كتاب الجامع السادس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
التأكيد في الخروج إلى الصلاة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
كتاب الجامع السادس ومن كتاب القبلة في التأكيد في الخروج إلى الصلاة وحدثني العتبي عن عيسى بن دينار قال: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب أرسل إلى سليمان بن أبي خيثمة فوجده راقدا فقال: أشهدت الصلاة؟ قال: كنت أشتكي، ولولا رسولك جاءني ما خرجت، فقال عمر: إن كنت خارجا لدعوة أحد فاخرج إلى الصلاة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لأن إجابة الداعي إلى الصلاة بقوله: حي على الصلاة حي على الصلاة في أذانه للصلاة آكد من إجابة داعي الأمير لشيء من أمور الدنيا.
وبالله التوفيق.
النصيحة من الدين
ومن كتاب شك في طوافه في أن النصيحة من الدين قال ابن القاسم قال مالك ورفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» . قال محمد بن رشد: قوله الدين النصيحة معناه عماد الدين النصيحة، خرج مخرج واسأل القرية، يريد أهل القرية، لأن حقيقة الدين إنما هو الإسلام والإيمان، قال عز وجل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: 19] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85] . والنصيحة لله هي القيام بفرائضه، والتزام أوامره واجتناب زواجره؛ والنصيحة لكتابه هو تأويله على ما تأوله عليه أهل الحق من سلف المسلمين، وترك ما صار إليه من التأويل أهل الزيغ من الملحدين؛ والنصيحة لرسوله في حياته بذل الجهد في طاعته ونصرته، وبعد وفاته القيام بإحياء سنته والتزام ما شرعه لأمته، والنصيحة لأئمة المسلمين التزام الطاعة لهم وحضهم على الخير وتحذيرهم مما سواه، والنصيحة لعامة المسلمين هو أن يريهم المراشد في أمور دينهم ودنياهم.
كراهة ترك العمل في يوم الجمعة
في كراهة ترك العمل في يوم الجمعة قال مالك: كان بعض أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكرهون أن يترك يوم الجمعة العمل لئلا يصنعوا فيه كما فعلت اليهود والنصارى في السبت والأحد.
قال محمد بن رشد: هذا لما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأمر بمخالفة أهل الكتاب وينهى عن التشبه بهم.
روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» وأنه قال: «ألحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لأهل الكتاب،» وأنه قال: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» . ومثل هذا كثير.
ما جاء في أمة النبي عليه السلام
ُ - قال مالك: كان عيسى ابن مريم يقول: أمة محمد حكماء علماء كأنهم من الفقه أنبياء.
قال مالك على إثر ذلك: إن كان عيسى ابن مريم قاله ما أراهم إلا صدر هذه الأمة.
قال محمد بن رشد: إخبار عيسى ابن مريم هذا من زمانه لا يصح أن يكون إلا بوحي من الله عز وجل، وذلك ثناء منه عز وجل عليهم بذلك، وقد أثنى عليهم في غير ما آية من كتابه، فقال عز وجل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: 29] . الآية.
فقوله عز وجل: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: 29] إلى آخر الآية يشهد بصحة قول عيسى ابن مريم المذكور فيهم.
وقال عز وجل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110] .
صفة مسجد النبي عليه السلام وحنين الجذع إليه
في صفة مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وحنين الجذع إليه قال مالك: قال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مسجدي على عريش كعريش موسى» . «وكان يخطب على جذع حتى عمل له هذا المنبر من طرفاء الغابة، فلما خطب عليه وفقده الجذع حن فنزل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوضع يده عليه فسكن» .
قال محمد بن رشد: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مسجدي على عريش يريد أن سقفه بالجرائد فوق الجذوع بغير طين أو بقليل من الطين، فكان إذا كان المطر يكف أي يهطل في المسجد على ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «وقد أريت هذه الليلة - يريد ليلة القدر - فأنسيتها ولقد رأيتني أسجد في صبحها في ماء وطين فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر.
قال أبو سعيد: فأمطرت السماء في تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد.
قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انصرف وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة ليلة إحدى وعشرين من رمضان» .
وحنين الجذع الذي كان يخطب إليه إذ صنع له المنبر يخطب عليه معلوم، رواه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبي بن كعب، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وجماعة سواهم من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من طرق كثيرة بمعان متفقة وألفاظ متفارقة، في بعضها «أنه خار كخوار الثور حتى ارتج المسجد منه جزعا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فنزل إليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فالتزمه وهو يخور، فلما التزمه سكت، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» . وفي بعضها «أنه جأر أو خار حتى تصدع وانشق فأمر نبي الله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فدفن تحت المنبر» على ما روي.
وقد روي أن أبي بن كعب أخذه لما غير المسجد وهدم فكان عنده في بيته حتى بلي وأكلته الأرضة وعاد رفاتا.
وهذا علم جليل من أعلام النبوة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهي أكثر من أن تحصى.
كلام الإمام في الخطبة
في كلام الإمام في الخطبة قال: وقد كان بعض الأمراء يرسل ليلة الجمعة هل أتكلم مع
الخطبة بشيء؟ فقيل له: فماذا قلت؟ قال: قلت نعم إذا كان من الأمر الذي يأمر به وينهى عنه يريد بذلك وجه الحق، وقد بلغني أن عمر بن الخطاب تكلم مع خطبته بكلام.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة من أن للإمام أن يتكلم يوم الجمعة وهو على المنبر بغير الخطبة ولا يكون بذلك لاغيا.
قال فيها: وكذلك لا يكون لاغيا من رد على الإمام إذا كلمه وهو يخطب، وهو أمر لا اختلاف فيه أحفظه في المذهب.
والحجة في إجازة ذلك ما يروى عن أبي الزاهرية عن عبد الله بن بشير قال: «جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجلس فقد آذيت وآنيت» .
قال أبو الزاهرية: وكنا نتحدث حتى يخرج الإمام.
وما روي عن جابر بن عبد الله قال: «جاء سليك الغطفاني ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر فقعد قبل أن يصلي فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أركعت ركعتين قال: لا قال: قم فاركعهما» . وهذا نص في جواز تكلم الإمام على المنبر يوم الجمعة بغير الخطبة، وفي جواز الرد عليه لمن كلمه.
وتأول أصحابنا أنه إنما أمره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالركعتين في ذلك الوقت ليري الناس حاجته فيتصدقون عليه، بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري «أن رجلا دخل المسجد ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر فناداه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فما زال يقول: ادن حتى دنا فأمره فركع ركعتين قبل أن يجلس وعليه خرقة خلق ثم صنع مثل ذلك في الثانية فأمره بمثل ذلك، ثم صنع مثل ذلك في الجمعة الثالثة فأمره بمثل ذلك وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للناس تصدقوا، فألقوا الثياب فأمره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخذ ثوبين الحديث.» وذهب أهل العراق أنه لا يجوز للإمام أن يتكلم في خطبته لغير الخطبة ولا لأحد ممن كلمه أن يرد عليه، وقال يحتمل أن يكون ما جاء في هذه الآثار كان الكلام حينئذ في الخطبة مباحا كما كان في الصلاة، ثم نسخ بنسخه في الصلاة؛ ويحتمل أيضا أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قطع خطبته ليعلم الناس كيف يفعلون إذا جاءوا إلى المسجد ثم استأنفها، لا أنه تكلم فيها ثم تمادى عليها، وهو بعيد.
والله أعلم وبه التوفيق.
وقد مضى هذا في أول سماع أشهب من كتاب الصلاة.
ما جاء في أبي عبيدة بن الجراح
قال وسمعت مالكا يقول: «أتى أهل نجران إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأسلموا وقالوا: يا رسول الله لو بعثت معنا من يفقهنا ويعلمنا، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنا أبعث معكم القوي الأمين فتطاول أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكل رجل يرجو أن يكون هو وأحبوا ذلك، فبعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبا عبيدة بن الجراح معهم» .
قال محمد بن رشد: أبو عبيدة بن الجراح من كبار الصحابة وفضلائهم وأهل السابقة منهم، وأحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالجنة.
وقال أبو بكر الصديق يوم السقيفة: رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر أو أبا عبيدة.
وقال عمر إذ دخل عليه الشام وهو أميرها:
أنت أخي حقا لم تغيرك الدنيا.
ويروى أنه قال: كلنا غيرته الدنيا غيرك يا أبا عبيدة.
وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» . والمعنى في هذا أنه في أرفع مراتب الأمانة، ولا أحد أرفع مرتبة منه فيها، ولا يمتنع أن يكون غيره من الصحابة في مرتبته من الأمانة.
وهذا مثل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أبي ذر: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر،» لأن المعنى في ذلك أنه في أعلى مراتب الصدق، فلا ينتفي أن يكون في أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من هو في الصدق مثله، وإنما ينتفي أن يكون غيره أعلى مرتبة منه في الصدق.
وبالله التوفيق.
الحكم في البعير الضال
في الحكم في البعير الضال قال مالك: أرسل الحسن بن زيد يسألني عن رجل أصاب ثلاثة أبعرة ضالة فقال إنها قد أكلتني، فاستشارني فيها، فأمرته أن يأمره أن يرسلها حيث أصابها.
قال محمد بن رشد: ثبت «عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال في ضالة الإبل: ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتكل الشجر حتى يلقاها ربها» . والاختيار فيها أن لا تؤخذ، فإن أخذت عرفت، فإن لم تعرف ردت حيث وجدت، جاء ذلك عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأخذ به مالك في أحد قوليه، وهو قوله في هذه الرواية وفي المدونة وفي رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب اللقطة؛ وقيل إنها تؤخذ وتعرف فإن لم تعرف بيعت
ووقف ثمنها لصاحبها، فإن لم يأت وأيس منه تصدق به عنه، جاء ذلك عن عثمان بن عفان، وروي ذلك عن مالك أيضا قال: من وجد بعيرا ضالة فليأت به الإمام يبيعه ويجعل ثمنه في بيت المال، يريد بعد أن يعرفه.
قال أشهب في مدونته: وإن كان الإمام غير عدل فليتركه حيث وجده.
وإنما اختلف الحكم في ذلك بين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان لاختلاف الأزمان لفساد الناس، فكان الحكم فيها في زمن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وخلافة عمر بن الخطاب أن لا تؤخذ، فإن أخذت عرفت، فإن لم تعرف ردت حيث وجدت؛ ثم كان الحكم فيها في زمن عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما ظهر من فساد الناس أن تؤخذ وتعرف فإن لم تعرف بيعت ووقفت أثمانها.
وكذلك ينبغي أن يكون الحكم فيه اليوم إن كان الإمام عدلا، وإن كان الإمام غير عدل يخشى عليها إن أخذت لتعرف تركت ولم تؤخذ.
وإن كان إنما يخشى على ثمنها إن بيعت أخذت فعرفت فإن لم تعرف ردت حيث وجدت.
وقد مضى هذا كله بزيادة عليه في رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب الأقضية.
وبالله التوفيق.
الإقبال على الدعاء
في الإقبال على الدعاء
قال مالك: جاء رجل إلى عامر بن عبد الله بن الزبير وهو يدعو فجلس إليه ومعه دراهم وكتاب فصول عنده، ثم كلمه الرجل فأخذ الدراهم فجعلها تحت رجله ثم أقبل على الدعاء، فلما فرغ كلمه الرجل قال: فما استطعت أن تكلمني ثم تقبل على صلاتك، فقال: هذه أخذة الشيطان، إني قد جربت هذا، يأتي الرجل فأكلمه ثم يأتي آخر حتى يذهب الدعاء.
ورأيته يدعو وعليه إزار وقطيفة في الشتاء كلما وقعت جبذها على منكبيه، وكان من دعائه: يا باقي يا دائم يا حي لا يموت لا تبطل دعائي ولا تضيع مسألتي.
قال محمد بن رشد: قد بين عامر بن عبد الله بن الزبير الوجه الذي من أجله لم يترك ما كان فيه من الدعاء، وتكلم الرجل بما لا مزيد عليه مما حذره وخافه.
وأما قوله في دعائه يا حي لا يموت فصحيح جيد لا اختلاف فيه، لأن الحي اسم من أسماء الله عز وجل.
قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: 65] وقال: ﴿الم﴾ [آل عمران: 1] ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2] . وقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2] . وكذلك قوله: يا باقي، لأن الباقي أيضا اسم من أسماء الله تعالى في سورة البقرة، وفي سورة الرحمن قوله عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27] .
وأما قوله يا دائم ففي الدعاء به اختلاف، إذ قد قيل إنه لا يجوز أن يسمى الله عز وجل إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله وأجمعت الأمة على تسميته به.
والصحيح جواز الدعاء بيا دائم، لأن الدائم بمعنى الباقي وبمعنى الأخير في قوله عز وجل: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: 3] وبالله التوفيق.
الصلاة في البرانس
في الصلاة في البرانس وسئل مالك عن الصلاة في البرانس هي من لباس المصلين وكانت من لباس الناس وما أرى بها بأسا، فاستحسن لباسها وقال: هي من لباس المسافر للبرد والمطر.
قال ولقد سمعت عبد الله بن
أبي بكر وكان من عباد الناس وأهل الفضل وهو يقول: ما أدركت الناس إلا ولهم ثوبان برنس يغدو فيه وخميصة يروح فيها، ولقد رأيت ناسا يلبسون البرانس، فقيل له ما كان ألوانها؟ قال: صفر.
قال محمد بن رشد: البرانس ثياب في شكل الغفائر عندنا مفتوحة من أمام تلبس على ثياب في البرد والمطر مكان الرداء، فلا تجوز الصلاة فيها وحدها إلا أن يكون تحتها قميص أو سراويل، لأن العورة تبدو من أمامه وهو في البرانس العربية، وأما الأعجمية فلا خير في لباسها في الصلاة ولا في غير الصلاة لأنها من زي العجم وشكلهم.
وأما الخمائص فهي أكسية من صوف رقاق معلمة وغير معلمة يلتحف فيها، كانت من لباس الأشراف في أرض العرب.
فقوله برنس يغدو به يريد يلبسه على ما تحته من الثياب، وخميصة يروح بها يعني يلتحفها على ما عليه من الثياب والله أعلم.
وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
رفع اليدين في الدعاء
في رفع اليدين في الدعاء قال مالك: وبلغني أن أبا سلمة رأى رجلا قائما عند المنبر وهو يدعو ويرفع يديه فأنكر عليه وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود، فقيل له: ما أراد بالتقليص؟ فقال رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين.
قال القاضي: إنما كره رفع الصوت بالدعاء لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ارفقوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا» . وقد روي أن قول الله عز وجل: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110]
نزلت في الدعاء.
وأما رفع اليدين عند الدعاء فإنما أنكر الكثير منه مع رفع الصوت لأنه من فعل اليهود، وأما رفعهما إلى الله عز وجل عند الرغبة على وجه الاستكانة والطلب فإنه جائز محمود من فاعله، وقد أجازه مالك في المدونة في مواضع الدعاء وفعله فيها، واستحب في صفته أن يكون ظهورهما إلى الوجه وبطونهما إلى الأرض.
وقيل في قول الله عز وجل: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90] إن الرغب يكون بطون الأكف إلى السماء والرهب بطونها إلى الأرض.
وقد وقع لمالك في رسم المحرم من السماع في كتاب الصلاة أنه لا يعجبه رفع اليدين في الدعاء، ومعنى ذلك الإكثار منه في غير مواضع الدعاء حتى لا يختلف قوله، والله أعلم.
السدل في الصلاة
في السدل في الصلاة وسئل مالك عن السدل في الصلاة قال: لا بأس بذلك.
فقيل له هل رأيت أحدا يفعل هذا؟ فقال نعم.
فقيل له أعبد الله بن حسن؟ قال نعم وغيره، وقد رأيته يفعله، وقد رأيت عبد الله بن حسن يجعل طنفسة في المسجد يصلي عليها، وقد كان كبر، فكان يقوم عليها ويسجد ويضع يديه على الحصباء.
وسئل ابن القاسم عن ذلك فقال لا بأس بذلك إذا وضع جبهته ويديه على تراب أو نبات من الأرض، فقيل له مسجد الجماعة؟ فقال نعم
قال محمد بن رشد: صفة السدل أن يسدل الرجل طرفي ردائه بين يديه فيكون بطنه وصدره مكشوفا، وقد أجاز ذلك في المدونة وإن لم يكن
عليه إلا إزار أو سراويل تستر عورته.
وحكى أنه رأى عبد الله بن الحسن وغيره يفعل ذلك.
ومعنى ذلك إذا غلبه الحر، إذ ليس من الاختيار أن يصلي الرجل مكشوف الصدر والبطن، وهو ظاهر هذه الرواية.
وفي هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة ما ظاهره أن ذلك لا بأس به إذا كان عليه مع الإزار ثوب غيره يستر به سائر جسده.
وقد روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من رواية أبي هريرة وأبي جحيفة «أنه نهى عن السدل في الصلاة» فكره بذلك بعض أهل العلم أن يسدل الرجل في صلاته وإن كان عليه مع الإزار قميص وقال ذلك فعل اليهود، فهي ثلاثة أقوال: الجواز وإن لم يكن عليه إلا إزار، والمنع وإن كان عليه مع الإزار قميص يستر به جميع جسده، والفرق بين أن يكون عليه مع الإزار قميص يستر به سائر جسده وبين ألا يكون عليه مع الإزار قميص يستر به جميع جسده.
وأما إن لم يكن عليه قميص ولا إزار فلا يجوز السدل في الصلاة بإجماع، لأن عورته تبدو من أمامه.
وإنما كانت الطنفسة تجعل له في المسجد ليصلي عليها رفقا به لكثرة اتقائه من حر الأرض وبردها، فكان يصلي ويسجد على الحصباء ويضع يده عليها، وذلك جائز، فقد كان يطرح لعقيل بن أبي طالب في زمن عمر بن الخطاب طنفسة إلى جدار المسجد الغربي يجلس عليها ويجتمع الناس إليه، وكان نسابا عالما بأيام العرب.
والصلاة على الطنافس وبسط الشعر والثياب والأدم جائزة، وإنما يكره السجود عليها، من أجل أن الصلاة شأنها التواضع، فالمستحب فيها أن لا يسجد إلا على الأرض أو ما يشاكل الأرض من الحصر التي تصنع مما تنبته الأرض.
ومثل هذا في المدونة وغيرها، وبالله التوفيق.
المحافظة على الصلاة في الجماعة
في المحافظة على الصلاة في الجماعة وسئل مالك هل بلغك عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا ذكر له الخروج إلى البادية قال: فأين صلاة العشاء؟ قال نعم، قد بلغني أن سعيد بن المسيب كان إذا ذكرت له البادية والخروج إليها قال: فأين صلاة العشاء.
قال محمد بن رشد: إنما كان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول ذلك إشفاقا على فوات الصلاة في مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لما جاء من أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد.
وخص صلاة العشاء بالذكر لما جاء من الفضل في شهودها.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونها» أو نحو هذا.
وقال عثمان بن عفان: من شهد العشاء في جماعة فكأنما قام نصف ليلة، ومن شهد الصبح فكأنما قام نصف ليلة، وذلك لا يكون إلا عن توقيف، إذ لا مدخل في ذلك للقياس ولا يقال مثله بالرأي.
ولعله أراد أن أهل البادية كانوا لا يصلون العشاء والصبح في جماعة، أولا يرى لنفسه اختيارا أن يأتم بأئمتهم لجهلهم بالسنة.
وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة.
وبالله التوفيق.
كراهة التروح بالمراوح في المسجد
في كراهة التروح بالمراوح في المسجد وسئل مالك عن المراوح أتكره أن يروح بها في المسجد قال نعم إني لأكره ذلك.
قال القاضي: هذا كما قال لأن المراوح إنما يتخذها أهل الطول للترفه والتنعم، وليس ذلك من شأن المساجد، والإتيان إليها بالمراوح من المكروه البين.
وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة.
وبالله التوفيق.
التسع آيات التي أوتيها موسى عليه السلام
ُ - قال مالك: التسع آيات التي آتاهن الله تبارك وتعالى موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هي الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، ويده، والبحر، والجبل.
قال محمد بن رشد: قد روي هذا عن ابن عباس من رواية عكرمة عنه، إلا أنه جعل مكان البحر والجبل السنين والنقص من الثمرات، فقال في تفسير التسع الآيات: اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنين، ونقص من الثمرات، فالتسع الآيات التي أعلم الله عز وجل في كتابه أنه آتاها موسى بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: 101] ، هي معجزات، وتخويفات وإنذارات.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 130] فقالوا: هذه مما سحرنا به هذا الرجل فقالوا يا موسى ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 132] أي بمصدقين، فأرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقفل والضفادع والدم آيات مفصلات، يعني بائنات بعضها من بعض بين كل عذابين شهر، قاله بعض أهل التفسير.
أما الطوفان فمطروا الليل والنهار ثمانية أيام ولياليهن لا يرون فيها شمسا ولا قمرا، فصرخ الناس إلى فرعون وخافوا الغرق، فأرسل فرعون إلى موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فأتاه، فقال: يا موسى اكشف عنا هذا فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا موسى ربه فأقلعت السماء ونشفت الأرض ماءها وأنبتت من الكلأ والزرع ما لم يروا مثله في مصر قط، فقالوا: لا والله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل، ولقد فزعنا من أمر كان خيرا لنا، فنكثوا وعصوا.
فأرسل الله عز وجل عليهم الجراد فأكل ما أنبتت الأرض، وبقي الجراد عليهم ثمانية أيام ولياليهن لا يرون الأرض، وركب الجراد بعضه بعضا ذراعا.
وفي تفسير مجاهد أن الجراد أكل مسامير أبوابهم وثيابهم، فصرخ أهل مصر إلى فرعون، فأرسل إلى موسى فقال: أيها الساحر ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: 134] ، فدعا موسى ربه جل وتعالى، فأرسل الله عز وجل ريحا شديدا فاحتملت الجراد فألقته في البحر فلم يبق في الأرض منها جرادة.
فنظر أهل مصر فإذا هم قد بقي لهم بقية من زرعهم وكلئهم ما يكفيهم عامهم ذلك، فقالوا: إنه قد بقي لنا ما يكفينا هذه السنة، فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل.
فأرسل الله عز وجل عليهم القمل.
قال مجاهد: هو الدبا فلم يبق في أرضهم عود أخضر إلا أكلته.
فصرخوا إلى فرعون فأرسل إلى موسى فأتاه فقال: يا موسى اكشف عنا هذا الدبا فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه فأمات الدبا فلم يبق منه واحدة.
فلما نظر القوم أنه لم يبق لهم شيء يعيشون به قالوا: يا موسى هل يستطيع ربك أن يفعل بنا شرا مما فعل، فوالله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل.
فأرسل الله عليهم الضفادع فدبت في أرضهم وبيوتهم ومخادعهم وظهور
بيوتهم حتى جعل الرجل يستيقظ وعليه منهن ما لا يحصى، فصرخوا إلى فرعون فأرسل إلى موسى فأتاه فقال: ادع لنا ربك فليهلك هذه الضفادع من أرضنا ونؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه فأذهب الضفادع من أرضهم فأماتها، ثم أرسل مطرا فاحتملها فألقاها في البحر.
فقالوا: لا والله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل.
فأرسل الله عز وجل عليهم الدم فجرت أنهارهم دما وركاياهم فلم يكونوا يقدرون على الماء وأنهار بني إسرائيل تجري ماء عذبا طيبا، فإذا دخل الرجل من آل فرعون في أنهار بني إسرائيل صار ما دخل فيه دما والماء من بين يديه ومن خلفه صاف عذب لا يقدر منه على شيء.
فمكثوا ثمانية أيام ولياليهن لا يذوقون الماء حتى بلغهم الجهد.
فصرخ أهل مصر إلى فرعون إنا قد هلكنا وهلكت دوابنا وماشيتنا من الظمأ.
فأرسل فرعون إلى موسى فدعاه فقال يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الرجز ونعطيك ميثاقا ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: 134] . فدعا موسى ربه فكشف عنهم فشربوا الماء، ثم عادوا إلى كفرهم فقالوا: والله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل.
قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: 135] ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 136] .
وقال عز وجل: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: 137] ، يعني أرض الأردن وفلسطين، وقيل أرض الشام.
وقال عز وجل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: 137] قيل معناه ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض وما ورثهم فيها، وقيل وعد الله لهم بالجنة لما صبروا على دين الله.
وقد جاء في التسع الآيات التي ذكر الله عز وجل أنه آتاها موسى - عليه
السلام - إنما عنى بها عبادات تعبده بها لا ما آتاه من المعجزات والإنذارات.
روي «عن صفوان بن عسال المرادي أنه قال: قال رجل من اليهود لآخر اذهب بنا إلى هذا النبي، فقال له الآخر: لا تقل هذا النبي فإنه إن سمعنا كان له أربعة أعين.
فانطلقا إليه وسألاه عن تسع آيات بينات، فقال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تفروا من الزحف، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان، وعليكم يهود أن لا تعدوا في السبت؛ فقالوا: نشهد إنك رسول الله.» وفي بعض الآثار: «فقبلوا يديه ورجليه وقالوا نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالوا: إن داوود - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دعا ألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود.» قال الطحاوي: وهذا أولى مما رواه عكرمة عن ابن عباس في أن الآيات التسع إنذارات وعدات، إذ لا حجة لأحد مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبالله التوفيق.
الأقبية للجواري وخروجهن بالأزر في الأسواق
في الأقبية للجواري وخروجهن بالأزر في الأسواق وسئل مالك عن الوصائف يلبسن الأقبية، قال ما يعجبني ذلك، فإذا شدته عليها كان أخرج لعجزتها، ولقد نهيت عنه محمد ابن إبراهيم، ورأيت عنده وصائف قد ألبسهن ذلك.
وسئل عن خروج الجواري في الأسواق بالأزر، فقال ما يعجبني ذلك وأرى ذلك من الباطل.
قال محمد بن رشد: المعنى في كراهة لبس الوصائف القباطي بين على ما ذكره للعلة التي وصفها.
وأما خروجهن إلى الأسواق بالأزر فمعناه أن يلتحفن فيها كالتحاف الحرائر، فكره ذلك من أجل تشبههن بالحرائر اللواتي
أمرهن الله أن يدنين عليهن من جلابيبهن.
وقد رأى عمر بن الخطاب أمة لابنه عبيد الله قد تهيأت بهيئة الحرائر، فدخل على حفصة ابنته فقال لها: ألم أر لأخيك جارية تجوس بين الناس وقد تهيأت بهيئة الحرائر وأنكر ذلك.
قال عبد الملك في الواضحة: وما رأيت أمة بالمدينة تخرج وان كانت رائعة إلا وهي مكشوفة الرأس في ضفائرها أو في شعر مجسم لا تلقي على رأسها جلبابا لتعرف الأمة من الحرة، إلا أن ذلك لا ينبغي اليوم لعموم الفساد في أكثر الناس، فلو خرجت اليوم جارية رائعة مكشوفة الرأس في الأزقة والأسواق لوجب على الإمام أن يمنع من ذلك، وتلزم الإماء من الهيئة في لباسهن ما يعرفن به من الحرائر، وتضرب إن خرجت مجردة.
قاله مالك في رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب النكاح، يريد بمجردة مكشوفة الظهر والبطن.
وأما خروجها مكشوفة الرأس فهو سنتها على ما تقدم، وبالله التوفيق لا شريك له.
شرب الماء الذي يسقاه الناس في المساجد والأسواق
في شرب الماء الذي يسقاه الناس في المساجد والأسواق وسئل مالك عن الماء الذي يسقي الناس في المساجد والأسواق أترى للأغنياء أن يجتنبوا شربه؟ قال: لا، ولكن يشربون أحب إلي، إنما جعل للعطشان.
ولقد كان سعيد بن عبادة اتخذ سقاية يسقي فيها الناس، فقيل له: أفي المسجد؟ فقال: لا ولكن في منزله.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، لأن قصد ساقيه به معلوم، لأنه يوجد في الغني كما يوجد في الفقير لاستوائهما في الحاجة إلى شربه،
وقد يعدمه الغني في وقت الحاجة إلى شربه ولا يجد من يشتريه منه، أولا يكون بيده حاضرا ما يشتريه به كما يعدمه الفقير سواء، وبالله التوفيق.
زهد عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم
في زهد عيسى ابن مريم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قال مالك: إن مما تحدث به الناس أن عيسى ابن مريم كان يقول: ما للذهب عندي فضل على الحجارة.
قال محمد بن رشد: إنما لم يكن للذهب فضل عنده على الحجارة وإن كان الذهب من شهوات الدنيا التي قد زين حبها للناس فقال عز وجل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] الآية لأنه اختار عليها ما أنبأ الله عز وجل عباده أنه خير منها بقوله عز وجل: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 15] .
تفسير المزجاة
في تفسير المزجاة قال مالك في تفسير ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: 88] قال: إني أقول فيها الجائزة تجوز بكل مكان فهي المزجاة.
قال محمد بن رشد: أكثر أهل التفسير على خلاف هذا التفسير في مزجاة.
منهم من قال يسيرة، ومنهم من قال مقاربة ردية، وكانوا لا يأخذون
في الطعام إلا الجياد.
وقيل ببضاعة مزجاة أي خبيثة رديئة لا تجوز إلا بوضيعة.
وقيل كان معهم متاع الأعراب من سمن وصوف وما أشبهه.
وأصله من التزجية، وهي الدفع والسوق.
يقال: فلان يزجي العيش أي يدافع بالقليل ويكتفي به.
فالمعنى إنا جئنا ببضاعة إنما ندافع بها ونتقوت ليست يتسع بها.
وقيل في قولهم وتصدق علينا معناه بما بين الكيلين، وقيل معناه تصدق علينا بأخينا.
وبالله التوفيق.
ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عند دخوله مكة
فيما قاله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند دخوله مكة قال مالك: «لما دخل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مكة عام الفتح وسارت الجنود بين يديه، أكب على واسطة الرحل ثم قال: الملك لله الواحد القهار.
فقال أبو سفيان للعباس: لقد أصبح ابن أخيك ملكا عظيما، فقال له العباس: إنه ليس بالملك ولكنها النبوءة» .
قال محمد بن رشد: إنما أكب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على واسطة الرحل تواضعا لله، وقال ما قال تعظيما لله.
والمعنى في ذلك بين، وبالله التوفيق.
قول أسيد بن الحضير لو كنت في دهري
في قول أسيد بن الحضير قال: وسمعت مالكا يذكر أن أسيد بن الحضير قال: لو كنت في دهري كما أنا في ثلاثة مواضع: إذا قرأت سورة البقرة من جوف الليل، وإذا كنت عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فسمعته يحدث، وإذا كنت في جنازة، فإني إذا شهدت جنازة لم أحدث نفسي إلا بما يقول الميت وما يقال له.
قال محمد بن رشد: هذا مما كان عليه السلف الصالح من تعظيم الموت بالسكينة والكآبة عند حضور الجنازة حتى لقد كان الرجل يلقى الخاص من إخوته في الجنازة له عنده عهد فما يزيده على التسليم ثم يعرض عنه كأن له عليه موجدة اشتغالا بما هو فيه من شأن الميت، فإذا خرج من الجنازة ساءله عن حاله ولاطفه وكان منه أحسن ما كان لعهده.
فيكره الضحك في الجنازة والاشتغال فيها بالحديث والخوض في شيء من أمور الدنيا.
وقد مضى هذا في كتاب سماع أشهب من كتاب الجنائز، وبالله التوفيق لا شريك له.
كراهة الحلف بغير الله عز وجل
في كراهة الحلف بغير الله عز وجل وسئل عن الذي يحلف بحياتي، فكره ذلك وقال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» . وإنما هذا من حلف النساء والضعفاء من الرجال أن يقول بحياتي وما أشبه ذلك فكرهه.
قال محمد بن رشد: يكره الحلف بغير الله عز وجل من جهة النهي الوارد في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ومن جهة المعنى أيضا.
وذلك أن الحلف بالشيء تعظيم للمحلوف به، ولا ينبغي أن يعظم شيء سوى الله عز وجل وبه التوفيق.
السجود على الثوب من الحر
في السجود على الثوب من الحر قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب سجد على ثوبه من شدة الحر، وبلغني أن ابن عمر كان يفعل ذلك.
قال محمد بن رشد: الاختيار أن يسجد الرجل على الأرض أو على ما شاكل الأرض من الحصر التي تعمل مما تنبته الأرض بطبعها، لأن الصلاة شأنها التواضع لله عز وجل.
فإن سجد الرجل على ثوبه من حر أو برد أجزاه ولم يكن عليه شيء، ولا اختلاف في هذا، وبالله التوفيق.
جود أبي الدرداء
في جود أبي الدرداء وسمعت مالكا يذكر أن أبا الدرداء قال: إني لبخيل إن كان لي ثلاثة أثواب ألا أقرض الله عز وجل أحدها.
وسمعت مالكا يذكر أن قوما أضافهم أبو الدرداء فلما أصبحوا قالوا لو ذهبنا إلى أبي الدرداء نثني عليه ونذكره بما أولانا، فجاؤوه فذكروا له وقالوا له لم تلحفنا لحفا فوجدنا البرد، فقال: ليس علينا إلا لحاف واحد.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين.
قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: 17] وقال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9] وبالله التوفيق.
كراهة عمر رضي الله عنه البنيان
في كراهة عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - البنيان قال وسمعته يذكر أن أبا الدرداء بنى منزلا له بحمص، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فكتب إليه: أما كان في بناء الروم وفارس ما يكفيك؟ فأخرجه عمر من حمص إلى دمشق.
قال محمد بن رشد: التطاول في البنيان مذموم، وقد جاء أنه من أشراط الساعة، فعاتب عمر أبا الدرداء على ما بناه، إذ خفي عليه ما جاء في ذلك مع مكانه من العلم، فإنه كان فقيها عالما حكيما.
روي عن مسروق أنه قال: شافهت أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجدت علمهم إلى ستة: عمر، وعلي، وعبد الله، ومعاذ، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، وكان قاضيا لمعاوية في خلافة عثمان.
وقد روي أن عمر أمر أبا الدرداء على القضاء، وكان القاضي يكون خليفة الأمير إذا غاب.
فيحتمل أن يكون أخرجه من حمص إلى دمشق واليا إلى القضاء بها، فكان أميرها إذا غاب وأراد بذلك تأديبه على ما بيناه من قول مالك في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه.
وقد مضى في رسم أخذ يشرب خمرا القول في البنيان وما يجوز منه وما لا يجوز، وبالله التوفيق.
إهلال عيسى ابن مريم عليه السلام بالحج
في إهلال عيسى ابن مريم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بالحج وقال مالك في تفسير قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في عيسى ابن مريم حاجا أو معتمرا أو ليتنهما قال يقرنهما أو عمرة بعد حجه مرة.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا الحديث في رسم مرض فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
حكم الشعر والشعراء
في الشعر والشعراء وسئل مالك عن إنشاد الشعر، قال: يخفف ولا يكثر، ومن عيبه أن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69] . قال مالك: وقد بلغني أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري أن اجمع الشعراء واسألهم عن الشعر، وهل بقي معهم معرفته، وأحضر لبيدا لذلك.
قال فجمعهم فسألهم فقالوا: إنا لنعرفه ونقوله، وسأل لبيدا عنه فقال: ما قلت بيت شعر منذ سمعت الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: ﴿الم﴾ [البقرة: 1] ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] .
قال محمد بن رشد: الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، والإكثار منه والاشتغال به مذموم.
وكفى من ذمه قول الله عز وجل: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 224] أي الشياطين الذين يغوونهم ويزينون لهم المكروه من القول، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: 225] أي من القول يهيمون، ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 226] يمدحون ويذمون ويصفون ما تميل إليه أهواؤهم فيغلون.
وقد «قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الثرثارين إنهم أبغض الخلق إلى الله» لما في البلاغة والتفيهق من تصوير الباطل في صورة الحق.
ولهذا المعنى «قال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذ مدح عمرو بن الأهتم الزبرقان بن بدر ثم ذمه في مجلس واحد بكلام بليغ استمال به النفوس وقال: أرضاني فقلت: أحسن ما علمت، وأسخطني فقلت: أسوأ ما علمت، ولقد صدقت في الأولى وما كذبت في الثانية: إن من البيان لسحرا» أي إن من بعض البيان لسحرا، فالحظ لمن كان من أهل الشعر وسهل عليه القول أن يتركه ويشتغل بما سواه من ذكر الله عز وجل وتلاوة القرآن وما يعنيه من أمر دينه ودنياه.
فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وهذا الذي أراده عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من الشعر، ولذلك كتب إلى أبي موسى الأشعري أن يجمعهم ويسألهم عن الشعر ويحضر لبيدا لذلك ليسمعوا قوله له توبيخا لهم.
وكان لبيد بن ربيعة العامري الشاعر من فحول الشعراء شريفا في الجاهلية والإسلام، ممن سلم فحسن إسلامه.
وقيل إنه لم يقل منذ أسلم شعرا إلا قوله:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا
وقد قيل إن هذا البيت لغيره، وإن الذي قاله هو في الإسلام هو قوله:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه القرين الصالح
وقد قال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
» وهو شعر حسن فيه ما يدل على أنه قاله في الإسلام، والله عز وجل أعلم، وذلك قوله:
وكل امرئ يوما سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المجاهل
وكان لبيد هذا من المعمرين، مات وهو ابن مائة وأربعين سنة، وقيل
ابن مائة وسبع وخمسين سنة في أول خلافه معاوية، وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.
الدراهم لا تغير لما فيها من أسماء الله عز وجل
في الدراهم لا تغير لما فيها من أسماء الله عز وجل وسئل مالك عن تغيير الدراهم لما فيها من كتاب الله، قال مالك: كان أول ما ضربت الدراهم على عهد عبد الملك بن مروان والناس متوافرون، فما أنكر ذلك أحد، وما علمت أن رجلا من أهل الفقه أنكره ولا أرى به بأسا.
قال مالك: ولقد بلغني أن ابن سيرين كان يكره أن يبيع بها أو يشتري بها، وما ذلك من شأن الناس وما أرى به بأسا.
قال محمد بن رشد: إنما لم ينكر سلف الإسلام الدنانير والدراهم المضروبة لما فيها من أسماء الله عز وجل.
وأجازوا البيع والشراء بها وإن كان ذلك يؤدي إلى أن يمسها الطاهر والنجس واليهودي والنصراني، من أجل ما فيها من المنفعة العامة لجميع المسلمين، لأنهم يميزون بالسكك طيب الذهب والفضة ويعرفون بها مقدار فضل بعضها على بعض في الطيب، فتصح فيها البيوع فيما بينهم، لأن النقر والاتبار من الذهب والفضة لا يميز الخالص منها من غير الخالص إلا الصيارفة والخاص من الناس بعد الاختبار.
فلو قطعت السكك وحمل الناس على التبايع بأتبار الذهب والفضة لفسد كثير من بيوعهم ووقع فيها فيما بينهم الغش والخديعة.
ويكره للرجل في خاصة نفسه أن يشتري بالدنانير والدراهم المضروبة شيئا من اليهود والنصارى لما فيها من أسماء الله عز وجل، فقد كره ذلك مالك في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة، وأعظم أن يعطاها نجسا.
فمن امتنع من ذلك تعظيما لأسماء الله عز وجل أجر، ومن فعله لم يأثم لما في ذلك من الحاجة.
وقد
أجيز في موضع الضرورة أن يعطوا الآية والآيتين من القرآن على باب الدعاء، كما كتب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 64] الآية وبالله التوفيق.
الاستعداد لخروج الدجال
في الاستعداد لخروج الدجال قال مالك: بلغني أن الناس كانوا يعدون الإبل والخيل لمكان الدجال يخرجون عليها.
قال القاضي: إنما كانوا يتأهبون لذلك لما جاء عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مما يؤذن بقرب خروجه.
من ذلك حديث أبي عبيدة بن الجراح خرجه الترمذي قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنه لم يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر الدجال قومه وإني أنذركموه، ووصفه لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لعله سيدركه بعض من رآني وسمع كلامي.
قالوا: يا رسول الله فكيف قلوبنا يومئذ، قال: مثلها، يعني اليوم، أو خير» . ومن ذلك حديث النواس بن سمعان الكلابي خرجه الترمذي أيضا وقال فيه حديث حسن صحيح غريب قال: «ذكر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فانصرفنا من عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم رحنا إليه فعرف ذلك فينا فقال: ما شأنكم؟ قال: قلنا يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة فخفضت ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، قال غير الدجال أخوف عليكم.
إن يخرج عليكم وأنا فيكم فأنا
حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم.
إنه شاب قطيط الشعر عينه قائمة شبيه بعبد العزى بن قطن، فمن رآه منكم فليقرأ فواتح سورة الكهف.
قال: يخرج ما بين العراق والشام، فقال: قلنا يا رسول الله ما لبثه في الأرض؟ قال: أربعين يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم.
قلنا: يا رسول الله إن أتى اليوم الذي كالسنة أتكفينا فيه صلاة يوم، قال: لا ولكن قدروا له.
قال: قلنا يا رسول الله فما سرعته في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي القوم فيدعوهم فيكذبونه ويردون عليه قوله فينصرف عنهم فتتبعه أموالهم فيصبحون ليس بأيديهم شيء، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيستجيبون له ويصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم كأطول ما كانت ذرى وأمده خواصر وأدره ضروعا.
قال ثم يأتي الخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فينصرف منها فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلا شابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين ثم يدعوه فيقبل يتهلل وجهه ويضحك، فبينما هو كذلك إذ هبط عيسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بشرقي دمشق عند المنارة البيضاء بين مهرودتين واضعا يده على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمال كاللؤلؤ.
قال: ولا يجد ريح نفسه أحد إلا مات، وريح نفسه منتهى بصره.
قال: فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله.
قال: فيلبث كذلك ما شاء الله.
قال: ثم يوحي الله إليه أن أحرز عبادي إلى الطور فإني قد أنزلت عبادا لا يدان لأحد بقتالهم.
قال
ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم كما قال عز وجل: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: 96] ، قال: فيمر أولهم ببحيرة طبرية فيشرب ما فيها، ثم يمر بها آخرهم فيقول: لقد كان بهذه مرة ماء.
[ثم يمرون حتى ينتهوا إلى جبل بيت المقدس فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم محمرا] ، ويحاصر عيسى ابن مريم وأصحابه حتى يكون رأس الثور يومئذ خيرا لأحدهم من مائة دينار لأحدكم اليوم.
قال: فيرغب عيسى ابن مريم وأصحابه إلى الله، قال: فيرسل الله إليهم النغف في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة.
قال: ويهبط عيسى ابن مريم وأصحابه فلا يجد موضع شبر إلا وقد ملئت من جيفهم ونتنهم ودمائهم.
قال: فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله عز وجل فيرسل عليهم طيرا كأعناق البخت، قال: فتحملهم فتطرحهم بالنيل، قال: [ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجفانهم سبع سنين] . قال: ويرسل الله عليهم مطرا لا يكن منه بيت وبر ولا مدر، قال فيغسل الأرض قال: فيتركها كالزلفة قال: ثم يقال للأرض أخرجي ثمرتك ودري بركتك، فيومئذ يأكل العصابة الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن الفئام من الناس ليكتفون باللقحة من الإبل وإن القبيلة
ليكتفون باللقحة من البقر، وإن الفخذ ليكتفون باللقحة من الغنم.
فبيناهم كذلك إذ بعث الله ريحا فقبضت روح كل مؤمن ويبقى سائر الناس يتهارجون كما تتهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة.» وبالله التوفيق.
ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاجتهاد في العبادة
فيما كان عليه أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الاجتهاد في العبادة قال: وسمعت مالكا يقول: لما دخل أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحاب عيسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الذين قطعوا بالمناشر وصلبوا على الخشب بأشد اجتهادا من هؤلاء.
قال محمد بن رشد: قد وصفهم الله عز وجل في كتابه بما يشهد لهم بصحة قول هذا الرجل فيهم، وذلك قوله عز وجل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: 29] إلى قوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] وكان من شأن أصحاب عيسى ابن مريم الحواريين فيما ذكر أن اليهود لما ظنوا أنهم قد قتلوا عيسى ابن مريم إذ تآمروا على قتله فألقى الله عز وجل شبهه على رجل من أصحابه فقتلوه وصلبوه، ورفع الله عز وجل عيسى إليه، أقبلوا على أصحابه الحواريين يقتلونهم ويعذبونهم بأنواع ليرعوهم عن الإيمان.
وبالله التوفيق.
حكم الأجراس في أعناق الإبل والحمير
في الأجراس في أعناق الإبل والحمير وسئل مالك عن الأجراس تعلق في أعناق الإبل والحمير فكره ذلك، فقيل له فالقلائد؟ فقال: ما سمعت بكراهيته إلا في الوتر.
قال ابن القاسم: لا بأس به في غير الوتر.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في أول رسم حلف فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
الاعتبار بطلوع الشمس وغروبها
في الاعتبار بطلوع الشمس وغروبها وسمعت مالكا يقول: كان بنجران رجل يصيح كل يوم: قطع البقاء مطالع الشمس ... وطلوعها من حيث لم تُمسِ وغروبها حمراء قانية ... وطلوعها صفراء كالورس فاليوم أعلم ما يجيء به غد ... ومضى بفعل قضائه أمس قال محمد بن رشد: قوله، والله أعلم، ما يجيء به غد، معناه الإنكار والتقرير على ذلك، إذ لا يمكن أن يقول ذلك أحد ولا يدعيه، وبالله التوفيق.
نزول عيسى ابن مريم
في نزول عيسى ابن مريم قال: وسمعت مالكا يذكر: بينما الناس ببلد إذ يسمعون الإقامة يريدون الصلاة فتغشاهم غمامة فإذا عيسى ابن مريم قد نزل.
قال محمد بن رشد: قد أعلم الله عز وجل في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن عيسى ابن مريم ما قتل ولا صلب، وأن الله
عز وجل رفعه إليه.
«وأخبر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إخبارا وقع العلم به أنه ينزل في آخر الزمان حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» . وفي بعض الآثار: «فيهلك الله في أيامه الملل كلها فلا يبقى إلا الإسلام وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الأسد مع الإبل والنمور مع البقر والذياب مع الغنم والغلمان مع الحيات فلا يضر بعضهم بعضا» .
صفة الأمر بالمعروف
في صفة الأمر بالمعروف وسمعت مالكا يقول: كان سعيد بن جبير يقول: إن لم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر حتى لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد إذا بشيء.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين أنه لا يسلم أحد من مواقعة الذنوب والخطايا، فقد ذكر الخضر لموسى - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -: واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات، واعمل خيرا فإنك لا بد عامل شرا، وهو نبي مرسل، فكيف بمن دونه من الناس، فليس من شرط الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون معصوما.
وشرائط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ثلاثة: أحدها: أن يكون عارفا بالمعروف والمنكر، لأنه إذا لم يكن عارفا لم يأمن أن يأمر بمنكر وينهى عن معروف، الثاني: أن يأمن أن يؤدي إنكاره إلى منكر أعظم منه، مثل أن ينهى عن شرب خمر فيؤدي ذلك إلى قتل نفس؛ والثالث: أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له، وأن أمره بالمعروف مؤثر ونافع، فإن لم يعلم ذلك ولا غلب على ظنه لم يلزمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالشرطان الأولان شرطان في الجواز، وهذا الشرط الثالث شرط في الوجوب.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الأعيان بالشرائط المذكورة، قال الله عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71] وقال عز وجل: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: 41] . وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليصرفن الله قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعن بني إسرائيل» . كان إذا عمل العامل منهم بالخطيئة نهاه الناهي تعزيرا فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس فلما رأى الله عز وجل ذلك منهم صرف قلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لساني نبييهم داوود وعيسى ابن مريم - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -. ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: 78] وبالله التوفيق.
الدعاء بالموت
في الدعاء بالموت وسئل مالك عن الذي يدعو بالموت فقال: ما أحب ذلك.
وقال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8]
قال ولعله يكون على حالة يرجوها أو يكره مصيبة فما أحب ذلك له.
قال محمد بن رشد: روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به وليقل اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي» فلا ينبغي لأحد أن يتمنى الموت لضر نزل به.
وأما إن كان على حال يرجوها وخاف الفتنة على نفسه في الدين فالدعاء بالموت مخافة الفتنة في الدين جائز، قد قال عمر بن الخطاب بالأبطح حين صدر من منى: اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مفرط ولا مضيع.
ودعا عمر بن عبد العزيز - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على نفسه بالموت مخافة التضييع فيما يلزمه القيام به من أمور المسلمين ورغبة فيما عند الله عز وجل وحبا في لقائه، على ما مضى في رسم البر.
ولم يحب مالك في هذه الرواية للرجل أن يفعل ذلك.
ووجه قوله ما يرجوه مع طول الحياة من أعمال البر لا سيما الصلاة، فقد «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الأخوين اللذين توفي أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة فذكرت فضيلة الأول عنده فقال: ألم يكن الآخر مسلما؟ قالوا: بلى يا رسول الله وكان لا بأس به، فقال: وما يدريكم ما بلغت به صلاته، وإنما مثل الصلاة كمثل نهر عذب غمر يقتحم فيه كل يوم خمس مرات فما ترون يبقي ذلك من درنه فإنكم لا تدرون ما بلغت به صلاته» . ومن الحظ للرجل أن يدعو إذا خاف التقصير في العمل أن يجعل مكان دعائه لنفسه بالموت أن يطول الله عز وجل عمره ويحسن عمله، لأن الخير كان للإنسان في أن لا يخلق، فإذا خلق أن
يتوفى صغيرا، فإذا لم يتوف صغيرا فأن يطول عمره ويحسن عمله.
وهذا مذكور في مناجاة موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وبالله التوفيق.
رد حكيم بن حزام العطاء
في رد حكيم بن حزام العطاء قال مالك: «إن حكيم بن حزام سأل النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، فقال له النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إن خيرا لك ألا تأخذ من أحد شيئا، قال: ولا منك يا رسول الله قال: ولا مني» . قال: فكان عمر بن الخطاب يعطيه عطاء فيأبى أن يقبله، فكان عمر يشهد عليه، فكان حكيم بن حزام يقول: قد رددته على من هو خير منك.
قال مالك: إنه إنما كان نهي عمر بن الخطاب حكيم ابن حزام أن لا يبيع حتى يستوفيه إنما هو في الطعام.
قال محمد بن رشد: إنما رد حكيم بن حزام عطاءه على عمر لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إن خيرا لأحدكم أن لا يأخذ من أحد شيئا قال: ولا منك يا رسول الله قال: ولا مني» . والمعنى في ذلك وإن كان جائزا أخذه لأنه حقه من بيت المال، فإذا تركه ولم يأخذه من الإمام العادل فقد آثر به على نفسه سواه ممن يعطاه.
ويكره للرجل أن يأخذ من أحد شيئا وإن كان من غير مسألة، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اليد العليا خير من اليد السفلى» . وقول مالك إن نهي عمر بن الخطاب لحكيم بن حزام أن لا يبيع ما ابتاعه حتى يستوفيه إنما هو في الطعام، هو نص الحديث في الموطأ أن حكيم بن حزام
ابتاع طعاما أمر به عمر بن الخطاب للناس فباع حكيم ابن حزام الطعام قبل أن يستوفيه فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فرده عليه وقال: لا تبع طعاما ابتعته حتى تستوفيه.
وهو مذهب مالك أن ما عدا الطعام من المكيل والموزون يجوز بيعه قبل استيفائه.
وما جاء عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من «نهيه عن ربح ما لم يضمن» معناه عنده في الطعام.
وقد مضى الوجه في ذلك في غير ما موضع من الديوان، وبالله التوفيق.
تفسير قوله تعالى يؤتي الحكمة من يشاء
في تفسير قَوْله تَعَالَى يؤتي الحكمة من يشاء قال مالك في تفسير: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 269] قال التفكر في أمر الله والاتباع له.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في أول رسم البر فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
رجوع الرجل على صدور قدميه في الصلاة
في رجوع الرجل على صدور قدميه في الصلاة قال مالك: ما رأيت أحدا ممن كنت أقتدي به يرجع على صدور قدميه في الصلاة.
قال محمد بن رشد: معناه فيما بين السجدتين، وهو كما قال لأن سنة الصلاة أن يكون جلوسه بين السجدتين كهيئة جلوسه في
التشهد.
وقد رأى المغيرة بن حكيم عبد الله بن عمر يرجع في سجدتين في الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف ذكر ذلك له فقال: إنها ليست سنة الصلاة وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي.
وقال في حديث آخر إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى والسنة إذا أطلقت فهي سنة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حتى تضاف إلى غيره كما قيل قبل سنة العمرين.
والرجوع على العقبين بين السجدتين هو الإقعاء المنهي عنه عند أهل الحديث.
وعند أهل اللغة جلوس الرجل على أليته ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع.
وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
ما كان عليه أصحاب رسول الله عليه السلام من شظف العيش
فيما كان عليه أصحاب رسول الله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من شظف العيش قال مالك: بلغني أن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «إن كنا لنقيم شهرا وما نوقد نارا، فقيل لها فما كنتم تعيشون به قالت: التمر، وكان جيران لنا من الأنصار لهم الغنم فكانوا يبعثون إلينا بالقدح والقدحين» . قال محمد بن رشد: قد مضى هذا المعنى والقول فيما يتعلق بذلك في بيان الأفضل، من الفقر أو الغنى في رسم نذر سنة.
من يعد في جملة الملوك
فيمن يعد في جملة الملوك وحدثني مالك عن عبد ربه بن سعيد أنه قال: يقال من كان له بيت يأوي إليه وخادم تخدمه وزوجة فهو من الملوك الذين قال الله تبارك وتعالى فيهم: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 20] .
قال محمد بن رشد: هذا صحيح في المعنى، لأن هذا هو الذي يحتاج إليه في الدنيا، وما زاد عليه فهو في غنى عنه.
وذلك مروي عن ابن عباس في تفسير الآية قال: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: 20] الزوجة والخادم والبيت.
وقال الحسن: الرجل ملك في بيته لا يدخل عليه إلا بإذن، فمن له مسكن وزوجة وخادم وما يقوم به في الإنفاق على نفسه وزوجه وخادمه فهو من الملوك، إذ لا حد لما زاد على ذلك.
وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه له قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» . فكيف لمن له مسكن وزوجة وخادم.
التفاضل بين الأنبياء
في أن بعض الأنبياء أفضل من بعض قال مالك: إن موسى قال يا رب ما لإبراهيم وإسحاق ويعقوب لا تذكر إلا ذكروا ولا يذكرون إلا ذكرت ولا أذكر كما يذكرون؟ قال إن إبراهيم ما عدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن
إسحاق جاد لي بنفسه فهو بما وراءها أجود، وإن يعقوب لم أبتله ببلاء إلا ازداد حسن ظن بي.
قال القاضي: في هذه الحكاية في سماع أشهب بعد هذا: قيل لمالك وما معنى قوله إذا ذكرت ذكروا فإن ذكروا ذكرت، قال: إذا ذكر الصالحون إنما يذكرون بذكر الله عز وجل وبطاعتهم له.
ومعنى هذا الذكر الذي أراد في الملأ الأعلى عند الملائكة والله أعلم.
وفيه أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: 55] . وفي قوله إن إسحاق جاد لي بنفسه يدل على أنه هو الذبيح لا إسماعيل.
وقد اختلف في ذلك حسبما يأتي القول به بعد هذا في هذا الرسم إن شاء الله، وبه التوفيق.
مس المرأة فرجها
في مس المرأة فرجها وسئل مالك عن مس المرأة فرجها، أترى عليها فيه وضوءا إذا مسته؟ فقال: ما سمعت فيه بوضوء.
فقيل له: فالرفغين والشرج والعانة؟ قال ما سمعت فيه بوضوء، وإنما سمعت في الذكر، وإني لأكره لمثل هذا أن يمس على وجه التقذر.
وقد كان بعض الملوك وأصاب الناس الطاعون فطعنت امرأة من أهل بيته، فقال: أين طعنت؟ فقال رجل تحت إبطها، فدخل عليه عمر بن عبد العزيز فسأله أين طعنت؟ فقال: تحت يدها كراهة أن يذكر إبطها، وكان يجتنب ما يكره من الكلام ويتبع حسن الكلام كأنه رأى الفرج والعانة والشرج والتنكب عنها من هذه الناحية.