البيان والتحصيلصفحات 230-269
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحوالة والكفالة

صفحات 230-269
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مسألة: المكاتب ليس له أن ينكح ولا يسافر إلا بإذن سيده

مسألة قال وسمعته يقول: أتى إلى سعيد بن المسيب مكاتب له، فقال له إيذن لي أن أخرج إلى مكان كذا وكذا، فقال له سعيد: [لا] فانصرف عنه المكاتب فأصلح شأنه وأراد الخروج فأتي إلى سعيد بن المسبب فقيل له إن مكاتبك يخرج، فقال: موعده يوم القيامة، فقال مالك: يوقن بيوم الحساب ويعلم أن الناس سيوفون حقوقهم.
قال محمد بن رشد: هذا من قول سعيد بن المسبب مذهب مالك، ونصه في موطأه وفي المدونة وغيرها أن المكاتب ليس له أن ينكح ولا يسافر إلا بإذن سيده، اشترط ذلك عليه أو لم يشترطه إذ قد يجحف النكاح بماله فيعجز فيرجع رقيقا إلى سيده لا مال له، وقد تحل نجومه وهو غائب عن سيده فليس على ذلك كاتبه، وبالله التوفيق.

: من اشترى كتابة مكاتب أو وهبت له أو أوصي له بها

من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب نقدها نقدها قال عيسى: سئل ابن القاسم عمن كاتب عبده فأوصى لرجل عند موته بربعه، وأعتق ربعه ثم هلك العبد بعد ذلك وترك مالا أو عجز.
قال: إن عجز فللذي أوصى له بربعه ربع الخدمة وهو ربع الرقبة، وللورثة نصفها وربع العبد حر.
فإن مات وترك مالا استوفى الذي أوصى له بالكتابة وللورثة ما

بقي لهم عليه من الكتابة وهي ثلاثة أرباع الكتابة للذي أوصى له بربع الكتابة ربع الكتابة، وللورثة الربعان، فإن فضل فضلة كان للموصى له بالربع الثلث وللورثة الثلثان لأنه إنما ورث بالرق.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال لأن من اشترى كتابة مكاتب أو وهبت له أو أوصي له بها يحل محل السيد في أن له رقبته إن عجز وميراثه إن مات، وكذلك فيما اشترى منها له إن اشترى البعض منها أو وهب له أو أوصي له به لأن معنى قوله: أو أوصي له بربعه أو أوصي له بربع كتابته؛ لأن الكتابة هي التي يملك منه، وأما إذا أعتق السيد بعض مكاتبه أو حظه منه إن كان له فيه شريك أو وضع له بعض ما له عليه من الكتابة أو حظه منها إن كان له فيه شريك فذلك بخلاف إذا أوصى بذلك هو في الحياة وضع لا عتق وفي الوصية بعد الموت عتق من الثلث، هذا قوله في المدونة وغيرها، فوجب إذا أوصى رجل عند موته لرجل بربع كتابة مكاتبه وأعتق ربعه ثم مات أن يعتق منه الربع في ثلثه وأن يحل الموصى له بربعه محل الموصي، فيكون شريكا للورثة في رقبته إن عجز بالربع وللورثة الربعان، ويكون ربع العبد حرا.
وإن مات وترك مالا استوفى الذي أوصي له بالكتابة والورثة ما بقي لهم عليه من الكتابة، وهي ثلاثة أرباعها إذ قد أعتق الربع منه بالوصية ثم كل ما بقي ميراثا بين من له فيه الرق على قدر ما لهم فيه من الرق، للموصى له بربع رقبته الثلث وللورثة الثلثان على ما قال، وبالله التوفيق.

مسألة: مات أحد المكاتبين في كتابة واحد

مسألة وعن رجل كاتب عبدين له فمات أحدهما وترك أم ولد وولدا له منها، والعبد الباقي له مال كثير أو لا مال له، فما حال أم الولد؟ قال إذا لم يكن للعبد الباقي مال ولم يكن لها ولد بيعت، فإن كان في ثمنها وفاء للكتابة عتق العبد الباقي واتبعه السيد بالذي كان

يصيبه من الكتابة، وإن كان لها ولد ولم يقووا وقفت هي وولدها، فإن أدى العبد الباقي جميع الكتابة عتق وعتقوا واتبعهم بما أدى عنهم مما كان يصيبهم من الكتابة، وإن عجز هو وهم رجعوا رقيقا لسيدهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن حرمة أم الولد المكاتب إنما هي لسيدها ولولده منها أو من غيرها، فإذا مات أحد المكاتبين في كتابة واحد؟ وترك أم ولده ولم يكن له ولد منها ولا من غيرها لم تكن لهم حرمة، وكانت كسائر أموال المتوفى يؤدى منه الكتابة، فإن كان فيها وفاء بها عتق العبد الباقي واتبعه السيد بالذي يصيبه من الكتابة كما كان يتبعه المتوفى لو أدى هو جميع الكتابة؛ لأن المكاتبين معا في كتابة واحدة كل واحد منهما حميل عن صاحبه بما ينوبه منها يتبعه بما أدى عنه منها إذا لم يكن بينهما رحم يوجب عتق كل واحد منهما على صاحبه إذا ملكه؛ لأن مال المتوفى منهما قد صار إلى السيد فوجب إذا أعتق فيه الباقي أن يرجع السيد عليه بما كان يرجع به عليه لو أدى عنه في حياته.
وإن لم يكن له فيها وفاء بالكتابة قبض السيد ثمنها من الكتابة، فإذا أدى الباقي بقية الكتابة عتق ونظر إلى ثمنها، فإن كان أكثر مما يجب على الميت من الكتابة اتبعه السيد بنصف ذلك.
وأما إن كان لها ولد فلا تباع إلا أن يعجز ولدها والمكاتب الباقي عن الكتابة، فإن لم يعجزوا وأدى المكاتب الباقي جميع الكتابة عتق وعتقوا واتبعهم بما أدى عنهم مما كان يصيبهم من الكتابة كما قال، وذلك نصف ما أدى إن كان أدى جميع الكتابة، وكانت حاله مع صاحبه المتوفى متساوية في القيمة والقدرة على أداء الكتابة، وبالله التوفيق.

: يبيع مكاتبه فيعتقه الذي اشتراه

من كتاب استأذن سيده قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يبيع مكاتبه فيعتقه الذي اشتراه، قال: إن أعتقه جاز عتقه، وإن لم يعتقه رد إلى الذي كاتبه ورد الثمن، وإن مات عند المبتاع قبل أن يعتقه أو أعتقه فقد ضمنه المبتاع، وليس على البائع أن يرد شيئا من الثمن ولا أن يخرج منه شيئا فيجعله في رقبته مثل ما يفعل في المدبر إذا باعه ففات بموت.
قال محمد بن رشد: قوله إنه إن أعتقه المشتري جاز عتقه ولم يرد، يريد إذا كان المكاتب قد علم بالبيع على ما قاله في المدونة من أن ذلك عنده رضى بفسخ الكتابة، وهو مثل قول أشهب فيها إن يعتق يرد إذا كان المكاتب لم يعلم بالبيع، وهذا إذا لم يكن للمكاتب أموال ظاهرة لأنه إنما يكون له أن يعجز نفسه إذا لم تكن له أموال ظاهرة، وقد قال بعض الرواة في المدونة: وهو قول ابن نافع في سماع محمد بن خالد في كتاب الولاء: إن العتق يرد على كل حال، هذا الذي أقول به في تأويل ما وقع في المدونة في هذه المسألة، فعلى هذا الاختلاف في أن العتق يرد إذا كانت له أموال ظاهرة علم المكاتب بالبيع أو لم يعلم به، إذ ليس له أن يعجز نفسه إذا كانت له أموال ظاهرة، وقد كان من أدركنا من الشيوخ يحملون الروايات على ظاهرها من غير تفصيل، فيقولون فيها: إنها ثلاثة أقوال، يرد العتق، ولا يرد، والفرق بين أن يعلم المكاتب أو لا يعلم.
وأما إذا أعتق على البائع قبل أن يفوت بالعتق فلا اختلاف في وجوب رده.
وقوله في هذه الرواية إنه إن أعتقه المبتاع أو مات عنده فليس على البائع

أن يرد شيئا من الثمن، فمعنا؟ إذا كان المباع قد علم أنه مكاتب، وأما إن كان البائع دلس له بذلك فله أن يرجع عليه بقيمة عيب الكتابة من الثمن على ما قاله في سماع يحيى بن خالد من كتاب الولاء في المدبر، وهو مذهبه في المدونة.
وأما قوله إنه ليس على البائع أن يخرج من الثمن شيئا فيجعله في رقبته كما يفعل في المدبر إذا فات بموت، فالفرق عنده بين المكاتب والمدبر في هذا والله أعلم أن التدبير ألزم من الكتابة إذ قد يقدر المكاتب وإن كان له ماله أن يذهب ماله ويعجز نفسه ولا يقدر المدبر على أن يبطل عقد التدبير فيه، وبالله التوفيق.

: وطئ مكاتبة مكاتبه فحملت

ومن كتاب العرية قال عيسى وسألته عن رجل وطئ مكاتبة مكاتبه فحملت.
قال: يدرأ عنه الحد ويلحق به الولد، وتخير الأمة في أن تمضي على الكتابة وفي أن تكون أم ولده، فإن أحبت أن تكون أم ولده قومت عليه وغرم قيمتها للمكاتب نقدا، ولم يكن له أن يقول أحاسبك بقيمتها من كتابتك ألا أن يشاء المكاتب لأن الأمة مال من مال المكاتب يتقوى به على كتابته، ليس للسيد أن يتعجل شيئا لم يحل له بعد، وإن اختارت الكتابة قيل للسيد الواطئ أخرج قيمتها فإن أدت كتابتها عتقت ورجعت القيمة إلى الذي أخرجها وهو الواطئ، وإن عجزت كانت القيمة لسيدها المكاتب، وكانت أم ولد للواطئ، ولم يكن له عليه في ولده شيء، وإن ماتت قبل أن يؤدي أخذ من القيمة التي وقفت قيمة الولد فتدفع إلى المكاتب،

ورجع ما فضل من القيمة التي وقفت عن قيمة الولد إلى الواطئ لأنه يقول لا تذهب قيمة ولد مكاتبي باطلا إذ لم يؤد ما كان لي عليها، فتعتق فتحوز ولدها أو تعجز فيكون لي قيمتها على سيدي الذي وطئها فإذا فاتت بموت فلي قيمة ولدها فذلك له ويدفع إليه.
قال محمد بن رشد: الأصل في هذه المسألة قول مالك ومن تابعه: إن الحكم فيمن وطئ مكاتبته فحملت أن تخير بين أن تقيم على كتابتها وبين أن تكون أم ولد له، فوجب على قياس ذلك إذا وطئ مكاتبة مكاتبه فحملت ما قاله من أن تخير، فإن أحبت أن تكون أم ولد له قومت- فغرم قيمتها للمكاتب نظرا.
وأما قوله: ولم يكن له أن يقول أحاسبك بقيمتها من كتابتك إلا أن يشاء المكاتب فهو الصحيح في النظر للمعنى الذي ذكره فيه، وفيه اختلاف في كتاب ابن المواز لابن القاسم فيمن وطئ أمة مكاتبه فحملت أن القيمة تلزمه ويعتق فيها المكاتب، ويتبع سيده بفضل ما بقي، وهي له أم ولد، وعاب ذلك محمد فقال: هذا ظلم للمكاتب أن يتعجل السيد الكتابة في القيمة التي لزمته، بل يأخذ القيمة ويؤدي النجوم على حالها، فإن لم يكن للسيد شيء بيعت الكتابة عليه في القيمة أعني كتابة مكاتبه، قال أحمد بن ميسر: ويكون أولى بما بيع من ذلك، ولابن القاسم في كتاب أمهات الأولاد وقال غيره هنالك: ليس ذلك للسيد وإن كان معدما، وتباع الكتابة على السيد فيما لزمه من القيمة، ويبقى المكاتب على كتابته إلا أن يشاء أن يكون أولى بما بيع من كتابته لتعجيل العتق، مثل قول أحمد بن ميسر، فإن قصر ثمن الكتابة عن قيمة الأمة كان الباقي منها رقيقا للمكاتب إن كان ثمن الكتابة مثل نصف قيمة الأمة كان نصفها بحساب أم ولد للسيد ونصفها رقيقا للمكاتب، واتبع سيده بنصف قيمة الولد.
وقوله إنه ليس للسيد أن يقاص المكاتب مما لزمه من قيمة له عليه من

الكتابة وإن كان معدما هو الذي يوجبه النظر، وتفرقة ابن القاسم في المدونة في ذلك بين اليسر والعدم استحسان.
وأما قوله في كتاب ابن المواز إن له المقاصة في ذلك وإن كان موسرا فهو بعيد وظلم للمكاتب كما قاله محمد، وأما إذا اختارت الكتابة فقوله إن قيمة الأمة يؤخذ من السيد ويوقف فإذا أدت كتابتها رجعت القيمة إليه، وإن عجزت كان القيمة للمكاتب وكانت الأمة أم ولد للواطئ فهو صحيح لا اختلاف فيه.
وأما قوله إنها إن ماتت قبل أن تؤدي فيؤخذ من القيمة التي وقفت قيمة الولد فيدفع إلى المكاتب، ويرجع ما بقي منه إلى الواطئ فليس ببين في وجه الحكم، وقد تكون قيمة الولد أكثر من القيمة التي وقفت؛ لأنها إنما قومت يوم الحمل دون ولد، ولابن القاسم في كتاب ابن المواز أن القيمة تكون للمكاتب إذا ماتت قبل الأداء كما إذا عجزت وهو صحيح في النظر؛ لأنها إذا ماتت قبل أن تؤدي كتابتها فقد ماتت في حال الرق؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء، فوجب أن تكون القيمة لسيده كما لو ماتت بعد أن عجزت، وبالله التوفيق.

مسألة: يطأ مكاتبة ابنه فتحمل

مسألة وسئل عن الرجل يطأ مكاتبة ابنه فتحمل.
قال: تخير بين أن تقوم عليه فتكون أم ولد وتبطل الكتابة، وبين أن تسعى في كتابتها، فإن أدت عتقها وإن عجزت قومت عليه، قيل له: فإنها اختارت أن تكون على كتابتها؟ قال: إذا هي اختارت أن تثبت على كتابتها قيل للولد: أخرج الآن قيمتها فأوقفها،

فإن أدت كتابتها رجعت إليك القيمة، وإن عجزت أعطيتها ابنك وكانت الجارية أم ولد لأنا نخاف أن تعجز وقد فلست أنت فيذهب حق سيد الجارية، قيل: أرأيت إذا قوم منها عليه حين وطئها أم لا تجعل كتابتها له تسعى فيها له؟ فإن أدت عتقت وكان ولاؤه للذي عقد لها الكتابة، وإن عجزت كانت أم ولد للذي أدى قيمتها قلت: ولم - إذ رأيت - لا تسعى على هذا الواطئ، ولم تعجل له كتابتها لم تقومها عليه اليوم؟ لم لا تؤخر قيمتها إلى أن تعجز؟ فإذا عجزت قومتها عليه يوم تعجز لأنك حين تقومها عليه اليوم حين وطئها وتؤخرها إلى أن تعجز لعلها تعجز حين تعجز وقد ذهب بصرها أو يداها أو رجلاها أو أصابها أمر في جسدها فيصير هذا يأخذ قيمتها اليوم صحيحة وإنما أخذ الواطئ إياها الآن منقوصة الجسد ولعل ما دخلها من النقص قد أدت بعد أن قومت جميع كتابتها إلا دينارا واحدا فعجزت في ذلك الدينار فصارت قد أخذ قيمتها صحيحة وأخذ جميع كتابتها إلا دينارا واحدا فيدخل على الواطئ في هذا ضرر، قال: نعم كذلك هو، والظالم أحق من يحمل عليه.
قلت: وسواء الذي أصابها في جسدها بعد أن قومت على هذا الواطئ أن كان من السماء أو صنعه بها إنسان فأخذ لذلك أرشا؟ قال: ليس هو سواء، إذا كان ذلك من السماء كان كما وصفت لك، وإذا أصابها بذلك إنسان أخذ عقلها، فإن كان في عقلها ما تعتق به عتقت ورجعت القيمة إلى الواطئ، وإن كان ليس فيه ما يعتق فيه سعت فيما بقي فإن أدت عتقت وإن عجزت فض واطئها من قيمتها بما أخذ في ثمن جسدها.

قال محمد بن رشد: لسحنون في نوازله بعد هذا من هذا الكتاب فيمن وطئ مكاتبة ابنه فحملت أنه لا يجوز أن تخير بين أن تكون أم ولد للواطئ أو تبقى على كتابتها، إذ ليس لها أن تنقل ولاءها عن الابن الذي قد انعقد له إلى الأب خلاف قول ابن القاسم في هذه الرواية إنها تخير في ذلك، وقول سحنون هو الذي يأتي على قياس مذهب مالك في أنه لا يجوز بيع المكاتب ممن يعتقه من أجل نقل ولائه إلى المشتري، وإنما يجيز ذلك إذا وقع فيمضي العتق استحسانا مخافة أن يرده فتعجز عند البائع.
فقول ابن القاسم في هذه الرواية إنما يأتي على مذهب من يجيز ذلك ابتداء وهو مذهب جماعة من السلف ذكر في المدونة عن يحيى بن سعيد أنه باع مدبرا ممن أعتقه، وأن عمرو بن الحارث دخل في ذلك حين اشتراه.
ولو قيل: إن ذلك يجوز في الذي يخشى عليه العجز ولا يجوز في الذي يؤمن عليه العجز في ظاهر حاله، ونظر إلى هذا في مكاتبة الابن إذا وطئها الأب فحملت لكان قولا وسطا، وإنما توقف القيمة على مذهب ابن القاسم إذا اختارت المضي على كتابتها إذا كان الأب الواطئ ممن يخشى عليه العدم.
ولما سأله لم لم تكن الكتابة للأب إذا قومت عليه فيسعى فيها، فإن أدت عتقت وكان ولاؤها للذي عقد لها الكتابة، وإن عجزت كانت أم ولد للذي أدى قيمتها، سكت له عن الجواب في ذلك.
والجواب فيه: أنه لا يصح أن تكون له الكتابة على حكم من اشتراها، إذ لم يشترها ولا تعدى عليها فلزمته قيمتها، وإنما تعدى على الرقبة بوطئه إياها فلزمته قيمتها، فلا يصح أن يعدى الحكم في ذلك عن الرقبة إلى الكتابة.
وأما اعتراضه عليه بأن القياس كان أن يكون التقويم فيها إذا اختارت المضي على كتابتها يوم عجزت حتى يقضي له بها، فقد سلمه، إلا أنه قال: إن الظالم أحق أن يحمل عليه، فلا وجه للقول فيه.
وتفرقته على أصله في وجوب التقويم

يوم الحمل بين أن تكون الجناية عليها من أمر من السماء أو من جناية أحل صحيحة، إذ لا يصح أن يأخذ من الجاني عليه قيمة الجناية عليها ومن الواطئ لها جميع قيمتها، فيكون قد أخذ قيمتها مرتين، وبالله التوفيق.

: المكاتب يبتاع من بعض من يعتق على سيده إذا ملكه أيعتق عليه

ومن كتاب يدير ماله وسألته عن المكاتب يبتاع من بعض من يعتق على سيده إذا ملكه، أيعتق عليه؟ قال لا، ويبيع ويصنع ما شاء ويطؤهن إن كن نساء وإن كانت أم سيده أو أخته؛ لأنه ليس لسيده أن ينتزع ماله، ولأن بعض الناس قد قال في العبد إنه يملك من قرابة سيده من يعتق على سيده إذا ملكهم، ولا يعتقون، ويطؤهن إن كن نساء.
واحتجوا في ذلك بأنهن مال للعبد حتى ينتزعه السيد، ولأنه ليس على السيد في مال عبده زكاة، فكيف المكاتب؟ إلا أن هذا القول عندنا في العبد ليس بشيء.
قال مالك: إذا ملك العبد من لو ملكه سيده عتق عليه فإنه يعتق عليه بملك العبد إياه.
قال ابن القاسم في المكاتب: فإن عجز وهم عنده عتقوا عليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إنما يعتق على العبد من ملك ممن يعتق على سيده من أجل أنه يملك انتزاعهم، فلما كان يملك انتزاعهم عتقوا عليه، إذ لو انتزعهم لعتقوا عليه؛ فوجب أن لا يعتق على المكاتب ما ملك ممن يعتق على سيده، إذ لا يملك سيده انتزاعهم منه بإجماع.
وإذا كان قد قيل في العبد الذي يملك سيده انتزاع ماله: إنه لا يعتق عليه من قرابة سيده، فأحرى أن يقال في المكاتب الذي ليس للسيد أن ينتزع ماله كما قال، ولا اختلاف في ذلك أعلمه في المكاتب.
وأما في العبد ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم لا يعتقون عليه، وهو القول الذي حكاه عن بعض

الناس في هذه الرواية، وهي التي يأتي على حقيقة القياس بأن العبد يملك، وقيل إنهم يعتقون إذا اشتراهم وهو لا يعلم أنهم يعتقون على سيده، وهو الذي اختاره سحنون، وقال فيه: إنه أصح أقوال ابن القاسم، فقيل: إنهم يعتقون وإن اشتراهم وهو يعلم أنهم يعتقون على سيده، وقع ذلك من قول ابن القاسم في كتاب الرهون، وطرحه سحنون فقال: إنما يعتقون عليه إذا اشتراهم وهو لا يعلم.
وقد قال بعض الناس: إن قول مالك في أنهم يعتقون إذا ملكهم اضطراب من قوله في أن العبد يملك، وليس ذلك بصحيح؛ لأنه إنما رأى أنهم يعتقون من أجل أن السيد يملك انتزاعهم، لا من أجل أن العبد لا يملك، وبالله التوفيق.

: المكاتب يشتري الرجل كتابته

ومن كتاب سلف دينارا في ثوب وقال ابن القاسم في المكاتب يشتري الرجل كتابته: إنه فيه بمنزلة سيده، يقاطعه كما كان سيده يقاطعه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم هذا من قول مالك في أول رسم من سماع ابن القاسم، ومضى هنالك القول عليه فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

: كان ثلاثة إخوة في كتابة واحدة فجنى أحدهم

ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار قال ابن القاسم: إذا كان ثلاثة إخوة في كتابة واحدة فجنى أحدهم فإنه يقال له: أد جنايتك، فإن لم يقو، قيل لمن بقي: أدوا الجناية وقوموا بنجومكم وإلا عجزتم، فإن لم يقوموا وعجزوا رق الاثنان وقيل للجانى: إما أن تسلم الجاني وإما أن تفتكه بقيمة الجناية.
وإن

قالوا نحن نؤدي فأدوا الجناية، فإن من أدى الجناية منهم رجع بها على الجاني بعد العتق، وليس هو بمنزلة الكتابة التي يؤدي بعضهم عن بعض، فإن أولئك لا يرجع من أدى على من لم يؤد إذا كانوا إخوة وأقارب.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم إن من أدى منهم الجناية يرجع بها على الجاني خلاف قول غيره وهو أشهب، والله أعلم، في كتاب الجنايات من المدونة إن الجناية كالكتابة لا يرجع بها من أداها عمن هو معه في كتابة واحدة إلا على من يرجع عليه بما أدى عنه من الكتابة.
وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يرجع على زوجته ولا أحد ممن يعتق عليه، ويرجع على سواهم ممن لا يعتق عليه وإن كانوا من ذوي محارمه كالعم والخال، وهو مذهب ابن القاسم؟ والثاني: أنه لا يرجع على زوجته ولا أحد من ذوي محارمه وإن كان منهم من لا يعتق عليه، وهو مذهب أشهب؟ والثالث: أنه لا يرجع على زوجته ويرجع على من سواها وإن كانوا من ذوي محارمه الذين يعتقون عليه كالأب والأخ، وهو مذهب المغيرة، وقوله في نوازل سحنون بعد هذا من هذا الكتاب، فلا اختلاف في أنه لا يرجع على الزوجة ولا في أنه يرجع على ذوي رحمه الذين ليسوا من ذوي محارمه كابن العم وابن الخال وشبههم.
وقد حكى ابن حبيب عن أصبغ في ثلاثة إخوة مختلفين: أخ لأب وأم، وأخ لأب، وأخ لأم، كوتبوا كتابة واحدة فأداها أحدهم كلها، أنه إن أداها الذي لأب وأم لم يرجع عليهما بشيء، وإن أداها الأخ للأم رجع على الأخ للأب ولم يرجع على الأخ للأب والأم، وإن أداها الأخ للأب رجع على الأخ للأم ولم يرجع على الأخ للأب والأم.
وقوله صحيح على ما ذكرناه من أن ذوي الرحم الذين ليسوا من ذوي المحارم كالأجنبي.
واختلف أيضا في توارث المكاتبين في كتابة واحدة على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه يتوارث جميع الورثة الزوجة وغيرها، روي ذلك عن مالك، ووقع اختلاف قوله في ميراث الزوجة في المبسوطة؛ والثاني: أنه يتوارث جميع الورثة إلا الزوجة، وفي المدونة ما ظاهره هذا القول؛ والثالث: أنه لا توارث بينهم إلا فيمن كان منهم يعتق بعضهم على بعض، وهذا القول هو المنصوص عليه في المدونة.
ولا خلاف بين ابن القاسم وأشهب في أن الجناية كالكتابة في أنه لا يعتق الجاني ولا من معه في الكتابة إلا بعد أداء الجناية، وإنما اختلفا إذا أدى الجناية غير الجاني هل يرجع بها على الجاني إذا كان ممن لا يرجع عليه بالكتابة أم لا حسبما وصفناه من اختلافهما في ذلك.
وأما الدين فمذهب ابن القاسم أن الكتابة لا تبطل بالعجز عن أدائه، فيعتق المكاتبون إذا أدوا الكتابة وإن عجزوا عن أداء الدين، ويبقى الدين بعد العتق في ذمة الذي كان في ذمته منهم، بخلاف الجناية عنده في هذا؛ لأن الدين لا يؤدى من الخراج والعمل، والكتابة والجناية يؤديان من ذلك؛ وأشهب يرى الدين كالكتابة والجناية في جميع الوجوه، وهي كلها مفترقة عند ابن القاسم، لكل واحد منها حكم غير حكم صاحبه على ما بيناه، وبالله التوفيق.

مسألة: يضع عن مكاتبه عند الموت نجما من نجومه

مسألة قال عيسى وسألت ابن القاسم عن الرجل يضع عن مكاتبه عند الموت نجما من نجومه لا يدرى من أوله أو من آخره، قال: إنه إن كانت النجوم ثلاثة وضع عنه من كل نجم ثلثه، وإن كانت أربعة فربعها، فكذلك حسابها.
فإن أدى عتق، وإن عجز فإنه إن كانت النجوم عشرة عتق عشره، وإن كانت ثلاثة فثلثه، فبحساب هذا يعتق.
وإنما الوضيعة عتق إذا كان في وصية في أداء كتابة، فإن أدى عتق وإن عجز رجع إلى الذي وجبت عليه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على قياس ما في المدونة وغيرها، ولا اختلاف فيه أحفظه، وبالله التوفيق.

: من أوصى بوصية لرجل أو بعتق أو كتابة

ومن كتاب العتق قال وسألت ابن القاسم عن رجل قال كاتبوا عبدي فلانا.
فأصيب يد العبد أو رجله، فبأي القيمتين يكاتب؟ أبقيمته حين أوصى أو حين مات سيده؟ أو حين جرح؟ قال قيمته يوم يكاتب، وكذلك لو قال هو حر فاعتل فإنما قيمته يوم يقوم للعتق، ولا ينظر إلى يوم أوصى ولا يوم مات ولا يوم اعتل.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله ولا اختلاف فيه؛ لأنه من أوصى بوصية لرجل أو بعتق أو كتابة إنما ينظر ذلك كله إلى قيمته يوم تنفذ الوصية فيه، وبالله التوفيق.

: يقول اخدم ابني كذا وكذا سنة ثم أنت حر فيموت قبل الأجل

ومن كتاب شهد على شهادة ميت قال وسئل عن امرأة قالت لخادمها عند موتها: ربي ولدي هذا وأدي ثلاثين دينارا ثم أنت حرة والولد صغير حين وضعته أمه ثم هلكت، فلم تلبث إلا يسيرا هلك الصبي ولها ولد غيره.
قال ابن القاسم: إذا أدت الثلاثين دينارا فهي حرة؛ لأنها إنما أرادت تربية الغلام ما عاش إلى أن يبلغ.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنها عينت الولد ولم تحد لتربيتها إياه حدا من السنين، فوجب أن يحمل ذلك على حياته، ولو حدت لتربيتها إياه حدا من السنين والأعوام لوجب أن لا يكون عليها شيء فيما اشترط عليه من تربيتها فيما بقي من المدة لأنها إنما أرادت كفالة الولد وتربيته، لا هبة خدمتها له فتكون موروثة عنه على معنى ما في المدونة في

الذي يقول: اخدم ابني كذا وكذا سنة ثم أنت حر فيموت قبل الأجل، إنه حر إذا لم يكن من عبيد الخدمة، وإنما أريد به ناحية الكفالة والحضانة.
فإذا سقطت تربية الولد عنها بموته وجب أن تجب لها الحرية بأداء الثلاثين دينارا كما قال، وبالله التوفيق.

مسألة: قال الرجل لعبده أنت حر على أن تدفع إلي كذا وكذا

مسألة وسألت عن رجل قال لغلامه: أعتقك على أن لا تفارقني فإن فارقتني فعليك خمسون دينارا فأعتقه على ذلك، هل ترى هذا الشرط لازما له؟ قال ابن القاسم: أراه حرا وعليه خمسون دينارا، وأما ما اشترطه عليه من أن لا يفارقه فهو باطل كأنه أعتق على أن يدفع إليه خمسين دينارا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه بتل عتقه وشرط عليه بعد العتق أحد الوجهين إما أداء خمسين دينارا وإما أن لا يفارقه، وأحد الوجهين لا يجوز اشتراطه عليه بعد العتق، وهو أن لا يفارقه، فوجب أن تجب عليه الخمسون التي يجوز اشتراطها بعد العتق.
وقوله: كأنه أعتقه على أن يدفع إليه خمسين دينارا معناه كأنه أعتقه على أن يدفع إليه خمسين دينارا بعد العتق، وأما إذا قال الرجل لعبده: أنت حر على أن تدفع إلي كذا وكذا فمذهب ابن القاسم في ذلك إن قبل العبد ذلك كان حرا إذا أدى ذلك، وإن لم يقبل فلا حرية له، وفي ذلك اختلاف كثير سأذكره في رسم الصبرة من سماع يحيى إن شاء الله.

: تحضره الوفاة فيقول لرجل خذ من عبدي فلان مائة

ومن كتاب الرهون وعن رجل تحضره الوفاة فيقول لرجل: خذ من عبدي فلان مائة

دينار ثم هو حر أتنجم عليه؟ قال: لا أرى أن تنجم عليه تؤخذ منه جميعا إلا أن يكون أمر أن تنجم عليه.
قال محمد بن رشد: لم ير أن تنجم عليه المائة لقوله فيها خذ لأن الظاهر من لفظ الأخذ في الشيء أخذه مجتمعا، فوجب أن يحمل على ذلك إلا أن تقترن به قرينة تدل على أنه لم يرد أخذ ذلك منه جميعا معا، فينجم عليه كما لو أمر أن تنجم عليه، فليس ذلك بخلاف لما في المدونة من أنه إذا قال لأمة له إن أديت إلي أو إذا أديت إلى ورثتي ألف درهم أو أد إلى ورثتي ألف درهم والثلث يحملها أنها إذا أدت الألف درهم فهي حرة ويتلوم له السلطان على قدر ما يرى يوزعه عليها؛ لأن لفظ الأداء للمشتري لا يقتضي في ظاهره أخذه مجتمعا معا، وبالله التوفيق.

: اقتسام الشركاء في الكتابة

من سماع يحيى ابن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن ورثة ورثوا مكاتبا أيجوز لهم اقتسام كتابته فينظره منهم من أحب، ويتعجل من كره النظرة كما يجوز ذلك للشركاء في اقتسام الدين يكون لهم على الغريم؟ فقال: لا يجوز للورثة أن يقتسموا ما على المكاتب إلا عند انقضاء كل نجم، وذلك أن النجوم التي عليه ليست بدين ثابت فيقسم كاقتسام الدين الذي يكون للشركاء على الغريم، ومما يبين ذلك أن مالكا قال في المكاتب يكون بين الرجلين: إنه ليس لأحدهما أن يبيع نصيبه من الكتابة دون صاحبه إلا أن يبيعا جميعا، ولا تجوز القسمة إلا فيما يجوز بيعه من الديون.

قال محمد بن رشد: أما اقتسام الشركاء في الكتابة كتابة المكاتب بينهم فلا اختلاف في أن ذلك لا يجوز؛ لأنهم إذا اقتسموا كتابته صار كل واحد كأنه قد كاتبه على حصته دون شركائه، وذلك ما لا يجوز؛ لأنه غرر، إذ ليست الكتابة بدين ثابت، فقد يعجز في نصيب أحدهما فيرجع حظه منه رقيقا ويؤدي إلى الآخر فيعتق حظه ويصير ذلك خلاف السنة الثابتة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في قوله: «من أعتق شركا له في عبد قوم عليه قيمة العدل» الحديث، وأما بيع أحد الشريكين نصيبه من كتابة المكاتب فقد مضى ذكر الاختلاف فبه وتحصيله في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، ولا يدخل هذا الاختلاف في فسخ كتابة المكاتب بدليل قوله: ولا تجوز القسمة إلا فيما يجوز بيعه من الديون؛ لأن المعنى في ذلك ولا تجوز القسمة إلا في الديون التي يجوز بيعها إلا في الكتابة إذ ليست من الديون وإنما هي جنس من [إلغاء مبطل فترجع] إلي الرقبة، وبالله التوفيق.

مسألة: حل النجم الثاني قبل عجزه فتعذر على المكاتب وانتظر لما يرجى له

مسألة قلت أرأيت إن حل نجم من نجوم المكاتب فقال أحد الورثة: بدؤوني بهذا النجم واقتضوا ما أنقدكم به في القبض مما بقي عليه من نجومه أيجوز ذلك؟ قال: نعم لا بأس به، قلت فإن عجز المكاتب ولا مال له؟ قال: يرجع المقتضي بحصته في الرقبة ويغرم للشركاء حصصهم فيما كانوه بدأوه به، وذلك أنه كان منهم كالسلف عليه لهم، قلت: فإن كان حين حل النجم أعسر به فأنظروه إلا واحدا شح واقتضى ثم عجز؟ قال: يرجع المقتضي بحصته في الرقبة ولا يغرم لشركائه شيئا، وذلك أنه إنما اقتضى نصيبه ولم يبدؤوه بشيء، قال: وإن مات المكاتب عن مال وقد اقتضى أحدهم حقه من نجوم

المكاتب وأنظره الآخر دون اقتضاء من بقي، ثم اقتسموا ما بقي وإن لم يكن فيما ترك وفاء وقد اقتضى بعضهم بعض حقه وأنظره بعض بجميع حقه اقتسموا ما ترك على حساب ما بقي لكل واحد من حصته من النجوم على قدر ما كانوا يطلبونه كما يقسم مال المفلس على قدر أموال أهل الديون.
قلت: أرأيت حين بدأوه يتقاضى نجما أو نجمين ليقتضوا مما باقي من النجوم، فقلت: إن عجز رد عليهم بقدر ما ينوبهم مما اقتضى ورجع بحصته في الرقبة أرأيت إن لم يعجز؟ فلما حلت النجوم قالوا لشركائهم: اقضنا ما قدمناك به سلفا مما لك فاقبض أنت ونحن المكاتب واقضنا ما قد صار لنا قبلك أترى ذلك عليه؟ قال: لا أرى لهم قبله شيئا إلا أن يعجز المكاتب.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها؛ لأن المكاتب إذا كان بين الشريكين فيبدئ أحدهما صاحبه بنجم من نجومه على أن يأخذ النجم الآخر فيما بدأه به سلف منه له، فإن عجز المكاتب في النجم الآخر رد الذي قبض النجم الأول نصفه ورجع بحظه في رقبة المكاتب، وإن مات وترك مالا استوفى الذي لم يقبض شيئا من ماله مثل ما قبض صاحبه وكان ما بقي من ماله بينهما، وإن لم يكن فيما ترك من المال وفاء لما قبض صاحبه اتبعه بما بقي من حقه، مثال ذلك أن يكون النجم الذي قبض خمسين وترك المكاتب من المال ثلاثين فيرجع عليه بعشرة، ولو عجز أو مات قبل محل النجم الثاني لم لكن عليه رجوع حتى يحل الثاني، قاله في كتاب ابن المواز قال محمد: ولو حل النجم الثاني قبل عجزه فتعذر على المكاتب وانتظر لما يرجى له لكان على الشريك أن يعجل لشريكه سلفه ثم يتبعان المكاتب بالنجم الثاني.

وإنما قال: إذا حل النجم الثاني ولم يمت ولا عجز إنه لا يلزمه أن يقضيه معه لأنه إنما بدأه من النجم الأول على أن يقبض هو الثاني، فكأنه قد التزم اقتضاءه هذا معنى ما ذهب إليه في الرواية.
وأما إذا حل النجم على المكاتب فأنظره أحدهما بحقه فيه وشح صاحبه فاقتضى حقه منه فلا رجوع له عليه إن عجز أو مات ولم يترك شيئا، ويكون له حظه من رقبة المكاتب في العجز، وإن ترك مالا استوفى منه الذي لم يقبض شيئا مثل ما قبض صاحبه، وكان ما بقي بينهما.
وإن لم يكن فيما ترك وفاء لما قبض صاحبه اقتسما ما ترك على قدر ما لكل واحد منهما يضرب الأول بما بقي له من النجم الأول، والثاني بجميع النجم الثاني على سنة التحاص في مال المفلس كما قال، واقتضى أحد الشريكين في المكاتب من الكتابة شيئا دون شريكه بتبدئته إياه بذلك أو بغير تبدئة خلاف حكم قطاعة أحدهما المكاتب بإذن شريكه أو بغير إذنه.
أما إذا قاطعه بإذنه ثم عجز في نصيب شريكه فهو بالخيار بين أن يرد نصف ما قاطعه به ويكون حظه في رقبة العبد، وبين أن يتمسك بقطاعته ولا يكون له في رقبة المكاتب شيء، وأما إذا قاطعه بغير إذنه ثم عجز في نصيب شريكه فليس له أن يرجع في رقبة المكاتب وإنما له ما قاطع به، وحكم الموت والعجز سواء إذا قاطعه أحدهما بغير إذن شريكه، تلزمه القطاعة ولا يكون له شيء في رقبته إن عجز، ولا في ماله إن مات؛ لأنه قد رضي بما قاطعه به، فليس له أن يرجع في رقبته إن عجز، ولا في ماله إن مات صح إلا أن لا يشاء شريكه أن يمضي له ما فعل من قطاعته إياه فيرجع عليه بنصف ما قاطع به ويكون العبد بينهما إن عجز، وإن مات ولم يف ما ترك بما قاطع به

رجع عليه بنصف الزائد إن كان قاطعه بعشرين فمات ولم يترك إلا عشرة رجع عليه بخمسة.
وأما إذا قاطعه أحدهما في نصيبه بإذن شريكه فقال: إن الموت في ذلك كالعجز أيضا يكون الذي قاطع مخيرا بين أن يتمسك بقطاعته ولا يكون له شيء من ميراثه، وبين أن يرد نصف ما قاطع به ويكون الميراث بينهما، قاله في الموطأ، رواية يحيى ذلك غلط وقع في روايته، وإنما الحكم في ذلك أن يستوفى الذي لم يقاطع مما ترك المكاتب حقه من الكتابة أو بقية حقه منها إن كان قبض الذي قاطع، ويكون بقية المال بينهما، وهو نص قول مالك في موطأه في الباب نفسه في صدر كلامه، وبالله التوفيق.

: يشتري ما على مكاتب لو ملك رقبته عتق عليه بالرحم

ومن كتاب يشتري الدور والمزارع وسألته عن الرجل يشتري ما على مكاتب لو ملك رقبته عتق عليه بالرحم، فقال: أرى أن الذي على المكاتب موضوع عنه، فقيل له: ولم لم يملك رقا؟ ألا ترى أنه لو أدى ما عليه كان ولاؤه للذي عقد كتابته؟ قال: وإن كان ولاؤه للذي عقد كتابته فإن الذي اشترى الكتابة إذا كان ممن لو ملكه عتق عليه فهو إذا صار يأخذ منه كتابته فكأنه يأخذ منه ثمن رقبته، ألا ترى أنه إن عجز صار رقيقا له، فكيف يجوز له أن يقتضي منه ثمن رقبته وهو إن عجز عن أداء الذي يقتضيه منه فرق بالعجز عتق عليه بالرحم؟ قيل له: فإن ورثه؟ قال: فذلك أبين أن الكتابة موضوعة عنه ساعة يرثها من إذا ملكه عتق عليه.
قال محمد ابن رشد: ولو أوصى بكتابة من يعتق عليه لعتق عليه إن قبل الوصية، قاله أصبغ في نوازله في آخر الكتاب، ومعناه أنه تسقط عنه

الكتابة فيعتق ويكون ولاؤه للذي عقد كتابته، وهو مذهب ابن القاسم في هذه الرواية، ولا أعرف في المذهب في ذلك نص خلاف، قال أصبغ في النوازل المذكورة: وذلك بخلاف إذا أوصى له بثمن من يعتق عليه لإنه إنما له الثمن بعد بيعه وليس بيعه في يديه، وبالله التوفيق.

: قال أنت حر على أن عليك خمسين دينارا

ومن كتاب الصبرة وقال فيمن قال: أنت حر على أن عليك خمسين دينارا: فالعبد بالخيار إن شاء أن تكون الخمسون دينارا عليه ويتبع بها ويعجل له الحرية فذلك له، وإن كره أن يكون غريما بها فلا عتاقة له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها ثلاثة أقوال أحدها قول ابن القاسم في هذه الرواية، والثاني قول مالك في المدونة إنه حر، والمال عليه بمنزلة قوله أنت حر بتلا وعليك كذا وكذا والثالث قول ابن القاسم في العتق الثاني من المدونة أنه إن قبل كان حرا إذا أدى المال كالكتابة، وإن لم يقبل فلا حرية له، إلا أن يفرق على مذهبه بين قوله أنت حر على أن عليه كذا وكذا أو أنت حر على أن تدفع إلي كذا وكذا، فقد فرق بين ذلك، وللتفرقة بينهما وجه، وقد قيل: إن هذين اللفظين سواء بخلاف قوله على أن تؤدي إلي كذا وكذا.
والصواب أن لا فرق بين أن يقول على أن تدفع أو على أن تؤدي وأن ذلك بخلاف قوله على أن عليك، فالأظهر من قوله على أن يؤدي أو على أن يدفع أن العتق بعدى الأداء، والأظهر من قوله على أن عليك أن الأداء بعد العتق، ويتخرج في المسألة قول رابع، وهو أن يكون حرا إذا أدى المال شاء أو أبى على مذهب من يرى جبر العبد على الكتابة، وهل هذا يختلف في الذي يقول لعبده أنت حر على أن تخدمني ما عشت؟ فقال المغيرة: هو كالمدبر

لا يقدر على بيعه، وقال عيسى عن ابن القاسم في المدنية: أراه حرا الساعة، وليس عليه خدمة، قال: ولو قال: أنت حر على أن تخدمني عشر سنين كان حرا الساعة وسقطت الخدمة، وقال في آخر كتاب المدبر من المدونة ينظر في ذلك، فإن كان عجل العتق وجعل الخدمة بعده فهي ساقطة، وإن كان أراد أن يعجل عتقه بعد الخدمة فهو كما قال، لا يعتق حتى يخدم.
وإنما وقع هذا الاختلاف في هذه الألفاظ لاحتمال أن يريد بكل لفظ منها إيجاب المال على العبد بعد العتق برضاه وبغير رضاه.
فالاختلاف المذكور فيها إنما ينبغي أن يكون إذا لم يكن سؤاله عما أراد بذلك، وأما إذا أمكن ذلك ولم يفت سؤاله فيسأل، فإن قال: أردت بذلك إيجاب المال عليه بعد الحرية إن رضي صدق قوله وكان الجواب في ذلك ما قاله في هذه الرواية، وإن قال أردت بذلك إيجاب المال عليه بعد الحرية وإلزامه ذلك بتلت حريته ولزمه المال في قول مالك، ولم يلزمه عند ابن القاسم، وإن قال: أردت أن لا يعتق حتى يؤدي المال إن رضي كان ذلك على ما قال إن رضي العبد بذلك كان مكاتبا، وإن لم يرض بقي رقيقا، وإن قال: أردت إلزامه العتق بعد الأداء شاء أو أبى جرى ذلك على الاختلاف في جبر السيد عبده على الكتابة، ومسألة آخر كتاب المدبر من المدونة التي ذكرناها تدل على ما قلناه من سؤال السيد، والله الموفق.

: قال إن بلغت غنمي ألفا وأنا حي فأنت حر

ومن كتاب أوله أول عبد أبتاعه فهو حر قال: وسألته عن الرجل يعطي غلامه مائة شاة أو مائة بقرة أو نحو ذلك فيقول أصلح إليها وأحسن بتفقدها، فإذا بلغت ألفا أو نحو ذلك مما يقول فأنت حر، فيموت السيد قبل أن تبلغ ما كان السيد

ذكره من العدة التي جعل له الحرية إذا بلغتها الغنم أو البقر.
قال: لا حرية له، والورثة يبيعونه إن شاؤوا ويقتسمون الغنم والبقر، قلت: أرأيت إن صارت بعد موت السيد إلى تلك العدة قبل أن يقتسمها الورثة أو يخرجوها من يد العبد أو يكون بذلك حرا؟ فقال: لا؛ لأنه بمنزلة رجل قال: إن بلغت غنمي ألفا وأنا حي فأنت حر، فلما مات لم يلزم الورثة من ذلك الشرط شيء.
قلت: أرأيت إن أراد السيد في حياته بيع العبد أو إخراجه من الغنم أو إدخال غيره فيها لما رأى من تضييعه إياها أو أراد بيع الغنم أو شيئا منها لبعض حاجته أيمنع أم يوقف العبد وتوقف الغنم في يديه لا يبيعه ولا يبيعها ولا شيئا منها؟ وكيف إن رأى ضيعة فيها تلف الماشية على يدي العبد أيقره؟ وقال أصبغ عن رجل كاتب عبده على غنم كانت له في يد العبد على أن يبلغها ثلاثمائة أو أقل من ذلك أو أكثر إلى أجل هل تصح الكتابة؟ وكيف إن مات السيد قبل أن تتم الغنم أو ماتت الغنم كلها أو بعضها أو مات جميعها قبل الكتابة أو بعد الكتابة؟ قال أصبغ: لا تعجبني هذه الكتابة وليست من كتابة المسلمين، وأرى إن وقعت ونزلت وعقد ذلك له أن يتمه كما لو استأجره بمال دفعه إليه ويشترط له حريته بربحه فيه إذا بلغ كذا وكذا، فهو عقد عتق بشبهة فينفذ، فإن كان له أجل وجاء أجله وعجز رق وعجز، وإن لم يكن له أجل فإلى مقدار ما يرى من سعي مثله وكتابة مثله بأجل مثله، ورأيت ذلك له ثابتا، وإن مات السيد فإن أتمه بعد موت السيد فذلك له، وإن عجز عجز لعجزه في حياته بعد حد ذلك ووقته لما يرى، وإن لحق السيد دين لم أر أن يضره ذلك إن كان محدثا بعد الذي عقد له.

وإن ماتت الغنم فإن العبد على رأس أمره إلى حده الذي كان يرى، أو إلى أجله، فإن قام بذلك فرجا من حيث طمع حتى يبلغه كان ذلك له، ولا أرى عليه إعلاق ما بقي، ولا أرى عليه في الأموات التي كان دفع الأشياء، وأرى أن تجعل الأموات ها هنا كالحية التي لم تمت ويحسبها ويقوم بما بقي، وأرى هذا إلى العبد إن شاء أن يمضي وإن شاء أمكن من نفسه، وليس للسيد إلزامه إياه، فإن فعل وإلا عجز إن شاء، وسواء عليه دفعها إلى السيد أو ماتت في يد العبد.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة ها هنا وفي أول رسم سماع أصبغ بعد هذا من هذا الكتاب، وفي رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب العتق، فلم يرها ابن القاسم ها هنا ولا في سماع أصبغ بعد هذا كتابة وقال في ذلك: إنه إنما عتق أوجبه لعبده إن بلغت الغنم في حياته العدد الذي سمى، ورآها في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب العتق كتابة، وقال أصبغ ها هنا: إنها كتابة إذا لفظ بها بلفظ الكتابة، وهو ظاهر ما وقع له في أول رسم من سماع أصبغ بعد هذا، ولم يفرق ابن القاسم بين أن يلفظ بلفظ الكتابة فيقول: إذا كاتبتك على أن تقوم على هذه الغنم، وإذا بلغت كذا وكذا فأنت حر ولا يلفظ بلفظ الكتابة، فيقول له قم على هذه الغنم فإذا بلغت كذا وكذا من العدد فأنت حر، بل اختلف قوله في ذلك اختلافا واحدا؛ لأنه إذا حكم لها بحكم الكتابة ولم يلفظ بلفظ الكتابة على ما وقع من قوله في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب العتق فأحرى أن يحكم لها بحكم الكتابة إذا لفظ فيها بلفظ الكتابة وإن لم يحكم لها بحكم الكتابة إذا لفظ فيها بلفظ الكتابة على ما وقع من قوله في سماع أصبغ بعد هذا، فأحرى أن لا يحكم لها بحكم الكتابة.
وتفرقة أصبغ على ما يظهر من مذهبه بين أن يلفظ بلفظ الكتابة أو لا

يلفظ به قول ثالث في المسألة، ومن حكم لها بحكم الكتابة إذا لفظ فيها بلفظ الكتابة أو إذا لم يلفظ به على ما ذكرناه من الاختلاف في ذلك، فلم يراع التعبير في الغنم الذي دفع إليه وأبطل الشرط في تعينها وجعله مكاتبا بعدد ما زاد من الغنم على ما دفع إليه إلى الأجل أنه سمي له أو إلى ما يضرب له من الأجل إن لم يسم له أجلا تلفت الغنم التي دفع إليه أو لم تتلف، وهو نص قول أصبغ في هذه الرواية على أصله في أن الكتابة على الشرط الفاسد تجوز ويبطل الشرط؛ لأنه قال: الغنم إن ماتت فهو على رأس أمره إلى حده الذي كان يرى أو إلى أجله يريد الذي سمي إن سمى أجلا، وبين ما ذكرناه من أن الكتابة على مذهب من يجيزها إنما يراها كتابة بما زاد العدد على ما دفع إليه، قوله: إن الغنم الذي دفع إليه محسوبة له كانت حية أو ميتة ماتت في يديه أو بعد أن دفعها إلى سيده، فإن كان كتابته بأن دفع إليه مائة من الغنم على أنه حر إذا بلغت ثلاثمائة فإنما هو مكاتب بما يتبين؛ لأن المائة التي دفع إليه محسوبة له على كل حال في الثلاث المائة التي كاتبه عليها، كانت حية أو ميتة، ماتت في يديه أو بعد أن ردها إلى سيده، ومن رآها كتابة لم يضرها عنده الدين المستحدث على ما قاله أصبغ في هذه الرواية، ومن لم يرها كتابة وإنما جعله عتقا بشرط بلوغ الغنم العدد الذي سمي في حياته رأى الدين المستحدث يبطله على ما قاله ابن القاسم في أول سماع أصبغ، فكل واحد منهما شيء على أصله.
ولما سأله يحيى في هذه الرواية: هل له على أصله فيها أنها ليست بكتابة أن يبيع العبد أو الغنم أو يدله منها لما خشي من تضييعه إياها سكت له عن الجواب على ذلك، فأما إدالته منها وإدخال غيره مكانه فيها فلا إشكال في أن ذلك له، وأما بيعه للعبد أو الغنم فيجري على ذلك على اختلاف قول مالك وابن القاسم في الذي يقول لعبده: أنت حر إذا قدم فلان هل له أن يبيعه أم لا؟ لأنه لم يجعلها كتابة وإنما رآه معتقا إلى أجل قد يأتي وقد لا يأتي، فأشبه قوله: أنت حر إذا قدم فلان، والله أعلم، وفي المدنية لابن القاسم من رواية عيسى

عنه مثل نص قوله في هذه الرواية، وفيها لابن كنانة أنه سئل عن رجل قال لغلامه: أكاتبك على أن أعطيك عشر بقرات، فإذا صارت خمسين فأنت حر فهذه كتابتك، فرضي بذلك العبد.
قال ليست هذه كتابة ومتى ما علم بهذا فسخ، قال: ولكنه إن جاء بالبقرات وقد صارت خمسين قبل أن يعلم بها وسيده حي عتق، قال: فإن مات السيد لم تكن تلك الكتابة شيئا وكان موروثا هو والبقرات، وليس قول ابن كنانة مخالفا لقول ابن القاسم؛ لأن معنى قوله: إنها ليست بكتابة ويفسخ متى ما علم بها يريد ويكون الحكم فيها إذا فسخت ما قاله بعد ذلك من أنه يعتق إن صارت البقرات خمسين في حياة سيده، وهو نص قول ابن القاسم في المدنية، وفي هذه الرواية خلاف قوله في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب العتق وخلاف قول أصبغ أيضا، وبالله التوفيق.

: ولد المكاتبة يدخل معها في كتابته

من سماع محمد ابن خالد من ابن القاسم قال محمد بن خالد سألت ابن القاسم عن رجل أوصى ورثته فقال: إن أعطتكم فلانة- في جارية له- ثلاثين دينارا فأعتقوها فغفل ورثته عنها من بعد موته حتى ولدت، ثم إنهم اقتضوا منها الثلاثين دينارا فأعطتها إياهم هل تعتق هي وولدها؟ فقال: لا يعتق غيرها وقد سألني عنها رجل بالإسكندرية فأخبرته مثل ما أخبرتك فقال لي: إنها وقعت فكتب بها إلى مالك فأجاب فيها بجوابك، قلت لابن القاسم: فرجل قال لجاريته: إن جئتني بمائة دينار إلى سنة فأنت حرة فقبلت، ثم إنها ولدت من قبل أن تأتي السنة هل تعتق هي وولدها إن هي أعطته المائة أو هل يبيعها

من قبل أن تأتي السنة، قال ابن القاسم: أما ولدها فلا يعتق معها وليس له أن يبيعها حتى تعطي المائة عند السنة أو لا تعطي.
قال محمد بن رشد: أما قوله في المسألة الأولى إن ولد الجارية لا يعتق معها إن أعطتهم الثلاثين فهو بيّن على ما قاله؛ لأنها ولدت الولد قبل أن يجب لها العتق؛ إذ هي مخيرة بين أن تعطي الثلاثين أو لا تعطها، ويدخل في ذلك من الاختلاف بالمعنى ما في دخول ولد المحلوف بحريتها معها في اليمين التي الحالف فيها على بر، وقد مضى ذلك في غير ما موضع من كتاب العتق وغيره.
وأما قوله في المسألة الثانية: إن ولدها لا يعتق معها فهو بعيد مخالف للأصول؛ لأنهم مجمعون على أن ولد المكاتبة يدخل معها في كتابته، وهذه كتابة بينة إذا قبلت ما أعطاها السيد؛ إذ لا وجه لقبولها ذلك إلا التزامه، وإذا التزمته صارت كالمكاتبة لم يكن لها أن لا تؤدي المائة عند السنة وتعجز نفسها إلا أن لا يكون لها مال ظاهر، ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم أنها إنما قبلت أن يكون إليها ما جعل إليها من أن تأتي بالمائة إن شاءت فتعتق أو لا تأتي بها فلا تعتق، وهذا بعيد لأن ذلك يجب لها بقول السيد، وإن لم تقل: قد قبلت، وقد مضى في رسم الصبرة من سماع يحيى من كتاب العتق ما فيه بيان هذا العتق، وبالله التوفيق.

: ميراث مكاتب المكاتب إذا أعتق

ومن سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن المكاتب يكاتب عبده فيعتق الأسفل ثم يموت عن مال وللمكاتب الأول أولاد أحرار من امرأة حرة وأولاد أحرار كانوا معه في الكتابة عجل السيد عتقهم

برضاه، أيرثون هذا المكاتب الأسفل إذا مات وقد أعتق؟ قال: لا.
قلت له: فإن كان المكاتب الأول بقي معه في كتابه بعض ولده فمات وترك مالا فيه وفاء؟ قال ابن القاسم: يؤدي الذين معه في الكتابة بقية الكتابة، ويكون بقية المال بينهم دون الأحرار الذين عجل عتقهم وغيرهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، من أن ميراث مكاتب المكاتب إذا أعتق لا يكون لوُلد سيده المكاتب له الأحرار ما دام على كتابته؛ لأن ولاء المكاتب الأسفل إذا عتق إنما هو للمولى الأعلى ما دام المولى الأسفل على كتابته، فإن أدى كتابته رجع ولاء كتابته، فما لم يؤد كتابته لم يجب له ولاء من أعتق من مكاتبيه، فما لم يجب له لا يصح أن يرثه عنه ورثته الأحرار.
وقوله: إن المكاتب الأول إذا مات وترك مالا فيه وفاء بكتابته وله ولد معه في كتابته وولد أحرار، إن ولده الذين معه في كتابته يؤدون مما ترك بقية كتابته ويكون ما فضل لهم دون ولده الأحرار، فهذا نص قوله في المدونة والموطأ وغيرهما من الدواوين، ولا اختلاف أحفظه في أنهم أحق بميراث أبيهم من ولده الأحرار إذا مات وترك وفاء من كتابته وفضلا وإنما يختلف هل يكون أحد منهم بولاء مكاتب أبيهم الذي أدى فعتق قبل موته، فقيل: إن الولاء لا ينجر إليهم عن أبيهم إذا أدوا كتابته مما ترك ويكونون أحق به من ولده الأحرار، وقيل: إنهم لا يكونون أحق منهم ويدخلون معهم، اختلف قول مالك، وقع اختلاف قوله في ذلك في المبسوطة، وقال ابن كنانة: ليس لواحد منهم من ولاء مكاتب أبيهم شيء؛ لأنه مات قبل أن يعتق، فولاء مكاتبه للسيد ولو أدى كتابته فعتق قبل أن يموت لرجع إليه ولاء مكاتبه وورثه عنه جميع ولده الذين كانوا معه في كتابته والأحرار الذين لم يدخلوا معه في كتابته، ولو مات ولم يترك

وفاء من كتابته فسعى ولده في بقيتها فعتقوا لم يكن لهم من ولاء مكاتبه شيء ولا للأحرار الذين لم يدخلوا في الكتابة، وكان ولاؤه للسيد، فقف على افتراق هذه المواضع الثلاثة إذا أدى المكاتب كتابته في حياته، وإذا أداها بنوه مما تخلفه وفاء بها فسعوا في بقيتها، وقد مضى في رسم إن خرجت من سماع عيسى تحصيل الاختلاف فيمن يرث المكاتب ممن هو معه في كتابته إذا مات قبل أن يؤدي كتابته فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: المكاتب إذا مات وترك وفاء بكتابته وله أم ولد وولد منها أو من غيرها

مسألة وقال ابن القاسم، في المكاتب يموت ويترك أم ولده وولدًا له منها أو من غيرها وترك المكاتب مالا فيؤدي عنه فيعتقون، قال: لا يرجعون عليه بشيء، وكذلك لو لم يترك مالا فسعوا عتقت بأدائهم.
قلت: فإن لم يكونوا ولدها ولكنهم ولد المكاتب من غيرها؟ قال: هم بمنزلة ولدها، قلت: فإن إخوة المكاتب وليس معها ولد وقد ترك وفاء أو لم يترك وفاء؟ قال: سواء، يعتق الإخوة وتكون أما لهم، وإنما تتم حرمتها مع ولده منها ومن غيرها.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المكاتب إذا مات وترك وفاء بكتابته وله أم ولد وولد منها أو من غيرها فيؤدي عنهم فيعتقون، إن الولد لا يرجعون على أم الولد بشيء كانت أمهم أو لم تكن أمهم - صحيح؛ لأنه لو أدى هذا الكتابة لم يرجع على أم ولده بشيء، فكذلك لا يرجعون هم عليها بما أدوا من ماله، كانت أمهم أو لم تكن أمهم، ولو لم يترك مالا فعتقت بسعيهم رجعوا عليها بما أدوا عنها إن لم تكن أمهم على مذهب ابن القاسم؛ إذ ليست ممن تعتق عليه، ولم يرجعوا عليها على مذهب أشهب في أن المكاتب لا يرجع على من معه في الكتابة بما أدى عنه إذا كان من ذوي محارمه، وإن كان مما لا يعتق عليه، وقد مضى هذا من قول أشهب والاختلاف

فيه في رسم إن خرجت من سماع عيسى.
وأما قوله: إن لم يترك المكاتب ولدا وترك إخوة، فسواء ترك وفاء أو لم يترك لا يعتق الولد بعتق الإخوة، وتكون أمة لهم، هو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، ولأشهب في كتاب ابن المواز: أنه إن ترك وفاء عتقت مع الأب والأخ، وإن لم يترك وفاء رقت، ولا تعلق في سعيها بعد ذلك، فاتفق ابن القاسم وأشهب على أنها تسعى مع الولد ولا تسعى مع الأب والأخ، واختلفا هل تعتق بعتقهما إذا ترك وفاء؟ فقال ابن القاسم: إنها لا تعتق بعتقهما، وقال أشهب: إنها تعتق بعتقهما، وبالله التوفيق.

مسألة: يطأ أم ولد مكاتبه فتحمل منه

مسألة قال: وسألت ابن القاسم: عن الرجل يطأ أم ولد مكاتبه فتحمل منه.
قال: يُحال بين المكاتب وبين وطئها حتى ينظر إلى ما يصير إليه حال المكاتب، فإن أدى عتق وكانت أم ولده، وإن عجز كانت أم ولد السيد.
قلت لابن القاسم: فإن خاف العجز فأراد بيعها؟ قال: لا يبيعها ولكن يكون على السيد قيمتها يوم تؤخذ، ويعتق المكاتب فيها، فإن فضل شيء كان له.
قلت لابن القاسم: فالولد ألا يأخذ المكاتب قيمته يستعين بها في كتابته؟ قال: لا، وهو في القندان على خلاف هذا.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إن السيد لا يجب عليه لمكاتبه شيء في أم ولده إذا وطئها فحملت منه وهو لا يخاف العجز من أجل أن أمرها لا يخلو من أن تصير ملكا له إن عجز أو حرة إن أدى كتابته ولم يعجز، وفي كلا

الحالتين تسقط القيمة عن السيد، هذا وجه قول ابن القاسم، وفيه نظر؛ لأنه قد أفسدها على المكاتب ومنعه ما كان له من الاستمتاع بها، فكان القياس أن تكون عليه قيمتها كما لو قتلها هو أو رجل غيره، ولما لم ير عليه ابن القاسم قيمتها للوجه الذي ذكرناه لم ير عليه أيضا في الولد قيمة، وقال: الجواب فيها في القندان على خلاف هذا، فيحتمل أن يكون الذي في القندان أن يؤخذ من السيد الواطئ قيمة ولده على أنه ولد أم ولد فيوقف، فإن أدى أو عجز رجعت القيمة إليه؛ لأنها إذا أدت أو عجزت سقط حقه فيها [وإذا سقط حقه فيها] ، سقط في ولدها، وإن ماتت قبل أن تؤدي أو تعجز كانت له القيمة يستعين بها في كتابته، وأما إذا خاف المكاتب العجز فكان له أن يبيعها من أجل خوفه العجز.
فقوله: إنه يكون على السيد الواطئ قيمتها يوم تؤخذ منه ويعتق المكاتب فيها - فهو مثل ما في كتاب ابن المواز لابن القاسم في سيد المكاتب يطأ أمة مكاتبه فتحمل أنها يعتق فيما لزمه من قيمتها؛ لأن أم ولده تصير في هذا الحد كأمته في أن له بيعها، وقد مضى في رسم العرية من سماع عيسى اعتراض محمد بن المواز قول ابن القاسم في أنه يعتق فيما لزم السيد من قيمة أمته، ووجه العمل في ذلك وما في المدونة فيه، فلا معنى لإعادته.

مسألة: المكاتب إذا أعتق السيد أمته ثم عجز المكاتب وهي عنده أيعتق أم لا

مسألة قال: وسألت ابن القاسم: عن المكاتب إذا أعتق السيد أمته ثم عجز المكاتب وهي عنده أيعتق أم لا؟ قال: نعم، قلت: وكيف إن خاف العجز أله أن يبيعها أم لا؟ أو لم يخف العجز أله أن يبيعها؟ قال: نعم، قلت: وكيف إن خاف العجز أو لم يخف ولا

يعتق على السيد إلا وهي عنده؟ وإن فيه لقولا ولكن هذا أحسنه إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على قياس قوله في المدونة في المكاتبين في كتابة واحدة يعتق السيد أحدهم ممن فيه قوة على السعاية فلا يرضى أصحابه ثم يعجزون: إنهم يعتق عليه، وكذلك أيضا لو أعتق المكاتب أو العبد عبده فردَّ ذلك السيد ثم أعتق العبد أو أدى المكاتب كتابته والعبد عنده: إنه يعتق على كل واحد منهما واختُلف.
وقد اختلف في المرأة تعتق العبد وهو أكثر من ثلث مالها فيرده الزوج ثم يموت عنها أو يطلقها، فقيل: إنه يعتق عليها، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وقيل: إنه لا يعتق عليها وهو قول أشهب، وقيل: إنها تؤمر بذلك ولا تجبر عليه، وهو قول ابن القاسم، والاختلاف في هذه المسألة داخل في مسألتنا؛ لأنه إذا لم يلزم ذلك المرأة فأحرى أن لا يلزم ذلك السيد، فالاختلاف من مذهب ابن القاسم قائم من مسألتنا هذه، وقد أشار إلى هذا بقوله: وإن فيه لقولا، ولكن هذا أحسنه، ولا اختلاف في أن له أن يبيع خاف أو لم يخف، وبالله التوفيق.

مسألة: المكاتب يكون بين الرجلين فيريد أحدهما بيع نصيبه بإذن شريكه

مسألة قال ابن القاسم، في المكاتب بين الشركاء فيبتاع أم المكاتب من بعض الشركاء فيه جزءا مما على المكاتب، قال: سألت مالكا على المكاتب يكون بين الرجلين، فيريد أحدهما بيع نصيبه بإذن شريكه، قال: لا يجوز إلا أن يبيعاه جميعا، فالأم عندي بمنزلته إلا أن يبتاعه كله أو لا يبتاع منه شيئا.

قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن الأم بمنزلة الأجنبي في ابتياع بعض كتابة المكاتبة، إذ لا يعتق المكاتب بابتياع أمه جزءا من كتابته، وإنما يعتق إذا ابتاعه كتابته كلها؛ لأنها تسقط عنه بابتياعها له على ما مضى في رسم يشتري الدور من سماع يحيى فيعتق بذلك، وقد مضى تحصيل الاختلاف في بيع جزء من كتابة المكاتب، في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وتكررت المسألة في رسم الكبش من سماع يحيى وفي رسم المدبر عن سماع أصبغ، وبالله التوفيق.

: وهب لرجل نصف كتابته أو جلها ثم عجز

من سماع موسى بن معاوية من ابن القاسم قال موسى بن معاوية: قال ابن القاسم، في رجل أعطى رجلا كتابة مكاتبه في صحته فعجز عن المعطى، فقال مالك: هو للذي وهبت له كتابته، وهو بمنزلة من ابتاعه.
وكذلك قال لي مالك.
قال أبو زيد بن أبي الغمر عن ابن القاسم: ولو أن رجلا أعطى رجلا في حياته وصحته كتابة مكاتبه، فعجز عنه المعطى كانت رقبته لسيده المعطي.
قال محمد بن رشد: رواية أبي زيد هذه خلاف ما يأتي له في سماعه بعد هذا، مثل رواية موسى، وقد ذكر ابن المواز عن مالك فيمن وهب لرجل نصف كتابته أو جلها ثم عجز، فإن له بقدر ذلك من رقبته ملكا مثل البيع، وقاله أشهب وأصبغ، وذكر أبو بكر بن محمد عن أشهب مثل رواية أبي زيد هذه، والقياس أن لا فرق في هذا بين البيع والهبة، وأن تكون له رقبته إذا وهبت له كتابته فعجز عما كان يكون له إذا اشتراها فعجز، وكذلك إذا وهب له منها جزءا أو نجما بغير عينه فعجز يكون له من رقبته بقدر ذلك الجزء أو بقدر النجم من عدد النجوم، ورأى على إحدى روايتي أبي زيد وأحد قولي أشهب:

أن الواهب للكتابة إذا قصد إلى هبة المال لا إلى هبة الكتابة على ما يوجبه الحكم في شرائها من أن تكون له الرقبة إن عجز عنها، وليس ذلك بيّنا، وبالله التوفيق.

: العبد تكون له أم ولد فيكاتبه سيده عليها ويجعل كتابتهما واحدة

مسألة وسئل ابن القاسم: عن العبد تكون له أم ولد فيكاتبه سيده عليها ويجعل كتابتهما واحدة، قال: يحرم فرجها على سيده، ويكون ذلك كالانتزاع منه.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله؛ لأنه إذا كاتبها معه فقد انتزعها منه، فوجب أن تحرم بذلك عليه، وبالله التوفيق.

: المكاتب يعجز نفسه ويرضى بفسخ الكتابة

مسألة قال ابن القاسم، في المكاتب يقول لسيده: امح عني كتابتي وارددني على حالي التي كنت عليها، هل له أن يفعل ذلك به؟ قال ابن القاسم: سألنا مالكا عن المكاتب يعجز نفسه ويرضى بفسخ الكتابة، وسمعته غير مرة، وهو يقول: إن كان له مال ظاهر لم يكن له أن يعجز نفسه، وإن كان له مال صامت لا يعرف وعجز نفسه ورضي بفسخ الكتابة رأيت ذلك له دون السلطان.
قال محمد بن رشد: هذا نص ما في المدونة وهو المشهور في المذهب أن المكاتب ليس له أن يعجز نفسه إذا كان له مال ظاهر وإن رضي بذلك سيده؛ لأن الكتابة يتعلق فيها حق الله تعالى، وقيل: إن للمكاتب أن يعجز نفسه وإن كان له مال ظاهر ما لم يكن له بنون صغار، قاله ابن عبد الحكم في مختصره عن مالك، ومعناه: إذا رضي بذلك سيده خلافا للشافعي في قوله: إن ذلك له وإن أبق سيده بالكتابة على رواية ابن عبد الحكم عن مالك

كالبيع الذي لا يتعلق فيه حق لغير المتبايعين، فتجوز الإقالة بينهما فيه، والقول الأول أظهر؛ لأن الكتابة عقد من عقود الحرية فلا يجوز إبطاله إلا من ضرورة، والشافعي لا يرى في الكتابة حقا إلا للعبد، فيراه أحق بالتمسك بها وبنقضها، وقول مالك أصح؛ لأنها عقد معاوضة بتراضيهما، فإذا لم يكن للسيد الرجوع فيه وجب أن لا يكون للعبد الرجوع فيه.
وأما إذا لم يكن للمكاتب مال ظاهر فجحد أن يكون له مال باطن وأراد أن يعجز نفسه وأبى السيد ذلك عليه لم يكن له ذلك إلا بإذن السلطان كما أنه إذا أراد السيد تعجيزه وأبى هو من ذلك لم يكن ذلك إلا بالسلطان.
واختلف إذا أجابه سيده إلى ما دعا إليه من تعجيزه نفسه وصدقه فيما ادعاه من أنه لا مال له، فقال في هذه الرواية وفي المدونة: إن ذلك له دون السلطان، فإن عجز نفسه برضا سيده دون السلطان ثم ظهرت له أموال أخفاها مضى التعجيز وبقي رقيقا ولم يرجع في الكتابة إلا برضاهما جميعا.
وقال سحنون: لا يكون التعجيز إلا عند السلطان، وهو قول ابن كنانة في المدنية، فعلى قولهما: إن عجز نفسه برضا سيده دون السلطان ثم ظهرت له أموال كان أخفاها وجب أن يرد على كتابته، وهذا القول أظهر على قياس القول بأن الكتابة يتعلق بها حق لله تعالى، فلا يجوز للمكاتب أن يعجز نفسه إذا كان له مال ظاهر وإن رضي سيده؛ لأنه إذا لم يكن له مال ظاهر فرضي سيده دون السلطان اتهما جميعا على إسقاط حق الله تعالى في إبطال الكتابة، والسلطان يكشف عن حال المكاتب إذا ارتفعا إليه ورضيا بالتعجيز، فإن تبين له كذبه فيما يدعي من أنه لا مال له لم يمكنه من تعجيز نفسه، وقد قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: إنه إن اتهم بمال ولدد رأيت عليه العقوبة، وله أن يعجز نفسه إذا لم يكن له مال وإن كان صانعا، قاله ابن القاسم في كتاب ابن المواز، قال محمد: وأما إن كان له مال ظاهر فلا يعجز نفسه ويؤخذ منه لسيده شاء أو أبى، يريد بعد محله ويعتق، وبالله التوفيق.

: قال لغلامه أكاتبك على أن أعطيك عشر بقرات فإذا صارت خمسين فأنت حر

من سماع أصبغ من ابن القاسم قال أصبغ: سئل ابن القاسم: عمن قال لغلامه: أكاتبك على أن أعطيك عشر بقرات، فإذا صارت خمسين فأنت حر، هذه كتابتك.
فرضي الغلام بذلك، قال: ليست هذه عندي كتابة ولا أرى لسيده أن يفسخها لما جعل له من العتق، وهو عندي مثل ما يقول رجل: اشهدوا إذا بلغت بقري هذه خمسين فغلامي حر، ويعطيه إياها، وليس له أن يبيعها ولا يفسخ ما جعل له إلا أن يرهقه.
قال أصبغ: لا يعجبني قوله، وأراها كتابة، وقد يجوز في الكتابة الغرر والمجهول من المال والآجال، ومن لفظ الكتابة وفعلها ما هو أكبر من هذا وأشد، ولا أرى أن يفسخ عنه حتى يتبين عجزه عما قال بأمر بين.
قال محمد بن رشد: أصبغ يراها كتابة جائزة فلا يبطلها الدين المستحدث على أصله ومذهبه، وقد نص على ذلك في رسم أول عبد ابتاعه فهو حر من سماع يحيى، وإلى قوله ذهب أحمد بن ميسر، فقال: إن له بيع الذكور وأحصى عددها وكذلك الإناث التي انقطع ولادتها ولا يفسخ ما جعل له وإن رهقه دين، وقد مضى الكلام على هذه المسألة مستوفى في الرسم المذكور من سماع يحيى فلا معنى لإعادته، وإنما قال أحمد: إن له بيع الذكور والإناث التي انقطع ولادتها وأحصى عددها؛ لأن من حقه أن يعدها على سيده في العدد الذي كاتبه عليه كما يعد عليه ما مات منها على ما قاله أصبغ فيما مضى من رسم سماع يحيى، وقد بينا وجهه، وبالله التوفيق.

: يكاتب عبده ويشترط عليه غير ما مضى من عمل الناس في الكتابة

من كتاب المدبر قال أصبغ: سمعت ابن القاسم، يقول في الذي يكاتب عبده

ويشترط عليه غير ما مضى من عمل الناس في الكتابة وغير وجه الكتابة، مثل أن لا يخرج من عمله وخدمته حتى يؤدي، وما أشبه ذلك.
فقال: أراه على كتابته، والكتابة ثابتة لازمة حتى يعجز، والشرط لازم ولا يفسخ عنه؛ لأنه ليس فيه حرام من واحد منهما لصاحبه، وإنما هو رجل قال له: إن دفعت إلي عشرة دنانير في كل شهر مع خدمتك إياي فأنت حر، فهو جائز، وغيره أحسن منه مما يعرف من وجه الكتابة، ولهذا جاز أن يشترط عليه أن يسافر معه.
قال: وإن كانت خدمته بعد قضاء الكتابة بطلت عنه.
قال أصبغ: لا يعجبني ما قال في إلزامه الشرط، ولكن أرأيت إن ثبتت الكتابة وسقط الشرط كالذي يشترط وطء الأمة في كتابتها أو استثناء ولدها مما تلد أو مما يولد للمكاتب من أمته بعد ذلك رقيقا وتمضي الكتابة على سنتها حتى يعجز ويسقط الشرط ولا يكون له أن يطأ ولا يرد الولد في الرق، ولا تبطل الكتابة لشرطه، فكذلك الخدمة ونحوها إلا خدمة مؤقتة بسفر وما أشبهها حتى يعتق.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في سماع أشهب، فلا وجه لإعادته.

مسألة: بيع جزء من المكاتب

مسألة وسئل: عن بيع جزء من المكاتب نصفه أو ثلثه أو جزء منه.
قال: لا بأس بذلك، ولا بأس أن يبيع نجما من نجوم المكاتب، وذلك يرجع إلى أن يكون جزءا، وذلك إذا اشترى نجما من جميع نجومه، وليس نجما بعينه، وقاله أصبغ.

قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن القاسم خلاف ما مضى من قول مالك في سماع يحيى وسحنون، وفي رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم مثل قول أصبغ وسحنون فيه، وقد مضى هنالك القول على ذلك مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

: أوصى بخدمة جارية للابن له حياته فإذا مات كوتبت بعشرين دينارا

ومن كتاب الوصايا قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم، وسئل: عمن أوصى بخدمة جارية للابن له حياته فإذا مات كوتبت بعشرين دينارا.
فقال: إن وسعها الثلث وقفت نجوم الابن إن أجاز له الورثة الخدمة وإن أبوا أن يجيزوا الخدمة اقتسموا الخدمة على الفرائض ما عاش الابن الموصى له بالخدمة، فإذا مات كوتبت بعشرين دينارا كما أوصى الميت، وتكون تلك الكتابة إن أدت بين من ورث الميت على فرائض الله، وتعتق إن أدت، وإن عجزت رقت وكانت بين من ورثه الميت على الفرائض رقيقا لهم.
قال أصبغ: وولاؤها إن أدت وعتقت للميت الموصي بكتابتها وعصبته الذين يرثون الولاء من الرجال، قال أصبغ: قال ابن القاسم: وإن لم يحملها الثلث خير الورثة بين أن ينفذ ما أوصى له به.
قال أصبغ: فإن أنفذوا ذلك كان كخروجها من الثلث على مجرى ذلك سواء.
قال ابن القاسم: وتكون موقوفة على الابن في خدمتها إلى الأجل، ويقتسمون الخدمة معه إن لم يجيزوا له خدمة خاصة ويكاتبوها بعد ذلك.
قال أصبغ: وبين أن يعجلوا لها الكتابة الساعة وتسقط الخدمة وتسعى فيها فتؤدي وتعتق أو تعجز فترق أو يعتقوا منها ما حمل الثلث بتلا، ويسقط ما سوى ذلك كله إذا أبوا ما فوقه.

قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال فيها ولا موضع للقول إلا قول أصبغ إذا لم يحملها الثلث إن الورثة يخيرون بين أن ينفذوا الوصية أو يعجلوا لها الكتابة وتسقط الخدمة ويعتقوا منها ما حمل الثلث بتلا، فإنما يكون ما ذكره من تعجيل الكتابة وإسقاط الخدمة إذا اتفق الورثة كلهم على ذلك الموصى له بالخدمة ومن سواه منهم، فإن أبى ذلك أحدهم أعتق منها ما حمل الثلث بتلا إلا أن يجيزوا الوصية على وجهها، وقد تكررت هذه المسألة في آخر سماع موسى بن معاوية، وزاد فيها هذه الزيادة من قول ابن القاسم، وبالله التوفيق.

مسألة: أوصى لثلاثة نفر بكتابة مكاتبه

مسألة وقال، في رجل أوصى لثلاثة نفر بكتابة مكاتبه، أوصى لرجل بالنجم الأول، وللثاني بالنجم الثاني، وللثالث بالنجم الثالث، فعجز المكاتب بعدما قبض الأولان، قال: يرجع بين الثلاثة نفر رقيقا ويكون لكل واحد منهم بقيمة نجمه منه ولا يرجع الآخر على الأولين بشيء مما أخذا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة وفي مسألة رسم الوصايا الصغير بعد هذا أن الموصي لهم بجميع كتابة مكاتبه، ثم قال: يأخذ فلان منهم منها النجم الأول، وفلان النجم الثاني، وفلان النجم الثالث.
وأما لو أوصى لأحد منهم بالنجم الأول من نجوم مكاتبه، وللثاني بالنجم الثاني، وللثالث بالنجم الثالث، دون أن يتقدم من إيصائه لهم بجميع كتابته ما يكون هذا من قوله تفسيرا لما يأخذه كل واحد منهم من الكتابة التي أوصى لجميعهم بها لما كانت رقبته إن عجز إلا للموصي له بآخر نجم منها؛ لأن من أوصى له بنجم بعينه من نجوم مكاتبه لو اشتراه أو وهب له لم يكن له حق في رقبته إن عجز باتفاق إلا أن يكون النجم الذي اشتراه أو وهب إياه أو

أوصى له به آخر نجوم المكاتب، فيكون بمنزلة من اشترى جميع الكتابة أو وهبت له وأوصى له بها في أنه يكون له رقبته إن عجز فرده.
قوله في هذه الرواية: إذا أوصى لهم بجميع كتابة مكاتبه، وقال أن يأخذ أحدهم منها النجم الأول، والثاني: النجم الثاني، والثالث: النجم الثالث، فقبض الأول النجم الأول، والثاني: النجم الثاني، ثم عجز المكاتب في النجم الثالث - إنه يرجع رقيقا بين الثلاثة نفر على قدر قيمة نجومهم، ولا يكون للآخر رجوع على الأولين بشيء مما أخذا هو أن الأول والثاني إنما قبضا حقهما الذي أوصى لهما به من غير أن يبديهما الثالث، فوجب أن لا يكون له عليهما به رجوع قياسا على ما قالوا في المكاتب بين الشريكين يحل عليه نجم من النجوم فقبض أحدهما حقه منه وينظره الآخر بنصيبه منه، ثم يعجز في النجم الثاني: إنه يكون رقيقا بينهما، ولا يكون للثاني رجوع على الأول بما قبض من النجم الأول؛ لأنه إنما قبض حقه منه دون أن يبديه به صاحبه على ما قال في رسم الكبش من سماع يحيى، وبالله التوفيق.

مسألة: أوصى لرجل بنجم من نجوم مكاتبه

مسألة قلت: فلو أوصى لرجل بنجم من نجوم مكاتبه، فقال الورثة: نحن ندفع إليك نجما، وقال هو: لا أرضى لعله أن يعجز فيكون لي فيه حق.
قال: إن كان النجم لم يحل فذلك له، وإن حل فذلك لهم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن النجم الذي أوصى له به هو آخر نجم من نجوم المكاتب؛ لأن من أوصي له بنجم بعينه من نجوم المكاتب وليس بآخر نجم من نجومه، فلا حق له في رقبة المكاتب إن عجز.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
مسألة: المكاتب ليس له أن ينكح ولا يسافر إلا بإذن سيده: من اشترى كتابة مكاتب أو وهبت له أو أوصي له بهامسألة: مات أحد المكاتبين في كتابة واحد: يبيع مكاتبه فيعتقه الذي اشتراه: وطئ مكاتبة مكاتبه فحملتمسألة: يطأ مكاتبة ابنه فتحمل: المكاتب يبتاع من بعض من يعتق على سيده إذا ملكه أيعتق عليه: المكاتب يشتري الرجل كتابته: كان ثلاثة إخوة في كتابة واحدة فجنى أحدهممسألة: يضع عن مكاتبه عند الموت نجما من نجومه: من أوصى بوصية لرجل أو بعتق أو كتابة: يقول اخدم ابني كذا وكذا سنة ثم أنت حر فيموت قبل الأجلمسألة: قال الرجل لعبده أنت حر على أن تدفع إلي كذا وكذا: تحضره الوفاة فيقول لرجل خذ من عبدي فلان مائة: اقتسام الشركاء في الكتابةمسألة: حل النجم الثاني قبل عجزه فتعذر على المكاتب وانتظر لما يرجى له: يشتري ما على مكاتب لو ملك رقبته عتق عليه بالرحم: قال أنت حر على أن عليك خمسين دينارا: قال إن بلغت غنمي ألفا وأنا حي فأنت حر: ولد المكاتبة يدخل معها في كتابته: ميراث مكاتب المكاتب إذا أعتقمسألة: المكاتب إذا مات وترك وفاء بكتابته وله أم ولد وولد منها أو من غيرهامسألة: يطأ أم ولد مكاتبه فتحمل منهمسألة: المكاتب إذا أعتق السيد أمته ثم عجز المكاتب وهي عنده أيعتق أم لامسألة: المكاتب يكون بين الرجلين فيريد أحدهما بيع نصيبه بإذن شريكه: وهب لرجل نصف كتابته أو جلها ثم عجز: العبد تكون له أم ولد فيكاتبه سيده عليها ويجعل كتابتهما واحدة: المكاتب يعجز نفسه ويرضى بفسخ الكتابة: قال لغلامه أكاتبك على أن أعطيك عشر بقرات فإذا صارت خمسين فأنت حر: يكاتب عبده ويشترط عليه غير ما مضى من عمل الناس في الكتابةمسألة: بيع جزء من المكاتب: أوصى بخدمة جارية للابن له حياته فإذا مات كوتبت بعشرين دينارامسألة: أوصى لثلاثة نفر بكتابة مكاتبهمسألة: أوصى لرجل بنجم من نجوم مكاتبه
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل