البيان والتحصيلصفحات 194-233
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب السلم والآجال الثاني

صفحات 194-233
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أن يأبى دفع ذلك إليه، وليس له أن يتعجل قبض ذلك منه قبل الأجل، ولا أن يزداد عليه أكثر مما دفع إليه.
قال محمد بن رشد: جعل ابن القاسم تعدي البائع على السلعة وبيعها بالنقد بعد أن كان باعها بثمن إلى أجل إذا اختار المشتري الأول أن يجيز البيع ويأخذ الثمن الذي باعها به نقدا، أو القيمة إن كانت قد فاتت وهي أقل من الثمن الذي كان اشتراها به؛ بمنزلة إذا اشتراها منه بالنقد بعد أن كان باعها منه بثمن إلى أجل، وأنهما على القصد إلى دفع دنانير في أكثر منها إلى أجل؛ فقال إنه يقضى له على البائع إن كانت السلعة قد فاتت بالأكثر من الثمن الذي باعها به أو القيمة، ولا يأخذ منه عند الأجل إلا ذلك، ويطرح عنه الزائدة ويدخل في هذا من الاختلاف ما يدخل فيمن باع سلعة بثمن إلى أجل، ثم اشتراها بأقل من ذلك نقدا وفاتت السلعة؛ وذلك ثلاثة أقوال، أحدها هذا؛ والثاني أنه يفسخ البيع الأول إذا أبى المبتاع الأول من أخذ سلعته وأراد أخذ الثمن، أو فاتت وأراد أخذ القيمة؛ وإن كانت القيمة أكثر من الثمن، فلا يحكم له على البائع بشيء من ذلك ويسقط عنه الثمن؛ وهو الذي يأتي على ظاهر ما في رسم حلف من سماع ابن القاسم، وما في رسم القطعان من سماع عيسى.
والثالث الفرق بين أن تكون القيمة أو الثمن أكثر من الثمن الذي عليه إلى الأجل وأقل، فإن كان أقل فسخ البيع الأول وسقط عنه الثمن ولم يقض له بقيمة ولا ثمن؛ وإن كان أكثر، قضى له بأخذ القيمة أو الثمن؛ فإذا حل الأجل أدى ما عليه حسبما مضى القول فيه في رسم حلف المذكور، وقد قيل إن عدا البائع على السلعة، بخلاف شرائه لها، فلا يتهمان مع العداء، ويحكم له بأخذ الثمن أو القيمة إن كانت السلعة قد فاتت، ويكون عليه إذا حل الأجل الثمن الذي كان عليه وإن كان أكثر مما قبض من القيمة أو الثمن.

مسألة: يشتري من الرجل عبدا بمائة دينار إلى أجل

مسألة وقال ابن القاسم في الرجل " يشتري من الرجل عبدا بمائة دينار إلى أجل، وللمشتري على البائع مائة مثلها إلى ذلك الأجل أو حالة، فاستقال المشتري البائع من العبد، فقال البائع لا أقيلك إلا أن تضع عني المائة الدينار التي لك علي؛ فقال المشتري قد فعلت؛ إن ذلك جائز؛ لأنه رجل قضاه ما له عليه من المائة الدينار، وزاده مع القضاء عطية العبد؛ وإنما يجوز ذلك إذا كانت المائة التي للمشتري على البائع حالة أو إلى أجل ثمن العبد، وكان ما لكل واحد منهما على صاحبه متكافئا؛ ألا ترى أنها إذا كانت حالة، فقد عجل له قضاء مائة محاها عنه بمائة كانت له عليه إلى أجل، وأعطاه العبد بلا ثمن أخذه منه؛ وكذلك أيضا إذا كانت إلى أجل ثمن العبد، فهو يمحو عنه المائة بالمائة التي قبله ويزيده العبد بلا ثمن؛ ولم يدخل ذلك شيء من المكروه، قال وإن كان للمشتري قبل البائع أكثر من المائة التي عليه من ثمن العبد حالة أو إلى أجل ثمن العبد؛ فاستقاله على أن وضع ذلك عنه، فهو مثل ما وصفنا من المسألة الأولى حلال جائز؛ قال وإن اختلفت الآجال، فكان الذي بكل واحد على صاحبه مثل الذي لصاحبه عليه أو أقل أو أكثر، لم يصلح له أن يقيله على أن يفسخ المشتري عن البائع دينه الذي له عليه؛ وذلك أن يبيع الذهب بالذهب إحداهما معجلة والأخرى إلى

أجل يدخله؛ ألا ترى أنه إذا كانت مائة المشتري على البائع إلى شهر، وقد وجبت عليه مائة من ثمن العبد إلى سنة، فاستقاله على أن محا عنه المائة التي إلى شهر، فإنما اشترى المائة التي عليه إلى سنة بالعبد الذي رد، وبمائة يقاصه بها إلى شهر؛ وكذلك إن كانت مائة المشتري على البائع إلى أبعد من أجل ثمن العبد لم يصلح أيضا، ولا تصلح هذه الإقالة على فسخ ما للمشتري على البائع حتى يكون حقه حالا أو إلى أجل ثمن ما اشترى.
قال محمد بن رشد: أما إذا كانت مائة المشتري على البائع حالة، فجواز ذلك بين لا أشكال فيه؛ لأن المبتاع عجل للبائع المائة التي عليه إلى أجل، إذ أعطاه بها المائة التي له عليه حالة؛ وله أن يعجلها فعجل له ما من حقه تعجيله وزاده مع التعجيل عطية العبد، وكذلك إن كان الذي للمشتري على المائع أكثر من مائة؛ لأنه عجل له حقه ووضع عنه الزائد، وزاده عطية العبد، وأما إن كان الذي للمشتري على البائع أقل من مائة، فلا يجوز بحال؛ لأن البائع يصير قد أخذ من المائة التي له أقل من مائة والعبد، فيدخله عرض وذهب بذهب إلى أجل، وضع وتعجل؛ وأما إذا كانت المائة التي له عليه إلى أجل ثمن العبد، فقال إن ذلك جائز؛ لأنه محا عنه المائة بالمائة، وزاده العبد؛ وفي ذلك من قوله نظر؛ لأن محو المائة عنه بالمائة ليس من حقه، فصار البائع إنما أجابه إلى المقاصة على أن أخذ منه العبد؛ ولعله خشي هو إن لم يقاصه أن يقوم عليه الغر ماء قبل حلول الأجل، فيتحاص معهم في المائة التي عليه؛ فرضي أن يعطيه العبد على أن يقاصه بالمائة في المائة، ليتخلص بالمائة التي عليه دون الغرماء، فيدخله ذهب وعرض بذهب؛ وهذا بين، فلا فرق في القياس بين أن تكون مائة المشتري على البائع إلى أجل ثمن العبد، أو إلى دونه إذا لم تكن حالة؛ وأما إذا كانت المائة التي للمشتري على البائع إلى أبعد من أجل

ثمن العبد، أو إلى دونه؛ فالمكروه في ذلك بين؛ لأنه أخذه بالمائة التي وجبت عليه من ثمن العبد إلى أن يحل أجل المائة التي عليه، فتكون مقاصة على أن يعطيه العبد فتدخله الزيادة في السلف وبيع ذهب وعرض بذهب إلى أجل.

مسألة: يبيع من الرجل السلعة بعشرة دنانير إلى شهر وبثوب نقدا

مسألة وسألته عن الرجل يبيع من الرجل السلعة بعشرة دنانير إلى شهر وبثوب نقدا على أن يسلف المشتري البائع عشرة دنانير إلى أجل ثمن السلعة، ففاتت السلعة أو لم تفت؛ فقال: أما إذا كان السلف شرطا في أصل البيع إلى أجل ثمن السلعة بعينه، وعلى أن يتقاضى بما صار لكل واحد منهما على صاحبه فلا بأس به، ولا يفسخ البيع، فاتت السلعة أو لم تفت؛ وذلك أن فعلهما وقع على وجه الحلال وإن قبح كلامهما؛ ألا ترى أنه إنما اشترى السلعة بعشرة دنانير نقدا وبثوب نقدا؛ لأن أجل السلف وأجل ثمن السلعة واحد؛ فهذا إذا حل الأجل لم يكن لواحد منهما على صاحبه شيء؛ قلت فإن باعها إياه بعشرة إلى شهر وبثوب نقدا على أن يسلفه خمسة دنانير إلى ذلك الأجل؟ قال وهذا أيضا مثل الأول لا بأس به، إنما باعها إياه بخمسة وثوب نقدا، وبخمسة إلى أجل؛ قال فإن اختلفت الآجال، لم يجز البيع؛ لأنه يصير بيعا وسلفا؛ ألا ترى لو باعه إياها بعشرة إلى شهر على أن يسلفه المشتري عشرة إلى شهرين أو إلى عشرين يوما، أن كل واحد منهما يقتضي حقه من صاحبه عند محل أجله، ولا تصلح فيه المقاصة لاختلاف الآجال، فهو البيع والسلف؛ فإن لم تفت السلعة، فسخ البيع وردت؛ وإن فاتت رد السلف ونقض البيع، وصيرت السلعة إلى قيمتها يوم قبضها؛ قلت أرأيت إن باعها إلى شهر بعشرة دنانير على أن يسلفه مائة درهم إلى شهر والصرف

عشرة دراهم بدينار؛ قال هذا لا خير فيه ذهب بوزن إلى أجل.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال إن الآجال إذا اختلفت يدخله بيع وسلف، إذ لا تكون في ذلك مقاصة، لاختلاف الآجال؛ وأما قوله إن السلعة إن لم تفت فسخ البيع وردت، وإن فاتت رد السلف ونقض البيع وصيرت السلعة إلى قيمتها يوم قبضها؛ فالظاهر منه أن البيع يفسخ على كل حال- ما كانت السلعة قائمة، ولا يكون في ذلك خيار لمشترط السلف، وتكون فيها القيمة إن فاتت بالغة ما بلغت؛ ومثله في العشرة ليحيى عن ابن القاسم على حكم البيع الفاسد لغرر يكون فيه، أو فساد في ثمن أو مثمون، خلاف المشهور في المذهب من أنه لا يفسخ إذا أرضى مشترط السلف بتركه على مذهب سحنون، أو رده على مذهب ابن القاسم إن كان قد قبضه.
يريد ما لم يمض أجله، أو مقدار ما يرى أنه أسلفه إليه؛ فإن فاتت السلعة كان فيها الأكثر من القيمة، أو الثمن إن كان البائع هو مشترط السلف، أو الأقل من القيمة، أو الثمن إن كان المشتري هو مشترط السلف على البائع حكم بيوع الثنيا في المشهور من الأقوال فيها؛ وقد قيل إن البائع إن كان هو مشترط السلف وفاتت السلعة، كان فيها الأكثر من القيمة أو الثمن، ما لم تكن القيمة أكثر من الثمن والسلف، فلا يزاد البائع على ذلك شيئا؛ وإن كان المشتري هو مشترط السلف على البائع، كان فيها الأقل من القيمة أو الثمن، ما لم تكن القيمة أقل من الثمن بعد أن يطرح منه السلف، فلا ينقص المبتاع من ذلك شيئا، وهو قول أصبغ؛ ويتخرج في المسألة قول ثالث وهو أن يرجع مشترط السلف منهما على صاحبه بقدر ما نقصه أو زاده بسبب الشرط؛ ووجه العمل في ذلك، أن تقوم السلعة بشرط السلف ودون شرط، فيؤخذ اسم ما بين القيمتين من الثمن، ويرجع بذلك البائع على المبتاع إن كان هو مشترط السلف؛ والمبتاع على البائع إن كان هو مشترط السلف؛ وقال سحنون إذا قبض السلف وغيب عليه، فقد تم الحرام بينهما ووجب فسخ البيع على كل حال ما كانت السلعة قائمة؛ وأن تكون فيها القيمة بالغة ما بلغت إذا كانت قد فاتت، هو مذهب ابن حبيب، ووجه رواية يحيى أن البيع والسلف يؤول الأمر فيه إلى

الفساد في الثمن أو المثمون؛ لأن البائع إن كان هو مشترط السلف على المبتاع، فكأنه قد باع منه سلعة نجما سمى من الثمن، وبما يربح في السلف إلى الأجل الذي سمى السلف إليه؛ وإن كان المبتاع هو مشترط السلف على البائع، فكأنه قد اشترى منه السلعة وما يربح في السلف بما سمى من الثمن؛ فوجب أن يفسخ البيع على كل حال في القيام، وأن تكون فيه القيمة بالغة ما بلغت في الفوات؛ ووجه القول الثاني أن السلف قد لا يزيده مشترطه ليتجر به، وإنما يزيده لغير ذلك من الوجوه، فلا يؤول ذلك إلى فساد في الثمن ولا في المثمون، ويكون البيع على ذلك من بيوع الثنيا؛ وأما إذا اشترى السلعة بعشرة دنانير إلى شهر على أن يسلف للبائع مائة درهم إلى ذلك الأجل، والصرف عشرة دراهم بدينار؛ فإن الجواب فيها سقط من بعض الروايات، وثبت في بعضها وهو صحيح، إذ لا يوجب الحكم المقاصة بالدينار من الدراهم؛ ولو وقع البيع بشرط المقاصة، لوجب أن يجوز وإن قبح اللفظ؛ لأن مآل أمرهما إلى أن باع منه السلعة بمائة درهم نقدا، وقد قال ذلك ابن أبي زيد.

مسألة: خل التمر بنبيذ التمر

مسألة قال ابن القاسم لا يصلح خل التمر بنبيذ التمر إلا مثلا بمثل لأن حالهما متقاربة؛ ولا خل التمر بنبيذ الزبيب إلا مثلا بمثل؛ لأن منفعتهما متقاربة.
قال محمد بن رشد: لم يجز في هذه الرواية خل التمر بنبيذ التمر إلا مثلا بمثل، وكذلك على قياس قوله لا يجوز خل الزبيب بنبيذ الزبيب إلا مثلا بمثل؛ وإذا لم يجز خل التمر بنبيذ التمر، ولا خل الزبيب بنبيذ الزبيب متفاضلا، لقرب ما بينهما؛ وكان التمر بنبيذ التمر، والزبيب بنبيذ الزبيب، لا يجوز على حال، لقرب ما بينهما؛ وجب ألا يجوز خل التمر

بالتمر، ولا خل الزبيب بالزبيب على حال أيضا، لقرب ما بينهما؛ بخلاف خل العنب بالعنب، وهو نحو قول ابن الماجشون؛ لأنه لم يجز خل التمر بالتمر إلا في اليسير، ومنع منه في الكثير؛ وكذلك الرقيق بالحنطة عنده، رواه أبو زيد عنه، خلاف ما في المدونة من أن خل التمر بالتمر متفاضلا جائز، كخل العنب بالعنب؛ والفرق بين خل العنب بالعنب، وبين خل التمر على هذه الرواية، ما قيل إن خل التمر والزبيب والتين تخليله متقارب، بخلاف خل العنب؛ والى هذا ذهب الفضل، واستحسن هذه الرواية لهذا المعنى؛ ويحتمل أن يفرق بين المسألتين بأن يقال إن النبيذ لا يصلح بالتمر لقرب ما بينهما، ولا بالخل إلا مثلا بمثل، لقرب ما بينهما أيضا، ويصلح التمر بالخل لأنه يبعد ما بينهما، وذلك أن الخل والتمر طرفان بعيد ما بينهما، فيجوز التفاضل بينهما؛ والنبيذ واسط بينهما يقرب من كل واحد منهما، فلا يجوز بالتمر على حال، ولا بالخل إلا مثلا بمثل، وهذا أظهر لما وقع في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع في بعض الروايات من أنه لا بأس بخل التمر بالتمر، ولا يجوز النبيذ بالتمر، ففرق بين المسألتين؛ فلا يكون على هذا التأويل ما في المدونة من جواز الخل بالتمر مخالفا لقوله في هذه الرواية إنه لا يصلح خل التمر بنبيذ التمر إلا مثلا بمثل، وأما خل التمر بنبيذ الزبيب، فإنما لم يجز إلا مثلا بمثل، من أجل أن أحوالهما متقاربة، لا من أجل أن منفعتهما متقاربة كما قال في الرواية؛ فالجواب صحيح،

والتعليل غير صحيح؛ لأن منفعة الخل متباينة لمنفعة النبيد.

مسألة: يبيع الدار بثمن إلى أجل على أن يسكن الدار سنة

مسألة وسئل عن رجل يبيع الدار بثمن إلى أجل على أن يسكن الدار سنة، أترى الدين بالدين يدخل هذا؟ فقال: أما السكنى القريب والأشهر اليسيرة، فلا بأس به؛ قال وقد سمعت مالكا وربما خفف السنة وهو أبعد ذلك عندي.
قال محمد بن رشد: لم يخفف إلا الأشهر والسنة، وكره ما هو أبعد من ذلك، من أجل أن الدين بالدين يدخله عنده في البعيد، ولا مدخل للدين بالدين في ذلك؛ لأن ضمان الدار من المشتري، وإن استثنى البائع سكناها؛ ولو كان الضمان فيها من البائع إلى انقضاء استثنائه، لما دخل ذلك أيضا الدين بالدين إلا على قياس رواية أصبغ التي تقدمت في رسم أوصى من سماع عيسى، وذلك خلاف لما في المدونة؛ فلا فرق في هذا بين أن يشتري الدار بدين أو أن ينقده، وإنما كره مالك أن يستثنى سكنى أكثر من السنة.
لأنه رأى أن الدار يتغير بناؤها إلى هذه المدة، فلا يدري المشتري كيف ترجع إليه الدار التي اشترى؛ فهذا هو الأصل في هذه المسألة، أنه يجوز للبائع أن يستثني من المدة ما يؤمن تغيير بناء الدار فيها؛ وفد اختلف في حد ذلك اختلافا كثيرا، فلابن شهاب في المدونة إجازة ذلك العشرة الأعوام، ومثله لابن القاسم في كتاب ابن المواز؛ ويقوم ذلك من كتاب العارية من المدونة؛ لأنه أجاز فيه أن

يعير الرجل الرجل الأرض على أن يبني فيها ويسكنها عشر سنين إذا بين البنيان ما هو، وهو قول المغيرة؛ وأجاز ذلك سحنون في سماع أبي زيد من كتاب طلاق السنة في الخمسة الأعوام، وقد روى ابن وهب عن مالك السنة ونصف؛ وينبغي أن ينظر في هذا إلى حسن البناء وتحصينه، فرب بناء يتغير إلى المدة القريبة، ورب بناء لا يتغير المدة الطويلة.
وأما بيع الأرض واستثناؤها أعواما، فهو أخف يجوز في العشرة الأعوام؛ وهو قول ابن القاسم في أول سماع أصبغ من كتاب الحبس، ومثله في كتاب ابن المواز؛ وقال المغيرة يجوز في ذلك السنين ذوات العدد، ولا يجوز في الدار إلا العشر سنين ونحوها؛ ولابن القاسم في المدنية لا يجوز ذلك في الأرض ولا في الدار أكثر من السنة، وهو بعيد وشاذ في الأرض، والله الموفق.

أسلف رجلا حنطة حالة أو إلى أجل ثم اشتراها منه بنقد أو إلى أجل

ومن كتاب المكاتب وسئل عن رجل أسلف رجلا حنطة حالة أو إلى أجل، ثم اشتراها منه بنقد أو إلى أجل، فقال: أما إذا كانت الحنطة على المستسلف حالة، فلا بأس أن يشتريها منه بنقد؛ وذلك أن حنطته رجعت إليه وأعطاه دينارا بحنطة أخرى يقبضها حالة؛ قلت أما تراه الآن سلف في طعام مضمون إلى غير أجل؟ فقال قد يدخله ما ذكرت لك، وما كنت آمر أحدا بمثل هذا ولا أبلغ تحريمه ولا قسطه؛ لأن مالكا قال لنا لا بأس بالتسليف في

الطعام إلى اليومين والثلاثة، فإذا وقع ما سألت عنه أجزته، ولا آمر بالعمل به قبل أن يقع؛ وأما إذا كان الطعام إنما استسلفه إلى أجل ثم اشتراه المسلف بثمن إلى أجل، فهذا لا يحل؛ لأنه بيع الدين بالدين، صار أن رجع إليه طعامه بعينه وأوجب على نفسه ثمنا إلى أجل بطعام يقبضه إلى أجل، فهذا لا يحل؛ وإن كان أسلفه الطعام إلى أجل واشتراه بالنقد، فلا بأس به؛ لأن طعامه قد رجع إليه بعينه، وأعطاه ثمنا نقدا يأخذ به طعاما إلى أجل، فهو كالتسليف الصحيح.
قال محمد بن رشد: هذا الرسم بجملة المسألة التي فيه وقع فيه بعض الروايات، وكان يمضي لنا عند من أدركنا من الشيوخ أنه يقوم منها إجازة السلم الحال إذا وقع، وليس ذلك بصحيح؛ لأنه لم يقع فيها مقصودا إليه، ولو وقع مقصودا إليه بأن يسلم الرجل إلى الرجل دنانير في طعام يكون له حالا عليه يأخذ؛ به متى أحب، لما أجازه والله أعلم؛ لأنه من بيع ما ليس عندك، وقد مضى القول في بيع ما ليس عندك مستوفى في رسم حلف من سماع ابن القاسم؛ وقد قال أشهب إنه إنما كره من أجل أنه كأنه قيل له خذ هذه الدنانير فاشتر بها كذا وكذا، فما زاد فلك، وما نقص فعليك، فتدخله المخاطرة والغرر؛ وإنما أجازه؛ لأنهما فعلا فعلين جائزين صحيحين في الظاهر: قرض وابتياع، فلم يتهمهما على القصد إلى استجازة السلم الحال، إذ بعدت التهمة عنده عليهما في ذلك، فلم يفسخ ما آل أمرهما إليه في ذلك من السلم الحال وإن كان يفسخه لو فعلاه

ابتداء، وقد مضى نحو هذا المعنى في رسم أسلم، ورسم يدير ماله من سماع عيسى، وبالله التوفيق:

يسلف مائة دينار في قمح إلى أجل ويبيع القمح بمائة دينار إلى أجل سنة

من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم وأشهب.
قالا سحنون وسئل أشهب عن الرجل يسلف مائة دينار في قمح إلى أجل، ويبيع القمح بمائة دينار إلى أجل سنة؛ فإذا حل الأجل، أقيل كل واحد منهما مما عليه، فلم يدفعا ما أقيلا به حتى طال ذلك؛ لم يدفع الذي اشترى الطعام بمائة إلى أجل لما أقيل من الطعام- الطعام حتى تباعد ذلك بشهر أو نحوه، ولم يدفع الذي أعطى الدنانير في قمح إلى أجل الدنانير لما أقيل حتى تباعد ذلك بشهر أو نحوه؛ قال الإقالة جائزة ولا تبطل وإن طال، إلا أن يكونا أخرا ذلك صنعا له؛ فتكون الإقالة باطلة، ويكون على الذي أعطى الدنانير في قمح قمح كما هو، وعلى الذي اشترى القمح بدنانير، دنانير كما هي.
قال محمد بن رشد: قول أشهب هذا خلاف قول ابن القاسم وروايته عن مالك في السلم الثالث من المدونة؛ لأنه لم يجز فيه أن يتأخر ما أقاله فيه يوما ولا ساعة بشرط ولا بغير شرط كالصرف، وهو أظهر من قول أشهب؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن بيع الدين بالدين»، وعن

بيع الطعام قبل أن يستوفى كما نهي عن التأخير في الصرف.
وقد أجمعوا أنه لا يجوز التأخير في الصرف بشرط ولا بغير شرط، فوجب أن يرد ما اختلفوا فيه من فسخ الدين في الدين إلى ما اتفقوا عليه في الصرف، وقد مضى في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف تفصيل القول فيما تأخر من الصرف.

مسألة: يسلف في طير أحياء مائة طير وهي مما لا تستحيى

مسألة قال وسألت ابن القاسم عن الرجل يسلف في طير أحياء مائة طير وهي مما لا تستحيى، فإذا حل الأجل أخذ في صنفها دونها أقل عددا، فلا بأس به؛ وإن أخذ من غير صنفها أقل عددا فلا خير فيه، إلا أن يأخذ دونها في العدد من غير صنفها من الطير مما لا يستحيى يتحرى أن يكون بقدر المائة.
قلت له فما تقول في المذبوح منه بالحي وكل ما لا يستحيى؟ قال هذا الأخير فيه، وهو الحي بالميت الذي كره، وإنما يجوز أن يشتري بعضه ببعض إذا كانت أحياء يتحرى أن يكون مثلا بمثل.
قال محمد بن رشد: قوله إنه إذا أسلم في طير أحياء مما لا يستحيى أنه يجوز له إذا حل الأجل أن يأخذ من صنفها دونها أقل عددا، فهو مما لا اختلاف فيه عند جميعهم؛ لأنه أخذ من صنف ما سلم فيه أدنى في الصفة وأقل عددا، فوجب أن يجوز كمن سلم في مائة إردب محمولة، فأخذ لما حل إلا جل خمسين محمولة أدنى من صفة التي سلم فيها؛ ولو كان ذلك

قبل الأجل لما جاز، وأما إذا أخذ من غير صنفها أقل عددا، فقوله إن ذلك لا يجوز إلا أن يكون بقدر التي له على التحري.
يريد بعد حلول الأجل، هو على أصله الذي قد تقدم له في آخر رسم باع شاة، وفي أول رسم حبل حبلة من سماع عيسى من أن مسألة الحياة التي فيما لا يستحيى غير مرعية عنده إلا مع اللحم من صنفه، وأشهب يراعيها في كل حال، فيحكم لها بحكم العروض؛ فيجوز على مذهبه أن يأخذ من صنفها بعد حلول الأجل أقل أو أكثر، ولا يأخذ قبل الأجل من صنفها إلا مثل ما له، لا أقل ولا أكثر، ويأخذ من غير صنفها ما شاء، وقول ابن القاسم إن الحي منها بالمذبوح لا يجوز على حال، هو على أصله المذكور في مراعاة حياتها مع اللحم للحديث، وقد مضى بيان ذلك كله في رسم حبل حبلة المذكور، فلا معنى لإعادته.

مسألة: يعطي الرجل مائة دينار في مائة إردب قمح يأخذ كل يوم أو إردبا

مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل يعطي الرجل مائة دينار في مائة إردب قمح، أو مائة كبش موصوفة يأخذ كل يوم كبشا أو إردبا؛ قال لا بأس بذلك، وكذلك قال مالك في الذي يعطي الحناط دينارا على أن يأخذ منه خمسة عشر صاعا، يأخذ كل يوم صاعا، قلت له فإن سلف فيها إلى خمسة أيام يأخذها؟ قال ولو وقع لم أفسخه، وأنا أتقيه؛ واحتج بقول مالك في الرجل يشتري الزرع وقد أفرك، فيفوت ذلك وييبس؛ قلت (له) فإن

مرض المسلف إليه أو فلس؟ قال فهو ضامن عليه، قلت له وإن كان رأس المال إلى أجل ولم يقدمه؟ قال لا بأس به.
قلت له ولم لا يكون هذا دينا في دين؟ قال هذا ليس من ذلك.
قلت له فالجزار إن مات أو مرض أو فلس؟ فقال الجزار ليس هو مثل هؤلاء، الجزار إن مرض مرضا بينا وجاء عذر بين، فسخ ما بقي.
وقال غيره لا يجوز في مسائل في الطعام والغنم إلا لمن كان ذلك عنده، فأما إن كان ليس عنده، فهو لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: أما الذي سلم مائة دينار في مائة إردب أو في مائة كبش على أن يأخذ كل يوم كبشا من ثاني يوم سلمه، فإنما جاز ذلك من أجل أن ما تعجل من الأرادب أو الكباش قبل الأجل الذي يجوز إليه السلم على المشهور من قول مالك إنه لا يجوز إلا إلى أجل ترتفع فيه الأسواق وتنخفض، يسير في جنب ما يتأخر منها؛ وأما إجازة مالك أن يسلم الرجل دينارا إلى الحناط على أن يأخذ منه خمسة عشر صاعا صاعا كل يوم؛ فيحتمل ذلك وجهين، أحدهما أن يكون إنما أجاز ذلك على قوله الذي رجع إليه من إجازة السلم إلى اليومين والثلاثة.
والثاني أن يكون معنى المسألة إنما دفع إليه الدينار على أن يأخذ منه خمسة عشرة صاعا كل يوم صاعا بعد أجل سمياه؛ وأما إجازة ابن القاسم السلم إلى خمسة أيام إذا وقع، فقد بين أنه إنما أقاله مراعاة للاختلاف في ذلك؛ واحتج لما ذهب إليه من مراعاة الخلاف بمراعاة مالك له في الذي يشتري الزرع قبل أن ييبس وقد أفرك، أنه لا يفسخه إذا فات باليبس، مراعاة لقول من أجاز بيعه إذا أفرك قبل أن ييبس؛ وقد قيل إن العقد فيه فوت مراعاة للاختلاف، وقد قيل إن القبض فيه فوت، وقد قيل إنه يفسخ ما لم

يفت بعد القبض، وهو ظاهر ما في السلم الأول من المدونة؛ وأما قوله إن السلف إليه ضامن لما عليه إن مرض أو فلس، وإن رأس المال إن كان مؤخرا إلى أجل فلا بأس به، ولا يكون ذلك دينا في دين؛ فإنما تكلم في السلم الذي أجازه فقهاء المدينة ولم يروه من الدين بالدين، واشتهر ذلك في فعلهم حتى صار يسمى بيعة أهل المدينة؛ ذكر ذلك مالك عن عبد الرحمن بن المجبر عن سالم بن عبد الله، أنه قال كنا نبتاع اللحم كذا وكذا رطلا بدينار، نأخذ كل يوم كذا وكذا رطلا والثمن إلى العطاء، فلم ير أحد ذلك دينا بدين، ولم يروا به بأسا؛ فهذا أجازه مالك وأصحابه اتباعا لما جرى عليه العمل بالمدينة بشرطين، أحدهما أن يشرع في أخذ ما سلم فيه.
والثاني أن يكون أصل ذلك عند المسلم إليه على ما قال غير ابن القاسم ههنا، فليس ذلك بسلم محض؛ ولذلك جازتا خير رأس المال فيه، ووجب فسخه إن مرض أو مات أو فلس، ولا يشترى شيء بعينه حقيقة، ولذلك جاز أن يتأخر قبض جميعه إذا شرع في قبض أوله؛ وقد روي عن مالك أنه لم يجز ذلك، ورآه دينا بدين؛ قال وتأويل حديث ابن المجبر أن يجب عليه ثمن ما يأخذ كل يوم إلى العطاء، وإجازة ذلك على الشرطين المذكورين، هو المشهور في المذهب، وعليه تكلم في هذه الرواية.
وقوله فيها إن المسلف إليه ضامن لما عليه، معناه إذا انتقد وكان الذي عليه مما يمكنه دفعه مع مرضه

أو فلسه، أو لا يمكنه ذلك، ويمكن المسلم تخيره بما وجب له عليه حتى يأخذه جملة من غير ضرر يكون عليه في ذلك؛ وأما إذا لم ينتقد أو كان قد انتقد وكان الذي سلم إليه فيه مثل اللحم الذي لا يمكنه أن يوفيه كل يوم شرطه منه مع مرضه؛ وإن أخره حتى يأخذه جملة، أضر ذلك بالمسلم، إذ الغرض منه إنما هو أخذه رطبا يوما بيوم، فيفسخ السلم بمرضه أو موته أو فلسه، ويأخذ منه بقية رأس ماله في المرض والموت، وما يجب له منه في التفليس بالمحاصة، فهذا وجه تفرقة مالك بين الجزار وغيره.

مسألة: يشتري من الرجل عبدا بعشرة دنانير إلى أجل

مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل يشتري من الرجل عبدا بعشرة دنانير إلى أجل، فيتعدى عليه البائع فيبيعه بخمسة دنانير نقدا أو بدراهم نقدا أو بطعام نقدا أو إلى أجل، قال إذا باعه بعشرة دنانير، فإن خيف أن يكون إنما أراد به وجه الذريعة، مثل أن يكون لا يبصر البيع، أو مثل أن يكون يريد عنته، فلا بأس أن يجيز البيع؛ وإن خيف فلا أحبه، وأرى أن يفسخ البيع، وأما إن باعه بطعام نقدا، فأراد أن يأخذ الطعام فذلك له.

قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في أول سماع يحيى مستوفى، فلا معنى لإعادته.

مسألة: لا تشترى الحيتان الكبار إلا بعدد ولا تشترى جزافا في أحمال ولا صبر

مسألة قال ابن القاسم لا تشترى الحيتان الكبار إلا بعدد، ولا تشترى جزافا في أحمال ولا صبر، والحيتان الصغار تشترى جزافا في الظروف إذا عرف عدد الظروف، وهو خلاف القثاء والبطيخ في أحماله وإن كان عظيما، فلا بأس أن يشترى البطيخ (مصبرا) جزافا والقثاء.
قال محمد بن رشد: لم يجز أن تباع الحيتان الكبار جزافا لا في أحمال ولا في صبر، وأجاز أن يباع البطيخ والقثاء وإن عظم في أحماله ومصبرا؛ لأن القثاء والبطيخ لا تعظم حتى يكون في الحمل الواحد منها ما لا يشق عدده، والحيتان إذا عظمت جدا لا يكون في الحمل الواحد منها ما يشق عدد، فأصل هذا أنه لا يجوز أن يباع جزافا ما يعد عددا مما لا مؤنة في عدده من كبير إلا شياء، فالحيتان الكبار والخشب الكبير الملقى بعضه على بعض، والظروف المملوءة من الحيتان الصغار والسلال المملوءة من الفواكه وشبه ذلك؛ كما لا يجوز أن تباع الثياب والعروض والحيوان من الإبل والبقر والدواب والغنم جزافا؛ لأن ترك عدد ذلك وشراءه جزافا من المخاطرة والغرر، وإنما يجوز بيع الجزاف فيما عدا الدنانير والدراهم مما يوزن أو يكال أو يعد من صغار الأشياء كالرمان والفرسك وشبه ذلك؛ لأن الكثير من ذلك يشق كيله أو وزنه أو عدده،

والقليل منه يراه ويحزره ويحيط به بصره، فلا غرر في ذلك إلا في الحيتان الصغار في الماء والطير الصغير في الأقفاص؛ لأنه يتداخل بعضه في بعض، فلا يحيط بصره بحزره؛ وإنما يجوز بيع الجزاف فيما وصفنا أنه يجوز بيعه جزافا إذا لم يعلم البائع كيل ما يكال من ذلك، ولا وزن ما يوزن منه، ولا عدد ما يعد منه؛ فإن علم ذلك وكتمه المبتاع، كان المبتاع بالخيار كالعيب يجده فيما ابتاع؛ وكذلك لو علم ذلك المبتاع ولم يعلمه البائع ثم اطلع بعد البيع أن المبتاع قد كان علم ذلك، لكان له الخيار؛ ولا يكون لذلك حكم البيع الفاسد، إلا أن يقول البائع أنا أعرف كيل ذلك، أو وزنه أو عدده؛ فأنا أبيعكه جزافا ولا أعلمك بذلك فيرضى به المشتري ويشتري على ذلك، فيكون البيع على هذا فاسدا، قاله ابن حبيب.

مسألة: يبيع من الرجل سلعة بخمسين إلى أجل ثم يتعدى عليه البائع فيبيعها بأربعين

مسألة قال ابن القاسم عن الرجل يبيع من الرجل سلعة بخمسين دينارا إلى أجل، ثم يتعدى عليه البائع فيبيعها بأربعين دينارا نقدا، قال: إن كانت قائمة فأحب المشتري أن يجيز البيع ويأخذ أربعين دينارا، كان ذلك له؛ وإن أبى، فسخ؛ قلت فإن كانت فائتة؟ قال فإن أحب أخذ القيمة، وإن أحب أخذ الثمن؛ قلت له: فإن كانت القيمة أربعين أو خمسة وأربعين؟ قال: إن ذهبت إلى القياس، أخذت القيمة وأغرمته خمسين إذا حل الأجل، ولكني أتهمهم

أن يكونوا أرادوا الربى، فأغرم البائع القيمة إن كانت أربعين أو خمسة وأربعين، فإذا حل الأجل جعلته يرجع بما أخذ لا أكثر، قلت له فإن كانت القيمة ستين؟ قال تؤخذ الستون منه، فإذا حل الأجل أعطى خمسين.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في أول سماع يحيى مستوفى فلا معنى لإعادته.

مسألة: باع طعاما بثمن إلى أجل على أن ينقده دينارا

مسألة قال سحنون: قال ابن القاسم في مسألة العينة في الذي باع طعاما بثمن إلى أجل على أن ينقده دينارا، إنما كرهه كأنه قال له بع من هذا الطعام بدينار فاعطني، وما بقي من الطعام فهو لك بما بقي من الثمن إلى أجل؛ قلت فإن كان أعطاه دينارا من عنده؟ قال وإن كان أعطاه دينارا من عنده فهو يخلفه من الطعام، وهذا وجهه؛ قال أصبغ وكذلك قال أشهب في الرجل يبيع الدار ويشترط أنها رهن في يديه إلى ذلك الأجل، فلا خير فيه؛ وهو عندي كمسألة العينة يعينها بثمن إلى أجل على أن يعجل له منه شيئا إذا كان من أهل العينة، فكأنه باعهما بعد الخمسة من السلعة بباقي الثمن، فهو خطار؛ وقد ردت على مالك واستنكرت عليه فلما أكثروا عليه فسر لهم هذا التفسير، ثم قال لهم على إثر التفسير: والحجة حين أكثروا عليه ليس أنا قلته، قاله ربيعة وابن هرمز؛ وكذلك مسألة أشهب في الرهن يصير لا خير فيه، وذلك أنه إذا حل الأجل وأعسر بالثمن بيعت، فإن كان فيها

نقصان، فعلى المشتري، وإن كان فيها فضل فله؛ فكأنه باعه دارا لا يقبضها على أن يبيعها بثمن سماه له إلى أجل على أن يضمن له ما نقص، ويكون له ما زاد؛ فهذا القمار، وسواه في هذا كانا من أهل العينة أو لم يكونا؛ قال أصبغ فإن وقع، فمفسوخ بينهما؛ وإن بيعت قل ذلك، فالزيادة والنقصان لرب الدار وعليه؛ كالذي يبيع السلعة على أن لا نقصان عليه فقد جعله مالك هكذا بمنزلة الأخير، وهذا مثله في رأيي.
قال محمد بن رشد: أما الذي باع من أهل العينة طعاما أو شيئا بثمن إلى أجل على أن ينقد من الثمن دينارا، فقد مضى القول عليها في رسم حلف من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة ذلك.
وأما مسألة أشهب في الرهن التي نظرها بها أصبغ ففيها اختلاف، قيل إنه يجوز أن يبيع الرجل الدار والعقار الذي يجوز بيعه وتأخير قبضه بثمن إلى أجل ويشترط أن يكون في يديه رهنا إلى ذلك الأجل، وكذلك يجوز في الحيوان والعروض التي لا يجوز بيعها وتأخير قبضها إذا وضعها بيد عدل؛ فإن اشترط أن يكون بيده، لم يجز البيع وفسخ وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك؛ وقيل: إن ذلك لا يجوز في الدور والعقار ولا في العروض والحيوان على حال العلة التي ذكر في هذه الرواية، واختلف الأمر على القول بأنه لا يجوز، فقيل إنه بيع فاسد يسلك به مسلك البيع الفاسد في كون الغلة للمشتري بالضمان وسائر أحكام البيع الفاسد، وقيل إنه ليس ببيع فاسد وإنما هو إجارة فاسدة؛ كأن رب المال استأجره على أن يبيعها له

بثمن قد سماه على أن يكون له ما ازداد على الثمن إجارة له، فإن باعها كان الثمن لرب الدار، وكان للذي باعها أجرة مثله في بيعه إياها؛ وإلى هذا ذهب أصبغ على ما أختاره من اختلافهم في الذي يبيع من الرجل السلعة على ألا نقصان عليه، فقد قيل فيه القولان جميعا؛ واختلف في ذلك قول مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة.

مسألة: تسلف درهم صفر من رجل فأعطاه لصا في طريق فعلم أنه صفر

من مسائل نوازل سئل عنها سحنون سئل سحنون عن رجل تسلف درهم صفر من رجل فأعطاه لصا في طريق، فعلم أنه صفر؛ بأي شيء يرجع عليه الذي أسلف إياه؟ قال إن كان يعلم ما فيه من وزن الورق ووزن الصفر، قضاه وزنه؛ لأن كل من استهلك شيئا من الوزن والكيل فعليه مثله، ولسنا نأمره أن يرفع إليه درهما مثله صفرا يغر به المسلمين؛ وإن كان لا يعلم ما فيه من الورق، فعليه أن يغرم له قيمة ذلك يكون عليه في الورق قيمته ذهبا، وفي الصفر قيمته ورقا؛ لأن القيمة لا تكون إلا بالذهب والورق، قيل له وما يصنع بقيمته من الذهب وهو إن أخذه لم يكن فيه منفعة؛ لأنه أقل من ذلك؟ قال يقضى له بالقيمة ذهبا ما كان من شيء في

الدينار بالصرف، ليس في قطعه ذهب إن كان ذلك خروبة فخروبة، أو ما كان؛ فإذا كان له من دينار خروبة أو قيراط، قيل لهما صرفا الدينار بدراهم، فخذ أنت منه حقك ما يقع بخروبة من الصرف أو النصف قيراط، أو ما كان حقه من شيء.
قال محمد بن رشد: حكم سحنون لهذا الدرهم بحكم المكسور، إذ لم يراع سكته، فحكم على مستهلكه بقيمة ما فيه من الورق ذهبا أو من الصفر ورقا إن لم يعلم زنة ما فيه من كل واحد منهما فيكون عليه فيه مثله؛ وذلك خارج عما قيل في ذلك مما قد ذكرناه في رسم النسمة من سماع عيسى من كتاب الصرف، وكان القياس على قولهم أن يكون عليه قيمته من الذهب على أن يباع ممن لا يغش به، أو ممن يكسره على الاختلاف في ذلك؛ وقد قال ابن القاسم في سماع أصبغ من كتاب الصرف أنه يرد مثله صحيحا في رداءته، وهو بعيد أيضا.

مسألة: تسلف من رجل دارهم ومن رجل آخر دراهم فخلطها فوجد فيها زائفا أو نقصا

مسألة وسئل عمن تسلف من رجل دارهم ومن رجل آخر دراهم، فخلطها فوجد فيها زائفا أو نقصا، ولا يدري من أي الدراهم هي؟ قال مالك لا يرد عليهم إلا طيبا، ويحلفون أنهم لم يعطوه إلا جيادا.
قال محمد بن رشد: قوله ويحلفون أنهم لم يعطوه إلا طيبا، معناه أنه يحلف كل واحد منهما على علمه ما أعطاه إلا جيدا، أو وازنا في علمه

ولا يلزم واحدا منهم أن يحلف على البتات، فإن حلفا جميعا برئا ولزمه أن يعطيهما جميعا طيبا؛ وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، لزم الناكل بدله؛ وكذلك إن نكلا جميعا أيضا بعد أن يحلف ما يعلم من دراهم من هي منهما باتفاق بأن ادعى كل واحد منهما عليه أنه يعلم أنه ليس من دراهمه، وعلى اختلاف إن لم تتحقق عليه الدعوى بذلك؛ وهذا إذا كانت له بينة على أنه وجد فيها الزائف أو الناقص بعد أن خلطها وقبل أن يغيب عليها؛ وأما إن ادعى ذلك بعد أن انقلب بها وغاب عليها، فليس له أن يحلف واحد منهم إلا على القول في لحوق يمين التهمة.

مسألة: أسلف رجلا في عبد إلى أجل معلوم ثم قبضه فمات العبد عنده ثم وجد به عيبا

مسألة قال سحنون لو أن رجلا أسلف رجلا في عبد إلى أجل معلوم، ثم قبضه فمات العبد عنده ثم وجد به عيبا، أنه يغرم قيمة العبد ويرجع عليه بعبد مثله؛ وكذلك المرأة إذا نكحت بعبد موصوف ليس بعينه، ثم وجدت به عيبا، أنها ترده أو تغرم قيمته إن فات، وترجع عليه بعبد مثله.
قال محمد بن رشد: في النوادر لسحنون أيضا أنه ينظر ما قيمة العيب منه، فإن كان ربعه رجع عليه بربع عبد، فيكون معه شريكا في مثله- يريد إذا فات.
وقال ابن عبد الحكم: إذا أسلم إليه في عبد فقبضه فأعتقه، أو كانت أمة فأولدها ثم وجد بأحدهما عيبا أو استحق

نصفه بحرية، فإنه يرجع عليه بما نقصه العيب من قيمته لا من الثمن؛ بخلاف العبد بعينه الذي يفسخ فيه البيع يرده، وهو أن لو رده رجع بمثله، فينظر إلى قيمته سالما، فقيل قيمته مائتان، ثم يقال ما قيمته وبه العيب؟ فيقال مائة فيرجع عليه بمائة، قال أبو محمد وهذا لا وجه له.
إما أن يجعله كأنه قبض نصف صفته فيرجع بنصف عبد كما قال سحنون، أو يكون قبض غير صفته فليرد قيمته كما قال ابن القاسم، ويتبعه بعبد، وهذا أشبه الأقاويل بالصواب؛ واعتراض ابن أبي زيد على ابن عبد الحكم صحيح، وقول سحنون الواقع في النوادر غير صحيح أيضا، إذ لا يصح أن يقال: إنه قبض بعض صفته، إذ لا تتبعض الصفة، إنما يصح أن يقال إنه قبض صفته إذا استحق بعضه برق أو حرية؛ لأن الشركة فيه تعيبه وتنقص من قيمته، لا سيما إن كان الاستحقاق بحرية، فليس استحقاق نصف العبد الذي سلم فيه بحرية أو ملك، بمنزلة من أسلم في عبدين صفتهما سواء، استحق أحدهما بحرية أو ملك؛ لأن استحقاق أحدهما لا يعيب الآخر، واستحقاق نصف العبد يعيب النصف الآخر؛ فلا يصح في المسألة إلا قول سحنون الواقع في الكتاب، وقد قال ابن أبي زيد إنه قول ابن القاسم.

الكراث بحب الكراث إلى أجل الكراث نقدا والحب إلى أجل

من سماع محمد ابن خالد من ابن القاسم قال محمد بن خالد سمعت ابن القاسم يقول: قال مالك لا بأس بالكراث بحب الكراث إلى أجل الكراث نقدا والحب إلى أجل، ولا خير في حب الكراث بالكراث إلى أجل، ولا بأس بحب الكراث واحد باثنين يدا بيد، ولا بأس أن يباع قبل أن يستوفى.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن حب الكراث ليس بطعام؛

وإن كان إذا زرع يخرج منه طعام، فيجوز أن يسلم الكراث فيه، إذ لا يخرج من الكراث حب؛ ولا يجوز أن يسلم هو في الكراث إلى أجل يكون منه كراث على أصولهم في المزابنة، وقد مضى القول في المزابنة وحكمها وتفصيل وجوهها مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة شيء منه.

سلف رجلا مائة درهم في عشرة أمداد من حنطة

من سماع عبد الملك بن الحسن من ابن القاسم.
قال عبد الملك سئل ابن القاسم وأنا أسمع عن رجل سلف رجلا مائة درهم في عشرة أمداد من حنطة، ثم إن المسلف إليه هلك، فأحب ورثته أن يصالحوا عنه صاحب السلف بأقل من المائة؛ قال ابن القاسم أما بالدراهم فلا خير فيه إلا أن يعطوه جميع الدراهم، وأما بالحنطة، فلا بأس بما صالحوا عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الورثة ينزلون في الطعام الذي على موروثهم من السلم منزلته، فلا يجوز لهم فيه إلا ما كان يجوز له، وهذا ما لا أعلم فيه اختلافا، وقد مضى ذلك في أول سماع ابن القاسم.

رجلين لهما على رجل مائة إردب فقاضاه أحدهما حصته بغير إذن صاحبه

من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب البيع والصرف.
قال أصبغ سمعت ابن القاسم يقول في رجلين لهما على

رجل مائة إردب فقاضاه أحدهما حصته بغير إذن صاحبه، فعلم به فأتاه يطلبه؛ فقال له هبني إياها وأنا أضمن لك الخمسين التي بقيت لك، إن ذلك لا يحل، وقاله أصبغ وهو شديد، وليس هذا مثل الذي فوقه، وهذا فيه غير وجه واحد من الفساد، وسلف جر منفعة؛ كأنه يسلفه الخمسة والعشرين التي كان له أخذها على أن يضمن الخمسة والعشرين الأخرى، ويدخله البيع كأنه يبيعه إياها ويحيله بها على صاحبه ويزيده ضمانا؛ فهو طعام بطعام متأخر وزيادة الضمان متفاضلا فلا يحل.
قال أصبغ: قال لي ابن القاسم ولكن لو كان قدر ما يضمن له خمسة وعشرين، بقدر ما كان يصيبه مما قبض، لم يكن بذلك بأس.
وقال أصبغ لأن ذلك سلف خالص ليس معه زيادة، ولا فيه ازدياد شيء من الأشياء، وفي ذمته أيضا محضا ومعروفا من المعروف، فلا بأس به إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن رشد: أما إذا ترك الرجوع عليه في الخمسين التي قبض بالخمسة والعشرين الواجبة له منها على أن يضمن له الخمسين الباقية، فالمكروه في ذلك بين على ما فسره أصبغ، وأما إذا ترك الرجوع عليه بالخمسة والعشرين من الخمسين التي اقتضى على أن يضمن له من الخمسين الباقية خمسة وعشرين، فأجاز ذلك ابن القاسم، وتبعه على ذلك

أصبغ، وقال إنه سلف خالص محض لا زيادة فيه ومعروف من المعروف، وفي ذلك من قولهما نظر؛ لأنه ترك الرجوع عليه بالخمسة وعشرين على أن يضمن له ما لم يكن يلزمه ضمانه؛ لأنه مخير بين أن يسلم له ما اقتضى ولا يرجع عليه فيه، ويطلب الغريم بالخمسين التي بقيت عليه، ويكون ضمانها منه إن فوتت؛ وكذلك قال في المدونة؛ لأن تسليمه له ما اقتضى، منزل منزلة اقتسامهما للدين؛ وبين أن يرجع إليه بالخمسة وعشرين من الخمسين التي اقتضى، فيكون كأنه اقتضيا منه خمسين، وبقيت لهما عليه خمسون يقتضيانها منه جميعا، ويكون ضمانها منهما جميعا إن فوتت عنده؛ وقيل إنهما لا يرجعان جميعا بالخمسين على الغريم، وإنما يقتضيها منه الذي رجع على المقتضي أولا بالخمسة والعشرين، فإذا اقتضاها منه، رجع عليه صاحبه بالخمسة وعشرين التي أخذ منه، والقولان في المدونة؛ فإذا كان هذا هو الحكم، كان الذي ترك الرجوع على شريكه بالخمسة وعشرين قد أسلفه إياها على أن يحيله بها على غريمه، ويكون ضامنا لها إن فوتت عنده بعدم أو فلس؛ ولا يجوز أن يسلف الرجل الرجل دنانير ولا طعاما بشرط أن يحيله بها على غريم له وإن لم يشترط عليه الضمان؛ لأن الحوالة بيع من البيوع؛ وكذلك قال في الهبات من المدونة إن ذلك لا يجوز وإن كانت المنفعة في ذلك للقابض، فكيف إذا اشترط عليه في ذلك الضمان، ذلك بين أنه لا يجوز؛ لأنه بيع ذهب بذهب إلى أجل.

مسألة: يشتري اللحم بالدرهم من الجزار ويعطيه به حميلا فيغرم الحميل الدرهم

مسألة قال أصبغ سمعت ابن القاسم يقول في الذي يشتري اللحم بالدرهم من الجزار ويعطيه به حميلا، فيغرم الحميل الدرهم إلى الجزار؛ هل للحميل أن يأخذ به من الغريم شيئا من الطعام؟ قال لا بأس به وقاله أصبغ.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الحميل لم يدفع طعاما إنما دفع درهما، فجاز له أن يأخذ به طعاما، ولو أراد الجزار أن يأخذ بذلك الدرهم من الحميل طعاما ما لم يجز؛ لأنه دفع طعاما؛ فلا يجوز له أن يأخذ من ثمنه طعاما قاله ابن دحون، وفيه نظر؛ لأنه أنزل منزلة المحال عليه في أنه لا يجوز له أن يأخذ منه إلا ما كان يجوز له أن يأخذه من الذي أحاله حسبما يأتي القول فيه في سماع أصبغ من كتاب الكفالة والحوالة إن شاء الله وليس بمنزلته، إذ لم يستحل عليه فيكون ما أخذه منه كأنه إنما أخذه من الذي أحاله به، فيكون قد اقتضى من ثمن الطعام طعاما فيتهمان على أنه إنما باع منه لحما بطعام إلى أجل، فلا موضع للتهمة في هذا إذ لم يأخذ الطعام من المشتري الذي باع منه اللحم، وإنما أخذه من غيره وهو الحميل؛ فإن كان أخذه من الحميل على وجه الابتياع له بالدرهم الذي له على المشتري، جاز باتفاق إن كان المشتري حاضرا مقرا بالدرهم، فاتبعه به الحميل لابتياعه إياه من الجزار بالطعام الذي دفع إليه فيه؛ وإن كان أخذ الطعام من الحميل صلحا عن المشتري الذي عليه الدرهم، فقيل إن ذلك جائز، ويكون المشتري بالخيار

بين أن يجيز الصلح فيدفع الطعام الذي صالح به عنه، وبين ألا يجيزه ويدفع الدرهم الذي تحمل به عنه، وقيل: إن ذلك لا يجوز؛ لأنه يدفع طعاما ولا يدري إن كان يرجع به أو بالدرهم، من أجل الخيار الذي في ذلك للمشتري المتحمل عنه؛ واختلف إن لم يبين على أن وجه دفع الطعام على ماذا يحمل إن كان على الشراء فيرجع بالدرهم الذي ابتاع، أو على الصلح عن المشتري المتحمل عنه؛ فلا يجوز في قول من أجل الخيار الذي للمتحمل عنه، فلا يدري الحميل بما يرجع، ويجوز في قول من أجل أنه خيار أوجبه الحكم لم يعملا عليه.

مسألة: اشترى من رجل طعاما بعينه غائبا عنه

مسألة قال أصبغ سمعت ابن القاسم وسئل عن رجل اشترى من رجل طعاما بعينه غائبا عنه، ثم إذا الطعام قد قدم به وكيل البائع بعد الصفقة، كان قد حمله قبل الصفقة أو بعدها ولا علم له؛ قال البيع للبائع لازم، فإن شاء أن يدفعه إليه ههنا، دفعه إن رضي المشتري أن يأخذه منه ههنا، وإلا فعليه أن يرده له، أو يدفع مكانه إليه شراءه هناك وقاله أصبغ.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن الطعام قد وجب للمبتاع بالشراء، فإذا قدم به البائع أو وكيله، كان كمن تعدى على طعام رجل فحمله من بلد إلى بلد؛ لأن الخطأ في هذا والعمد سواء، فيكون على المتعدي مثل الطعام الذي حمله في الموضع الذي حمله منه، إلا أن يتراضيا على أخذه أو أخذ سواه في البلد الذي حمله إليه، فيكون ذلك جائزا، وبالله التوفيق.

مسألة: تضع عن زوجها مهرها على أن يحجها

مسألة قال أصبغ سألت ابن القاسم عن المرأة تضع عن زوجها مهرها على أن يحجها، قال هذا حرام لا يحل؛ لأنه الدين بالدين، وقاله أصبغ.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قالا: إنه فسخ الدين في الدين؛ لأنها فسخت ما لها عليه من المهر في شيء لم تنتجزه من إحجاجه إياها من ماله إما بشراء، وإما بالكراء، والقيام بكل ما يحتاج إليه في ذلك ذاهبة وراجعة؛ وقد وقع في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات مسألة معارضة لهذه في الظاهر، كان الشيوخ يحملونها على أنها خلاف لها؛ ومثل هذا لا يصح أن يختلف فيه، فالواجب أن يتأول على ما يوافق الأصول؛ ونصها سئل ابن القاسم عن رجل سأل من امرأته أن تضع عنه مهرها، فقالت له إن حملتني إلى أمي فهو عليك صدقة؛ فتصدقت به عليه أن يحملها إلى أختها وكانت مريضة، ثم بدا له أن يحملها بعد أن وضعت عنه الصداق، فخرجت هي من غير إذنه فسارت إلى أختها؛ هل ترى الصداق له؟ فقال: إن كانت خرجت مبادرة إليها لتقطع بذلك ما جعلت لزوجها فلا شيء عليه، وإن كان بدا له في حملانها وأبى أن يسير بها وعلم ذلك رجعت عليه بما وضعت عنه، فنقول إن المعنى في هذه المسألة أنه إما وضعت عنه الصداق على أن يخرج معها ولا تمضي مفردة دونه، لا على أن يحملها من ماله، أو ينفق عليها في شيء من سفرها سوى النفقة التي تجب لها في مقامها؛ فإذا حملت المسألة على هذا صحت وكانت موافقة للأصول، ولعلها لم تكن ذا محرم يخرج معها، فكانت إنما بذلت له الصداق على رفع الحرج عنها بخروجه

معها لا على أن ينفق عليها في ذلك، إذ قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها».
وقد مضى في سماع عيسى من كتاب الحج القول في وضعها الصداق عنه على أن يأذن لها في الخروج إلى الحج، وبالله التوفيق.

مسألة: باع عشرة أمداد قمح بدينار إلى شهر

مسألة قال أصبغ سئل ابن القاسم وأنا أسمع عن رجل باع عشرة أمداد قمح بدينار إلى شهر، ثم اشترى البائع من مشتري الطعام منه بدينار إلى أجل عشرين مدا بدينار نقدا، فأعطاه عشرة وقال له اقبض العشرة التي لي قبلك بالدينار إلى أجل أقضيكها، قال لا يصلح هذا؛ لأنه يعطيه دنانير نقدا ويعطيه دينارا إلى أجل وقد أعطى آخذ الدينار نقدا معطيه الدينار عشرة أرادب، فكأنه أسلفه دينارا على أن أعطاه عشرة أرادب؛ قال أصبغ الجواب صحيح والتفسير مظلم، وكراهيته وفساده الزيادة في السلف محضا، والذهب بالذهب متفاضلا، والعشرة الأرادب الأول لغو.
قال محمد بن رشد: هذا تحامل من أصبغ على ابن القاسم، بل جوابه صحيح، وتفسيره بين واضح أبين من تفسير أصبغ؛ فتفسير أصبغ هو

المظلم؛ لأنه قال: إنه الزيادة في السلف والذهب بالذهب متفاضلا والعشرة الأرادب الأول لغو؛ فأجمل القول، إذ لم يبين ما هي الزيادة التي في السلف، ولا كيف يتصور التفاضل في الذهب في ذلك؛ وقد بين ذلك كله ابن القاسم بيانا واضحا فقال لأنه يعطيه دينارا نقدا ويعطيه دينارا إلى أجل؛ يقول لأن المبتاع الثاني وهو البائع الأول يعطي البائع الثاني وهو المبتاع الأول دينارا نقدا ثمن العشرين مدا الذي ابتاع منه، ثم يأخذ منه عند شهر دينارا ثمن العشرة الأمداد التي باع منه إلى أجل؛ فكأنه أسلفه دينارا إلى أجل، وأخذ منه عشرة أمداد نقدا؛ لأنه باع منه عشرة أمداد ثم اشترى منه عشرين مدا، فدفع إليه عشرة أمداد؛ لأنه قاصه بالعشرة الأخرى على ما ذكر، وذلك نص قول ابن القاسم، وقد أعطى آخذ الدينار نقدا معطيه الدينار عشرة أرادب، فبين أن الأمر آل بينهما إلى أن أسلف البائع الأول للمبتاع الأول دينارا إلى شهر، على أن يعطيه عشرة أمداد قمح بيانا واضحا؛ وإذا كان قد أسلفه دينارا إلى أجلى على أن يعطيه عشرة أرادب، فقد صار ذلك أيضا ذهبا وعرضا بذهب إلى أجل، وهو التفاضل في الذهب الذي قاله أصبغ؛ فقول ابن القاسم على كل حال أبين، وهذه المسألة من أحد فروع مسائل رسم حبل حبلة التي فرعناها إلى أربع وخمسين مسألة، وبينا أصل ما يعرف به الجائز منها وغير الجائز.

مسألة: باع حديدا جزافا بنقد

مسألة قال أصبغ سمعت ابن القاسم وسئل عن رجل باع حديدا جزافا بنقد، ثم أراد أن يشترى منه وزنا يكون ثلث ذلك في العدد

أو أدنى بنقد أو إلى أجل؛ فقال: إن كان لم ينتقد ثمنه حتى اشتراه منه وتقاصه بما عليه، فلا يجوز له أن يشتري منه إلا ما كان يجوز له أن يستثنيه الثلث فأدنى، وهذا يجري في الطعام وغيره؛ وإن كان انتقد وتفرقا، ثم اشترى منه بعد ذلك، فلا بأس به على حال، إلا أن يكون بائعه من أهل العينة فلا يعجبني.
قال محمد بن رشد: أكثر من الثلث لا يجوز أن يشتريه منه على حال، إذ لا يجوز له أن يستثنيه أقل من الثلث، قال إنه يجوز له أن يشتريه منه إن كان لم ينتقد الثمن مقاصة، والمعروف من قولهم الذي يأتي على أصولهم أن ذلك يجوز نقدا ومقاصة إذا لم يكونا من أهل العينة؛ لأن بيوع النقد لا يتهم فيها إلا أهل العينة، فإن كانا من أهل العينة، لم يجز له أن يشتري منه أقل من الثلث إلا مقاصة؛ وأما إن كان انتقد وتفرقا، فقال إنه لا يتهم في ذلك إلا أهل العينة، والصواب أنه لا يتهم في ذلك أهل العينة ولا غيرهم؛ إذ قد تناجزا في البيع الأول ولم يبق بينهما فيه عمل ولا موضع للتهمة وقد تفرقا بعد التقابض؛ فعلى قوله لا ترتفع التهمة عنهما إذا كانا من أهل العينة، إلا أن يطول الأمر بعد افتراقهما الأيام، كمسألة الصرف من المدونة في الذي باع من رجل دنانير بدراهم، ثم أراد أن يشتري منه بها دنانير، فلم يجز ذلك في المجلس ولا بعد اليوم واليومين؛ وهو بعيد في هذه المسألة، وإنما يحسن أن يتهم

أهل العينة في هذا إذا كان قد نقده ولم يتفرقا، وقد مضى القول على هذه المسألة في رسم مرض من سماع ابن القاسم مستوفى.

مسألة: اشترى سلعة غائبة بعينها وهي ببلد على أن يوفاها بموضع آخر

مسألة قال أصبغ سألت ابن القاسم عمن اشترى سلعة غائبة بعينها وهي ببلد على أن يوفاها بموضع آخر، أو بموضعه شك أصبغ.
قال لا خير فيه للضمان.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال أن ذلك لا يجوز؛ لأن بعض الثمن قد وقع للضمان، وذلك حرام لا يحل بإجماع.

مسألة: اشترى طعاما بعينه على أن يحمل له إلى بلد

مسألة قال أصبغ وسمعته يسأل فيمن اشترى طعاما بعينه على أن يحمل له إلى بلد، فقال إن كان يكتاله هناك حيث هو ولا يكون على البائع إلا الحملان، فلا بأس به؛ وإن كان لا يكتاله إلا حيث يحمل، فلا خير فيه؛ لأن فيه ضمانا، اشترى شيئا بعينه على أن يعطاه بموضع آخر؛ فهذا مثل مسألة السلعة، وبعض هذا من بعض، يشبه بعضه بعضا، وقاله أصبغ وهما سواء.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في المسألة التي فوقها، إذ لا فرق في هذا بين الطعام المعين وبين السلعة كما قال أصبغ.

مسألة: اشترى جارية غائبة بالشام على أنها من البائع

مسألة وسئل عمن اشترى جارية غائبة بالشام على أنها من البائع

حتى يوفيه إياها بمصر، قال لا خير فيه، لما فيه من الضمان والتغرير؛ ولو كان يقبضها في مكانها بالشام، لم يكن بذلك بأس، وقاله أصبغ.
قال محمد بن رشد: وهذا أيضا مثل ما تقدم، إذ لا فرق بين السلعة والطعام والجارية في أن اشتراط ضمان ذلك في البيع لا يجوز.

مسألة: سلف في عشرة أرطال لحم فأعطاه جزرة فيها خمسون

مسألة قال أصبغ سمعت ابن القاسم يقول فيمن سلف في عشرة أرطال لحم، فأعطاه جزرة فيها خمسون؛ قال إن كان فيها صفته، أو قال على صفته، فلا بأس به؛ إنما البقية حينئذ إفضال منه عليه بمنزلة ما لو كان له عليه مائة إردب قمح سلفه فيها فأعطاه مائتين، وقاله أصبغ إذا كانت جميعا أو إحداهما كلها على الصفة أو أرفع؛ وهذا في الجزرة أن تكون مذبوحة مسلوخة، فأما حية قائمة فلا يحل الحي بالميت؛ وكذلك إذا حل اللحم له أيضا ولم يكن قبل محله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة في المعنى، وقول أصبغ تفسير لقول ابن القاسم وصحيح؛ وإنما اشترط في الجزرة أن تكون مسلوخة؛ لأنها إذا لم تكن مسلوخة لا يدري لعل لحمها أدنى من الذي له، فيكون اللحم باللحم متفاضلا؛ لأنه أخذ أدنى صفة وأكثر وزنا وجلدا زائدا، فيدخله التفاضل فيما لا يجوز فيه التفاضل، وبيع الطعام قبل أن يستوفى؛ ولو تحقق أن لحمها أطيب من أرطاله لجاز، وبالله التوفيق.

يسلف في قراطيس طولها عشرون ذراعا

ومن كتاب البيوع العاشر.
قال أصبغ وسمعت ابن القاسم يقول فيمن يسلف في قراطيس طولها عشرون ذراعا، فلما حل الأجل قال المشتري إنما لي بذارعي، وقال البائع بل بذراعي ولم يكونا سميا؛ قال لا ينظر إلى قول هذا ولا هذا، وأرى أن يحمل على ذراع وسط؛ قال ونزلت فأفتينا فيها بذلك، قال أصبغ ولم ير هذا فسخا، وهذا أحسن عندي، والقياس الفسخ.
قال محمد بن رشد: في قوله ولم يكونا سميا، دليل على أنهما لو اتفقا على أن السلم وقع بينهما على ذراع أحدهما بعينه لجاز؛ وهو مذهبه في المدونة؛ لأنه أجاز السلم على ذراع رجل بعينه؛ ويؤخذ قياسه، فيكون عندهم لئلا يموت؛ خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أنه لا يجوز السلم على ذراع رجل بعينه، قال ويكفي أن يسميا الذراع فقط؛ فإن اختلفا فيه عند القبض كان له الوسط من أذرع الناس؛ هذا إذا لم يكن القاضي قد جعل ذراعا للناس يتبايعون عليه، فإن كان قد نصب ذراعا للناس يتبايعون عليه، وجب الحكم به والرجوع إليه عند الإبهام.
وتحصيل القول في هذه المسألة عندي أن القاضي إذا كان قد نصب للناس ذراعا يتبايعون عليه، لم يجز اشتراط ذراع رجل بعينه، كما لا يجوز ترك المكيال المعروف الجاري إلى مكيال مجهول؛ وإن لم يكن للناس ذراع منصوب، فهذا موضع الاختلاف، قيل إن الذراع الوسط كالذراع المنصوب فلا يجوز السلم على ذراع رجل بعينه، وإنما يجوز على الذراع الوسط، أو على ذراع ولم يسميا شيئا فيحكم بينهما بذراع وسط وهذا الذي ذهب إليه ابن حبيب.
وقيل إنه لا يكون الذراع الوسط كالذراع المنصوب، ويجوز السلم على ذراع رجل بعينه، وعلى ذراع وسط، كما يجوز شراء الطعام على مكيال مجهول في القرى من الأعراب حيث ليس

لهم ميكال يتبايعون عليه، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، ودليل قوله في هذه الرواية، وإن لم يسميا شيئا؛ حملا على ذراع وسط؛ وقول أصبغ استحسان، والقياس الفسخ، ولو اختلفا على هذا القول فقال المسلم وقع السلم على ذراعي، وقال المسلم إليه بل على ذراعي، كان الحكم في ذلك على حكم اختلافهما في عدد المسلم فيه؛ وأما على القول الآخر فيفسخ السلم بينهما، لاتفاقهما على أنه وقع فاسدا، ولو ادعى أحدهما أن السلم وقع على ذراع وسط، لكان القول قوله لأنه يدعي الصحة دون صاحبه؛ وكذلك لو اختلفا حيث ثم ذراع منصوب فادعى أحدهما الذراع المنصوب.

مسألة: ابتاع طعاما بعينه ونقد بعض ثمنه إلى أن يأتيه بالبقية

مسألة وسئل عمن ابتاع طعاما بعينه ونقد بعض ثمنه إلى أن يأتيه بالبقية، ثم بدا له فأراد أن يكتال بقدر ما نقد ويستقيل من البقية، قال لا بأس بذلك؛ فإن كان قد نقد الثمن كله، فلا يصلح أن يأخذ بعضا ويستقيل من بعض، إلا أن يكونا لم يتفرقا ولم يغيبا على الدنانير.
قال محمد بن رشد: الصحيح في هذه المسألة على أصولهم أن الإقالة من البعض جائزة وإن نقده الثمن كله، إذ ليس في نفس الإقالة فساد؛ وإنما يوجد الفساد في ذلك بمجموع البيع والإقالة إذا اتهما في ذلك، فوجب أن يجوز إذا لم يكونا من أهل العينة؛ لأن بيوع النقد لا يتهم

فيها إلا أهل العينة، وقد مضى له في الرسم الذي قبل هذا مثل هذا من اتهام غير أهل العينة في بيوع النقد وقد نبهنا عليه هناك.

مسألة: السلف في الزفيزفا

مسألة وسمعته يقول في الزفيزفا أنه لا بأس به بواحد أخضر كله، أو يابس كله، ولا خير في رطبه بيابسه على حال، والعين بقر كذلك؛ قال أصبغ لأن المزابنة تدخله والخطر، ولا ينكر في هذا جواز التفاضل فيه أخضر كله؛ وقد يجوز الرطب والعنب واحد بواحد رطبا كله، ولا يجوز رطبه بيابسه على حال؛ لأن المزابنة تدخله، وكذلك هذا؛ والحديث في النهي على الرطب باليابس فيهم، فهو يقع على الرطب باليابس في كل شيء.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم يدير ماله من سماع عيسى مستوفى، فلا معنى لإعادته مرة أخرى.

مسألة: قوم يقتسمون ماءهم بالقلد فيأخذ الرجل على قدر حقه

مسألة وسئل عن قوم يقتسمون ماءهم بالقلد وهو قدر نحاس، وقد عرفوا كم يصير بلدهم منه، فيأخذ الرجل على قدر حقه فيتسلف الرجل من صاحبه في الشتاء أقلادا، ثم يغفلون حتى تدخل الصيف فيلزمه، فيأبى أن يعطيه إلا في الشتاء

أو في وقته الذي أخذه، والماء عندنا في الشتاء أرخص، وفي الصيف أغلى؛ قال أصبغ عليه أن يعطيه في أي وقت طلبه بعد أن يكون السلف حالا لا وقت له، ولم يكن مؤجلا لم يحل أجله؛ ولا ينظر في هذا إلى شتاء ولا صيف، (ولا حين إعطائه) ولا حين قبضه، ولا غير ذلك، إلا متى ما طلبه، أو أراد المسلف قضاءه قبل أن يطلبه.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ هذا خلاف مذهب ابن القاسم، والذي يأتي في هذه المسألة على مذهب ابن القاسم، أنه ليس له أن يأخذ سلفه منه إلا في الفصل الذي أسلفه إياه فيه؛ لأن سقي الصيف لا يشبه سقي الشتاء، والمماثلة في الماء للسقي، إنما تكون بتساوي الأوقات والفصول؛ والذي يدل على أن هذا مذهبه، قوله في سماع أبي زيد من كتاب القسمة في الشريكين في الماء لأحدهما السقي بالليل، وللآخر السقي بالنهار، (فيتعدى الذي له السقي بالنهار) على الذي له السقي بالليل فيسقي به؛ أنه إن لم يكن له سقي بالليل كانت عليه القيمة؛ لأن سقي النهار لا يشبه سقي الليل؛ ووجه قول أصبغ أن الواجب في السلف رد مثله من غير اعتبار قيمته يوم السلف ولا يوم الرد، ومعنى ذلك إذا كان الماء قدره واحد في الوقت الذي استسلفه، وفى الوقت الذي يرده؛ لأن العادة في المياه أنها تقل في الصيف وتكثر في الشتاء، فليس له إذا استلف الأقلاد في الصيف أن يأخذها في الشتاء إذا كان المياه في الشتاء أكثر؛ لأنه يأخذ فيها من الماء أضعاف ما أسلفه، وإذا لم يكن له أن يأخذها في الشتاء، لم يكن للذي عليه السلف أن يجبره على أخذها؛ إذ ليس له أن يلزمه معروفا، ولا للمسلف إذا أسلف للأقلاد في الشتاء، أن يردها في الصيف إذا كان الماء في الصيف أقل؛ وإذا لم يكن له أن يردها

في الصيف، لم يكن للذي له السلف أن يأخذها؛ لأنه إن قال إنه تارك لبعض حقه، فليس له أن يلزم المسلف قبول معروفه؛ ويعلم أنه إنما رضي أن يأخذه في الصيف، وهو أقل من أجل أنه أغلى؛ وهذا وجه المبايعة التي لا تجوز إلا برضى المتبايعين.
فالواجب على مذهبه إذا طلب صاحب السلف سلفه من الأقلاد في غير الفصل الذي قبضه فيه، والماء ليس على ما كان عليه، إلا أن يكون ذلك له، ويلزم الانتظار إلى الفصل الذي أسلفه فيه؛ كمن أسلف فيما له إبان فانقضى الإبان قبل أن يأخذ سلفه، ولا يدخل في هذه الاختلاف الذي في تلك؛ لأن هذا قرض وذلك بيع؛ وفي صفة القلد الذي يقسم به الماء بين الإشراك اختلاف؛ قيل إنه أن يؤخذ قدر فيثقب في أسفله، ثم يصب فيه الماء من وقت إلى مثل ذلك الوقت من يوم آخر، فما اجتمع مما خرج من ذلك الثقب من الماء اقتسمه الورثة أو الأشراك فيما بينهم على قدر حظوظهم، وعمل واحد منهم قدرا يحمل مقدار حظه من ذلك الماء، ويثقب في أسفله بالمثقب الذي ثقب به القدر الأول؛ ويسقون الأول فالأول على ما يتفقون عليه، أو يخرجه الاقتراع لهم؛ فإذا وصل الماء في أرض الذي يأتي وقت سقيه؛ ملأ قدره من الماء وفتح الثقب، فلا يزال يسقي حتى ينفذ الماء، ثم الذي يليه كذلك إلى آخرهم؛ وقيل بل يقسم الماء على سهم أقلهم نصيبا، فإن كان لأحدهم السدس وللثاني السدسان، وللثالث الثلاثة الأسداس؛ ثقب في جنب القدر الأول حيث ينتهي السدس والماء، وحيث ينتهي السدسان، وحيث تنتهي الثلاثة الأسداس؛ فإذا سقى صاحب الثلاثة الأسداس وضع الثلاثة الأسداس في القدر، وفتح الثقب الأول، فإذا جرى

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
مسألة: يشتري من الرجل عبدا بمائة دينار إلى أجلمسألة: يبيع من الرجل السلعة بعشرة دنانير إلى شهر وبثوب نقدامسألة: خل التمر بنبيذ التمرمسألة: يبيع الدار بثمن إلى أجل على أن يسكن الدار سنةأسلف رجلا حنطة حالة أو إلى أجل ثم اشتراها منه بنقد أو إلى أجليسلف مائة دينار في قمح إلى أجل ويبيع القمح بمائة دينار إلى أجل سنةمسألة: يسلف في طير أحياء مائة طير وهي مما لا تستحيىمسألة: يعطي الرجل مائة دينار في مائة إردب قمح يأخذ كل يوم أو إردبامسألة: يشتري من الرجل عبدا بعشرة دنانير إلى أجلمسألة: لا تشترى الحيتان الكبار إلا بعدد ولا تشترى جزافا في أحمال ولا صبرمسألة: يبيع من الرجل سلعة بخمسين إلى أجل ثم يتعدى عليه البائع فيبيعها بأربعينمسألة: باع طعاما بثمن إلى أجل على أن ينقده دينارامسألة: تسلف درهم صفر من رجل فأعطاه لصا في طريق فعلم أنه صفرمسألة: تسلف من رجل دارهم ومن رجل آخر دراهم فخلطها فوجد فيها زائفا أو نقصامسألة: أسلف رجلا في عبد إلى أجل معلوم ثم قبضه فمات العبد عنده ثم وجد به عيباالكراث بحب الكراث إلى أجل الكراث نقدا والحب إلى أجلسلف رجلا مائة درهم في عشرة أمداد من حنطةرجلين لهما على رجل مائة إردب فقاضاه أحدهما حصته بغير إذن صاحبهمسألة: يشتري اللحم بالدرهم من الجزار ويعطيه به حميلا فيغرم الحميل الدرهممسألة: اشترى من رجل طعاما بعينه غائبا عنهمسألة: تضع عن زوجها مهرها على أن يحجهامسألة: باع عشرة أمداد قمح بدينار إلى شهرمسألة: باع حديدا جزافا بنقدمسألة: اشترى سلعة غائبة بعينها وهي ببلد على أن يوفاها بموضع آخرمسألة: اشترى طعاما بعينه على أن يحمل له إلى بلدمسألة: اشترى جارية غائبة بالشام على أنها من البائعمسألة: سلف في عشرة أرطال لحم فأعطاه جزرة فيها خمسونيسلف في قراطيس طولها عشرون ذراعامسألة: ابتاع طعاما بعينه ونقد بعض ثمنه إلى أن يأتيه بالبقيةمسألة: السلف في الزفيزفامسألة: قوم يقتسمون ماءهم بالقلد فيأخذ الرجل على قدر حقه
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل