البيان والتحصيلصفحات 143-182
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجامع الثاني

صفحات 143-182
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قراءة الطالب على الراوي

ومن كتاب أوله حلف أن لا يبيع سلعة سماها في العرض على العالم هل يقال فيه حدثنا؟ وسئل مالك فقيل له: أرأيت ما عرضنا عليك القول فيه حدثنا قال: نعم، قد يقول الرجل يقرأ على الرجل: أقرأني فلان وإنما قرأ عليه.
ولقد قال ابن عباس: كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف، فقيل له: أفيعرضِ الرجل أحب إليك أم تحدثه؟ قال: بل يعرض إذا كان مثبتاَ في قراءته، وربما غلط الذي يحدث أو سها، إِن الذي يعرض أحب إلي وأعجب في ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا معلوم من مذهب مالك، إِن قراءة الطالب على الراوي أصح له من قراءة الراوي عليه، لأن الطالب إذا كان هو القارئ فيها وغلط رد عليه الراوي بعلمه، مع حضور ذهنه أو من بحضرتّه، وإذا كان الراوي هو القارئ لم يرد عليه الطالب، إِما لجهله، وإِما لمهابته الشيخ، وإِما لأنه صادف موضع اختلاف، فيظن ذلك له مذهباً يحمله عنه.
وروى ابن أبي أويس عنه أنه قال: السماع عندنا على ثلاثة أضرب: أولُها قراءةٌ على العالم، والثاني قراءة العالم عليك، والثالث أن يدفع

العالم إليك كتاباً قد عرفه، فيقول: اروه عني.
والذي عليه الجمهور أن قراءة الطالب على العالم مقدمة على قراءة العالم على الطالب، وروى علي وابن عباس أنهما قالا: قراءتك على العالم، كقراءة العالم عليك، وهو مذهب أهل المدينة قديماً وحديثاً، فهي ثلاثة أقوال.
وأهل العراق لا يجيزون الرواية عن العالم حتى يكون هو القارئ وقد قال بعض الحفاظ: لا يختلف أهل الحديث في أن أصح مراتب السماع، قول العالم: سمعت فلاناً قال: سمعت فلانا، ولا فرق في حكم اللسان بين أن يقول سمعت فلاناً أو حدثني أو أخبرني، أو أنبأني أو خَبَّرني أو قال لي، أو ذكر لي، وإنما تفترق هذه الألفاظ عند المحدثين في استعمالها من جِهة العرف والعادة، لا من جِهة موضع اللسان.
وروي عن ابن وهب أنه قال: يقال فيما هو قراءة عن العالم: أخبرنا وفيما هو سماع من لفظ العالم: حدثنا فكأنه أراد أن يعرف بهذا من حديثه، ما هو سماع عن الراوي مما هو قراءة عليه واختار ابن إسحاق بن رَاهويه وجماعة من أصحاب الحديث، أخبرنا في الوجهين جميعاً.
وقالوا: أخبرنا أعم في التحديث من حدَّثنا.
وهذه الألفاظ كلها في السماع من العالم حقيقة، وفي القراءة عليه مجازاً.
والحقيقة فيه أن يقول: قرأت على فلان، لأن العدول من الحقيقة إلى المجاز فيما لا يلتبس فيه المعنى جائز سائغ موجود في القرآن وفي السنن وفي الآثار.
وساغ المجاز في هذا لما كان الحكم فيما هو سماع وفيما هو قراءة سواء من جهة أنه إذا قرأ على العالم فقد أقر به وأمره بنقله عنه، إذا

سمعه منه، وكذلك الإِجازة، وإن كانت على مراتب، أعلاها المناولة، وأدناها أن يقول له: ما صح عندك من حديثي فارْوه عني من غير أن يعين له شيئاً يستوي مع السماع من العالم والقراءة عليه في إقراره وأمره بنقله عنه، فجاز أن يقول فيه: حدثنا وأخبرنا مجازاً ومن المحدثين من ذهب إلى أنه يقول في الِإجازة: أنبَأنا ليفرق في ذلك بين الِإجازة وبين السماع والقراءة.
وقد قيل إِنه يجوز لمن أتى إلى العالم بجزءٍ فسأله هل هو من حديثه؟ فأخذه فنظره، وقال له: نعم هو من حديثي: إِنه يجوز له أن يحدث به عنه وإِن لم يقل له حَدث به عني.
وكذلك لو رآهُ ينظر في جزء، فقال له ما هذا الجزء؟ فقال: جزء من حديثي عن شيوخي فسرقه الطالب واستحسنه من غير علمه، لجاز له أن يحدث به عنه.
ونظير هذا: أن يأتي الرجل بذكر حقّ إلى رجل، فيقول له: أتعرف هذا الصك؟ فيقول: نعم هو دين علي لم أؤده بعد، فإِنه يصح له أن يشهد بما فيه، وإِن لم يقل له: اشهد به على اختلاف في هذا في مذهبنا.
وبالله التوفيق.

[تفسير قول الله تعالى وَلْيُوفوا نُذُورَهُم]

في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] وسئل مالك عن تفسير قول الله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] قال هو رميُ الجمار.
من كلام العرب أن يسمعوا العقل النذر، يريدون بذلك العدد.
قال محمد بن رشد: إِنما تأول مالك إِن مراد الله بقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] هو رمي الجمار، من أجل أن الوفاء بالشيء لا يكون إلا بإِكماله إلى آخره.
ورمي الجمار هو آخر عمل الحج مع الطواف الذي ذكره الله معه فقال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] واستدل على ذلك بأن

العرب تسمي العقل نذرا.
وهو العدد الذي يجب في الجراح.
يريد فكذلك رمي الجمار، سماه الله نذراً، لأنه عددٌ واجب رميه في الحج.
وقد مضى في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الحج لتكرار المسألة هناك.
وبالله التوفيق.

[تفسير قوله عز وجل سَوَاءٌ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ]

في تفسير قوله عز وجل: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25] وسئل مالك عن هذه الآية ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25] قال: سواء في الحق والسعة.
والباد: أهل البادية وغيرهم ممن يقدم عليهم.
وكانت الفساطيط تضرب في الدور.
ولقد سمعت أن عمر بن الخطاب كان ينزع أبواب مكة إذا قدم الناس.
قال محمد بن رشد: تأويل مالك لهذه الآية، على أن حق أهل مكة وغيرهم ممن يقدم عليهم من الناس في دور مكة، سواءٌ.
واستدلاله على ذلك بما ذكر بأن عمر بن الخطاب كان ينزع أبواب مكة إذا قدم الحاج يدل على أنها لا تباع ولا تكرى، خلاف ظاهر أقوال ابن القاسم في كتاب كراء الأرضين، وكتاب الحوائج من المدونة ولما ذكر فيهما من نفاق كراء الدور بها في أيام الموسم.
وليس في الآية بيان يرفع العذر، لاحتمال رجوع الضمير من قوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25] على المسجد المذكور، دون سائر البلاد.
على ما قاله جماعة المفسرين.
والأصل في اختلاف أهل العلم في هذه المسألة خلافهم في افتتاح مكة في ذهب إلى أنها افتتحت عنوة.
قال: إن دورها لا تباع ولا تكرى.
وهو قول أبي حنيفة وجماعة سواء ويشهد لهذا القول ما روي من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وسلم قال: «مَكَّة كُلُّها مُبَاح لا تُبَاعُ وَلا تُؤَاجَرُ» ومن ذهب إلى أنها مؤمَّنة.
والأمان كالصلح، وأن أهلها مالكون لرباعها.
وأجاز لهم بيعها وكراءها.
وهو قول الشافعي.
ولا خلاف عند مالك وأصحابه في أنها افتتحت عنوة.
إلا أنهم اختلفوا، هل من بها على أهلها فلم تقسم كما لم يُسبَ أهلُها لما عظم الله من حرمتها؟ أو هل أقرت للمسلمين؟.
فعلى هذا جاء الاختلاف في جواز كرائها في المذهب، فروي عن مالك في ذلك ثلاثة روايات: إحداها المنع.
والثانية الِإباحة.
والثالثة كراهية كرائها في الموسم خاصة.
وقد مضى هذا كله في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الحج لتكرر المسألة هناك.

حرق ما التبس من كتب الخصوم

في استحسان حرق ما التبس من كتب الخصوم قال مالك: وقد كان قاض في زمن عثمان وأنه رُفع إليه كتب قد تقادم أمرها والتبس الشأن فيَها، فأخذها فأحرقها بالنار.
فقيل لمالك: فَحَسَنٌ ذلك، قال: نعم.
هذه الأمور لا أرى ما هي.
قال محمد بن رشد: معنى هذه الكتب إنها كتب في الخصومات، طالت المحاضر فيها والدعاوي، وطالت الخصومات حتى التبس أمرها على الحكام، فإذا احرقت قيل لهم: بينوا الآن ما تدعون، ودعوا ما تلبسون به من طول خصوماتكم، ووثقوا العمل علي وهو حسن من الحكم على ما استحسنه مالك.
وقد مضى هذا في الرسم من هذا السماع من كتاب الحج لتكرر المسألة هناك.

وإنما أمر بحرق الكتب، ولم يأمر بخرقها وتمزيقها، صيانة لما وقع من أسماء الله فيها كما فعل عثمان بالصحف، إِذ جمع القرآن.
وبالله التوفيق.

بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أجمله الله في القرآن والصلاة والزكاة

في بيان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أجمله الله في القرآن والصلاة والزكاة قال مالك: الحج كله في كتاب الله تعالى والصلاة والزكاة ليس لهما في كتاب الله تفسير.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن ذلك.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول مالك هذا إن الحج كله في كتاب الله تعالى مفسر، وإن الصلاة والزكاة ليستا مفسرتيْن فيه، وأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فسرهما وليس ذلك بصحيح، بل ما أتى في القرآن من ذكر الحج مفتقراً إلى التفسير والبيان الذي فسرهُ به رسول الله وبين مراد الله تعالى فيه قولاً وعملًا، كافتقار الصلاة والزكاة إلى ذلك سواء، ولو تركنا وظاهر ما في القرآن من أمر الحج لما صح لنا منه امتثال أمر الله تعالى به، إذ لم يبين فيه شيئاً من صفة عمله وترتيبه في أوقاته التي لا يصح إلا فيها، وشرائطه التي لا يتم إلا بها وسنته التي لا يكمل إِلّا بها، فليس الكلام على ظاهره، وإنما معناه الذي أراده به أن الحج كله في كتاب الله تبارك وتعالى، والصلاة والزكاة، تََم الكلام هاهنا، ثم ابتدأ فقال ليس لها أي لجميع ذلك في كتاب الله تفسير.
ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين ذلك، ويبين تأويلنا هذا ما في كتاب محمد بن المواز من قوله: وكذلك الحج والزكاة ونزل وجوبهما في القرآن مجملاً، وبين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما أراد منه وفسره وبينه.
وقوله في الرواية أيضاً ليس لها ولم يقل لهما، وقد نقل ابن أبي زيد هذه الرواية بالمعنى على ظاهرها نقلا غير

صحيح فقال فيها: الحج كله في كتاب الله تعالى.
وأما الصلاة والزكاة فذلك مجمل فيه ولهذا وشبهه رأى الفقهاء قراءة الأصول أولى من قراءة المختصرات والفروع.
وقد تقدم هذا كله في هذا الرسم من هذا السماع لتكرر المسألة هناك.

الركوع بعد صلاة الجمعة

في الركوع بعد صلاة الجمعة قال مالك: ليس من السنة أن يركع الِإمام بعد الجمعة في المسجد وأما غيره فليركع إن شاء.
قال الإمام القاضي: إنما قال مالك: ليس من السنة أن يركع الِإمام بعد الجمعة في المسجد لما بلغه من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا صلى الجمعة انصرف ولم يركع في المسجد، وإذا دَخل بيته ركع ركعتين» وقع له ذلك في المدونة قال فيها: وينبغي للإِمام اليوم إذا صلى الجمعة أن يداخل منزله ويركع ركعتين، ولا يركع في المسجد.
وقال في هذه الرواية فيمن عدى الِإمام: إنه يركع إن شاء، فظاهر قوله فيها إباحة الركوع له دون كراهة، خلاف ما في المدونة من كراهة ذلك له، لأنه قال في كتاب الصلاة الأول منها: أنه لا يتنقل في المسجد، لكراهة ذلك بدليل قوله في كتاب الصلاة الثاني منها: أحب إلي أن ينصرف ولا يركع في المسجد.
قال: وإِن ركع فواسع، لأنه إذا استحب ترك الركوع، فقد كره الركوع.
وقوله: وإن ركع فواسع، يريد: إِنه لا إِثم عليه ولا حرج إن فعل، فعلى ما في المدونة.
إِن صلى أجر في صلاته، وإن قعد ولم يصل أجر في قعوده، لأن حد المكروه ما في تركه ثواب، كما أن حد المندوب ما في فعله ثواب.
وعلى ما في هذه الرواية، إِن صلى أجر في صلاته، وإن قعد ولم يصل لم يؤجر في قعوده.
وقد كان من أدركنا من الشيوخ يحملون ما في كتاب الصلاة الأول من المدونة على ما في كتاب الصلاة الثاني منها، ويقولون: قوله: وإن ركع فواسع، يدل على أنه لم يكره له

الركوع مثل ظاهر هذه الرواية، وليس ذلك بصحيح، لما بيناه من أنه إذا استحب ترك الركوع فقد كره الركوع.
وذهب الطحاوي إلى أنه يجوز أن يتنفل بعد الجمعة في المسجد أربعاً ولا ينتفل بعدها ركعتين، وينتفل ركعتين في بيته بعد صلاة الجمعة على تصحيح أحاديث رواها في ذلك.

إمامة الأعمى

في إمامة الأعمى وسئل عن الأعمى يؤُم الناس، قال: نعم قد أمّ على عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعمى.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في قوله الأول من كتاب الصلاة من المدونة قال: لا بأس أن يُتخذ الأعمى إماماً.
وقد أمّ على عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو أعمى ابن مكتوم، وإنما لم ير مالك في ذلك بأساً، من أجل أن حاسة البصر لا تعلق لها بشيء من فرائض الصلاة، ولا بسنتها ولا بفضائلها، بل ربما كان بصره سبباً لاشتغاله عن الِإقبال عليها.
فقد جاء «أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُعل في نعليه شِراكان جديدان، فأمر أن يُنزعا وترد فيهما الحلقتان اللتان كانتا فيهما.
قيل: لِمَ يا رسول اللَّه؟ قالَ: إنِّي نظرت إليهما في الصلاة» . وصلى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في خَمِيصَةٍ شَامِيةٍ، لَهَا عَلَمٌ، فَلَمَا انْصَرَفَ مِنْ الصلَاةِ رَدَّهَا إِلَى مُهْدِيهَا إِلَيْهِ أبي جهْم وَقَالَ: «إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلاَةِ فَكَادَ يَفْتِننُي» . وإذا خشي النبي

  • عَلَيْهِ السَّلَامُ - الفتنة في صلاته بالنظر فيها؟ إلى ما يروق منظره، فغيره بذلك أولى.
    ولهذا المعنى كره العلماء تزويق المساجد.
    وكذلك سائر الحواس الخمس، لا تعلق لها بشيء من الصلاة حاشى السمع، فإِن الأصم لا ينبغي أن يُتخذ إماماً راتباً، لأنه قد يسهو فيسبح له، فلا يسمع، فيكون ذلك سبباً لِإفساد الصلاة.
    وإنما كره أن يتخذ الأعمى إماما راتباً مَن كرهه.
    واللَّه أعلم.
    من أجل أنه قد يتوضأ بماءٍ غير طاهر، يصلي بثوب نجس، وهو لا يعلم، إذ لا يبصر النجاسة، ولا تغير لون الماء، وأما نقصان الجوارح كاليد والرجل فلهما تعلق بالصلاة، ولذلك اختلف في إمامة الأشل، والأقطع، وقد مضى الكلام على هذا في سماع زونان من كتاب الصلاة.

الحض على الصدق وما جاء فيه

في الحض على الصدق وما جاء فيه قال: وسمعت مالكاً يقول: قال عمر بن الخطاب: عليك بالصدق ولو ظننت أنه مُهلك.
قال محمد بن رشد: قوله: وإن ظننت أنه مهلك.
معناه: وإن خشيت ذلك، ما لم تتيقنه، لأن الظن قد يكون بمعنى الشك، وبمعنى اليقين، وذلك لما يلزم الرجل أن يصدع فيه بالحق، لما يرجو في الصدق من الصلاح، ويخاف في الكذب من الفساد، كالكلام عند السلطان وشبه ذلك، فهذا الذي ينبغي فيه الصدق، وإن ظن أن في ذلك هلاكه، ما لم يتيقن الهلاك في الصدق فيه فيسعُه السكوت عليه.
ولا يحل له الكذب فيه، إِلَا أن يضطر إلى ذلك بالخوف على نفسه، وإنما يلزمه الصدق وإن خاف على نفسه فيما عليه من الحقوق، كالقتل والسرقة والزنا.
وشبه ذلك.
والكذب ينقسم على أربعة أقسام: كذب لا يتعلق فيه حق لمخلوق، وهو الكذب فيما لا مضرة فيه، ولا يقصد به وجهاً من وجوه الخير، وهو قول الرجل في حديثه كان كذا وكذا، وجرى كذا وكذا، لِما لم يكن ولا جرى، فهذا الكذب محرم في الشريعة بإجماع العلماء، وهو الذي جاء فيه عن النبي عليه السلام: " إن

الْمُؤْمِنَ الممدُوحَ إيمَانُه لَا يَكُونُ كَذَّاباً " وهو الذي يغلب عليه.
الكذب حتى يعرف وقد كان جباناً وبَخِيلاً.
وعن ابن مسعود: إنهُ لَا يَزالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَتُنْكَثُ في قلبه نُكْثَةٌ سَوْدَاءُ حًتّى يَسْوَدً قَلْبُه فَيُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِن الْكَذَّابينَ.
والتوبة منه بالإِقلاع عنه والاستغفار منه.
وكذب يتعلق به حق لمخلوق، وهو أَن يكذب الرجل على الرجل، فينسب إليه أنه فعل ما لم يفعل، أو قال ما لم يقل، وهو أشد من الأول، لأن التوبة منه لا تصح، إلا أن يحلله صاحبه، أو يأخذ حقه منه.
وكذب فيما لا مضرة فيه على أحد، ويُقصد به وجه من وجوه الخير، وهو الكذب في الحرب والِإصلاح بين الناس وكذب الرجل لامرأته فيما يَعِدُها ليستصلحها، فهذا كله جوزته السنة.
وقيل: إنه لا يباح فيه إلا معاريض الكلام، لا النص بالكذب.
والأول أصح، لأن التصريح بالكذب في ذلك جائز، يدل عليه قوله عز وجل حكاية عن إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: 63] وقوله في قصة يوسف: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: 70] إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: 76] وقد قيل: إن معاريض القول جائزة في كل موضع، لما جاء عن بعض السلف إن فيها مندوحة عن الكذب، والذي أقولُ به: إن ذلك مكروه، لما فيه من الألغاز على المخاطب، فيظن أنه قد كذبه، فيعرض نفسه بذلك إلى أن ينسب إليه الكذب، فتركه أحسن، وكذبه في دفع مظلمة عن أحد، مثل أن يختفي رجل عنده ممن يريد قتله أو ضربه، فيسأل هل هو عنده أو يعلم مستقره؟ فيقول: ما هو عندي ولا أعلم مستقره.
فهذا الكذب واجب، لما فيه من حقن دم الرجل، أو الدفع عن بشرته.
وباللَّه التوفيق.

حكم دخول الأسواق

في جواز دخول الأسواق وكراهية ترديد اليمين قال: وسمعت مالكاً يذكر، قال: كان ابن عمر ربما أتى السوق وجلس فيه،، وأنه قعد يوماً ورجل يبيع شيئاً، وهو يحلف ويردد، وابن عمر يَسمعه.
فقال له: اتق اللَّه، ونهاه، فإن هذه سبعون يمينا.
فقال: لا واللَّه رداً على ابن عمر فقال: هذه إحدى وسبعون.
قال محمد بن رشد: أما دخول الأسواق والجلوس فيها فلا اختلاف أن ذلك مباح غير محظور، ولا مكروه.
وكفى من الدليل على ذلك، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 20] رداً لقول المشركين: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 7] الآية وإنما نهى ابن عمر الرجل عن ترْدِيد الأيمان ووعظه في ذلك، لأن من ردد الأَيمان وأكثر منها لم يسلم من مواقعة الحِنث فيها والتقصير في الكفارة، وأن يحلف على ما لم يفعله يقيناً فيأثم في ذلك كله.
وأما حلف الرجل على شيء أن لا يفعله فلا كراهية في ذلك، لأن اللَّه أمر نبيه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بالحلف باسمه في غير ما آية فقال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ [يونس: 53] وقال: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7] ، وكان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كثيراً ما يحلف " لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ "، وَلَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ فلا وجه لكراهية ذلك، لأن القصد إلى الحلف بالشيء تعظيم له، فلا شك في أن في ذكر اللَّه عز وجل على وجه التعظيم له أجراً عظيماً.
وقد مضى هذا المعنى في آخر رسم الجنائز والذَّبائح والنذور، من

سماع أشهب من كتاب النذور في تكلمنا على ما وقع هناك من أن عيسى بن دينار كان يقول: يا بني إسرائيل، إن موسى كان ينهاكم أن تحلفوا باللَّه إِلاَ وأنتم صادقون ألا وإني أنهاكم أن تحلفوا باللَّه كاذبين أو صادقين واللَّه أعلم.

تعجيل ما اجتمع عند العامل من زكاة الفطر

في الأمر بتعجيل ما اجتمع عند العامل من زكاة الفطر قال مالك: بلغني أن عاملًا لعمر بن عبد العزيز كتب إليه يخبره أنه اجتمع عنده من زكاة الفطر شيء كثير، وأن ذلك لما رجوا من عدل أمير المؤمنين فكتب إليه عمر إنهمِ لم يخبروني وإياك كما رجوا، فإذا جاءك كتابي هذا فإن جاءك ليلا فإن استطعت ألا تصبح حتى تقسمه فافعل، وأي شيء رأيي فيه حين تكتب إلي فيه؟ قال سحنون: يقال: إنه عثمان.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه الحكاية في كتاب زكاة العين في رسم الرطب باليابس من هذا السماع على خلاف ما وقعت هاهنا إذ لم يذكر هناك كون الزكاة مجتمعة عند العامل من زكاة الفطر ونص الرواية هناك قال: وسمعت مالكاً يذكر أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز كتب إليه إن الناس قد أسرعوا في أداء الزكاة فرغبوا في ذلك لموضع عدلك، وأنه قد اجتمعت عندي زكاة كثيرة فكأن عمر كره ذلك من كتابه لمدحه، فكتب إليه: ما وجدوني وإياك على ما رجوا وظنوا، فاقسمها.
قال ابن القاسم: وقال عمر: وأيُّ رأيٍ لي فيها حين تكتب إلي؟ وهذا أصح مما وقع هاهنا لأن زكاة الفطر، الحكم فيها أن تجمع قبل يوم الفطر فتفرق يوم الفطر.
لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أغْنُوهُم عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْم» . فلو كان المجتمِع عنده من

زكاة الفطر نبه عمر على تأخير تفريقها عن يوم الفطر وأما سائر الزكوات فلا حد في وقت تفريقها إلَّا أن الواجب فيما اجتمع فيها تعجيل تفريقها على ما أمر به عمر بن عبد العزيز وباللَّه التوفيق.

[الِإقبال على الذكر والتسبيحِ في الصلاة]

في الِإقبال على الذكر والتسبيحِ في الصلاة قال مالك: كان عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود وعامر بن عبد اللَّه، لا ينصرفان من صلاتهما لأحد يجلس إليهما قلت له: أفيحسب ذلك له؟ قال: نعم إِلا أن يأتيه الرجل إلى الحاجة الخفيفة، تكون به إليه أو الرجل يسأله عن المسألة تنزل به، فهذا، وما أشبهه أرى أن ينصرف فيه.
وأما غيره فلا.
قال محمد بن رشد: إنما كانا يفعلان ذلك، لما جاء عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «مَنْ سَبحَ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَكَبرَ ثَلَاثاً وَثَلاَثِين، وَحَمِدَ ثَلَاثاً وَثًلاَثِينَ، وَكمّلَ الْمِائَةَ بِلاَ إِلَهَ إِلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، غفِرتْ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ-» ، ولما يُرجى من قبول الدعاء، عند خاتمة الصلاة، فهو حسن من الفعل، والاقتداء بهما في ذلك خير.
وبالله التوفيق.

يقول للرجل في منازعة ما يشبه أن يريد به القذف

في الذي يقول للرجل في منازعة ما يشبه أن يريد به القذف وسئل عن رجل كانت بينه وبين رجل محاورة فقال: واللَّه لأجلدنك حدين.
أترى هذا فرية؟ قال: أرى أن يحلف بالله ما

أردت فرية وما أردت إلا كذباً، فإن حلف قال: رأيت أن يؤدب له.
قال محمد بن رشد: قال: إنه إن حلف أدب، وهو صحيح، لأنه سب يشبه أن يكون أراد به القذف.
فإن حلف أنه لم يرد القذف، لم يسقط عنه الأدب الذي يجب عليه في السب، ولم يقل إن نكل عن اليمين: ما يكون الحكم فيه، والحكم في ذلك أن يسجن حتى يحلف، واختلف إن طال سجنه ولم يحلف فقيل إنه يؤدب ولا يحد، يريد أدَباً فوق الأدب الذي يؤدب إذا حلف وهو مذهب ابن القاسم.
وقيل إنه يحد إذا طال سجنه ولا يحلف.
وقد مضى هذا المعنى في رسم الحدود من سماع أصبغ من كتاب الحدود في القذف وفي غير ما موضع واللَّه الموفق.

ما جاء عن صفوان بن أمية في تأليف النبي عليه السلام إياه بالعطاء

ما جاء عن صفوان بن أمية في تأليف النبي

  • عَلَيْهِ السَّلَامُ - إياه بالعطاء قال مالك: بلغني «أن صفوان بن أمية وكان من المؤلفة قلوبهم وكان شريفاً.
    قال: لقد حضرت حُنْيْنا مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وما أحد من الخلق أبغضَ إلي منه.
    فما زال يعطيني حتى ما كان أحد من الخلق أحب إِلي منه» . قال محمد بن رشد: في هذا بيان موضع العطاء والإِحسان من النفس، وما له فيه من التأثير، ولعلم اللَّه عز وجل بذلك جعل للمؤلفة قلوبهم سهماً من الصدقة، ليسلموا فيسلم بإسلامهم مَن وراءهم.
    واختلف في الوقت الذي بُدئ فيه بائتلافهم، فقيل: قبل أن يسلموا لكي يسلموا، وقيل: بعد ما أسلموا كي يحبب إليهم الِإيمان، فكانوا على ذلك إلى صدرٍ من خلافة أبي بكر الصديق، وقيل إلى صدر من خلافة عمر، ثم قال لأبي

سفيان: " قدْ أغْنَى اللهُ عنكَ وعن ضرَبَائِك ". إنما أنت رجل من المسلمين.
وقطع ذلك عنهم.
واختلف هل يعود ذلك إليهم إن احتيج إليه أم لا يعود إليه؟ فرأى مالك أنه لا يعود.
وهو مذهب أهل الكوفة.
وقيل: إنه يعود إن احتيج إليه ورأى ذلك الِإمام وهو قول ابن شهاب وعمر بن عبد العزيز وإليه ذهب الشافعي والله أعلم.

التوقي في الحديث عن النبي عليه السلام

في التوقي في الحديث عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب شيع قوماً خارجين إلى العراق، فقال لهم خيرا، ثم أوصاهم بما أوصاهم به، وقال لهم: أقلوا الحديثَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنا شريككم في ذلك في الأجر، قال: لا ولكن أنا أفعل ذلك أنا أقل الحديث عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. قال محمد بن رشد: المعنى عندي فيما أمر به عمر بن الخطاب في إقلال الحديث عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مع أمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالتبليغ عنه وقوله: «لِيُبَلِّغ الشَّاهِد الْغَائِبَ» وقوله: «بَلِّغوا عَنِّي وَلوْ آيَةً» هو أنه لما كان للصاحب أن يقول: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كذا وكذا لِما لم يسمعه منه، وإنما حدثه به غيره من الصحابة، فكان بمنزلة ما سمعه منه، من أجل أن الجرحة مرتفعة عنهم، خشي أن يكون الذي سمع الحديث من

النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قد نقله إلى غيره من الصحابة على المعنى، ولا يستوي جميعهم في ذلك، لتباينهم في العلم، فأمر ألا يحدث الصاحب بالحديث الذي لم يسمعه من النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلا أن يكون الذي حدثه به عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من فقهاء الصحابة، مخافة أن يكون نقله على المعنى الذي عنده، وليس كما ظنه.
وفي الاحتياط في الانتقاء في ذلك بالاجتهاد تقليل الحديث عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كما أمر به عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وإذا شاركهم في إقلال الحديث، فقد شاركهم في الأجر على ذلك وباللِّه التوفيق.

معاقبة من لم يشهد الجمعة والمنع من البيع في يوم الجمعة

في معاقبة من لم يشهد الجمعة والمنع من البيع في يوم الجمعة وسئل مالك عن إمام بلد يأمر إذا فُرغ من صلاة الجمعة من يخرج، فمن وجد لم يحضر الجمعة، ربطه بعمد المسجد، فأنكر ذلك، ورأى أنه قد أخطأ، فقيل له: أفَيُمنعُ السوق قبل الأذان يوم الجمعة؟ قال: لا قد قال ذلك الرجل الصالح، حين جاء ولم يغتسل كنت في السوق، فأنت تعلم أن الأسواق قائمة على عهد عمر بن الخطاب، ورأى أنه أخطأ حين جاء إلى الجمعة ولم يغتسل، فإنما ذهب إلى السوق في حاجته، فأنت تعلم أن الأسواق كانت قائمة في زمن عمر بن الخطاب والذاهب إلى السوق عثمان، ولا أرى أن يمنع أحد يوم الجمعة الأسواق، يريد إلى انتصاف النهار قال ابن القاسم: وكذلك قال لنا مالك.
قال محمد بن رشد: إمام البلد الذي سئل مالك عن فعله أنكره، ورأى أنه قد أخطأ، هو عمر بن عبد العزيز واللَّه أعلم لأن هذه الحكاية ذكرها سحنون في نوازله من كتاب الشهادات وزاد فيها وعوقب.
وقال: أراه عمر بن عبد العزيز.
قال أصبغ: بل لا شك فيه أنه عمر بن عبد

العزيز، وإنما رأى مالك أن فعله خطأ وأنكره، لوجهين: أحدهما: أنه لم يرَ أن يعاقب من وجد لم يشهد الجمعة، إذّ لعله قد كان له عذر منعه من شهودها يتوالى ذلك من فعله ويتكرر، فيتبين أنه قصد إلى ترك شهودها بدليل قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثلاث مًراتٍ مِن غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا علة، طَبَعَ اللَّه عَلَى قَلْبِهِ بِطَابع النِّفَاقِ» . والثاني: معاقبته على ذلك بربطه بسارية المسجد، إذ لم يتخذ المسجد لذلك، وإنَّما ينبغي أن يؤدب على ذلك بالسجن أو الضرب.
وقوله: إنه لا يمنع السوق قبل الأذان يوم الجمعة إذا نوديِ بالصلاة، فوجب أن لا يمنع فيما قبله، واحتجاجه على ذلك بأن الأسواق كانت قائمة في زمن عمر بن الخطاب إلى حين أذان الجمعة بالحديث الذي ذكره صحيح.
وباللَّه تعالى التوفيق.

العمل بالصرف

في العمل بالصرف وسُئل مالك عن العمل بالصرف هل يكره للرجل أَن يعمل به؟ قال: نعم، إلَّا أن يكون في ذلك يتقي الله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لأن الرِّبا في الصرف كثير لدخوله في أَكثر وجوهه، فالتخلص منه عسير، لا يسلم من عمل به، إلًا

أن يتقي الله ويتحفظ فيه وقليل ما هم، ولذلك كان الحسن يقول: إن استقيت ماءً فسقيت من بيت صراف فلا تشربه.
وكره أَصبغ أن يستظل بظل الصيرفي.
قال ابن حبيب: لأن الغالب عليهم الربا.
ولذلك استحب مالك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف للرجل أن يصرف من التجار إن وجد صرفا ومن أَهل الصيانة.

[الاهتمام بهمِّ السّنَةِ في اليوم]

في النهي عن الاهتمام بهمِّ السّنَةِ في اليوم قال مالك بلغني أَن عيسى ابن مريم كان يقول: لا تحملوا هَم سَنةٍ على يوم، حَسْبُ كل يوم بما فيه، قيل له: وما تفسير ذلك عندك، قال: يَقول: لا تهتموا برزق السنة وطلبه ولكن يوماً بيوم.
قال محمد بن رشد: وقد مضى هذا متكرراً في الرسم الذي قبله والكلام عليه فلا وجه لإِعادته.

الشروط في النكاح

في كراهية الشروط في النكاح قال مالك: وأشرت على قاض منذُ دهْرِ أَنِ أنْهَ الناس ألَّا يتزوجوا بالشروط، ولا يتزوجوا إلَّا على دين الرَجلِ وأمانته وأنه كتب في ذلك كتاباً وصيحَ به في الأسواق، وعابها عيباَ شديداً.
قال محمد بن رشد: يريد الشروط اللازمة بيمين، كطلاق الداخلة، وعتق السُّرِية، وما أشبه ذلك.
فهذه الشروط التي يكرهها مالك، فإِذا وقع النكاح عليها مضى ولم يفسخ قبل الدخول ولا بعده، ولزم الشرط، ووجه الكراهية في ذلك، أن المرأة قد حطَّت من صداقها بسبب الشروط، ولا تدري هل يفعل الزوج ذلك أَم لا؟ فأَشبه ذلك الصداق

الفاسد.
وقد روي عن سحنون لهذه العلة، أَنَه نكاح فاسد، يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده، ويكون فيه الصداق المسمى، وللخروج من هذا الاختلاف يعقد الناس هذه الشروط في صدقاتهم على الطوع، وذلك إذا وقع الشرط في أَصل النكاح على تسمية الصداق.
وأَما إذا نكحها نكاح تفويض على الشرط، فلا اختلاف في أَن النكاح لا يفسد.
وقد مضت هذه الحكاية متكررة والكلام عليها باستيعاب من هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب السلطان.

ما يستحب من مكارم الأخلاق

في ما يستحب من مكارم الأخلاق قال مالك: لقد أَدركت بعض من مضى، وإِنَّه لتكون تحته المرأة ما له بها حاجة، يمنعه الحياء والتكرم أَن يطلقها ويطلع أحد منهما على مثل ما اطلع عليه.
وفي حديث ابن عمر قال: «إنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَبِرَ ذَهَبَ حُسامُهُ، كَمَا يَذْهَبُ حُسَامُ السَّيْفِ» . قال مالك: الحسام الغيرة.
قال: وهو في السيف حده.
وكان رجل يسائله عن بيت بعض أَهله، قال: قال مالك: أراها صفية.
قال: هذا منزلُها.
قال محمد بن رشد: معنى هذا أن ابن عمر لما أرى الرجل منزل زوجته صفية.
قال هذا القول، كأَنه يقول: لو كنت في غير هذا السِّن لكرهت سؤالك.
وبالله التوفيق.

[فضل عُمر بن حُسين وعبادته]

في فضل عُمر بن حُسين وعبادته قال مالك: كان عمر بن حسين من أَهل الفضل والعلم، وكان عابداً، ولقد أَخبرني رجل أَنَّه كان يسمعه في رمضان يبتدئ

القرآن في كل يوم إِذا راح فقيل له: أكان يختم؟ قال: نعم في رأيي في يومه وليلته.
وكان في رمضان إذا صلَّى العشاء انصرف فإذا كان في ليلة ثلاث وعشرين قائماً مع الناس، لم يكن يقم معهم غيرها، فقيل له: فالرجل المحصي يختم القرآن كل ليلة، قال: ما أَجود ذلك إن القرآن إمامٌ لكل خير.
قال الإمام القاضي: استحبَّ مالك في هذه الرواية قراءة القرآن كله في كل يوم وليلة، ولمن قدر على ذلك، على ما روي عن عمر بن حسين وقال: ما أَجود ذلك، إن القرآن إمامٌ لكل خير وقد ذكر في موطئه عن يحيى بن سعيد أَنَّه قال: كنت أنا ومحمد بن يحيى بن حبان جالسين فدعا محمد رجلًا قال: أخبرني بالذي سمعت من أَبيك فقال: أَخبرني أَبي أَنَه أتى زيد بن ثابت، فقال: كيف ترى في قراءة في سبع؟ فقال: حسن، ولأن أقرأه في نصف شهر أَو عشرين، أحب إليَّ، وسألني لم ذلك؟ قّال: فإني أسلك، قال زيد: لكي أتدبره وأقف عليه وإنَّما رأى زيد بن ثابت قراءة القرآن في شهر أَو عشرين يوماً أحب لله من قراءته في سبع.
وإن كان للقراء بكل حرف من القرآن عشر حسنات بالألف من الحمد عشر حسنات وباللام عشر حسنات، وبالحاء عشر حسنات، لأن الحسنة قد تضاعف إلى سبعمائة فرجا أَن تكون حسناته إِذا قرأ القرآن في شهر أَكثر من حسناته إذا قرأه في سبع، لتضعيف الحسنات له في قراءته من أَجل تدبره.
وبالله التوفيق.

[من أين يستحب للداخل مكة أَن يدخلها وأن يخرج منها]

قال مالك: بلغني أَن ابن عمر، دخل مكة من عقبة كَدَاء

وخرج من كُدى.
قال محمد بن رشد: كَداء هي الثنية التي بأَعلى مكة بشرقها وكُدى هي الثنية التي بأَسفلها بغربيها وذلك مما يستحب للحاج أَن يفعله لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعله دخل مكة يوم الفتح، وفي حجته وفي عُمَره الثلاث من العقبة كداء، وهي الثنية التي بأعلى مكة.
وخرج من الثنية السفلَى التي يُقال لها عقبة كُدى.
وقال: «خُذُوا عَنَي مَنَاسِكَكُم» . وبالله التوفيق.

[ضحَّى بالليل] فيمن ضحَّى بالليل وسُئل مالك عن رجل قدم على أَهله من الليل بعد يوم النحر، فوجد عندهم ضحية قد أَعدوها، فضحى بها بالليل، قال أَرى أن يعود بضحية أُخرى.
وقال في الحديث الأضحى يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْم الأضْحَى وَلَيْسَ يُضحَّى بِلَيْل.
قال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28] . ولم يذكر الليل، فأَرى عليه الِإعادة وإن الذي يفتِي أن يضحي بالليل، قد جارَ جوْراً بعيداً.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة وغيرها من أن من

ضحى بالليل

أَعاد وروي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «مَنْ ضحَّى لَيْلاً أعَادَ وَمَنْ ضحَّى قَبْلَ الِإمَام أعَادَ» . وكذلك الهدايا، لا تنحر ولا

تذبح بالليل، ومن فعل ذلك لم يجزه، لا اختلاف في هذا إلَّا ما قاله أَشهب في الهدي إن نحره في الليل إذا لم يكن في ليلة النحر أَجزأه والله أعلم.

تحديد يوم الحج الأكبر

في يوم الحج الأكبر وسُئل عن يوم الحج الأكبر، فقال: هو يوم النحر.
قال محمد بن رشد: اختلف أَهل العلم في قوله عزّ َوجلّ: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3] هل الأكبر نعت لليوم، أو للحج؟ واختلف الذين قالوا: إنَه نعت للحج، فمنهم من قال: إنَّما قيل له الأكبر لأن ثمَّ حجاً أصغر، وهو العمرة، ومنهم من قال: إنما قيل له الأكبر، لأنه عنى به حج أَبي بكر، إذ وقع في ذي القعدة، على ما كان عليه أهل الجاهلية من النسيء، وقد كان الحج في العام الذي قبله في ذي القعدة أيضاً فسماه الله الأكبر، لأن الأكبر من الحجتين الواقعتين في ذي القعدة.
وقيل: إن حجة أبي بكر وقعت في ذي الحجة، فسمَّاها الله الأكبر، لاستدارة الزمن إليه وثبوت الحج فيه إلى يوم القيامة واختلف الذين قالوا: إن الله نعت اليوم أيضاً، فمنهم من قال: إنَّه يوم عرفة، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الحج عَرَفَة» . ولأن من فاته الوقوف بعرفة، فقد فاتّه الحج.
ومنهم من قال: إنَّه يوم النحر، وإلى هذا ذهب مالك، وهو أَظهر الأقوال، لأن المراد به المجتمع الأكبر، ولأن رسول الله

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث أبا بكر أميراً على الحج سنة تسع، والنسيء قائم، والمشركون يحجون مع المسلمين، وكان قريش ومن ولدته قريش، يقفون بالمشعر الحرام يوم عرفة، ويقف سائر الناس بعرفة، ثم يجتمعون كلهم يوم النحر بمنى، فأَمر الله تعالى نبيّه عليه السلام أن يؤذن الناس ببراءة الله ورسوله من المشركين يوم الحج الأكبر أي يوم اجتماعهم الأكبر وهو يوم النحر، ليسمع جميع الناس النداء، فيبلغ شاهدهم غائبهم، فكان مما أوذنوا به ألَّا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وتليت عليهم سورة براءة إنذاراً لهم، وإعذاراً إليهم.
    وقد مضى هذا كله في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم من كتاب الحج لتكرر المسألة هناك وبالله التوفيق.

الرقى بالحديد والملح وعقد الخيط

في الرقى بالحديد والملح وعقد الخيط قال: وسُئل مالك عن الرقى بالحديد والملح وعقد الخيط، فكره ذلك كله، وكان العقد عنده في ذلك أَعظم كراهية فقيل له: فالشيء ينجم، ويجعل عليه حديدة، قال: أما التنجيم فأَرجو أَن يكون خفيفاً، إنَّه ليقع في قلبي إنَّما التنجيم لطول الليل.
قال الإمام القاضي: كراهة مالك للرقى بالحديد والملح، وعقد الخيط بينه، لأن الاستشفاء لا يكون بما سوى كلام الله تعالى وأسمائه الحسنى، وما يعرف من ذكره جلَّ جلاله، وتقدست أسماؤه، ورأى العقد في الخيط، أشد في الكراهة، لأن العقد في الخيط من ناحية السحر الذي أمر الله تعالى بالاستعاذة منه بقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4] واستحبَّ التنجيم إذ ليس فيه أكثر من التبرك بالنجوم، لما جعل الله فيها من المنفعة لعباده باهتدائهم بها في ظلمات البر والبحر.

وقد مضى في رسم الصلاة الأول من سماع أَشهب من كتاب الصلاة زيادات في هذا المعنى، لها بيان.
وبالله التوفيق.

[ما جاء عن معاذ بن جبل من عدله بين نسائِه]

فيما جاء عن معاذ بن جبل من عدله بين نسائِه قال مالك: حدَّثني يحيى بن سعيد أَن معاذ بن جبل كانت له امرأتان وأنهما هلكتا في طاعون جميعاً فأَسهم بينهما أَيَّهما تدفن قبل.
قال محمد بن رشد: هذا لا يلزم، لأن العدل بينهما إنّما يجب لهما عليه في حياتهما، بدليل قوله عزَّ وجلّ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] فإنَّما فعل ذلك تحريَاَ للعدل بينهما على وجه الاستحباب، وقد كان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذا كان يَوم إحداهما لم يشرب من بيت الأخرى الماء.
ذكر ذلك مالك عنه في رسم الطلاق من سماع أَشهب، من كتاب النكاح، وإنما كان يفعل ذلك تحرياً للعدل والمساواة بينهما، من غير أن يكون ذلك واجباً عليه.
لا بأس على الرجل أَن يتوضأ من ماء المرأة من زوجاته، ويشرب من بيتها الماء، ويأكل من طعامها الذي ترسل إِليه في يوم غيرها، من غير أَن يتعمد بذلك ميلاً، وأن يَقف ببابها، فيتفقد من شأنها وحالها، ويسلم من غير أن يدخل عليها أَو يجلس عندها.
وقد ذكرنا في رسم الطلاق المذكور من سماع أشهب من كتاب النكاح الحجة في جواز ذلك، من السنَة وبالله التوفيق.

صبغ الشعر

في صبغ الشعر وسُئل مالك عن الصبغ بالحنّا والكتم.
قال ذلك واسع.

وأَما السواد فما سمعت فيه شيئاً.
وغيره من الصباغ أَعجب إليّ منه.
قال محمد بن رشد: أما صبغ الشعر وتغيير الشيب بالحنا والكتم، والصفرة، فلا اختلاف بين أَهل العلم في أن ذلك جائز، وإنَّما اختلفوا هل الصبغ بذلك أحسن، أو ترك الصبغ جملة أحسن؟، بدليل هذه الرواية أن ترك الصبغ أحسن، لأنه لما وسع في الصبغ دلَّ على أن تركه عنده أحسن.
ودليل ما في الموطأ أن الصبغ بذلك أحسن، لأنه قال فيه: إن ترك الصبغ كله واسع إن شاء الله، ليس على أحد فيه ضيق.
ودليل هذا ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنِّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُم» وما ذكره في موطئه عن أبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ.
قَالَ: وكَانَ جَليساً لَهُم، وَكَانَ أَبْيَضَ اللِّحْيَة والرأس قَالَ: فَغَدا عَلَيْهِم ذَاتَ يَوْمٍ، وَقَدْ حَمَّرَهَا فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: هذَا أَحْسَنُ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي عَائِشَة زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَتْ إِلَيَّ الْبَارِحَةَ جَارَتَهَا نُخَيلَةَ فَأَقْسَمَتْ عَلًيّ لأصْبُغَنَّ، وَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ يَصْبُغُ.
وفي هذا الحديث بيان أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يصبُغ قاله مالك، إذ لو صبغ لأرسلت بذلك عائشة إلى عبد الرَّحمن.
وقد «سُئل أنس بن مالك عن الخضاب فقال: خضب أبو بكر بالحنا والكتم، وخضب عمر بالحنا قيل له: فرسول الله، قال: لم يكن في لحيته عشرون شعرة بيضاء» وسُئل سعيد بن المسيب، أَخضب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قال: " لم يبلغ ذلك ". وروي «عن أَبي الدرداء أَنَّه قال: ما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يخضب، ولكنه قد كان فيه شعرات بيض، فكان يغسلها بالحنا والسدر» وما في كتاب الحج من الموطأ من قول عبد الله بن عمر وأَما الصفرة فإني رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصبغ بها، فأَنا أحب أَن يصبغ بها.
قيل: في الثياب، وقيل معناهُ في الخضاب.
وكان مالك لا يخضب، وروي أن بعض ولاة المدينة قال له: ألا تخضب يا أبا عبد الله، فقالَ له: لم يبق عليك من العدل إلَّا أن أخضب.
وكان الشافعي قد عجل به الشيب فكان يخضب.
وأما الخضاب بالسواد، فكرهه جماعة من العلماء، لما رُوي من أَنَه «جِيءَ بأَبِي قُحافة إِلَى النَّبِيَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ الْفَتْح.
وكَأَنَ رَأسَهُ ثَغَامَة فقال: اذهْبُوا بِهِ إِلَى بَعْض نِسَائِهِ، فَغَيِّرُوهُ، وَجَنِّبُوهُ السوَادَ» . وقد سُئل سعيد بن جبير عن الخضاب بالوسمة فقال: يكسو الله العبد في وجهه النور، ثم يُطفِئه بالسواد، وقد خضب بالسواد جماعة، منهم الحَسن، والحسين، ومحمد، بنو علي بن أَبي طالب، ونافع بن جُبير، وموسى بن طلحة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعقبة بن عامر، وكان عقبة ينشد في ذلك.
تخَضَّبُ أَعْلاها وَتَأبَى أُصولها ... وَلَا خَيْرَ فِي الأعْلَى إِذَا فَسَدَ الأصْلُ وكان هُشيم يخضب بالسواد، فأَتاه رجل فسأله عن قول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: 37] فقال له: إِنه الشيب.
فقال له السائل: فما تقول فيمن جاء النذير من ربه فسود وجهه، فترك الخضاب.
وبالله التوفيق.

غضب سعيد بن المسيب على ابن شهاب

في غضب سعيد بن المسيب على ابن شهاب قال بلغني أَن سعيد بن المسيب غضب على ابن شهاب، وقال: ما حكمك علي أن حدثت عني بحديثي ابن مروان؟ فما زال حتى ترضاه.
فقلت له: أهو حديث أُمهات الأولاد؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: حديث أمهات الأولاد الذي عاتبه على أن حدَّث به، عنه عبد الملك بن مروان هو ما كان حدث به بأنَّ عمر بن الخطاب قضى بأن أُمهات الأولاد، متعة لساداتهنً ما عاشوا، ثم هنَّ بعد موتهم أحرارٌ من رءوس أموالهم، بعد مشورة من حضره من بقية العشرة والمهاجرين والأنصار، فيحتمل أن يكون مذهبه في أُمهات الأولاد خلاف ذلك، ولذلك عاتبه على أَن حدَثه بحديثه، لأنه قضى بما حدَّثه به، ورآهُ حجة، لانعقاد الِإجماع عنده على ذلك من الصحابة، ولم ير ذلك هو حجة إذ قد رَجع علي بن أبي طالب حين أفضت إليه الخلافة عن ذلك، فبطل الإِجماع على مذهب من يرى أَن الإِجماع لا ينعقد إلًا بعد انقراض العصر، وإذا بطل الإِجماع وسع الخلاف، فرأَى سعيد حكم ابن مروان بما حكم به خطأ أَوجبه عليه ما حدث به عنه، فلذلك عاتبه على ذلك، وغضب عليه من أجله.
وهذا على أن الحق في واحد، ولو كان عنده كل مجتهد مصيب، لما عاتب ابن شهاب على أَن حدثه بحديثه.
وبالله التوفيق.

وضع الحكمة عند من لا يعقلها

في كراهية وضع الحكمة عند من لا يعقلها قال وحدَّثني مالك أَنَّه بلغه أَن لقمان قال لابنه: لا تضع الحكمة عند من لم يعقلها، ولا يعيها ولا يعمل بها، فإن مثل ذلك كمثل الذي يتغنى عند رأس الميت.
فقيل له ما تفسيره؟

قال: الذي يتغنى عند رأس الميت من السفه، وإن الذي يضع الحكمة عند غير أَهلها هو الأمر الذي لا ينبغي.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، لا يحتاج إلى بيان والله الموفق.

[أغضبته امرأته فطلّقها البتة]

حكاية فيمن أغضبته امرأته فطلّقها البتة وحدَثني سحنون عن ابن القاسم عن مالك عن ربيعة أن رجَلَا كان من أَشراف الناس، وأَنَّه كان بينه وبين امرأته عتاب في جوف الليل، فلما أصبحت وخرج زوجها إلى الصبح، جمعت عليها ثيابها وخرجت، حتى أتت امرأة مروان بن الحكم، فذكرت ذلك لها، فلما دخل مروان من الصلاة ذكرت امرأته له شأنها، فقال لها: وأين هي؟ فقالت: هي في الحجاب، فأَرسل مروان إلى زوجها فوادعه في ذلك، فقال للرسول الساعة؟ ما له؟ قال: لا أدري إلَّا أنه أمرني أن أدعوك، فخرج حتى دخل عليه فذكر له شأنها فقال له الرجل: وما يدريك؟ أنه كان بيني وبينها أمر، قال: هي أخبرت بذلك، قال: فأين هي؟ قال: هي في الحجاب قال: فإنها طالقة البتة.
قال مروان: ما هذا الذي دعوتك له، فقال: أَما إذا بلغت هذا فهي طالق البتة.
قال محمد بن رشد: هذه حكاية ليس فيها معنى يحتاج إلى شرحه وبيانه.
والله الموفق.

الركوع بعد صلاة الجمعة

في الركوع بعد صلاة الجمعة قال: وحدثنا سحنون عن ابن القاسم، عن مالك عن نافع، عن ابن عمر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن يصلي بعد الجمعة شيئاً حتى ينصرف» . قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام قبل هذا من هذا الرسم على هذه المسألة فلا معنى لِإعادته وباللَّه تعالى التوفيق.

تعريف النجش

في النجش قال مالك: قال نافع: عن ابن عمر: إِن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عن النَّجْش» . قال محمد بن رشد: النجش هو أن يعطي الرجل العطاء في السلعة، لا يريد شراءها، ليغتر بذلك غيره.
فإن فعل ذلك غيره ليس من قبل البائع، ولا كان له فيه سبب، لزم المشتري الشراء، وباع الناجش بالِإثم، وإن كان البائع هو دسَّ من زاد في السلعة، أو كان له فيه سبب، مثل عبده أو أجيره أو شريكه أو ما أشبه ذلك، فالمشتري بالخيار في السلعة، ما كانت قائمة، إن شاء التزمها بالثمن الذي كان اشتراها به، وإن شاء ردها، وإن فاتت في يده، ردت إلى القيمة، وإن كانت أقل من الثمن.
قاله ابن حبيب في الواضحة.
وقد مضى هذا في هذا السماع من كتاب السلطان وباللَّه تعالى التوفيق.

الحض على حياطة الدين

في الحض على حياطة الدين وحدثني سحنون عن ابن القاسم عن مالك أن عطاء بن يسار كان يقول: دينَكم دينَكم فأما دُنياكم فلا أوصيكم بها أنتم عليها

أحرص وأنتم بها مستوصون.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بيِّن لا يفتقر إلى كلام وباللَّه التوفيق.

لباس الخز

في لباس الخز، والشرب في القدح المضَبّب بالفضة وسئل مالك عن لباس الخز فقال: أما أنا لا يعجبني، ولا أحرمه.
فقيل له: فالقدَح تكون فيه الحلقة من الفضة أو تضبيب في شفته؟ قال: ما يعجبني أن يشرب فيه وهذا ليس من عمل الناس ولا يعجبني ذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام مستوفى على لباس الخز محصلاً غاية التحصيل في أول مسألة من سماع ابن القَاسم، فلا معنى لإِعادته.
وأما الحلقة من الفضة، تكون في القدح والتضبيب في شفتهِ، فقياسه قياس العلم من الحرير في الثوب، كرهه مالك، وأجازه جماعة من السلف.
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه أجازه على قدر الأصبعين والثلاث والأربع.
وقع ذلك في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان، وسيأتي التكلم على هذا في سماع أصبغ وباللَّه تعالى التوفيق.

النفخ في الطعام والشراب

في النفخ في الطعام والشراب وسئل مالك عن النفخ في الطعام أتكرهه كما تكره النفخ في الشراب؟ قال: نعم هو مكروه.
قال محمد بن رشد: هذا بيِّن على ما قاله لأن المعنى الذي جاء من أجله النهي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن النفخ في الشراب وهو مخافة أن يتطاير من ريقه فيه شيء، فيتقزز ذلك من سواه موجود في الطعام.
وقد روي ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نصاً، روِي عن عقيل «عن ابن شهاب قال: بَلَغَني أن رَسُولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهى عَنِ النفْخ فِي الطعَام وَالشرَابِ» وباللَّه تعالى التوفيق.

رفع اليدين في الدعاء

في رفع اليدين في الدعاء وسئل عن رفع اليدين في الدعاء فكره ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المُحرِم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة.
وقد مضى في الرسم الذي قبل هذا الكلام على هذا مستوفى فلا معنى لِإعادته.

لبس الخز

في لبس الخز قال مالك: وذكر لبس الخز فقال: قوم يكرهون لباس الخز ويلبسون القلانس من الخز، تعجباً من اختلاف رأيهم.
وإنما كره لباس الخز لأن سداه حرير.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذه المسألة أول رسم من سماع ابن القاسم حسبما ذكرناه فوق هذا فلا معنى لِإعادته.

[عدد مَن قتل من الأنصار يوم أحُد ويوم حسر أبي عبيد ويوم اليمامة]

ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق في عدد مَن قتل من الأنصار يوم أحُد ويوم جسر أبي عبيد ويوم اليمامة قال مالك: حدثني يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب

قال: قتل من الأنصار في ثلاث معارك، سبعون يوم أحد، ويوم جسر أبي عبيد ويوم اليمامة.
قال محمد بن رشد: كانت الوقْعة بأحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاثٍ من الهجرة.
وذلك أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج عشية يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خَلَتْ من شوال، وكانت الوقْعة يوم السبت بعده، وكانت اليمامة في سنة إحدى عشرة من الهجرة في خلافة أبي بكر الصديق.
روي أن أبا بكر الصديق وجه خالد بن الوليد إلى اليمامة، وأمره أن يصمد لمسيلمة الكذاب، فلما دنا من اليمامة نزل وادياً من أوديتهم، فأصاب فيها مُجاعة بن مرارة، في عشرين رجلاً كانوا خرجوا في طلب رجل من بني نمير فقال لهم خالد: يا بني حنيفة، ما تقولون؟ قالوا: نقول: منَّا نبي ومنكم نبي.
فعرضهم خالد على السيف، فقتلهم إلا مجاعة، فاستوثق منه بالحديد، ثم سار، فاقتتلوا، فكان أول قتيل من المشركين رحال بن عُنفوة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانكشف المسلمون، ثم تداعوا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: بِئسَ ما عودتم به أنفسكم يا معشر المسلمين، اللَّهم إني أبرا إليك مما يصنع هؤلاء، ثم قاتل حتى قتل.
وروي عن هشام بن عروة عن أبيه قال: جاء المسلمون حتى بلغوا الرِّحال، فقال ابن العوام: يا أيها الناس قد بلغتم الرحال، فليس لأحدٍ مفر عن رحله، فارجعُوا فرجعوا، فهزم اللَّه المشركين، وقتل مسيلمة.
وكانت وقعة جسر أبي عبيدة في آخر شهر رمضان، وأول شوال، من سنة ثلاث عشرة، في صدر خلافة عمر بن الخطاب.
وذلك أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بعث أبا عبيد بن مسعود الثقفي إلى العراق، فلقي جابان بيْن الحرة والقادسية، ففض جمعه، وأسره، وقتل أصحابه.
ففدى جابان نفسه، ثم أغار على تلك النواحي، وبعث البعوث في تلك الجهات فسبوْا ومثَّلُوا، فلما رجع المشركون منهزمين إلى مليكهم شتمهم وأقصاهم ودعا بهمان ذا الحاجب وعقد له على اثني عشر ألفاً وأعطاه سلاحاً كثيراً.
وحمل معه من آلة الحرب أوقاراً ودفع إليه الفيل الأبيض، وبلغ

أبا عبيد مسيرهم، فعبر الفرات، وقطع الجسر، وأقبل ذو الحاجب فنزل، وبينه وبين أبي عبيد الفرات، فأرسل إليه، إما أن تعبُر إلينا أو نعبُر إليك، فقال أبو عبيد: نعبُر إليكم، فعقد له ابن صلوتا الجسر، وعبر، فالتقوا في مضيق، وقدم ذو الحاجب جاليوس معه الفيل الأبيض، فاقتتلوا قتالاً شديداً وضرب أبو عبيد مشفر الفيل، وضرب أبو محجن عرقوبه، وقُتل أبو عبيد - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وقد كان قال: إن قُتلت فعليكم فلان، وإن قُتل فعليكم فلان، وإن قُتل فعليكم فلان.
فقُتل جميع الأمراء، وأخذ المثنى بن حارثة الراية، واستحرَّ القتل في المسلمين، فمضوا نحو الجسر، حتى انتهوا إليه، وقد سبقهم إليه عبد اللَّه بن يزيد الخَطي، ويقال: عبد بن يزيد الثقفي، فقطع الجسر، وقال: قاتلوا عن دينكم، فاقتحم الناس الفرات فغرق ناس كثير، ثم عقد المثنى الجسر، وعبر المسلمون، واستشهد يومئذ من المسلمين ألف وثمانمائة، وقيل: أربعة آلاف بين قتيل وغريق، وانحاز بالناس المثنى بن حارثة الشيباني.
وباللَّه التوفيق.

[ما وعد به عمر رضي اللَّه عنه من المساواة بين الناس في العطاء]

في ما وعد به عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من المساواة بين الناس في العطاء قال: وحدثني مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر بن الخطاب قال: لَئِن بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ، لألْحِقَنَّ أسْفَلَ النَّاس بِأعلَاهُمْ.
قال الإمام القاضي: كان أبو بكر الصديق يساوي بين الناس في قسم مال اللَّه عليهم، ولا يفضل أحداً في العطاء بسابقةٍ ولا قِدَم، فكلمه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: تلك فضائل عملوها لله، وثوابهم فيها على اللَّه.
وهذا المعاش الناس فيه أسوة، وإنما الدنيا بلاغ.
وقسم عمر بن الخطاب بعد أبي بكر، ففاضل بين الناس، وفرض لهم الديوان على سوابقهم في الِإسلام وفضلهم على أنفسهم، وكان يقول: الرجل وبلاؤه،

والرجل وسابقته.
وظاهر قول عمر هذا: لئن بقيت إلى قابل، لألحقن أسفل الناس بأعلاهم، إنه رجوع منه عن مذهبه الذي كان يسير به من تفضيل أهل السوابق والفضل في العطاء على من لا سابقة له في العطاء، ولا فضل معلوم، إلى مذهب أبي بكر في المساواة بينهم.
وذهب ابن حبيب إلى أن معنى قوله عنده التسوية على جميع الناس من المال، حتى يصير نصيب أدنى المسلمين لكثرة ما أفاء اللَّه به عليهم، مثل ما يصيب أعلاهم منه، يوم قال هذا القول، ولم يرد أن يرد الأعلى إلى الأسفل، وإنما تأول قوله على هذا، لأنه اختار مذهبه على مذهب أبي بكر وأخذ عثمان بِفعْل عمر، وأخذ علي بالعراق بفعل أبي بكر، ساوى ولم يفضل، ثم وليَ عمرُ بن عبد العزيز، فأخذ في ذلك باْلأمْرَينِ جميعاً، وذلك أنه فرض العطاء، ففاضل فيه بين الناس على قدر شرفهم، ومنازلهم في الإِسلام، وقسم قسمين على العامة على غير ديوان العطاء، فساوى بين الناس في ذلك، واختار مالك فعل أبي بكر الصديق.
فقال: يبدأ بالفقراء ثم يساوي بين من بقي، إلا أن يشاء الإِمام أن يحبسه لنوائب الِإسلام.
ومعنى قوله: يساوي بينَ من بقي، أن يعطي الصغير قدر ما يغنيه، والكبير قدر ما يغنيه، والمرأة قدر ما يغنيها، فإن فضل شيء ورأى الِإمام أن يحبسه لنوائب الإِسلام حبسه وإن رأى أن يرده عليهم رده.
وقال: قد يُجيز الإمام الرجل بالجائزة، لوجه يراه قد استحق به الجائزة.
وباللَّه التوفيق.

[إقادة الإِمام من نفسه]

في إقادة الإِمام من نفسه قال: وبلغني أن عمر بن الخطاب ضرب رجلًا بالدِّرَة، ثم قال عمر للرجل: اسْتَغْفِرْ لِي، فقال الرجل: أنت استغفر لي، فأنا ظالم، ثم قال عمر: أولا عِلْمَ لَكَ بِنَزَوَاتِ الْإِمَارَةِ أوِ الْمُلْكِ؟ قال مالك: حدثني عاصم بن عبيد اللَّه بن عاصم، أنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، نَزَلَ يَوْماً بِطَرِيقِ مَكَّةَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَمَّا اشْتَدَّت

الشَّمْسُ، خَرَجَ مِنْ تَحْتِهَا، فَطَرَحَ عَلَيْهِ ثَوْبا يَسْتَظلَّ بهِ، فَنَادَاهُ رَجُلٌ: يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ لَكَ في رَجُلٍ قَدْ رَثَدْتَ حَاجَتَه، وَطَالَ انْتِظَاره؟ فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ رَثَدَهَا؟ فَقَالَ: أنْت فما زال القول والمراجعة حتى ضربه بالمحقنة، فأخذ الرجلِ بثوب عمر، وقال: عجلت علي قبل أن تنظر، فإن كنت مظلوماَ رددتني إلى الحق، فقال عمر: صدقت، ثم أخذ عمر بثوب الرجل ثم أعطاه الدِّرة، فقال له: اسْتَقِدْ مِنِّي.
فقال الرجل: ما أنا بفاعل، فقال له عمر: واللَّه لتفعلنَّ أو لتفعلن ما يفعل المنصف من حقه.
قال الرجل: فإني أعفو قال: فالتفت عمر إلى الرجل من أصحابه، فقال: أنصفت من نفسي قبل أن ينتصف مني.
وأنا كاره فلو كنت بالأراك لسمعت خنين ابن الخطاب.
قال محمد بن رشد: هذا من عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نهاية في الخوف والورع للَّه تعالى، إذ لم يضربه متعدياً عليه فيكون القود منه واجباً، وإنما ضربه بالاجتهاد الذي رأى به أن الضرب يجب عليه فإن كان أصاب في اجتهاده، فله أجران، وإن كان أخطأ فله أجر والضرب مع الخطأ في الاجتهاد خطأ والخطأ لا قصاص فيه، إِلَّا أنه خشي أن يكون قد قصر فيما يلزمه، فيكون مسئولاً عن ذلك، فتورع بما فعل لئلا يبقى عليه سؤال ولا تبعة يوم القيامة، والخنين بالخاء المعجمةَ يريد البكاء وقيل الخنين الغنة التي تصير في صوت الباكي، من تردد البكَاء يقال فيه خَنً يَخِنُّ خَنِيناً.
وقيل: الخَنين الضحك إذا خرج جافياً والخُنَة ضرب من الغُنَة يقال امرأة خناء وغناء.
وباللَّه تعالى التوفيق.

[صفة إشعار البُدْن في الحج]

في صفة إشعار البُدْن في الحج قال: وحدثني عن ابن القاسم عن نافعِ عن أبي نعيم عن نافع مولى عبد الله بن عمر أنه كان يُشعر بُدْنهُ من الشقين جميعاً إذا كانت صعاباً مقرنة موثقة.
قال محمد بن رشد: زاد في هذا الحديث في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الحج.
وَإِنًمَا كَانَ ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُ هَذَا ليدللها بِذَلِك، وَلَيْسَ لأنَّ ذَلِكَ سُنَةُ إشْعَارِهَا، وَإِنَّمَا سُنةُ إِشْعَارِهَا، صَعْبَةً كَانَتْ أو دُلُلًا مِن الشَق الأيْسَرِ.
وقوله: وإنما كان ابن عمر يفعل هذا ليدللها بذلك يدل على أنه يشعرها من الشقين جميعاً معاً خلاف ما ذهب إليه ابن المواز من أن معنى قوله من الشقين جميعاً أي من أيَ الشقين أمكنه ومثل تأويل ابن المواز حكى ابن حبيب عنه نصاً من رواية مطرف عن العمري عن نافع عن ابن عمر.
وزاد في صفة الإِشعار أنه طولًا في سنامها وفي المدونة عرضاً وقوله: إِن السنة في الإِشعار أن تكون في الشق الأيسر، هو مثل ما في المدونة.
وقد روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن الإِشعار في الشق الأيمن.
وروي هذا كله في كتاب الحج.
ووجه الإِشعار في الشق الأيسر وفي الأيمن وباللَه التوفيق.

[تفسير يَجِدْ فِي الأرْض مُرَاغَماً]

في تفسير يَجِدْ فِي الأرْض مُرَاغَماً وسئل مالك عن قول اللَّه تعالى: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100] قال المراغم الذهاب في الأرض، وَسَعَةً، سعة البلد.

قال محمد بن رشد: قوله: المراغَم الذهاب في الأرض بين في المعنى.
يقول: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 100] أي ومن يهاجر في سبيل الله قومه وأهله، ويخرِج عنهم، ولا يبالي بأن يُعادوه، يجد في الأرض مراغماً كثيراً أي مضطرباَ ومطلَباً وتحولًا وسعةً في البلاد، وقيل: في الرزق، وقيل: في إظهار الدين، لما كان يلحقهم من تضييق المشركين عليهم في أمر دينهم حتى يمنعوهم من إظهاره، والمراغم والمهاجر واحد، تقول: راغمت وهاجرت، وأصله أن الرجل كان إذا أسلم خرج عن قومه مراغماً لهم، أي مغاضباً ومهاجراً أي مقاطعاً من الهجران، فقيل للمذهب مراغم، وللمصير إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هجرة لأنها كانت بهجرة قومه.
وباللَه تعالى التوفيق.

أخذ الماء إلى الأذنين في الوضوء

في أخذ الماء إلى الأذنين في الوضوء قال: وحدثني مالك عن نافع عن ابن عمر أَنه كَانَ يَمسحُ رَأسهُ بالْمَاء، وَيُدْخِلُ أصْبَعَهُ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ يُدْخِلُهَا فِي أُذُنِهِ.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك وابن القاسم وجميع أصحابهما أن الأذنين يستأنف لهما الماء، فمسحهما مع استئناف الماء لهما سنة، والمنصوص عليه عن مالك أن الأذنين من الرأس، ويستأنف لهما الماء، فإنما السنة على هذا في استئناف الماء لهما، لأن بلة اليد تذهب في مسح الرأس، فيستأنف أخذ الماء لهما سنة.
وقد قيل في غير المذهب: إنهما من الرأس يمسحان معه، ولا يستأنف لهما ماء.
وقيل: إنهما من الوجه، يغسلان معه.
وقيل: إن باطنهما من الوجه وظاهرهما من الرأس.
والصواب ما ذهب إليه مالك يشهد بصحته الحديث، قوله: «إذَا تَوَضَّأ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَ الْخَطَايَا من فِيهِ» إلى قوله: «فَإِذَا مَسَحَ رَأسَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأسِهِ حَتَى تَخْرُجَ مِنْ آذُنَيْهِ» وبالله تعالى التوفيق.

التكبير في العيدين

في التكبير في العيدين وحدثني عن نافع عن أبي نعيم عن نافع مولى ابن عمر أن ابن عمر قال: التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الأولَى سَبْعاَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وفِي الآخِرَةِ خَمْساً قَبْلَ الْقِرَاءَةِ.
قال محمد بن رشد: وقف نافع عن نافع هذا الحديث عن ابن عمر، وأسنده عبد الله بن عامر الأسلمي عن نافع عن ابن عمر عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وروي أيضاً عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من رواية كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كبر في العيدين في الأضحى والفطر، في الركعة الأولى سبعاَ قبل القراءة، وفي الركعة الأخيرة خمساً قبل القراءة، على ما وقع في رسم من بعد هذا.
وهذا أمر متفق عليه في المذهب، في أن التكبير في صلاة العيدين سبعاً في الأولى بتكبيرة الإِحرام، وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة الإِحرام، وفي خارج المذهب في ذلك اختلاف كثير في عدد التكبير، وفي موضعه، لاختلاف الآثار في ذلك، عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وعن جماعة من أصحابه، فروي عن النبي عيه السلام من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن التكبير في العيدين سبع في الأولى وخمس في الآخرة سوى

تكبيرة الصلاة.
وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن التكبير فيهما أربعٌ أربعٌ، مثل تكبير الجنائز، وروي عن علي بن أبي طالب أنه كان يكبر في النحر خمس تكبيرات: ثلاثٌ في الأولى واثنتين في الثانية، وأنه كان يكبر يوم الفطر إحدى عشرة تكبيرة، يفتتح بتكبيرة واحدة، ثم يقرأ، ثم يكبر خمساً، يركع بإحداهن، ثم يقوم فيقرأ، ثم يكبر خمساً، يركع بإحداهن.
وفي موضع التكبير ثلاثة أقوال: أحدها: مذهب مالك أنه يكبر في الأولى قبل القراءة، وفي الآخرة قبل القراءة، فلا يوالي بين التكبيرتين، ولا بين القراءتين.
والثاني: أنه يكبر في الأولى والثانية بعد القراءة، فيوالي بين التكبير، ولا يوالي بين القراءة، وهو الذي مضى عن علي بن أبي طالب.
والثالث: أنه يكبر في الأولى قبل القراءة، وفي الثانية بعد القراءة، فيوالي بين القراءة، ولا يوالي بين التكبير.
وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد على ما روي من أن عمر بن الخطاب وعبد الله اجتمع رأيُهما في تكبير العيدين على تسع تكبيرات.
خمس في الأولى، وأربع في الآخرة.
وبالله التوفيق.

من أسباب السعادة

فيما يقال فيه: إنه من السعادة قال مالك يقال: من السعادة المرأة الصالحة، والمسكَنُ الوَاسع، والدابة الصالحة.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بيِّن، لأن من اجتمعت له هذه الثلاثة الأشياء، فقد سلم في دنياه.

براءة هل يقال فيها بسم الله الرحمن الرحيم

في براءة هل يقال فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ قال وسئل مالك عن براءة يقرأ فيها بسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ

الرَّحِيم قال مالك: تقرأ كما أُنزلت ليس فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في أول رسم من هذا السماع مستوفى فلا معنى لِإعادته وبالله تعالى التوفيق.

التحري في الشهادة

في التحري في الشهادة قال مالك: قال عمر بن الخطاب لرجل: أتشهد أنه شرب خمراً قال: أشهد أنه قاءها.
قال عمر: هذا التعمق، يعني في الشهادة.
قال محمد بن رشد: في هذا: إنه يجوز للرجل أن يشهد بما علمه من جهة النظر والاستدلال كما يجوز له أن يشهد بما علمه ضرورة بالعيان، لأن عمر بن الخطاب أمر الرجل وهو أبو هريرة أن يشهد أنه شربها وهو لم يعاين شربه إياها، وإنما عاين أنه قاءها، فلما توقف عن الشهادة بذلك، قال له: ما هذا التعمق؟ يعني في الشهادة.
وقد مضى هذا الوجه الذي توقف أبو هريرة من أجله على الشهادة أنه شربها في رسم الأشربة والحدود من سماع أشهب من كتاب الحدود في القذف، وهو يحتمل أنه لم يشربها باختياره، وإنما أكره عليها، فصُبت في حلقه، ولم ير عمر الشهادة تبطل بهذا الاحتمال، لأن أمره يحمل على أنه شربها باختياره، إذ لم يدَّع أنه أُكره على شربها، وإنما أنكر أن يكون شربها.
وفي قول عمر لأبي هريرة: أتشهد أنه شربها؟ دليل بين واضح على أن القاضي لا يقضي بعلمه.
وبالله تبارك وتعالى التوفيق.

فضل الشهادة في سبيل الله

في فضل الشهادة في سبيل الله قال مالك: وحدثني يحيى بن سعيد «أن رجلَاَ يسمى حارثهّ استشهد يوم بدرٍ وأن أمه حزنت عليه، فاجتمع إليها النساء يعزينها وقلن ما لك لا تبكين على حارثة؟ فقالت: لا أبكي عليه حتى يأتي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأسأله، فإن كان في الجنة لا أبكي عليه، وإن كان غير هذا فسترين بكائي، قال: فعجلت فلقيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند بير أبي عنبة عند الحرة، فقالت: يا رسول الله: أَقُتِلَ حَارِثَة؟ قال: نَعَمْ، قالت: أفي الْجَنَّةِ هُو؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا أمَّ حَارِثَةَ، إنَّهَا لَجِنَانٌ كَثِيرَةٌ وإنَّهُ فِي الْفِرْدَوْس الأعْلَى.» قال مالك: «إن عبد الله بن عمرو بن حرام أبا جابر بن عبد الله صاحب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كان استشهد يوم أحد، وأنه كان عليه دين قد رهقه فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذا كان الجداد فآذني فأَذنته فوضع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يده ودعا فيه فكال منه لأهل دينه وبقي بعد ذلك مثل الذي كان فيه قبل قضاء الدين» . قال محمد بن رشد: حارثة المذكور في الحديث الأول هو حارثة بن سُراقة بن الحارث الأنصاري من بني النجار، شهد بدراً فكان أول قتيل قتل فيه، رماه حبان بن العرقة بسهم وهو يشرب من الحوض، فأَصاب حنجرته فقتله.
وفيه أن منزلة الشهيد في سبيل الله، أرفعُ المنازل في الجنة عند الله.
قال عز وجل: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: 169]

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
قراءة الطالب على الراويحرق ما التبس من كتب الخصومبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أجمله الله في القرآن والصلاة والزكاةالركوع بعد صلاة الجمعةإمامة الأعمىالحض على الصدق وما جاء فيهحكم دخول الأسواقتعجيل ما اجتمع عند العامل من زكاة الفطريقول للرجل في منازعة ما يشبه أن يريد به القذفما جاء عن صفوان بن أمية في تأليف النبي عليه السلام إياه بالعطاءالتوقي في الحديث عن النبي عليه السلاممعاقبة من لم يشهد الجمعة والمنع من البيع في يوم الجمعةالعمل بالصرفالشروط في النكاحما يستحب من مكارم الأخلاقضحى بالليلتحديد يوم الحج الأكبرالرقى بالحديد والملح وعقد الخيطصبغ الشعرغضب سعيد بن المسيب على ابن شهابوضع الحكمة عند من لا يعقلهاالركوع بعد صلاة الجمعةتعريف النجشالحض على حياطة الدينلباس الخزالنفخ في الطعام والشرابرفع اليدين في الدعاءلبس الخزأخذ الماء إلى الأذنين في الوضوءالتكبير في العيدينمن أسباب السعادةبراءة هل يقال فيها بسم الله الرحمن الرحيمالتحري في الشهادةفضل الشهادة في سبيل الله
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل