كتاب الصلاة الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة: الرجل يدخل يوم الجمعة والإمام يخطب أيجلس أم يتم صلاته
مسألة وسئل عن الرجل يدخل يوم الجمعة فيكبر قبل أن يخرج الإمام فيخرج الإمام ولم يركع ويؤذن المؤذنون، أيجلس أم يتم صلاته؟ قال بل يتم ركعتين، وإنما يجلس من لم يحرم حتى يقعد الإمام.
قلت لسحنون: فلو أني دخلت المسجد والإمام جالس والمؤذنون أمامه يؤذنون فأحرمت ساهيا أو غافلا أو كنت جالسا فلم أفرغ من ركعتي حتى فرغ المؤذنون وقام الإمام يخطب، وذكرت له أنها نزلت بي، أترى أن أمضي في صلاتي؟ فقال لي نعم، وإنما يكره ذلك ابتداء، فإذا فعله أحد مضى ولم يقطع.
قال العتبي: وجدتها لابن وهب رواية عن مالك.
قال محمد بن رشد: أما من أحرم يوم الجمعة فإنه يتمادى على نافلته حتى يتمها، كان قد ركع أم لم يركع، لما جاء في ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مما تعلق به من قال أن من جاء والإمام يخطب إنه يركع قبل أن يجلس، وقد قالوا فيمن أحرم في صلاته بالتيميم ثم طلع رجل معه ماء أنه يتمادى على صلاته ولا يقطعها، وكيف بهذا؟ وأما من دخل المسجد والإمام جالس على المنبر والمؤذنون يؤذنون فأحرم جاهلا أو غافلا فإنه يتمادى ولا يقطع على قول سحنون ورواية ابن وهب عن مالك وإن لم يفرغ حتى قام الإمام إلى الخطبة.
وقد قيل إنه يقطع، وهو قول ابن شعبان في مختصر ما ليس في المختصر.
وكذلك لو دخل المسجد والإمام يخطب فأحرم لتمادى على قول ابن وهب عن مالك وسحنون، ولقطع على قول ابن شعبان، إذ لا فرق بين أن يحرم والإمام يخطب أو وهو جالس على المنبر والمؤذنون يؤذنون، لما جاء من أن خروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام.
وذلك لا يكون من قائله
رأيا، وهذا عندي في الذي يدخل المسجد تلك الساعة فيحرم، وأما لو أحرم بالصلاة تلك الساعة من كان جالسا في المسجد لوجب أن يقطع قولا واحدا، إذ لا اختلاف في أنه لا يجوز أن يركع تلك الساعة، بخلاف الذي يدخل المسجد تلك الساعة، إذ قد قيل إنه يركع قبل أن يجلس لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» ، ولما جاء أنه أمر سليكا الغطفاني وهو جالس على المنبر أن يركع ركعتين ثم قال: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين يتجوز فيهما» ، وبالله التوفيق.
مسألة: الغدو إلى العيدين أية ساعة هي
مسألة وسئل مالك عن الغدو إلى العيدين أية ساعة هي؟ قال: إذا طلعت الشمس، ثم قال بعد ذلك هو العمل الذي عليه أهل الفقه عندنا.
فقيل له: فمتى يكبر؟ قال إذا طلعت الشمس وغدا، فقيل له أفيجهر بالتكبير أم يسره؟ قال: أمر بين ذلك، ويكبر في العيدين جميعا في الفطر والأضحى.
قال محمد بن رشد: هذا هو الوقت المختار في الغدو إلى العيد، فإن غدا قبل طلوع الشمس لم يكبر إلا أن يكون قرب طلوع الشمس أو الإسفار البين.
وقال علي بن زياد عن مالك إنه لا تكبير إلا على من غدا
بعد طلوع الشمس، وقع ذلك في آخر رسم " حلف بطلاق امرأته " وقد تكلمنا هناك على حكم التكبير ووجهه وما الأصل فيه ومكان الاختلاف منه.
مسألة: إشارة الرجل بأصبعه في الصلاة
مسألة وسئل عن إشارة الرجل بأصبعه في الصلاة، قال ليشر إن شاء ولا بأس في التشهد إذا وضع يديه على ركبتيه.
قال محمد بن رشد: معنى الكلام يشير إن شاء في التشهد ولا بأس به، فظاهره التخيير من غير استحسان منه لفعله على تركه، وقد استحسن ذلك في رسم "المحرم" بعد هذا، وهو الصواب؛ لأنها السنة من فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ما في الموطأ عنه من رواية عبد الله بن عمر.
وقد مضت هذه المسألة والتكلم عليها في رسم "شك في طوافه" قبل هذا.
وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: وسئل عن إشارة الرجل بأصبعه في الصلاة في التشهد وإذا وضع يديه على ركبتيه، قال ليشر إن شاء ولا بأس به، وبالله التوفيق.
مسألة: الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أي مواضعه أحب
مسألة وسئل مالك عن الصلاة في مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أي مواضعه أحب إليك؟ قال: أما النافلة فمصلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال ابن القاسم: وهو العمود المخلق، وأما الفريضة فيقدم إلى أول الصف أحب إلي.
قال محمد بن رشد: استحب مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، صلاة النافلة في مصلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للتبرك بموضع صلاته، ورأى للصلاة في ذلك الموضع فضلا على سائر المسجد.
ومن الدليل على ذلك «أن عتبان بن مالك قال لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل والمطر وأنا رجل
ضرير البصر فصل يا رسول الله
-[صلى الله عليك وسلم]-
في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: أين تحب أن أصلي، فأشار له إلى مكان من البيت فصلى فيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . فإذا كان ذلك الموضع من بيته بصلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه صلاة واحدة أفضل من سائر بيته، وجب أن يكون الموضع الذي كان يواظب على الصلاة فيه في مسجده أفضل من سائر المسجد بكثير.
وإنما قال: إنه يتقدم في الفريضة إلى أول الصفوف وهو الصف الأول؛ لأن فضل الصف الأول معلوم بالنص عليه من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فهو أولى مما علم فضله بالدليل.
ولمالك في رسم "التسليف في الحيوان المضمون" من هذا السماع من كتاب الجامع أن العمود المخلق ليس هو قبلة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولكنه كان أقرب العمد إلى مصلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، خلاف قول ابن القاسم أن العمود المخلق هو مصلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وبالله التوفيق.
مسألة: صلاة الجمعة في مجالس حوانيت عمرو بن العاص
مسألة وسئل مالك عن صلاة الجمعة في مجالس حوانيت عمرو بن العاص ووصفت له، قال: لا بأس بذلك وأراها مثل أفنية المسجد إذا كان إنما يصلى فيها من ضيق المسجد بالناس فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: يريد مصاطب الحوانيت التي لا تأخذها الغلق الشارعة إلى الطرق المتصلة بأفنية المسجد، فحكم لها بحكم أفنية المسجد ولم ير بالصلاة فيها بأسا إذا ضاق المسجد، ولم يعط فيها جوابا بينا إذا صلى فيها والمسجد واسع من غير ضرورة.
والأظهر في ذلك من مذهبه هنا وفي المدونة أنه قد أساء وصلاته جائزة، وهي رواية ابن أبي أويس عنه.
وقال
سحنون: يعيد ظهرا أربعا.
ووجه قول مالك أن الصلاة لما كانت في هذه المواضع جائزة لمن ضاق عنه المسجد وجب أن تجوز صلاة من صلى فيها وإن لم يضق عنه المسجد، أصل ذلك من صلى في الصف الثاني وهو يجد سعة للدخول في الصف الأول.
ووجه قول سحنون أن المسجد من شرائط صحة الجمعة، فإذا صلى خارجا منه وهو قادر على الصلاة فيه وجب أن لا تجزئه صلاته، أصل ذلك من صلى مكشوف العورة وهو قادر على سترها.
قراءة سورة الإخلاص مرارا في ركعة واحدة
ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه وسألته عن قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2] مرارا في ركعة واحدة فكره ذلك وقال: هذا من محدثات الأمور التي أحدثوا.
قال محمد بن رشد: كره مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، للذي يحفظ القرآن أن يكرر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] في ركعة واحدة مرارا لئلا يعتقد آخر أن أجر من قرأ القرآن كله كأجر من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ثلاث مرات تأويلا لما روي «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أنها تعدل ثلث القرآن» ، إذ ليس ذلك معنى الحديث عند العلماء، ولو كان ذلك معناه عندهم لاقتصروا على قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] في الصلوات بدلا من قراءه السور الطوال، ولكرروها في الركعة الواحدة من فرائضهم ونوافلهم، ولا قتصروا على قراءتها دون سائر القرآن في تلاوتهم، فلما لم يفعلوا شيئا من ذلك وأجمعوا أن من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] في ركعة واحدة لا يساوي في الأجر من أحيا الليل وقام فيه بالقرآن كله.
قال مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إن تكريرها في ركعة واحدة من محدثات الأمور ورأى ذلك بدعة، وهو كما قال، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولا دليل على أن تكريرها في ركعة واحدة أفضل من قراءة سورة طويلة تزيد في القدر على قدر ما يجتمع من تكريرها المرات التي كررها فيها، فيما ثبت من حديث أبي سعيد الخدري أنه سمع رجلا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] يرددها فلما أصبح غدا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» ، إذ قد يحتمل أنه إنما كان يرددها لأنه لا يحفظ سواها، ولم يقل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن ذلك من فعله أفضل من قراءة السور الطوال، وإنما علم أنها تعدل ثلث القرآن من أجل أن الرجل كان يتقالها على ما جاء في الحديث، والله أعلم.
وقد اختلف العلماء في قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنها تعدل ثلث القرآن» اختلافا كثيرا لا يرتفع بشيء منه على الحديث الإشكال ولا يتخلص عن أن يكون فيه اعتراض وكلام.
وقد حكى ابن عبد البر في الاستذكار عن إسحاق بن منصور أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] إنها تعدل ثلث القرآن ما وجهه؟ فلم يقم لي فيه على أمر بين، قال: وقال لي إسحاق بن راهويه: معناه أن الله لما فضل كلامه على سائر الكلام جعل لبعضه أيضا فضلا في الثواب لمن قرأه أضعاف غيره منه تحريضا منه على تعليمه لا أن من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ثلاث مرات كان كمن قرأ القرآن كله، هذا لا يستقيم ولو قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] مائتي مرة.
قال ابن عبد البر: هذان عالمان بالسنن وإمامان في السنة ما قاما ولا قعدا في هذه المسألة، والذي عليه أهل العلم والسنة الكف عن الجدال والمناظرة فيما سبيله الاعتقاد بالأفئدة والإيمان بما تشابه من القرآن والتسليم له وبما جاء عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من نحو هذا الحديث وشبهه في أحاديث الصفات.
قال محمد بن رشد: وقد قال بعض المتأخرين إن المعنى في ذلك أن تضعيف الأجر في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ينتهي إلى أن يكون مثل أجر قراءة ثلث القرآن غير مضاعف، وهذا أشبه ما رأيت في ذلك من التأويلات، إلا أنه بعيد من ظاهر الحديث؛ لأنه إذا لم يعدل أجر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] مضاعفا لأجر قراءة ثلث القرآن مضاعفا أو أجر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]
غير مضاعف لأجر قراءة ثلث القرآن غير مضاعف فليست بعدل له على الحقيقة.
والذي أقول به أن المعنى في ذلك، والله أعلم، أن الله تفضل على من قرأ جميع القرآن بأن كتب له من الأجر في قراءة ماعدا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] مثلي ما كتب له في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ، لا أن من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] وحدها يكون له من الأجر مثل من قرأ ثلث القرآن، ولا أن من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ثلاث مرات يكون له من الأجر مثل من قرأ القرآن كله.
فالأجر الذي يحصل لقارئ القرآن كله مع ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] يقع منه ثلثه لقل هو الله أحد وثلثاه لسائر القرآن على هذا التأويل.
مثال ذلك الصلاة الأجر الذي يحصل للمصلي في جملة صلاته يقع منه لنيته أكثر ما يقع منه لتكبيره وقراءته وقيامه وركوعه وسجوده وتشهده وسلامه، وإن كان التعب والعناء في ذلك كله أكثر من التعب والعناء في النية.
والدليل على ذلك قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نية المؤمن خير من عمله» ؛ لأن العمل لا ينتفع به إذا لم تقارنه نية، فإذا قارنته نية كان جل الأجر لها على معنى ما جاء في الحديث.
وكذلك سائر أعمال الطاعات، فصح تأويل ما جاء في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] على ما ذكرناه والله أعلم بمراد نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
الرجل يدخل المسجد النبوي بأي شيء يبدأ
مسألة وسئل عن الرجل يدخل مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة بأي شيء يبدأ؟ بالسلام على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أم بركعتين؟ قال: بل بركعتين، وكل ذلك واسع.
قال ابن القاسم: وأحب إلي أن يركع.
قال محمد بن رشد: وجه توسعة مالك البداية بالسلام على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل الركعتين قوله في الحديث قبل أن يجلس، فإذا سلم على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم
ركع الركعتين قبل أن يجلس فقد امتثل أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الركوع قبل الجلوس ولم يخالفه.
ووجه اختيار ابن القاسم للبداية بالركوع قبل السلام على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قوله في الحديث: «إذا دخل فليركع» والفاء في اللسان تدل على أن الثاني عقب الأول بلا مهلة، فكان الاختيار إذا دخل أن يصل دخوله بركوعه، وأن لا يجعل بينهما فاصلة من الاشتغال بشيء من الأشياء.
مسألة: الأصبع إذا لم يجد سواكا أيجزئه من السواك
مسألة وسئل مالك عن الأصبع إذا لم يجد سواكا، أيجزئه من السواك؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رغب في السواك فقال: «عليكم بالسواك» ولم يخص سواكا من غير سواك، فكان الاختيار أن يستاك بسواك لأنه أحلى للأسنان وأطهر للفم، فإن لم يجد سواكا قام الأصبع مقامه لكونه مستاكا به ممتثلا للأمر لأنه عموم إذ لم يخص به سواكا من أصبع ولا غيره، والله أعلم.
ويتصل بهذه المسألة في بعض الروايات مسألة الحاج من أهل مكة في إفاضته من منى إلى مكة، وقد مضت في رسم "الشريكين "، وفي رسم "شك في طوافه "، والكلام عليها مستوفى هناك، وبالله التوفيق.
مسألة: رفع اليدين في الدعاء وفي الصلاة عند التكبير
مسألة وسئل مالك عن رفع اليدين في الدعاء، قال ما يعجبني ذلك، فقيل له: فرفع اليدين في الصلاة عند التكبير؟ فقال لقد ذكر عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يفعل ذلك إذا كبر وإذا رفع رأسه من
الركوع وإذا ركع، وما هو بالأمر العام، كأنه لم يره من العمل المعمول به.
فقيل له: فالإشارة بالأصبع في الصلاة؟ قال ذلك حسن، ثم قال على أثر ذلك حجة لتضعيف رفع اليدين في الصلاة: إنه قد كان في أول الإسلام أنه من رقد قبل أن يطعم لم يطعم من الليل شيئا، فأنزل الله عز وجل: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] فأكلوا بعد ذلك.
قال محمد بن رشد: كره مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، رفع اليدين في الدعاء، وظاهره خلاف لما في المدونة؛ لأنه أجاز فيها رفع اليدين في الدعاء في مواضع الدعاء كالاستسقاء وعرفة والمشعر الحرام والمقامين عند الجمرتين على ما في كتاب الصلاة الأول منها، خلاف لما في الحج الأول من أنه يرفع يديه في المقامين عند الجمرتين.
ويحتمل أن تتأول هذه الرواية على أنه أراد الدعاء في غير مواطن الدعاء، فلا يكون خلافا لما في المدونة، وهو الأولى، وقد ذكرنا هذا المعنى في رسم "شك في طوافه ".
وأما رفع اليدين عند الإحرام في الصلاة فالمشهور عن مالك أن اليدين ترفع في ذلك، وقد وقع في الحج الأول من المدونة في بعض الروايات أن رفع اليدين في ذلك عنده ضعيف، ووقع له في سماع أبي زيد من هذا الكتاب إنكار الرفع في ذلك، وإلى هذا ينحو قوله في هذه الرواية؛ لأنه احتج فيها بما دل على أن الرفع أمر قد ترك ونسخ العمل به كما نسخ تحريم الأكل برمضان بالليل بعد النوم.
والصحيح في المذهب إيجاب الرفع في ذلك بالسنة، فهو الذي تواترت به الآثار وأخذ به جماعة فقهاء الأمصار.
وروى ابن وهب وعلي، واللفظ لعلي، أنه سئل
عن المرأة أعليها رفع يديها إذا افتتحت الصلاة مثل الرجل؟ فقال ما بلغني أن ذلك عليها وأراه يجزئها أن ترفع أدنى من الرجال.
وأما رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه، فمرة كرهه مالك، وهو مذهبه في المدونة ودليل هذه الرواية وما وقع في رسم "الصلاة" الأول من سماع أشهب من حكاية فعل مالك؛ ومرة استحسنه ورأى تركه واسعا، وهو قول مالك في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب.
وروى مثله عنه محمد بن يحيى السبائي؛ ومرة قال إنه يرفع ولم يذكر في ترك ذلك سعة، وهو قوله في رواية ابن وهب عنه؟ ومرة خير بين الأمرين.
والأظهر ترك الرفع في ذلك؛ لأن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر كانا لا يرفعان أيديهما في ذلك، وهما رويا الرفع عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك، فلم يكونا ليتركا بعد النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ما رويا عنه إلا وقد قامت عندهما الحجة بتركه.
وقد روي أيضا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرفع عند القيام من الجلسة الوسطى وعند السجود والرفع منه، وذهب إلى ذلك بعض العلماء، ولم يأخذ مالك بذلك ولا اختلف قوله فيه، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يصلي لنفسه أيسلم اثنتين
مسألة وسئل عن الرجل يصلي لنفسه، أيسلم اثنتين؟ قال: لا بأس بذلك، إذا فصل بالسلام الأول أن يسلم بعد ذلك عن يساره، فقيل له: فالإمام؟ فقال ما أدركت الأئمة إلا على تسليمة واحدة، فقيل له: تلقاء وجهه؟ قال يتيامن قليلا عن يمينه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في آخر رسم "شك في طوافه "، ومضى طرف من ذلك في الرسم الذي قبل هذا، فقف على ذلك.
مسألة: عما يعمل الناس به من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون
مسألة وسئل عما يعمل الناس به من الدعاء حين يدخلون المسجد
وحين يخرجون ووقوفهم عند ذلك، قال هذا من البدع وأنكره إنكارا شديدا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في صدر الرسم الذي قبل هذا، ونحو ما مضى في رسم "حلف بطلاق امرأته "، ورسم "صلى نهارا ثلاث ركعات "، في كراهة الاجتماع للدعاء في المساجد يوم عرفة بعد العصر.
مسألة: الرجل يصلي في المحمل يعيا في تربعه فيمد رجله يستريح
مسألة وسئل مالك عن الرجل يصلي في المحمل يعيا في تربعه فيمد رجله يستريح في ذلك، قال: أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: وجه التخفيف في ذلك بين لأنها صلاة تطوع، وقد جاء أن له أن يصليها مضطجعا مع القدرة على القيام، روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر صلاة القاعد» ، فإذا جاز له أن يصلي مضطجعا اتسع له أن يمد رجله للاستراحة، والله أعلم.
مسألة: الرجل يستتر بالبعير في الصلاة
مسألة وسئل مالك عن الرجل يستتر بالبعير قال: لا بأس بذلك، فقيل له: فالخيل والحمير؟ قال لا؛ لأن الخيل والحمير أبوالها وأرواثها نجس، وأن أبوال الإبل والبقر والغنم وأرواثها ليس بالنجس، كأنه لا يرى بالسترة بالبقرة [والشاة] في معنى قوله مع الإبل بأسا.
قال محمد بن رشد: قد بين في الرواية وجه منعه من أن يستتر بالخيل والبغال والحمير، ولو استتر بشيء من ذلك لكان له سترة تدفع الحرج عمن يمر أمامه وكان هو قد أساء، ولم تجب عليه إعادة؛ لأنه بمنزلة من صلى وأمامه جدار مرحاض أو كافر أو جنب وما أشبه ذلك.
مسألة: الرجل يصلي في سقائف مكة من الشمس وبينه وبين الناس فرج
مسألة وسئل مالك عن الرجل يصلي في سقائف مكة من الشمس وبينه وبين الناس فرج، قال أرجو أن يكون ذلك واسعا، وليس كل الناس سواء، وحر مكة شديد، ولقد وضع عمر بن الخطاب، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ثوبه فسجد عليه من شدة الحر، فقيل له: فإن كان رجل يطيق أن يصلي في الشمس ويحمل ذلك أترى أن يتقدم؟ قال نعم.
قال محمد بن رشد: خفف مالك للرجل أن يصلي وحده في السقائف ويترك التقدم إلى الفرج التي في صفوف الناس لموضع الضرورة، ولو فعل ذلك من غير ضرورة لكان قد أساء وصلاته تامة على المشهور من قول مالك.
وقد روى ابن وهب عن مالك أن من صلى خلف الصف وحده أعاد أبدا، وذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم، لما جاء في ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مما قد ذكرناه في أول رسم "شك في طوافه ".
ولو كان معه في السقائف غيره ولم يكن منفردا فيها وحده لكانت صلاته جائزة بإجماع.
وكلما كثر عدد القوم الذين يكونون معه في السقائف كانت الكراهة له في الصلاة معهم وترك التقدم إلى الفرج التي في الصفوف أخف.
وقد روى أشهب عن مالك في رسم "الصلاة" الأول أنه سئل عمن دخل من باب المسجد فوجد الناس ركوعا وعند باب المسجد ناس يصلون ركوعا وبين يديه الفرج أيركع مع هؤلاء عند باب المسجد أم يتقدم إلى الفرج؟ قال: أرى أن يركع مع هؤلاء عند باب المسجد فيدرك الركعة، إلا أن يكونوا قليلا فلا أرى أن يركع معهم،
ويتقدم إلى الفرج أحب إلي.
وأما إذا كانوا كثيرا فإني أرى أن يركع معهم.
ففي هذا دليل على ما قلناه وبالله التوفيق.
مسألة: صلاة الليل أثلاث عشرة ركعة أم إحدى عشرة ركعة
مسألة وسئل مالك عن حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صلاة الليل أي ذلك أحب إليك أثلاث عشرة ركعة، أم إحدى عشرة ركعة؟ قال: كل ذلك قد جاء، وأكثر ذلك أعجب إلي لمن قوي عليه.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا إشكال فيه أن الكثير من الصلاة أفضل من القليل منها مع استوائها في التطويل، وإنما اختلف أهل العلم في الأفضل من طول القيام أو كثرة الركوع والسجود مع استواء مدة الصلاة، فمن أهل العلم من ذهب إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل، لما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة وحط بها عنه خطيئة» ، ومنهم من ذهب إلى أن طول القيام أفضل، لما روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل أي الصلوات أفضل؟ قال: طول القنوت» ، وفي بعض الآثار: «طول القيام» . وهذا القول أظهر، إذ ليس في الحديث الأول ما يعارض هذا الحديث، ويحتمل أن يكون ما يعطي الله عز وجل للمصلي بطول القيام أفضل مما ذكره في الحديث الأول أنه يعطيه بالركوع والسجود.
وكذلك ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أن العبد إذا قام فصلى أتي بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقيه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه» ، لا دليل فيه أيضا على أن كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام؛ إذ قد يحتمل أن يكون ما يعطي الله عز وجل بطول القيام في الصلاة أكثر من ذلك كله.
مسألة: الرجل يسافر بعد أن يصبح يوم العيدين قبل أن يصلي
مسألة وسئل مالك عن الرجل يسافر بعد أن يصبح يوم العيدين قبل أن يصلي، قال: لا يعجبني ذلك إلا أن يكون له عذر، فقيل له: فما العذر؟ فقال: غير شيء واحد.
قال محمد بن رشد: معنى ما تكلم عليه أنه سافر بعد الفجر قبل طلوع الشمس، فكره ذلك له إلا من عذر إذ لم يجب عليه الخروج لشهود العيد بعد.
ولو طلعت الشمس وحلت الصلاة لما جاز له أن يخرج لسفره، ويدع الخروج لشهود صلاة العيد كالجمعة، فكره له السفر قبل زوال الشمس، ويحرم عليه إذا زالت الشمس وحلت الصلاة؛ لقول الله عز وجل: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] ، والله أعلم.
مسألة: يبقى عليه حزبه من الليل أيقرأه في مسيره إلى المسجد لصلاة الصبح
مسألة وسئل مالك عن الرجل يبقى عليه حزبه من الليل فيخرج لصلاة الصبح وقد بقي عليه حزبه، أفترى أن يقرأ في مسيره إلى المسجد؟ قال: ما أدركت أحدا ممن أقتدي به يفعل ذلك، وما يعجبني ذلك.
وقال: يقرأ في السوق وما أشبهه ما يعجبني أن يقرأ
القرآن إلا في الصلاة والمساجد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] وثبت على ذلك.
قال محمد بن رشد: كره مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، في هذه الرواية قراءة القرآن في الأسواق والطرق لوجوه ثلاثة:
أحدها: تنزيه للقرآن وتعظيم له من أن يقرأه وهو ماش في الطرق والأسواق لما قد يكون فيها من الأقذار والنجاسات.
والثاني: أنه إذا قرأه على هذه الأحوال لم يتدبره حق التدبر.
والثالث: لما خشي أن يدخله في ذلك مما يفسد نيته، وهو الذي يدل عليه استدلاله بقول الله عز وجل: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] . وحكى ابن حبيب عنه من رواية مطرف إجازة ذلك، وقال: وقد بلغني أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن والِيَيْنِ ومعلمين، فلما قدما اليمن تفرقا في المنزل ثم التقيا، فقال معاذ لأبي موسى الأشعري كيف تقرأ القرآن اليوم؟ -قال مالك: وأحسبهما كانا قد اشتغلا بتعليم الناس الإسلام والقرآن- فقال أبو موسى: أما أنا فأتفوقه تفوقا ماشيا وراكبا وقاعدا وعلى كل حال.
قال معاذ أما أنا فأنام أول الليل وأقوم آخره وأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.
ويدل على جواز هذا أيضا ما وقع في الموطأ عن عمر بن الخطاب، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " أنه كان في قوم وهم يقرؤون القرآن فذهب بحاجته ثم رجع وهو يقرأ القرآن " - الحديث.
وقد مضى طرف من هذا المعنى في رسم "تسلف".
مسألة: الرجل يسافر يوم الجمعة بعد أن يصبح
مسألة وسئل مالك عن الرجل يسافر يوم الجمعة بعد أن يصبح، قال: ما يعجبني ذلك إلا من عذر.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذا المعنى فوق هذا قبل هذه المسألة، وسيأتي أيضا في آخر سماع موسى بقية القول فيها إن شاء الله تعالى.
مسألة: المسافر أيصلي بالسيف والقوس على عاتقه
مسألة وسئل مالك عن المسافر أيصلي بالسيف والقوس على عاتقه؟
قال: إن أعجب إلي أن يجعل على عاتقه عمامة، فالقوس لا يشبه السيف.
قال ابن القاسم: وأحب إلي أن لو جعل صاحب السيف على عاتقه عمامة، وما ذلك بضيق، ولا يصلي بالقوس.
قال محمد بن رشد: استحب مالك للمسافر إذا صلى بالسيف والقوس أن يجعل على عاتقه عمامة.
ويستفاد من قوله فالقوس لا يشبه عندي السيف أنه أجاز له أن يصلي بالسيف وخفف له أيضا أن يصلي بالقوس، وكره له ابن القاسم أن يصلي بالقوس، فوافق مالكا على إجازته له الصلاة بالسيف مع الاستحباب أن يجعل على عاتقه عمامة، وخالفه في تخفيفه له الصلاة بالقوس؛ وأجاز له ابن حبيب الصلاة بهما جميعا، ولم ير عليه بأسا في أن يجعل على عاتقه عمامة، فكأنه رأى له تقلد السيف وتنكب القوس عن الرداء.
وهذا كله في السفر والجهاد والثغور ومواضع الرباط، وأما في الحضر فيكره له الصلاة بالسيف والقوس.
قال ابن حبيب: إلا أن يكون في ذلك عزيمة من السلطان لأمر ينوب فلا بأس أن يصلي بسيفه أو متنكبا قوسه، وليطرح على السيف عطافا أو رداء أو ساجا أو عمامة، وبالله التوفيق.
مسألة: يصلي العشاء في منزله ويوتر ثم يسمع الإقامة في قبيلته أترى أن يعيدها
مسألة وسئل مالك عن الرجل يصلي في منزله صلاة العشاء ويوتر ثم يسمع الإقامة في قبيلته، أترى أن يعيدها؟ قال: لا، قال ابن القاسم: يريد إذا أوتر وإن صلى وحده فلا يعيد في جماعة.
قال محمد بن رشد: قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيمن صلى العشاء وحده ثم أوتر: إنه لا يعيد في جماعة صحيح على أصله فيمن أعاد صلاته في جماعة أنه لا يدري أيتهما صلاته على ما روي أن عبد الله بن عمر قال للذي سأله عن ذلك: أو أنت تجعلها؟ إنما ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء؛ لأنه إذا كانت صلاته هي الآخرة التي صلى في جماعة بطل وتره لحصوله في غير وقته.
وقد قيل إنهما جميعا له صلاتان فريضتان، وعلى هذا تأتي رواية علي بن زياد عن مالك في أن من أعاد صلاة المغرب في جماعة فذكر وهو يتشهد مع الإمام، أنه لا يشفعها برابعة وعليه أن يعيدها ثالثة، وهو الذي يدل عليه تعليل قوله للمنع عن إعادة صلاة المغرب في جماعة: إنه إذا أعادها كانت شفعا إلا إذا كانتا جميعا فريضتين له.
وأما إذا كانت فريضته هي الواحدة منهما والثانية نافلة فلا تكون شفعا.
ووجه التعليل للمنع من إعادة صلاة المغرب في جماعة على أصله في أن الواحدة هي صلاته أن يقول: إنه لا يعيدها في جماعة؛ لأن النافلة لا تصلى ثلاثا، ويلزم قياس القول بأنهما له صلاتان فريضتان أن يجوز لمن صلى وحده أن يؤم قوما في تلك الصلاة، وهذا ما لا يقوله مالك ولا أحد من أصحابه.
وقد تأول ما روي أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم يذهب فيؤم قومه في تلك الصلاة على هذا.
وذهب أهل العراق إلى أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نُسخ، فلم يجيزوا لمن صلى وحده أن يعيد في جماعة إلا على أنها له نافلة، إذا كانت تجوز أن يصلي بعدها نافلة.
وقد اختلف إذا صلى العشاء وأوتر ثم أعاد في جماعة هل يعيد الوتر أو لا؟ فقال سحنون: إنه يعيد الوتر، وقال يحيى بن عمر إنه لا يعيده.
وجه قول سحنون أنه لما احتمل أن تكون صلاته هي الآخرة وقد بطل وتره أمر أن يعيده احتياطا.
ووجه قول يحيى بن عمر أنه لما احتمل أن تكون صلاته هي الأولى فلا يبطل وتره لم ير أن يعيده على الأصل في أنه لا تأثير للشك في اليقين، ولئلا يكون قد أوتر مرتين في ليلة واحدة، وقد جاء
النهي عن ذلك، روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا وتران في ليلة» ، وبالله التوفيق.
يخطب يوم الجمعة فإذا قضى خطبته قدم رجلا فصلى بالناس
سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون من كتاب الصلاة الأول وسئل مالك عن الذي يخطب يوم الجمعة فإذا قضى خطبته قدم رجلا فصلى بالناس، أيجوز ذلك له؟ فقال: نعم، لو خطب ثم أصابه مرض أو حدث أو رعاف ثم قدم غيره فصلى بالناس لم أر بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الركعتين إنما حطت من صلاة الظهر لأجل الخطبة، فصارت الخطبة والصلاة كشيء واحد.
فإذا أصاب الإمام حدث يمنعه من التمادي على الخطبة أو من الصلاة بعد أن أكمل الخطبة، كان له أن يستخلف على ما بقي من الخطبة وعلى الصلاة، أو على الصلاة إن كان قد أكمل الخطبة، كما يجوز له إذا ضعف عن الخطبة وقوي على الصلاة أن يقدم من يخطب بالناس ويصلي هو بهم، لما ذكرناه من أن الخطبة والصلاة كشيء واحد، فلا يجوز لمن تشبث بالإمامة في شيء من ذلك أن يخرج عن الإمامة إلا من عذر.
مسألة: هل لي أن أتكلم يوم الجمعة بغير الخطبة
مسألة قال أشهب: وقال لنا رأيت زفر بن عاصم في الليل من ليلة الجمعة يرسل إلي هل لي أن أتكلم يوم الجمعة بغير الخطبة؟ فقلت له أما الشيء اليسير من الكلام الحسن مثل أن تنهى عن الشيء أو تأمر به فلا بأس بذلك، ثم قال لنا: قد كان عمر بن عبد العزيز
يخطب يوم الجمعة فيقول: لولا أن أُنْعِش سنة أو آمر بحق ما أحببت أن أعيش فَوَاقا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في " المدونة " من أن للإمام أن يتكلم يوم الجمعة، وهو على المنبر بغير الخطبة، ولا يكون بذلك لاغيا، قال فيها: وكذلك لا يكون لاغيا من رد على الإمام إذا كلمه وهو يخطب، وهو أمر لا اختلاف فيه أحفظه في المذهب.
والحجة في إجازة ذلك ما روي عن أبى الزاهرية عن عبد الله بن بشر قال: «جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اجلس، فقد آذيت وآنيت» ، قال أبو الزاهرية: وكنا نتحدث حتى يخرج الإمام، وما روي عن جابر بن عبد الله قال: «جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر، فقعد قبل أن يصلي، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أركعت ركعتين؟ "قال: لا، قال: "قم فاركعهما".» وهذا نص في جواز تكلم الإمام على المنبر يوم الجمعة بغير الخطبة، وفي جواز الرد عليه لمن كلمه، وتأول أصحابنا أنه إنما أمره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالركوع في ذلك الوقت ليرى الناس حاجته فيتصدقون عليه، بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري «أن رجلا دخل المسجد ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر، فناداه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فما زال يقول: " ادن" حتى دنا، فأمره فركع ركعتين قبل أن يجلس وعليه خرقة خلق، ثم صنع مثل ذلك في الثانية، فأمره بمثل ذلك ثم صنع مثل ذلك في الجمعة الثالثة، فأمره بمثل ذلك وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " تصدقوا، فألقوا الثياب، فأمره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخذ ثوبين..» الحديث.
وذهب أهل العراق إلى أنه لا يجوز للإمام أن يتكلم في خطبة بغير الخطبة ولا
لأحد ممن كلمه أن يرد عليه، وقالوا: يحتمل أن يكون- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قطع خطبته ليعلم الناس كيف يفعلون إذا دخلوا المسجد ثم استأنفها، لا أنه تكلم فيها ثم تمادى عليها، وهذا بعيد، وبالله التوفيق.
مسألة: الإمام يخطب من أمر كتاب يقرؤه ليس أمر الجمعة أينصت من سمعه
مسألة وسئل عن الإمام يخطب من أمر كتاب يقرؤه ليس من أمر الجمعة ولا الصلاة، أينصت من سمعه؟ قال: ليس ذلك عليهم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الإنصات إنما يجب في الخطبة المتضمنة بالصلاة؛ لاتصالها بها وكونها بمعناها في تحريم الكلام فيها، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قال لصاحبه أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغى» . فالخطب ثلاث: خطبة يجب الاستماع إليها والإنصات لها باتفاق وهي خطبة الجمعة؛ إذ لا اختلاف فيها أنها للصلاة، وخطبة لا يجب الاستماع إليها ولا الإنصات لها باتفاق وهي خطب الحج، وهن ثلاث: أولها قبل يوم التروية بيوم بمكة، والثانية خطبة عرفة يوم عرفة بعرفة قبل الظهر، والثالثة ثاني يوم النحر بمنى بعد الظهر؛ إذ لا اختلاف في أنها للتعليم لا للصلاة، وخطبة يختلف في وجوب الاستماع إليها والإنصات لها وهي خطبة العيدين والاستسقاء على اختلافهم هل هي للصلاة أم لا، وقد مضى ذلك في رسم "أخذ يشرب خمرا" من سماع ابن القاسم.
تحذير المأموم الإمام بالكلام في الصلاة قبل السلام
مسألة قال: وقد قيل هل بلغك أن ربيعة صلى خلف رجل من قريش مرة فسها سهوا يكون سجوده قبل السلام، فأطال الجلوس عند
انقضاء صلاته، فخشي ربيعة أن يسلم ثم يسجد سجدتي السهو، فقال له: إن السجدتين قبل السلام، فقال: هذا ما سمعته ولا ينبغي، ولو سمعته ما تحدثت به، أيتكلم المرء وهو يصلي؟ قال محمد بن رشد: إنكار مالك لهذا الذي حكي له عن ربيعة من تحذير المأموم الإمام بالكلام في الصلاة قبل السلام عن السهو قبل أن يسهو مخافة أن يسهو -صحيح على أصله في أن السلام من فرائض الصلاة، وأنه لا يتحلل منها إلا به، وأن الكلام فيها قبله يبطلها إلا فيما تدعو إليه الضرورة من إصلاح الصلاة إذا لم يفهم عنه الإمام بالإشارة والتسبيح ولم يجد من ذلك بدا، على حديث ذي اليدين، وإن صح ذلك عنه فيخرج على قول أهل العراق في أن السلام من الصلاة ليس من فرائضها، وأن المصلي إذا جلس في آخر صلاته مقدار التشهد فقد تمت صلاته وإن لم يسلم، والله أعلم.
مسألة: الذي يصلي إلى جنب الإنسان ليستتر بشقه
مسألة وسئل عن الذي يصلي إلى جنب الإنسان ليستتر بشقه، فقال: إنما يصلي الناس إلى ظهره، فأما إلى جنبه فلا أرى ذلك، أرأيت لو صلى وهو مقابله، فهذا مثله إذا التفت استقبله بوجهه، فلا أرى ذلك.
قال المؤلف: لما كان لا يجوز للمصلي أن يصلي إلى وجه الرجل مستقبلا له في صلاته لما يدخل عليه بذلك من الشغل عن صلاته، كان الذي يصلي إلى جنب الإنسان قريبا في المعنى؛ لأنه لا يأمن أن يلتفت فيستقبله بوجهه فيدخل عليه بذلك شغلا من صلاته، وذلك بين من تعليله في الرواية؛ ولهذا المعنى كرهت الصلاة إلى المتحلقين؛ وذلك أنه لا بد أن يستقبله بعضهم بوجهه فيشغله عن صلاته، وبالله التوفيق.
مسألة: ينكسر بهم المركب فيتعلقون بالألواح والأرجل كيف يصلوا
مسألة وسئل عن القوم ينكسر بهم المركب فيتعلق بعضهم بالألواح وبعضهم بالأرجل، فتحضرهم الصلاة وهم على ذلك، أترى أن يصلوا إيماء برؤوسهم؟ فقال: نعم يصلون إيماء برؤوسهم.
قلت: أرأيت إن خرجوا أيعيدون الصلاة؟ قال: أرأيت إن خرجوا في وقت؟ فقال: إن خرجوا في وقت فليصلوا.
قال الإمام القاضي: قوله: إنهم يصلون إيماء برؤوسهم إذا لم يقدروا إلا على ذلك صحيح، والأصل في ذلك قول الله -عز وجل-: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] . وقوله: " إنهم يعيدون إن خرجوا في الوقت "هو مثل قوله في " المدونة " في الخائف من السباع أو اللصوص يصلي على دابته: إنه يعيد في الوقت بخلاف العدو، والإعادة في ذلك كله في الوقت إنما هو استحباب؛ ليدرك فضيلة الوقت بالصلاة ساجدا وقائما، فإن تركوا الإعادة في الوقت حتى خرج الوقت لم يعيدوا بعد الوقت، وقيل: إنهم يعيدون بعد الوقت لتركهم الإعادة في الوقت، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وفي سماع أبي زيد عن ابن القاسم من هذا الكتاب دليل عليه، ولو ترك الذين ينكسر بهم المركب ونحوهم الصلاة إيماء لوجب عليهم أن يصلوا إذا قدروا على الصلاة وإن ذهب الوقت بإجماع.
وهذا إذا كانوا على وضوء، وأما إذا لم يكونوا على وضوء فاختلف في ذلك على أربعة أقوال: أحدها أنهم يصلون إيماء على حالتهم ولا يعيدون، والثاني أنهم يصلون ويعيدون، والثالث أنهم لا يصلون حتى يقدروا على الوضوء، والرابع أنهم لا يصلون ولا يعيدون.
واختلف إن لم يقدروا على الصلاة أصلا بإيماء ولا غيره حتى خرج الوقت، فقيل: إن
الصلاة تسقط عنهم، وهي رواية معن بن عيسى عن مالك في الذين يكتفهم العدو فلا يقدرون على الصلاة، وقيل: إنها لا تسقط عنهم وعليهم أن يصلوا بعد الوقت، وهو قوله في " المدونة " في الذين ينهدم عليهم البيت، وبالله التوفيق.
مسألة: يقرأ في صلاة العشاء في ركعة منها سرا أترى عليه سجود السهو
مسألة وسئل عن الذي يقرأ في صلاة العشاء في ركعة منها سرا ثم ذكر فيعيد القراءة جهرا، أترى عليه سجود السهو؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: لم ير عليه سجود السهو في زيادة القرآن في الصلاة سهوا، وهو أصل مختلف فيه، فله مثل هذا في الصلاة الأول من " المدونة " في الذي يسهو عن قراءة أم القرآن حتى يقرأ السورة ثم يرجع فيقرأ أم القرآن والسورة، وفي الذي يقرأ في الركعتين الآخرتين بأم القرآن وسورة، وفي رسم "إن أمكنتني" من سماع عيسى من هذا الكتاب في الذي يشك في قراءة أم القرآن بعد أن قرأ السورة، فرجع فقرأ أم القرآن والسورة، وخلافه أنه يسجد للسهو في رسم "إن خرجت" من سماع عيسى في الذي يسهو فيسر بقراءة أم القرآن، ثم يذكر بعد فراغه من قراءتها فيعيد قراءتها في الصلاة الثاني من " المدونة " والحج الأول منها في الذي ينسى التكبير في صلاة العيدين حتى يقرأ أنه يرجع فيكبر ثم يقرأ، ومن الناس من ذهب إلى أن يفرق بين مسألة العيدين هذين وبين الذي سها عن قراءة أم القرآن حتى قرأ السورة فرجع فقرأ أم القرآن والسورة -بأنه قدم في مسألة العيدين قرآنا على تكبير، وفي المسألة الثانية قرآنا على قرآن، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الأمر عائد في المسألتين إلى زيادة قرآن، فهو اختلاف من القول كما قلنا، وبالله التوفيق.
مسألة: التهجير يوم الجمعة
مسألة قال: وسئل عن التهجير يوم الجمعة فقال: نعم يهجر يوم
الجمعة بقدر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] ، وقال: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3] . وقد كان أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يغدون إلى الجمعة هكذا، وأنا أكره هذا الغدو هكذا حتى إن المرء ليُعرف به، وأنا أخاف على هذا الذي يغدو للرواح أن يدخله شيء وأن يحب أن يعرف بذلك وأن يقال فيه، فأنا أكره هذا ولا أحبه، ولكن رواحا بقدر.
وقد سمعت إنسانا يسأل ربيعة الأول يقول: لأن أُلْقَى في طريق المسجد أحب إلي من أن أُلْقَى في طريق السوق، فقيل لمالك: فما تقول أنت في هذا؟ قال: هذا ما لا يجد أحد منه بدا، قيل له: أفترى أن يروح قبل الزوال؟ قال: نعم في رأيي، قيل له: أيهجر بالرواح إلى الصلاة يوم الجمعة؟ فقال: نعم في ذلك سعة.
قال الإمام: كره مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - الغدو بالرواح إلى الجمعة من أول النهار؛ لأنه لم يكن ذلك من العمل المعمول به على ما ذكره من أن أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا لا يغدون هكذا إلى الجمعة، فاستدل بذلك على أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يرد بالخمس ساعات في قوله: «من اغتسل ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة» ، ساعات النهار المعلومة من أوله على ما ذهب إليه جماعة منهم الشافعي، وإنما عنى بذلك ساعة الرواح، وهي الساعة التي تتصل بزوال الشمس ووقت
خروج الإمام، فهي التي تنقسم على خمس ساعات، فيكون الرائح في الساعة الأولى منها كالمهدي بدنة، والرائح في الساعة الثانية منها كالمهدي بقرة، والرائح في الساعة الثالثة منها كالمهدي كبشا أقرن، والرائح في الساعة الرابعة منها كالمهدي دجاجة، والرائح في الخامسة منها المتصلة بزوال الشمس وخروج الإمام كالمهدي بيضة، ولما لم تكن هذه الساعة المنقسمة على خمس ساعات محدودة بجزء معلوم من النهار قبل الزوال فيعلم حدها حقيقة، وجب أن يرجع في قدرها إلى ما اتصل به العمل وأخذه الخلف عن السلف؛ فلذلك قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنه يهجر بقدر، أي: يتحرى قدر تهجير السلف، فلا ينقص منه ولا يزيد عليه أيضا، فيغدو إلى الجمعة من أول النهار؛ لأنه إذا فعل ذلك شذ عنهم، فصار كأنه فهم من معنى الحديث ما لم يفهموه، أو رغب من الفضيلة ما لم يرغبوه، ولم يأمن أن يحب أن يعرف لذلك ويذكر به، فتدخل عليه بذلك داخلة تفسد عليه نيته، وسيأتي القول على ما يخشى من خواطر النفس في رسم "العقول" من آخر هذا السماع إن شاء الله.
ووجه استدلال مالك لما ذهب إليه من أن التهجير إلى الجمعة ينبغي أن يكون بقدر؛ لقول الله- عز وجل-: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] أنه حمل قَوْله تَعَالَى: بِقَدَرِ على عموم ما يقتضيه اللفظ من القدر الذي هو المشيئة والإرادة، والقدر الذي هو التقدير والتحديد، فدخل تحت عموم ذلك جميع مقدرات الشريعة، وأما استدلاله على ذلك بقوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3] ، فلا إشكال فيه؛ لأن المعنى ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3] ، أي: حد له حدا، فوجب أن يمتثل إذا ثبت بما يجب ثبوته به من نص أو دليل، وبالله التوفيق.
مسألة: تفوته مع الإمام ركعة فيجلس الإمام للتشهد أيتشهد معه وهي له واحدة
مسألة وسئل مالك عمن تفوته مع الإمام ركعة، فإذا صلى معه ركعة جلس الإمام فتشهد، أيتشهد معه وهي له واحدة؟ فقال: نعم يتشهد.
قال محمد بن رشد: وجه قوله أنه لما جلس بجلوس الإمام وإن لم يكن ذلك له موضع جلوس لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» وجب أن يتشهد لتشهده.
وبهذه المسألة احتج ابن الماجشون لما ذهب إليه من أنه يقوم إذا سلم الإمام بتكبير، فقال: إنه لما جلس بجلوس الإمام صار ذلك له موضع جلوس، فوجب أن يتشهد وأن يقوم إذا سلم الإمام بتكبير، وهذا لا يلزم ابن القاسم؛ لأنه لم يتشهد من أجل أن ذلك صار موضع جلوس له، وإنما تشهد لما لزمه من اتباع الإمام في الجلوس لما لم يستطع مخالفته، فإذا سلم الإمام وجب أن يرجع إلى حكم صلاته فلا يكبر؛ إذ قد كبر حين رفع رأسه من السجدة التي كان يلزمه أن يقوم بها، فلا يزيد تكبيرة ثانية بسبب جلوسه مع الإمام في غير موضع جلوس له، وهذا بين، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يأتيه الأمر يحبه فيسجد لله شكرا
مسألة قال: وسئل عن الرجل يأتيه الأمر يحبه فيسجد لله شكرا، فقال: لا يفعل، ليس مما مضى من أمر الناس، قيل له: إن أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فيما يذكرون سجد يوم اليمامة شكرا الله، أفسمعت ذلك؟ قال: ما سمعت ذلك، وأنا أرى أن قد كذبوا على أبي بكر، وهذا من الضلال أن يسمع المرء الشيء فيقول: هذا شيء لم نسمع له خلافا، فقيل له: إنما نسألك لنعلم رأيك فنرد ذلك به، فقال: نأتيك بشيء آخر أيضا لم نسمعه مني، قد فتح على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعلى المسلمين بعده، أفسمعت أن أحدا منهم فعل مثل هذا، إذا جاءك مثل هذا مما قد كان في الناس وجرى على أيديهم
لا يسمع عنهم فيه شيء فعليك بذلك، فإنه لو كان لذكر؛ لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم، فهل سمعت أن أحدا منهم سجد؟ فهذا إجماع، إذا جاءك أمر لا تعرفه فدعه.
قال محمد بن رشد: نهى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - عن سجود الشكر في هذه الرواية مثل ما له في " المدونة " من كراهة ذلك، والوجه في ذلك أنه لم يره مما شرع في الدين فرضا ولا نفلا، إذ لم يأمر بذلك النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ولا فعله، ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله، والشرائع لا تثبت إلا من أحد هذه الوجوه، واستدلاله على أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان لنقل، صحيح؛ إذ لا يصح أن تتوفر دواعي المسلمين على ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمروا بالتبليغ.
وهذا أيضا من الأصول، وعليه يأتي إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع وجوب الزكاة فيها بعموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» ؛لأنا أنزلنا ترك نقل أخذ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزكاة منها كالسنة القائمة في أن لا زكاة فيها، وكذلك ننزل ترك نقل السجود عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الشكر كالسنة القائمة في أن لا سجود فيها، وقد أباح السجود فيها الشافعي ومحمد بن الحسن، واحتج لهما من نصر قولهما بما قص الله تعالى علينا من سجود داود - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بقوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] وهذا لا دليل فيه؛ إذ ليست سجدة شكر، وإنما هي سجدة توبة، ولا يصح قياس سجدة الشكر على سجدة التوبة إلا بعد التسليم لإباحة سجدة التوبة، ونحن لا نسلم ذلك، بل نقول: إن شرعنا مخالف لشرع داود في إباحة السجدة
عند التوبة من الذنب بمثل الدليل الذي استدللنا به في المنع من سجود الشكر، وبالله التوفيق.
مسألة: الدمل يتفقى بالرجل وهو في الصلاة أفينصرف أم يقيم على صلاته
مسألة وسئل عن الدمل يتفقى بالرجل وهو في الصلاة، أفينصرف أم يقيم على صلاته؟ قال: ذلك مختلف إن كان انفجارا يسيرا فليصل كما هو، وإن كان انفجارا كثيرا فلينصرف.
قال محمد بن رشد: إنما فرق بين اليسير والكثير؛ لأن اليسير من الدم معفو عنه؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] ؛ لأن التوقي من الدم اليسير عسير؛ إذ لا ينفك منه، وحد اليسير في ذلك قدر ما يفتله الراعف من دم الرعاف ويتمادى في صلاته، والكثير ما زاد على ذلك، فإذا انصرف قطع ولم يبن بخلاف الرعاف؛ لأن البناء في الرعاف سنة تتبع، ولا يقاس عليها لمخالفتها القياس.
مسألة: وضع الرجل إحدى يديه على الأخرى في الصلاة
مسألة وسألته عن وضع الرجل إحدى يديه على الأخرى في الصلاة المكتوبة يضع اليمنى على كوع اليسرى وهو قائم في الصلاة المكتوبة أو النافلة، قال: لا أرى بذلك بأسا في النافلة والمكتوبة.
قال محمد بن رشد: قول: لا أرى بذلك بأسا، يدل على جواز فعل ذلك في الفريضة والنافلة من غير تفصيل، وذهب في رواية ابن القاسم عنه في " المدونة " إلى أن ترك ذلك أفضل من فعله؛ لأنه قال فيها: لا أعرف ذلك في الفريضة وكان يكرهه، ولكن في النوافل قال: إذا طال القيام فلا بأس
بذلك يعين به نفسه، وسقط، وكان يكرهه في بعض الروايات، فالظاهر من مذهبه فيها مع سقوطه أن تركه أفضل؛ لأن معنى قوله: لا أعرف ذلك في الفريضة، أي: لا أعرفه فيها من سننها ولا من مستحباتها، وفي قوله: إنه لا بأس بذلك في النافلة إذا طال القيام ليعين به نفسه، دليل على أن فيه عنده بأسا إذا لم يطل القيام، وفي الفريضة وإن طال القيام، وأما مع ثبوته، وكان يكرهه فالأمر في ذلك أبين؛ لأن حد المكروه ما في تركه أجر وليس في فعله وزر، وذهب في رواية مطرف وابن الماجشون عنه في " الواضحة " إلى أن فعل ذلك أفضل من تركه، وهو الأظهر لما جاء في ذلك من أن الناس كانوا يؤمرون به في الزمان الأول، وأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعله، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك جائز في المكتوبة والنافلة لا يكره فعله ولا يستحب تركه، وهو قوله في هذه الرواية، وقول أشهب في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم من كتاب الجامع.
والثاني: أن ذلك مكروه يستحب تركه في الفريضة والنافلة إلا إذا طال القيام في النافلة فيكون فعل ذلك فيها جائزا غير مكروه ولا مستحب، وهو قول مالك في " المدونة " وفي رسم "شك في طوافه" من كتاب الجامع.
والثالث: أن ذلك مستحب فعله في الفريضة والنافلة مكروه تركه فيها، وهو قوله في رواية مطرف وابن الماجشون عنه في " الواضحة ". وقد قيل في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] : إن المراد بذلك وضع اليد اليمنى على الذراع اليسرى في الصلاة تحت النحر، وقد تأول أن قول مالك لم يختلف في أن ذلك من هيئة الصلاة التي تستحسن فيها، وأنه إنما كرهه ولم يأمر به استحسانا مخافة أن يعد ذلك من واجبات الصلاة.
والأظهر أنه اختلاف من القول، والله أعلم.
مسألة: الصبي المراهق أيؤم الناس في الصلوات
مسألة وسئل عن الصبي المراهق أيؤم الناس في الصلوات؟ فقال
لي: أما الصلوات المكتوبات التي هي الصلوات فلا، وأما في النوافل فالصبيان يؤمون الناس فيها.
قيل: أفيقدمون في رمضان؟ فقال: نعم لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: أجاز في هذه الرواية أن يؤم الصبي في النافلة وقيام رمضان، وهو استحسان على غير قياس، مراعاة لقول من يرى صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة إمامه، فيجيز إمامة الصبي في الفريضة والنافلة، وللرجل أن يصلي الفريضة خلف من يصلي نافلة.
والقياس على مذهبه في أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه قوله في " المدونة " أن لا يؤم الصبي في النافلة.
وما وقع من كراهة ذلك له في رسم "حلف" من سماع ابن القاسم؛ لأن نافلته وإن وافقت صلاة الصبي في كونها نافلة له على مذهب من يرى أنه مندوب إلى فعل الطاعات، فلا يأمن أن يصلي به على غير وضوء أو بغير نية؛ إذ لا حرج عليه في ذلك؛ لكونه غير مكلف، وبالله التوفيق.
مسألة: المسافر يصلي على دابته تستقبله الشمس في وجهه فيعرض عنها
مسألة وسئل عن المسافر يصلي على دابته تستقبله الشمس في وجهه، فيعرض بوجهه هكذا عنها، أيتنفل كذلك؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، سمعت الجواب ولم أفهم ما سئل عنه حتى سألت فأخبرني عنه بذلك بعضهم.
قال محمد بن رشد: هذا خفيف كما قال: إنه لم يقصد بفعله الالتفات في صلاته، وإنما فعله للضرورة.
مسألة: المرأة تخمر رأسها في الصلاة ونحرها مكشوف
مسألة وسئل عن المرأة تخمر رأسها في الصلاة ونحرها مكشوف، فقال: النحر موضع الخمار فلا أرى أن تفعل ذلك، وما زال يأخذ
بقلبي أن القميص أوفق للمرأة وهو يزر.
قال: ومن لباس النساء الدروع، وأنا أكره لباسهن القراقل وأظنه من لباس القبط، والدروع أحب إلي، فقلت له: أفتكره لباس القراقل في الصلاة وغيرها؟ فقال: أما أنا فأكره لباس القراقل، قال: ولم يكن من لباسهن، وقد كان يقال: من شر النساء المشبهة بالرجال.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن النحر مما يلزم المرأة أن تستره في الصلاة، وإنه موضع الخمار، يدل على ذلك قول الله -عز وجل-: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31] ، وقال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] ، والذي ظهر منها عند أهل العلم بالتأويل هو الوجه والكفان، فلا يجوز أن يبدو منها في الصلاة إلا ذلك.
مسألة: المرأة تلد فلا ترى دما هل تصلي
مسألة وسئل عن المرأة تلد فلا ترى دما، فإنك قد قلت لي فيها قولا منذ سنين، فقال له: وما قلت لك؟ فقال له: قلت لي: إنها تصلي، ولكني إنما شككت في الغسل، فقال له: أوفي هذا شك؟ إنها تغتسل، لا يأتي من الغسل إلا خير.
قال محمد بن رشد: قوله: فلا ترى دما، أي: لا ترى دما كثيرا على عادة النساء عند النفاس؛ لأن خروج المولود دون شيء من دم خرق للعادة، فإذا انقطع الدم ولو من ساعته اغتسلت وصلت؛ لأن دم النفاس لا حد لأقله عند مالك وجميع أصحابه وجمهور أهل العلم، خلافا لأبي يوسف في قوله إن حده خمسة عشر يوما فرقا بينه وبين أكثر الحيض، والغسل عليها واجب،
وذلك بين في الرواية من قوله: "أوفي هذا شك؟ إنها تغتسل"، وليس في قوله: " لا يأتي من الاغتسال إلا خير" دليل على تخفيف وجوب الغسل، ومعناه عندي: لا يأتي من تعجيل الاغتسال وترك تأخيره إلى حد أقل دم النفاس عند من حد له حدا إلا خير، ولعله تكلم على خروج المولود نقيا من الدم إن وجد ذلك؛ ولذلك قال: " إنه لا يأتي من الاغتسال إلا خير" ويحتمل أن يكون مذهب من حد لأقل دم النفاس حدا ألا يعتبر بما دونه، فتصلي دون غسل وتعيد صلاة تلك الأيام، وهذا أشبه أن يكون مذهبهم؛ لأنه يبعد أن يكون من قول أحد أن تترك المرأة الصلاة وهي طاهرة لا دم بها، والله -عز وجل -يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] ، فإن كان هذا مذهبهم احتمل أن يكون أشار إليه مالك بقوله: " لا يأتي من الاغتسال إلا خير"، والله أعلم، وبه التوفيق.
مسألة: الرجل يخرج من المسجد وفي يده الحصباء قد نسيها أو في نعله
مسألة وسئل عن الرجل يخرج من المسجد وفي يده الحصباء قد نسيها أو في نعله، أيرده إلى المسجد؟ فقال: إن رده فحسن، وما أرى عليه ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: " إن ذلك حسن وليس بواجب"؛ لأنه أمر غالب لا ضرر فيه على المسجد، فلم يلزم رده، كما أن ما يبقى بين أسنان الصائم من الطعام إذا ابتلعه في النهار مع الريق لم يجب عليه قضاء؛ لأنه أمر غالب، وقال ابن الماجشون: وإن كان متعمدا؛ لأنه ابتدأ أخذه في وقت يجوز له، وهو بعيد.
مسألة: التغليس بصلاة الصبح
مسألة قال: وسئل مالك عن التغليس بصلاة الصبح أحب إليك أم
الإسفار؟ قال: بل التغليس أحب إلي من الإسفار، وقد غلس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بها.
قال محمد بن رشد: قوله: وقد غلس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بها لفظ وقع على غير تحصيل؛ لأن قول القائل: فعل فلان كذا، لا يدل على أكثر من مرة واحدة، وليس في تغليس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصلاة الصبح مرة واحدة دليل على أن ذلك أفضل أوقاتها، كما أنه ليس في إسفاره بها مرة واحدة دليل على أن ذلك أفضل أوقاتها، وإنما يدل على أن التغليس بها أفضل مداومة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ذلك، فكان الصواب أن يقول: وقد كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يغلس بها، وهو الذي أراد بحديث عائشة: «إن كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات» ، الحديث، لكنه تجاوز في اللفظ لنفسه بفهم السائل، وهي حجة ظاهرة على أهل العراق في قولهم: إن الإسفار بها أفضل؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أسفروا بالصبح، فكلما أسفرتم بها فهو أعظم للأجر» أو كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ومعنى ذلك عندنا الحض على التأخير إلى أن يتضح إسفار الفجر، فلا يرتاب في طلوعه حتى يتفق قوله وفعله؛ لأنه يبعد في القلوب أن يداوم على الإغلاس الذي هو أشق، ويترك الإسفار الذي هو أخف مع كونه أعظم أجرا.
فقد قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «ما خير رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه» ، فكيف إذا كان أعظم أجرا! هذا ما لا يصح لمسلم أن يقوله، وكذلك سائر الصلوات أول أوقاتها أفضل من آخرها عند مالك، وقد تأول بعض الشيوخ
عليه في إنكاره لحديث يحيى بن سعيد في " المدونة " أن أول الوقت وأوسطه وآخره في الفضل سواء، وهو تأويل لا يصح إلا فيما عدا صلاة الصبح؛ لنصه في هذه الرواية أن التغليس بها أفضل من الإسفار، وفيما عدا صلاة المغرب إذ قد قيل: ليس لها إلا وقت واحد، فحصل الإجماع على القول بالمبادرة بها في أول وقتها، وقد روي أن عمر بن عبد العزيز أخر صلاة المغرب إلى أن طلع نجم أو نجمان فأعتق رقبة أو رقبتين، وبالله التوفيق.
مسألة: صلى الصبح بعد طلوع الشمس أيصلى ركعتي الفجر
مسألة وسئل عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين صلى الصبح بعد اطلاع الشمس، أصلى ركعتي الفجر؟ قال: ما سمعت.
قال محمد بن رشد: قد روي في بعض الآثار أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاهما، وفي ذلك دليل على أن الصلاة المنسية وإن كان وقتها حين يذكرها فليس بوقت مضيق لا يجوز تأخيرها عنه بحال، كغروب الشمس للعصر أو طلوعها للصبح، ألا ترى أنهم قالوا فيمن ذكر صلاة قد خرج وقتها وهو مع الإمام في صلاة أنه يتمادى معه ولا يقطع، وكذلك المنفرد عند ابن حبيب لا يقطع وإن لم يركع؛ إذ لا يستدرك بالقطع ما قد فاته من وقت التي ذكرها، وما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى الركعتين قبل الصبح، احتج الشافعي لما ذهب إليه أن من ذكر صلاة وهو في وقت صلاة يبدأ بالتي حضر وقتها ولم يثبت ذلك عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - فقال: ما سمعت، ولو ثبت لاحتمل أن يفرق بين المسألتين بأن ركعتي الفجر تفوت إن بدأ بالصبح؛ إذ لا تصلى بعد صلاة الصبح، ولا تفوت الصلاة التي حضرها وقتها بالبداية بالفائتة؛ لأنه تصلى بعدها ولو خرج وقتها.
مسألة: القوم يأتون بالمراوح في المسجد يتروحون بها
مسألة وسئل عن القوم يأتون بالمراوح في المسجد يتروحون بها، فقال: لا أحب ذلك ولا أستحسنه.
قال محمد بن رشد: وجه الكراهية في ذلك بين؛ لأن المراوح اتخذت للترفه، والمساجد وضعت للتعبد، فلا ينبغي أن يعدل بالمساجد عما وضعت له.
وقد تقدمت هذه المسألة في رسم "شك" من سماع ابن القاسم.
مسألة: ركعتي الفجر والوتر أسنة
مسألة وسئل عن ركعتي الفجر والوتر أسنة؟ فقال: أما الوتر فسنة، وأما ركعتا الفجر فيستحب العمل بهما.
قال محمد بن رشد: أما الوتر فلا اختلاف عندنا في أنه سنة، وذهب أهل العراق إلى أنه واجب، وأما ركعتا الفجر فقيل: إنهما من الرغائب، وهو قول مالك في رواية أشهب هذه عنه، وقول أصبغ في كتاب المحاربين والمرتدين، وقيل: إنهما من السنن وقد مضت هذه المسألة والتكلم عليها في رسم "القبائل" من سماع ابن القاسم.
مسألة: يدخل مع الناس في قيام رمضان وقد سبقوه بركعة
مسألة قال: وسألته عن الذي يدخل مع الناس في قيام رمضان وقد سبقوه بركعة، فيركع معهم ركعة، ثم يجلسون فيسلمون، فقال: لا يسلم هو معهم ويقوم معهم، فإذا ركعوا -الثالثة لهم وهي له الثانية- جلس وقاموا هم، فيسلم لنفسه من الاثنتين، ثم اتبعهم حتى يفرغ من صلاته وما أسرع ذلك، ويتوخى أن يكون ركوعه موافقا لركوعهم، فقلت له: لا يسلم في جلوسه معهم في الثانية لهم وهي له واحدة،
فإذا أتم لنفسه اثنتين جلس وهم قيام فسلم لنفسه ثم لحقهم، فقال: نعم.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول عليها في رسم "حلف بطلاق امرأته" من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة القول فيها.
مسألة: صلى الظهر في بيته ثم أتى المسجد فوجد الناس جلوسا
مسألة وسئل عمن صلى الظهر في بيته، ثم أتى المسجد فوجد الناس جلوسا في آخر صلاتهم، ما يصنع؟ فقال: لا يدخل معهم في صلاتهم ويقيم على صلاته التي صلى في بيته.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن السنة إنما جاءت فيمن صلى وحده أن يعيد في جماعة، فإذا لم يدرك من صلاة الجماعة ركعة ودخل معهم، فحكمه حكم المنفرد إذا لم يدرك من الصلاة ما يدخل به في حكم الإمام، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل ينسى الاستنجاء بالماء حتى يصلي
مسألة وسئل عن الرجل ينسى الاستنجاء بالماء حتى يصلي، قال: أرجو أن لا تكون عليه إعادة.
قال محمد بن رشد: يريد وقد استنجى بالحجارة أو لم يتعلق بمخرجه شيء من الأذى، وأما لو ترك الاستنجاء بالحجارة والماء وقد تعلق بمخرجه شيء من الأذى لكان عليه أن يعيد في الوقت، وقد مضى هذا المعنى في سماع أبي زيد من كتاب الوضوء، وحيث ما تكررت المسألة من الكتاب المذكور.
وفي قوله: أرجو أن لا تكون عليه إعادة نظر؛ لأنه إذا لم يتعلق بمخرجه أذى فلا وجه لتعلق ترك الإعادة بالرجاء، وإن كان قد تعلق به أذى ولم يستنج بالأحجار فلا وجه لتخفيف ترك الإعادة، فإن كان تكلم
على هذا فلعله أراد ألا تكون عليه إعادة في الوقت وبعده، ويحتمل أن يكون تكلم على أنه استنجى بالحجارة فقال: أحب إلي أن لا تكون عليه إعادة من أجل أن الماء أطهر وأطيب، وقد قال ابن حبيب: إن الاستنجاء لا يباح اليوم إلا من ضرورة؛ لأنه أمر قد ترك وجرى العمل بخلافه.
مسألة: الإمام يؤم الناس فإذا فرغ من صلاته تنفل في مكانه
مسألة قال: وسألته عن الإمام يؤم الناس فإذا فرغ من صلاته تنفل في مكانه، فقال: قد رأيت الناس يتنحون، وأرى ذلك واسعا أن يصلي في مقامه أو يتنحى شيئا، أرى في ذلك سعة، قيل: أرأيت الإمام إذا سلم أيجلس مكانه أم يقوم؟ فقال: بل يقوم، فقيل: أيركع مكانه أم يتنحى؟ قال: ذلك واسع، إن شاء ركع مكانه وإن شاء تنحى شيئا.
قال محمد بن رشد: وسع مالك للإمام في هذه الرواية أن يركع في مكانه وأن ينحرف عنه شيئا ولا يقوم، وذلك كله خلاف ما في " المدونة "؛ لأنه كره في الصلاة الأول منها للإمام أن يتنفل في موضعه، وقال: على ذلك أدركت الناس.؟ وكره في الصلاة الثاني منها أن يثبت في موضعه وإن انحرف عنه، وقال: فليقم ولا يقعد إلا أن يكون إماما في السفر أو في فنائه ليس بإمام جماعة، فإن شاء تنحى وإن شاء أقام، وكره ذلك لوجهين أحدهما: مخالفة السلف، والثاني: ما يخشى في ذلك من التخليط على من خلفه؛ إذ قد يظن من يراه جالسا أنه لم يسلم بعد من صلاته، ومن رآه قائما متنفلا أنه إنما قام لإتمام شيء شك فيه من صلاته، والله أعلم، وبه التوفيق.
مسألة: القريب من المسجد يجمع بين الصلاتين للمطر مثل البعيد
مسألة قال: وسئل عن القوم يكون بعضهم قريب المنزل من المسجد إذا خرج منه دخل إلى المسجد من ساعته، وإذا خرج من المسجد
إلى منزله مثل ذلك يدخل منزله مكانه، ومنهم البعيد المنزل من المسجد، أترى أن يجمعوا بين الصلاتين كلهم في المطر؟ فقال: ما رأيت الناس إذا جمعوا إلا القريب والبعيد فيهم سواء يجمعون، قيل: ماذا؟ فقال: إذا جمعوا جمع القريب منهم والبعيد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الجمع إذا جاز من أجل المشقة التي تدخل على من بعد دخل معهم من قرب؛ إذ لا يصح لهم أن ينفردوا دونهم فيصلوا كل صلاة في وقتها جماعة؛ لما في ذلك من تفريق الجماعة، ولا أن يتركوا الصلاة في جماعة؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» .
مسألة: خرج ليصلي في المسجد النبوي فلقي الناس منصرفين من الصلاة
مسألة قال: وسئل عمن خرج إلى مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يريد الصلاة فيه، فلقي الناس منصرفين من الصلاة قبل أن ينتهي إلى المسجد، فأراد أن يجمع مع القوم الصلاة، أفذلك أحب إليك أم يمضي إلى مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فيصلي فيه وحده؛ لما جاء فيه من الحديث أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، فقال: بل يصلي في المسجد.
قال محمد بن رشد: قوله: بل يصلي في المسجد، يريد بل يذهب إليه فيصلي فيه منفردا ولا يصلي دونه في جماعة، وذلك مثل قوله في " المدونة "؛ لأنه رأى الصلاة في مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منفردا أفضل من الصلاة خارجا عنه في جماعة؛ لما جاء من الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام.
وفي بعض الروايات: بل يصلي في
الجماعة، يريد خارج المسجد ولا يذهب إلى المسجد؛ إذ قد فاتته الصلاة فيه في جماعة، فرأى في هذه الرواية الصلاة في الجماعة أفضل من الصلاة في مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذا، خلاف ما في " المدونة ". ووجه ذلك أنه حمل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد» على أنه أراد بذلك الصلاة في الجماعة، فكأنه قال: صلاة في مسجدي هذا في جماعة خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، بدليل أن المساجد إنما اتخذت لإقامة الصلوات المكتوبات فيها بالجماعة، فخرج الحديث على ذلك، ولم تدخل فيه صلاة الفذ كما لم تدخل فيه صلاة النافلة، ويكون على هذا معنى قوله: «أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة» ، يريد بذلك إلا المكتوبة في الجماعة، وذهب ابن لبابة إلى أن ذلك ليس باختلاف من القول، قال: لأنه تكلم في " المدونة " على من دخل المسجد، وفي هذه الرواية على من لم يدخله، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الصلاة إن كانت في مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذا أفضل من الصلاة خارجا عنه في جماعة، فالأولى به أن يمضي إليه رغبة في الفضيلة، وإن كانت الصلاة في الجماعة أفضل من الصلاة في مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذا فالأولى به إذا فاتته الجماعة فيه أن يخرج منه ويصلي في جماعة رغبة في الفضيلة أيضا، وهذا بين.
ووقع في النسخ: بل يصلي في المسجد بالجماعة، وذلك خطأ في الرواية لا وجه له، والله أعلم، وبه التوفيق.
مسألة: دخل المسجد فوجد الناس ركوعا أيركع معهم أم يتقدم إلى الفرج
مسألة وسئل عمن دخل من باب المسجد فوجد الناس ركوعا، وعند باب المسجد ناسا يصلون ركوعا وبين يديه الفرج، أيركع مع هؤلاء الذين عند باب المسجد أم يتقدم إلى الفرج؟ قال: بل أرى أن
يركع مع هؤلاء الذين عند باب المسجد فيدرك الركعة إلا أن يكونوا قليلا، فلا أرى أن يركع معهم ويتقدم إلى الفرج أحب إلي، وأما إذا كانوا كثيرا فأرى أن يركع معهم.
قال محمد بن رشد: تفرقته بين أن يكونوا قليلا أو كثيرا استحسان، ولو ركع معهم وهم عدد يسير لصحت صلاته باتفاق، وإنما الخلاف إذا لم يكن معه أحد سواه.
وقد مضى هذا المعنى مستوفى في رسم "شك في طوافه" ورسم "اغتسل على غير نية" من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
مسألة: الغسل للعيدين قبل الفجر
مسألة قيل: أرأيت الغسل للعيدين قبل الفجر؟ قال: أرجو أن يكون ذلك واسعا.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في آخر هذا الرسم وفي رسم "صلاة العيدين"، وزاد فيها: من الناس من يغدو قبل الفجر، فالمعنى فيها أنه خفف لمن غدا بعد الفجر أن يغتسل قبل الفجر ولم ير من شرط صحة الغسل للعيدين أن يتصل بالغدو لها؛ لكونه مستحبا فيها غير مسنون، وفي " المدونة " من رواية عيسى عن ابن القاسم عن مالك أنه إن رجع إلى منزله بعد صلاة الصبح، فلا يجزيه ذلك الغسل قياسا على غسل الجمعة.
مسألة: المسجد الذي ذكر الله تعالى أنه أسس على التقوى
مسألة وقال: المسجد الذي ذكر الله تعالى أنه: ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ﴾ [التوبة: 108] ، هو مسجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هذا، ثم قال: أين كان يقوم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أليس في