم هو حر، وفلانا يخدم عشر سنين- ثم هو حر، وفلانا عشرين سنة ثم هو حر؛ رأيت في ذلك كله أن يتحاصوا- وقاله أصبغ - إذا طالت الخدمة: فإن افترقا في الوقت فهو حصاص- وإن تباعد ما
بينهما؛ وإذا قلت الخدمتان بدئ بالأول فالأول- وإن افترق ما بينهما.
قال محمد بن رشد: أما إذا رضي بخدمة عبده عشر سنين ثم هو حر، فلم يحمله الثلث، فلا اختلاف في أنه يعتق منه ما حمل الثلث وتسقط الوصية بالخدمة وغير الخدمة إن أوصى بوصايا مع الخدمة والعتق؛ لأن العتق بعينه يبدأ على ما سواه من الوصايا، وقد قال عبد الوهاب في المعونة (إنه) يبدأ على الزكاة- وهو بعيد في القياس؛ ووجهه اتباع ظاهر الحديث المروي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه أمر أن تبدأ العتاقة على الوصايا فعم ولم يخص، وقد مضى في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب المدبر جملة من ترتيب الوصايا في التبدئة، فلا معنى لإعادته؛ وقال في هذه الرواية: (إنه) يبدأ المعتق على شهر، على المعتق إلى سنة، وإنه لا يبدأ المعتق إلى سنة على المعتق إلى سنتين (ولا المعتق إلى عشر سنين على المعتق إلى عشرين سنة؛ ولم ينص هل يبدأ المعتق إلى سنة على المعتق إلى عشر سنين؛ والذي أقول به أنه يبدأ عليه على ظاهر هذه الرواية، ولا ينبغي أن يختلف في هذا، وإنما الاختلاف هل يبدأ المعتق إلى سنة على المعتق إلى سنتين) . والثلاث ونحو ذلك أم لا؛ ولا اختلاف في أنه لا يبدأ المعتق (إلى العشر سنين على المعتق) إلى عشرين سنة قال في
هذه الرواية ويتحاصون في الثلث، والمعلوم من مذهب ابن القاسم أنه يعتق ما حمل الثلث منهما بالسهم، فهو الذي نص عليه في رسم استأذن من سماع عيسى، ويحتمل أن يفسر بذلك ما في هذه الرواية، ولا تحمل على ظاهرها من الخلاف المعلوم من مذهبه، وبالله التوفيق.
: أخدم عبده رجلا عبدا له إلى أجل
ومن كتاب الوصايا الصغير قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في رجل أخدم عبده رجلا، عبدا له إلى أجل، ثم حضرت المخدم الوفاة، فأوصى بثلث ماله لرجل، وبذلك العبد المخدم لرجل آخر، قال: يضرب للموصى له بالعبد بقيمة العبد في الرجوع يوم يرجع على ما يساوي يومئذ مع صاحب الثلث، فما أصابه في ذلك الثلث فله، وتدخل وصيته في جميع الثلث إذا حالت، وقطع له بالثلث، قال أصبغ: وتفسير ذلك أن يكون مبلغ الثلث إذا أضيفت قيمة العبد بعد انقضاء الخدمة إلى التركة (ستين دينارا) وقيمة العبد على رجوعه من ذلك عشرين دينارا، فالثلث بينهم أرباعا، لصاحب الثلث ثلاثة، ولهذا واحد، فإذا رجع العبد بعد انقضاء الخدمة، اقتسما ثلثه على قدر ذلك أيضا؛ لأن ثلثه باقي الثلث، وثلثاه للورثة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بيّنة صحيحة المعنى، على ما فسرها به أصبغ، ومعنى ذلك إذا لم يجز الورثة الوصية، وقطعوا الموصى لهم بالثلث، وأما إذا أجازوا الوصية، فلا محاصّة في ذلك، إلا أنه يختلف: هل يلزمهم أن يبدءوا بالعبد على مرجوعه للموصى له به، وبثلث جميع المال
مع العبد إلى الموصى له بالثلث، أو لا يلزمهم أكثر من أن يبدءوا إلى الموصى له بالثلث- ثلث المال سوى العبد، وبالعبد إلى الموصى له بالعبد على مرجوعه، فيكون ثلثاه للموصى له به، والثلث بينهما، والأول هو قول سحنون وأشهب، وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وعلى رواية علي بن زياد عنه فيها أيضا، والثاني هو قول ابن القاسم (في رسم) يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى من كتاب الوصايا، ولم يختلف إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بمائة دينار، فأجاز الورثة ذلك في أن عليهم أن يدفعوا الثلث كاملا للموصى له بالثلث، والمائة كاملة للموصى (له) بها، لا يدخل عليه الموصى له بالثلث في شيء منها، وما اتفقوا عليه، يقضي على ما اختلفوا فيه، وقد مضى هذا المعنى بزيادة بيان فيه في الرسم المذكور من سماع يحيى من كتاب الوصايا، وبالله التوفيق.
: أوصى لرجل بوصايا ولرجل بخدمة عبد ما عاش
ومن سماع موسى بن معاوية من ابن القاسم قال موسى بن معاوية: قال ابن القاسم في رجل أوصى لرجل بوصايا، ولرجل بخدمة عبد ما عاش، فلم يحمل ذلك الثلث، ووقع فيها العول، قال: يعمر المخدم ثم ينظر إلى قيمة تلك الخدمة على الرجاء والخوف فيها، أيتم ذلك أو لا يتم- لو كانت تواجر لغررها، فيحاص بها أهل الوصايا فيما قطع لهم من العبد وجميع
ثلث المال، فيكون لكل واحد منهم الذي أوصى له به في حصته من الثلث.
قال ابن القاسم: ولو أخدمه عشر سنين ثم هو حر، بدئ بالعبد؛ لأنها عتاقة، ثم يُقوَّم، فإن كان العبد ثلث المال، قُومت تلك العشر سنين بحالها على الرجاء فيها والخوف لها، يقال: من يستأجر هذا (العبد) عشر سنين على أنه إن بقي فله خدمته، وإن مات لم يرجع بشيء، فعلى هذا تكون قيمة الخدمة، ثم يتحاصون في الخدمة مع أهل الوصايا بقدر وصاياهم، وصاحب الخدمة بقيمة الخدمة في خدمة العبد تلك السنين، فإن بلغ، عتق، وإن مات قبل ذلك، سقطت وصاياهم.
قال ابن القاسم: ولو فضل عن قيمة العبد فضلة من الثلث، تحاصوا الخدمة وفيما فضل من الثلث حتى تكون للذي أوصى لهم بالتسمية مما فضل من الثلث والخدمة بقدر ما أوصى لهم، ويكون للذي أوصى لهم بالخدمة من الخدمة ومما فضل من الثلث بقدر الذي يصيبه من قيمة الخدمة، يتعاولون جميعا في الخدمة، وفيما بقي من الثلث على ما فسرت لك.
قال ابن القاسم: ولو كان العبد أكثر من ثلث الميت خُير الورثة في أن يمضوا عتق العبد إلى الأجل، فإن فعلوا تحاصوا جميعا في الخدمة، وإن أبرأ، عتق منه ما حمل الثلث بتلا، وسقطت الوصايا والخدمة.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي أوصى لرجل بوصايا، ولرجل بخدمة عبد له ما عاش، فلم يحمل ذلك الثلث، ووقع فيها العول، أن المخدم يعمر ثم ينظر إلى قيمة الخدمة على الرجاء والخوف، فيحاص بها أهل الوصايا فيما قطع لهم من العبد وجميع ثلث المال، بيّن صحيح على
أصولهم، والوجه في ذلك أن يعمر الموصى له بخدمة العبد ما عاش، فإن عمر ثمانين سنة- وسنه أربعون، قيل: كم قيمة خدمة هذا العبد عشرين سنة على أنه إن مات العبد قبل تمام العشرين سنة، لم يكن للمستأجر شيء، فإن قيل: عشرة دنانير- وقيمة العبد عشرون، وقد ترك المتوفى أربعين دينارا سوى العبد، وأوصى لرجلين بعشرة، عشرة، فالثلث على هذا عشرون، والوصايا ثلاثون: عشرة، عشرة- لكل واحد من الرجلين، وعشرة للموصى له بخدمة العبد، فيكون جميع الثلث بينهم أثلاثا: ثلث للعبد، وثلث الأربعين على هذه الرواية في أن الموصى له بخدمة العبد، يكون حظه في المحاصة شائعا في جميع الثلث، وعلى القول بأنه يقطع له فيما أوصى له به، وهو قول ابن القاسم الذي تقدم في رسم جاع من سماع عيسى، وأحد قولي مالك يكون له ثلث العبد، ويكون للرجلين الموصى لهما بعشرة، عشرة- ثلث الأربعين بينهما بنصفين: ستة وثلثان لكل واحد منهما، واختلف إن عاش أكثر مما عمر- والعبد حي لم يمت، هل يعمر ثانية ويرجع على الموصى لهما أم لا؟ وكذلك اختلف أيضا إن مات قبل الأجل الذي عمر إليه، أو مات العبد قبل ذلك، هل يرجع الموصى لهما عليه فيما فضل عنده أم لا؟ فقيل: إنه يرجع عليهما ويرجعان عليه، وقيل: إنه لا يرجع عليهما ولا يرجعان عليه، وقيل: إنهما يرجعان عليه ولا يرجع عليهما، وقد مضى تحصيل الاختلاف في هذا في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب من كتاب الوصايا، وفي رسم العتق من سماع عيسى منه وفي آخر رسم الوصايا الأول من سماع أصبغ منه، ولا اختلاف في أن لكل واحد منهما الرجوع على صاحبه- إن حمل الثلث الوصية، أو إن لم يحملها فأجازها الورثة، وأما إذا أوصى
بخدمة عبده لرجل عشر سنين، وأوصى بوصايا ثم هو حر، فإن لم يحمله الثلث، عتق منه ما حمل الثلث، وسقطت الوصايا بالخدمة وغير الخدمة؛ لأن العتق مُبَدَّأ على ما سواه من الوصايا، ولا اختلاف في هذا، وكذلك لا اختلاف إذا حمله الثلث- ولم يكن فيه فضل عنه في أن الموصى له بالخدمة يتحاص مع أصحاب الوصايا في الخدمة، ويعتق بعد انقضائها، واختُلف إذا كان في الثلث فضل عن العبد، فقيل: إنه يتحاص مع أصحاب الوصايا في الخدمة، ويعتق بعد انقضائهما، واختلف إذا كان في الثلث فضل عن العبد، فقيل: إنه يتحاص مع أصحاب الوصايا في الخدمة ويعتق بعد انقضائها إذا كان في الثلث فضل عن العبد، فقيل: إنه يتحاص مع أصحاب الوصايا (في الخدمة) وفيها فضل عنها، وهو قوله في هذه الرواية، وقيل: إنه يقطع له في خدمة العبد بما نابه في المحاصات، وهو قول ابن القاسم في رسم جاع من سماع عيسى، وقد تقدم القول هناك على ذلك، وأنه يتحصل فيه ثلاثة أقوال، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى بخدمة جارية له أن تخدم ابنه ما عاش
مسألة قال ابن القاسم في رجل أوصى بخدمة جارية له أن تخدم ابنه ما عاش، فإذا مات تكاتب بعشرين دينارا، قال ابن القاسم: إن وسعها الثلث وقفت لخدمة الابن إن أجاز ذلك الورثة، وإن أبوا، اقتسموا خدمتها على فرائض الله، ما عاش الموصى له،
ومن مات من الورثة فورثته على حقه من الخدمة، حتى يموت الموصى له بالخدمة، فإذا مات كوتبت بعشرين دينارا، فإن أدت، عتقت وتكون كتابتها بين من ورث الميت على فرائض الله، وإن عجزت رقت وكانت رقيقا بين من ورث الميت على فرائض الله، قال أصبغ: ويكون ولاؤها إن أدت وعتقت للميت الموصي بكتابتها، وعصبته الذين يرثون الولاء من الرجال، قال ابن القاسم: وإن لم يحملها الثلث، خُيِّر الورثة بين أن ينفذوا ما قال، فتكون موقوفة على الابن في خدمته إلى الأجل، ويقتسمون الخدمة إن لم يجيزوا له ذلك، ويكاتبوها بعد ذلك، وبين أن يعتقوا منها ما حمل الثلث بتلا، ويسقط عنها الخدمة حتى تتم الوصية، وبين أن يعجلوا لها الكتابة بما قال صاحبهم، قال ابن القاسم: وإن أبى واحد منهم، كانوا بمنزلتهم إذا أبوا جميعا، وإن أبى واحد منهم الكتابة أو الخدمة الموصى له بالخدمة أو غيره، أعتقوا منها ما حمل الثلث.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة في رسم الوصايا من سماع أصبغ من كتاب المكاتب، وسقط منها هناك قول ابن القاسم في أخرها: وإن أبى واحد منهم إلى آخر المسألة، وبه تتم المسألة وتصح؛ لأنه تفسير ما تقدم من قوله، ومن قول أصبغ في سماعه من كتاب المكاتب حسبما ذكرناه هناك، وبالله التوفيق.
تم كتاب الخدمة بحمد الله وحسن عونه، والصلاة الكاملة على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
: كتاب العتق الأول
رجل قال لغلامه اشتر لنفسك جارية فلتطأها فما ولد لك منها فهو حر
(كتاب العتق الأول) من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب قطع الشجر قال: وسئل مالك: عن رجل قال لغلامه: اشتر لنفسك جارية فلتطأها، فما ولد لك منها فهو حر، فعمد الغلام فاشتراها من ماله سرا من سيده، فولد له منها، ثم علم السيد فأبى أن يعتق الولد وكره له أن يعمل ذلك سرا، قال: أرى ولده ذلك حرا- وإن كان اشتراها سرا، إلا أن يعلم أن السيد (إنما) أراد أن يستصلح عبده ولا يغيب عنها إلى الأرض النائية (التي) يكره السيد أن يتغرب إليها، يقول: إنما كان أعطاه هذا ليقيم عنده أو ما ولدت له عنده فهو حر، ولم يرد ما ولدت له في الأرض التي كرهت له أن يذهب إليها، ويغيب عني فيها، فهذا وجه هذا- عندي- والله أعلم.
قال محمد بن رشد: قوله: اشتر لنفسك جارية فلتطأها- يريد اشترها بمالك لنفسك؛ لأنه إذا اشتراها بماله بإذن سيده، جاز له أن يطأها، ولو كان مأذونا له في التجارة، لكان له أن يشتريها ويطأها، وإن لم يأذن له سيده في ذلك؛ لأن للعبد المأذون له أن يتسرى في ماله بغير إذن سيده على ما قاله في المدونة، وعلى ما جاء من أن عبيدا لعبد الله بن عمر كانوا يتسرون في أموالهم ولا يستأذنونه، وقد روى محمد بن يحيى السبائي عن مالك أن العبد لا يتسرى في ماله إلا بإذن سيده، ومعنى ذلك في غير المأذون له في التجارة حتى تتفق الروايات، وقد وقع في بعض الروايات اشتر لنفسك جارية بمالي أو بمالك، والرواية بإسقاط ذلك أصوب؛ لأنه لا يجوز له أن يطأها بمال السيد- وإن كان السيد قال له اشترها لنفسك بمالي تطؤها، إلا أن يكون وهبه الثمن على ما قاله في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح، أو أسلفه إياه على ما قاله في رسم الطلاق من سماع أشهب منه؛ لأنه إذا قال له: اشترها من مالي لنفسك تطؤها، فلم يملكه رقبتها، وإنما أذن له في شرائها لنفسه ليطأها، وذلك تحليل منه له فرجها، وقول السيد فما ولد لك منها فهو حر، إيجاب أوجبه على نفسه يلزمه بظاهر قوله فعل ذلك في بلده بعلم سيده، أو في غير بلده سرا من سيده، فلا يصدق السيد إن فعل العبد ذلك سرا من سيده في غير بلده- في أنه لم يرد ذلك، إلا أن يعلم قصد السيد إلى استصلاح عبده بذلك لئلا يغيب (عنه) بأن يعلم أنه كان كثير المغيب عن مولاه، فاستماله بما وعده به من عتق ولده، لئلا يغيب عنه، فإذا غاب عنه وتسرى في بلد آخر وولد له فيه، لم يلزمه العتق، لمغيبه
عنه، ومخالفته ما جرى عليه بساط يمينه، وبالله التوفيق.
مسألة: قال إن ولد لي ولد ذكر فرقيقي أحرار
مسألة وسئل: عمن قال: إن ولد لي ولد ذكر، فرقيقي أحرار، وكانت امرأته حاملا فأراد أن بيعهم وهبتهم، قال: لا يبيع منهم شيئا وهم أحرار- إن ولدت ذكرا.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله: إنه لا يبيع منهم شيئا- إن كانت امرأته يوم قال هذا (القول) حاملا؛ لأنه نذر عتقهم إن وضعت امرأته ذكرا، فوجب ألا يخرجهم عن ملكه حتى يعرف ما تضع، ولو لم تكن امرأته يوم قال هذا القول- حاملا، لتخرج جواز بيعهم على اختلاف قول مالك، وابن القاسم في الذي يقول: عبدي حر إن قدم فلان، فمالك لا يرى أن يبيعه، وابن القاسم لا يرى ببيعه بأسا، ولا فرق بين المسألتين؛ لأنه لا يدري متى يقدم فلان؟ وهل يقدم أو لا يقدم؟ وهل يولد له ذكر أو لا يولد له ذكر؟ ولا يقع شيء من ذلك باختياره، ولو قال: إن فعلت كذا أو فعل فلان كذا وكذا، فعبيدي أحرار، لم يمنع من بيع ولا وطء؛ لأنه على بر، وبالله التوفيق.
مسألة: اشترى عبدا بثمن إلى أجل وجعله حرا
مسألة قال مالك: من اشترى عبدا بثمن إلى أجل وجعله حرا- إن لم يقضه إلى ذلك الأجل، لا يباع حتى يحل الأجل ويدفع إليه حقه،
فإن جاء الأجل وعليه دين محيط برقبة العبد لم يعتق، وكان البائع أحق به من غيره من الغرماء.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يباع حتى يحل الأجل، هو مثل ما في المدونة وغيرها في الحالف بعتق عبده ليفعلن فعلا إلى أجل، أنه لا يباع حتى يحل الأجل فيبر أو يحنث؛ لأنه مرتهن بيمينه في البيع، ولو كاتب أمة، كان له أن يطأها على أحد قولي مالك في المدونة، وقوله: إن الأجل إذا حل وعليه دين محيط برقبة العبد لم يعتق، وكان البائع أحق به من غيره من الغرماء، صحيح لا اختلاف فيه- إن كان الدين الذي عليه سوى ثمن العبد يحيط برقبة العبد؛ لأنه إذا وجب رد العتق بسبب الدين، كان البائع أحق به، وأما إذا لم يحط برقبة العبد، أو لم يكن عليه دين سوى ثمن العبد- والبائع هو الذي استحلفه، فقيل: إنه لا يرد عتقه في الثمن للبائع؛ لأنه لما استحلفه فقد رضي بعتقه فيتبعه بدينه ويعتق العبد كله- إن لم يكن عليه دين سوى ثمنه، وإن كان عليه دين سوى ثمنه، بيع منه بالدين وأعتق الباقي، وإن كان الدين الذي عليه سوى ثمن العبد يحيط برقبة العبد، كان البائع أحق به، وإن شاء أن يتركه ويحاص الغرماء بالثمن فيه، كان ذلك له، وهو قول ابن وهب، وقيل: إنه يرد عتقه في الثمن، وإن كان البائع هو الذي استحلفه، وهو قول ابن القاسم في رسم أوصى من سماع عيسى، ووجهه أن البائع يقول: رجوت أن يكون له وفاء إن حنث عند الأجل، ولو لم أطمع بذلك ما استحلفته، واختلف على هذا القول إن أراد البائع لما حل الأجل أن يؤخره بدينه، ويقر العبد بيده لعله يجد وفاء فيعتق، فقال ابن القاسم في المدونة: ذلك له؛ لأنه خير للعبد، وروى محمد بن يحيى السبائي عن
مالك فيها: أن ذلك ليس له؛ لأن العتق قد وجب بحلول الأجل، إلا أن يرده البائع بدينه، فإن أخره به، أعتق العبد، وليس له أن يؤخره بالثمن ويقر العبد بيده فيحرمه العتق، وهو القياس، وقول ابن القاسم استحسان، وبالله التوفيق.
مسألة: فر عبده فقال اخرج إلي يا فلان وأنت حر
مسألة وقال مالك فيمن فر عبده- يعني لحق بالعدو، فقال: اخرج إلي يا فلان- وأنت حر، ثم خرج، فقال: إنما أردت أن أستخرجك، فقال: إن كان أشهد أنه أراد أن يقول ذلك ليستنقذ عبده ويأخذه؟ فلا عتق عليه، وإن لم يشهد، فهو حر.
قال محمد بن رشد: هذا أصل مختلف فيه، قد قال مالك في رسم أخذ يشرب خمرا من كتاب المديان والتفليس في الذي يكون له على الرجل الحق فيجحده ويدعوه إلى الصلح، فيصالحه وشهوده غُيَّب ويشهد في السر أنه إنما يصالحه؛ لأنه جحده، فخاف أن يذهب حقه، وأنه على حقه إذا حضرته بينته، أن الصلح يلزمه ولا ينتفع بذلك، وقال أصبغ في نوازله من كتاب الدعوى والصلح: إنه ينتفع بالإشهاد في الغيبة البعيدة، والتحرز من هذا الاختلاف: يكتب في كتب الاصطلاحات: وأسقط عنه الاسترعاء (والاسترعاء) في الاسترعاء، ومن الكتاب من يزيد ما تكرر وتناهى ولا معنى له؛ لأن الاسترعاء هو أن يشهد قبل الصلح في السر أنه إنما يصالحه لوجه كذا، فهو غير ملتزم للصلح، والاسترعاء في الاسترعاء، هو أن يشهد أنه لا يلتزم الصلح، وأنه متى صالح وأشهد على نفسه في كتاب الصلح أنه أسقط عنه الاسترعاء في السر فإنه لا يلتزم ذلك، ولا يسقط عنه القيام به، فلا يتصور في ذلك منزلة ثالثة، وهذا الاسترعاء في السر، إنما ينفع عند من يراه
نافعا فيما خرج على غير عوض، وأما ما خرج على عوض من العقود كلها، فلا اختلاف في أن الاسترعاء فيها غير نافع، وبالله التوفيق.
مسألة: قال الرجل لعبده اعمل لي كذا وكذا وأنت حر
مسألة وقال مالك: إذا قال الرجل لعبده اعمل لي كذا وكذا- وأنت حر، فرد ذلك العبد، قال سحنون: يعني لم يقبل العبد فرده على سيده، ثم بدا له فقال: أنا أعمله، فقال: ليس ذلك له.
قال محمد بن رشد: في قوله فرد ذلك العبد، دليل بين على أن السيد لا يجبر عبده على الكتابة، وقد روي عنه أن له أن يكاتبه كرها، حكى ذلك عنه إسماعيل القاضي في كتاب الأحكام له، والاختلاف في ذلك أيضا من قول ابن القاسم قائم من المدونة - حسبما قد ذكرناه في هذا الكتاب، ووجه قول من قال: أن له أن يجبره على الكتابة، هو إنه إذا كان له أن يؤاجره السنة والسنتين، ويأخذ أجرته وهو باق على رقه، فيكاتبه مدة معلومة على مقدار ما يعلم إنه يطيق أداءه في تلك المدة من عمله، واكتسابه لأزم له، ليس له أن يمتنع منه؛ لأن ذلك يمضي به إلى الحرية من غير ضرر يلحقه فيه وقوله في الرواية: أنه إذا رد فليس له أن يرجع إلى القبول، بين صحيح على القول بأنه يجبره على الكتابة، وعلى القول بأنه لا يجبره عليها؛ لأنه على القول بأنه يجبره على الكتابة كالتمليك في الطلاق الذي للرجل أن يجبر زوجته عليه، فإذا ملكها واختارت زوجها، لم يكن لها أن ترجع إلى اختيار نفسها، وعلى القول بأنه لا يجبره على الكتابة كالمبايعة لو قال الرجل للرجل: إن شئت سلعتي هذه فهي لك بكذا وكذا، فرد ذلك، وقال: لا أشاؤها بذلك، لم يكن له أن يرجع إلى قبولها وأخذها بذلك الثمن، إلا أن يشاء البائع، ولو افترقا من المجلس قبل أن يرد ذلك العبد، أو يقبل في الذي قال له سيده كذا وكذا- وأنت حر، لم يكن له أن يقبل بعد انقضاء المجلس قولا واحدا على القول بأن الرجل ليس له أن يجبر عبده على الكتابة؛ لأن ذلك كالمبايعة لو قال الرجل
للرجل: لك سلعتي بكذا وكذا، فلم يقبل حتى انقضى المجلس، لم يكن له بعد المجلس قول، وأما على القول بأن الرجل يجبر عبده على الكتابة، فيكون له القبول بعد انقضاء المجلس على القول بأن للمملكة أن تقضي بعد انقضاء المجلس، ما لم توقف فترد، وقد قال ابن دحون: إن قول مالك في الرجل يوصي بتخير أمته فتختار الرد، أن لها أن ترجع إلى العتق- ما لم تبع، معارض لهذه المسألة، وليس ذلك بصحيح؛ لأن تخيير الرجل أمته بين العتق والبيع، بخلاف الوصية لها بذلك؛ لأن مواجهته إياها بالتخيير، يقتضي الجواب منها بالرد أو القبول، وليس كذلك الوصية لها بذلك؟ وقد مضى بيان هذا في سماع عيسى من كتاب الوصايا، وبالله التوفيق.
مسألة: أعتق الرجل في مرضه ولم يجد إلا شاهدا واحدا على عتقه
مسألة قال: إذا أعتق الرجل في مرضه ولم يجد إلا شاهدا واحدا على عتقه، فاليمين على الورثة ما علموا بعتق صاحبهم.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة، ظاهره أنه أوجب عليهم اليمين، ما علموا، وإن لم يحقق عليهم الدعوى بأنهم علموا، وذلك إذا كانوا ممن يظن منهم أنهم علموا على ما قال في كتاب العيوب والأقضية من المدونة، وقد قيل: إنه لا يمين عليهم إلا أن يدعي عليهم العلم، وهو الذي يأتي على ما في كتاب النكاح الثاني وكتاب بيع الغرر، والاختلاف
في هذا على اختلافهم في لحوق يمين التهمة؛ لأنها يمين تهمة، وقد وقع لأصبغ في رسم محض القضاء من سماعه أن اليمين لا تجب على الورثة للعبد، وإن حقق الدعوى عليهم في العلم، وكان له شاهد على الميت بالعتق- وهو بعيد، وأما إذا لم يكن له شاهد على الميت بالعتق، فلا يجب له على الورثة اليمين- وإن ادعى عليهم العلم، وحقق به الدعوى عليهم؛ لأن اليمين إذا لم تجب على السيد، فأحرى ألا تجب على الورثة، وبالله التوفيق.
مسألة: العبد يعتق يريد في الوصية ثم يمرض العبد مرضا شديدا يخاف عليه
مسألة قال ابن القاسم في العبد يعتق- يريد في الوصية ثم يمرض العبد مرضا شديدا يخاف عليه، أرى أن يعتق إذا اجتمع المال لا يؤخر لمرضه إذا اجتمع المال، ولا يعجل لمرض إن تأخر المال.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن المال إذا اجتمع، وجب أن تنفذ الوصية له بالعتق، ولا يؤخر ذلك رجاء أن يصح- مخافة أن يموت فتبطل الوصية، وإذا لم يجتمع المال، لم يصح أن يعتق مخافة أن يموت، ولعل المال يهلك ولا يجتمع، فيكون قد أعتق وهو لا يخرج من الثلث، ولا أن يعتق منه ما حمل الثلث ما اجتمع من المال فيبعض العتق؟ وإن دعا إلى ذلك العبد على مذهبه في المدونة خلاف قول أشهب، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لغلام لأبيه في حياة أبيه يوم أملكك فأنت حر
مسألة وسئل مالك: عمن قال لغلام لأبيه في حياة أبيه: يوم أملكك فأنت حر، فهلك الأب وملكه، قال: أو كان قال ذلك له يوم قاله وهو سفيه، فلا أرى له عتقا، وإن كان يومئذ حليما، فأراه يعتق عليه.
قال محمد بن رشد: هذا هو المعلوم في المذهب المشهور من قول مالك وجميع أصحابه، أن من أعتق ما لم يملك بشرط ملكه إياه، أو طلق ما لم ينكح بشرط نكاحه إياها، أن ذلك لازم له إذا خص ولم يعم، والأصل في لزوم ذلك له، قول الله عز وجل: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: 75] إلى قوله ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] ومن أهل العلم من ألزمه ذلك خص (أو عم) وهو القياس، ومنهم من لم يلزمه ذلك- خص أو عم- تعلقا بظاهر قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك» وتفرقة مالك بين أن يخص أو يعم استحسان، فتفرقته في الرواية (بين أن يكون) يوم قاله سفيها أو حليما - صحيحة بينة؛ لأن السفيه لا يلزمه العتق لكونه محجورا عليه في ماله بقول الله عز وجل: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] الآية وإنما موضوع الكلام هل هو محمول على الرشد في حياة أبيه حتى يعلم سفهه، أو على السفه حتى يعلم رشده، فالمشهور أنه محمول على السفه حتى يعلم رشده، وهو نص قول ابن القاسم في رواية يحيى عنه من كتاب الصدقات والهبات، وقيل: إنه بالبلوغ محمول على الرشد حتى يعلم سفهه على ظاهر قوله في كتاب النكاح الأول من المدونة إذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، وقد مضى الكلام على هذا في غير ما موضع من هذا الكتاب وغيره، وبالله التوفيق.
: كان لزوجها امرأة أخرى فآثر الأخرى عليها في مبيت ليال
ومن كتاب القبلة
وقال في امرأة كان لزوجها امرأة أخرى فآثر الأخرى عليها في مبيت ليال، فقالت: إن بت معك تحت سقف بيت حتى تبيت معي مثل ما بت عند الأخرى، فجاريتي حرة لوجه الله، قال مالك: يبيت معها في غير بيت في حجرة ويترك الأخرى حتى يفرغ من تلك الليالي.
قال أصبغ: أراها حانثة حيثما بات معها؛ لأنها إنما حلفت على الاجتناب والمنع حتى يفعل، ولا يبرها أن تبيت معه في الحجرة، ولو باتت معه في جوف الماء، لرأيتها حانثة، قال أصبغ: والذي يبرها- عندي- أن تبيت معه في الحجرة قدر الأيام التي كان عند صاحبتها ولا يمسها فيها، فإن مسها، حنثت، فإذا فرغ منها، بات معها في البيت، إلا أن تكون صمدت لنفسها صمدا المصاب في الحجرة، فلا تبر حتى يصيبها في الحجرة (في) تلك الليالي.
قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه المسألة بين؛ لأن الذي يدل عليه بساطها الذي خرجت يمينها عليه، إنها لما آثر عليها الأخرى، أرادت أن تعاقبه على ذلك بأن لا تبيت معه تحت سقف حتى يوفيها عدد الأيام التي آثر عليها فيها الأخرى، فإذا بات معها في الحجرة عدد تلك الأيام، برت في يمينها- كما قال- أصابها فيها أو لم يصبها، إلا أن تكون نوت أن يصيبها
فيها أو لا يصيبها فيها، فتكون في ذلك على نيتها والنية (في ذلك) محتملة للوجهين، إذ قد يحتمل أن تكون أرادت معاقبته على ما فعل من الإيثار عليها، بأن لا تبيت معه تحت سقف بيت، مع أن يصل منه في تلك الليالي إلمام بها إلى ما عسى أن يكون ألم به من الأخرى، ويحتمل أيضا أن تكون أرادت معاقبته على ذلك بأن تحرمه في عدد تلك الليالي الميت معها تحت سقف البيت، والمصاب لها فيها، وعلى هذا حمل أصبغ يمينها فقال: إنها حانثة، حيثما بات معها ولو في جوف الماء- إن أصابها فيها، ورأى أن الذي يبرها أن تبيت معه في الحجرة عدد تلك الليالي ولا يصيبها فيها، فحمل يمينها على غير المصاب، إلا أن تكون نوت المصاب، ورأى مالك إذا لم يكن لها نية إنها تبر- أصابها أو لم يصبها، وبالله التوفيق.
مسألة: المتوارثين إذا ماتا جميعا فلم يدر أيهما مات قبل صاحبه
مسألة قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: بلغني أنه قتل طلحة بن عبيد الله، وابنه محمد بن طلحة يوم الجمل، فاختصموا في ميراثه، فلم يورث أحد منهم من صاحبه، فأصلحت بينهم عائشة.
قال محمد بن رشد: هذا هو مذهب مالك وجميع أصحابه، والشافعي وأصحابه، وكافة أهل المدينة، وأكثر أهل العلم أن المتوارثين إذا ماتا جميعا بغرق، أو هدم، أو قتل، أو موت في بلدين، فلم يدر أيهما مات قبل صاحبه، إنه لا يورث أحد منهما من صاحبه، ويكون ميراث كل واحد منهما لورثته من الأحياء؛ لأن الميراث لا يكون بالشك، ومن أهل
العلم من ذهب إلى أنه يورث كل واحد منهما من صاحبه فيما كان له من مال، دون ما ورثه عنه، مثال ذلك أن يموت رجل وابنه ولكل واحد منهما ولد، ولا يدرى من مات منهما قبل صاحبه، ويترك كل واحد منهما ستين دينارا، فيورث الأب من ابنه سدس الستين التي ترك عشرة، ويورث الابن من أبيه نصف ما ترك إن لم يكن له إلا أخ واحد- ثلاثين، فيحصل لولد الابن ثمانون دينارا، ولولد الأب أربعون، إذ لا يجعل لواحد منها ميراث فيما ورثه عنه، وهذا هو أحد قولي أبي حنيفة، ومذهب سفيان الثوري، وجماعة سواهما، وفي ذلك بين الصحابة اختلاف أيضا، فلكلا القولين وجه، فوجه القول الأول هو ما تقدم من أنه لا يورث بالشك، ووجه القول الثاني أنه لا يقطع ميراث أحد بشك؛ لأن ميراث أحدهم واجب لصاحبه بلا شك، فلا يقطع ميراث واحد منهما بشك، وبالله التوفيق.
مسألة: عقب الرجل إنما هو من يرجع نسبه إليه من ولده وولد ولده
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول: العقب الولد الذكور والإناث من ولد الصلب، وولد ولدهم من الذكور والإناث من ولد الذكور.
قال محمد بن رشد: هذا ما لم يختلف فيه قول مالك، ولا قول أحد من أصحابه المتقدمين، كلهم يقول: إن عقب الرجل إنما هو من يرجع نسبه إليه من ولده وولد ولده- وإن سفلوا، فبنت الرجل من عقبه، وبنت ابنه وبنت ابن ابنه- وإن سفل؛ لأن كل واحدة منهن تنتسب إليه وترثه إذا لم يكن فوقها من يحجبها، وليس ولد بنت الرجل ذكرا كان أو أنثى من عقبه؛ لأنه لا ينتسب إليه ولا يرثه، وإنما هو من عقب بنته، فالأصل في هذا عند مالك
مراعاة النسب والميراث، فإذا أوصى الرجل لولد رجل، أو لعقبه، أو حبس على ولد رجل، أو على عقبه، لم يدخل في ذلك أولاد البنات عند مالك، واختلف الشيوخ بالتأويل على مذهبه في الذرية، فمنهم من قال: (إنه) لا فرق على مذهب مالك بين الولد والعقب والذرية والنسك؛ لأن ولد البنات لا يدخلون في ذلك، ومنهم من قال: إنهم يدخلون في الذرية والنسل على مذهبه، ولا يدخلون في الولد والعقب، وقد فرغنا من تفسير هذه المسألة في غير هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
: حلف بعتق رقيقه في شيء ألا يفعله فأراد فعل ذلك
ومن كتاب حلف ألا يبيع رجلا (سلعة) سماها وسئل: عن رجل حلف بعتق رقيقه في شيء ألا يفعله، فأراد فعل ذلك، وأراد أن يتصدق برقيقه على ولده وأمه صدقة صحيحة ليس فيها دلسة، قال: لا، حتى يبيعهم في الأسواق، قال ابن القاسم: قيل لمالك: فإن الرجل الحالف قد فعل، قال: فما أراه يخرج من المأثم.
قال ابن القاسم: وأرى إن كانت صدقة صحيحة تحاز عنه، فأرجو أن يكون خفيفا، وإن كان شيئا يليه فأراه حانثا.
قال سحنون وعيسى: إن تصدق بها على ولده الكبار فلا حنث عليه، وإن كانوا صغارا، فإنه حانث- ولي هو حيازتها، أو جعل ذلك إلى غيره يحوزها لهم، فأراه حانثا.
قال محمد بن رشد: قوله: لا حتى يبيعهم في الأسواق، معناه أنه لا ينبغي له أن يفعل ذلك، وقول مالك: إن فعل، فما أراه يخرج من المأثم،
يدل على أنه لا يحنث عنده فيهم فيعتقون عليه، ومعناه إذا فعل ذلك الشيء - إذا حلف بعتق رقيقه إلا يفعله بعد أن حاز ولده وأمه عنه الرقيق بالصدقة، وأما لو فعل ذلك الشيء قبل أن يحاز عنه الرقيق بالصدقة، لوجب أن يعتقوا عليه على قياس قول ابن القاسم وروايته عن مالك في الذي يتصدق بالعبد ثم يعتقه، إن العتق أولى به من الصدقة، وقد مضى الكلام على ذلك في سماع محمد بن خالد من كتاب الصدقات والهبات، وهذا في الولد الكبير، وأما الولد الصغير فالحنث يلزمه فيهم، وإن حوزهم غيره على ما قاله سحنون وعيسى، يريدان إن كان لهما مال ويغرم لهما القيمة، فقولهما تفسير لقول ابن القاسم ففي الولد الكبير إن حاز لم يحنث فيهم، ولم يلزمه العتق، وإن لم يحز حنث فيهم ولزمه العتق، ولم يكن للولد شيء، وفي الولد الصغير إن كان له مال حنث فيهم ولزمه العتق، وكانت عليه القيمة، كما لو أعتقهم وولي هو حيازتهم، أو جعل ذلك إلى غيره، وإن لم يكن له مال لم يحنث فيهم، ولم يلزمه عتقهم، هذا تحصيل القول في هذه المسألة وقد كان بعض الناس يحمل الروايات على ظاهرها من الخلاف، فيقيم منها ثلاثة أقوال؛ أحدها: إن الحنث لا يقع عليه فيهم بعد الصدقة بهم- كان الولد صغيرا أو كبيرا، بدليل قوله أولا فما أراه يخرج من المأثم.
والثاني: الفرق بين أن يكون الولد صغيرا أو كبيرا- على ظاهر قول سحنون وعيسى.
والثالث: الفرق بين أن تحاز عنه الصدقة، أو يكون هو الذي يليها- كان الولد صغيرا أو كبيرا- على ظاهر قول ابن القاسم، وليس ذلك- عندي- بصحيح، وخشي عليه الإثم بالفرار من الحنث بالصدقة بهم على مثل أمه وولده الذي يعلم أنه لو أراد عتقهم بالحنث فيهم بعد أن تصدق بهم عليهم، لم ينازعوه في ذلك، وبالله التوفيق.
: قال مماليكي أحرار ولا نية له
ومن كتاب أوله شك في طوافه وسئل مالك: عمن قال: كل مملوكا لي ذكر حر، يريد بذلك الرجال، قال ذلك على ما أراد ولا يضره ما قال: كل مملوك لي حر- إذا قال رجل، أو أراد بذلك الرجال- ولم يرد بذلك النساء، قال سحنون: ولو قال: مماليكي أحرار ولا نية له، عتق ذكور رقيقه دون إناثهم، قيل له: ولو قال: رقيقي أحرار، فقال: هذا خلاف عندي، وأرى أن يعتق ذكور رقيقه وإناثهم، قيل له: فلو قال عبيدي أحرار وكل عبد لي حر، قال: ليس يعتق عليه في هذا إلا ذكور عبيده دون الإناث، وهو بمنزلة من حلف ألا يأكل عجوة، فأكل صيحانيا.
قال محمد بن رشد: كذا وقع في هذه المسألة في بعض الروايات كل مملوك له ذكر حر، وسقط من بعضها ذكر، وسقوطه هو الصواب؛ لأنه إذا قال ذكر لم يحتج أن ينوي ذلك، وقوله ذلك على ما أراد ولا يضره ما قال: كل مملوك لي حر- إذا قال رجل، أو أراد بذلك الرجال- ولم يرد به النساء، يدل على أنه يقبل منه نيته ويصدق فيها- وإن كانت على قوله بينة، وذلك خلاف ظاهر ما في المدونة من أنه قال: كل مملوك لي حر- وله مكاتبون، ومدبرون، وأمهات أولاد، أنهم يعتقون عليه كلهم، وأما قول سحنون فيمن قال: مماليكي أحرار أو كل مملوك لي حر، أو عبيدي أحرار، أو
كل عبد لي حر، أنه محمول على الذكران دون الإناث، فهو بعيد؛ لأنه لفظ يقع على الذكران والإناث، قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46] أراد الذكر والأنثى، وقد حكى عنه ابنه أنه رجع عن ذلك فقال: يعتق الذكور والإناث- ولو أتى مستفتيا على القول بأنه يقع على الذكر والأنثى، فقال: أردت الذكر والأنثى لنرى في ذلك قولا واحدا، وأما إذا قال: رقيقي أحرار، فلا اختلاف في وقوعه على الذكر والأنثى، ولا في أنه لا ينوى في ذلك- إن ادعى أنه أراد الذكران أو الإناث، إلا أن يأتي مستفتيا، وقوله في الرواية: إذا قال رجل وأراد بذلك الرجال، صوابه إذا قال رجل أو أراد بذلك الرجال، فالواو ههنا بمعنى أو؛ لأنه إذا قال رجل فلا يحتاج أن ينوى في ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: يحلف في جارية له إن وطئها فرقيقه أحرار
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يحلف في جارية له إن وطئها فرقيقه أحرار، فأراد وطئها فوهب رقيقه لولده، ثم أتى الجارية فوطئها، قال: ما أحب له إلا أن يبيعهم في السوق، فأما أن يعطيهم ولده فلا، قيل له: فإنه فعل ووطئ، قال: ما أرى ذلك له مخرجا، فقيل له: أتراهم أحرارا فوقف وقال: ما أرى ذلك مخرجا له، قال سحنون مثله، قال عيسى: إن كانوا صغارا، يحنث، وإن كانوا كبارا، فلا حنث عليه، قال أصبغ وهو قول ابن القاسم، قيل لعيسى: سواء عندك إن حازها الأب على ولده الصغار فكانت على يديه، أو جعلها على يدي غيره يحوزها لهم، فهو حانث، قال: نعم، وقد ذكر ابن القاسم في كتاب حلف ألا يبيع سلعة سماها من قول مالك مثل هذا سواء، وزاد فيها ابن القاسم من عنده وقال: أرى إن كانت صدقة
صحيحة تحاز عنه، فأرجو أن يكون خفيفا، وإن كان شيئا يليه فأراه حانثا.
قال محمد بن رشد: قال مالك في هذه الرواية في الهبة مثل ما تقدم من قوله في رسم حلف في الصدقة، فدل ذلك على ألا فرق عنده بين الهبة والصدقة- وإن كانت الهبة تعتصر والصدقة لا تعتصر، ورأيت لابن دحون أنه قال: لا تجوز هبته للكبار؛ لأن له الاعتصار، إلا أن يقول لله أو للثواب، فيجوز ذلك، ومعنى قوله: أنه لا تجوز هبته للكبار، من أجل أن الصدقة تعتصر، كما لا تجوز الصدقة على الصغار، من أجل أن للأب أن يعتق عبد ابنه الصغير، وأن يوصي بعتقه وأن يحلف بعتقه- إذا كان له مال، وليس قوله: - عندي- بصحيح؛ لأن الهبة مال له موهوب له حتى تعتصر، فإذا خرج العبيد عن ملكه بالهبة، وجب ألا يحنث فيهم- وإن كان له أن يعتصرهم، إلا أن يكون وهبهم ونيته الاعتصار بعد أن يطأ جاريته، فلا يخرجه ذلك من يمينه، ويحنث فيهم وإن كان قد وهبهم، كما إذا تصدق بهم على وجه الدلسة ليسترجعهم بعد الحنث، فلا يبر بذلك، ويعتقون على معنى ما تقدم في رسم حلف، وما وقع في هذه الرواية من أن سحنون يقول مثل قول مالك، وأن ابن القاسم يقول مثل قول عيسى، يبين صحة ما ذهبا إليه من أن تفسير كلام بعضهم ببعض، ولا يحمل على ظاهره من الخلاف، وبالله التوفيق.
مسألة: سأل رجلا أمرا يخبره فقال فاحلف أنك لا تخبره أحدا ولتكتمه
مسألة وسئل مالك: عن رجل سأل رجلا أمرا يخبره، فقال: فاحلف أنك لا تخبره أحدا، ولتكتمه، قال كل مملوك لي حر- إن
أخبرت به أحدا، واستثنى في نفسه- إلا فلانا، أترى ذلك له ثنيا؟ قال: لا، ولا أرى الثنيا إلا ما حرك به لسانه، فأما استثناؤه في نفسه، فلا أرى ذلك له ثنيا، وسئل مالك: عن هذا، فقال: إن حرك به لسانه فله ثنياه، قيل لابن القاسم: فإن لم يعلم المحلوف له، قال: نعم وليس عليه أن يعلمه، سحنون لم يكن في كتابه وأنكره، ورأى أن ليس له ثنيا- وإن حرك به لسانه؛ لأن اليمين للذي استحلفه ولم يعجبه قول مالك فيها.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة بعينها متكررة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب النذور، ومضى الكلام عليها هناك مستوفى، فاكتفينا بذلك عن إعادته مرة ثانية هنا، ومضت أيضا في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق، وفي غير ما موضع، وبالله التوفيق.
مسألة: المرأة تعتق الرجل فيموت المعتق وثم ولدها وأخوها
مسألة وسئل مالك: عن المرأة تعتق الرجل فيموت المعتق وثم ولدها وأخوها، من ترى أحق بالصلاة عليه؟ قال: ابنها، ما لأخيها وما له، ابنها أحق بميراثها والصلاة عليها، (ومن أعتقت كذلك) . قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن ابن المرأة أحق بها من أخيها في ميراثها والصلاة عليها، فهو أحق بالصلاة على مولاها، وإنما الاختلاف إن أراد الابن أن يقدم أجنبيا، أو من هو أبعد من الأخ، فقيل ذلك له لأنه حقه يجعله لمن شاء، وهو قول ابن الماجشون وأصبغ في الواضحة، ودليل ما في أخر أول رسم من سماع أشهب من كتاب الجنائز، وقيل: ليس
ذلك له، والأخ أولى من الأجنبي الذي قدمه الابن؛ لأن الابن إذا أبى أن يأخذ حقه، وجب لمن بعده، كالشفيع، إذ لو وجبت له الشفعة، إنما له أن يأخذ أو يترك، وليس له أن يعطي حقه لمن شاء، وهو قول ابن عبد الحكم، وبالله التوفيق.
مسألة: ابتاع عبدا بثمن فكساه إزارا ثمنه ثمانية دراهم
مسألة وسئل مالك: عن رجل ابتاع عبدا بثمن، فكساه إزارا ثمنه ثمانية دراهم، فكلمه رجل في أن يبيعه منه، فحلف بحريته إن باعه منه بربح خمسة دراهم حتى يزاد، وكانت نيته ما زاد من قليل أو كثير أن يقبله، فزاده درهما، أترى عليه شيئا لموضع الإزار الذي كساه- وقد بعته منه، وقلت له: نسأل عن يمينه، فإن لم يكن علي شيء فهو لك، وإن كان علي شيء، فإن شئت أن تأخذه على ذلك، وإن شئت أن تتركه، قال مالك: لا أرى أن تترك ثمن الإزار لموضع الحنث، ولم يقل له في الشرط شيئا، ثم قال له: فإني قد دفعته منذ ستة أيام إلى حجام يعلمه، وشارطته عليه يعلمه سنة بدينار، فقال: كم أقام عنده؟ قال: خمسة أيام، قال: أرض الحجام من عندك، فقال له: ما ترى علي حنثا؟ قال: لا، ولا أرى هذا من ناحية ما حلف، وهذه أيام يسيرة.
قال محمد بن رشد، هذه مسألة بينة كلها لا إشكال في أنه يحنث إن ترك ثمن الإزار؛ لأنه إذا اشتراه بلا إزار وباعه بالإزار، فقد وقع عليه بعض الثمن وصار قد باعه بأقل مما حلف عليه فحنث، ولا في أنه لا يحنث بما
أرضى به الحجام؛ لأن ذلك مما لم يقصده في يمينه، ولا وقع عليه حلفه، كما أنه لا يلزم أن يعد في ثمنه- ما أنفق عليه في طعامه؛ لأن ذلك مما لم يقصده، ولا وقعت عليه يمينه، إلا أن يكون لذلك عرف كالنخاسين الذين يشترون الدواب ويبيعونها مرابحة فيقولون: اشتريتها بكذا، وأنفقت عليها كذا، وأبيعكها بربح كذا، فلو حلف التاجر منهم في دابة قد اشتراها للتجارة ألا يبيعها إلا بربح كذا، يحنث إذا لم يعد نفقته، ولو حلف رجل في جارية عنده أو دابة لم يشترها لتجارة ألا يبيعها إلا بربح كذا، لم يحنث إن لم يعد نفقته، إلا أن يكون نوى في يمينه أن يعد نفقته في الثمن، فلا يبر إلا بذلك، وقال: إنه لم يقل في الشرط شيئا وهو شرط جائز لا يقدح في صحة البيع؛ لأنه أوجبه له على نفسه، فكذلك الثمن إن لم يدخل عليه فيه حنث فذلك جائز، كمن قال: أوجبت لك سلعتي بكذا وكذا- إن جاء اليوم فلان، وما أشبه هذا، وبالله التوفيق.
مسألة: العبد يكون نصفه حرا ونصفه مملوكا
مسألة وسئل: عن العبد يكون نصفه حرا، ونصفه مملوكا، يحتاج الذي له فيه الرق حاجة شديدة، أله أن يأخذ من مال عبده ما يأكل ويكتسي؟ قال: لا، الغني في هذا والفقير سواء بمنزلة واحدة، ليس لهم أن يأخذوا من ذلك شيئا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن العبد إذا أعتق بعضه أقر ما له بيده للشرك الذي له في نفسه، فليس للذي له فيه الرق أن يأخذ من