كتاب كراء الدور والأرضين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يخرج ولا للمكري أن يخرجه حتى تنقضي المدة، وهي تتعين بأربعة ألفاظ:
أحدها: أن يقول: أكري منك هذا الشهر أو هذه السنة.
والثاني: أن يقول: أكري منك شهر كذا، أو سنة كذا.
والثالث: أن يقول: أكري منك شهرا أو سنة.
والرابع: أن يقول: أكري منك إلى وقت كذا.
وما تفترق فيه هذه الألفاظ مع تساويها في لزوم الكراء بها مذكور في غير هذا الكتاب، وإذا اتفقا على الكراء وسمياه ولم يتواجبا على مدة معلومة معينة وذلك مثل أن يقول أكري منك الشهر بكذا، أو السنة بكذا، أو يقول: أكري منك في كل شهر بكذا، أو كل سنة بكذا، أو يقول: أكري منك في الشهر بكذا، أو في السنة بكذا، كان للمكتري أن يخرج متى شاء وللمكري أن يخرجه متى شاء كان في أول الشهر أو وسطه، ويؤدي من الكراء بحساب ما سكن، ولا يلزم واحدا منهما الكراء في الشهر الأول، ولا فيما بعده، إلا أن يقع بينهما شرط ألا يخرج أو ألا يخرجه أو يعجل الكراء، وهذا على مذهب ابن القاسم.
وذهب ابن الماجشون إلى أنهما يلزمهما الكراء في الشهر الأول إذا قال: الشهر بكذا، أو في كل شهر بكذا، وكذلك على مذهبه السنة الأولى إذا قال: السنة بكذا، أو كل سنة بكذا.
وروى ابن أبي أويس عن مالك في البيوت التي تكرى شهرا بشهر فيخرج قبل ذلك أن كراء ذلك الشهر عليه، وإنما يكون عليه بحساب ما سكن إذا
تكارى كل يوم بدرهم، ففي كراء الدار مشاهرة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يلزم الشهر الأول، ولا ما بعده، والثاني: أنه يلزم فيه الشهر الأول ولا يلزم ما بعده من الشهور، والثالث: أنه يلزمه الشهر الأول، وكراء ما بعده من كل شهر بسكنى بعضه.
وقول ابن القاسم: وأنا أرى في الذي يقول أكريك السنة بكذا وكذا، مثل ما قال مالك في وكل صحيح، ومعناه: أن السنة لا تتعين عنده بقوله أكريك السنة بكذا وكذا، كما لا يتعين عند مالك بقوله أكريك في السنة بكذا وكذا أو أكريك في كل سنة بكذا وكذا، وإنما لم تتعين السنة بقوله أكريك السنة بكذا وكذا لأن الألف واللام لم يدخلا على السنة لتخصيصها من غيرها في لزوم الكراء فيها، وإنما دخلا عليها لتخصيص السنة من غيرها في مقدار ما يجب لها من الكراء، وهذا هو معنى الكلام الذي يسبق إلى فهم السامع ولا يصح فيه خلاف بوجه من الوجوه.
وقد حكى ابن سهل في أحكامه أنه رأى في حاشية كتاب بعض شيوخه أنه إن قال أكريك السنة بكذا - بنصف السنة - كان سنة لازمة، وإن قال أكريك السنة بكذا - بالرفع - كان مثل قوله: كل سنة بكذا، على رواية ابن القاسم، واستحسنه، ولا وجه عندي لاستحسانه إياه؛ لأنه إذا قال أكريك السنة بكذا بنصب السنة احتمل أن يريد بذلك أكريك داري هذه السنة بكذا، وأن يريد بذلك أكريك داري هذه ما سكنت من حساب السنة بكذا، وإذا كان الكلام محتملا لهذين الوجهين وأحدهما يلزم به كراء السنة، والثاني لا يلزم به كراؤها لم يصح أن يحمل إلا على الوجه الذي لا يلزم به كراؤها؛ لأن الأصل براءة الذمة من لزوم الكراء، فلا يلزم إلا بيقين.
وأما إذا قال أكريك السنة كذا بالرفع فليست بمسألة يتكلم عليها، إذ لا إشكال في أن كراء السنة لا يلزم بذلك، وما تكلم ابن القاسم عليها، وإنما تكلم على الذي قال أكريك السنة بكذا بالنصب فرأى الكراء بذلك غير لازم في
السنة للمعنى الذي قلناه، ولما كان الكراء لازما في السنة لمن قال أكريك سنة بكذا ولم يكن لازما فيها لمن قال: أكريك السنة بكذا، للمعنى الذي ذكرناه، قال: من أراد أن يغرب إن الكراء إذا عرف تنكر، وإذا نكر تعرف، وذلك قول فيه نظر؛ لأنه لو قال أكريك السنة كل شهر بكذا للزم كراء السنة لتعرفها بالألف واللام.
وإنما لزم الكراء في السنة لمن قال أكريك سنة، بكذا وكذا، وإن كانت منكرة، من أجل أن الكراء لا يجوز عقده على سنة غير معينة، فيحمل أمرهما على أنهما أرادا سنة كاملة من يوم العقد، وبالله التوفيق.
مسألة: كراء الأرض بمثل نظيرتها دون تحديد قدر الأجرة
مسألة ومن سماع سحنون من عبد الرحمن بن القاسم، قال سحنون: سئل ابن القاسم: عن الرجل يكري الأرض يزرعها بمثل ما يزرع غيرها وهما لا يعرفان كم كراء تلك الأرض الأخرى، قال: لا خير فيه، وعلى الزارع مثل كراء تلك الأرض، قيل له: فإن أراد حارث الأرض أن يأخذ مثل طعامه أو دراهم أو عرضا أو دنانير من رب الأرض ويترك له الزرع، قال: لا خير فيه، وهو بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن الكراء على هذا لا يجوز لنهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن بيع الغرر، وإنه لا يجوز للمكتري أن يأخذ من رب الأرض مثل طعامه الذي زرع، أو دراهم أو دنانير أو عرضا من العروض ويترك له الزرع لنهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن بيع الحب في سنبله حتى يبيض في أكمامه، فكيف يبيعه وهو زرع قبل أن يسنبل؛ لأن الزرع له، وعليه كراء المثل في الأرض، فلا يجوز له أن يبيعه من رب الأرض، كما لا يجوز له أن
يبيعه من غير رب الأرض، وبالله التوفيق.
مسألة: انفضاض ماء البئر المكتراة أثناء الإجارة
مسألة وسئل سحنون: عن الرجل يكتري العين أو البير فينقص ماؤهما، قال: إن كان ذلك يسيرا مثل ما يعرف من نقصان الماء مع قلة الأمطار وزيادته مع كثرة المطر فإن ذلك لازم لهما إلا أن يأتي من نقصان الماء ما يضر بالمكتري لقلته وعوزه فتنتقض به الإجارة، وكذلك نقصان اللبن من قلة الخصب مثل نقصان العين من قلة المطر أمرهما واحد، فخذ هذا على هذا الباب.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثله في رسم البيوع الأول من سماع أشهب من كتاب جامع البيوع الأول وهو مبين لما في المدونة؛ لأن النقصان المعروف قد دخل عليه المبتاع فلا رجوع له به، وإنما يرجع بالنقصان المتفاحش الخارج عما جرت به العادة، وقد مضى القول على هذا في سماع أشهب من الكتاب المذكور، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
###: إرادة المؤجر أخذ الأجرة المؤجلة قبل موعدها
من سماع أصبغ من كتاب الكراء والأقضية قال أصبغ: سألت ابن القاسم: عمن تكارى منزلا بأربعة دنانير سنة واشترط المكري نقد دينارين، وأخذ نصف الكراء، فأراد بعد شهر أن يأخذ ما حل له في ذلك أيضا.
قال: ذلك له ويفض الديناران على السنة كلها، فينظر ما يصيب كل شهر
يفض ما قبضه، ويفض ما بقي على السنة كلها، فينظر ما يصيب كل شهر من ذلك، فيأخذه كلما حل له شهر، وذلك نصف كراء الشهر من جميع الكراء، فيكون ما قبض، ويعجل على ما سكن وما لم يسكن، وما تأخر بمنزلة ذلك، ومما يبين ذلك أرأيت لو قبض دينارين وسكن ستة أشهر ثم فلس المتكاري، أليس يرد دينارا ويكون الديناران اللذان قبض على السنة كلها ويأخذ الأشهر الباقية؛ لأنها سلعته بعينها، فكذلك هذا، وإنما هو شيء اشترط تعجيله فلا يكون فيما سكن وحده، وهو على السنة كلها، وسواء اشترط نقد دنانير سماها، فكانت نصف الكراء، أو اشترط نصف الكراء مسمى فهو سواء.
قال أصبغ: جيدة كلها وإنما يلغى ما قبض عندما يحل عليه شيء فيصير الباقي من الكراء الذي لم يقبضه كأنه كراء السنة كلها، يقسم ويفض عليها فيأخذ لكل شهر ما يصيبه منها بحسابه.
وقول ابن القاسم يرجع إلى هذا، وهذا يرجع إليه، وهو وجه واحد لا يزول.
وإن قسمت السنة على الدينارين اللذين قبض، والدينارين اللذين لم يقبض صار كراء كل شهر ثلث دينار فقد أخذ لكل شهر سدسا في الدينارين اللذين اشترط تعجيلهما ويبقى من كراء كل شهر سدس.
وإن قسمت السنة على الدينارين الباقيين فقط، وجعلاهما الكراء لأنهما بقية الكراء، فإنما يصير لكل شهر سدس يأخذه، فهذا هو، وهذا كله واحد، وإنما هو رجل اشترط من كراء كل شهر تعجيل سدس لجميع الأشهر مكانه، ويبقى من كراء كل شهر سدس إذا حل شهره.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قالا؛ لأنه إذا اشترط تعجيل بعض الكراء ولم يسمه لشهر أو لشهور بأعيانها من أول العام أو من آخره وجب أن يحمل على جميعها ويفض عليها كلها، ويأخذه عند انقضاء كل شهر ببقية واجبة، وبالله التوفيق.
###: نبت الحب المخبوء في الأرض بعد انقضاء الإجارة
ومن كتاب المجالس وسأله رجل من أهل الريف، فقال: إني كنت زرعت أرضا لي كمونا فلم ينبت، وأبطأ نباته عن إبانه حتى لم يشك الناس أنه قد هلك البذر الذي بذرت من بعض غمرات الماء، أو برد، أو غير ذلك، ويئست من نباته، وأكريت، أرضي تلك من رجل غرس فيها مقثاة فنبتت المقثاة والكمون معا نباتا واحدا، ما ترى في ذلك؟ قال أصبغ: أرى الكمون لك والمقثاة لغارسها، ويفض الكراء الذي اكتريت به الأرض على قدر انتفاعكما بها، أنت في كمونك، والمكتري في مقثاته، فما أصاب الكمون من ذلك سقط عن المكتري من الكراء.
قيل له: أرأيت إذا أضر الكمون بالمقثاة وغمها حتى نقصها في نباتها وحملها، فقال ربها: اقلع عني الكمون فإنه قد أضر بي، وأبطل مقثاتي، أذلك له؟ قال: ليس ذلك له، فإن كان ذلك كذلك ونقصت المقثاة من سبب الكمون وضع عنه من حصته من الكراء مقدار ما نقص من المقثاة من قليل أو كثير؛ لأن هذا من سبب الأرض، قال: وكذلك إن أبطلها كلها وأحرقها كان مصيبتها منه، ورجع بالكراء كله فأخذه، أو سقط عنه بمنزلة ما لو غرسها فلم تنبت أصلا فلا كراء لرب الأرض؛ لأن الهلاك جاء من سبب الأرض.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة جيدة حسنة صحيحة مبنية على أصولهم؛ لأن رب الأرض لما أكرى أرضه وهو يرى أن كمونه قد بطل وجب ألا يكون للمكتري أن يقلعه، إذ لم يغره، وإنما فعل ما يجوز له، كمن زرع في أرض اكتراها وهو يظن أنه يتم قبل انقضاء أمده، فانقضى الأمد قبل تمام الزرع.
لا يكون لرب الأرض أن يقلع زرعه، وإذا لم يكن له أن يقلعه وجب أن يحط عنه من الكراء بقدر ما أضر به الكمون في مقثاته، وإن أبطل الكمون المقثاة سقط عنه جميع الكراء؛ لأن بطلانها جاء من قبل الأرض بالكمون الذي عابها، ولم يكن من قبل رب الأرض، إذ لم يتعد فيما صنع، فأشبه نقصان الزرع في الأرض المكتراة، أو بطلانه من قبل القحط وقلة الماء.
ومن هذا المعنى مسألة وقعت في سماع عيسى من كتاب المزارعة في بعض الروايات؛ قال ابن القاسم: من أعطى رجلا أرضا له عارية فزرع فيها قطنا فأثمر في عامه، وجناه وبقيت أصوله فنما وأثمر في عام قابل فتنازعاه، فقال رب الأرض: إني لم أمنحك إلا العام الأول، وقال زارع القطن: هو لي ومن زريعتي.
قال: إن كان القطن في البلد يزرع كل عام كالزرع فحكمه حكم الزرع وهو لرب الأرض.
ثم قال بعد ذلك: إن القطن لمن غرسه.
وعليه كراء ما شغل القطن من الأرض، إلا أن يكون الكراء أكثر من القطن، فلا يلزمه أكثر منه، وثبت على هذا، وقال: لأنه أصول، وقال بعد ذلك، في الزرع إذا لم ينبت في أول سنة ونبت في الثانية: إنه كالغاصب في حاله كله، إلا أن يكون الكراء أكثر من الزرع، فليس عليه أكثر من الزرع، قال: وإن كان القطن أصولا تنبت في الأرض السنين الكثيرة، كما ينبت في السواحل، فأراه لرب القطن، فإن أراد رب الأرض إخراجه ولم تقم له بينة أنه أعاره سنة واحدة، وحلف رب القطن على دعوى رب الأرض، فليعط رب الأرض لرب القطن قيمة الأصول، وذكر هذه المسألة من أولها ابن سحنون عن أبيه مثله.
قال أبو محمد في النوادر: أراه جعل اختلافهما في مدة العارية شبهة أوجب له بها قيمته أصولا لا مقلوعا بعد يمين المستعير، وكان الغرس كالحيازة بخلاف اختلافهما في مدة سكنى الدار، وبالله التوفيق.
###: طلب صاحب الأرض من الزارع المتعدي قلع الزرع
نوازل أصبغ بن الفرج وسئل أصبغ: عن رجل تعدى على أرض رجل فزرعها فجاء رب الأرض وقد فات أوان الحرث، وقد اشتد الزرع وكبر، فقال للزارع: اقلع زرعك فإني أحتاج إلى أرضي أغرسها مقثاة أو أزرعها بقلا فأنتفع بها، والأرض أرض سقي وهو يمكنه الانتفاع بها.
فهل ترى ذلك له؟
فقال: لا أرى ذلك له، وليس فيها إلا الكراء؛ لأنه قد فات إبان الزرع وهو إن قلع زرعه لم يستطع أن يزرع فيها زرعا آخر، لفوات إبان الزرع، فليس له أن يقلع زرعه وأرى هذا من الضرر بعد أن خرج من إبان الزرع، قلت: أرضه هذه ليست من أرض المطر، إنما هي من أرض السقي وهو يسقيها متى ما أحب، وقد بقيت له فيما بقي من السنة منفعة عظيمة من مقثاة يضعها أو بقل يزرعه، أو ما أشبه ذلك، ومع ذلك أيضا أنه يريد قلبها ليزرعها من قابل فهو إن ترك زرع هذا فيها لم يقدر على أن يزرعها من قابل؛ لأن الأرض إذا لم تقلب عندنا لم يتنعم زرعها ولم يجد ولم يخاطر الزارع فيها إلا بزريعة علوفة البقر والدواب وعليه في ذلك أعظم المضرة.
قال: إذا ذهب إبان يزرع فيها مثل الزرع الذي هو فيها اليوم فليس له أن يقلعه ليزرع فيها بقلا ولا مقثاة، وليس له إلا الكراء.
قال: وأما ما ذكرت من القليب الذي
يفوته فيها فإن الذي يفوته من ذلك يستوفيه في كرائها؛ لأن كراءها إنما يحسب على قدر ما حبسها عنه وما منعه من منفعتها، وعلى قدرها وكرمها فهو يستوفي جميع ذلك في الكراء.
قال محمد بن رشد: قوله إنه ليس له أن يقلع زرع الغاصب من أرضه بعد خروج إبان الزرع وإن كانت له في أرضه منفعة بقلعه من مقثاة يضعها أو بقل يزرعه هو ظاهر ما في المدونة وغيرها من أن زرع الغاصب لا يقلع بعد خروج إبان الحرث، والقياس أن يكون ذلك له إذا كان الأرض مما تصلح للمقاثي والبقل، وتبين أن رب الأرض لم يقصد إلى الإضرار بالغاصب بقلع زرعه، وأنه إنما رغب في الانتفاع بأرضه للمقثاة أو البقل، إذ قد تكون المنفعة بذلك أكثر من المنفعة بالزرع، وقد يدل على ذلك قول ابن الماجشون في المجموعة عن مالك، وقول المغيرة: إذا سنبل الزرع فلا يقلع؛ لأن قلعه من الفساد العام للناس، ويمنع من ذلك، كما يمنع من ذبح الفتايا مما فيه الحمولة من الإبل، والحرث من البقر، وذوات الدر من الغنم؛ لأن الزرع إذا كان يقلع عندهما ما لم يسنبل، ولا شك في أن إبان حرث الزرع ينقضي قبل أن يسنبل الزرع بكثير، فقد أوجبا قلع الزرع بعد خروج الإبان، وذلك لا يكون إلا لمنفعة تكون لصاحب الأرض في أرضه بقية العام من مقثاة يضعها فيها أو بقل أو ما أشبه ذلك، والله أعلم.
وقد روى ابن وهب،
عن مالك: أن له أن يقلع الزرع سواء قدر أن يزرع أم لا، قال: والأول أحب إلينا، وظاهر قوله أن له أن يقلع الزرع وإن لم يقدر أن يزرع في الأرض شيئا أصلا، ومعنى ذلك عندي إذا كان ينتفع بذلك لحمام أرضه، أو لوجه من وجوه المنافع غير الزرع؛ لأنه إذا لم يكن له في ذلك منفعة بحال فهو بقلعه قاصد إلى الإضرار، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا ضرار»، وإذا لم يكن للغاصب في زرعه إذا قلعه منفعة فليس له أن يقلعه ويكون لصاحب الأرض؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ليس لعرق ظالم فيه حق» وإذا كانت له في قلعه منفعة إن قلعه فيلزمه أن يقلعه، وليس له أن يتركه لرب الأرض إلا برضاه، إذ من حقه ألا يقبل معروفه.
واختلف إن أراد رب الأرض أن يعطيه قيمته مقلوعا ويأخذه، فقيل: إن ذلك غير جائز؛ لأنه بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، وهو دليل ما في سماع سحنون من كتاب المزارعة، وقيل: إن ذلك له، وهو جائز؛ لأنه في أرضه ويدخل بالعقد في ضمانه وهو ظاهر ما في كتاب كراء الأرضين من المدونة، ولو رضي المستحق أن يترك الزرع للغاصب بكراء يواجبه عليه الغاصب لم يحل، قاله ابن المواز، إذا كان الزرع صغيرا جدا لا منفعة فيه للغاصب إن قلعه؛ لأنه قد وجب لرب الأرض فيدخله بيع زرع لم يحل مع كراء.
قال ابن أبي زيد: ولو كان الزرع ينتفع به الغاصب لو قلعه لجاز ذلك؛ لأن الزرع قد
وجب للغاصب، فجاز أن يكتري الأرض من ربها على أن يقر زرعه فيه ولا يقلعه، وبالله التوفيق.
مسألة: استثناء الشجر من الأرض المؤجرة
مسألة وسئل أصبغ عن الرجل يكتري الدار أو الأرض وفيها شجر هي تبع لكراء الدار وكراء الأرض فأراد أن يستثني الشجر مع الأرض ولم تطب، قال: إن كانت الشجر تطيب قبل أن ينقضي كراء الدار أو الأرض فلا بأس أن يستثنيها وإن كانت الثمرة لا تطيب إلا بعد أن يمضي أمد الكراء الذي أكرى فلا يجوز استثناؤه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثله في الواضحة، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأنه إنما أجيز للمكتري أن يستثني ثمر الشجر قبل طيبها للضرورة التي تدخل عليه في دخول البائع عليه لاجتناء الثمرة، فإذا كانت لا تطيب إلا بعد انقضاء أمد الكراء ارتفعت علة الجواز فوجب المنع، قال ابن حبيب في الواضحة، وإن اكتراها لأعوام، واستثنى ثمرتها فانقضت السنون، وفيها ثمرة قد طابت أو لم تطب، فهي للمكتري بشرطه، ولا أعرف ما يخالف قوله، ووجهه أن الكراء قد صح على الشرط من أجل ما يطيب من الثمرة في مدة الكراء، فوجب أن يكون له ما يطيب بعد انقضائه، وبالله التوفيق.
###: كراء مبذر أردب من الأرض
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: وقال ابن القاسم في رجل تكارى من رجل
مبذر إردب من أرضه، قال: لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن مساحة مبذر الإردب من الأرض غير معلومة، ولذلك قال في الكراء: إنه لا خير فيه، يبين هذا رواية عيسى عن ابن القاسم في المدنية والمبسوطة فيمن اشترى من أرض الرجل مبذر أمداد مسماة أنه إن كان بذر الأمداد معروفا عند الناس ليس فيه زيادة ولا نقصان وكانت الأرض في الكرم واحدا ليس بينها تفاضل فلا بأس به، يريد: إذا وقع الشراء على أن يأخذ من حيث أحب ولو كانت مساحة مبذر الإردب معلومة عندهم لجاز الكراء وإن اختلفت الأرض إذا وقف المكتري على الأرض وأحاط علما بطيبها من دنيئها إذا وقع مسكوتا عليه ولم يشترط أن يأخذ من حيث أحب، وأما إن وقع على أن يأخذ من حيث أحب، فيجوز عند ابن القاسم على قوله في المدونة: إن كانت الأرض مستوية ولا يجوز عند غيره فيها، وإن كانت مستوية؛ لأن معنى ما تكلمنا عليه فيها إذا وقع الكراء، على أن يأخذ المكتري حيث أحب، فاختلفا على اختلافهم في الرجل يشتري عشرة ثياب يختارها من مائة، فابن القاسم لا يجيز ذلك إذا كانت الثياب أصنافا مختلفة، ويجيزه إذا كانت صنفا واحدا وإن كان بعضها أفضل من بعض، وغيره لا يجيز ذلك، وإن كانت صنفا واحدا إلا أن تكون مستوية؛ لأن الأرض وإن استوت في الكرم فقد تختلف أغراضها في النواحي، وبالله التوفيق.
مسألة: ثمرة النخل في الدار المؤجرة إذا انقطعت الإجارة
مسألة قال ابن القاسم في رجل اكترى دارا وفيها نخل هي الثلث فاشترط ثمرتها فسكن نصف سنة ثم انهدمت الدار، قال: إن كانت الثمرة قد طابت قومت الدار بالثمرة، وقومت بغير ثمرة، فإن وجدت الثمرة الثلث أخذ الساكن الثمرة وغرم ثلثي الكراء، وإن كانت لم تطب الثمرة أسلمها إلى رب الدار وأدى إليه ثلث الكراء على هذا يحسب.
قال محمد بن رشد: هذه الرواية تبين ما مضى في رسم حمل صبيا من سماع عيسى، وقد مضى القول عليها هناك مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: اختلاف المتكاريين في قدر الأجرة أثناء الإجارة
مسألة وقال فيمن تكارى منزلا بعشرة دنانير، فسكن ثلاثة أشهر، ثم قال الساكن: إنما أكريت منك السنة بخمسة، وقد نقد الخمسة، قال: يتحالفان ويتفاسخان على كراء عشرة في السنة ولا يستتم السكنى ستة أشهر، وهذا مخالف لكراء الحمولة، وكذلك الذي يسلف دينارين في مائتي سلٍّ فيأخذ بعضها، ثم يقول البائع إنما بعتك مائة بدينارين وقد قبض دينارا وأخذ أربعين سلًّا: إنهما يتحالفان ويتفاسخان، ويرد عليه من الدينار بقدر ما أخذ من حساب مائة بدينارين، والسلفة تشبه كراء الدور.
قال محمد بن رشد: في بعض الكتب والسلفة تشبه كراء الدور وهو أحسن، ويريد أنه يشبهها في أن البيع ينتقض في السلعة إذا تخالفا فيما زاد على الأربعين سلا التي قبض، كما ينتقض في كراء الدار إذا تخالفا فيما زاد على الستة الأشهر التي سكن، بخلاف كراء الحمولة، للضرر الداخل على المكتري في انتقاض الكراء في بعض الطريق.
ولو كان اختلافهما في بلدة لا يعدم فيه الكراء لانتقض إذا تخالفا فيما بقي من الطريق كالسلعة وككراء الدار.
وقوله: إنهما يتحالفان ويتفاسخان على كراء عشرة في السنة - لفظ وقع على غير تحصيل؛ لأن الواجب على أصولهم أن يتحالفا ويتفاسخا على كراء خمسة في السنة، كما ادعى الساكن إذا أشبه ما قال، أشبه ما قال رب الدار أو لم يشبه، فتقسم الخمسة على ما سكن وما لم يسكن، فيرد حصة ما بقي، فلا يلزم الساكن في الستة الأشهر التي سكن إلا ديناران ونصف؛ لأنه مدعى عليه في الزائد، وإنما يتحالفان ويتفاسخان على كراء عشرة في السنة كما ادعى رب المنزل إذا أشبه ما قال، ولم يشبه ما قال الساكن، فتقسم العشرة على ما سكن وما لم يسكن، فلا يرد الدار شيئا من الخمسة التي قبض؛ لأنها واجبة له في الستة الأشهر التي سكن على حساب عشرة في السنة، ولو لم يشبه قول واحد منهما لكان لرب الدار بعد أيمانهما كراء المثل في الستة الأشهر التي سكن، ويرد الزائد على ذلك من الخمسة التي قبض.
وكذلك قوله في مسألة السلفة: إنه يرد عليه من الدينار بقدر ما أخذ من حساب مائة بدينارين لفظ وقع على غير تحصيل؛ لأن الواجب أن يرد من الدينار ما زاد على ما يجب للأربعين التي قبضها المشتري على حساب مائتي سل بدينارين إذا أشبه ما قال، أشبه ما قال البائع أو لم يشبه، فيقسم الدينار على المائتي سل، فلا يلزم المبتاع في الأربعين التي قبض إلا خمسا دينار.
وإنما يرد من الدينار على حساب مائة سل بدينارين، كما ادعى البائع إذا أشبه ما قال، ولم يشبه ما قال المبتاع، فيلزم المبتاع على هذا في الأربعين التي قبض أربعة أخماس دينار، وبالله التوفيق.
مسألة: أخذ الأجرة ذهبا مكان الطعام
مسألة وسئل: عن رجل حمل على نوتي طعاما ودفع إليه الكراء فنقص الطعام فأراد أن يأخذ من النوتي ذهبا.
قال: لا خير فيه؛ لأنه يصير ذهبا وطعاما بذهب، إلا أن لا يكون دفع إليه من الكراء شيئا، فلا يكون به بأس، ولكن ليأخذ منه إذا ذهب من قمحه شيء وقد دفع إليه الكراء قمحا أو شعيرا إن كان شعيرا.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال على أصله في الحكم بالمنع من الذرائع لأنهما يتهمان على أنهما عملا على أن يكون ما دفع إليه من الكراء بعضه ثمنا لحمل الطعام، وبعضه سلفا يرده إليه فيدخله البيع والسلف، ولا حرج على فاعل ذلك فيما بينه وبين الله إذا لم يقصد إلى ذلك، ولا عقدا أمرهما عليه، ولو أخذ منه في النقصان عرضا معجلا أو صنفا آخر من الطعام لجاز.
وبالله التوفيق.
مسألة: تلف البعير المؤجر بسبب تجاوز المكتري في الحمل
مسألة وقال في رجل اكترى بعيرا يحمل عليه ثلاثمائة رطل إلى بلد، فحمل عليه أربعمائة رطل، فقدم البلد وقد عجف البعير فنحره صاحبه، ثم علم بالزيادة التي حملت عليه، قال: فصاحب البعير مخير بين أن يكون له كراء ما زاد، أو يكون له ما بين القيمتين، يريد: فيما رأيت ما بين قيمته يوم تعدى، أو ما بين قيمته يوم قدم به.
قال محمد بن رشد: قوله ما بين قيمته يوم تعدى، قال بعض
الشيوخ: معناه في الموضع الذي تعدى فيه، وذلك غير صحيح، إذ لا تصح أن تكون القيمة في ذلك يوم تعدى، ولا في الموضع الذي تعدى فيه، إذ قد تكون قيمته يوم تعدى وفي الموضع الذي تعدى فيه غير عجف مثل قيمته يوم قدم أعجف أو أكثر من ذلك، فيذهب عداؤه باطلا لا يجب عليه فيه شيء، وإنما الواجب أن يكون عليه ما بين قيمته يوم قدم على الحال التي كان عليها يوم تعدى عليه وبوم قدم به، فيقوم على الحالتين جميعا يوم قدم به فيغرم ما بين القيمتين، وبالله التوفيق.
مسألة: سكنى المكتري في الدار بعد انقضاء المدة بلا إجارة
مسألة وقال في رجل اكترى بدينار منزلا في السنة فانقضت السنة ثم سكن فيها عشر سنين أخر من غير أن يكون أكراه ولا تكارى منه إلا السنة الأولى، قال: كراء السنة دينار على ما أكرى منه ويلزمه قيمة كراء التسع سنين، ولا يحسب كراء التسع سنين على السنة الأولى.
قال: والساكن مصدق إذا قال قد دفعت إليك الكراء إذا كانت السنة قد انقضت.
وقال ابن القاسم: كتابة كراء السنة الثانية براءة للساكن، إذا قال: قد دفعت إليك كراء السنة الأولى.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم يوصي لمكاتبه، ورسم إن خرجت من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: رجل دفع لرجل دابة له يعمل عليها يوما لصاحب الدابة ويوما للعامل
مسألة وسئل ابن القاسم: عن رجل دفع إلى رجل دابة له، يعمل عليها يوما لصاحب الدابة، ويوما للعامل.
قال: لا بأس
به، قيل: أرأيت لو أن العامل أخذ الدابة فعمل عليها أول يوم لنفسه فنفقت الدابة من الغد قبل أن يعمل عليها اليوم الذي لصاحب الدابة؟ قال: أرى على العامل لصاحب الدابة كراء دابته ذلك اليوم، قال: وإن كان أول يوم عمل عليها لصاحب الدابة (فنفقت الدابة) قبل أن يعمل عليها اليوم الذي له؟ قال: أرى على صاحب الدابة أن يدفع إلى العامل أجرته فيما عمل ذلك اليوم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة أجازها ابن القاسم، وفي إجازته إياها نظر من وجهين: أحدهما: أنه لم يبينا في عقدهما إن كان يبدأ العامل بيومه أو بيوم صاحب الدابة، والأعراض في ذلك تختلف، فكان ينبغي إذا عري الأمر في ذلك من بيان أو نية أن يتبع ظاهر اللفظ في أن يقدم من بدأ بتقديمه فيه، وإن كانت الواو لا توجب رتبة، إذ قد قيل: إنها توجب الرتبة، وإن اختلفا في ذلك بتصريح يدعيه كل واحد منهما، أو نية تحالفا على دعواهما، أو على نياتهما.
فإن حلفا أو نكلا انفسخ الأمر بينهما، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف منهما.
والظاهر من قوله أنه حمل أمرهما على أنهما قصدا في تعاملهما أن يكون الخيار للعامل في أن يقدم يوم من شاء منهما، فهو الذي يدل عليه قوله إن عمل عليها أول يوم لنفسه، فالحكم في ذلك كذا، وإن عمل عليها أول يوم لرب الدابة فالحكم في ذلك كذا.
والوجه الثاني: أن المعنى في تعاملهما أن صاحب الدابة أكرى من العامل دابته يوما يعمل فيه عليها لنفسه على أن يعمل له عليها يوما آخر، فكأنه قال (له): انتفع بدابتي اليوم وانتفع بعملك غدا
عليها، فكان القياس إما ألا يجوز ذلك إلا بشرط الحلف، وإما أن يكون الحكم يوجب الحلف وإن لم يشترطه، فقوله إنه إن عمل عليها أول يوم لنفسه فنفقت الدابة من الغد قبل أن يعمل عليها اليوم الذي لصاحب الدابة أن على العامل لصاحب الدابة كراء ذلك اليوم، ليس بصحيح على أصولهم، إذ لا اختلاف بينهم في أن من استأجر أجيرا ليعمل له على دابة بعينها أو ليرعى له غنما بأعيانها لا تنتقض الإجارة بموت الدابة أو الغنم، فالصحيح الذي يأتي على أصولهم أن الدابة إذا نفقت قبل أن يعمل عليها اليوم الذي لصاحب الدابة أن على صاحب الدابة أن يأتيه بدابة يعمل عليها اليوم الذي له.
وقد ذكر ذلك ابن أبي زيد في النوادر عن... وكذلك لو نفقت قبل أن يعمل عليها يأتيه بدابة يعمل عليها لنفسه ولرب الدابة.
وأما قوله: إنها إن نفقت قبل أن يعمل عليها اليوم الذي له، فعلى صاحب الدابة أن يدفع إلى العامل أجرته فيما عمل ذلك اليوم فهو صحيح؛ لأن من اكترى دابة بعينها فنفقت قبل أن يركبها انتقض الكراء ورجع به إن كان قد دفعه أو في قيمته إن كان عرضا مستهلكا، كإجارته فيما عمل ذلك اليوم، وكذلك الحكم في هذا لو قال له: اعمل عليها يومين لك ويومين لي أو ثلاثة أيام لي، وثلاثة أيام لك، أو ما أشبه ذلك من الأمد القريب، ولو قال له: اعمل عليها شهرا لنفسك وشهرا لي لوجب أن يجوز ذلك إن بدأ بالشهر الذي لنفسه وأن لا يجوز إن بدأ بالشهر الذي لصاحب الدابة؛ لأنه بمنزلة من اكترى دابة بكراء نقده على أن يركبها بعد شهر، وذلك ما لا يجوز عند جميعهم.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن هذه المسألة معارضة لما في المدونة من أنه لا يجوز أن يقول الرجل للرجل: اعمل على هذه الدابة ولك نصف ما تكسب عليها إذ لم يقل فيها إنها إجارة وكراء،
كأنه أكرى منه نصفها بنصف عمله على نصفها فيكون الكسب بينهما كأنهما فيه شريكان، وليس ذلك بصحيح، والمسألتان مفترقتان؛ لأنه فصل في هذه المسألة ما يعمل على الدابة لنفسه مما يعمل عليها لرب الدابة، فوجب أن يجعل كراء الدابة في يوم العامل ثمنا لأجرته في يوم رب الدابة، ولم يفصل بين ذلك في مسألة المدونة فوجب ألا يجوز؛ لأنه إما أن يكون صاحب الدابة أكرى دابته بنصف ما يكسب العامل عليها، وإما أن يكون استأجر العامل ليعمل عليها بنصف ما يكسب في عمله، وذلك غرر بين في الوجهين، والله الموفق.
مسألة: ضمان الجرة التي تنكسر من المكتري
مسألة وقال، في الذي يستحمل الجرة فيعثر فتكسر وهو قوي على حملها: لا ضمان عليه ولا جعل له وإن لم يكن معه صاحبه فهو مصدق أنه عثر بها، وقد يكون معه فيعثر ولا يعلم بذلك صاحبه، فهو مصدق على قوله إنه عثر، قال: وإن كان كسرها معروفا فلا أجرة له ولا ضمان عليه، وإن كان غير معروف فله الأجرة إذا ضمن.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة من قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن ما أتى تلفه من قبل ما عليه استحمل من عثار إنسان أو دابة لم يغرمها فلا ضمان على الأجير فيه ولا كراء له؛ لأنه حمل ذلك على البلاغ كالسفينة، وقد قيل: إنه إذا سقط عنه الضمان لزم رب
المتاع أو الطعام أن يأتي بمثله يحمله ويكون له كراؤه، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة وهو أشهب، وقيل: إن له بحساب ما بلغ ولا يلزم رب المتاع والطعام أن يأتي بمثله، وهو الذي يأتي على قول ابن نافع في المدونة في السفن أن له بحساب ما بلغت، وإذا ظهر الكسر فهو مصدق في العثار كما قال.
وأما إذا لم يظهر الكسر وكان غير معروف فقوله إن له الأجرة إذا ضمن، معناه: أنه لا يصدق فيما ادعاه من العثار والتلف، ويضمن مثله في أقصى الغاية وتكون له أجرته كاملة، وهذا في الطعام، وأما في المتاع فالقول قوله في دعواه تلفه، وإن لم يعلم ذلك إلا بقوله، وابن الماجشون لا يصدقه في أنه عثر به وإن ظهر الكسر، وقد مضى القول على ذلك في نوازل سحنون من كتاب جامع البيوع، وبالله التوفيق.
مسألة: ضياع العين المستأجر حملها من الأجير
مسألة وقال، في رجل تكارى من نوتي على أن يذهب إلى الريف فيحمل له قمحا بذهب فحمل ثم أقبل فلقيه لصوص في بعض الطريق فأخذوا القمح.
قال ابن القاسم: أرى للنوتي أن يرفع ذلك إلى السلطان ثمة حتى يكون هو الذي ينظر في أمره، فإن جاء وقدم ولم يرفع ذلك إلى الوالي رأيت أن يرجع إلى الموضع الذي أصيب فيه فيحمل من ذلك الموضع بمثل ما حمل عليه.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على معنى ما في المدونة أنه إن انصرف فارغا وترك الرفع إلى السلطان أو التلوم والإشهاد إن كان في موضع لا سلطان فيه فيلزمه الرجوع إلى ذلك الموضع ليحمل (له) مثل ذلك القمح.
وسواء على مذهب ابن القاسم، كان الكراء موجودا بذلك المكان أو غير موجود، وقال ابن وهب: إن كان الكراء بذلك الموضع موجودا انفسخ الكراء فلم يكن له كراء ولا كان عليه أن يرجع ثانية، وإن كان الكراء بذلك الموضع غير موجود كان له كراؤه ولم يكن عليه أن يرجع ثانية، وسيأتي القول على هذه المسألة مستوفى في (أول) سماع ابن القاسم من كتاب الرواحل والدواب، إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.
مسألة: تعذر بلوغ المكان المحدد لأمر خارج عن إرادة الأجير
مسألة وقال، في رجل تكارى من نوتي إلى الإسكندرية، فلما بلغ المليوس وقف المركب من قلة الماء، قال: يحاسبه على قدر ما بلغ من الكراء، قيل له: فإن النوتي ظن أنه يلزمه حمولته إلى الإسكندرية، فاكترى على ذلك المتاع من المليوس بمثل كرائه حتى بلغ به الإسكندرية، قال: لا شيء للنوتي لو شاء لم يفعل؛ لأن ذلك ليس عليه هو في موضع يجد السلطان فيخاصمه إليه حتى يفسخ عنه، قيل له: أرأيت لو أن المركب وقف في موضع ليس فيه أحد ولا يجد فيه سلطانا فخشي أن يهلك ذلك المتاع
واكترى عليه؟ قال: لعل هذا وهذا لا يشبه عندي الأول؛ لأنه في موضع يخشى وهو لا يجد السلطان.
قال محمد بن رشد: إذا كان الحكم إذا وقف المركب في الطريق من قلة الماء أن يأخذ صاحب المتاع متاعه بذلك الموضع ويحاسب الكري فيكون له من كرائه على قدر ما سار من الطريق، فالنوتي في كرائه على المتاع وحمله محط على صاحبه فيه، فإذا كان صاحب المتاع لا بد له من الكراء على المتاع من حيث وقف المركب إلى حيث أكرى عليه النوتي.
فقول ابن القاسم: إنه لا شيء له فيما حمله لو شاء لم يفعل - معارض لقوله في الذي يكري على حمل الحمل، فيخطئ ويحمل غيره أنه (إن) أراد أخذ الحمل لم يكن له إلا أن يغرم له الكراء، وفي الذي استأجر حصادين على أن يحصدوا زرعا له، فحصدوا زرعا لغيره أو استأجر أجراء ليحرثوا له أرضا فحرثوا أرضا لغيره أن على الذي حُصد زرعه أو حُرثت أرضه أن يغرم للأجراء قيمة عملهم إن كان لا بد له من الاستيجار على ذلك، مثل قول أشهب في نوازل أصبغ في مسألة الكري يخطئ فيحمل غير الحمل الذي اكترى على حمله.
وأما إن كان المركب وقف في موضع ليس فيه سلطان ولا أحد، وخشي النوتي أن يهلك المتاع فأكرى عليه، فوجوب الكراء له على صاحب المتاع بيّن، على قول مالك في المدونة وغيرها في الذي يلتقط المتاع، فيحمله إلى موضع من المواضع، أن ربه لا يأخذه إلا أن يدفع إلى الذي حمله الكراء الذي حمله به، وبالله التوفيق.
مسألة: الزيادة والنقص في مدة الإجارة
مسألة قال ابن القاسم، في رجل تكارى دارا سنة بدينار فإن زاد
فبحسابه، وإن نقص من السنة فبحسابه، قال: لا بأس بهذا ما لم ينقد الدينار.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول عليها في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: خطأ الحمال في الحمل
مسألة قال ابن القاسم، فيمن تكوري منه على حمولة متاع فأخطأ الحمال فحمل غيره، فصاحب المتاع مخير بين أن يدفع الكراء أو يكون له قيمة متاعه في البلد الذي حمل منه، قال: فإن كان ذلك من الحمال تعديا كان صاحب المتاع مخيرا بين قيمة متاعه أو يأخذ متاعه بالبلد الذي حمل إليه، ولا كراء للحمال على صاحب المتاع.
قال محمد بن رشد: أما إذا تعدى الحمال فحمل ما لم يستأجر على حمله فلا اختلاف في أن صاحب الحمل بالخيار بين أن يضمن الحمال قيمة الحمل بالموضع الذي حمله منه، وبين أن يأخذه في الموضع الذي حمله إليه ولا يكون للحمال في حمله كراء لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ليس لعرق ظالم حق»، وأما إذا أخطأ في حمله وظن أنه هو الذي استحمل إياه فلصاحب الحمل أن يضمنه قيمته بالموضع الذي حمله منه، واختلف إن أراد أن يأخذه في الموضع الذي حمله إليه، هل عليه أن يغرم للحمال كراءه أم لا؟ - على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يأخذه إلا أن يغرم الكراء للحمال، وهو
قول ابن القاسم هاهنا، وفي نوازل أصبغ من كتاب الرواحل والدواب، وقول ابن وهب ومطرف فيه.
والثاني: أن له أن يأخذه ولا شيء عليه من غرم الكراء، وهو قول أشهب في نوازل أصبغ من كتاب الرواحل والدواب، وقياس قول ابن القاسم فوق هذا في مسألة المركب يقف في بعض الطريق من قلة الماء، وظاهر قوله في أول مسألة من سماع يحيى من كتاب البضائع والوكالات في مسألة الخصام.
والثالث: أن له أن يأخذه ولا كراء عليه إلا أن يكون عازما على أن يبلغه إلى ذلك المكان فيكون عليه إذا اختار أخذه كراء مثله إلى ذلك المكان لا الكراء الذي أكراه به، وهو قول ابن حبيب في الواضحة وقياس قول ابن القاسم بعد هذا في مسألة الذي يستأجر الأجراء لحصاد زرعه أو حرث أرضه فيخطئون فيحصدون زرعا لغيره، أو يحرثون أرضا لغيره، وحكى ابن حبيب عن أصبغ أن لرب الحمل أن يكلف الحمال رد الحمل الذي أخطأ به إلى البلد الذي حمله منه، ويكون في ضمانه حتى يرده إلى موضعه.
ولا اختلاف بينهم أن على الحمال أن يرجع فيحمل الحمل الذي تكوري على حمله، وبالله التوفيق.
مسألة: كنس مراحيض الدور المكتراة على من يكون
مسألة وقال: كنس المراحيض على السكان إلا أن تكون دور الفنادق فإن كنس مراحيضها على المكري.
قال محمد بن رشد: اختلف في كنس مراحيض الدور المكتراة، فقيل: إنها على السكان، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية.
وقيل: إنها
على أصحاب الدور، وهو قول ابن القاسم في رواية ابن أبي جعفر عنه أن كنس التراب والمرحاض على صاحب المنزل، إلا أن يكون اشترط ذلك على الساكن.
قال: ولا يجوز أن يشترطه عليه إلا أن يكون نقيا وهو قول أشهب إنه على صاحب الدار إذا لم يكن لهم في ذلك سنة يحملون عليها، ولم يختلف في هذا قول أشهب ولا اضطرب في أصله، وقد ذكرنا ذلك في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، وفي المدونة دليل على القولين جميعا.
وأما دور الفنادق التي تكرى مشاهرة إلى غير أمد معين من المسافرين وغيرهم، فلا اختلاف في أنه لا شيء من ذلك على السكان فإن أكرى صاحب الفندق فندقه جملة لعام أو أعوام من متقبل يكريه من السكان فيه دخل الاختلاف المذكور في ذلك، هل يكون الكنس على صاحب الفندق؛ أم على المتقبل له للعام أم للأعوام؟ وبالله التوفيق.
مسألة: تأجير القارب على قدر غير معلوم من الصيد
مسألة وعن رجل كان له قارب وشبكة فدفعها إلى صياد على أن يصيد له يومين ولنفسه يوما، قال: أرجو أن يكون خفيفا إن كان ذلك قريبا، قيل: شهرين، فرأيته يستكثر شهرين.
قال محمد بن رشد: قد مضى قبل هذا في هذا السماع من
تكلمنا على الذي يدفع دابته إلى الرجل على أن يعمل عليها يوما له ويوما لصاحب الدابة - ما يغني عن القول في هذه المسألة لاتفاقهما في المعنى، وبالله التوفيق.
مسألة: أخطأ الحصادون فحصدوا زرعا غير محل الإجارة
مسألة وسئل: عن رجل استأجر حصادين على أن يحصدوا زرعا له فذهبوا فحصدوا زرعا لغيره هو قريب من زرعه.
قال: إن كان الخطأ جاء من قبل الأجراء فإنه ينظر إلى صاحب ذلك الزرع، فإن كان له أجراء وعبيد، يريد أنه لا يحتاج إلى الإجارة في حصاد زرعه لم يكن عليه شيء وبطل عملهم، وإن كان الخطأ جاء من قبل صاحب الزرع، قال لهم: احصدوا لي هذا الزرع، وهو يظن أنه زرعه، وكان صاحب ذلك (الزرع) لا أجراء له ولا عبيد، ولا بد له من أن يستأجر على حصاد زرعه، فإن عليه أن يدفع إلى الذي استأجر الحصادين قيمة عمل الأجراء، ويكون للأجراء على الذي استأجرهم أجرتهم التي استأجرهم عليها.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة والقول فيها في آخر كتاب الجعل والإجارة فلا معنى لإعادة القول فيها، والله الموفق.
مسألة: أخطأ الحراثون فحرثوا زرعا غير محل الإجارة
مسألة وسئل: عن رجل استأجر أجراء يحرثون له أرضا فذهب الأجراء فحرثوا أرضا إلى جنب أرضه وهم لا يعلمون وإنما جاء الخطأ من قبل الأجراء، أترى على صاحب الأرض التي حرثت أرضه أجر ما عملوا؟ قال: إن زرعها وانتفع بذلك الحرث كان عليه ذلك، وإن لم ينتفع به وقال لم أرد زرعها وإنما أردت أن أكريها، فلا أرى عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: وهذه أيضا قد تقدمت في آخر كتاب الجعل والإجارة متكررة والقول فيها، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: تعذر البناء في البقعة محل الإجارة
مسألة وسئل: عن رجل استأجر له بنّاء يبني له دارا بالريف بموضع معروف على صفة معروفة، فذهب البناء إلى الريف فيجد البقعة قد استحقت فيرجع، قال: أرى له إجارته ذاهبا، ولا أرى له في رجوعه شيئا.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة أيضا قد مضت متكررة في آخر كتاب الجعل والإجارة، ومضى القول عليها هناك، فلا معنى لإعادته وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.
تم كتاب كراء الأرضين بحمد الله تعالى.
###: كتاب الرواحل والدواب
###: الإجارة على رد الضالة أو الآبق
من سماع ابن القاسم من مالك رواية سحنون من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم، قال: سمعت مالكا قال في رجل تكارى دابة في طلب ضالة أو آبق وسمى بلدة من البلدان بكراء مسمى على أنه إن وجد دابته أو غلامه دون ذلك الموضع رجع، وكان عليه بحساب ذلك من الكراء بقدر ما تكارى وقدر ما سار من الطريق.
قال: لا أرى به بأسا إذا لم ينقد، فأما إن قال: إن وجدت حاجتي بمكان كذا وكذا فلك كذا وكذا، وإن لم أجدها بمكان كذا وكذا فلك كذا وكذا، وذلك بحثان فأنا أكرهه وأراه مخاطرة.
قال محمد بن رشد: أما إذا اكترى الدابة إلى بلد مسمى في حاجة أو طلب دابة أو آبق على أنه إن وجد حاجته أو ضالته بالطريق
رجع وسقط عنه من الكراء بحساب ما بقى من الطريق.
فقوله: إن ذلك جائز إذا لم ينقد - هو عند مالك على مذهبه بترك الاعتبار بعلة الأطماع مثل قوله في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم من كتاب كراء الدور والأرضين في الذي يكتري الدار سنة على أنه إن خرج قبل السنة حاسبه بما سكن، ومثل قوله بعد هذا في هذا الكتاب في رسم الشجرة، ورسم باع غلاما من هذا السماع، ومثل ما في المدونة أيضا من قول ابن القاسم وروايته عن مالك في الذي يستأجر الأجير شهرا على أن يبيع له ثوبا، على أن المستأجر متى شاء أن يترك ترك، إن ذلك جائز إذا لم ينقد لأنها إجارة بخيار.
وسحنون لا يجيز هذه المسألة على ما قاله في رسم الشجرة بعد هذا، وإن لم ينقد، ولا مسألة المدونة، بخلاف مسألة الذي يكتري الدار سنة على أنه متى شاء أن يخرج خرج، هذا جائز عنده وعند الجميع ما لم ينقد، وإنما لم تجز هذه المسألة عند سحنون ولا مسألة المدونة المذكورة؛ لأنه يراه مجهلة في الكراء والإجارة.
وقال الفضل في مسألة المدونة: إنما لم يجز ذلك عند سحنون؛ لأنه كراء بخيار إلى أمد بعيد، وليس كما قال؛ لأنه إنما هو بالخيار في الجميع الآن، وكلما مضى من الشهر شيء كان بالخيار فيما بقي، فليس كالسلعة التي يشتريها على أنه بالخيار فيها مدة طويلة؛ لأنه يحتاج إلى توقيفها إلى انقضاء أمد الخيار، فلذلك لا يجوز، وليس ذلك في الإجارة والكراء، إلا أن يكتري الدابة على أن يركبها بعد شهر، أو يستأجر الأجير على أن يخدمه بعد شهر على أنه بالخيار في الإجارة والكراء إلى انقضاء الشهر، وإنما لم يجز ذلك عند سحنون لأنه عنده غرر وإن لم ينقد لانفساخ الإجارة فيما بقي من الشهر ببيع الثوب، كما أن كراء الدابة عنده إلى بلد في حاجة على أنه إن
وجد حاجته دون البلد (رجع) وكان له بحساب ما سار غرر لانفساخ الكراء فيما بقي من الأمد، فهذه هي العلة عنده في المسألتين جميعا، لا الخيار إلى أمد بعيد كما قال الفضل؛ لأنه إذا جاز أن يكتري الرجل الدار سنة بكذا على أن كل واحد منهما بالخيار يخرج المكتري متى ما أراد ويخرجه رب الدار متى ما أراد جاز على أن أحدهما بالخيار قياسا على البيع الذي يجوز على أن أحد المتبايعين فيه بالخيار كما يجوز على أنهما جميعا فيه بالخيار، وأما إذا اشترط في كراء الدابة إلى البلد المسمى أنه إن لم يجد حاجته بالبلد الذي تكارها إليه تقدم بها إلى موضع آخر، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز إلا أن يسمى الموضع الذي شرط أنه بالخيار في أن يتقدم إليه ويكون تبعا للكراء الأول وبحسابه، فإن لم يكن تبعا للكراء الأول أو كان بخلافه أرخص أو أغلى أو مبهما لا يدرى إن كان بحسابه أم لا؟ إلا بعد (النظر) لم يجز.
وهو مذهب ابن الماجشون لعلة الأطماع، وذلك أنه لم يكر منه الوجيبة الأولى إلا رجاء في الثانية، وليس على يقين منها لكون المكتري بالخيار فيها.
والثاني: أن ذلك جائز إذا سمى الموضع الذي شرط أن يتقدم إليه إن شاء أو كان وجهه معروفا وإن لم يسمه وكان بحساب الكراء الأول، وإن لم يكن تبعا وهو ظاهر قول مالك في أول رسم من سماع أشهب بعد هذا، وما في رسم أوصى من سماع عيسى بعد هذا.
ووجه هذا: أن علة الإطماع عنده ضعيفة فلم يعتبرها إلا مع اختلاف الكراء.
والثالث: أن ذلك جائز إذا سمى الموضع الذي شرط أن يتقدم إليه إن شاء أو كان وجهه معروفا وإن كان بخلاف الكراء الأول وغير تبع له، وهذا مذهب ابن القاسم على أصله في ترك الاعتبار بعلة الإطماع، وقد اختلف في علة المنع من اجتماع الجعل
والإجارة في صفقة واحدة، فقيل: إنها جارية على هذا الأصل، وإن الاختلاف يدخل منه فيها بالمعنى؛ لأن الإجارة لازمة بالعقد، والجعل غير لازم، وقد وقع لسحنون في المغارسة إجازة اجتماعهما في صفقة، وقيل: إنه إنما لم يجز اجتماعهما في صفقة من أجل أنهما أصلان مفترقا الأحكام، كالبيع والنكاح والصرف، لا من جهة علة الأطماع، والله أعلم به.
مسألة: اشتراط شرط جزائي في الإجارة
مسألة وقال، في الرجل يتكارى الدابة ويقول الذي اكترى الدابة: إن تأخرت بها عني عن يوم سماه فكل يوم بعد ذلك بدرهم ما أقمت، قال: هذا مكروه من الكراء، والشرط مفسوخ، فإن فات فتأخر عن ذلك لم يكن له إلا كراء ذلك، ولم ينظر في شرطه، وكذلك المتعدي ضامن وليس على هذا خيار ولا ضمان.
قال محمد بن رشد: قوله: هذا مكروه من الكراء والشرط مفسوخ - يدل على أنه إنما فسخ الشرط لا العقد، والوجه في ذلك: أنه رأى أنه لن
يقصد بالشرط إلا ألا يحبس عنه الدابة بعد انقضاء الكراء إلا إلى المغاررة فيه فوجب أن يمضي إذ لم يكن للشرط الفاسد فيه تأثير، كما قالوا في الذي يبيع الثمرة ويشترط البراءة من الجائحة؛ لأن الشروط المقترنة بالبيوع (تنقسم) عند مالك على أربعة أقسام: شرط فاسد له تأثير في الثمن يفسخ به البيع، وشرط فاسد لا تأثير له في الثمن، يفسخ دون البيع، وشرط صحيح يجوز فيه البيع والشرط، وشرط يقتضي التحجير على المشتري فيما اشترى يفسخ فيه البيع ما دام مشترط الشرط متمسكا بشرطه، فإن رضي بترك الشرط جاز البيع، وإن فات كان فيه الأقل من الثمن أو القيمة إن كان المبتاع هو مشترط الشرط، أو الأكثر من القيمة أو الثمن إن كان البائع هو مشترط الشرط، وقد فسرنا هذه الوجوه وما فيها من الاختلاف في غير هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
مسألة: نقصان شيء من مال أحد المتكارين بعد استيفاء أولهم ماله
مسألة وقال مالك، في النفر يتكارون السفينة فيحملون فيها طعاما لهم، فإذا بلغوا قال أول من يمر بمنزله منهم: أنا آخذ طعامي، فأخذ طعامه، ثم إن السفينة غرقت، قال: ليس عليه تبعة لأصحابه أذنوا في ذلك أو لم يأذنوا، وليس عليه أن يبلغ معهم بطعامه ثم يرجع إلا أن يكتالوا فينقص الكيل فيكون عليه بقدر طعامه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنهم اكتروا السفينة على أن يحملوا فيها الطعام إلى منازلهم، فوجب كلما مر أحد منهم
بمنزله أن يأخذ طعامه؛ لأنه على ذلك حمله معهم، فإن نقص الطعام بعد ذلك كان عليه من النقصان بحساب طعامه يرجع به عليه؛ لأنه حمله معهم على سبيل الشركة، وكذلك لو وجد أسفل القمح قد اسود وفسد لموج ركبه، إلا أن يعلم أن فساده إنما كان بعد أخذه طعامه فلا يكون عليه في ذلك تبعة كما لو غرق المركب بعد أن أخذ طعامه فذهب بما فيه.
وأما لو حملوا الطعام في سفينة إلى بلد واحد لتجارة أو لغير تجارة فخلطوه أو اختلط لم يكن لواحد منهم أن يأخذ طعامه بالطريق إلا برضا أصحابه، مخافة أن يكون أسفل الطعام فاسدا أو يفسد بعد ذلك، أو ينقص في الكيل، فإن أخذ طعامه في الطريق برضا أصحابه لم يكن لهم عليه تابعة إن ألفوه فاسدا أو نقص كيله على ما قاله في رسم الأقضية الثاني من سماع (أشهب) من كتاب الشركة وما يأتي له بعد هذا في رسم حلف وفي رسم أخذ يشرب خمرا، ومن الناس من ذهب إلى أن رواية أشهب في كتاب الشركة معارضة لرواية ابن القاسم هذه، والصحيح أنه لا تعارض بينهما ولا اختلاف على ما بيناه، وبالله التوفيق.
###: كرى الوكيل لنفسه بلا إذن من موكله
مسألة وسئل مالك: عن رجل تكارى ظهرا ثم سيره إلى وكيل له يحمل له من عنده طعامه فذهب الكري بظهره فلم يجد الوكيل فكري لنفسه، ثم رجع فقال لصاحبه: لم أجد وكيلك
فأكريت لنفسي، فقال الذي اكتراه: أنا أحق بالكراء الذي أكريت منك لأني أرسلتك.
قال: الكراء لصاحب الظهر، وعليه أن يرجع لصاحبه مرة أخرى، ولو أنه إذ لم يجده تلوم وطلبه وكلم إمام ذلك البلد، وأشهد على ذلك من أمره لم يكن عليه أن يعود ثانية، ولو لم يفعل ذلك فأكرى ظهره لصاحبه، وقال: طلبت وكيلك فلم أجده وأكريت أنا لك، فهذا كراؤك، لوجب ذلك على صاحب الطعام، فأخذ ما جاء به من الكراء ولم يكن له عليه غير ذلك.
قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: إذا كان في الكراء فضل إذا أكراه صاحب الظهر لصاحبه رأيته للمكري، فإن كان في الكراء نقصان كان على المتكاري.
قال ابن القاسم: وكأني رأيته وجه ما ذهب إليه من فضل ما قد أعطاه أن يأخذ منه أكثر من ذلك، ولو أن إماما أكرى ذلك له بعد أن رفعه إليه لكان للمكتري غنمه وعليه نقصانه.
قال ابن القاسم من قول مالك: لو أن السلطان تلوم له وطلب له الكراء فلم يجده خلى سبيله، فكان له الكراء كله الذي تكارى عليه وإن لم يحمل على ظهره شيئا، ومما يبين ذلك أن الرجل يتكارى إلى الحج فيهلك في بعض الطريق، فإنه يتلوم له في شقه ساعة فيطلب له كراء، فإن وجد له كراء أكرى شق الميت، وإن لم يوجد له كراء لم ينقص الكري من حقه شيئا.
قال سحنون: إذا أكرى صاحب الظهر على وجه
النظر له بأكثر مما كان أكرى منه أو بأقل فإنه ينظر، فإن كان أكرى بأكثر كان المتكاري بالخيار، إن شاء أخذ منه قدر رأس ماله وأعطاه الفضل فتكون إقالة، وإن شاء رده وكان الكراء كله للمتكاري، وإن كان أكرى بأقل لم يضمن، وكان له كراؤه، وكان عليه الرجوع ثانية، إلا أن يتراضيا على شيء فيكونان على ما اصطلحا عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة وقعت هاهنا، وفي الرواحل والدواب من المدونة وهي تتفرع إلى وجوه تنقسم إليها في بعضها اختلاف.
وتحصيل القول فيها: أنه إن ترك الكري الرفع إلى السلطان أو التلوم والإشهاد في موضع ليس فيه سلطان فلا يخلو أمره من أن يكون أكرى إبله راجعا أو رجع بها فارغا، فإن أكراها راجعا فلا يخلو من أن يكون أكراها لنفسه أو للمكتري، وإن رجع بها فارغا فلا يخلو أيضا من أن يكون الكراء موجودا أو غير موجود، فأما إذا أكرى لنفسه فالكراء له، وعليه الرجوع ثانية قولا واحدا، وأما إذا أكرى للمكتري، فقيل: إن المكتري مخير، إن شاء أخذ الكراء كله إن كان لم ينقد أو قدر رأس ماله منه إن كان نقد، وإن شاء رده على الطعام وهو قول سحنون هاهنا.
ومذهب ابن القاسم وروايته عن مالك على ما في المدونة.
وقيل: يفسخ الكراء الأول ويلزم المكتري الكراء الثاني، إلا أنه لا يأخذ الفضل إن كان نقد وهو ظاهر رواية ابن وهب عن مالك في المدونة.
وظاهر هذه الرواية أيضا، وإن كان
قد قال أبو إسحاق التونسي: (إن) معناها إذا رضي بما فعل، ولو لم يرض بفعله لكان (الكراء) الأول قائما بينهم وهو صحيح في المعنى، غير أن ظاهر اللفظ لا يساعده.
وأما إذا انصرف بإبله فارغا والكراء موجود، فقيل: يلزمه الرجوع عن الطعام وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وقيل: يفسخ الكراء ولا يكون له شيء، وهو ظاهر رواية ابن وهب عن مالك في المدونة.
وأما إذا انصرف بإبله فارغا والكراء غير موجود، فعلى مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك: يلزمه الرجوع ثانية، وعلى رواية ابن وهب عن مالك: لا يلزمه الرجوع ويكون له جميع الكراء.
والتلوم والإشهاد في موضع لا سلطان فيه يقوم مقام الرفع إلى السلطان إذا أكرى (الكري) للمكتري، أو لم يجد كراء فانصرف فارغا بغير كراء.
فأما إن أكرى لنفسه، فقال ابن حبيب: إن المكتري مخير، إن شاء أسلم إليه الكراء ورده بحمل متاعه، وإن شاء أخذ الكراء، فإن شاء أخذه، فانظر فإن كان فيه فضل فالفضل للمكري، وإن كان فيه نقصان فعلى المتكاري وهو صحيح في النظر على أصولهم ولا تأثير للتلوم والإشهاد في موضع يكون فيه سلطان يمكن الرفع إليه.
وإذا انصرف بإبله فارغا، وقال: لم أجد كراء - فيلزمه إقامة البينة على ذلك عند مالك على رواية ابن وهب.
###: عطب الدابة أو السفينة المكتراه قبل بلوغ المحل
ومن كتاب القبلة قال مالك، في رجل تكارى من رجل وله دابة أو سفينة لا يعلم له غيرها، فتكارى منه إلى بلد مسمى، ولم يشترط عليه
أنك تحملني في سفينتك أو على دابتك، ثم تصاب السفينة أو الدابة بعدما يركب، قال: لا أرى إلا أنه ضامن، على الكري أن يبلغ المتكاري إلى حيث يشترط عليه إلا أن يكون قال: دابتي هذه، أو سفينتي هذه.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور في المذهب أن الكراء محمول على المضمون، وإن قال: دابتك أو سفينتك حتى يعينها بالتسمية لها أو الإشارة إليها، فيقول: دابتك الفلانية أو دابتك هذه، وهو معنى ما في نذور المدونة، وفي سماع يحيى من كتاب الإيمان بالطلاق خلاف ما يقوم من رسم لم يدرك من سماع عيسى منه، وقد مضت هذه المسألة مستوفاة في أول سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة، وبالله التوفيق.
مسألة: سرقة المتاع قبل بلوغ الحمال به المحل
مسألة وقال مالك، فيمن تكارى على حمل متاع بعينه يريد المكري إلى بلد معلوم، فسرق ذلك المتاع قبل أن يخرج به أو بعدما سار به بعض الطريق، إن ذلك سواء خرج أو لم يخرج، الكراء له لازم، إن شاء جاء بمثل ذلك المتاع، وإن شاء أكرى ذلك البعير لمن يحمل عليه، وسواء كان ذلك قبل أن يخرج أو بعدما خرج إن كان صاحبه معه.
قال محمد بن رشد: هذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك في
المدونة، أن الكراء لا يفسخ بتلف الشيء المستأجر على حمله وهو المشهور في المذهب، خلاف ما في رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ من هذا الكتاب أن الكراء يفسخ.
وهذه المسألة يتحصل فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يفسخ بتلفه جملة من غير تفصيل.
والثاني: أنه لا يفسخ بتلفه جملة أيضا من غير تفصيل.
والثالث: الفرق بين أن يتلف بأمر من الله، أو من قبل ما عليه استحمل، فإن تلف بأمر من الله لم يفسخ الكراء، وإن تلف من قبل ما عليه استحمل انفسخ الكراء فيما بقي ولم يكن له شيء فيما مضى.
وقيل: (إنه) بحساب ما سار، وقد مضى هذا في سماع أبي زيد من كتاب كراء الدور، وقد مضى أيضا تحصيل هذا في غير ما موضع من كتاب الجعل والإجارة، من ذلك ما وقع في رسم طلق من سماع ابن القاسم، ورسم العتق من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
###: النفقة على البعير المتخلف عن الكري
ومن كتاب حلف ألا يبيع سلعة سماها وسئل: عن قوم تكاروا من كري تخلف عنهم ببعض الطريق فأنفقوا على إبله في علفها، أو مات بعير فتكاروا عليه،
أترى ذلك يلزمه؟ فقال: نعم أرى أن يلزمه ذلك إذا كان الذي صنعوا يشبه ما ينفق عليها، ثم قال: أرأيت لو كان معهما، أليس (كان) ينفق عليها ويتكارى؟ فقيل له: إنهم اشتروا بعيرا، قال: لا أدري ما الاشتراء، أرأيت لو ماتت كلها أكانوا يشترون إبلا؛ إنكارا أن يكون عليه شيء.
قال ابن القاسم: وذلك رأيي في الاشتراء.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إن الكري إذا تخلف عن المكتري فأنفق على إبله أن له أن يرجع (عليه) بما أنفق عليها؛ لأنه لما غاب وترك إبله عنده، فكأنه قد أذن له في الإنفاق عليها، إذ قد علم أنها لا تستغني عن الإنفاق عليها، وأنه إذا اشترى عليه بعيرا لا يلزمه، إذ لا يجب الحكم عليه بذلك لو رفعه إلى السلطان.
وأما إذا اكترى عليه فإن كان بعد أن تلوم وأشهد في موضع لا سلطان فيه فبين أنه يرجع عليه بما اكترى به عليه.
وأما إن كان اكترى عليه دون أن يرفع إلى السلطان أو دون أن يتلوم ويشهد إن كان في موضع ليس فيه سلطان، فيتخرج ذلك على قولين:
أحدهما: أنه يلزمه الأقل مما أكرى به عليه أو قيمة ذلك، ويكون له كراؤه.
والثاني: أنه لا يلزمه ذلك، ولا يكون له كراء.
والقولان يقومان من الاختلاف الذي ذكرناه في مسألة (الكري) لا يجد وكيل المكتري فيكري الإبل له دون أن يرفع ذلك إلى السلطان، أو دون أن يتلوم له ويشهد إن كان في بلد ليس فيه سلطان.