البيان والتحصيلصفحات 183-222
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجامع الثاني

صفحات 183-222
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الآية.
وبير أبي عنبة على ميل من المدينة خرجت إلى النبي فتلقته عند البير المذكور.
وأما حديث عبد الله بن حرام ففيه علم جليل من أعلام نبوة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لأنه كان عليه من الدين أكثر مما في الحائط من الثمر بكثير، لا يشك في ذلك، فكال منه لأهل دينه جميع ديونهم وبقي بعد ذلك من الثمر مثل ما كان فيه قبل قضاء الدين ببركة دعاء النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وفي قوله: فكال منه لأهل دينه وبقي منه بعد ذلك مثل الذي كان فيه بعد قضاء الدين، تقديم وتأخير، وصواب الكلام دون تقديم ولا تأخير فكال منه لأهل دينه، وبقي منه بعد ذلك بعد قضاء الدين مثل الذي كان.
ففي بعض الآثار: وَبَقِيَ لَنَا خَرْص نَخْلِنَا كَمَا هُوَ.
وفي بعضها: وَفَضِلَ مِنْة مِثْلُ ثَمَرِ النَّخْل فِي كلِّ عَامٍ.
والحديث يروى من وجوه كثيرة بألفاظ مختلفة، وعلى المعجزة في ذلك متفقة.
منها ما روي «عن جابر بن عبد الله أن أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيداً وَعَلَيْهِ ديْنٌ، فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حقُوقِهِم.
قَالَ جَابِرٌ: فَأَتَيْتُ النَّبيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَكَلَّمْتُهُ، فَسَأَلَهُم أَنْ يَقبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي وَيُحَلٍّلُوا أَبِي فَأبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَائِطِي وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُم وَلَكِنَّهُ قَالَ: سَأَغْدُو عَلَيْكَ، فَغَدَاه عَلَيَّ حِينَ أَصْبَحَ، فَطَافَ فِي النَّخْل وَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالْبَرَكَةِ» . الحديث، وفي هذا الحديث من الفقه أنه من كان له على رجل مكيلة ثمر فجائز له أن يأخذ منه فيما له من المكيلة ثمراً جِزافاً في رءوس النخل إذا كان قد استجد وحان قِطافه، إذا لم يشك أن ذلك مما كان له من المكيلة، ويحلله من بقية حقه، وهو مذهب مالك.
ومن أهل العلم من يخالفه في ذلك وبالله التوفيق.

[سؤال الِإمارة]

في النهي عن سؤال الِإمارة قال مالك: سمعت وكان مما يحدث به الناس أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: «لَا تَسَل الْإمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ تُؤتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ تعَنْ عَلَيْهَا وَإِنَّكَ إِنْ تُؤتَهَا عَنْ مَسألَتِهَا تُوكَلْ إلَيْهَا» . قال محمد بن رشد: الذي قال ذلك له النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عبد الرحمن بن سَمُرة، كذلك في البُخاري عنه.
والمعنى في هذا الحديث بيِّن.
فيه من الفقه أنه لا ينبغي أن يولى القضاء من أراده، وإن اجتمعت فيه شروط القضاء، مخافة أن يوكل إليه، فلا يقوم به، ولا يقوى عليه.
قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنا لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أرَادَ» ونظر عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى شاب في وفد وفدَ عليه، فاستحلاه وأعجبه، فإذا هو يسأله القضاء فقال له عمر: كدت أن تغُرنا بنفسك، إن الأمر لا يقوَى عليه من يُحبه.

[ما يُحذَّر من فساد الزمان]

فيما يُحذَّر من فساد الزمان قال مالك: يوشك أن يأتي على الناس زمان يَقل فيه الخير في الدين، ويقل فيه الخير في الدنيا.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ُثَم الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم» وقال

عبد الله بن مسعود: ما من عامٍ إلا وَالذي بعده شر منه.
واللَّه أعلم.
وبه التوفيق.

[صفة السوائب والبَحائر]

في السوائب والبَحائر قال: وحدثني عيسى عن ابن القاسم عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أوَّلُ مَن نَصَبَ النُّصُبَ، وَسَيَّبَ السَّوَائِبَ، وَغيًرَ عَهْدَ إِبْرَاهِيمَ عَمْرُو بنُ لحَيّ.
وَلَقَدّ رَأيْتُه في النَّارِ يَجُرُّ قُصْبَهُ يُؤذِي أهْلَ النَّارِ بِرَائِحَتِهِ.
وأوَّل مَنْ بَحّرَ الْبَحَائِرَ رَجُلٌ مِن بَنِي مُدْلِجٍ، عَمَدَ إِلى نَاقَتَيْنِ لَهُ فَجَذَعَ أذناهما وَحَرَّمَ ألكانَهُمَا وَظُهُورَهُمَا، ثمَّ احْتَاجَ إِلَيْهِمَا فَشَربَ ألْبَانَهُمَا وَرَكِبَ ظُهُورَهُمَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَلَقَدْ رَأيْتُهُ وإياهُمَا يخْبِطَانِهِ بِأخْفَافِهِمَا وَيَعَضَّانِهِ بِأَفْوَاهِهِمَا» . قال محمد بن رشد: قد اختلف في صفات المسميات بهذه الأسماء.
وما السبب الذي من أجله كانت العرب تفعل ذلك.
فروي عن أبي هريرة أنه قال: «سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول لأكثمَ بن الجَوْن الخُزاعي، يَا أكثمُ رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحيِّ يَجُرّ ُقُصْبَهُ فِي النَّارِ، فَمَا رَأيْتُ مِن رَجُلٍ أشْبَهَ مِنْ رَجلٍ منك به وَلَا به منك.
قالَ أكثمُ: أَيَضُرّنِي شَبَهُهُ يَا نَبِيَّ الله قَالَ: لاَ لِأنًكَ مُؤْمِن وَهُوَ كَافِر وَإِنًهُ كَانَ أوّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إسْمَاعِيلَ فَنَصَبَ الأوْثَانَ وَسَيَبَ السَّائِبَةَ فِيهِمْ» وَإِن ذلك الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة إناثاً ليس فيهن ذكر، سيبت فلم تُركب ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف فما نتجت بعد ذلك من أنثى تشق أذنها ثم خلى سبيلها مع أمها في الِإبل، فلم يُركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما فعل بأمها

فهي البَحِيرة، ابنة السائبة، والوصيلة إن الشاة إذا أنتجت عشرة إناث متتابعات، في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر، جعلت وصيلة، قالوا: وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكر منهم، دون إناثهم، إِلَا أن يموت منها شيء، فيشتركون في أكله ذكورهم وإناثهم، والحامي إن الفحل إذا تم له عشر إناث متتابعات، ليس فيهن ذكر، قالوا: حما ظهره فلم يركب، ولم يجز وَبره ويخلى في إبله يضرب فيها، ولا يتبع به لغير ذلك.
قال اللَّه لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: 103] الآية، وقال قتادة: البحيرة من الإِبل، كانت الناقة إذا انتجت خمسة أبطن، فإن كانت الخامسة ذكراً كان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى بتكوا أذنها ثم أرسلوها فلم ينحروا لها ولداً.
ولم يشربوا لها لبنَاَ ولم يركبوا لها ظهراً.
وأما السائبة فإنهم كانوا يسيبون بعض إبلهم، فلا تمنع حوضاً أن تشرع فيه، ولا مرْعى أن ترْتع فيه، والوصيلة الشاة كانت إذا وَلدت سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكراً ذبح وأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت.
وقالوا أيضَاَ: إن الوصيلة: الشاة إذا ولدت سبعة أبطن ذبحوا السابع إذا كان جدْياً وإن كان عناقَاَ استحيوها، وإن كان جَدياً وعناقاً استحيوهما كليهما، وقالوا: إن الجدي وصلته أخته فحرمته علينا.
وجملة القول في هذه الآية: إن القوم كانوا يحرمون من أنعامهم على أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم، اتباعاً منهم لخطوات الشيطان، فوبخهم اللَّه بذلك.
ولا يضر الجهل بكيفية ذلك.
واختلف في قوله عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: 103] في المعني بالذين كفروا، وبالمراد بقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: 103] فقيل: الذين كفروا هاهنا أهل الكتاب، والذين لا يعقلون أهل الأديان، وقيل هم أهل ملة واحدة.
والمفترون المبتدعون والذين لا

يعقلون، الأتباع، وقيل هم مشركوا العرب، لأن الابتداء كان فيهم فالخبر بهم أولى من غيرهم إذا لم يكن عَرَضَ في الكلام ما يصرف من أجله عنهم إلى غيرهم.
والقُصْب: المِعَي في قوله: يجر قُصْبه والجمع الأقصاب، والبَحِيرة المشقوقة الأذن، والبَحْر الشقّ.
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَقَدْ رَأيْتُهُ فِي النًارِ يَجُر قُصْبَهُ وفِي أهْلَ النارِ بِرَائِحَتِهِ» . معناهُ: أنه عرضت عليه النار في الدنيا ممثلة، فرآه فيها ممثلًا في الدنيا على الحال التي تكون عليها في الآخرة، لأن الآخرة هي دار الجزاء والعقاب التي يصير الناس فيها فريقين: فريقٌ فِي الْجَنَةِ، وَفَرِيقٌ فِي السعيرِ.
وباللهَ التوفيق.

[أحب الناس إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم]

فيمن هو أحب الناس إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وحدثني عن ابن القاسم عن مالك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْثاً وَأمَرَ عَلَيْهِم أسَامَهَّ بْنَ زَيدٍ فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إمَارَتِهِ، فَقَامَ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِن تَطْعَنُوا فِي إمَارَتِهِ، فَقَدْ كنْتُم تَطْعَنُونَ فِي إمَارَةِ أبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ وَأيْمُ اللَّهِ إنْ كَانَ لَخَلِيقاً بِالِإمَارَةِ وَإِن كَانَ لَمِنْ أحَبِّ الناس إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أحَبِّ النَّاس إِلَيَّ بَعْدَه» . قال محمد بن رشد: قَدْ روي «أنَّ عَلِيّاً سَألَ النَّبَي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أيُّ النَّاس أحَبُّ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: فَاطِمَةُ بِنْت مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ أسْألُكَ عَنِ النِّسَاءِ، وَإِنَّما أسْألُكَ عَنِ الرِّجَال، قَالَ: مَنْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأنْعَمْت عَلَيْهِ أسَامَةُ بْنُ زَيْدِ.
قَالَ عَلِيّ: ثَم مَنْ؟ فَقَالَ: ثُمَّ أنْتَ، فَقَالَ الْعَباسُ شِبْهَ الْمُغْضَبِ: ثمَّ مَنْ يَا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ثمَّ عَمَي، فقَالَ: جَعَلتَ عمكَ آخِرَ الْقَوْم، فَقَالَ: يَا عَباسُ، إِنَّ عَلِياً سَبَقَكَ بِالْهِجرَةِ» . ورُوي «أن عَمْرو بْنَ العاص سَأل النبيَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: مَنْ أحَبّ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: مِنَ الرجَالِ، قَالَ أبُوهَا.
قُلْتُ: ثَُم مَنْ؟ قَالَ: عُمَرَ بْنُ الْخَطّابِ، فَعَدَ رِجالاً.» وَرُوي أنَّ عَائِشَةَ سُئِلَتَ عَنْ أَي أصْحَابِ رَسُول اللهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أحبّ إِلَيْهِ؟ قَالَتْ: أبُو بَكرِ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَ أبو عُبَيْدَةَ بْنِ الْجرَاحِ.
وَرويَ عنها أنَّهُ ذُكِرَ لَهَا عَلِيٌّ فَقَالَتْ: مَا رَأيْتُ رَجلا كَانَ أحَبَّ إِلَى رسول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ وَلَا امْرَأةٌ أحَب إلَى رَسُول اللَهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ امرأَتهِ.
والحكم في هذه الأحاديث أن لا تحمل على التعارض، وأن تصحح بِأن يُقال: إِن أهل بيت النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أحب إليه ممن سواهم، وإن أحب أهل بيته إليه من النساء، فاطمة، ومن الرجال علي بن أبي طالب، ثم العباس، لأن ما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تقديمه أسامة على علي في محبته إياه كان واللَّه أعلم إذ كان من أهل بيته، تبنَّى ابنه زيداً لأنه كان اْبن ابنه، فلما نسخ اللَّه ذلك بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40] وقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5] فخرج عن أن يكون من أهل بيته، ذهب المعنَى الذي من أجله تقدم في محبته، فعادت المحبة إلى من ذكر بعده، وهو علي بن أبي طالب، وأن أحب، من سِوى أهل بيته إليه من النساء، عائشة، ومن الرجال أبوها، ثم عمر بن الخطاب، ثم أبو عبيدة بن الجراح واللَّه الموفق.

[ما جاء من أن يحيى بن زكرياء لم يُذنب ذنباً بخلاف مَن سواه]

فيما جاء من أن يحيى بن زكرياء لم يُذنب ذنباً بخلاف مَن سواه وحدثني ابن القاسم عن مالك عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: ما من الناس أحد إلا يلقى اللَّه يومَ القيامة ذا ذنب، إلا يحيى بن زكرياء، فإن اللَّه تعالى ذكر يحيى فقال: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 39] قال: ثم ذُبح ذبحاً قال: ثم تناول سعيد بن المسيب شيئا من الأرض صغيراً فقال: لم يكن ذَكَرُه إِلا مثل هذا.
قال محمد بن رشد: الحديث مرفوع إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ومثله لا يكون رأْيا.
رواه سعيد بن المسيب عن ابن العاص سمع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولهُ ذَنْب إِلَّا مَا كَانَ مِنْ يِحْيَى ابْنِ زَكَرِياء» وذكر الحديث.
وفي قوله: كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ إِلَّا مَا كَانَ مِن يَحْيَى ابْنِ زَكَرِيًاءَ دليل ظاهر على أن الأنبياء غير معصومين من الذنوب الصغائر، إذ لا اختلاف أنهم معصومون من الكبائر.
ويدل على ذلك من القرآن قوله عز وجل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] وقد قيل: إِنهم معصومون من الصغائر والكبائر، وأن الخطاب في قوله تعالى للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - والمراد به أمته.
والمعنى في ذلك: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] . في الدين لتهتدي به أنت والمسلمون فيكون ذلك سبباً لغفران ذنوبهم.
والأظهر أن الخطاب في ذلك للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وأن المعنى فيه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] . إِنا حكمنا لك حكماً

يبين به لمن سمعه أو بلغه أنا قضينا لك بالنصر والظفر على من خالفك، وناصبك من كفار قومك، لتشكر ربك على ذلك وتسبحه وتستغفره فيغفر لك بفعلك ذلك، ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
وقيل: عَنَى بالفتح، فتح مكة، فيغفر له على شكره ذلك ما تقدم من ذنبه قبل الفتح وما تأخر عنه، وقيل: ما تقدم من ذنبه قبل الرسالة، وما تأخر عنها.
وقيل: ما تقدم من ذنبه يوم بدر، وما تأخر عنه يوم حُنْينٍ، وذلك أن الذنب المتقدم يوم بدرٍ أنه جعل يدعو ويقول: «إِنْ تَهْلِكْ هَذِه الْعِصَابَةُ لَا تُعْبَدُ فِي الأرْض أبَداً» فأوحى اللَّه إليه من أين تعلم أنه إن أهلكتُ هذه العصبة لا أعبد في الأرض؟ فكان هذا الذنب المتقدم، وأما الذنب المتأخر، فيوم حُنيْنٍ لَما انهزم الناس، «قال لعمِّه الْعبّاس، ولابن عَمِّه أبي سفيان: ناوِلاني تحفْاً مِنْ حَصَاةِ الْوَادي فَنَاوَلَاهُ فَأخَذَهُ بِيَدِه وَرَمَى بِهِ فِي وُجُوهِ الْكُفّار، وَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، لَا ينصَرُونَ، فَانْهَزَُم الْمُشْرِكُونَ عَن آخِرِهِم، وَلَمْ يَبْقَ أحدٌ إِلّاَ امْتَلَأتْ عَيْنَاهُ رَمْلاً وَحَصاً ثمَّ نَادى أصْحَابَه، فَرَجَعُوا فَقَالَ لَهُم عِنْدَ رُجُوعِهِم: لَو لَمْ أرْمِهِم لَمْ يَنْهَزِمُوا فَأنْزَلَ اللًهُ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17] » . فكان هذا هو الذنب المتأخر.
واللَه أعلم.
والذي أقول به: إِن الأنبياء معصومون من القصد إلى إتيان الصغائر، كما أنهم معصومون من القصد إلى إتيان الكبائر، إلا أنهم يؤاخذون لمكانهم ومنزلهم بما ليس بكبائر ولا صغائر، في حق من سواهم.
وهذا نحو قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أمْلِكُ، فَلَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا تَمْلِكُ وَلَا أمْلِكُ» فسأل الله عز وجل أن لا يؤاخذه بما ليس في وسعه، ولا يدخل تحت طاقته وقدرته، وأن يغفر ذلك له، وإن كان الله قد تجاوز لعباده عنه بقوله عز وجل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]

ونحو ما كان من شأنه مع ابن أم مكتوم حتى عاتبه اللَّه على ذلك بقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: 1] ﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس: 2] ، إلى قوله: ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: 11] والحَصور الذي لا يقدر على جماع النساء.
ومنه حصر الخطيب في خطبته، والقارئ في قراءته.
ومنه حصر العدو.
وقوله: ذُبح ذبحاً قد مضى الكلام على السبب الذي من أجله ذبح في رسم نذر سنة قبل هذا فلا معنى لإِعادته.

أشراط الساعة

فيما هو من أشراط الساعة وحدثني ابن القاسم عن مالك عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن معمر بن مُحيريز، قال: من أشراط الساعة المعلومة المعروفة أن يرى الرجل يدخل البيت، فلا يشك من يراه أنه يدخل لسوء إِلَاّ أن الجُدُر تواريه.
قال محمد بن رشد: يريد: إِن من أشراطها المؤذنة بقربها، أن يكثر الفسوق في الناس، ويشتهر المتهمون به، فإذا رُئي الواحد منهم يدخل البيت الذي يتهّم أهلُه بالمكروه، لم يشك رائيه أنه يدخله لسوء يريده لغلبة ظنه بذلك، وهي كثيرة.
من ذلك أن يؤتمن الخائن، ويخون الأمين، وأن يوسَّد الأمر إلى غير أهله وأنْ تَلِدَ الأمةُ رَّبَّتَها.
على ما أتت به الروايات عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وهي أكثر من أن تحصى.
والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أشراطها، إذ لا نبي بعده قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بُعِثْتَ أنَا وَالساعَةَ كَهَاتيْنِ وَأشَارَ بِأصْبُعِه الْوُسْطَى الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ» . وأما الأشراط

الكبار التي بين يدي الساعة، فمنهما الدابة، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وباللَّه التوفيق.

ما أعلم النبي عليه السلام به من الفتنة التي تكون بعده

فيما أعلم النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - به من الفتنة التي تكون بعده قال مالك: «ذكر النبي عليه السلام فتنة، فقالوا: يا رسول اللَّه ما النجاةُ منها؟ فقال: " تَرْجِعُوَنَ إِلَى أمْرِكُمُ الأوَّل» . قال مالك: «قال النبي عليه السلام لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص: " يَا عَبْدَ اللَّهِ، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ الناس قَدْ مَرِجَتْ عُهُودهم وَأمَانَتُهُم وَاخْتَلَفُوا وَشَبَّكَ بَيْنَ أصابِع يَدِهِ؟ فَقَالَ: كَيْفَ بِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تَدَعُ عوَامَّهُم وَعَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ» . قال محمد بن رشد: في هذا علم من أعلام نبوة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لأنه أخبر بما كان بعده من الفتون والاختلاف، ودل على وجه السلامة من ذلك بقوله: «تَرْجِعُونَ إِلَى أمْرِكُم الأوَّل» . يريد التمسك بكتاب الله.
وباللَّه التوفيق.

[ترك تولي الولاية للرَّجُل]

في أن ترك تولي الولاية للرَّجُل خير له قال مالك: دعا عمر بن الخطاب رجلاً ليوليه ولاية فأبَى فجعل عمر يديره عليها، فقال الرجل: نَشَدْتُكَ باللَّه أي ذلك تعلم أنه خيرٌ لي؟ قال: تركها خير لك.
قال محمد بن رشد: في رواية أخرى قال: فاعفني، قال: قد فعلت.
وإنما رأى عمر بن الخطاب ترك الولاية خيرا له، وإن كان في العمل

فيها بالصواب أجر عظيم، مخافة أن لا يتخلص في عمله، ويضعف عن إقامة الواجب عليه فيها، ولا يعدلُ بالسلامة شيء.
وإذا كان عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول: وددت أني أَنجُو مِنْ هَذَا الأمْرِ كَفَافَاً لَا لِي وَلَا عَلًيّ، فكيف بمن بعده من الناس؟ وبالله التوفيق.

ترك عمرما كان أراده من كتاب الأحاديث

ومن كتاب أوله حلف ليرفعنَّ أمراً إلى السلطان في ترك عمر ما كان أراده من كتاب الأحاديث.
قال مالك: كان عمر بن الخطاب قد أراد أن يكتب الأحاديث، أو كتب منها ثم قال: كتاب مع كتاب الله تعالى لا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا والله أعلم أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان أراد أن يكتب الأحاديث المأثورة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ليجعلها أصلاً يحمل الناس عليها في الآفاق، كما يفعل بالقرآن، فتوقف عن ذلك، إذ لا يقطع على صحة نقل الأحاديث عن النبي عليه السلام، كما يقطع على صحة نَقل التواتر، فقامت الحجة فَرأى أن يكل أمر الأحاديث إلى الاجتهاد، والنظر في صحة نقلها، ووجوب العمل بها، وأما أن يكتب الرجل الحديث قد رواه لِيَتَذَكَّرُه ولا ينساه، فلا كراهة في ذلك.
وقد «حدَث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بحديث، فجاء رجلٌ من أهل اليمن فقال: " اكتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّه، فقال: اكْتُبُوا لأِبِي فلانٍ ".» وقال أبو هريرة: مَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثاً عَنْهُ مِنِّي، إلَاّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أكْتُبُ.
ولولا أن العلماء قيدوا الحديث ودنوه وميزوا الصحيح منه من السقيم، لدرس العلم وعمي أمر الدين.
فالله يجازيهم على اجتهادهم في ذلك بأفضل جزاء المحسنين.
وبالله التوفيق.

القلائد في أعناق الإبل والأجراس

في كراهة القلائد في أعناق الإبل والأجراس وسئل مالك عن كراهية القلائد في أعناق الإبل أهو مثل الجرس؟ قال: لا الجرس أشدُّ.
قيل له: لم كُره الجرس؟ قال: لا أراه كُرِه إلا لصوته.
ذلك الذي يقع في قلبي.
قال محمد بن رشد: تعليق الأجراس والقلائد، وهي التمائم بما ليس فيه ذكر اللَّه، في أعناق الإبل مكروه عند عامة العلماء، لِمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئهُ، مِن «أَنَّ رَسُولَ اللًّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بَعَثَ فِي بَعْض أسْفَارِه رَسُولاً، وَالنَّاسُ فِي مَقِيلِهِم، أَلَّا يبْقى فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلاَدَة مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادةِّ إلاَ قُطِعَتْ.
فعمَّ ولم يخص جرساً من غيره» . ورأى مالك الجرس أشد، لما فيه من الِإذاية بصوته.
وفي رسم باع غلاماً بعد هذا عن سالم بن عبد الله أنه مر على عير لأهل الشام، وفيها جرس، فقال لهم سالم: إن هذا نهي عنه فقالوا له: نحن أعلم بهذا منك إنما يُكره الجلجل الكبير، فأما مثل هذا صغير، فليس فيه بأس، فسكت سالم.
وإذا كان الجرس إنما يكره لصوته كما قال مالك، فلا شك في أنه كلما عظم فهو أشد كراهية.
ويحتمل أن يكون وجه الكراهية فيه شبهه بالناقوس الذي يضرب به النصارى.
وقد جاء عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «الْعِيرُ الَّتِي فِيهَا الْجَرَسُ، لَا تَصْحَبُهَا الْمَلاَئكَةُ» وقع هذا بعد هذا في رسم باع غلاماً المذكور.
وقوله في الحديث قِلاَدة مِنْ وَتَرٍ أو قِلاَدَة

شك من المحدث.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه إنما تكره القلادة من الوتر خاصة، لأن البهيمة قد تختنقُ بها في خشبة أو شجرة، والخيط ينقطع سريعاً، فلا تختنق به.
وأما الحديث الذي جاء: «قلدوا الْخَيْلَ وَلَا تُقلَدُوهَا الأوتار» . فمعناه لا تركبوها في الدخُول وطلب التراث.
وأما التميمةُ بذكر الله وأسمائه، فأجازها مالك مرة في المرض، وكرهها في الصحة، مخافة العين، أو لِما يُتقى من المرض، وأجازها مرةً بكل حال، في حال الصحة والمرض.
ومن أهل العلم من كره التمائم في كل حال، كان فيها ذكر أو لم يكن، وفي كل حال، كان ذلك في حال الصحة أو المرض لما جاء في الحديث، مِنْ أن «من تَعَلَّقَ شَيْئاً وُكِلَ إلَيْهِ، وَمَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أتَمً اللَّهُ لَه وَمَنْ عَلَّقَ وَدَعةَ فلا وَدَعَ اللهُ لَهُ» . ومنهم من أجازها على كل حال في حال المرض، ومنع منها في حال الصحة.
لما روي عن عائشة من أنها قالت: ما عُلَقَ بَعْدَ نُزُول الْبَلَاء فَلَيْسَ بِتَمِيمَةٍ.
وقد مضى هذا والكلام عليه مستوفى في الرسم الذي قبل هذا.
وبالله التوفيق.

حكم الخضاب

في الخضاب قال مالك في قول عائشة: إنَّ أَبَا بَكْرِ كَانَ يَصْبُغُ، من الدلائل على أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يصبُغ ولو كان يصبغ لبدأت به.
قال محمد بن رشد: يريد لبدأتْ به ولَذكرتْه لعبد الرحمن بن

الأسود بن عبد يغوث حين أرسلتْ إليه جاريتها نُخَيْلَةَ، تَعزمُ عليه أَن يصبُغ، وتخبرُه أن أبا بكر الصديق كان يصبُغ.
وقد مضى هذا كله والكلام عليه مستوفى في الرسم الذي قبل هذا وبالله التوفيق.

[تفسير الفَدادين والداء العًضال]

في تفسير الفَدادين والداء العًضال وما جاء من أن بخيبر وادياً قد سال ناراً وسئل مالك عن تفسير الفدَّادِين قال: هم أهل الجفا.
قال مالك: وقد سألت عنهمِ، فقيل ليِ: هم أهل الجفا وقال مالك: إنه يقال: إن بخيبر وادياَ قد سال ناراَ.
وسئل مالك عن الداء العُضال فقال: هو الهلاك في الدين.
قال محمد بن رشد: تفسير مالك للفدادين يريد الفدادين المذكورين في حديث أبي هريرة، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «رَأسُ الْكُفْرِ فِي الْمَشْرِقِ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي أَهْل ألْخَيْل وَالِإبِل وَالْفدَّادينَ مِنْ أَهْل الْوَبَر.
وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْل الْغَنَم» . صحيح وتفسيره أيضا للداء العضال يريد المذكور في حديث مالك: أنَّهُ بَلَغَهُ أَن عُمَرَ بْنَ الْخَطَابِ أَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الْعِرَاقِ، فَقَالَ لَهُ كَعْبُ الأحْبَارِ: لَا تَخْرجْ إلَيْهَا يَا أمِير الْمُؤمِنِين، فَإنَّ بِهَا تِسْعَةَ أَعْشَارِ السِّحْرِ، وبِهَا فَسَقَةُ الْجِنِّ، وبِهَا الدَّاءً الْعُضَالُ.
صحيحِ أيضاً بيِّن، لا إشكال فيه.
وما ذكره من أنه يقال: إن بِخيْبَرَ وادياً قَدْ سَالَ نَاراَ، فالمعنى في ذلك إن صح أنه كان فيما خلا من الأمم السالفة عقوبة لأحد، أو معجزة لنبي.
وبالله التوفيق.

حديث عيينة بن بدر

في حديث عيينة بن بدر قال ابن القاسم: سأَلنا مالكاً عن حديث عيينة بن بدر حين دخل على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجد عنده امرأة يقال لها: أمُّ مسلمة، وهو الحديث الذي قال فيه عيينة ما هذه الحُميراء؟ قال محمد بن رشد: عيينة بن بدر هذا هو عيينة بن حصن بن بدر الفزاري يكنى أبا مالك، أسلم بعد الفتح وشهد الفتح مسلماً.
وهو من المؤلفة قلوبهم.
وكان من الأعراب الجفاة.
وحديثه الذي سأل ابن القاسم مالكاً عنه هو ما روي أنهُ «دَخَلَ عَلَى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِغَيْرِ إِذْنٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَأَيْنَ الِإذْنُ؟ فَقَالَ: مَا اسْتَأذَنْتُ عَلَى أَحَدٍ مِن مُضَر وَكانَت عَائِشَةُ مَعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَالِسَةً فَقَالَ: مَنْ هَذهِ الْحُمَيْرَاءُ؟ فَقَاَلَ: أُمُ الْمُؤمِنِين، فَقَالَ أَفَلَا أَنْزِلُ لَكَ عَنْ أَجْمَلَ مِنْهَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَنْ هَذَا يَا رَسُولَ الله فَقَالَ: هَذَا أَحْمَقٌ مُطَاعٌ وَهًوَ عَلَى مَا تَرَيْنَ سَيِّدُ قَوْمِهِ» . وفي حديث آخر أَنَهُ دَخَلَ عَلَى رَسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَذَلِكَ قَبْل أَن يَنْزِلَ الْحِجَابُ، وعِنْدَهُ عَائِشَةُ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: عَائِشَةُ.
قَالَ أَفَلَا أَنْزِلُ لَكَ عَن أُمِّ المُؤْمِنينَ فَتنْكِحُهَا فَغَضِبَتْ عَائِشَةُ وَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا أَحْمَقٌ مُطَاعٌ يعني في قومه وكان لعيينة هذا ابنُ أخ له دين وفضل من جلساء

عمر بن الخطاب.
يقال له الحر بن قيس.
فقال لابن أخيه: ألا تدخلني على هذا الرجل؟ قال: إني أخاف أن تتكلم بكلام لا ينبغي.
فقال: لا أفعل فأدخله على عمر فقال: يا ابن الخطاب، والله ما تقسم بالعدل، ولا تعطي الجزل، فغضب عمر غضباً شديداً حتى هم أن يوقع به.
فقال ابن أخيه: يا أمير المؤمنين: إن الله يقول في كتابه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] قال: فخلى عنه عمر.
وكان وقافاً عند كتاب الله.
وإنما سأل ابن القاسم مالكاً عن حديث عيينة المذكور.
والله أعلم هل بلغه أم لا؟ لما فيه من جهله على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه، وحِلْمِه عليه.
وبالله التوفيق.

[اللِّقْحَة الصَفِيّ] في اللِّقْحَة الصَفِيّ هي الغَزيرَة الكثيرة اللبن.
قال محمد بن رشد: قول مالك في

اللقحة الصفي

: إنها الغزيرة الكثيرة اللبن صحيح، لأن ذلك مفسر في الحديث: حديث أبي هريرة رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول اله قال: «نِعْمَ المنيحَة اللَّقْحَةُ الصَفِيُ، والشَّاةُ الصَّفِيُّ تَغْدُو بِإنَاءٍ وَتَرُوحُ بآخَر» ومعنى الصفي المختارة، لأن صاحب اللقاح والغنم، يصطفي لنفسه غزار اللبن منها أي يختارها.
فإذا منح جاره وابن عمه ما يصطفيه ويختاره، فنعمت المنحة هي، كما جاء في الحديث قَال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267] الآية والله أعلم وبه التوفيق.

حكاية عن عمر بن عبد العزيز

قال مالك: لما قدم على عمر بن عبد العزيز ابن زرارة قال: يا أمير المؤمنين: جئتك من عند قوم أحوج الناس إلى معروفك وصلتك، قال: أجل يا ابن زرارة إلا من كان من أهل قسطنطينة.
قال محمد بن رشد: يريد والله أعلم بقوله: إلا من كان من أهل قسطنطينة إلا من كان من أسرى المسلمين بقسطنطينة فإنهم لا يحتاجون من صلتي ومعروفي إلى أكثر مما أصلهم وإنما هذه من أمرهم.
فقد ذكر بعض المؤرخين أنه كتب إلى الأسرى بقسطنطينة لَسْتُم أسرى ولكنكم حُبسَاء في سبيل الله ولست أقْسِمُ شيئاً إلا خصصت أهلكم بمثله.
وقد بعثت إلى كل شخص منكم خمسة دنانير، وبعثت أن يُفادَى كبيركم وصغيركم فأبشروا وبالله التوفيق.

التلبية في الحج في القفول

في النهي عن التلبية في الحج في القفول قال مالك: كان رجل من أهل العراق يُحرم بالحج إذا قفل فلقيه مولى لابن عباس، أراه عكرمة، وكان مفوهاً.
فقال له: لم فعلت هذا؟ إني أظنك رجلِ سوء يقول الله في كتابه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: 27] وأنت تلبي راجعا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لأن المدعوّ إنما يجيب الدعاء حتى يصل إليه ولا وجه لِإجابته في انصرافه عنه.
وذلك ازدراءٌ من فعله، ولذلك قال عكرمة لمن رآه يلبي في رجوعه من الحج، أراك رجل سوء لأن

إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما دعا الناس إلى الحج كما أمره عز وجل حيث يقول: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ [الحج: 27] من عرفة فإليها تنهي غاية الملبي.
وأجاز مالك لمن أبقَ غلامه، أو ذهب بعض متاعه في ذهابه إلى الحج، فرجع في طلبه أن يلبي في رجوعه في طلبه، لأنه في حكم الذاهب، وقد مضى في هذا الرسم من هذا السماع في كتاب الحج.
وبالله التوفيق.

التحذير من الأهواء

في التحذير من الأهواء قال مالك: كان هاهنا رجل يقول: ما بقي من دين إلا وقد دخلت فيه يعني الأهواء فلم أر شيئاً مستقيماً، يعني بذلك فرق الِإسلام، فقال له الرجل: أنا أخبرك ما شأنك لم تعرف المستقيم، إِنك رجل لا تتقي الله.
يقول الله في كتابه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2] . قال محمد بن رشد: أهل الأهواء على ثلاثة أقسام: قسم يكفرون بإجماع وهم الذين اعتقادهم كفر صريح، كالذين يقولون: إِن جبريل أخطأ بالوحي، وإنما كان النبي علي بن أبي طالب.
وقسم لا يكفرون بإجماع وهم الذين لا يؤول قولهم إلى الكفر إلا بالتركيب، وهو أن يقال: إذا قال كذا وكذا، فلزمه عليه كذا أو كذا وإذا قال كذا وكذا لزمه عليه كذا وكذا، حتى يؤول بذلك إلى الكفر.
وقسم يختلف في تكفيرهم وهم الذين يعتقدون مذهباً يسد عليهم طريق المعرفة بالله تعالى، كنحو ما يعتقده القدَرية والمعتزلة والخوارج، والروافض.
فروي عن مالك أنهم يكفرون بمآل قولهم.
قاله في أول سماع ابن القاسم من كتاب المحاربين والمرتدين، فيستتابون على هذا القول كالمُرْتَدِّ وقيل: إنهم لا

يكفرون بمآل قولهم لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في المثل الذي ضربه فيهم.
وتتمارَا في الفرق، لأنه يدل عن الشك في خروجهم عن الِإيمان، وإذا شك في خروجهم عن الِإيمان وجب ألا يحكم بكفرهم إِلا بيقين فيضربون على هذا القول، كما فعل عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بصبيغ ولا يقتلون.
وبالله التوفيق.

ما كان عليه الناس من ضيق العيش في أول الأمة

فيما كان عليه الناس من ضيق العيش في أول الأمة قال مالك: كان الناس في أول هذه الأمة، ليس لهم غداءٌ ولا عشاء، إن وجد شيئاً أكل وإلا ترك.
يعني في أوَّل الساعة.
قال محمد بن رشد: الغداء والعشاء نهاية الترفه في الدنيا ولذلك قال عز وجل في أهل الجنة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 62] أي إِن الذي بين غدائهم، وعشائهم في الجنة قدر ما بين غداءِ أحدنا وعشائه في الدنيا لأنه لا ليل في الجنة ولا نهار.
وهذا مثل قوله عز وجل: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 9] و ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: 54] يعني من أيام الدنيا وبالله التوفيق.

حسن الصوت بالقرآن

في حسن الصوت بالقرآن وسئل مالك عن النفر يكونون في المسجد، فيحف أهل المسجد، فيقولون لرجل حَسَن الصَّوت اقرأْ علينا.
يريدون حسن صوته، فكره ذلك وقال: إِنما هذا يشبه الغناء، فقيل أفرأيت

الذي قال عمر لأبي موسى؟ ذَكِّرْنَا رَبَّنَا فقال: إِن من الأحاديث أحاديث قد سمعتها وأنَا أتقيها، ووالله ما سمعت هذا قط قبل هذا المجلس، وكره القراءة بالألحان.
وقال هذا عندي يشبه الغناء، ولا أحِبُّ أن يعمل بذلك.
وقال: إِنما اتخذوها يأكلون بها، ويكسبون عليها.
قال: وسئل مالك عن النفر يتحلقون في السورة الواحدة، فكره ذلك، وقال: لا يعجبني هذا من العمل.
قال ابن القاسم فهو رأيي.
قال محمد بن رشد: إنما كره مالك للقوم أن يقولوا للحسن الصوت: اقرأ علينا، إذا أرادوا بذلك حسن صوته كما قال، لا إذا قالوا ذلك له استدعاءً لرقة قلوبهم بسماع قراءته الحسنة.
فقد روي أن رسُولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أذِنَ لِنَبيٍّ يَتَغنَّى بالقرآن» أي ما استمع لشيء يحسن صوته بالقرآن طلباً لرقة قلبه بذلك.
وقد كان عمر بن الخطاب إِذَا رَأى أبا موسى الأشعري قال: ذَكّرْنَا رَبَّنَا فَيَقْرَأ عِنْدَهُ.
وكان حسن الصوت، فلم يكن عمر ليقصد الالتذاذ بحسن صوته، وإنما استدعى رقة قلبه بسماع قراءته للقرآن، وهذا لا بأس به، إذا صح من فاعله على هذا الوجه.
وقول مالك: إن من الأحاديث أحاديث قد سمعتها وأنا أتقنها، إنما اتقى أن يكون التَّحدثُ بما روي عن عمر بن الخطاب من هذا ذريعةً لاستجازة قراءة القرآن بالألحان ابتغاء سماع الأصوات الحسان، والالتذاذ بذلك، حتى يقصد أن يقدم الرجل للِإمامة لحسن صوته، لا لما سوى ذلك، مما يجب أن يرغِّب في إِمامته لأجله، فقد روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتّاً» . فذكرها أحدها: «نشْوا يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمون أحَدَهُم لِيُغَنِّيَهُم، وَإِنْ كَانَ أقَلَّهُم فِقْهاً» . فالتحذيرُ إنما وقع في الحديث لِإيثارهم تقديم حَسَنِ الصوت على الكثير الفقه، فلو كان رجلان مستويَيْن في الفضل والفقه، وأَحدهما أحسن صوتا بالقراءة، لَما كان مكروهاً أن يقدم الأحسن صوتاً بالقراءة، لأنها مزية زائدة محمودة، خصه الله بها.
وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي موسى الأشعري تغْبيطاً له بما وهبه الله من حسن الصوت، «لَقَدْ أوتِيتَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آل دَاوودَ» . وأما ما روي من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ مِنَّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بالْقُرْآنِ» . فقيل معناه: من لم يستغن بالقرآن أي من لم ير أنه به أَفضل حالاً من الغناء بغناه.
وقيل: معناه من لم يحسن صوته بالقرآن استدعاء لرقة قلبه بذلك.
وقد قيل لابن أَبي مليكة: أحَدِ رُواة الحديث: فمن لم يكن له حلق حسن.
قال: يحسنه ما استطاع والتأويل الأول أولى، لأن قوله في الحديث.
«لَيْس منَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» يدل على أنه من لم يفعل ذلك فهو مذموم، وليس من ابتغى ثواب الله من غير أن يحسن به صوته مذموماً على فعله.
وقد مضى هذا في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة لتكرر المسألة هناك.
وإِنما كره مالك لقوم يتحلقون في السورة الواحدة، لأنه أَمر مبتدع، ليس من فعل السلف، ولأنهم يبتغون من الألحان وتحسين الأصوات بموافقة بعضهم بعضاً، وزيادة بعضهم في صوت

بعض، على نحو ما يفعل في الغناء فوجه المكروه في ذلك بيِّن.
وقد مضى هذا في رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة.
وبالله التوفيق.

نهي عمر للمهاجرين أن يتخذ مالا خلف الروحا

في نهي عمر للمهاجرين أن يتخذ مالا خلف الروحا قال مالك: قال عمر بن الخطاب: لَا يَتَّخِذْ أحدٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَالًا خَلْفَ الرَّوْحَا، فَإِنَّ قَلْبَ الرَّجُل مُعَلَّقٌ بِمَالِهِ.
قال محمد بن رشد: إِنما قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هذا لأنه استحب للمهاجرين المقام بالمدينة التي هاجروا إليها فالمهاجر لا يجوز له المقام بمكة لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يُقِيمًنّ مُهَاجِرٌ بِمَكَةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ فَوْقَ ثَلَاثٍ» . ويستحب له المقام بالمدينة وترك الخروج منها إلى غيرها على ما يدل عليه قول عمر في هذا الحديث.
وبالله التوفيق.

وقت فتح خيبروالخندق والفتح

في وقت فتح خيبر والخندق والفتح قال مالك فتحت خيبر على رأس ستِّ سنين، والخندق على أربع، والفتح على ثمان.
قال محمد بن رشد: قوله في خيبر إنها فتحت على رأس ستِّ سنين صحيح.
كذا قال أهل السير.
وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما انصرف من الحُديبية إلى المدينة، مكث بها ذا الحجة، وبعض المحرم، ثم خرج في البقية منه غازياً إلى خيبر، ولم يبق من السنة السادسة من الهجرة، إلا شهر وأيام، وكان الله عز وجل قد وعده إياها وهو بالحُديبية.
فأنزل عليه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 18] الآية.
فلم يختلف أهل العلم أنها

البيعة بالحُديبية وكانت الشجرة سمرة بالحديبية.
وأما قوله في الخندق: إِنه كان على أربع، فهو خلاف ما قاله أهل السير من أنه كان في شوال من السنة الخامسة.
وكان سببه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أجلَى بني النضير خرج نفر من سادات اليهود منهم حُيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، حتى قدموا مكة، فدعوا قريشاً إلِى حرب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأجابهم أهل مكة إِلى ذلك، ثم خرجوا إلى غطفان، فدعوهم فأجابوهم، فخرجت قريش يَجرهم أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان يقودهم عُيينة بن حصين الفزاري، فأقبلت قريش في نحو عشرة آلاف بمن معهم من كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان بمن معها من أهل نجد، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتماعهم وخروجهم إليه، شاور أصحابه، فأشار عليه سلمان بحفر الخندق، فرضي رأيه، وعمل المسلمون في الخندق، ونكص المنافقونَ وجعلوا يتسللون لِوَاذاً فنزلت فيه آيات من القرآن وكان من فرغ من المسلمين من حصته، عاد إلى غيره فأعانه حتى كمل الخندق، وكانت فيه آيات بينات، وعلامات للنبوءة مذكورات.
وأما قوله في الفتح: إِنه كان على ثمان، فهو صحيح، لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَما انصرف من عمرة القضاء سنة سبع، أقام بالمدينة ذا الحجة والمحرم، وصفر، وشهري ربيع، ثم بعث - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في جمادى الآخرة من السنة الثامنة الأمراء إلى الشام، وأمَّر على الجيش زيد بن حارثة مولاه.
وقال: إِن أصيب فعلى الناس جعفر بن أبي طالب، وشيعهم وودعهم، ثم انصرف ونهض، وكان من أمرهم ما هو مذكور في السيَر.
ثم أقام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة بعد بعث موتة، جمادى ورجب، ثم حدث الأمر الذي أوجب نقض عقد قريش المعقود يوم الحديبية، تركتً ذكره احتصاراً.
وخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في عشرة آلاف، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين الغفاري، وكان خروجه لعشر خلون من رمضان من سنة ثمان كما قال مالك في الرواية.
وبالله تعالى التوفيق.

لباس الحرير في الجهاد

في لباس الحرير في الجهاد قال مالك: وسئل عن رجال بالإسكندرية يتهيئون يوم العيد بالسلاح، ويلبسون عليها ثياباً من حرير، ليتهيَّبوا بها العدو.
قال مالك: ما يعجبني لبس الحرير، ولم ير ابن القاسم بأساً أن يتخذ منها راية في أرض العدو.
قال محمد بن رشد: أما اتخاذ الراية من الحرير فلا اختلاف في جواز ذلك، وأما لباسه عند القتال، فقد أجازه جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك لِما في ذلك من المباهاة بالِإسلام، والِإرهاب على العدو، ولما يقي عند القتال من النبل وغيره من السلاح، وهو قول محمد بن عبد الحكم.
وحكاه ابن سفيان عن مالك من رواية عيسى عن ابن القاسم عنه، فإن استشهد وهو عليه، نزع عنه على مذهب من لا يجيز له لباسه في الجهاد.
وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الجهاد لتكرر المسألة هناك.

[شراء اللحم يأخذ منه كل يوم رطلاً أو رطلين والثمن إلى العطاء]

في شراء اللحم يأخذ منه كل يوم رطلاً أو رطلين والثمن إلى العطاء وحدثنا مالك عن عبد الرحمن بن المحبر عن سالم بن عبد الله، قال: كنا نبتاعٍ اللحم من الجزارين بسعر معلوم، نأخذ بكل يوم رطلين أَو ثَلاثةً نشترط عليهم أَن ندفع الثمن إلى العطاء قال: وَأنا أرى ذلك حَسَناً.
قال مالك: وما أرى به بأساَ.
وذلك إذا كان الطعام معروفاً، وإن كان الثمن إلى أجل فلا أرى به بأساً.
قال محمد بن رشد: قوله: كنا نبتاع اللحم من الجزارين بسعر

معلوم، نأكل كل يوم رطلين أو ثلاثة، نشترط عليهمِ أن ندفع الثمن إلى العطاء.
يدل على أن ذلك كان معلوماً عندهم مشهوراَ من فعلهم، لاشتهار ذلك من فعلهم، سميت بيعة أهل المدينة، وهذا أجازه مالك وأصحابه، اتباعاً لما جرى عليه العمل بالمدينة بشرطين: أحدهما أن يشرع في أخذ ما سُلم فيه، والثاني أن يكون ذلك أصل المسلم إليه على ما قاله غير ابن القاسم في سماع سحنون، من كتاب السلم والآجال، فليس ذلك بسلم محض، ولذلك جاز تأخير رأْس المال فيه، ولا شراء شيء بعينه حقيقة، ولذلك جاز أن يتأخر قبض جميعه إذا شرع في قبض أوله.
وقد روي عن مالك أنه لم يجز ذلك، ورآه ديناً بدين.
وقَال: تأويل حديث ابن المحبر أن يجب عليه ثمن ما يأخذ كل يوم إلى العطاء، وهو تأويل سائغ في الحديث، لأنه إِنَّما سمى فيه السوم ولم يأخذه في كل يوم، ولم يذكر عدد الأرطال التي اشترى منه، فلم ينعقد بينهما في ذلك بيع على عدد مسمّى، من الأرطال، فكلما أخذ منه شيئاً وجب عليه ثمنه إلى العطاء ولا يلزم واحداً منهما التمادي على ذلك، إذا لم يعقد بيعهما على ثمن معلوم مسمى من الأرطال، وإجارة ذلك مع تسمية عدد الأرطال التي يأخذ منها في كل يوم رطلين أو ثلاثة، على الشرطين المذكورين هو المشهور في المذهب.
وقوله في هذه الرواية: وَأَنا أرى ذلك حسناً، معناه: وأنا أجيز ذلك استحساناً اتباعاً لعمل أهل المدينة.
وإن كان القياس بخلافه.
وبالله التوفيق.

حكاية عن سعيد بن المسيب

قال مالك: بعث رجلٌ إلى سعيد بن المسيب بخمسة آلاف درهم، وكان أموياً، فجاءه الرسول وهو يحاسب غلاماً له في نصف درهم، يذكر أنه له قِبَله، فعرض عليه الخمسة الآلاف فأبى أن يقبلها، فعجب الرسول منه فقال: أنا أعطيك خمسة آلاف وأَنت تحاسب في نصف الدرهم، قال: النصف درهم هو أحب إلي من هذه الخمسة الآلاف.

قال محمد بن رشد: هذا كما قال - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، إن النصف درهم أحب إليه من هذه الخمسة الآلاف.
لأن الأمير الذي أعطاه الخمسة الآلاف لم يكن الخليفة أو أميراً مفوضا إليه قسمةُ مال الله بين الناس وإِجازةُ من يستحق الجائزة منهم، فلا يجوز له الأخذ منه، وإِن كان للخليفة أو من فوض إليه الخليفة أمر مال الله، فتَرْكُه خير من أخذه، وإن كان المجبى حلالاً وعدل في قسمه بين الناس، لأنه إذا تركه، ليعطى لمن هو أحوج إليه منه فقد أجر في ذلك، مع قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِحكيم بن حزام: «إِن خَيْراً لِأحَدِكُمْ أن لَا يَأخُذَ مِن أحَدِ شَيْئاً، قَالَ: وَلَا مِنْكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: وَلَا مِنَي» وتركه لمحاسبة غلامه بما له عنده، من إضاعة المال المنهي عنه.

علم الحرير في الثوب

في علم الحرير في الثوب وسُئل مالك عن الملاحف يكون فيها العلم من الحرير قدر الأصبع والأصبعين والثلاثة، فكره ذلك، وقال: لا أحب لباسها.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في آخر رسم حلف قبل هذا فلا معنى لإِعادته.

ما يلزم المستشار من النصح

فيما يلزم المستشار من النصح قال عيسى: وأَخبرني ابن القاسم عن يحيى بن زكريا، «أَن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له رجل أَشِرْ عَلي.
قال ابن القاسم لا أَعلمه إِلا قال لي فحَسَرَ رسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذِرَاعَيْهِ وَقَال: "الْمُسْتَشارُ أَمينٌ» .

قال محمد بن رشد: في هذا الحديث أن على المستشار للمستشير أَن يعمل نظره فيما يراه من الرأي، ولا يشير عليه إلاَّ بعد أن يَتثَبَّتَ في ذلك، ويجهد النظر فيه، فإنًه قد ائْتَمَنَه في ذلك، ورجا حسن نظره له، وأَداءُ الأمانة من الإيمان والنصيحةُ من الدِّين.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قِيلَ: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَلِأئمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِم» . وبالله التوفيق.

[صلاة الرجل في داره بصلاة الِإمام]

في صلاة الرجل في داره بصلاة الِإمام قال: وسُئل مالك عن الدار تكون قريباً من المسجد يصلون بصلاة الناس في المسجد قال: نعم إلَّا الجمعة.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها، ولا أَعرف في ذلك اختلافاً في مذهبنا.
وبالله التوفيق.

ترك الصلاة بين الظهر والعصر

في ترك الصلاة بين الظهر والعصر وذكر مالك الصلاة بين الظهر والعصر فقال: كان عمر بن الخطاب إذا صلَّى الظهر يقعُد للناس يحدّثهم بما يأتيه من أَخبار الأجناد ويحدثونه عن أَحاديث النبيّ عليه السلام، وقوم إذا رأوا الناس يتحدثون يقولون لهم: اذكروا الله ولم يكن ذلك شأن الأخيار وكانوا يتحدثون.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أن ما بين الظهر والعصر

ليس من الأوقات المرغب فيها للصلاة كالْهواجِرِ وآخر الليل بدليل ما ذكره عن عمر بن الخطاب، فلا يعاب على أَحد ترك الصلاة فيما بين الظهر والعصر والحديث فيه إذ كان الأخيار يفعلونه.
وقد اختار مالك في رسم صلَّى نهاراً ثلاث ركعات من كتاب الصلاة على القعود لمذاكرة العلم في الأوقات التي تستحب فيها الصلاة، ولم ير ما بين الظهر والعصر من تلك الأوقات، بدليل قول سعيد بن المسيب، وقد قيل له: إن قوماً يصلون ما بين الظهر والعصر: ليست هذه عبادة، إنَّما الورع عمَّا حرم الله والتفكر فيما أمر الله به، يريد أنها ليست عبادة إنما العبادة الورع عمَّا حرم الله والتفكير في أمر الله يريد: أنها ليست عبادة من العبادات المرغب فيها لا أنها ليست عبادة أصلاً، وبالله تعالى التوفيق.

تواضع عمر بن الخطاب وإشفاقه على المسلمين

حكاية في تواضع عمر بن الخطاب وإشفاقه على المسلمين قال مالك لما خرج عمر بن الخطاب إلى الشام لقيه راهب فجعل يتعجب ويقول: ما رأيت ملكاً في رهبانيته قبل اليوم.
قال مالك: كانت الرِّمادة في زمن عمر بن الخطاب سنين ليست واحدة، وأول ما أُغيثوا في الخريف.
قال: وقال مالك عن عمر في السمن الذي اشترته له عاتكة، لا أطعمه حتى يجيء الناس من أَول ما يحيون، قال يريد: حتى يُغاث الناس.
قال محمد بن رشد: الذي رأى الراهب من حال عمر التي تعجب منها هو ما وقع في سماع أَشهب من كتاب الدعوى والصلح من أنه لما خرج إلى الشام فتلقاه عجمها ركب خلف أَسلم وقلب فروهُ، فجعلوا كلما لقوا أَسلم، قالوا: أَين أمير المؤمنين؟ فيقول: أَمامكم أَمامكم، حتى أكثر، فقال له عمر كثرت عليهم، أخبرهم الآن، فسألوه فقال: هو هذا.
فوقفوا كالمتعجبين من حاله، فقال عمر: لا تَروْنَ عَليَّ كَسْوة قوم غَضِبَ اللِّهُ عَلَيْهِم، فنحن تزدري بنا أعينهم، ثم لم يَزل قابضاً بين عينيه،

حتى لقيه أبو عبيدة بن الجرَّاح فقال: أَنت أخي حقاً لم تغيِّرك الدنيا.
ولقيَه عَلَى بعِيرٍ خطامه حبل شَعَر أَسود.
قال مالك: وتلقى عمر يومئذٍ ببِرْذَون تخاربي فركبه ثم نزل عنه وسبَّه، فقيل له: ما له؟ قال: حملتموني على شيطان حتى، أنكرت نفسي.
وقوله في الرمادة: إنها كانت سنين، مثله في المدونة وبالله التوفيق.

قصة ثابت بن قيس مع ضيفه

في قصة ثابت بن قيس مع ضيفه قال: وسمعت مالكاً يحدّث «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ لِثَابِتِ بْن قَيْس بن شَمَّاس: انقَّلِبْ بِهَذَا الرِّجُلَ فَأَضفْهُ اللَّيْلَةَ فَانْقَلَبَ بِهِ ثَابِت فَقَالَ لَأهْلهَ: إِذا وَضَعْتُمُ الطَّعَامَ فَضَعوا أَيْدِيَكُم وَارْفَعُوهَا وَلَا تَمَسّوا فيه شَيْئَاَ، وَقَالَ: أَطْفِئُوا الْمِصْبَاحَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَقْبَلَ إِلَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فقَالَ: يا ثَابِتُ مَا فَعَلْتَ بِضَيْفِكَ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسولهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيَضْحَكُ لِفِعْلِكَ بِضَيْفِكَ» . قال محمد بن رشد: لم يسم البخاري الرجل المنقلب بالضيف إلى منزله في هذا الحديث، ذكر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلاَّ الْمَاءُ.
فَقَالَ رَسُولُ الله صًلّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: مَن يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟ قَالَ رَجَلُ مِنَ الأنْصارِ: أَنَا فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ: أكْرِمِي ضَيْفَ رَسُول اللَّهِ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَاّ قُوتُ الصِّبْيَانِ فَقَالَ هَيِّئي طَعَامَكِ وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادوا عَشَاءً فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنوَّمَتْ صِبْيَانَهَا ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ فَجَعَلاَ يُريَانِهِ أَنَّهُمَا يأكلاَنِ فَبَاتَا طَاوِيين فَلما أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُول اللًهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9] » وروي عن أبي هريرة أنه قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُضِيفَهُ فَلَْم يَكُن عِنْدَهُ مَا يُضِيفهْ، فَقَالَ: أَلَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا - رَحِمَهُ اللَّهُ -؟ فَقَالَ رَجُل مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو طَلْحَةَ، فانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ فَقَالَ لْامْرَأَتِهِ» . وساق الحديث بمعنى حديث البُخاري.
فيحملُ أن يكون ثابت بن قيس بن شماس يُكنَى أبا طلحة، ويحتمل أن يكون رجلاً آخر فعل مثل ما فعل ثابت بن قيس في وقت آخر.
ومعنى ضَحِكَ اللَّهً مِن فَعَالِكُمَا اللَّيْلَةَ أي أَبدى رضاه عن ذلك، وعظيم كرامته لهما على ذلك وأَظهر بمنه عليهما جزيل ثوابه على فعليهما، لأن معنى الضحك في لسان العرب راجع إلى ظهور ما كان مستتراً.
يقال: ضحكت الأرض إذا ظهر فيها النبات، وضحك الطريق إذا ظهر وتبين فيحمل من الله عزَّ وجلّ على ما ذكرناه مما يليق به، ولا يستحيل في صفته.
وقوله في حديث البخاري: أَوْ عَجِبَ شك من المحدث في أَي اللفظين قاله النبيّ عليه السلام، ومعناهما متقارب، لأن معنى عجب الله من فعل الرجل أي رضي عنه وعظم عنده من أَجله قدرُه، لأن المتعجب منا، معظم لما تعجب منه، راضٍ به، وذلك جائز في صفة الله تعالى، وذلك لا يكون منا إِلّاَ مِن أمر يطرأُ علينا علمُه، وذلك مستحيل في حقه تعالى، لتقدم علمه بما كان ويكون، فيحمل التعجب إذا أُضيف لله تعالى على ما يليق به ويجوز في حقه، دون ما يستحيل عليه ولا يجوز.
ومعنى قوله: باتا طاوييْن أَي ضامري البطن من الْخَوَا يقال طويَ بطنُه يطوى فإذا تعمد ذلك، قيل:

طوى بَطنَه يَطويه.
والطيان الجائع.
قاله الكسائي.
وبالله التوفيق.

[حكاية عن عُيينة بن بدر]

قال مالك: قدم عُيينةُ بن بدر المدينة فنزل على ابن أَخ كان أَعمى، فبات ابن أَخيه يصلي، فلما أَصبح غدا إلى المسجد، فقال: ما رأيت قوماً أَوجهَ للناس لما وجهوهم له من هذا الحي من قريش، كان ابن أخي عندي أربعين سنة لا يطيعني، وإنهم قد وجهوه لأمر فأطاعهم، ما زالَ الليلة يصلي.
قال: فدخل عمر بن الخطاب فقال: والله ما تعطينا الجزيل، وما تقضي بيننا بالحق، قال: فقعد عمر فاستوى.
قال: فقام ابن أخيه فقعد بينه وبين عمر، ثم قال: يا أمير المؤمنين: إن الله يقول في كتابه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] وإن هذا من الجاهلين، فقال عمر: أَخْرِجُوهُ عَني.
قال محمد بن رشد: عيينة بن بدر هذا هو عيينة بن حصن بن بدر يكنى أَبا مالك، أَسلم بَعد الفتح.
وقيل قبل الفتح، وشهد الفتح مسلماً.
وهو من المؤلفة قلوبهم.
وكان من الأعراب الجُفاة وقد مضى حديثه قبل هذا الرسم في دخوله على النبيّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بغير إذن، وما قاله بحضرة عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ممَّا أغضبها.
وابن أَخيه هو الحر بن قيس بن حصن، الذي تمارى مع ابن عباس في صاحب موسى الذي سألَ لقاءه على ما ذكر من شأنهما في القرآن، فعربهما أُبي بن كعب، فحدَّثهما بقصة موسى والخضر، على ما وقع من ذلك في كتاب العلم من كتاب البخاري وبالله التوفيق.

[التمسك بما سنَّهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده]

ومن كتاب أوله سَن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التمسك بما سنَّهُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وولاة الأمر من بعده قال مالك بن أَنس: إِن عمر بن عبد العزيز قال: سنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وولاة الأمر من بعده سنناً.
الأخذ بها اتًباعاً لكتاب الله واستكمالًا لطاعته، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها، ولا تغييرها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن تركها اتَّبَعَ غَيْر َسَبِيل الْمُؤْمِنينَ، وَوَلّاَه اللَّه مَا تَوَلَّى وصلاه جهنّم، وساءت مصيراً.

ما جاء من إن الأعمال بالنيات

فيما جاء من إن الأعمال بالنيات وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن علقمة بن وقاص أنه سمع عمر بن الخطاب على المنبر يقول: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنيات وإِنَّما لكل امرئ ما نَوَى فمن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجُها فهجرتُه إلى ما هَاجَر إليه» . قال محمد بن رشد: لفظة إنما في قوله إنّما الأعمال بالنيات هي من ألفاظ الحصر ولا ترِدُ أبداً إلا على سببه، فهي تنفي الحكم عن السبب وتوجبه للمذكور وتدل على نفيه عما سواه.
وقد قيل إنها لا تدل على ذلك، فقول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنما الأعمال بالنيات» معناه إنما العبادات التي ينتفع بها عند الله ما أخلصت النية فيه للَّه، والسبب الذي ورد عليه هذا الحديث ما روي أن رجلاً هاجر يريد نكاح امرأة، فنفى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالحديث أن يكون له في هجرته ثواب،

وأوجب الثواب في الأعمال التي يراد بها وجهُ الله، يريد العبادات منها، لأن لفظ الأعمال هاهنا عموم يراد به الخصوص، فدل على أنه لا ثواب فيما لم يرد به وجه اللَّه من الأعمال.
ومن الناس من قال: لا دليل في الحديث على ذلك وإنما هو معلوم بالإجماع.
وهذا الذي قلته من أن معنى الحديث إيجاب الانتفاع بالعمل إذا قارنته النية، ونفي الانتفاع به إذا لم تقارنه النية معقول منه تجري مجرى النص في العلم به، إذ لا يصح أن يحمل على ظاهره في الإعلام بوجود الأعمال بالنيات وعدمها بعدم النيات.
وقد ادعى بعض أصحاب أبي حنيفة فيه الإِجمال بحق ظاهره، وذلك بعيد، لاستحالة حمله عليه.
وهذا فيما كان من العبادات يصح أن يفعل للًه ولغير الله، أما ما كان من العبادات لا يصح أن يفعل للَّه، وذلك كالنظر والاستدلال عند من يراه أول الواجبات ولا يصح أن يفعل إِلَا للَه وذلك النية، إذ لو افتقرت النية إلى نية في لتسلسلت النيات إلى ما لا نهاية له، وذلك مستحيل، والكلام في هذا المعنى وما يتعلق به يطول فأومأنا منه إلى هذا القدر من البيان وباللَه التوفيق.

[قتل المشرك في الحرب بعد أن قال لا إله إلا اللَّه]

في قتل المشرك في الحرب بعد أن قال لا إله إلا اللَّه قال: وسمعت مالكاً قال: بلغني «أن رجلًا من المسلمين في بعض مغازي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمل على رجل من المشركين، فلما علاه بالسيف قال المشرك: لا إله إِلَّا اللَّه.
فقال الرجل: إنما تتعوذ بها من القتل فقتله، فأتى إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبره، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كيف لك بلا إله إلا اللَّه.
فقال: يا رسول اللَّه إنما كان يتعوذ بها من القتل، فما زال يعيدها على النبي والنبي يعيد عليه: فكيف لك بلا إله إلا اللَّه.
فقال الرجل: وددت أني أسلمت في ذلك اليوم، وأنه بطل ما كان من عملي قبل ذلك، وأني استأنفت من ذلك اليوم» .

قال محمد بن رشد: الرجل المذكور في الحديث هو أسامة بن زيد، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعثه في جيش إلى الحراقات من جهينة، فكان من أمره مع المشرك ما ذكره في الحديث، فعنّفه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على قتله بعد أن قال: لا إله إلا الله، وعذره باجتهاده فلم تنحط بذلك مرتبته عنده لأنه اجتهد فأخطأ، فكان له في ذلك أجر، على ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أن «القاضي إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر» . وإنما عنفه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنه ترك الاحتياط، إذ كان الاحتياط ترك قتله وإن كان أداه اجتهاده إلى إجازة قتله، فلم يكن كمن قتل مسلماً عمداً فيأثم في قتله، ولا كمن قتله خطأ فيكون عليه في قتله ما على قاتل الخطأ من الكفارة والدية على العاقلة.
ويحتمل أن يكون تأول في الاجتهاد قول اللَّه عز وجل: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا﴾ [غافر: 84] الآية إلى قوله: ﴿فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر: 85] أي الذين تقدموا ذلك الزمان كفرعون في قوله لما أدركه الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 90] . فأجيب عن ذلك بأن قيل له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 91] . فأعلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأن مجيء البأس من اللَّه بخلاف مجيئة من الناس.
وقد روي «عن خالد بن الوليد أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعثه إلى ناس من خثعم فاستعصموا بالسجود فقتلهم، فودّاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنصف الدية ثم قال: أنا بريء من كل مسلم مع مشرك لا تراءى نارهما» (كذا) . وإنما وداهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بما ودّاهم به تطوعاً منه وتفضلًا عليهم واستئلافاً لمن سواهم، إذا لم يكن قتلهم من الخطأ الذي تكون فيه الدية والكفارة، وإنما كان باجتهاد من خالد بن الوليد في قتلهم كما فعل في بني

جذيمة، إذ دعاهم إلى الإِسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، وجعل يقتل ويأسر فيهم، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذ بلغه ذلك: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعله خالد» . فعنفه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ لم يتثبت حتى يقف عن إرادتهم بقولهم: صبأنا صبأنا.
وفعل خالد في هؤلاء كفعل أسامة في قتيله بعد أن قال: لا إله إِلَّا اللَّه، فلم يكن عليه حرج فيما فعل إن شاء اللَّه بل كان ما جوا في اجتهاده والمعنى فيما روي عن عِمراَن بن حُصين قال: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي سَرِيَّةٍ فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ أبِي عَلَى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمَّا غَشيَهُ بِالرُّمْح قَال: إِنِّي مُسْلِم فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أتَى النَّبِيِّ فَقالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ أذْنَبْتُ فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنِّي حَمَلْتُ عَلَى رَجُلٍ، فلَمَّا غَشِيَهُ بِالرُّمْح قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ فَظَنَنْت أَنَّهُ مُتَعَوِّذ، فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ: أَفَلَا شَقَقتَ عَنْ قَلْبه حَتَّى يَستَبينِ لَكَ؟ قَالَ: وَيَسْتَبِينَ لي؟ قَالَ: قَدْ قَالَ لَكَ بِلِسَانِهِ فَلَمْ تصَدِّقْهُ عَلَى ما فِي قَلبه، فلَمْ يَلْبَثِ الرَّجُلُ أَنْ مَاتَ فَدُفِنَ فَأصْبَحَ عَلَى وَجْهِ الأرْض فقلنا عَدُوٌّ نَبشه، فأمَرْنَا عبيدنا وَمَوالينا فحرسُوهُ، فأصْبَح عَلَى وَجْهِ الأرض، فقلنا فَلَعَلَهُم غَفلُوا، فحَرَسْنَا فَأَصْبحَ على وَجه الأرض، فأَتَيْنَا النبيّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الأرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَلَكِن أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يخْبِرَكم بِعِظَم الدَم، ثَمّ قَالَ: انتَهُوا بِهِ إلَى سَفْح هَذا الْجَبَل، فَأَنْضِدُوا عَلَيْهِ مِن الْحِجَارَةِ فَفَعَلْنَا» انتهى الحديث، إنَّه إنما قتله بعد أن علم أن قتله لا يجوز بقيام الحجة عنده على ذلك.
والدليل على ذلك من الحديث قوله فيه للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إِنِّي قَدْ أَصَبْتُ ذَنْباً فاسْتَغْفِرْ لِي والله أعلم.

كراهية تفسير القرآن بما يظهر من المعنى

في كراهية تفسير القرآن بما يظهر من المعنى فيه قال مالك: أَخبرني يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب

أنه سُئل عن آية في كتاب الله، قال سعيد: لا أَقول في القرآن شيئاً.
قال ابن القاسم: قال مالك: وبلغني عن القاسم بن محمد نحو ذلك قال مالك: وبلغني أَنَّ أَبا بكر قال: أَيُّ سماء تُظلني؟ وَأَيُّ أَرضٍ تُقِلُّني إن أَنا قلت على الله ما لا أَعلم.
قال محمد بن رشد: هذا من قول الأئمة من السلف الصالح حجة لقول من ذهب إلى أَن المتشابه من القرآن لا يعلم تأويله إلَّا الله، وأَن ذلك ممَّا استأثر الله بعلمه، فلا يعلم تأويله سواه، وأن الوقف في الآية يَحسُن عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7] فَثم تمَّ الكلام، ثم يبتدئ القارئ بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: 7] ومن أَهل العلم من يقول: إِن الراسخين في العلم يعلمون تأويله أيَضاَ بما نصب لهم من الأدلة على معرفته، وجعل لهم من الطرق الموصلة إليه.
وتمام الكلام الذي يحسن فيه الوقف، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7] ، ثم يبتدئ القارئ بقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: 7] أي وهم يقولون: آمنا به.
وسيأتي الكلام على تفسير الآية في رسم البز إن شاء الله وبالله التوفيق.

[حكم المفاوضْة والمناظرة]

في استحسان المفاوضْة والمناظرة قال مالك كان عمر بن عبد العزيز يقول: ما رأيت أحداً لَاحَى الرجال لم يأخذ بجوامع الكلم.
قال محمد بن رشد: الملاحاة المفاوضة والمناظرة، فمن تدرب في ذلك تعلم تحسين العبارة في الحجة، فكان له بذلك فضل بيان الصواب بتحرير العلة.
ورواه أَبو عبيدة في غريب الحديث: "عَجِبْت لِمَن لَاحَنَ الرِّجَالَ " بالنون.
واللَّحَن الفطنة بفتح الحاء ومنه حديث النبي عليه

السلام: «وَلَعلَّ بَعْضَكُم أَن يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ» .

[تَمْتَشِطَ الْحَادُّ بِالْحِنَّاء وَتَجْعَلَ فِي عَيْنِهَا صَبِراً]

فيما كرهت أم سلمة للحادِّ أن تفعله قال مالك: بلغني أَنَّ أمَّ سَلَمَةَ كَرِهَتْ أن تَمْتَشِطَ الْحَادُّ بِالْحِنَّاء وَتَجْعَلَ فِي عَيْنِهَا صَبِراً.
قال محمد بن رشد: هذا في المدونة عن أمِّ سَلَمَةَ أنَّهَا كَرِهَتْ أن تَمْتَشِطَ الْحَادُ بِالْحِنَّاء وقالت: تَجْمَعُ رَأسَهَا بِالسِّدْرِ، وهو مذهب مالك.
قال: لا تمتشط بالحناء ولا الكتم، ولا بشيء مما يختمر في رأسها، وإنما كرهت - أم سلمة - أن تجعل في عينها صَبِراً لما جاء من «أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ دَخَل عَلَيْهَا وَهِيَ حَادٌّ عَلَى أبِي سَلَمَةَ وَقَدْ جَعَلَتْ عَلَى عَيْنِهَا صَبراً، فقَالَ: مَا هَذَا يا أمَّ سَلَمَةَ؟ قَالَتْ: إِنَّمَا هُوَ صبِرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: أجْعَلِيهِ بِاللَّيْل وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ» . ذكر ذلك مالك في الموطأ وباللَّه التوفيق.

قصر الصلاة بمنى وعرفة

في قصر الصلاة بمنى وعرفة قال مالك: بلغني أن القاسم بن محمد وسالم بن عبد اللَّه يفتيان بقصر الصلاة بمنى وعرفة، قال مالك: وحدثني نافع، أن ابن عمر كان يصلي ركعتين بمنى وعرفة، إلا أن يصلي مع الِإمام فيصلي بصلاته.
قال محمد بن رشد: معناه أنهما كانا يفتيان من حج من أهل مكة أو

كان مقيماً بها من غير أهلها بقصر الصلاة بمنى وعرفة، كما كان يفعل ابن عمر في رواية نافع.
وهو مذهب مالك لم يختلف قوله في أنه يقصر بمنى وبعرفة وفي مواطن الحج إلا في رجوعه من منى إلى مكة بعد انقضاء حجه، إذا نوى الإِقامة بمكة أو كان من أهلها على ما تقدم، فكان أولاَ يقول: إنه يتم، مراعاة لقول من يرى أنه يتم، إذ ليس في سفر تقصر في مثله الصلاة، وهو مذهب أهل العراق، ثم رجع فقال: إنه يقصر حتى يأتي مكة، بناء على أصله في أنه من أهل القصر دون مراعاة منه لقول غيره.
وكذلك اختلَف في ذلك أيضاً اختيار ابن القاسم.
فمن ذهب إلى أنه يتم قال: إنما قصر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمنى وعرفة، لأنة كان مسافراً إذ لم يقم بمكة قبل.
خروجه إقامة يجب عليه بها الإِتمام وهو مذهب أهل العراق.
ومن ذهب إلى أنه يقصر قال: بل قصر رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بمنى وعرفة وقد أقام بمكة إقامة تخرجه عن السفر، لأنه قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة.
فأقام بمكة إلى يوم التروية.
وذلك أربع ليال، وقد مضى هذا المعنى في رسم شك من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة وباللَّه التوفيق.

ما يقال في الحج عند محاذاة الركن في بطن المسعى

فيما يقال في الحج عند محاذاة الركن في بطن المسعى وسئلِ مالك عما يتكلم به الناس إذا حاذوا الركن الأسود: اللَّهُمَّ إِيمَاناَ بِكَ وَتَصدِيقاً بِكِتَابِكَ، وما يتبعه من الكلام مثل ما يقول في بطن المسعى: اللَّهُمَّ اغْفِرْ وَارْحَمْ واعْفُ عمّا تَعْلَمُ، فأَنكر ذلك وقال: ليس في هذا شيء معروف، ولا أعرف هذا، وأنكر أن يكون هذا من العمل، قال: وليس في ذلك شيء معروف، إلا على ما تيسر.
قال محمد بن رشد: قد استحب ابن حبيب أن يقول الحاج عند استلام الركن: بِاسْم اللَّهِ وَاللَّهُ أكْبَرُ اللَّهمَّ إِيماناً بِكَ، وَتَصْدِيقاً بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال فقد حدثني أصبغ عن ابن وهب عن محمد بن

عمر، أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - علم ناساً من أصحابه أن يقولوا هذا.
واستحب أيضاً أن يقول في هرولته ببطن المسيل بين الصفا والمروة: رَبِّ اغفِرْ وَارْحَمْ وَاعْفُ عَمَا تعْلَمُ أنْتَ الرَّبُّ الأحْكَمُ، وَأنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ.
قال: فقد كان ابن عمر يقوله في هذا الموضع على ما حدثني غسان بن قيس عن ابن جريح عن مجاهد، وهذا كله من الكلام الحسن، فلا يكره مالك لأحد أن يقوله، وإنما أنكر أن يكون هذا من القول أمراً قد جرى العمل به فلا يتعدَّى إلى مَا سِوَاه من الذِّكر والدعاء.
وبالله التوفيق.

كراهية اتكاء الرجل على يده اليسرى عند أكله

في ذكر كراهية اتكاء الرجل على يده اليسرى عند أكله وسئل مالك عن الرجل يأكل وهو واضعِ يده اليسرى على الأرض.
فقال: إِني لأتَّقيه، وما سمعت فيه شيئاَ، وإني لأكرهه.
قال محمد بن رشد: كره مالك هذا لأنه أشبه عنده الاتِّكاءَ، وقد قال رسول اللًه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أما أنا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئَاً» والمعنى الذي من أجله أبى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يأكل متكئِاً هو مَا رُوي «أنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ إِلَيهِ مَلَكاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، وَمَعَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ الْمَلَكُ: إِنَّ اللَّهَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ عَبْداً نَبيّاً وبين أن تَكُونَ مَلِكاً، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى جِبْرِيل كَالْمُسْتَشِير، فَأشَارَ جِبْرِيلُ إلَيْهِ أنْ تَوَاضَعْ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَا بَلْ أكُونَ عَبْداً نَبِياً فَمَا أكَلَ بَعْدَ تِلْكَ الْكَلِمَةِ طَعَاماً مُتَّكِئاً» . ويحتمل أن يكون المعنى في ذلك أنه يورث العجب والخيلاَء وأنه من فعل الأعاجم وباللَّه التوفيق.

ثناء النبي عليه السلام على أصحابه

في ثناء النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على أصحابه قال مالك: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل