البيان والتحصيلصفحات 421-460
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجامع الرابع

صفحات 421-460
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

تعظيم الخطيئة في الحرم

في تعظيم الخطيئة في الحرم قال مالك: بلغني أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان إذا قدم مكة لم يضطرب بناه إلا خارجا من الحرم، فقلت لمالك: لم كان يفعل ذلك؟ قال: يريد إعظام الخطيئة في الحرم.
قال محمد بن رشد: تأويل مالك على عمرو بن العاص صحيح بين؛ لأن من تعظيم الحرم أن لا يعصى الله فيه، قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] ، وقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] ، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأن أعمل عشر خطايا بركبة أحب إلي من أن أعمل واحدة بمكة، والمعنى في ذلك بأن السيئات تضاعف فيها كما تضاعف فيها الحسنات، وقد رأى بعض العلماء تغليظ الدية في الجراح والنفس في البلد الحرام والشهر الحرام لهذا المعنى، وبالله التوفيق.

الإشارة بالرجل للعمل

في الإشارة بالرجل للعمل قيل لمالك: فإن فلانا لا يعمل وهو يشير بمن يعمل.
قال: إن كان يشير برجل مأمون لا بأس بحاله فلا بأس بذلك، فقيل له: أفيطلب الرجل للرجل حتى يوليه؟ قال: إن علم فيه خيرا للمسلمين أشار بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن من أشار على الإمام بتولية من لا خير في توليته للمسلمين أو من ليس بثقة ولا مأمون فقد

غشه وغش المسلمين، وقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من غشنا فليس منا» ، وقال: «الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» ، وقد أعان على الإثم والعدوان، والله عز وجل يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] ، وبالله التوفيق.

ما يدعو به الرجل من أسماء الله

فيما يدعو به الرجل من أسماء الله وسئل مالك: عن الرجل يقول يا الله يا رحمن يا رحيم، قال: يقول: يا رحمن يا رحيم فيقول بالله، قال: يقول: اللهم أبين، ويدعو بما دعت به الأنبياء.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في جواز الدعاء بـ "يا الله" ويا رحمن ويا رحيم؛ لأن الله من أسماء الله العظام، وقد قيل فيه: إنه اسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، والرحمن اسم من أسمائه المختصة به، والرحيم اسم من أسمائه التي سمى بها نفسه في كتابه، إلا أن الدعاء بـ "يا رحمن يا رحيم" غير بين، لما ذكرناه من أنهما من أسمائه التي قد أجمعت الأمة على تسميته بها لتسمية الله عز وجهه نفسه بها في كتابه العزيز.
و"اللهم" بمنزلة "الله"؛ لأن الميم زيدت في اسم الله عوض "يا" النداء المحذوفة من أوله تعظيما له بذلك، وقد جاء القرآن بذلك، قال الله عز

وجل: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26] الآية، وقال: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: 114] ، وقال: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: 32] ، وقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ﴾ [الزمر: 46] ، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، وكان من دعائه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد ... » الحديث.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت » الحديث، والسنن في هذا أكثر من أن تحصى، ولذا استحب مالك "اللهم" في الدعاء، وإنما كره مالك الدعاء بـ "يا سيدي ويا حنان" وبما أشبه ذلك من الأسماء لاختلاف أهل العلم في جواز تسميته بها، إذ لم ترد في القرآن ولا في السنن المتواترة، ولا أجمعت الأمة على جواز تسميته بها.
وأما الدعاء بـ "يا منان" فلا كراهية فيه؛ لأنه من أسماء الله القائمة من القرآن، قال الله عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: 11] ، وقد مضى هذا في رسم الصلاة الثالث من سماع أشهب من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.

فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه

فيما يحكى من فضائل عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال مالك: كان عمر بن الخطاب لا يفرض لصبي حتى يعظم، فمر من الليل وصبي يبكي، فقال لأمه: أرضعيه، فقالت: لا يفرض له عمر، ففرض عمر بعد ذلك للمولود مائة درهم في السنة.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه الحكاية في كتاب الزكاة الثاني من المدونة، فزاد فيها: فولى عمر وهو يقول: كدت والذي نفسي بيده أن أقتله، ففرض للمنفوش من ذلك اليوم مائة درهم.
وقوله في هذه الرواية: في السنة - تتميم لما وقع في المدونة، وفي هذا إشفاق عمر بن الخطاب للمسلمين وحنوه عليهم لعلمه أنه مسئول عنهم، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم» ، وقد قال عمر بن الخطاب إيمانا بهذا الحديث وتصديقا له: لو مات جمل بشط الفرات ضياعا لخشيت أن يسألني الله عنه، وبالله تعالى التوفيق.

يوم بدر وفتح مكة كان كل واحد منهما في يوم سبعة عشر من رمضان

في أن يوم بدر وفتح مكة كان كل واحد منهما في يوم سبعة عشر من رمضان قال مالك: فتحت مكة في سبعة عشر يوما من رمضان، وكان يوم بدر في سبعة عشر يوما من رمضان، كانا جميعا في رمضان.
قال محمد بن رشد: فيما أخبر به مالك من هذا ما يدل على أن المعرفة بسير النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وغزواته وبعوثاته وأحواله إلى حين وفاته من

العلم الشريف الذي يحظى به صاحبه ويغبط فيه ويحمد عليه، فكانت بدر وهي أعظم المشاهد وأكثرها فضلا لمن شهدها؛ لأن الله أعز بها الدين ونصر فيها المسلمين، وأمدهم بالملائكة المسومين، وأذل بها المشركين في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هاجر إلى المدينة فقدمها في ربيع الأول يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، فأقام بها إلى أن دخلت السنة الثانية.
ففي السنة الثانية في صدر صفر منها كانت غزوة ودان، ويقال لها غزوة الأبواء، وهي أول غزواته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، خرج فوادع بني ضمرة بن عبد مناة، وعقد ذلك معه سيدهم مخشي بن عمرو ثم رجع ولم يلق كيدا.
وفيها بعث حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد إلى سيف البحر من ناحية العيص فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب من كفار أهل مكة فحجر بينهم مجدي بن عمرو الجهني وتوادع الفريقان، فلم يكن بينهم قتال.
وفيها بعث عبيدة بن الحارث في ستين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، فنهض حتى بلغ ابني وهي ماء بأسفل ثنية المرة من الحجاز، فلقي بها جمعا من قريش عليهم عكرمة بن أبي جهل، فلم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص كان في ذلك البعث، فرمى فيه بسهم، فكان أول سهم رمى به في سبيل الله، واختلف أهل السير في هذين البعثين أيهما كان قبل صاحبه.

وفيها كانت غزوة بواط، خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى بلغ بواط من ناحية رضوى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة العشيرة، خرج - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسار حتى بلغ العشيرة فوادع فيها بني مدلج، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة بدر الأولى، أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى بلغ سفوان في ناحية بدر، وفاته كرز فرجع إلى المدينة.
وفيها كان بعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط من المهاجرين، قيل في طلب كرز بن جابر فبلغ الحرار ثم رجع.
وفيها بعث عبد الله بن جحش في ثمانية من المهاجرين، منهم واقد بن عبد الله التميمي وعتبة بن غزوان، وكتب له كتابا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، ولا يكره أحدا من أصحابه، ففعل ما أمره به، فلما فتح الكتاب وجد فيه إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها وتعلم لنا أخبارهم، فلما قرأ الكتاب قال: سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه أنه لا يكره أحدا منهم، وأنه يمضي بمن أطاعه منهم أو وحده إن لم يطعه منهم أحد، وقال: من أحب الشهادة منكم فلينهض معي، ومن كره الموت فليرجع، فقالوا: كلنا نرغب فيما ترغب، وما منا أحد إلا سامع مطيع لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فنهضوا حتى نزلوا بنخلة فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وتجارة من الشام، فيها عمرو ابن الحضرمي، وعبد الله ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة المخزوميان، وكان ذلك في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فتشاوروا في ذلك، وقالوا: إن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة

الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اتفقوا على لقائهم فرمى واقد بن عبد الله التميمي منهم عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله، فقدموا بالعير والأسرى، وقال لهم عبد الله بن جحش: اعزلوا مما غنمنا الخمس لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان أول خمس في الإسلام، ثم نزل القرآن: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] الآية، فأقر الله ورسوله فعل عبد الله بن جحش في ذلك ورضياه وسناه للأمة إلى يوم القيامة، فكانت هذه أول غنيمة في الإسلام وأول أسير أسر فيه، وعمر بن الحضرمي أول قتيل قتل فيه، وأنكر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قتله في الشهر الحرام، فسقط في أيدي القوم، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217] الآيات إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 218] ، فأخبر الله تعالى أن القتال في الشهر الحرام كبير، وأن الكفر بالله والصد عن سبيله وإخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام أكبر عند الله من ذلك، وذلك أن المشركين عيروا أصحاب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بالقتل في الشهر الحرام، فأخبر الله عز وجل أن الذي هم عليه من الكفر أشد وأكبر من القتل في الشهر الحرام، ثم أثنى على أصحاب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ﴾ [الأنفال: 72] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: 70] فدل ذلك على أنه قد غفر لهم.
وقد قيل: إن قتلهم لعمرو بن الحضرمي وقتالهم إنما كان في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى، وغمد المسلمون سيوفهم حتى دخل رجب، فالله

أعلم، وقبل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الفداء في الأسيرين، فأما عثمان ابن عبد الله فمات بمكة كافرا وأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى استشهد ببئر معونة، ورجع سعد وعتبة إلى المدينة سالمين.
وفيها صرفت القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة.
ولما دخل رمضان منها اتصل بالنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن عيرا لقريش عظيمة فيها أموال لهم كثيرة مقبلة من الشام إلى مكة معها ثلاثة وأربعون رجلا من قريش رئيسهم أبو سفيان بن حرب، فندب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المسلمين إلى تلك العير، وأمر من كان ظهره حاضرا بالخروج، ولم يحتفل لأنه أراد العير، ولم يعلم أنه يلقى حربا، فاتصل بأبي سفيان خروج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فأرسل إلى أهل مكة مستصرخا لهم إلى نصر عيرهم، فخرج أكثر أهل مكة ولم يتخلف من أشرافهم إلا القليل، ولما أتى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الخبر بخروج نفير قريش لنصر العير، أخبر أصحابه بذلك واستشارهم فيما يعملون، فتكلم كثير من المهاجرين وتمادى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يريد ما يقول الأنصار، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، لو استعرضت هذا البحر لخضناه معك، فسر بنا يا رسول الله على بركة الله حيث شئت.
فسر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله، وقال: سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفين.
ولما قرب أبو سفيان من بدر تقدم وحده حتى أتى ماء بدر، فقال لمجدي: هل أحسست أحدا؟ قال: لا، إلا أن راكبين أناخا إلى هذا التل واستقيا الماء ونهضا، فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيرهما ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع سريعا حذرا، فصرف العير عن طريقها، وأخذ طريق الساحل فنجا، وأوصى إلى قريش يخبرهم بأنه قد نجا هو والعير فارجعوا، فأتى أبو جهل، وقال: والله لا نرجع أو نرد ماء بدر ونقيم عليه ثلاثا فتهابنا العرب أبدا وسبق رسول الله

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قريشا إلى ماء بدر، ومنع قريشا من السبق إليه مطر أنزله الله عليهم عظيم لم يصب منه المسلمين إلا ما شد لهم دهش الوادي، وأعانهم على المسير، ومشى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على موضع الوقعة، فعرض على أصحابه مصارع رءوس الكفار من قريش مصرعا مصرعا، يقول: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فما عدا واحد منهم مصرعه ذلك الذي حده رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكانت الوقعة ببدر يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان السنة الثانية من الهجرة.
    وفيها كانت غزوة بني سليم، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يقم بالمدينة بعد منصرفه عن بدر إلا سبعة أيام، ثم خرج بنفسه يريد بني سليم، فبلغ ماء يقال له الكدر، فأقام عليه ثلاث ليال ثم انصرف ولم يلق حربا.
    وفيها كانت غزوة السويق، وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف قبل بدر ندب إلى أن يغزو رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فخرج في مائتي راكب حتى أتى العريض في طرف المدينة فحرق أصوارا من النخل وقتل رجلا من الأنصار وحليفا له وجدهما في حرث لهما، ثم كر راجعا فنفر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمسلمون في إثره وبلغ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرقرة الكدر، وفاته أبو سفيان والمشركون وقد طرحوا سويقا كثيرا من أزوادهم يتخففون بذلك، فأخذه المسلمون فسميت غزوة السويق.

متى وقعت غزوة ذي أمر

وفي السنة الثالثة كانت غزوة ذي أمر في صفر، غزا رسول الله صلى

الله عليه وسلم نجدا يريد غطفان، فأقام - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بنجد صفرا كله، ثم انصرف ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة بحران في ربيع الأول، ذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقام بالمدينة ربيعا الأول، ثم غزا قريشا فبلغ بحران معدنا بالحجاز فأقام هنالك ربيعا الآخر وجمادى الأولى، ثم انصرف إلى المدينة ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة بني قنينقاع، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان لما قدم المدينة وادعته اليهود وكتب بينه وبينهم كتابا، وألحق كل قوم بلحقائهم وشرط عليهم فيما اشترط ألا يظاهروا عليه أحدا، فنقض بنو قنينقاع من اليهود عهده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فخرج إليهم وحاصرهم حتى نزلوا على حكمه، فشفع فيهم عبد الله بن أبي ابن سلول، ورغب في حقن دمائهم وألح على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك، فأسعفه فيهم، وحقن دماءهم، وهم قوم عبد الله بن سلام، وكان حصاره لهم خمس عشرة ليلة.
وفيها كان البعث إلى كعب بن الأشرف، وذلك أنه لما اتصل به قتل صناديد قريش ببدر، قال: بطن الأرض خير من ظاهرها، ونهض إلى مكة فجعل يرثي كفار قريش ويحرض على قتال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وكان شاعرا، ثم انصرف إلى موضعه، فلم يزل يؤذي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالهجو والدعاء إلى خلافه ويسب المسلمين حتى آذاهم، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من لكعب بن الأشرف، فإنه يؤذي الله ورسوله والمؤمنين؟ "، فقال له محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا أقتله إن شاء الله، قال: " فافعل إن قدرت على ذلك» ، فكان من خروجه إليه وتلطفه في قتله بما أذن له فيه

رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من القول ما هو مذكور في السير.
وفيها كانت غزوة أحد، وذلك أن كفار قريش غزته في شوال منها، وقد استمدوا بحلفائهم والأحابيش من بني كنانة، وخرجوا بنسائهم لئلا يفروا عنهن، وقصدوا المدينة فنزلوا قرب أحد على جبل على شفير الوادي بقناة مقابل المدينة، فرأى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في منامه أن في سيفه ثلمة، وأن بقرا له تذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة، فتأولها أن نفرا من أصحابه يقتلون، وأن رجلا من أهل بيته يصاب، وأن الدرع الحصينة المدينة، وأشار رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أصحابه ألا يخرجوا إليهم، وأن يتحصنوا بالمدينة، فإن قربوا منهم قوتلوا على أفواه الأزقة، ووافق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على هذا الرأي عبد الله بن أبي ابن سلول، وأبى كبراء الأنصار إلا الخروج إليهم ليكرم الله منهم من شاء بالشهادة، فلما رأى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عزيمتهم دخل بيته فلبس لأمته وخرج، وذلك يوم الجمعة، وندم قوم من الذين ألحوا في الخروج، وقالوا: يا رسول الله إن شئت فارجع، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» ، فخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ألف من أصحابه نحو أحد، وانصرف عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس مغاضبا إذ خولف رأيه، حتى نزل الشعب من أحد من عدوة الوادي إلى الخيل، فجعل ظهره إلى أحد وبنى الناس عن القتال حتى يأمرهم، وتعبأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للقتال وهو في سبعمائة، فيهم خمسون فارسا، وكان رماة المسلمين خمسين، وقيل: إن المشركين كانوا في ثلاثة آلاف فيهم مائتا فارس، وظاهر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يومئذ بين درعين، وقاتل الناس قتالا شديدا ببصائر ثابتة، فانهزمت قريش واستمرت الهزيمة عليهم،

فلما رأى ذلك الرماة قالوا: قد هزم أعداء الله فما لقعودنا هاهنا معنى، وقد كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رتبهم خلف الجيش لئلا يأتي العدو من ورائهم، فذكرهم أميرهم أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياهم ألا يزولوا فلم يلتفتوا إلى قوله، وقالوا: قد انهزموا، ثم كر المشركون فتولى المسلمون وثبت منهم من أكرمه الله بالشهادة، وجرح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر وهشمت البيضة رأسه وأكبت الحجارة عليه حتى سقط في حفرة كان أبو عامر الراهب قد حفرها مكيدة للمسلمين، فخر - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على جنبه فأخذ علي بيده واحتضنه طلحة حتى قام ونشبت حلقتان من درع المغفر في وجهه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح بثنيتيه فسقطتا فكان أهتم يزينه هتمه، ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من جرح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجزاه عن أمته ودينه بأفضل ما جازى به نبيا من أنبيائه عن صبره، وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان الظفري، فأتى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعينه على وجنته فردها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده وغمزها، فكانت أحسن عينيه وأصحهما، وأدرك أبي بن خلف يومئذ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتناول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحربة من الحارث ابن الصمة ثم طعنه في عنقه فكر منهزما، فقال له المشركون: والله ما بك من بأس، فقال: والله لو بصق علي لقتلني، أليس قد قال: بل أنا أقتله، وقد كان أوعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالقتل بمكة، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بل أنا أقتلك إن شاء الله، فمات عدو الله من ضربة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مرجعه إلى مكة بموضع يقال له سوق، وكان خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عشية الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شوال، والوقيعة يوم السبت للنصف منه، وكان على ميمنته علي بن أبي طالب، وعلى

الميسرة المنذر بن عمرو، وعلى الرجالة الزبير بن العوام، ويقال المقداد، وعلى الرماة عبيد الله بن جبير ومعه سعد بن مالك.
وسائر ما جرى في هذه الغزوة ومن استشهد فيها من المهاجرين والأنصار، وقتل فيها من الكفار - قد ذكره أصحاب السير.
وفي اليوم الثاني من هذه الوقعة كانت غزوة حمراء الأسود، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر باتباع العدو، فخرج بالناس إلى موضع يدعى حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة، فأقام به يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة، ولما بلغ العدو خروجه في اتباعهم فت ذلك في أعضادهم وقد كانوا هموا بالرجوع إلى المدينة فكسرهم خروجه عن ذلك وتمادوا إلى مكة.
وفي رمضان من هذه السنة تزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زينب بنت خزيمة من بني عامر بن صعصعة، وهي أم المساكين، فعاشت عنده شهرين أو ثلاثة.
وفي شعبان منها تزوج حفصة.
وفيها تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وفيها ولد الحسن بن علي بن أبي طالب.

أحداث آخر السنة الثالثة من هجرة النبي عليه السلام

وفي السنة الرابعة في صفر منها وهو آخر السنة الثالثة من هجرة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قدم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نفر من عضل والقارة، فذكروا له أنهم قد أسلموا ورغبوا أن يبعث معهم نفرا من المسلمين يعلمونهم القرآن ويفقهونهم في الدين، فبعث

معهم ستة رجال: مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وخالد بن بكير الليثي، وعاصم بن ثابت بن الأقلح، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة بن عبيد، وعبد الله بن طارق حليف بني ظفر، وأمر عليهم مرثد بن أبي مرثد، فنهضوا مع القوم حتى إذا صاروا بالرجيع وهو بالهذيل بناحية الحجاز استصرخوا عليهم هذيلا وغدروا بهم، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا والرجال قد غشوهم وبأيديهم السيوف، فأخذوا سيوفهم ليقاتلوهم فأمنوهم، فأبى مرثد بن أبي مرثد وعاصم بن ثابت وخالد بن البكير أن يقبلوا منهم، فقاتلوا حتى قتلوا، وكان عاصم منهم قد قتل يوم أحد فتيين أخوين، من بني عبد الدار فنذرت أمهما سلافة بنت سعد بن شهيد إن الله أمكنها من رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر، فرامت بنو هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلامة، فأرسل الله عز وجل دونه الدبر فحمته عنهم، فقالوا: إذا كان الليل فسيذهب الدبر، فبعث الله في الليل سيلا لم ير مثله فذهب به فلم يقدروا عليه، وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فألقوا بأيديهم فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة، فلما ساروا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه وتأخر عن القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه وحملوا خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فباعوهما بمكة فصلب خبيب - رَحِمَهُ اللَّهُ - بالتنعيم، وهو القائل حين قدم ليصلب:

ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع في أبيات له، وهو أول من سن الركعتين عند القتل.
وقال له أبو سفيان بن حرب: أيسرك يا خبيب أن محمدا عندنا بمكة نضرب عنقه وأنك سالم في أهلك؟ ... والله ما يسرني أني في أهلي وأن تصيب محمدا شوكة تؤذيه.
وابتاع صفوان بن أمية زيد بن الدثنة فقتله بأبيه.
وفي هذه السنة في شهر صفر منها أيضا كان بعث بئر معونة، وكان سببه أن أبا براء الكلابي من بني كلاب، ويعرف بملاعب الأسنة واسمه «عامر بن مالك قدم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فدعاه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد وقال: لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك، قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " إني أخشى عليهم أهل نجد "، فقال أبو براء: أنا لهم جار، فبعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المنذر بن عمرو الساعدي» وهو الذي يعرف بالمعنق ليموت لقب غلب عليه، والأكثرون يقولون أعنق ليموت في أربعين رجلا، وقيل: في سبعين رجلا من خيار المسلمين، منهم شباب من الأنصار كانوا يسمون القراء، كانوا يتنحون ناحية من المدينة يحسب أهلوهم أنهم في المسجد،

ويحسب أهل المسجد أنهم في أهليهم، فيصلون من الليل حتى إذا تقارب الصبح احتطبوا الحطب واعتذبوا الماء فوضعوه على أبواب حجر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وأمر على جميعهم المنذر بن عمرو، فنهضوا حتى نزلوا بئر معونة من أرض بني عامر وحرة بني سليم ثم بعثوا منها حرام بن ملحان بكتاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى عدو الله عامر ابن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا عليه فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه، وقالوا: لا نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم: عصية ورعل وذكوان، فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوا حتى قتلوا من آخرهم إلا كعب بن زيد منهم، فإنهم تركوه وبه رمق فأرتت من بين القتلى وعاش حتى قتل في الخندق شهيدا وكان في سرحهم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار، فلما رجعا لينظرا حال قومهم وقد شعروا بأمرهم إذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري لعمرو ابن أمية: ما ترى؟ فقال: أرى أن تلحق برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتخبره الخبر، فقال الأنصاري: ما كنت لأرغب عن موضع قتل فيه المنذر بن عمرو، فقاتل حتى قتل، وأسر عمرو بن أمية فجز عامر بن الطفيل ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه، فقدم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد أن قتل في طريقه

رجلين كانا نزلا معه في ظل من بني عامر أو من بني سليم، وقد كان لهما من النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عهد وجوار لم يعلم به، وظن أنه قد أصاب منهما ثارة من بني عامر فيما أصابوه من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما أخبر بذلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لقد قتلت رجلين كان لهما مني جوار، لأدينهما» ، هذا عمل أبي براء، وقد كنت لهذا كارها، وبلغ أبا براء ما فعل عامر ابن الطفيل، فشق عليه إخفاره إياه.
ولحسان بن ثابت في ذلك شعر يحرض فيه بني أبي براء على عامر بن الطفيل.
وفيها في شهر ربيع الأول منها كانت غزوة بني النضير، غزاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتحصنوا منه، فحاصرهم ست ليال وأمر بقطع النخل وإحراقها فألقوا بأيديهم وسألوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يكف عن دمائهم ويجليهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فاحتملوا كذلك إلى خيبر، ومنهم من صار إلى الشام.
وممن صار منهم إلى خيبر أكابرهم كحيي بن أخطب، وسلام بن الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، فدانت لهم خيبر، وقسم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أموالهم بين المهاجرين إلا أنه أعطى منها أبا دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف لفقرهما، والحارث بن الصمة، وقد مضى في رسم نذر سنة، المعنى الذي من أجله خص بذلك المهاجرين دون الأنصار، ونزلت سورة الحشر في بني النضير قوله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: 2]

إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: 17] فكان إجلاء بني النضير أول الحشر في الدنيا إلى الشام، ولذلك قيل للشام أرض المحشر، وفي الحديث: «تجيء نار من قعر عدن تحشر الناس إلى الشام تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا» . وكان سبب غزوة بني النضير أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما قال لعمرو بن أمية: لقد قتلت قتيلين لأدينهما خرج بنفسه إلى بني النضير مستعينا بهم في ذلك، وكانت بينه وبينهم موادعة، فتوامروا على قتله، وهموا أن يلقوا عليه صخرة في مكانه الذي كان فيه جالسا عندهم، فأعلمه الله بذلك، فخرج عنهم ولم يشعر أحد ممن معه، ونهض إلى المدينة، فلما استبطأه أصحابه وراث عليهم خبره أقبل رجل من المدينة فسألوه، فقال: لقد لقيته وقد دخل أزقة المدينة، فقام أصحابه ولحقوا به، فأخبرهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بما أوحى الله إليه مما أرادت اليهود فعله، وأمر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصحابه بالتهيؤ لقتالهم وحربهم، وخرج إليهم.
وفيها كانت غزوة ذات الرقاع، في جمادى الأولى منها خرج لخمس خلون من الشهر يريد بني محارب وبني ثعلبة بن غطفان حتى نزل نخلة، فلقي بها جمعا من غطفان، وتقارب الناس ولم يكن بينهم قتال، وصلى بها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة الخوف، ثم انصرف، وإنما سميت ذات الرقاع؛ لأن أقدامهم

نقبت فكانوا يلفون عليها الخرق، وقيل: قيل لها ذات الرقاع لأنهم رقعوا راياتهم فيها، وقيل: ذات الرفاع شجرة بذلك الموضع تدعى بذات الرقاع، وقيل: بل الجبل الذي نزلوا عليه كانت أرضه ذات ألوان من حفرة وصفرة وسواد، فسموا غزوتهم ذات الرقاع لذلك، فالله أعلم، وبه التوفيق.
وفيها كانت غزوة بدر الثانية في شعبان منها، وذلك أن أبا سفيان كان نادى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أحد: موعدنا معكم بدر في العام المقبل، فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من يجيبه بنعم، فخرج للميعاد المذكور، ونهض حتى أتى بدرا، فأقام هنالك ثماني ليال ينتظر أبا سفيان بن حرب، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان، ثم رجع واعتذر هو وأصحابه بأن العام كان عام جدب.
وفي هذه السنة بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبا عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة من طريق العراق.

متى وقعت غزوة دومة الجندل

وفي السنة الخامسة كانت غزوة دومة الجندل، في ربيع الأول منها خرج إلى دومة الجندل، وانصرف من طريقه قبل أن يبلغ إليها، ولم يلق حربا.

وفي شوال منها كانت غزوة الخندق وكان سببها أن اليهود اجتمعوا وألبوا وخرجوا إلى مكة فدعوا قريشا إلى حرب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ووعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إليهم، فأجابهم أهل مكة إلى ذلك، ثم خرج اليهود المذكورون وهم الذين حزبوا الأحزاب إلى غطفان، فدعوهم إلى ذلك فأجابوهم، فخرجت قريش يقودهم أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن في فزارة والحارث بن عوف المري في بني مرة، ومسعود بن رخيلة الأشجعي في أشجع، فلما سمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهم ضرب الخندق على المدينة، فأقبلت قريش ومن معها من هذه القبائل في نحو عشرة آلاف، وأقبلت غطفان بمن معها من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد، وخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمسلمون حتى نزلوا بظهر سلع في ثلاثة آلاف، وضربوا عسكرهم والخندق بينهم وبين المشركين، فأقام بضعا وعشرين يوما، فلم يكن بينهم حرب إلا رمي بالنبل، وخرج عمرو بن عبد ود في أصحاب له، فدعا إلى المبارزة، فخرج علي فقتله، وهرب أصحابه واقتحموا الثغرة التي كانوا أجازوا الخندق فيها فرجعوا، وقتل من المسلمين يوم الخندق ستة نفر، منهم سعد بن معاذ أصابه سهم فمات بعد قريظة، وانصرفت الأحزاب عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكفى الله المؤمنين القتال.
وكان سبب ذلك أن نعيم بن مسعود قدم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأسلم وقال: مرني بما شئت وما عسى أن تفعل وأنت رجل واحد، فلو ذهبت فخذلت بين القوم فإن

الحرب خدعة، فذهب فخذل بين قريش وبين بني قريظة، فاختلفت كلمتهم، وبعث الله عليهم ريحا شديدة عاصفة في ليال باردة لم يبق لهم بناء إلا قلبته، ولا قدر إلا كفأته، وكان في حفر الخندق آيات بينات، وعلامات النبوءة مذكورة عند أهل السير والآثار.
وفي هذه السنة كانت غزوة بني قريظة، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أصبح وقد ذهبت الأحزاب ورجع إلى المدينة ووضع الناس سلاحهم عند صلاة الظهر أتاه جبريل في صفة دحية الكلبي على بغلة عليها قطيفة.
فقال لهم: إن كنتم وضعتم سلاحكم فإن الملائكة لم تضع سلاحها، والله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، وإني متقدم إليهم ومزلزل بهم، فنادى منادي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: من كان سامعا مطيعا فلا يصل العصر إلا في بني قريظة، فحاصرهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خمسا وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم أن يقتل الرجال وتقسم الأموال، وتسبى النساء والذراري، فقتل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجالهم: حيي بن أخطب وكعب بن أسد ستمائة أو سبعمائة، استنزلهم ثم قتلهم بالمدينة، واصطفى من نسائهم عمرة بنت قحافة، ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة وهي نباتة امرأة الحكم القرظي التي طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتله.
وروي عن عائشة أنها قالت: إن كانت لعندي تضحك وتحدث ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقتل رجالهم؛ إذ هتف هاتف: أين فلانة؟ قالت: أنا والله مقتولة، قلت: ويلك لم؟ قالت: لحدث أحدثته، فانطلق بها فضربت عنقها.

ولما انقضى شأن الخندق وقريظة تذاكرت الخزرج من في العداوة لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كابن الأشرف الذي قتله محمد بن مسلمة، حتى لا تنفرد الأوس دوننا بمثل تلك المنقبة، فذكروا ابن أبي الحقيق، واستأذنوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قتله، فأذن لهم، فخرجوا إليه خمسة نفر من الخزرج كلهم من بني سلمة، وهم عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنس، ومسعود بن سنان، وأبو قتادة بن ربعي، وخزاعي بن أسود حليف لهم، وطرقوه في بيته بخيبر ليلا فقتلوه، وقدموا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو على المنبر، فقال: أفلحت الوجوه، فقالوا: أفلح وجه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «قال: أقتلتموه؟ قالوا: نعم، قال: ناولوني السيف، فسله فقال: أجل، هذا طعامه في ذباب السيف» . وروي أنهم تداعوا في قتله، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هاتوا أسيافكم» ، فأروه إياها، فقال - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن سيف عند عبد الله بن أنس: «هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام» ، وقد كانوا لما تعاوروه بأسيافهم صاحت امرأته، فخرج أهل الآطام وأوقدوا النيران، فخرجوا وهم لا يوقنون بموته، فرجع أحدهم فدخل بين الناس، فسمع امرأته تقول: والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم قلت: أنى بابن عتيك بهذه البلاد، قال: ثم إنها نظرت في وجهه، فقالت: فاض وإله يهود.

غزوة بني لحيان

وفي السنة السادسة كانت غزوة بني لحيان، خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شهر جمادى الأولى منها إلى بني لحيان مطالبا بثأر عاصم ابن عدي وأصحابهما المقتولين بالرجيع، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال، فتمادى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مائتي راكب حتى نزل عسفان وبعث - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم، ثم كرا ورجع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قافلا إلى المدينة.
وفي هذه الغزوة قالت الأنصار: إن المدينة خالية منا وقد بعدنا عنها، ولا نأمن عدونا أن يخالفنا إليها فأخبرهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن على أنقاب المدينة ملائكة، على كل نقب منها ملك يحميها بأمر الله تعالى عز وجل.
وفي هذه السنة كانت غزوة ذي قرد، ولما رجع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غزوة بني لحيان لم يقم بالمدينة إلا ليالي، وأغار على سرح المدينة عيينة بن حصن في بني عبد الله بن غطفان، فاقتسموا لقاحا كانت لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وسلم بالغابة وناقته العضبا، وكان فيها رجل من بني غفار وامرأة له، فقتلوا الغفاري وحملوا المرأة واللقاح، وكان أول من أنذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، كان ناهضا إلى الغابة، فلما علا على ثنية الوداع نظر إلى خيل الكفار فصاح وأنذر المسلمين ثم نهض في آثارهم فأبلى بلاء عظيما ورماهم بالنبل حتى استنقذ أكثر ما في أيديهم، ووقعت الصحية بالمدينة، وجاء الناس إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وأول من جاء منهم المقداد بن الأسود، ثم خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على فرس لأبي طلحة، وقال: إن وجدته لبحرا وانهزم المشركون، وبلغ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ماء يقال له ذو قرد، فأقام على ذلك الماء يوما وليلة، ولما قام القوم يوما وليلة قامت امرأة الغفاري المقتول، فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا رغا حتى أتت العضبا، فإذا ناقة ذلول، فركبتها ونذرت إن أنجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عرفت ناقة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فأخبر بذلك، فأرسل إليها فجيء بها والمرأة، فقالت: يا رسول الله، نذرت إن أنجاني الله عليها أن أنحرها، فقال لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بئس ما جزيتها، لا وفاء في نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم» ، وأخذ ناقته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وفي شعبان من هذه السنة غزا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بني المصطلق، وأغار عليهم وهم غازون على ماء يقال له المريسيع من ناحية قديد بما يلي الساحل، فقتل من قتل وسبى النساء والذرية، وقد قيل: إنهم جمعوا لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأرادوه، فلما بلغه ذلك خرج إليهم فلقيهم على ماء يقال له المريسيع، فاقتتلوا فهزمهم الله، والقول الأول أصح أنه أغار عليهم وهم غارون.
ومن ذلك السبي كانت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها فأدى عنها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتابتها وأعتقها وتزوجها، قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: وما رأيت أعظم بركة على قومها منها، ما هو إلا أن علم المسلمون أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوجها وأعتقوا كل ما في أيديهم من سبي المصطلق، وقالوا: أصهار رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأسلم سائر بني المصطلق.
وفي هذه الغزاة قال عبد الله بن أبي ابن سلول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
وَبَلَّغَ زيدُ بن أرقم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مقالة عبد الله بن أبي ابن سلول، فأنكرها ابن أبي، فأنزل الله عز وجل سورة المنافقين، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لزيد بن أرقم: «وفت أذنك يا غلام» وأخذ بأذنه، وتبرأ عبد الله بن عبد الله بن أبي من فعل أبيه، وأتى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، أنت والله العزيز، وهو الذليل، أو قال: أنت الأعز وهو الأذل وإن شئت لتخرجنه من المدينة.
وقال سعد بن عبادة لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هذا رجل يحمله حسده على النفاق فدعه إلى عمله، فقد كاد قومه على أن يتوجوه بالخرز قبل قدومك المدينة ويقدموه على أنفسهم، فهو يرى أنك نزعت ذلك منه، وقد خاب وخسر إن كان يضمر خلاف ما يظهر، وقد أظهر الإيمان فكله إلى ربه.
وقال عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله بلغني أنك تريد من قتل أبي، فإن كنت تريد ذلك فمرني بقتله فوالله لئن أمرتني بقتله لأقتلنه، وإني أخشى إن قتله غيري أن لا أصبر عن طلب فأقتل مسلما فأدخل النار وقد علمت الأنصار أني أبر أبنائها بأبيه، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خيرا، ودعا له، وقال: «بر أباك ولا يرى منك إلا خيرا» . وفي هذه الغزاة، قال أهل الإفك في عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، ونزل القرآن ببراءتها.
وقد قيل في هذه الغزاة: إنها كانت قبل الخندق وقريظة، والصواب أنها كانت بعدها، ثم بعث رسول الله صلى الله

عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد إسلامهم بأكثر من عامين - الوليد بن عقبة بن أبي معيط مصدقا لهم، فخرجوا ليتلقوه ففزع منهم وظن أنهم يريدونه بسوء، فرجع عنهم وأخبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة وهموا بقتله، فتكلم المسلمون في غزوهم، فبينا هم كذلك إذ قدم وافدهم منكرا لرجوع مصدقهم عنهم دون أن يأخذ صدقاتهم وأنهم إنما خرجوا إليه مكرمين، فأكذبه الوليد بن عقبة، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: 6] يعني الوليد بن عقبة، ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6] . وفي هذا العام كانت غزوة الحديبية، خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذي القعدة منها معتمرا واستنفر الأعراب الذين حول المدينة، وخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن اتبعه من العرب وجميعهم نحو ألف وأربعمائة أو ألف وخمسمائة، وساق معه الهدي.
وأحرم بعمرة ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب، فلما بلغ خروجه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قريشا خرج جميعهم صادين له عن المسجد الحرام ودخول مكة، وأنه إن قاتلهم قاتلوه دون ذلك، وقدموا خالد بن الوليد في خيل إلى كراع الغميم، فورد الخبر بذلك على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو بعسفان فسلك طريقا يخرج وراء ظهورهم فخرج إلى الحديبية من أسفل مكة، ولما وصل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الحديبية بركت ناقته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال الناس: خلأت، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما خلأت ولا هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني اليوم قريش إلى خطة يسألوني فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها» ، ونزل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هناك، وجرت السفراء بينه وبين كفار قريش، وطال التراجع بينهم إلى أن جاء سهيل بن عمرو العامري، فقاضاه على أن ينصرف عامه ذلك، فإذا كان من العام المقبل أتى معتمرا، ودخل مكة بلا سلاح إلا السيوف في قرابها، فيقيم بها ثلاثا ويخرج، وعلى أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام يتداخل الناس فيها ويأمن بعضهم بعضا، وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلما رد إليهم، ومن جاء من المسلمين إليهم مرتدا لم يرد إليهم، فشق ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اصبروا فإن الله يجعل هذا الصلح سببا إلى ظهور دينه» ، فأنس الناس إلى قوله واطمأنت له نفوسهم وأبى سهيل بن عمرو أن يكتب في كتاب الصلح بذلك محمد رسول الله، وقال: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، وقد كان علي بن أبي طالب كاتبه، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «امحه، فقال: والله لا أمحو اسمك، فقال: أرني إياه، فأراه فمحاه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكتب محمد بن عبد الله» وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد بعث عثمان بن عفان قبل الصلح إلى مكة رسولا، فأخبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أهل مكة قتلوه، فدعا رسول إليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المسلمين إلى المبايعة على قتال أهل مكة، قيل: على الموت، وقيل: على أن لا يفروا، وهي بيعة الرضوان تحت الشجرة التي قال الله فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18] ،

إلى قوله: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18] يريد فتح مكة ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: 19] يريد ما غنموا بخيبر، وضرب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيمينه على شماله لعثمان، فهو من أهل بيعة الرضوان، وكان قد جاء من قريش نحو السبعين أو الثمانين للإيقاع بالمسلمين وانتهاز الفرصة في أطرافهم، والسفراء يمشون بينهم في الصلح، ففطن لهم المسلمين فخرجوا إليهم فأسروهم، وجاءوا بهم إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فأطلقهم النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فهم الذين يسمون العتقاء، وإليهم ينسب العتقيون.
ولما كمل الصلح بين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمسلمين، فنحروا وحلقوا، وقد كانوا توقفوا عن النحر والحلق إذ أمرهم به، فلما رأوه قد نحر وحلق تتابعوا في ذلك وتسابقوا إليه، ودعا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة.
ولما رجع إلى المدينة رد بالشرط من جاء من الرجال مسلما، وأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10] إلى آخر السورة، فلم يرد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من جاء من النساء مسلمات، وقد بينا في أول سماع ابن القاسم من كتاب التجارة إلى أرض الحرب هذا المعنى بيانا شافيا، وبالله تعالى التوفيق.

أحداث السنة السابعة من الهجرة

وفي السنة السابعة كانت غزوة خيبر، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما انصرف من الحديبية أقام بالمدينة ذا الحجة، وخرج في المحرم إلى خيبر، وافتتحها في صفر، ورجع في غرة ربيع الأول، وكانت حصونا كثيرة، فافتتحها حصنا حصنا، فكان أول حصونهم افتتح حصن ابن أبي الحقيق، ومن سباياه كانت صفية بنت حيي بن أخطب، كانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أصابها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وابني عم لها، فقيل: إنه أعطاها لدحية بن خليفة الكلبي ثم ابتاعها منه بسبعة أرؤس، وقيل: إنه كان سأله إياها، فلما اصطفاها لنفسه أعطاها ابني عمها وجعلها عند أم سليم حتى اعتدت وأسلمت، ثم أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، فمن أهل العلم من جعل ذلك خصوصا للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، كالموهوبة، ومنهم من جعل ذلك خصوصا للنبي سنة لمن شاء من أمته، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح.
ولما وقف إلى بعض حصونهم امتنع عليه فتحه ولقوا فيه شدة، فقال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه"، فلما أصبح دعا عليا وهو رمد فتفل في عينيه، ثم قال: "خذ الراية وامض بها حتى يفتح الله على يديك» فلما دنا من الحصن خرج أهله إليه فقاتلهم فضربه رجل من اليهود، فألقى ترسه من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في يديه وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده، قال ابن رافع مولى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - راوي

الحديث: فلقد رأيتني في نفر معي سبعة وأنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه.
وآخر ما افتتح من حصونهم الوطيح والسلالم، حاصرهم بضع عشرة ليلة، فسألوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يسيرهم ويحقن دماءهم ففعل، فقيل في هذين الحصنين: إنهما افتتحا بصلح فلم يكن فيهما خمس، ولا كان لأحد فيها مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيء، فقطع منها لأزواجه، وكذلك الكتيبة، قيل فيها: إنها كانت صلحا صافية لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كبني النضير وفدك، وقيل: إنها كانت عنوة كلها، وإلى هذا ذهب ابن عبد البر، فقال: الصحيح أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خمس أرض خيبر كلها، وقسمها بين من شهد الغزاة، وهم أهل الحديبية؛ لأن أرض ذينك الحصنين مما غلب عليهم المسلمون كسائر أرض خيبر، وإنما كان الصلح في الرجال والذرية والعيال، وقد مضى القول في قسم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرض خيبر، وفي حكم الأرض المفتتحة عنوة عند العلماء، واختلافهم في ذلك مستوفى في سماع أشهب من كتاب الجهاد.
ولما افتتحت خيبر ولم يقدر أهلها على عمارتها وعملها أقر اليهود فيها على العمل في النخل والأرض، وقال لهم: «أقركم ما أقركم الله» ، ثم أذن الله له في مرضه الذي توفي فيه بإخراجهم، فقال: «لا يبقين دينان بأرض العرب» ، وقال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أخرجوا اليهود والنصارى من أرض الحجاز» ، ولم يكن

بقي بها يومئذ مشرك وثني ولا بأرض اليمن أيضا إلا أسلم في سنة تسع وسنة عشر، فلما بلغ عمر بن الخطاب في خلافته قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أخرجوا اليهود والنصارى من أرض العرب» أجلاهم منها، وأخذ المسلمون سهامهم من خيبر فتصرفوا فيها تصرف المالكين.
وفي غزاة خيبر هذه حرم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحمر الأهلية.
وفيها أهدت اليهودية زينب بنت سالم بن مشكم لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشاة المصلية وسمت له منها الذراع، وكان أحب اللحم إليه، فلما تناول الذراع لفظها ورمى بها وقال: هذا العظم يخبرني أنه مسموم ودعا باليهودية، فقال: ما حملك على هذا؟ فقالت: أردت أن أعلم إن كنت نبيا وعلمت أن الله إن أراد بقاءك أعلمك، فلم يقتلها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأكل معه من الشاة بشر بن البراء بن مغرور فمات من أكلته تلك.
وكان المسلمون يوم خيبر ألفا وأربعمائة رجل ومائتي فارس.
وفي هذه السنة كان فتح فدك، وذلك أنه لما اتصل بأهلها ما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأهل خيبر بعثوا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى ذلك، فكانت فدك مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب مما أفاء الله عليه بما نصره من الرعب به فلم يقسمها

رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ووضعها حيث أمره الله عز وجل.
قال ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب: كان لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صفايا بني النضير وخيبر وفدك.
وفي هذه السنة أيضا كان فتح وادي القرى، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انصرف من خيبر إليها فافتتحها عنوة وقسمها وأصيب بها غلام له أسود يسمى مرغم أصابه سهم غرب فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كلا إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا» . وفي هذه السنة أيضا كانت عمرة القضاء، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجع من خيبر إلى المدينة، فأقام بها شهر ربيع وشهر جمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوال.
وبعث في خلال ذلك السرايا.
من ذلك غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من مشارف الشام في بلي وسعد الله ومن يليهم قضاعة فخاف

عمرو بن العاص من ناحية الذي هو به، فبعث إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يستمده، فندب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المهاجرين الأولين، فانتدب فيهم أبو بكر وعمر في سراة من المهاجرين وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجرح، فأمد بهم عمرو بن العاص، فلما قدموا على عمرو، قال: أنا أميركم، وإنما أرسلت إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أستمده فأمدني بكم، قال المهاجرون: بل إنما أنت أمير أصحابك، وأبو عبيدة أمير المهاجرين، فقال عمرو: إنما أنتم مدد أمددت بكم، فلما رأى ذلك أبو عبيدة، وكان رجلا حسن الخلق لين الشكيمة متبعا لأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعهده، قال: تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد إِلَيَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا، وإنك والله لئن عصيتني لأطيعنك، فسلم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص.
ثم خرج - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذي القعدة قاصدا إلى مكة للعمرة على ما عاقد عليه قريشا في الحديبية، فلما اتصل ذلك بقريش خرج أكابرهم من مكة عداوة لله ولرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولم يقدروا على الصبر في رؤيته يطوف بالبيت هو وأصحابه، فدخل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مكة وأتم الله له عمرته، وقعد بعض المشركين بقيقعان ينظرون إلى المسلمين وهم يطوفون بالبيت، فأمرهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالرمل ليروا المشركين أن بهم جلدا وقوة، وكان المشركون قالوا في

المهاجرين قد وهنهم حمى يثرب.
وتزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في عمرته تلك ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، قيل: قبل أن يحرم بعمرته، وقيل: وهو محرم بها، وقيل: بعد أن حل منها، فلما تمت الثلاثة الأيام أوصت إليه قريش أن يخرج عن مكة، ولم يمهلوه أن يبني بها، فخرج - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبنى بها في سرف.

أحداث السنة الثامنة من الهجرة

في السنة الثامنة كانت غزوة مؤتة، بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في جمادى الأولى منها بعث الأمراء إلى الشام وأمر على الجيش زيد بن حارثة مولاه، وقال: إن قتل، أو قال: إن أصيب فعلى الناس جعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، وشيعهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وودعهم، ثم انصرف، ونهضوا، فلما بلغوا مغار من أرض الشام أتاهم الخبر بأن هرقل ملك الروم نزل في ناحية البلقاء من لخم وجذام وقبائل قضاعة، فأقام المسلمون في معان، وقالوا: نكتب إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نخبره بعدد عدونا فيأمرنا بأمره أو يمدنا، فقال لهم عبد الله بن رواحة: يا قوم إن التي تطلبون قد أدركتموها، يعني الشهادة، وما يقاتل الناس بعدد ولا قوة، ولا نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله

به، فانطلقوا فهي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة، فوافقه الجيش كله على هذا الرأي، ونهضوا حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقوا الجموع التي ذكرنا كلها مع هرقل، إلى جنب قرية يقال لها مشارف.
وصار المسلمون في قرية يقال لها مؤتة، فجعل المسلمون على ميمنتهم قطنة بن قتادة العذري، وعلى الميسرة عباية بن مالك الأنصاري، وقيل: عبادة بن مالك، واقتتلوا، فقتل الأمير الأول زيد بن حارثة ملاقيا بصدره الرماح مقبلا غير مدبر، والراية في يده، فأخذها جعفر بن أبي طالب ونزل عن فرس له شقراء، وقيل: إنه عرقبها وعقرها، فقاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله فقطعت، فاحتضن الراية، فقتل وهو كذلك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وسنه ثلاث وثلاثون أو أربع وثلاثون، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة، وتردد عن النزول بعض التردد ثم صمم فقاتل حتى قتل، فأخذ الراية ثابت بن أقوم أخو بني العجلان، وقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: لا، فدفع الراية إلى خالد بن الوليد، وقال: أنت أعلم بالقتال مني، فأخذها خالد بن الوليد، وانحاز بالمسلمين، وأنذر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصحابه بالمدينة يخبرهم في يوم قتلهم قبل ورود الخبر بيومين.
وفي هذه السنة كانت غزوة فتح مكة، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقام بالمدينة بعد بعث مؤتة جمادى ورجب،

ثم حدث الأمر الذي أوجب نقض العهد لقريش المعقود يوم الحديبية، وذلك أن خزاعة كانت في عقد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مؤمنها وكافرها، وكانت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة في عقد قريش، فعدت بنو بكر بن عبد مناة على قوم من خزاعة خرج نوفل بن معاوية فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة حتى بيتت خزاعة ونالت منهم، واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح وقوم منهم بأنفسهم مستخفين بذلك، فانهزمت خزاعة إلى الحرم، فقال قوم نوفل ابن معاوية لنوفل: يا نوفل اتق إلهك ولا تستحل الحرم ودع خزاعة، فقال: لا إله لي اليوم، والله يا بني كنانة إنكم لتسرفون في الحرم، أفلا تدركون فيه ثأركم؟ فقتلوا رجلا من خزاعة يقال له منبه، ودخلت خزاعة دور مكة في دار بديل ابن ورقاء الخزاعي ودار مولى لهم يقال له رافع، فكان ذلك نقضا للصلح، فقدم بديل بن ورقاء وقوم من خزاعة على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مستغيثين به فيما أصابهم به بنو بكر بن عبد مناة وقريش، فأجابهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى نصرهم، وقال: «لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب» ، ثم نظر إلى سحابة، فقال: «إنها لتستهل بنصر بني كعب» يعني خزاعة، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لبديل بن ورقاء ومن معه: «إن أبا سفيان سيأتي ليشد العقد ويزيد في مدة الصلح وينصرف بغير حاجة» ، وقدمت قريش على ما فعلت، فقدم أبو سفيان المدينة ليشد العقد ويزيد في المدة، ثم أتى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في المسجد وكلمه فلم يجبه، فسعى في أن يستشفع إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فيما قدم له بابنته أم المؤمنين أو أبى بكر أو بعمر بن الخطاب، فلم يجبه أحد منهم إلى ذلك، وقال له عمر: أنا أفعل ذلك؟

والله لو لم أجد إلا الدرة لجاهدتكم بها، وقال له علي بن أبي طالب هازلا به: أنت سيد بني كنانة، فقم فأجر على الناس والحق بأرضك، فقال له: يا أبا الحسن، أترى ذلك نافعي أو مغنيا عني؟ قال: ما أظن ذلك، ولكن لا أجد لك سواه، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس، إني قد أجرت على الناس، ثم ركب وانطلق راجعا إلى مكة، فلما قدمها أخبر قريشا بما لقي وبما فعل، فقالوا له: ما جئت بشيء وما زادك علي بن أبي طالب على أن لعب بك، ثم أعلن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المسير إلى مكة وخرج في عشرة آلاف، وكان خروجه لعشر خلون من رمضان، وقد أخفى الله خبرهم عن قريش، فخرج أبو سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام يتحسسون الأخبار، وقد كان العباس بن عبد المطلب هاجر مسلما تلك الأيام، فلقي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذي الحليفة، فبعث ثقله إلى المدينة، وانصرف مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غازيا، فهو من المهاجرين قبل الفتح، ولما نزل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالجيوش مر الظهران رقت نفس العباس لقريش وأسف على ذهابها وخاف أن تغشاهم الجيوش قبل أن يستأمنوا، فركب بغلة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونهض حتى أتى الأراك وهو يطمع أن يلقى حطابا واحدا يأتي مكة، فلينذرهم، فبينما هو يمشي إذ هو سمع صوت أبي سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء، وهما يتساءلان، وقد رأيا نيران عسكر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فلما سمع العباس كلامه ناداه،: أبا حنظلة، فميز أبو سفيان كلامه فناداه: أبا الفضل، فقال: نعم، فقال: فداك أبي وأمي، فقال له العباس: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الناس،

واصباح قريش، فقال أبو سفيان: فما الحيلة؟ قال: والله إن ظهر بك ليقتلنك، فارتدف خلفي وانهض معي إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فارتدفه العباس على بغلة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمسك ومر على نار عمر، فميزه، فقال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسبقه العباس فدخل ودخل عمر على إثره، فقال: يا رسول الله، هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه بلا عقد ولا عهد، فأذن لي فيه أضرب عنقه، فقال العباس: يا رسول الله قد أمنته وأجرته فأمره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يحمله إلى رحله ويأتيه به صباحا، ففعل العباس ذلك، فلما أصبح أتى به النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله» ، فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وما أكرمك وما أوصلك، والله لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني، قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي وأمي أنت، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه ففي النفس منها شيء حتى الآن، فقال له العباس: ويحك أسلم قبل أن تضرب عنقك، فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا يفخر به، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» ، فكان هذا أمانا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة إلا من استثنى وهم عبد الله العذوي بن خطل، وعبد الله بن

سعد بن أبي سرح وعكرمة بن أبي جهل والحويرث بن نقير بن وهب ومقيس بن صبابة وقينتا ابن خطل فرتنا وصاحبتها كانتا تغنيان ابن خطل بهجو رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب والأسباب التي من أجلها استثناها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مذكورة في السير.
ولذلك قال جماعة من أهل العلم منهم الشافعي: إن مكة مؤتمنة ليست عنوة، والأمان كالصلح، ورأى أن أهلها مالكون رباعهم يجوز لهم كراؤها وبيعها وشراؤها؛ لأن من أمن قد حرم ماله ودمه، فمكة مؤمنة عند من قال بهذا القول إلا الذين استثناهم النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وأمر بقتلهم، وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة.
وأكثر أهل العلم يرون فتح مكة عنوة لأنها أوجف عليها بالخيل والركاب، إلا أنها مخصوصة بأن لم يجر فيها قسم ولا غنيمة ولا سبي من أهلها أحد.
وخصت بذلك لما عظم الله من حرمتها.
ومنهم من يرى أنها إنما خصت بأن لا يسبى أهلها، وأما دورها فمغنومة لا يجوز بيعها ولا كراؤها.
والأصح أنها بلدة مؤمنة أمن أهلها على أنفسهم فكانت

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل