البيان والتحصيلصفحات 200-211
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب التجارة إلى أرض الحرب

صفحات 200-211
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

خمسمائة دينار، وعليه يأتي أيضا قول ابن حبيب في الواضحة: أن من أسلم منهم فماله له، ويلزم على قياس ذلك أن يمنعوا من هبة أموالهم والصدقة بها، وأن يحكم عليها بذلك للمسلمين، وهو ظاهر ما في كتاب الهبة والصدقة من المدونة إذ لم يفرق بين أهل العنوة وأهل الصلح كما فعل غير ابن القاسم، ولا يمنعوا من الوصايا بجميع أموالهم إلا إذا لم يكن لهم وارث من أهل دينهم وكان ميراثهم للمسلمين.
ويأتي على رواية سحنون عن ابن القاسم بعد هذا أنهم في حكم العبيد المأذون لهم في التجارة، فيجوز لهم بيع رقيقهم، ولا يجوز لهم أن يهبوا أو يتصدقوا بشيء من أموالهم ولا يكون لهم منها شيء بإسلامهم؛ لأنهم لا يتوارثون، وميراث من مات منهم للمسلمين كان له وارث من قرابته أو لم يكن، وهو ظاهر قول سحنون في سماع عيسى من كتاب السلطان، ولا يحرم النظر إلى شعورهن، ويكون على من قتل أحدا منهم خطأ أو عمدا قيمته بالغا ما بلغت للمسلمين، ولا يجوز للمسلمين تزويج نسائهم، وإن كان لم يحرم ذلك في الرواية مراعاة للاختلاف، فالقياس على أصله في أنهم عبيد أن ذلك لا يجوز؛ لقوله عز وجل: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] ولا اختلاف في المذهب في أن الأرض للمسلمين لا يجوز لهم بيعها، ولا يكون لهم فيها ميراث، ولا يكون لهم إن أسلموا، وأما أهل الصلح فمذهب ابن القاسم أن أرضهم لهم يبيعونها ويورثونها، وتكون لهم إن أسلموا، كانت عليها جزية أو لم تكن، كانت الجزية على جماجمهم أو مجملة عليهم لا ينقصون منها شيئا بموت من مات منهم، وفرق في توارثهم بين أن تكون الجزية على جماجمهم أو مجملة عليهم فقال: إنها إن كانت على جماجمهم كان ميراث من مات منهم ولا وارث له من أهل دينه للمسلمين، ولم تجز له وصية إلا في ثلث ماله، وإن كانت الجزية مجملة عليهم لا ينقصون منها شيئا بموت من مات منهم كان ميراث من مات منهم ولا وارث له من أهل دينه لأهل مواده، وذهب ابن حبيب إلى عكس قول ابن القاسم في الطرفين، فساوى بين أن تكون الجزية على جماجمهم أو مجملة عليهم فقال: إنها إن كانت على جماجمهم كان ميراث

من مات منهم ولا وارث له من أهل دينه للمسلمين، ولم تجز له وصية إلا في ثلث ماله، وإن كانت الجزية مجملة عليهم لا ينقصون منها شيئا بموت من مات منهم كان ميراث من مات منهم ولا وارث له من أهل دينه لأهل مواده، وذهب ابن حبيب إلى عكس قول ابن القاسم في الطرفين، فساوى بين أن تكون الجزية على جماجمهم أو مجملة عليهم في أن من مات منهم ولا وارث له من أهل دينه، فميراثه للمسلمين، وفرق بين أن تكون الجزية على جماجمهم أو مجملة عليهم في حكم أرضهم فقال: إنها إن كانت على جماجمهم كان لها حكم أموالهم يبيعونها وتكون لهم إن أسلموا عليها ويتوارثونها إلا أن لا يكون لهم وارث من أهل دينهم، فيرثه المسلمون، وإن كانت مجملة عليهم كانت موقوفة للخراج لا يكون لهم أن يبيعوها، ولا يكون لمن أسلم منهم أرضه، ولا يكون للمسلمين أرض من مات منهم ولا وارث له من قرابته؛ لأنها موقوفة للخراج على كل حال، وروى ابن نافع عن مالك أنه يجوز لهم بيع أرضهم إلا أن تكون على الأرض جزية، فيأتي في بيع أرضهم ثلاثة أقوال: أحدها: أن لهم أن يبيعوها على كل حال، وهو مذهب ابن القاسم، والثاني: الفرق بين أن تكون الجزية على جماجمهم أو مجملة عليهم، وهو قول ابن حبيب، والثالث: الفرق بين أن تكون على الأرض جزية أو لا يكون عليها جزية، وهو قول مالك في رواية ابن نافع عنه، واختلف ابن القاسم وأشهب إذا باع الصلحي أرضه وعليها جزية، فقال أشهب: يكون الخراج على المبتاع ما لم يسلم البائع أو يموت، وقال ابن القاسم: يبقى الخراج في الأرض على البائع كما كان عليه، ولا يجوز أن يشترطه على المبتاع، فإن اشترطه عليه فسد البيع.

الروم يقدمون بالعبيد من فحوص الصقالبة

ومن كتاب أوله يشتري الدور والمزارع قال يحيى: قال ابن القاسم في الروم يقدمون بالعبيد من فحوص الصقالبة: إنه ينبغي للإمام أن يمنعهم من بيع أولئك الرقيق من غير المسلمين، لا يبيعونها من اليهود ولا من النصارى ولا من

المجوس لا صغيرا منهم ولا كبيرا، وذلك أنهم يصيرون إلى دين من ملكهم.
قلت له: أرأيت من وجد في يد اليهود والنصارى قد اشتروهم أيردوا على الروم الذين باعوهم منهم؟ قال: بل يباعوا على الذين وجدوا في أيديهم من اليهود والنصارى، قيل له: أرأيت إن وجدوا قد تهودوا أو تنصروا؟ قال: أرى إذا صاروا إلى غير دين الإسلام أن يقروا في أيدي الذين اشتروهم يهودا كانوا أو نصارى أو مجوسا، وذلك أنهم لم يكونوا يجرون على الإسلام لو ملكهم المسلمون، فإن تهودوا أو تنصروا، فلا أرى أن يباعوا على من ملكهم من أهل الكتاب أو المجوس؛ لأنهم إنما يمنعوا من ملك المسلمين، قال: وإذا تقدم إليهم ألا يشتروهم، ثم تعدوا واشتروا ووجدوا في أيديهم قد تنصروا أو تهودوا رأيت أن يعاقب الذين هوّدوهم أو نصّروهم ويُنَكَّلُوا حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك.
قال محمد بن رشد -: في المدنية لمالك من رواية ابن القاسم عنه أنهم لا يمنعون من بيعهم منهم، قال ابن القاسم: وإنما رأيت مالكا أجاز للروم بيع الصقالبة من النصارى واليهود بموضع عهدهم الذي نزلوا عليه، فهم يصنعون بما في أيديهم ما أحبوا، ولو أرادوا أن يردوهم إلى بلادهم كان ذلك لهم، ولم يحل لك منعهم، فكما كان يجوز لهم أن يردوهم، فكذلك يجوز لهم أن يبيعوهم ممن أحبوا ابتغاء الفضل لما قدموا به، وهذا وجه ما رأيت مالكا - رَحِمَهُ اللَّهُ - نحا إليه، فإذا أوجب على الإمام في هذه الرواية أن يمنعهم من بيعهم من غير المسلمين، فكذلك يجب عليه على مذهبه فيها أن يمنعهم من الرجوع بهم إلى بلادهم خلاف رواية سحنون بعد هذا، وإذا أوجب ذلك عليه في المجوس فأحرى أن يجب ذلك عليه فيمن أسلم من رقيقهم، فرواية

يحيى هذه مخالفة ما في سماع سحنون وعيسى من هذا الكتاب وخلاف ما في سماع سحنون أيضا من كتاب الجهاد أن لهم أن يرجعوا من أسلم من رقيقهم ولا يحال بينهم وبين ذلك.
وقوله في هذه الرواية: إنهم يباعون على الذين وجدوا في أيديهم من اليهود والنصارى خلاف ما تقدم في رسم "الشجرة تطعم بطنين" من سماع ابن القاسم، وقد مضى هنالك ما في ذلك من الاختلاف، ولم يفرق في هذه الرواية أيضا بين صغار المجوس وكبارهم مثل ما يأتي في سماع أصبغ بعد هذا خلاف ما مضى في سماع ابن القاسم، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم من كتاب الجنائز في أول سماع أصبغ من كتاب الصلاة، وقد اختلف في المسلم يشتري المجوسي من المستأمن أو من الذمي، فيسلم عنده ثم يجد به عيبا، فقيل ذلك فوت ويرجع بقيمة العيب، قاله ابن الماجشون وأشهب، وقيل: ليس بفوت ويرد عليه، ثم يباع عليه ثانية، قاله ابن القاسم، والقولان جاريان على الرد بالعيب هل هو نقض بيع أو ابتداء بيع، وهو أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم وأشهب.

إذا أسلم أهل العنوة حكم أموالهم أخذ منهم دراهمهم ودنانيرهم وعبيدهم

من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: قال ابن القاسم: قال مالك: إذا أسلم أهل العنوة أخذ منهم دراهمهم ودنانيرهم وعبيدهم، وكل مالهم، فقلت لابن القاسم: فيجوز بيع رقيقهم؟ فقال لي: أراه جائزا من قبل أن أمرهم كأنهم إنما تركوا على ذلك وكأنهم أذن لهم في التجارة، فإنما يمنعوا من أن يهبوا أو يتصدقوا أو يفسدوا أموالهم، فقلت له: فتزويج بناتهم؟ فقال: ما أحبه، وإني لأتقيه، وما أراه حراما.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن أهل العنوة

إذا أسلموا لا يكون لهم مالهم، ويؤخذ منهم صحيح على أصله فيها أنهم في حكم العبيد المأذون لهم في التجارة، وقال ابن حبيب: إذا أسلموا كان لهم مالهم، ولم ينتزع منهم لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من أسلم على شيء فهو له».
وهو الذي يأتي على ما مضى في رسم لم يدرك من سماع عيسى من أنهم أحرار، وقد مضى القول على ذلك هنالك، وعلى قول ابن المواز في تفرقته بين ما كان بأيديهم يوم الفتح، وبين ما استفادوه بعد ذلك، ومضى في رسم الصلاة من سماع يحيى ما فيه بيان هذه المسألة.

مسألة: الروم إذا نزلوا للتجارة معهم رقيق مجوس

مسألة وسألته عن الروم إذا نزلوا للتجارة معهم رقيق مجوس، فنزلوا على أن لنا العشر، ثم أرادوا الانصراف، قال: يقاسمون ويؤخذ منهم ما صار للمسلمين، وينقلبون بما بقي، قلت: فإن أسلم الرقيق كلهم، ثم أرادوا الرجوع بهم؟ قال: ذلك لهم بعد أن تؤخذ عشرهم، واحتج بمسألة الروم الذين أرسلوا إلى أمير المؤمنين، واحتج بفعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أبي جندل.
قال محمد بن رشد: هذا المعلوم المشهور من مذهب ابن القاسم، وحجته بفعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أبي جندل ليست ببينة؛ لأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنما رد أبا جندل بالشرط الذي كان صالح عليه أهل مكة، ولا شرط للروم علينا في الرجوع بمن أسلم من رقيقهم، وقد ذكر ابن حبيب: أن قول ابن القاسم هذا لم يتابعه عليه أحد من أصحاب مالك، وقد مضى في رسم "يشتري الدور والمزارع" من سماع يحيى ما هو خلاف لقول ابن القاسم هذا مثل ما ذهب إليه ابن حبيب، فقف على ذلك.

مسألة: أرض الصلح إذا صالحوا على ألف دينار يكون عليهم في كل عام

مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن أرض الصلح إذا صالحوا على ألف دينار يكون عليهم في كل عام أهو مثل أن يصالحوا على أن على جماجمهم دينارين وعلى الأرض مبذر كذا وكذا، وعلى كل زيتونة كذا وكذا أهو سواء؟ قال: نعم، هو كذلك عندي يجوز لهم بيعها، وإذا أسلموا عليها وضعت عنهم الجزية.
قال محمد بن رشد: ساوى ابن القاسم في هذه الرواية في جواز بيع أرض الصلح بين أن تكون الجزية مجملة عليهم أو مقصوصة على جماجمهم وعلى الأرض، أو على جماجمهم دون الأرض، وقد مضى ما في هذا من الاختلاف وتحصيل القول فيه في رسم الصلاة من سماع يحيى، فلا معنى لإعادته هنا، وبالله التوفيق.

الرهبان إذا كانوا في أرض الإسلام هل عليهم جزية

من سماع عبد الملك بن الحسن من أشهب وابن وهب قال عبد الملك: سئل أشهب: عن الرهبان إذا كانوا في أرض الإسلام هل عليهم جزية كانوا في صوامع أو غيرها؟ فقال: كل شيء وقع عليه اسم الترهيب فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في أول سماع أشهب من كتاب الجهاد، فلا معنى لإعادته هنا، والله الموفق.

مسألة: عن الرجل تكون أمه نصرانية عمياء فتسأله المسير معها إلى الكنيسة

مسألة وسئل عن الرجل تكون أمه نصرانية عمياء، فتسأله المسير معها إلى الكنيسة، هل ترى له سعة في المسير بها إلى الكنيسة؟ فقال: لا أرى بأسا أن يسير بها حتى يبلغها، ولا يدخلها الكنيسة فقيل له:

أفيعطيها نفقة لعبدها؟ قال: نعم يعطيها نفقة لطعامها وشرابها ولا يعطيها ما تعطي في كنيستها.
قال محمد بن رشد: رأى المسير معها إلى الكنيسة أحق من أن يعطيها ما تعطي فيها؛ لأن مسيره معها إلى الكنيسة لا منفعة فيه للكنيسة، وإنما هو عون لأمه على الوصول إليها، وإعطاؤها ما تعطي في الكنيسة منفعة لها وسبب لعمارتها بمثابة أن لو أعطى ذلك هو فيها، وفي المبسوطة لمالك: أنه لا يسوغ له أن يسير معها إلى الكنيسة، وهو أصل قد اختلف فيه قول مالك، وقد بين في رسم تسلف في المتاع والحيوان المضمون من سماع ابن القاسم وجه الاختلاف في ذلك.

مسألة: بيع رقيق اليهود من النصارى ورقيق النصارى من اليهود

مسألة وسألت ابن وهب: عن بيع رقيق اليهود من النصارى، ورقيق النصارى من اليهود هل ترى ذلك واسعا؟ قال: لا ينبغي ذلك ولا يجوز، وسئل عنها سحنون فقال: ذلك مكروه، وإنما كره ذلك من ناحية العداوة التي بينهم.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة متكررة في هذا السماع من كتاب جامع العيوب.
والعداوة هنا عنها هي ما أخبر الله به من قول بعضهم في بعض للتنافس الذي بينهم إذ هم جميعا أهل الكتاب فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: 113] يريد: كل طائفة منهما ليست لصاحبتها على شيء منذ دانت دينها وكفرت اليهود بعيسى والنصارى بموسى صلى الله عليهما، فكذب الله الطائفتين بقوله: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 113] يريد التوراة والإنجيل؛ لأن التوراة تصدق

بعيسى والإنجيل يصدق بموسى كما أنهما جميعا يصدقان النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فإن وقع ذلك، ففي كتاب ابن سحنون عن أبيه: أنه يجبر على بيعه، وروى ذلك زياد عن مالك، ولا يدخل ذلك من الاختلاف ما دخل في النصراني يشتري المسلم على ما مضى في رسم أوله يشتري الشجرة تطعم بطنين من سماع ابن القاسم، وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك مخالف لما في سماع ابن القاسم والمدونة من إجازة بيع كبار المجوس من اليهود والنصارى؛ لأن الدينين مختلفان أيضا، وليس ذلك بصحيح، إذ لا تنافس بين المجوس وأهل الكتاب، إذ ليسوا بأهل كتاب، ولا جاء بعداوتهم نص كتاب الله تعالى.

العبد النصراني يباع من أهل دينه من أهل الحرب

من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب البيوع الثاني قال يحيى: وسئل ابن القاسم عن العبد النصراني يباع من أهل دينه من أهل الحرب، قال: لا أرى ذلك، أخاف أن يكون عورة على المسلمين، ودليلا على ذلك، ولولا ذلك لم أكرهه إذا ثبت على دينه، وقاله أصبغ.
قال محمد بن رشد: قد بين ابن القاسم وجه كراهيته لذلك بيانا لا زيادة عليه، وبالله التوفيق.

نصراني دفع إلى نصراني طيرا صاده بأن يبيعه ويجعل ثمنه في الكنيسة

ومن كتاب الجامع وسئل ابن القاسم عن نصراني دفع إلى نصراني طيرا صاده بأن يبيعه ويجعل ثمنه في الكنيسة، فمر به على مسلم فسأله فأخبره قصته، وما أمر به في ثمنه فأراد المسلم شراءه، قال: أرى ذلك خفيفا، قال أصبغ: لا يعجبني ولا أراه في سعة، وأراه في إثم وحرج، وأراه عونا على شرائع الكفر وتعظيم الكنائس وعمارتها، والذي يفعل هذا وشبهه مسلم سوء مريض الإيمان.

قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم محض القياس، وقول أصبغ نهاية الورع، وقد مضى في رسم تسلف من سماع ابن القاسم ما يدل على توجيه كل واحد من القولين.

مسألة: الديارات وما يباع منها إذا باعها أسقف الكنيسة في خراجها وفي مرمة الكنيسة

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم قال في الديارات: وما يباع منها إذا باعها أسقف الكنيسة في خراجها وفي مرمة الكنيسة، وإنها حبست تلك الأرض في صلاحها إنه لا يباع منها شيء ولا يجوز شراؤه لمسلم، ولا يجوز لهم في أحباسهم التي يحبسونها على وجه التقرب إلا ما يجوز للمسلمين في أحباسهم، قال أصبغ مثله في المسلم لا يشتريه على حال نحو التي فوقها، قال: ولا يحكم حكم المسلمين في منع بيعها ولا رده ولا الأمر به، ولا إنفاذ حبسها ولا جوازه ولا أرى أن يسعه ذلك.
قال محمد بن رشد: لم يجز ابن القاسم في هذه الرواية للرجل أن يشتري من أسقف أهل بلدة الصلح الديارات المحبسة على إصلاح الكنائس إذا باعها في مرمتها أو في خراجهم خلاف ما مضى من قوله في رسم النسمة من سماع عيسى، والوجه في ذلك أنه لو تنازع فيها الذي حبسها والأسقف، فأراد الذي حبسها أن لا تباع تلك الديارات بغير اختيار محبسها وتبقى موقوفة على ما حبسها عليه من أن تكون غلتها في إصلاح الكنيسة، وأراد الأسقف أن يبيعها في إصلاح الكنيسة أو فيما لزمهم من الخراج وتحاكموا في ذلك إلى حكم المسلمين ورضوا بحكمه لكان الواجب عليه إن اختار أن يحكم بينهم بحكم المسلمين الذي هو أن لا تباع الديارات بغير اختيار محبسها إذ لم يطلق ذلك فيها، وإنما أراد أن تكون موقوفة لا تباع، وهذا معنى قول ابن القاسم لا يجوز لهم في أحباسهم التي يحبسونها على وجه التقرب إلا ما يجوز للمسلمين في أحباسهم؛ لأن المحبس لها لو أراد أن يرجع فيما حبس على الكنيسة لما جاز

ذلك له، ويمنعه من ذلك حاكم المسلمين، هذا ما لا يصح أن يكون، ابن القاسم أراده كما تأول أصبغ عليه؛ لأن التحبيس على الكنيسة معصية لله لا طاعة له، ولا يحل أن يحكم على من أوجب على نفسه معصية بتنفيذها، وإذا لم يكن للأسقف أن يحكم على المحبس ببيع ما حبس بغير اختياره لم يجز للمسلم أن يبتاع ذلك منه كما قال ابن القاسم لا سيما إن باع ذلك في مرمة الكنيسة لما في ذلك من العون لهم على عمارة كنائسهم، وإن كان ذلك عند ابن القاسم خفيفا على ما قاله في المسألة التي قبل هذه وقول هذه، وقول أصبغ في المسلم لا يشتريه على حال نحو التي فوقها يريد مسألة الطائر إنما يصح في الذي يبيع لمرمة الكنيسة لما في ذلك من تعظيم الكنائس وعمارتها، وأما الذي يبيع في الخراج فلا وجه لمنعه من ذلك على أصله في إنكار قول ابن القاسم ورد علته.

مسألة: العدو يداينون المسلمين إلى أن يرجعوا من قابل

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن وهب يقول في العدو يداينون المسلمين إلى أن يرجعوا من قابل، فيرجعون فيقولون: لا ننزل إلا على أن لا تعدوا علينا غرماءنا فقال: لا ينبغي للإمام أن ينزلهم على ذلك، قيل له: فإن أنزلهم على ذلك فقام الغرماء، فقال: أرى أن يعديهم القاضي على حقوقهم ويخير الآخرين، فإن أحبوا أن يبيعوا باعوا، وإن أحبوا أن يذهبوا ذهبوا، فإن ذهبوا لم يؤخذ منهم العشر حتى يبيعوا، فإذا باعوا أخذ منهم العشر، قال أصبغ: وإن رفعوا إلى غيرها من سواحل المسلمين فاشتروا تجارة لم يؤخذ منهم إلا ما أخذ.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الإمام إذا أنزلهم على أن لا يعدي عليهم بالحقوق التي عليهم لا ينفذ ذلك لهم، ويعدي عليهم بما عليهم من الحقوق صحيح لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لأنهم اشترطوا إسقاط ما قد أوجبوه على أنفسهم، وإنما اختلف إذا هربوا بالديون التي عليهم، ثم نزلوا على أن لا

يعدي عليهم بها على ما قد ذكرناه من الاختلاف في ذلك في رسم زيد من سماع عيسى، فقف على ذلك، وأما قوله: إنه لا يؤخذ منهم العشر إلا أن يبيعوا فهو خلاف مذهب ابن القاسم في المدونة، وكتاب ابن المواز في رسم أوصى من سماع عيسى مثل ما لأشهب في كتاب ابن المواز، وقول أصبغ: وإن رفعوا إلى غيرها من سواحل المسلمين فاشتروا تجارة لم يؤخذ منهم إلا ما أخذ، يريد إلى غيرها من سواحل المسلمين في ذلك الأفق، ولو كان الساحل الذي رفعوا إليه في أفق آخر لوجب أن يؤخذ منهم فيه العشر إن اشتروا أو باعوا على مذهب ابن وهب، وعلى مذهب ابن القاسم باعوا أو لم يبيعوا وبالله التوفيق.

مسألة: ما يكون للحربي من مال عند مسلم من وديعة أو سلف أو بيع

مسألة قال أصبغ: قال لي ابن القاسم: كل ما يكون للحربي من مال عند مسلم من وديعة أو سلف أو بيع وحيث ما وجد له مال مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، ثم سبي بعد ذلك فهو فيء للمسلمين، وإن كان عليه دين فغرماؤه أحق به، وإن كان ما أوجف عليه الخيل والركاب، فالمسلمون أحق به من غرمائه وهو لهم فيء.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة، ومضى القول فيها في رسم العتق من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.

مسألة: المسلم يشتري العبد المجوسي من المجوسي هل يجبره على الإسلام

مسألة وسئل أصبغ: عن المسلم يشتري العبد المجوسي من المجوسي مثل المجوس الذين يكونون بالعراق بين ظهراني المسلمين قد ثبتوا على مجوسيتهم هم وعبيدهم فيبيع الرجل منهم العبد من المسلمين هل على المسلم أن يجبره على الإسلام؟ قال: لا ليس ذلك عليه إنما

هذا فيمن يشتري المسلمون من السبي من الصقالبة وغيرهم من سبي المجوس، فأولئك الذين يجبرون على الإسلام.
قال محمد بن رشد: قوله في أهل الذمة من المجوس الذين قد ثبتوا على مجوسيتهم: إنه لا يجبر من اشترى من عبيدهم يريد الكفار على الإسلام صحيح؛ لأن المسبيين منهم إنما أجبروا على الإسلام من أجل أنهم لم يفقهوا دينهم، ولا عقلوه لما هم عليه من الجهل فكان لهم في ذلك حكم الصغار، ولم يفرق في هذه الرواية في المسبيين منهم بين الصغار والكبار في أنهم يجبرون على الإسلام، بل ظاهر قوله: أنه إنما تكلم على الكبار دون الصغار كما فعل في الذميين، فهو خلاف ما مضى في رسم الشجرة تطعم بطنين من سماع ابن القاسم، والحمد لله، اللهم عونك يا معين.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل